صفحات الموقع

سورة الأعراف تفسير القرطبي

الۤمۤصۤ ﴿١﴾
سُورَة الْأَعْرَاف هِيَ مَكِّيَّة , إِلَّا ثَمَان آيَات , وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة " [ الْأَعْرَاف : 163 ] إِلَى قَوْله : " وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَل فَوْقهمْ " [ الْأَعْرَاف : 171 ] . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاة الْمَغْرِب بِسُورَةِ الْأَعْرَاف , فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ . صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ .



اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحُرُوف الَّتِي فِي أَوَائِل السُّورَة ; فَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَجَمَاعَة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ : هِيَ سِرّ اللَّه فِي الْقُرْآن , وَلِلَّهِ فِي كُلّ كِتَاب مِنْ كُتُبه سِرّ . فَهِيَ مِنْ الْمُتَشَابِه الَّذِي اِنْفَرَدَ اللَّه تَعَالَى بِعِلْمِهِ , وَلَا يَجِب أَنْ يُتَكَلَّم فِيهَا , وَلَكِنْ نُؤْمِن بِهَا وَنَقْرَأ كَمَا جَاءَتْ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة مِنْ الْمَكْتُوم الَّذِي لَا يُفَسَّر . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ نَجِد الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي أَوَائِل السُّوَر , وَلَا نَدْرِي مَا أَرَادَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِهَا . قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْحُبَاب حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي طَالِب حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِر الْوَاسِطِيّ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ الرَّبِيع بْن خُثَيْم قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآن فَاسْتَأْثَرَ مِنْهُ بِعِلْمِ مَا شَاءَ , وَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا شَاءَ , فَأَمَّا مَا اِسْتَأْثَرَ بِهِ لِنَفْسِهِ فَلَسْتُمْ بِنَائِلِيهِ فَلَا تُسْأَلُوا عَنْهُ , وَأَمَّا الَّذِي أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ وَتُخْبِرُونَ بِهِ , وَمَا بِكُلِّ الْقُرْآن تَعْلَمُونَ , وَلَا بِكُلِّ مَا تَعْلَمُونَ تَعْمَلُونَ . قَالَ أَبُو بَكْر : فَهَذَا يُوَضِّح أَنَّ حُرُوفًا مِنْ الْقُرْآن سُتِرَتْ مَعَانِيهَا عَنْ جَمِيع الْعَالَم , اِخْتِبَارًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَامْتِحَانًا ; فَمَنْ آمَنَ بِهَا أُثِيبَ وَسَعِدَ , وَمَنْ كَفَرَ وَشَكَّ أَثِمَ وَبَعُدَ . حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة عَنْ حُرَيْث بْن ظَهِير عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : مَا آمَنَ مُؤْمِن أَفْضَل مِنْ إِيمَان بِغَيْبٍ , ثُمَّ قَرَأَ : " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " [ الْبَقَرَة : 3 ] .



قُلْت : هَذَا الْقَوْل فِي الْمُتَشَابِه وَحُكْمه , وَهُوَ الصَّحِيح عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي ( آل عِمْرَان ) إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ جَمْع مِنْ الْعُلَمَاء كَبِير : بَلْ يَجِب أَنْ نَتَكَلَّم فِيهَا , وَيُلْتَمَس الْفَوَائِد الَّتِي تَحْتهَا , وَالْمَعَانِي الَّتِي تَتَخَرَّج عَلَيْهَا ; وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال عَدِيدَة ; فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَلِيّ أَيْضًا : أَنَّ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي الْقُرْآن اِسْم اللَّه الْأَعْظَم , إِلَّا أَنَّا لَا نَعْرِف تَأْلِيفه مِنْهَا . وَقَالَ قُطْرُب وَالْفَرَّاء وَغَيْرهمَا : هِيَ إِشَارَة إِلَى حُرُوف الْهِجَاء أَعْلَمَ اللَّه بِهَا الْعَرَب حِين تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مُؤْتَلِف مِنْ حُرُوف هِيَ الَّتِي مِنْهَا بِنَاء كَلَامهمْ ; لِيَكُونَ عَجْزهمْ عَنْهُ أَبْلَغَ فِي الْحُجَّة عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَخْرُج عَنْ كَلَامهمْ . قَالَ قُطْرُب : كَانُوا يَنْفِرُونَ عِنْد اِسْتِمَاع الْقُرْآن , فَلَمَّا سَمِعُوا : " الم " وَ " المص " اِسْتَنْكَرُوا هَذَا اللَّفْظ , فَلَمَّا أَنْصَتُوا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ الْمُؤْتَلِف لِيُثَبِّتهُ فِي أَسْمَاعهمْ وَآذَانهمْ وَيُقِيم الْحُجَّة عَلَيْهِمْ . وَقَالَ قَوْم : رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ سَمَاع الْقُرْآن بِمَكَّة وَقَالُوا : " لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ " [ فُصِّلَتْ : 26 ] نَزَلَتْ لِيَسْتَغْرِبُوهَا فَيَفْتَحُونَ لَهَا أَسْمَاعهمْ فَيَسْمَعُونَ الْقُرْآن بَعْدهَا فَتَجِب عَلَيْهِمْ الْحُجَّة . وَقَالَ جَمَاعَة : هِيَ حُرُوف دَالَّة عَلَى أَسْمَاء أُخِذَتْ مِنْهَا وَحُذِفَتْ بَقِيَّتهَا ; كَقَوْلِ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْأَلِف مِنْ اللَّه , وَاللَّام مِنْ جِبْرِيل , وَالْمِيم مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : الْأَلِف مِفْتَاح اِسْمه اللَّه , وَاللَّام مِفْتَاح اِسْمه لَطِيف , وَالْمِيم مِفْتَاح اِسْمه مَجِيد . وَرَوَى أَبُو الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " الم " قَالَ : أَنَا اللَّه أَعْلَم , " الر " أَنَا اللَّه أَرَى , " المص " أَنَا اللَّه أَفْصِل . فَالْأَلِف تُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى أَنَا , وَاللَّام تُؤَدِّي عَنْ اِسْم اللَّه , وَالْمِيم تُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى أَعْلَم . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الزَّجَّاج وَقَالَ : أَذْهَب إِلَى أَنَّ كُلّ حَرْف مِنْهَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنًى ; وَقَدْ تَكَلَّمَتْ الْعَرَب بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَة نَظْمًا لَهَا وَوَضْعًا بَدَل الْكَلِمَات الَّتِي الْحُرُوف مِنْهَا , كَقَوْلِهِ : فَقُلْت لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَاف أَرَادَ : قَالَتْ وَقَفْت . وَقَالَ زُهَيْر : بِالْخَيْرِ خَيْرَات وَإِنْ شَرًّا فَا وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَنْ تَا أَرَادَ : وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ . وَأَرَادَ : إِلَّا أَنْ تَشَاء . وَقَالَ آخَر : نَادَوْهُمْ أَلَا الْجُمُوا أَلَا تَا قَالُوا جَمِيعًا كُلّهمْ أَلَا فَا أَرَادَ : أَلَا تَرْكَبُونَ , قَالُوا : أَلَا فَارْكَبُوا . وَفِي الْحَدِيث : ( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُسْلِم بِشَطْرِ كَلِمَة ) قَالَ شَقِيق : هُوَ أَنْ يَقُول فِي اُقْتُلْ : اُقْ ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ( كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ) مَعْنَاهُ : شَافِيًا . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ أَسْمَاء لِلسُّوَرِ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هِيَ أَقْسَام أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى بِهَا لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا , وَهِيَ مِنْ أَسْمَائِهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , وَرَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل فَقَالَ : لَا يَصِحّ أَنْ يَكُون قَسَمًا لِأَنَّ الْقَسَم مَعْقُود عَلَى حُرُوف مِثْل : إِنَّ وَقَدْ وَلَقَدْ وَمَا ; وَلَمْ يُوجَد هَهُنَا حَرْف مِنْ هَذِهِ الْحُرُوف , فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون يَمِينًا . وَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : مَوْضِع الْقَسَم قَوْله تَعَالَى : " لَا رَيْب فِيهِ " فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا حَلَفَ فَقَالَ : وَاَللَّه هَذَا الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ ; لَكَانَ الْكَلَام سَدِيدًا , وَتَكُون " لَا " جَوَاب الْقَسَم . فَثَبَتَ أَنَّ قَوْل الْكَلْبِيّ وَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس سَدِيد صَحِيح . فَإِنْ قِيلَ : مَا الْحِكْمَة فِي الْقَسَم مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَكَانَ الْقَوْم فِي ذَلِكَ الزَّمَان عَلَى صِنْفَيْنِ : مُصَدِّق , وَمُكَذِّب ; فَالْمُصَدِّق يُصَدِّق بِغَيْرِ قَسَم , وَالْمُكَذِّب لَا يُصَدِّق مَعَ الْقَسَم ؟ . قِيلَ لَهُ : الْقُرْآن نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَب ; وَالْعَرَب إِذَا أَرَادَ بَعْضهمْ أَنْ يُؤَكِّد كَلَامه أَقْسَمَ عَلَى كَلَامه ; وَاَللَّه تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّد عَلَيْهِمْ الْحُجَّة فَأَقْسَمَ أَنَّ الْقُرْآن مِنْ عِنْده . وَقَالَ بَعْضهمْ : " الم " أَيْ أَنْزَلْت عَلَيْك هَذَا الْكِتَاب مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله : " الم " قَالَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْدَعَ جَمِيع مَا فِي تِلْكَ السُّورَة مِنْ الْأَحْكَام وَالْقَصَص فِي الْحُرُوف الَّتِي ذَكَرَهَا فِي أَوَّل السُّورَة , وَلَا يَعْرِف ذَلِكَ إِلَّا نَبِيّ أَوْ وَلِيّ , ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي جَمِيع السُّورَة لِيَفْقَهَ النَّاس . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَالْوَقْف عَلَى هَذِهِ الْحُرُوف عَلَى السُّكُون لِنُقْصَانِهَا إِلَّا إِذَا أَخْبَرْت عَنْهَا أَوْ عَطَفْتهَا فَإِنَّك تُعْرِبُهَا . وَاخْتُلِفَ : هَلْ لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَاب ؟ فَقِيلَ : لَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَسْمَاء مُتَمَكِّنَة , وَلَا أَفْعَالًا مُضَارِعَة ; وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ حُرُوف التَّهَجِّي فَهِيَ مَحْكِيَّة . هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهَا أَسْمَاء السُّوَر فَمَوْضِعهَا عِنْده الرَّفْع عَلَى أَنَّهَا عِنْده خَبَر اِبْتِدَاء مُضْمَر ; أَيْ هَذِهِ " الم " ; كَمَا تَقُول : هَذِهِ سُورَة الْبَقَرَة . أَوْ تَكُون رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر ذَلِكَ ; كَمَا تَقُول : زَيْد ذَلِكَ الرَّجُل . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان النَّحْوِيّ : " الم " فِي مَوْضِع نَصْب ; كَمَا تَقُول : اِقْرَأْ " الم " أَوْ عَلَيْك " الم " . وَقِيلَ : فِي مَوْضِع خَفْض بِالْقَسَمِ ; لِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهَا أَقْسَام أَقْسَمَ اللَّه بِهَا .
كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَیۡكَ فَلَا یَكُن فِی صَدۡرِكَ حَرَجࣱ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٢﴾
و " كِتَاب " خَبَره . كَأَنَّهُ قَالَ : " المص " حُرُوف " كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك " وَقَالَ الْكِسَائِيّ : أَيْ هَذَا كِتَاب .





" حَرَج " أَيْ ضِيق ; أَيْ لَا يَضِيق صَدْرك بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( إِنِّي أَخَاف أَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَة ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ مُسْلِم . قَالَ إِلْكِيَا : فَظَاهِره النَّهْي , وَمَعْنَاهُ نَفْي الْحَرَج عَنْهُ ; أَيْ لَا يَضِيق صَدْرك أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ , فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ , وَلَيْسَ عَلَيْك سِوَى الْإِنْذَار بِهِ مِنْ شَيْء مِنْ إِيمَانهمْ أَوْ كُفْرهمْ , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك " [ الْكَهْف : 6 ] الْآيَة . وَقَالَ : " لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " [ الشُّعَرَاء : 3 ] . وَمَذْهَب مُجَاهِد وَقَتَادَة أَنَّ الْحَرَج هُنَا الشَّكّ , وَلَيْسَ هَذَا شَكّ الْكُفْر إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيق . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَقَدْ نَعْلَم أَنَّك يَضِيقُ صَدْرك بِمَا يَقُولُونَ " [ الْحِجْر : 97 ] . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد أُمَّتُهُ . وَفِيهِ بُعْد . وَالْهَاء فِي " مِنْهُ " لِلْقُرْآنِ . وَقِيلَ : لِلْإِنْذَارِ ; أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْك الْكِتَاب لِتُنْذِر بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ . فَالْكَلَام فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير . وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيه قُوَّة الْكَلَام . أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك ضِيق مِنْ تَكْذِيب الْمُكَذِّبِينَ لَهُ . " وَذِكْرَى " يَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع وَنَصْب وَخَفْض . فَالرَّفْع مِنْ وَجْهَيْنِ ; قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هِيَ رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : عَطْف عَلَى " كِتَاب " وَالنَّصْب مِنْ وَجْهَيْنِ ; عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ وَذَكِّرْ بِهِ ذِكْرَى ; قَالَ الْبَصْرِيُّونَ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : عَطْف عَلَى الْهَاء فِي " أَنْزَلْنَاهُ " . وَالْخَفْض حَمْلًا عَلَى مَوْضِع " لِتُنْذِر بِهِ " وَالْإِنْذَار لِلْكَافِرِينَ , وَالذِّكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ .
ٱتَّبِعُواْ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦۤ أَوۡلِیَاۤءَۗ قَلِیلࣰا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾
يَعْنِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [ الْحَشْر : 7 ] . وَقَالَتْ فِرْقَة : هَذَا أَمْر يَعُمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته . وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَمْر لِجَمِيعِ النَّاس دُونه . أَيْ اِتَّبِعُوا مِلَّة الْإِسْلَام وَالْقُرْآن , وَأَحِلُّوا حَلَاله وَحَرِّمُوا حَرَامه , وَامْتَثِلُوا أَمْره , وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى تَرْك اِتِّبَاع الْآرَاء مَعَ وُجُود النَّصِّ .





" مِنْ دُونِهِ " مِنْ غَيْره . وَالْهَاء تَعُود عَلَى الرَّبّ سُبْحَانه , وَالْمَعْنَى : لَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْره , وَلَا تَتَّخِذُوا مَنْ عَدَلَ عَنْ دِين اللَّه وَلِيًّا . وَكُلّ مَنْ رَضِيَ مَذْهَبًا فَأَهْل ذَلِكَ الْمَذْهَب أَوْلِيَاؤُهُ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك بْن دِينَار أَنَّهُ قَرَأَ " وَلَا تَبْتَغُوا مِنْ دُونه أَوْلِيَاء " أَيْ وَلَا تَطْلُبُوا . وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلِيَاء " لِأَنَّ فِيهِ أَلِف التَّأْنِيث . وَقِيلَ : تَعُود عَلَى " مَا " مِنْ قَوْله : " اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ " .





" مَا " زَائِدَة . وَقِيلَ : تَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا .
وَكَم مِّن قَرۡیَةٍ أَهۡلَكۡنَـٰهَا فَجَاۤءَهَا بَأۡسُنَا بَیَـٰتًا أَوۡ هُمۡ قَاۤىِٕلُونَ ﴿٤﴾
" كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ ; كَمَا أَنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَ " أَهْلَكْنَا " الْخَبَر . أَيْ وَكَثِير مِنْ الْقُرَى - وَهِيَ مَوَاضِع اِجْتِمَاع النَّاس - أَهْلَكْنَاهَا . وَيَجُوز النَّصْب بِإِضْمَارِ فِعْل بَعْدهَا , وَلَا يُقَدَّر قَبْلهَا ; لِأَنَّ الِاسْتِفْهَام لَا يَعْمَل فِيهِ مَا قَبْله . وَيُقَوِّي الْأَوَّل قَوْله : " وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُون مِنْ بَعْد نُوح " وَلَوْلَا اِشْتِغَال " أَهْلَكْنَا " بِالضَّمِيرِ لَانْتَصَبَ بِهِ مَوْضِع " كَمْ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " أَهْلَكْنَا " صِفَة لِلْقَرْيَةِ , وَ " كَمْ " فِي الْمَعْنَى هِيَ الْقَرْيَة ; فَإِذَا وَصَفْت الْقَرْيَة فَكَأَنَّك قَدْ وَصَفْت كَمْ . يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَات لَا تُغْنِي شَفَاعَتهمْ شَيْئًا " [ النَّجْم : 26 ] فَعَادَ الضَّمِير عَلَى " كَمْ " . عَلَى الْمَعْنَى ; إِذْ كَانَتْ الْمَلَائِكَة فِي الْمَعْنَى . فَلَا يَصِحّ عَلَى هَذَا التَّقْدِير أَنْ يَكُون " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِإِضْمَارِ فِعْل بَعْدهَا . " فَجَاءَهَا بَأْسنَا " فِيهِ إِشْكَال لِلْعَطْفِ بِالْفَاءِ . فَقَالَ الْفَرَّاء : الْفَاء بِمَعْنَى الْوَاو , فَلَا يَلْزَم التَّرْتِيب . وَقِيلَ : أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَرَدْنَا إِهْلَاكهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا ; كَقَوْلِهِ : " فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " [ النَّحْل : 98 ] . وَقِيلَ : إِنَّ الْهَلَاك . وَاقِع بِبَعْضِ الْقَوْم ; فَيَكُون التَّقْدِير : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَا بَعْضهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا فَأَهْلَكْنَا الْجَمِيع . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا فِي حُكْمنَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا . وَقِيلَ : أَهْلَكْنَاهَا بِإِرْسَالِنَا مَلَائِكَة الْعَذَاب إِلَيْهَا , فَجَاءَهَا بَأْسنَا وَهُوَ الِاسْتِئْصَال . وَالْبَأْس , الْعَذَاب الْآتِي عَلَى النَّفْس . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَكَانَ إِهْلَاكنَا إِيَّاهُمْ فِي وَقْت كَذَا ; فَمَجِيء الْبَأْس عَلَى هَذَا هُوَ الْإِهْلَاك . وَقِيلَ : الْبَأْس غَيْر الْإِهْلَاك ; كَمَا ذَكَرْنَا . وَحَكَى الْفَرَّاء أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْت أَيّهمَا شِئْت ; فَيَكُون الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَة جَاءَهَا بَأْسنَا فَأَهْلَكْنَاهَا ; مِثْل دَنَا فَقَرُبَ , وَقَرُبَ فَدَنَا , وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ , وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي ; لِأَنَّ الْإِسَاءَة وَالشَّتْم شَيْء وَاحِد . وَكَذَلِكَ قَوْله : " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " [ الْقَمَر : 1 ] . الْمَعْنَى - وَاَللَّه أَعْلَم - اِنْشَقَّ الْقَمَر فَاقْتَرَبَتْ السَّاعَة . وَالْمَعْنَى وَاحِد . " بَيَاتًا " أَيْ لَيْلًا ; وَمِنْهُ الْبَيْت , لِأَنَّهُ يُبَات فِيهِ . يُقَال : بَاتَ يَبِيت بَيْتًا وَبَيَاتًا .



" أَوْ هُمْ قَائِلُونَ " أَيْ أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ , فَاسْتَثْقَلُوا فَحَذَفُوا الْوَاو ; قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا خَطَأ , إِذَا عَادَ الذِّكْر اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْوَاو , تَقُول : جَاءَنِي زَيْد رَاكِبًا أَوْ هُوَ مَاشٍ , وَلَا يُحْتَاج إِلَى الْوَاو . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَلَمْ يَقُلْ بَيَاتًا أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَة ضَمِيرًا يَرْجِع إِلَى الْأَوَّل فَاسْتُغْنِيَ عَنْ الْوَاو . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الزَّجَّاج سَوَاء , وَلَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّفْصِيلِ ; كَقَوْلِك : لَأُكْرِمَنَّك مُنْصِفًا لِي أَوْ ظَالِمًا . وَهَذِهِ الْوَاو تُسَمَّى عِنْد النَّحْوِيِّينَ وَاو الْوَقْت . وَ " قَائِلُونَ " مِنْ الْقَائِلَة وَهِيَ الْقَيْلُولَة ; وَهِيَ نَوْم نِصْف النَّهَار . وَقِيلَ : الِاسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار إِذَا اِشْتَدَّ الْحَرّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْم . وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ عَذَابُنَا وَهُمْ غَافِلُونَ إِمَّا لَيْلًا وَإِمَّا نَهَارًا . وَالدَّعْوَى الدُّعَاء ; وَمِنْهُ قَوْل : " وَآخِر دَعْوَاهُمْ " [ يُونُس : 10 ] . وَحَكَى النَّحْوِيُّونَ : اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِح دَعْوَى مَنْ دَعَاك . وَقَدْ تَكُون الدَّعْوَى بِمَعْنَى الِادِّعَاء . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا عِنْد الْإِهْلَاك إِلَّا عَلَى الْإِقْرَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ
فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَاۤءَهُم بَأۡسُنَاۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِینَ ﴿٥﴾
و " دَعْوَاهُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب خَبَر كَانَ , وَاسْمهَا " إِلَّا أَنْ قَالُوا " .



" إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " الْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا عِنْد الْإِهْلَاك إِلَّا عَلَى الْإِقْرَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ . نَظِيره " فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا " [ النَّمْل : 56 ] وَيَجُوز أَنْ تَكُون الدَّعْوَى رَفْعًا , وَ " أَنْ قَالُوا " نَصْبًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا " [ الْبَقَرَة : 177 ] بِرَفْعِ " الْبِرّ " وَقَوْله : " ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَنْ كَذَّبُوا " [ الرُّوم : 10 ] بِرَفْعِ " عَاقِبَة "
فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِینَ أُرۡسِلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٦﴾
دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكُفَّار يُحَاسَبُونَ . وَفِي التَّنْزِيل " ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ " [ الْغَاشِيَة : 26 ] . وَفِي سُورَة الْقَصَص " وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ " [ الْقَصَص : 78 ] يَعْنِي إِذَا اِسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَاب . وَالْآخِرَة مَوَاطِن : مَوْطِن يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ . وَمَوْطِن لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ . وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِير وَتَوْبِيخ وَإِفْضَاح . وَسُؤَال الرُّسُل سُؤَال اِسْتِشْهَاد بِهِمْ وَإِفْصَاح ; أَيْ عَنْ جَوَاب الْقَوْم لَهُمْ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ " [ الْأَحْزَاب : 8 ] عَلَى مَا يَأْتِي .



وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ " أَيْ الْأَنْبِيَاء " وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ " أَيْ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ . وَاللَّام فِي " فَلَنَسْأَلَنَّ " لَام الْقَسَم وَحَقِيقَتهَا التَّوْكِيد .
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَیۡهِم بِعِلۡمࣲۖ وَمَا كُنَّا غَاۤىِٕبِینَ ﴿٧﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَنْطِق عَلَيْهِمْ .





أَيْ كُنَّا شَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلْمٍ .
وَٱلۡوَزۡنُ یَوۡمَىِٕذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَ ٰ⁠زِینُهُۥ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿٨﴾
اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " الْحَقّ " نَعْته , وَالْخَبَر " يَوْمئِذٍ " . وَيَجُوز نَصْب " الْحَقّ " عَلَى الْمَصْدَر . وَالْمُرَاد بِالْوَزْنِ وَزْن أَعْمَال الْعِبَاد بِالْمِيزَانِ . قَالَ اِبْن عُمَر : تُوزَن صَحَائِف أَعْمَال الْعِبَاد . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَر عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : الْمِيزَان الْكِتَاب الَّذِي فِيهِ أَعْمَال الْخَلْق . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمِيزَان الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات بِأَعْيَانِهَا . وَعَنْهُ أَيْضًا وَالضَّحَّاك وَالْأَعْمَش : الْوَزْن وَالْمِيزَان بِمَعْنَى الْعَدْل وَالْقَضَاء , وَذِكْر الْوَزْن ضَرْب مَثَل ; كَمَا تَقُول : هَذَا الْكَلَام فِي وَزْن هَذَا وَفِي وِزَانِهِ , أَيْ يُعَادِلهُ وَيُسَاوِيه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَزْن . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا سَائِغ مِنْ جِهَة اللِّسَان , وَالْأَوْلَى أَنْ يُتَّبَع مَا جَاءَ فِي الْأَسَانِيد الصِّحَاح مِنْ ذِكْر الْمِيزَان . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا قَالَ , إِذْ لَوْ حُمِلَ الْمِيزَان عَلَى هَذَا فَلْيُحْمَلْ الصِّرَاط عَلَى الدِّين الْحَقّ , وَالْجَنَّة وَالنَّار عَلَى مَا يَرِد عَلَى الْأَرْوَاح دُون الْأَجْسَاد , وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ عَلَى الْأَخْلَاق الْمَذْمُومَة , وَالْمَلَائِكَة عَلَى الْقُوَى الْمَحْمُودَة . وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة فِي الصَّدْر الْأَوَّل عَلَى الْأَخْذ بِهَذِهِ الظَّوَاهِر مِنْ غَيْر تَأْوِيل . وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْع التَّأْوِيل وَجَبَ الْأَخْذ بِالظَّاهِرِ , وَصَارَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِر نُصُوصًا . قَالَ اِبْن فُورك : وَقَدْ أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَة الْمِيزَان بِنَاء مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاض يَسْتَحِيل وَزْنهَا , إِذْ لَا تَقُوم بِأَنْفُسِهَا . وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُقَلِّب الْأَعْرَاض أَجْسَامًا فَيَزِنهَا يَوْم الْقِيَامَة . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا , وَالصَّحِيح أَنَّ الْمَوَازِين تَثْقُل بِالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال مَكْتُوبَة , وَبِهَا تَخِفُّ . وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَر مَا يُحَقِّق ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ ( أَنَّ مِيزَان بَعْض بَنِي آدَم كَادَ يَخِفُّ بِالْحَسَنَاتِ فَيُوضَع فِيهِ رَقٌّ مَكْتُوب فِيهِ " لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " فَيَثْقُل ) . فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى وَزْن مَا كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَال لَا نَفْس الْأَعْمَال , وَأَنَّ اللَّه سُبْحَانه يُخَفِّف الْمِيزَان إِذَا أَرَادَ , وَيُثْقِلهُ إِذَا أَرَادَ بِمَا يُوضَع فِي كِفَّتَيْهِ مِنْ الصُّحُف الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز قَالَ قَالَ رَجُل لِابْنِ عُمَر : كَيْفَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْوَى ؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول : ( يُدْنَى الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُول هَلْ تَعْرِف فَيَقُول أَيْ رَبّ أَعْرِف قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه ) . فَقَوْله : ( فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال تُكْتَب فِي الصُّحُف وَتُوزَن . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُصَاح بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق فَيُنْشَر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلّ سِجِلّ مَدّ الْبَصَر ثُمَّ يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ تُنْكِر مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُول لَا يَا رَبّ فَيَقُول أَظْلَمَتْك كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُول لَا ثُمَّ يَقُول أَلَك عُذْر أَلَك حَسَنَة فَيَهَاب الرَّجُل فَيَقُول لَا فَيَقُول بَلَى إِنَّ لَك عِنْدنَا حَسَنَات وَإِنَّهُ لَا ظُلْم عَلَيْك الْيَوْم فَتُخْرَج لَهُ بِطَاقَة فِيهَا أَشْهَد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُول يَا رَبّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَة مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّات فَيَقُول إِنَّك لَا تُظْلَمُ فَتُوضَع السِّجِلَّات فِي كِفَّة وَالْبِطَاقَة فِي كِفَّة فَطَاشَتْ السِّجِلَّات وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَة ) . زَادَ التِّرْمِذِيّ ( فَلَا يَثْقُل مَعَ اِسْم اللَّه شَيْء ) وَقَالَ : حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي " الْكَهْف وَالْأَنْبِيَاء " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ " جَمْع مِيزَان , وَأَصْله مِوْزَان , قُلِبَتْ الْوَاو يَاء لِكَسْرَةِ مَا قَبْلهَا . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون هُنَاكَ مَوَازِين لِلْعَامِلِ الْوَاحِد يُوزَن بِكُلِّ مِيزَان مِنْهَا صِنْف مِنْ أَعْمَالِهِ . وَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِيزَانًا وَاحِدًا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْع ; كَمَا تَقُول : خَرَجَ فُلَان إِلَى مَكَّة عَلَى الْبِغَال , وَخَرَجَ إِلَى الْبَصْرَة فِي السُّفُن . وَفِي التَّنْزِيل : " كَذَّبَتْ قَوْم نُوح الْمُرْسَلِينَ " [ الشُّعَرَاء : 105 ] . " كَذَّبَتْ عَاد الْمُرْسَلِينَ " [ الشُّعَرَاء : 123 ] . وَإِنَّمَا هُوَ رَسُول وَاحِد فِي أَحَد التَّأْوِيلَيْنِ . وَقِيلَ : الْمَوَازِين جَمْع مَوْزُون , لَا جَمْع مِيزَان . أَرَادَ بِالْمَوَازِينِ الْأَعْمَال الْمَوْزُونَة . " وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه " مِثْله .





قَالَ اِبْن عَبَّاس : تُوزَن الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات فِي مِيزَان لَهُ لِسَان وَكِفَّتَانِ ; فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُؤْتَى بِعَمَلِهِ فِي أَحْسَن صُورَة فَيُوضَع فِي كِفَّة الْمِيزَان فَتَثْقُل حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته ; فَذَلِكَ قَوْله : " فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ "
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَ ٰ⁠زِینُهُۥ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا یَظۡلِمُونَ ﴿٩﴾
يُؤْتَى بِعَمَلِ الْكَافِر فِي أَقْبَح صُورَة فَيُوضَع فِي كِفَّة الْمِيزَان فَيَخِفّ وَزْنه حَتَّى يَقَع فِي النَّار . وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس قَرِيب مِمَّا قِيلَ : يَخْلُق اللَّه تَعَالَى كُلّ جُزْء مِنْ أَعْمَال الْعِبَاد جَوْهَرًا فَيَقَع الْوَزْن عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِر . وَرَدَّهُ اِبْن فُورك وَغَيْره . وَفِي الْخَبَر ( إِذَا خَفَّتْ حَسَنَات الْمُؤْمِن أَخْرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاقَة كَالْأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيهَا فِي كِفَّة الْمِيزَان الْيُمْنَى الَّتِي فِيهَا حَسَنَاته فَتَرْجَح الْحَسَنَات فَيَقُول ذَلِكَ الْعَبْد الْمُؤْمِن لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! مَا أَحْسَنَ وَجْهَك وَمَا أَحْسَنَ خَلْقَك فَمَنْ أَنْتَ ؟ فَيَقُول أَنَا مُحَمَّد نَبِيُّك وَهَذِهِ صَلَوَاتك الَّتِي كُنْت تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وَفَّيْتُك أَحْوَج مَا تَكُون إِلَيْهَا ) . ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيره . وَذَكَرَ أَنَّ الْبِطَاقَة ( بِكَسْرِ الْبَاء ) رُقْعَة فِيهَا رَقْم الْمَتَاع بِلُغَةِ أَهْل مِصْر . وَقَالَ اِبْن مَاجَهْ : قَالَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى : الْبِطَاقَة الرُّقْعَة , وَأَهْل مِصْر يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ بِطَاقَة . وَقَالَ حُذَيْفَة : صَاحِب الْمَوَازِين يَوْم الْقِيَامَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , يَقُول اللَّه تَعَالَى : ( يَا جِبْرِيل زِنْ بَيْنهمْ فَرُدَّ مِنْ بَعْض عَلَى بَعْض ) . قَالَ : وَلَيْسَ ثَمَّ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّة ; فَإِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ حَسَنَاته فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُوم , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُوم فَتُحْمَل عَلَى الظَّالِم ; فَيَرْجِع الرَّجُل وَعَلَيْهِ مِثْل الْجِبَال . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا آدَم اُبْرُزْ إِلَى جَانِب الْكُرْسِيّ عِنْد الْمِيزَان وَانْظُرْ مَا يُرْفَع إِلَيْك مِنْ أَعْمَال بَنِيك فَمَنْ رَجَحَ خَيْره عَلَى شَرّه مِثْقَال حَبَّة فَلَهُ الْجَنَّة وَمَنْ رَجَحَ شَرّه عَلَى خَيْره مِثْقَال حَبَّة فَلَهُ النَّار حَتَّى تَعْلَم أَنِّي لَا أُعَذِّب إِلَّا ظَالِمًا ) .
وَلَقَدۡ مَكَّنَّـٰكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِیهَا مَعَـٰیِشَۗ قَلِیلࣰا مَّا تَشۡكُرُونَ ﴿١٠﴾
أَيْ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا وَمِهَادًا , وَهَيَّأْنَا لَكُمْ فِيهَا أَسْبَاب الْمَعِيشَة . وَالْمَعَايِش جَمْع مَعِيشَة , أَيْ مَا يُتَعَيَّش بِهِ مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَمَا تَكُون بِهِ الْحَيَاة . يُقَال : عَاشَ يَعِيش عَيْشًا وَمَعَاشًا وَمَعِيشًا وَمَعِيشَة وَعِيشَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعِيشَة مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعَيْش . وَمَعِيشَة فِي قَوْل الْأَخْفَش وَكَثِير مِنْ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلَة . وَقَرَأَ الْأَعْرَج : " مَعَائِش " بِالْهَمْزِ . وَكَذَا رَوَى خَارِجَة بْن مُصْعَب عَنْ نَافِع . قَالَ النَّحَّاس : وَالْهَمْز لَحْن لَا يَجُوز ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة مَعِيشَة , أَصْلهَا مَعِيشَة , فَزِيدَتْ أَلِف الْوَصْل وَهِيَ سَاكِنَة وَالْيَاء سَاكِنَة , فَلَا بُدّ مِنْ تَحْرِيك إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْحَذْف , وَالْأَلِف لَا تُحَرَّك فَحُرِّكَتْ الْيَاء بِمَا كَانَ يَجِب لَهَا فِي الْوَاحِد . وَنَظِيره مِنْ الْوَاو مَنَارَة وَمَنَاوِر , وَمَقَام وَمَقَاوِم ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنِّي لَقَوَّام مَقَاوِم لَمْ يَكُنْ جَرِير وَلَا مَوْلَى جَرِير يَقُومهَا وَكَذَا مُصِيبَة وَمَصَاوِب . هَذَا الْجَيِّد , وَلُغَة شَاذَّة مَصَائِب . قَالَ الْأَخْفَش : إِنَّمَا جَازَ مَصَائِب ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة مُعْتَلَّة . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا خَطَأ يَلْزَمهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُول مَقَائِم . وَلَكِنَّ الْقَوْل أَنَّهُ مِثْل وِسَادَة وَإِسَادَة . وَقِيلَ : لَمْ يَجُزْ الْهَمْز فِي مَعَايِش لِأَنَّ الْمَعِيشَة مَفْعَلَة ; فَالْيَاء أَصْلِيَّة , وَإِنَّمَا يُهْمَز إِذَا كَانَتْ الْيَاء زَائِدَة مِثْل مَدِينَة وَمَدَائِن , وَصَحِيفَة وَصَحَائِف , وَكَرِيمَة وَكَرَائِم , وَوَظِيفَة وَوَظَائِف , وَشَبَهه .
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَـٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ لَمۡ یَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِینَ ﴿١١﴾
لَمَّا ذَكَرَ نِعَمَهُ ذَكَرَ اِبْتِدَاء خَلْقه . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْخَلْق فِي غَيْر مَوْضِع " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " أَيْ خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ , ثُمَّ إِنَّا نُخْبِركُمْ أَنَّا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا : الْمَعْنَى خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْره . وَقَالَ الْأَخْفَش : " ثُمَّ " بِمَعْنَى الْوَاو . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " يَعْنِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ; عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير . وَقِيلَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " يَعْنِي آدَم ; ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْع لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر . " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " رَاجِع إِلَيْهِ أَيْضًا . كَمَا يُقَال : نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ ; أَيْ قَتَلْنَا سَيِّدَكُمْ .



" ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم " وَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ , يُرِيد آدَم وَحَوَّاء ; فَآدَم مِنْ التُّرَاب وَحَوَّاء مِنْ ضِلَع مِنْ أَضْلَاعه , ثُمَّ وَقَعَ التَّصْوِير بَعْد ذَلِكَ . فَالْمَعْنَى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَوَيْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاهُمَا ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : الْمَعْنَى خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْر آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ حِين أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ الْمِيثَاق . هَذَا قَوْل مُجَاهِد , رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن جُرَيْج وَابْن أَبِي نَجِيح . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال . يَذْهَب مُجَاهِد إِلَى أَنَّهُ خَلَقَهُمْ فِي ظَهْر آدَم , ثُمَّ صَوَّرَهُمْ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ , ثُمَّ كَانَ السُّجُود بَعْد . وَيُقَوِّي هَذَا " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ " [ الْأَعْرَاف : 172 ] . وَالْحَدِيث ( أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَال الذَّرّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق ) . وَقِيلَ : " ثُمَّ " لِلْإِخْبَارِ , أَيْ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ يَعْنِي فِي ظَهْر آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ أَيْ فِي الْأَرْحَام . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس . قُلْت : كُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَل , وَالصَّحِيح مِنْهَا مَا يُعَضِّدُهُ التَّنْزِيل ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ] يَعْنِي آدَم . وَقَالَ : " وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " [ النِّسَاء : 1 ] . ثُمَّ قَالَ : " جَعَلْنَاهُ " أَيْ جَعَلْنَا نَسْلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ " نُطْفَة فِي قَرَار مَكِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 13 ] الْآيَة . فَآدَم خُلِقَ مِنْ طِينٍ ثُمَّ صُوِّرَ وَأُكْرِمَ بِالسُّجُودِ , وَذُرِّيَّته صُوِّرُوا فِي أَرْحَام الْأُمَّهَات بَعْد أَنْ خُلِقُوا فِيهَا وَفِي أَصْلَاب الْآبَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل سُورَة " الْأَنْعَام " أَنَّ كُلّ إِنْسَان مَخْلُوق مِنْ نُطْفَة وَتُرْبَة ; فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ هُنَا : " خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " وَقَالَ فِي آخِر الْحَشْر : " هُوَ اللَّه الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر " [ الْحَشْر : 24 ] . فَذَكَرَ التَّصْوِير بَعْد الْبَرْء . وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مَعْنَى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " أَيْ خَلْقنَا الْأَرْوَاح أَوَّلًا ثُمَّ صَوَّرْنَا الْأَشْبَاح آخِرًا .





اِسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس . وَقِيلَ : مِنْ الْجِنْس . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء : هَلْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة أَمْ لَا . كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة "
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارࣲ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینࣲ ﴿١٢﴾
" مَا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; أَيْ أَيُّ شَيْء مَنَعَك . وَهَذَا سُؤَال تَوْبِيخ .





فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِنْ أَنْ تَسْجُد . وَ " لَا " زَائِدَة . وَفِي ص " مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد " [ ص : 75 ] وَقَالَ الشَّاعِر : أَبَى جُوده لَا الْبُخْل فَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَع الْجُود نَائِله أَرَادَ أَبَى جُوده الْبُخْل , فَزَادَ " لَا " . وَقِيلَ : لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ; فَإِنَّ الْمَنْع فِيهِ طَرَف مِنْ الْقَوْل وَالدُّعَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَالَ لَك أَلَّا تَسْجُد ؟ أَوْ مَنْ دَعَاك إِلَى أَلَّا تَسْجُد ؟ كَمَا تَقُول : قَدْ قُلْت لَك أَلَّا تَفْعَل كَذَا . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف , وَالتَّقْدِير : مَا مَنَعَك مِنْ الطَّاعَة وَأَحْوَجَك إِلَى أَلَّا تَسْجُد . قَالَ الْعُلَمَاء : الَّذِي أَحْوَجَهُ إِلَى تَرْك السُّجُود هُوَ الْكِبْر وَالْحَسَد ; وَكَانَ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسه إِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ . وَكَانَ أَمْره مِنْ قَبْل خَلْق آدَم ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : " إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين . فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " [ ص : 71 - 72 ] . فَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ أَمْر عَظِيم مِنْ قَوْله " فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " . فَإِنَّ فِي الْوُقُوع تَوْضِيع الْوَاقِع وَتَشْرِيفًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ; فَأَضْمَرَ فِي نَفْسه أَلَّا يَسْجُد إِذَا أَمَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . فَلَمَّا نُفِخَ فِيهِ الرُّوح وَقَعَتْ الْمَلَائِكَة سُجَّدًا , وَبَقِيَ هُوَ قَائِمًا بَيْن أَظْهُرِهِمْ ; فَأَظْهَرَ بِقِيَامِهِ وَتَرَكَ السُّجُود مَا فِي ضَمِيره . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد " أَيْ مَا مَنَعَك مِنْ الِانْقِيَاد لِأَمْرِي ; فَأَخْرَجَ سِرَّ ضَمِيره فَقَالَ : " أَنَا خَيْر مِنْهُ " .





يَدُلّ عَلَى مَا يَقُولهُ الْفُقَهَاء مِنْ أَنَّ الْأَمْر يَقْتَضِي الْوُجُوب بِمُطْلَقِهِ مِنْ غَيْر قَرِينَة ; لِأَنَّ الذَّمّ عُلِّقَ عَلَى تَرْك الْأَمْر الْمُطْلَق الَّذِي هُوَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ : " اُسْجُدُوا لِآدَم " وَهَذَا بَيِّن .





أَيْ مَنَعَنِي مِنْ السُّجُود فَضْلِي عَلَيْهِ ; فَهَذَا مِنْ إِبْلِيس جَوَاب عَلَى الْمَعْنَى . كَمَا تَقُول : لِمَنْ هَذِهِ الدَّار ؟ فَيَقُول الْمُخَاطَب : مَالِكهَا زَيْد . فَلَيْسَ هَذَا عَيْن الْجَوَاب , بَلْ هُوَ كَلَام يَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْجَوَاب .





فَرَأَى أَنَّ النَّار أَشْرَف مِنْ الطِّين ; لِعُلُوِّهَا وَصُعُودهَا وَخِفَّتِهَا , وَلِأَنَّهَا جَوْهَر مُضِيء . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ : أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس فَأَخْطَأَ الْقِيَاس . فَمَنْ قَاسَ الدِّين بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ مَعَ إِبْلِيس . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ . وَقَالَتْ الْحُكَمَاء : أَخْطَأَ عَدُوّ اللَّه مِنْ حَيْثُ فَضَّلَ النَّار عَلَى الطِّين , وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَة وَاحِدَة مِنْ حَيْثُ هِيَ جَمَاد مَخْلُوق . فَإِنَّ الطِّين أَفْضَل مِنْ النَّار مِنْ وُجُوه أَرْبَعَة : أَحَدهَا : أَنَّ مِنْ جَوْهَر الطِّين الرَّزَانَة وَالسُّكُون , وَالْوَقَار وَالْأَنَاة , وَالْحِلْم , وَالْحَيَاء , وَالصَّبْر . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد السَّعَادَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى التَّوْبَة وَالتَّوَاضُع وَالتَّضَرُّع , فَأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَة وَالِاجْتِبَاء وَالْهِدَايَة . وَمِنْ جَوْهَر النَّار الْخِفَّة , وَالطَّيْش , وَالْحِدَّة , وَالِارْتِفَاع , وَالِاضْطِرَاب . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيس بَعْد الشَّقَاوَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَار وَالْإِصْرَار ; فَأَوْرَثَهُ الْهَلَاك وَالْعَذَاب وَاللَّعْنَة وَالشَّقَاء ; قَالَهُ الْقَفَّال . الثَّانِي : أَنَّ الْخَبَر نَاطِق بِأَنَّ تُرَاب الْجَنَّة مِسْك أَذْفَر , وَلَمْ يَنْطِق الْخَبَر بِأَنَّ فِي الْجَنَّة نَارًا وَأَنَّ فِي النَّار تُرَابًا . الثَّالِث : أَنَّ النَّار سَبَب الْعَذَاب , وَهِيَ عَذَاب اللَّه لِأَعْدَائِهِ ; وَلَيْسَ التُّرَاب سَبَبًا لِلْعَذَابِ . الرَّابِع : أَنَّ الطِّين مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّار , وَالنَّار مُحْتَاجَة إِلَى الْمَكَان وَمَكَانهَا التُّرَاب . قُلْت : وَيَحْتَمِل قَوْلًا خَامِسًا , وَهُوَ أَنَّ التُّرَاب مَسْجِد وَطَهُور ; كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح الْحَدِيث . وَالنَّار تَخْوِيف وَعَذَاب ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " ذَلِكَ يُخَوِّف اللَّه بِهِ عِبَاده " [ الزُّمَر : 16 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ الطَّاعَة أَوْلَى بِإِبْلِيسَ مِنْ الْقِيَاس فَعَصَى رَبّه , وَهُوَ أَوَّل مَنْ قَاسَ بِرَأْيِهِ . وَالْقِيَاس فِي مُخَالَفَة النَّصّ مَرْدُود . الرَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْقِيَاس إِلَى قَائِلٍ بِهِ , وَرَادٍّ لَهُ ; فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهِ فَهُمْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ , وَجُمْهُور مَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَنَّ التَّعَبُّد بِهِ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ شَرْعًا , وَهُوَ الصَّحِيح . وَذَهَبَ الْقَفَّال مِنْ الشَّافِعِيَّة وَأَبُو الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوب التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا . وَذَهَبَ النَّظَّام إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيل التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا ; وَرَدَّهُ بَعْض أَهْل الظَّاهِر . وَالْأَوَّل الصَّحِيح . قَالَ الْبُخَارِيّ فِي ( كِتَاب الِاعْتِصَام بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة ) : الْمَعْنَى لَا عِصْمَة لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّة نَبِيّه أَوْ فِي إِجْمَاع الْعُلَمَاء إِذَا وُجِدَ فِيهَا الْحُكْم فَإِنْ لَمْ يُوجَد فَالْقِيَاس . وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى هَذَا ( بَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ ) . وَتَرْجَمَ بَعْد هَذَا ( بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تُعْرَف بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدَّلَالَة وَتَفْسِيرهَا ) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِنْبَاط مِنْ كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاع الْأُمَّة هُوَ الْحَقّ الْوَاجِب , وَالْفَرْض اللَّازِم لِأَهْلِ الْعِلْم . وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ جَمَاعَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَقَالَ أَبُو تَمَّام الْمَالِكِيّ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى الْقِيَاس ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قِيَاس الذَّهَب وَالْوَرِق فِي الزَّكَاة . وَقَالَ أَبُو بَكْر : أَقِيلُونِي بَيْعَتِي . فَقَالَ عَلِيّ : وَاَللَّه لَا نُقِيلُك وَلَا نَسْتَقِيلُك , رَضِيَك رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا ؟ فَقَاسَ الْإِمَامَة عَلَى الصَّلَاة . وَقَاسَ الصِّدِّيق الزَّكَاة عَلَى الصَّلَاة وَقَالَ : وَاَللَّه لَا أُفَرِّق بَيْن مَا جَمَعَ اللَّه . وَصَرَّحَ عَلِيّ بِالْقِيَاسِ فِي شَارِب الْخَمْر بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَقَالَ : إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى , وَإِذَا هَذَى اِفْتَرَى ; فَحَدُّهُ حَدُّ الْقَاذِف . وَكَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كِتَابًا فِيهِ : الْفَهْم الْفَهْم فِيمَا يَخْتَلِج فِي صَدْرك مِمَّا لَمْ يَبْلُغْك فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , اعْرِف الْأَمْثَال وَالْأَشْبَاه , ثُمَّ قِسْ الْأُمُور عِنْد ذَلِكَ , فَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى . الْحَدِيث بِطُولِهِ ذَكَرَهُ الدَّار قُطْنِيّ . وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي حَدِيث الْوَبَاء , حِين رَجَعَ عُمَر مِنْ سَرْغ : نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر : نَعَمْ ! نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه . ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَر : أَرَأَيْت . . . فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشْبِه مِنْ مَسْأَلَته بِمَحْضَرٍ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَحَسْبُك . وَأَمَّا الْآثَار وَآي الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَعْنَى فَكَثِير . وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاس أَصْل مِنْ أُصُول الدِّين , وَعِصْمَة مِنْ عِصَم الْمُسْلِمِينَ , يَرْجِع إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ , وَيَفْزَع إِلَيْهِ الْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ , فَيَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْأَحْكَام . وَهَذَا قَوْل الْجَمَاعَة الَّذِينَ هُمْ الْحُجَّة , وَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا . وَأَمَّا الرَّأْي الْمَذْمُوم وَالْقِيَاس الْمُتَكَلَّف الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُول الْمَذْكُورَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ وَنَزْغٌ مِنْ الشَّيْطَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم " [ الْإِسْرَاء : 36 ] . وَكُلّ مَا يُورِدهُ الْمُخَالِف مِنْ الْأَحَادِيث الضَّعِيفَة وَالْأَخْبَار الْوَاهِيَة فِي ذَمّ الْقِيَاس فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى هَذَا النَّوْع مِنْ الْقِيَاس الْمَذْمُوم , الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْع أَصْل مَعْلُوم . وَتَتْمِيم هَذَا الْبَاب فِي كُتُب الْأُصُول .
قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِینَ ﴿١٣﴾
أَيْ مِنْ السَّمَاء .





لِأَنَّ أَهْلَهَا الْمَلَائِكَة الْمُتَوَاضِعُونَ .





أَيْ مِنْ الْأَذَلِّينَ . وَدَلَّ هَذَا أَنَّ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ فَهُوَ ذَلِيل . وَقَالَ أَبُو رَوْق وَالْبَجَلِيّ : " فَاهْبِطْ مِنْهَا " أَيْ مِنْ صُورَتك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ اِفْتَخَرَ بِأَنَّهُ مِنْ النَّار فَشُوِّهَتْ صُورَته بِالْإِظْلَامِ وَزَوَال إِشْرَاقه . وَقِيلَ : " فَاهْبِطْ مِنْهَا " أَيْ اِنْتَقِلْ مِنْ الْأَرْض إِلَى جَزَائِر الْبِحَار ; كَمَا يُقَال : هَبَطْنَا أَرْض كَذَا أَيْ اِنْتَقَلْنَا إِلَيْهَا مِنْ مَكَان آخَر , فَكَأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْ الْأَرْض إِلَى جَزَائِر الْبِحَار فَسُلْطَانه فِيهَا , فَلَا يَدْخُل الْأَرْض إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِق يَخَاف فِيهَا حَتَّى يَخْرُج مِنْهَا . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة "
قَالَ أَنظِرۡنِیۤ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ ﴿١٤﴾
سَأَلَ النَّظِرَة وَالْإِمْهَال إِلَى يَوْم الْبَعْث وَالْحِسَاب . طَلَبَ أَلَّا يَمُوت لِأَنَّ يَوْم الْبَعْث لَا مَوْت بَعْده ;
قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِینَ ﴿١٥﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهُمَا : أَنْظَرَهُ إِلَى النَّفْخَة الْأُولَى حَيْثُ يَمُوت الْخَلْق كُلّهمْ . وَكَانَ طَلَبَ الْإِنْظَارَ إِلَى النَّفْخَة الثَّانِيَة حَيْثُ يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ; فَأَبَى اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَقَالَ : " إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ " وَلَمْ يَتَقَدَّم ذِكْر مَنْ يُبْعَث ; لِأَنَّ الْقِصَّة فِي آدَم وَذُرِّيَّته , فَدَلَّتْ الْقَرِينَة عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ الْمَبْعُوثُونَ .
قَالَ فَبِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَ ٰ⁠طَكَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ ﴿١٦﴾
الْإِغْوَاء إِيقَاع الْغَيّ فِي الْقَلْب ; أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْت فِي قَلْبِي مِنْ الْغَيّ وَالْعِنَاد وَالِاسْتِكْبَار . وَهَذَا لِأَنَّ كُفْر إِبْلِيس لَيْسَ كُفْر جَهْل ; بَلْ هُوَ كُفْر عِنَاد وَاسْتِكْبَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . قِيلَ : مَعْنَى الْكَلَام الْقَسَم , أَيْ فَبِإِغْوَائِك إِيَّايَ لَأَقْعُدَن لَهُمْ عَلَى صِرَاطِك , أَوْ فِي صِرَاطِك ; فَحُذِفَ . دَلِيل عَلَى هَذَا الْقَوْل قَوْله فِي ( ص ) : " فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ " [ ص : 82 ] فَكَأَنَّ إِبْلِيس أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاء اللَّه إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيط عَلَى الْعِبَاد , فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْده . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام , كَأَنَّهُ قَالَ : فَلِإِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى مَعَ , وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , كَأَنَّهُ سَأَلَ بِأَيِّ شَيْء أَغْوَاهُ ؟ . وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون : فَبِمَ أَغْوَيْتنِي ؟ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتنِي بِلَعْنِك إِيَّايَ . وَالْإِغْوَاء الْإِهْلَاك , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " [ مَرْيَم : 59 ] أَيْ هَلَاكًا . وَقِيلَ : فَبِمَا أَضْلَلْتنِي . وَالْإِغْوَاء : الْإِضْلَال وَالْإِبْعَاد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : خَيَّبْتنِي مِنْ رَحْمَتك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَم عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا أَيْ مَنْ يَخِبْ . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال غَوَى الرَّجُل يَغْوِي غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْره , أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسه . وَهُوَ أَحَد مَعَانِي قَوْله تَعَالَى : " وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى " [ طَه : 121 ] أَيْ فَسَدَ عَيْشه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : غَوَى الْفَصِيل إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَن أُمّه . مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْر ; وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاء فِي هَذَا إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَهُوَ الْحَقِيقَة , فَلَا شَيْء فِي الْوُجُود إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ , صَادِر عَنْ إِرَادَته تَعَالَى . وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّة وَالْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيس الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ , وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَيَقُولُونَ : أَخْطَأَ إِبْلِيس , وَهُوَ أَهْل لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَة إِلَى رَبّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . فَيُقَال لَهُمْ : وَإِبْلِيس وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيّ مُكَرَّم مَعْصُوم , وَهُوَ وَنُوح عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ : " وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [ هُود : 34 ] وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ , وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاء الْكِبَار ; فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُس : تَقُوم أَوْ تُقَام ؟ فَقِيلَ لِطَاوُس : تَقُول هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيه ! فَقَالَ : إِبْلِيس أَفْقَه مِنْهُ , يَقُول إِبْلِيس : رَبّ بِمَا أَغْوَيْتنِي . وَيَقُول هَذَا : أَنَا أَغْوِي نَفْسِي .





أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ , وَتَزْيِين الْبَاطِل حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ , أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ , أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ ; حَسَب مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة فِي " أَغْوَيْتنِي " . وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم هُوَ الطَّرِيق الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة . وَ " صِرَاطك " مَنْصُوب عَلَى حَذْف " عَلَى " أَوْ " فِي " مِنْ قَوْله : " صِرَاطك الْمُسْتَقِيم " ; كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ " ضَرَبَ زَيْد الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ " . وَأَنْشَدَ : لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤىِٕلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ ﴿١٧﴾
أَيْ لَأَصُدَّنهُمْ عَنْ الْحَقّ , وَأُرَغِّبَنهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَأُشَكِّكهُمْ فِي الْآخِرَة . وَهَذَا غَايَة فِي الضَّلَالَة . كَمَا قَالَ : " وَلْأُضِلَّنهُمْ " [ النِّسَاء : 119 ] حَسَب مَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة : " مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ " مِنْ دُنْيَاهُمْ . " وَمِنْ خَلْفهمْ " مِنْ آخِرَتهمْ . " وَعَنْ أَيْمَانهمْ " يَعْنِي حَسَنَاتهمْ . " وَعَنْ شَمَائِلهمْ " يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن وَشَرْحه : أَنَّ مَعْنَى " ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ " مِنْ دُنْيَاهُمْ , حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا مِنْ الْآيَات وَأَخْبَار الْأُمَم السَّالِفَة " وَمِنْ خَلْفهمْ " مِنْ آخِرَتهمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا . " وَعَنْ أَيْمَانهمْ " مِنْ حَسَنَاتهمْ وَأُمُور دِينهمْ . وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله : " إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِين " [ الصَّافَّات : 28 ] " وَعَنْ شَمَائِلهمْ " يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ , أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات ; لِأَنَّهُ يُزَيِّنهَا لَهُمْ .





أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مُظْهِرِينَ الشُّكْر .
قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومࣰا مَّدۡحُورࣰاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِینَ ﴿١٨﴾
أَيْ مِنْ الْجَنَّة .





" مَذْءُومًا " أَيْ مَذْمُومًا . وَالذَّأْم : الْعَيْب , بِتَخْفِيفِ الْمِيم . قَالَ اِبْن زَيْد : مَذْءُومًا وَمَذْمُومًا سَوَاء ; يُقَال : ذَأَمْته وَذَمَمْته وَذِمْته بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " مَذُومًا " . وَالْمَعْنَى وَاحِد ; إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَة . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَذْءُوم الْمَنْفِيّ . وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ . وَالْمَدْحُور : الْمُبْعَد الْمَطْرُود ; عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره . وَأَصْله الدَّفْع .





اللَّام لَام الْقَسَم , وَالْجَوَاب " لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم " . وَقِيلَ : " لَمَنْ تَبِعَك " لَام تَوْكِيد . " لَأَمْلَأَنَّ " لَام قَسَم . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوز فِي غَيْر الْقِرَاءَة حَذْف اللَّام الْأُولَى , وَلَا يَجُوز حَذْف الثَّانِيَة . وَفِي الْكَلَام مَعْنَى الشَّرْط وَالْمُجَازَاة ; أَيْ مَنْ تَبِعَك عَذَّبْته . وَلَوْ قُلْت : مَنْ تَبِعَك أُعَذِّبهُ لَمْ يَجُزْ ; إِلَّا أَنْ تُرِيد لَأُعَذِّبهُ . وَقَرَأَ عَاصِم مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش " لِمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ " بِكَسْرِ اللَّام . وَأَنْكَرَهُ بَعْض النَّحْوِيِّينَ . قَالَ النَّحَّاس : وَتَقْدِيره - وَاَللَّه أَعْلَم - مِنْ أَجْل مَنْ تَبِعَك . كَمَا يُقَال : أَكْرَمْت فُلَانًا لَك . وَقَدْ يَكُون الْمَعْنَى : الدَّحْر لِمَنْ تَبِعَك . وَمَعْنَى " مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ " أَيْ مِنْكُمْ وَمِنْ بَنِي آدَم ; لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ قَدْ جَرَى إِذْ قَالَ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ " [ الْأَعْرَاف : 11 ] . خَاطَبَ وَلَد آدَم .
وَیَـٰۤـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَیۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٩﴾
قَالَ لِآدَم بَعْد إِخْرَاج إِبْلِيس مِنْ مَوْضِعه مِنْ السَّمَاء : اُسْكُنْ أَنْتَ وَحَوَّاء الْجَنَّة . لَا خِلَاف أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْرَجَ إِبْلِيس عِنْد كُفْره وَأَبْعَدَهُ عَنْ الْجَنَّة , وَبَعْد إِخْرَاجه قَالَ لِآدَم : اُسْكُنْ , أَيْ لَازِمْ الْإِقَامَة وَاِتَّخِذْهَا مَسْكَنًا , وَهُوَ مَحَلّ السُّكُون . وَسَكَنَ إِلَيْهِ يَسْكُن سُكُونًا . وَالسَّكَن : النَّار , قَالَ الشَّاعِر : قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَان وَالسَّكَن : كُلّ مَا سُكِنَ إِلَيْهِ . وَالسِّكِّين مَعْرُوف سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُسَكِّن حَرَكَة الْمَذْبُوح , وَمِنْهُ الْمِسْكِين لِقِلَّةِ تَصَرُّفه وَحَرَكَته . وَسُكَّان السَّفِينَة عَرَبِيّ , لِأَنَّهُ يُسْكِنهَا عَنْ الِاضْطِرَاب . " اُسْكُنْ " تَنْبِيه عَلَى الْخُرُوج ; لِأَنَّ السُّكْنَى لَا تَكُون مِلْكًا , وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْعَارِفِينَ : السُّكْنَى تَكُون إِلَى مُدَّة ثُمَّ تَنْقَطِع , فَدُخُولهمَا فِي الْجَنَّة كَانَ دُخُول سُكْنًى لَا دُخُول إِقَامَة . قُلْت : وَإِذَا كَانَ هَذَا فَيَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَا يَقُول الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا مَسْكَنًا لَهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ بِالسُّكْنَى , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إِذَا اِنْقَضَتْ مُدَّة الْإِسْكَان . وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُول : إِذَا قَالَ الرَّجُل دَارِي لَك سُكْنًى حَتَّى تَمُوت فَهِيَ لَهُ حَيَاته وَمَوْته , وَإِذَا قَالَ : دَارِي هَذِهِ اُسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوت فَإِنَّهَا تَرْجِع إِلَى صَاحِبهَا إِذَا مَاتَ . وَنَحْو مِنْ السُّكْنَى الْعُمْرَى , إِلَّا أَنَّ الْخِلَاف فِي الْعُمْرَى أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّكْنَى . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الْعُمْرَى فِي " هُود " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْحَرْبِيّ : سَمِعْت اِبْن الْإِعْرَابِيّ يَقُول : لَمْ يَخْتَلِف الْعَرَب فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلَى مِلْك أَرْبَابهَا وَمَنَافِعهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْإِفْقَار وَالْإِخْبَال وَالْمِنْحَة وَالْعَرِيَّة وَالسُّكْنَى وَالْإِطْرَاق . وَهَذَا حُجَّة مَالِك وَأَصْحَابه فِي أَنَّهُ لَا يُمْلَك شَيْء مِنْ الْعَطَايَا إِلَّا الْمَنَافِع دُون الرِّقَاب , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَيَزِيد بْن قُسَيْط . وَالْعُمْرَى : هُوَ إِسْكَانك الرَّجُل فِي دَار لَك مُدَّة عُمْرك أَوْ عُمْره . وَمِثْله الرُّقْبَى : وَهُوَ أَنْ يَقُول : إِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلك فَهِيَ لَك , وَهِيَ مِنْ الْمُرَاقَبَة . وَالْمُرَاقَبَة : أَنْ يَرْقُب كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه , وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي إِجَازَتهَا وَمَنْعهَا , فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ , وَكَأَنَّهَا وَصِيَّة عِنْدهمْ . وَمَنَعَهَا مَالِكٌ وَالْكُوفِيُّونَ , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَقْصِد إِلَى عِوَض لَا يَدْرِي هَلْ يَحْصُل لَهُ , وَيَتَمَنَّى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه . وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ أَيْضًا بِالْإِجَازَةِ وَالْمَنْع ذَكَرَهُمَا اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه , الْأَوَّل رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) فَفِي هَذَا الْحَدِيث التَّسْوِيَة بَيْن الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْحُكْم . الثَّانِي رَوَاهُ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا رُقْبَى فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاته وَمَمَاته ) . قَالَ : وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُول هُوَ لِلْآخَرِ : مِنِّي وَمِنْك مَوْتًا . فَقَوْله : ( لَا رُقْبَى ) نَهْي يَدُلّ عَلَى الْمَنْع , وَقَوْله : ( مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ) يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , وَأَخْرَجَهُمَا أَيْضًا النَّسَائِيّ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) . فَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيث اِبْن الْمُنْذِر , وَهُوَ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد , وَأَنَّهَا لَا تَرْجِع إِلَى الْأَوَّل أَبَدًا , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق . وَقَالَ طَاوُس : مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ سَبِيل الْمِيرَاث . وَالْإِفْقَار مَأْخُوذ مِنْ فَقَار الظَّهْر . أَفْقَرْتُك نَاقَتِي : أَعَرْتُك فَقَارهَا لِتَرْكَبَهَا . وَأَفْقَرَك الصَّيْد إِذَا أَمْكَنَك مِنْ فَقَاره حَتَّى تَرْمِيه . وَمِثْله الْإِخْبَال , يُقَال : أَخْبَلْت فُلَانًا إِذَا أَعَرْته نَاقَة يَرْكَبهَا أَوْ فَرَسًا يَغْزُو عَلَيْهِ , قَالَ زُهَيْر : هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَال يُخْبِلُوا وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا وَالْمِنْحَة : الْعَطِيَّة . وَالْمِنْحَة : مِنْحَة اللَّبَن . وَالْمَنِيحَة : النَّاقَة أَوْ الشَّاة يُعْطِيهَا الرَّجُل آخَر يَحْتَلِبهَا ثُمَّ يَرُدّهَا , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعَارِيَة مُؤَدَّاة وَالْمِنْحَة مَرْدُودَة وَالدَّيْن مَقْضِيّ وَالزَّعِيم غَارِم ) . رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ صَحِيح . وَالْإِطْرَاق : إِعَارَة الْفَحْل , اِسْتَطْرَقَ فُلَان فُلَانًا فَحْلَهُ : إِذَا طَلَبَهُ لِيَضْرِب فِي إِبِله , فَأَطْرَقَهُ إِيَّاهُ , وَيُقَال : أَطْرِقْنِي فَحْلَك أَيْ أَعِرْنِي فَحْلَك لِيَضْرِب فِي إِبِلِي . وَطَرَقَ الْفَحْل النَّاقَة يَطْرُق طُرُوقًا أَيْ قَعَا عَلَيْهَا . وَطَرُوقَة الْفَحْل : أُنْثَاهُ ; يُقَال : نَاقَة طَرُوقَة الْفَحْل لِلَّتِي بَلَغَتْ أَنْ يَضْرِبهَا الْفَحْل . " أَنْتَ وَزَوْجُك " " أَنْتَ " تَأْكِيد لِلْمُضْمَرِ الَّذِي فِي الْفِعْل , وَمِثْله " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك " . وَلَا يَجُوز اُسْكُنْ وَزَوْجك , وَلَا اِذْهَبْ وَرَبّك , إِلَّا فِي ضَرُورَة الشِّعْر , كَمَا قَالَ : قُلْت إِذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْر تَهَادَى كَنِعَاجِ الْمَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا ف " زُهْر " مَعْطُوف عَلَى الْمُضْمَر فِي " أَقْبَلَتْ " وَلَمْ يُؤَكَّد ذَلِكَ الْمُضْمَر . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن عَلَى بُعْد : قُمْ وَزَيْد . قَوْله تَعَالَى : " وَزَوْجُك " لُغَة الْقُرْآن " زَوْج " بِغَيْرِ هَاء , وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم : " زَوْجَة " حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة بْن قَعْنَب قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُل فَدَعَاهُ فَجَاءَ فَقَالَ : ( يَا فُلَان هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَة ) : فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , مَنْ كُنْت أَظُنّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ أَظُنّ بِك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَان مَجْرَى الدَّم ) . وَزَوْج آدَم عَلَيْهِ السَّلَام هِيَ حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَمَّاهَا بِذَلِكَ حِين خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِه مِنْ غَيْر أَنْ يَحُسّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِذَلِكَ , وَلَوْ أَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْطِف رَجُل عَلَى اِمْرَأَته , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ قِيلَ لَهُ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : اِمْرَأَة قِيلَ : وَمَا اِسْمهَا ؟ قَالَ : حَوَّاء , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ اِمْرَأَة ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا مِنْ الْمَرْء أُخِذَتْ , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاء ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ . رُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَة سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ لِتُجَرِّب عِلْمه , وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : أَتُحِبُّهَا يَا آدَم ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالُوا لِحَوَّاء : أَتُحِبِّينَهُ يَا حَوَّاء ؟ قَالَتْ : لَا , وَفِي قَلْبِهَا أَضْعَافُ مَا فِي قَلْبه مِنْ حُبِّهِ . قَالُوا : فَلَوْ صَدَقَتْ اِمْرَأَة فِي حُبّهَا لِزَوْجِهَا لَصَدَقَتْ حَوَّاء . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : لَمَّا أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّة مَشَى فِيهَا مُسْتَوْحِشًا , فَلَمَّا نَامَ خُلِقَتْ حَوَّاء مِنْ ضِلَعِهِ الْقُصْرَى مِنْ شِقّه الْأَيْسَر لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا وَيَأْنَسَ بِهَا , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ رَآهَا فَقَالَ : مَنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : اِمْرَأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِك لِتَسْكُن إِلَيَّ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا " [ الْأَعْرَاف : 189 ] . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَرْأَة عَوْجَاء , لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَج وَهُوَ الضِّلْع . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع - فِي رِوَايَة : وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلَع أَعْلَاهُ - لَنْ تَسْتَقِيم لَك عَلَى طَرِيقَة وَاحِدَة فَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا اِسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَج وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا ) . وَقَالَ الشَّاعِر : هِيَ الضِّلَعُ الْعَوْجَاء لَيْسَتْ تُقِيمُهَا أَلَا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ اِنْكِسَارُهَا أَتَجْمَعُ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْفَتَى أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفهَا وَاقْتِدَارهَا وَمِنْ هَذَا الْبَاب اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء عَلَى مِيرَاث الْخُنْثَى الْمُشْكِل إِذَا تَسَاوَتْ فِيهِ عَلَامَات النِّسَاء وَالرِّجَال فِي اللِّحْيَة وَالثَّدْي وَالْمَبَال بِنَقْصِ الْأَعْضَاء . فَإِنْ نَقَصَتْ أَضْلَاعه عَنْ أَضْلَاع الْمَرْأَة أُعْطِيَ نَصِيب رَجُل - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لِخَلْقِ حَوَّاء مِنْ أَحَد أَضْلَاعه , وَسَيَأْتِي فِي الْمَوَارِيث بَيَان هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . " الْجَنَّة " الْبُسْتَان , وَلَا اِلْتِفَات لِمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَة وَالْقَدَرِيَّة مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جَنَّة الْخُلْد وَإِنَّمَا كَانَ فِي جَنَّة بِأَرْضِ عَدَن . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَنَّة الْخُلْد لَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِبْلِيس , فَإِنَّ اللَّه يَقُول : " لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تَأْثِيم " [ الطُّور : 23 ] وَقَالَ " لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا " [ النَّبَأ : 35 ] وَقَالَ : " لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا " [ الْوَاقِعَة : 25 - 26 ] . وَأَنَّهُ لَا يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا لِقَوْلِهِ : " وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " [ الْحِجْر : 48 ] . وَأَيْضًا فَإِنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ دَار الْقُدْس , قُدِّسَتْ عَنْ الْخَطَايَا وَالْمَعَاصِي تَطْهِيرًا لَهَا . وَقَدْ لَغَا فِيهَا إِبْلِيس وَكَذَبَ , وَأُخْرِجَ مِنْهَا آدَم وَحَوَّاء بِمَعْصِيَتِهِمَا . قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوز عَلَى آدَم مَعَ مَكَانه مِنْ اللَّه وَكَمَال عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد وَالْمُلْك الَّذِي لَا يَبْلَى ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَرَّفَ الْجَنَّة بِالْأَلِفِ وَاللَّام , وَمَنْ قَالَ : أَسْأَل اللَّه الْجَنَّة , لَمْ يُفْهَم مِنْهُ فِي تَعَارُف الْخَلْق إِلَّا طَلَب جَنَّة الْخُلْد . وَلَا يَسْتَحِيل فِي الْعَقْل دُخُول إِبْلِيس الْجَنَّة لِتَغْرِيرِ آدَم , وَقَدْ لَقِيَ مُوسَى آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ أَشْقَيْت ذُرِّيَّتك وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة , فَأَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا جَنَّة الْخُلْد الْمَعْرُوفَة , فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ آدَم , وَلَوْ كَانَتْ غَيْرهَا لَرَدَّ عَلَى مُوسَى , فَلَمَّا سَكَتَ آدَم عَلَى مَا قَرَّرَهُ مُوسَى صَحَّ أَنَّ الدَّار الَّتِي أَخْرَجَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا بِخِلَافِ الدَّار الَّتِي أُخْرِجُوا إِلَيْهَا . وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآيِ فَذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَهُ اللَّه فِيهَا بَعْد دُخُول أَهْلِهَا فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ تَكُون دَار الْخُلْد لِمَنْ أَرَادَ اللَّه تَخْلِيده فِيهَا وَقَدْ يُخْرَج مِنْهَا مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْفَنَاءِ . وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة عَلَى أَهْل الْجَنَّة وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا , وَقَدْ كَانَ مَفَاتِيحهَا بِيَدِ إِبْلِيس ثُمَّ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بَعْد الْمَعْصِيَة , وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَأَخْبَرَ بِمَا فِيهَا وَأَنَّهَا هِيَ جَنَّة الْخُلْد حَقًّا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْجَنَّة دَار الْقُدْس وَقَدْ طَهَّرَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخَطَايَا فَجَهْلٌ مِنْهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَهِيَ الشَّامُ , وَأَجْمَعَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّسَهَا وَقَدْ شُوهِدَ فِيهَا الْمَعَاصِي وَالْكُفْرُ وَالْكَذِبُ وَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيسُهَا مِمَّا يَمْنَع فِيهَا الْمَعَاصِي , وَكَذَلِكَ دَار الْقُدْس . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَقَدْ حَكَى بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّ أَهْل السُّنَّة مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ . وَقَوْلهمْ : كَيْفَ يَجُوز عَلَى آدَم فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد , فَيُعْكَس عَلَيْهِمْ وَيُقَال : كَيْف يَجُوز عَلَى آدَم وَهُوَ فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد فِي دَار الْفَنَاء هَذَا مَا لَا يَجُوز عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَة مِنْ عَقْل , فَكَيْفَ بِآدَم الَّذِي هُوَ أَرْجَح الْخَلْق عَقْلًا , عَلَى مَا قَالَ أَبُو أُمَامَة عَلَى مَا يَأْتِي .
فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ⁠ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ ﴿٢٠﴾
أَيْ إِلَيْهِمَا . قِيلَ : دَاخِل الْجَنَّة دبِإِدْخَالِ الْحَيَّة إِيَّاهُ وَقِيلَ : مِنْ خَارِج , بِالسَّلْطَنَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْبَقَرَة " وَالْوَسْوَسَة : الصَّوْت الْخَفِيُّ . وَالْوَسْوَسَة : حَدِيث النَّفْس ; يُقَال : وَسْوَسَتْ إِلَيْهِ نَفْسه وَسْوَسَة وَوِسْوَاسًا ( بِكَسْرِ الْوَاو ) . وَالْوَسْوَاس ( بِالْفَتْحِ ) : اِسْم , مِثْل الزَّلْزَال . وَيُقَال لِهَمْسِ الصَّائِد وَالْكِلَاب وَأَصْوَات الْحَلْي : وَسْوَاس . قَالَ الْأَعْشَى : تَسْمَع لِلْحَلْيِ وَسْوَاسًا إِذَا اِنْصَرَفَتْ كَمَا اِسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِق زَجِل وَالْوَسْوَاس : اِسْم الشَّيْطَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس " [ النَّاس : 4 ] .





أَيْ لِيُظْهِرَ لَهُمَا . وَاللَّام لَام الْعَاقِبَة ; كَمَا قَالَ : " لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا " [ الْقَصَص : 8 ] . وَقِيلَ : لَامُ كَيْ .





أَيْ سُتِرَ وَغُطِّيَ عَنْهُمَا . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن أُورِيَ , مِثْل أُقِّتَتْ





مِنْ عَوْرَاتهمَا وَسُمِّيَ الْفَرْج عَوْرَة ; لِأَنَّ إِظْهَاره يَسُوء صَاحِبه . وَدَلَّ هَذَا عَلَى قُبْح كَشْفِهَا فَقِيلَ : إِنَّمَا بَدَتْ سَوْآتُهُمَا لَهُمَا لَا لِغَيْرِهِمَا ; كَانَ عَلَيْهِمَا نُور لَا تُرَى عَوْرَاتهمَا فَزَالَ النُّور . وَقِيلَ : ثَوْب ; فَتَهَافَتَ , وَاَللَّه أَعْلَم .





" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , بِمَعْنَى إِلَّا , كَرَاهِيَة أَنْ ; فَحَذَفَ الْمُضَاف . هَذَا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ . وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : لِئَلَّا تَكُونَا . وَقِيلَ : أَيْ إِلَّا أَلَّا تَكُونَا مَلَكَيْنِ تَعْلَمَانِ الْخَيْر وَالشَّرّ . وَقِيلَ : طَمِعَ آدَم فِي الْخُلُود ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ النَّحَّاس : وَبَيَّنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَضْل الْمَلَائِكَة عَلَى جَمِيع الْخَلْق فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْقُرْآن ; فَمِنْهَا هَذَا , وَهُوَ " إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ " . وَمِنْهُ " وَلَا أَقُول إِنِّي مَلَك " [ هُود : 31 ] . وَمِنْهُ " وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ " [ النِّسَاء : 172 ] . وَقَالَ الْحَسَن : فَضَّلَ اللَّه الْمَلَائِكَة بِالصُّوَرِ . وَالْأَجْنِحَة وَالْكَرَامَة . وَقَالَ غَيْره : فَضَّلَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ بِالطَّاعَةِ وَتَرْك الْمَعْصِيَة ; فَلِهَذَا يَقَع التَّفْضِيل فِي كُلّ شَيْء . وَقَالَ اِبْن فُورك . لَا حُجَّة فِي هَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَلَكَيْنِ فِي أَلَّا يَكُون لَهُمَا شَهْوَة فِي طَعَام . وَاخْتِيَار اِبْن عَبَّاس وَالزَّجَّاج وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء تَفْضِيل الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَة ; وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " وَقَالَ الْكَلْبِيّ : فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِق كُلّهمْ , غَيْر طَائِفَة مِنْ الْمَلَائِكَة : جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل وَمَلَك الْمَوْت ; لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَة رُسُل اللَّه . وَتَمَسَّكَ كُلّ فَرِيق بِظَوَاهِر مِنْ الشَّرِيعَة , وَالْفَضْل بِيَدِ اللَّه . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " مَلِكَيْنِ " بِكَسْرِ اللَّام , وَهِيَ قِرَاءَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَالضَّحَّاك . وَأَنْكَرَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء كَسْر اللَّام وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ قَبْل آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلِك فَيَصِيرَا مَلِكَيْنِ . قَالَ النَّحَّاس : وَيَجُوز عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة إِسْكَان اللَّام , وَلَا يَجُوز عَلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى لِخِفَّةِ الْفَتْحَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَتَاهُمَا الْمَلْعُون مِنْ جِهَة الْمُلْك ; وَلِهَذَا قَالَ : " هَلْ أَدُلُّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى " [ طَه : 120 ] . وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْد أَنَّ اِحْتِجَاج يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِقَوْلِهِ : " وَمُلْك لَا يَبْلَى " حُجَّة بَيِّنَة , وَلَكِنَّ النَّاس عَلَى تَرْكهَا فَلِهَذَا تَرَكْنَاهَا . قَالَ النَّحَّاس : " إِلَّا أَنْ تَكُونَا مُلْكَيْنِ " قِرَاءَة شَاذَّة . وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَى أَبِي عُبَيْد هَذَا الْكَلَام , وَجُعِلَ مِنْ الْخَطَأ الْفَاحِش . وَهَلْ يَجُوز أَنْ يَتَوَهَّم آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ يَصِل إِلَى أَكْثَر مِنْ مُلْك الْجَنَّة ; وَهُوَ غَايَة الطَّالِبِينَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى " وَمُلْك لَا يَبْلَى " الْمَقَام فِي مُلْك الْجَنَّة , وَالْخُلُود فِيهِ .
وَقَاسَمَهُمَاۤ إِنِّی لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ ﴿٢١﴾
أَيْ حَلَفَ لَهُمَا . يُقَال : أَقْسَمَ إِقْسَامًا ; أَيْ حَلَفَ . قَالَ الشَّاعِر : وَقَاسَمَهَا بِاَللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ أَلَذّ مِنْ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورهَا وَجَاءَ " فَاعَلْت " مِنْ وَاحِد . وَهُوَ يَرِد عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُفَاعَلَة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ اِثْنَيْنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة "





لَيْسَ " لَكُمَا " دَاخِلًا فِي الصِّلَة . وَالتَّقْدِير : إِنِّي نَاصِح لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ; قَالَهُ هِشَام النَّحْوِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْله فِي " الْبَقَرَة " وَمَعْنَى الْكَلَام : اِتَّبِعَانِي أُرْشِدْكُمَا ; ذَكَرَهُ قَتَادَة .
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورࣲۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَ ٰ⁠ تُهُمَا وَطَفِقَا یَخۡصِفَانِ عَلَیۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَاۤ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاۤ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ ﴿٢٢﴾
أَوْ قَعْهُمَا فِي الْهَلَاك . قَالَ اِبْن عَبَّاس : غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ . وَكَانَ يَظُنّ آدَم أَنَّهُ لَا يَحْلِف أَحَد بِاَللَّهِ كَاذِبًا , فَغَرَّهُمَا بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمه لَهُمَا . وَقَالَ قَتَادَة : حَلَفَ بِاَللَّهِ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا . وَقَدْ يُخْدَع الْمُؤْمِن بِاَللَّهِ . كَانَ بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول : مَنْ خَادَعَنَا بِاَللَّهِ خُدِعْنَا . وَفِي الْحَدِيث عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ ) . وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ : إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْته وَتَرَى اللَّئِيم مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ " فَدَلَّاهُمَا " يُقَال : أَدْلَى دَلْوه : أَرْسَلَهَا . وَدَلَّاهَا : أَخْرَجَهَا . وَقِيلَ : " دَلَّاهُمَا " أَيْ دَلَّلَهُمَا ; مِنْ الدَّالَّة , وَهِيَ الْجُرْأَة . أَيْ جَرَّأَهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَة فَخَرَجَا مِنْ الْجَنَّة .





" فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَة " أَيْ أَكَلَا مِنْهَا . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْخِلَاف فِي هَذِهِ الشَّجَرَة , وَكَيْفَ أَكَلَ آدَم مِنْهَا : " بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا " أَكَلَتْ حَوَّاء أَوَّلًا فَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ ; فَلَمَّا أَكَلَ آدَم حَلَّتْ الْعُقُوبَة ; لِأَنَّ النَّهْي وَرَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَقَلَّصَ النُّور الَّذِي كَانَ لِبَاسهمَا فَصَارَ أَظْفَارًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل . " وَطَفِقَا " وَيَجُوز إِسْكَان الْفَاء . وَحَكَى الْأَخْفَش طَفِقَ يَطْفِق ; مِثْل ضَرَبَ يَضْرِب . يُقَال : طَفِقَ , أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْل . " يَخْصِفَانِ " وَقَرَأَ الْحَسَن بِكَسْرِ الْخَاء وَشَدّ الصَّاد . وَالْأَصْل " يَخْتَصِفَانِ " فَأَدْغَمَ , وَكَسَرَ الْخَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقَرَأَ اِبْن بُرَيْدَة وَيَعْقُوب بِفَتْحِ الْخَاء , أَلْقَيَا حَرَكَة التَّاء عَلَيْهَا . وَيَجُوز " يُخَصِّفَانِ " بِضَمِّ الْيَاء , مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّف . وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ " يُخْصِفَانِ " مِنْ أَخْصَفَ . وَكِلَاهُمَا مَنْقُول بِالْهَمْزَةِ أَوْ التَّضْعِيف وَالْمَعْنَى : يَقْطَعَانِ الْوَرَق وَيَلْزَقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ , وَمِنْهُ خَصْف النَّعْل . وَالْخَصَّاف الَّذِي يُرَقِّعهَا . وَالْمِخْصَف الْمِثْقَب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ وَرَق التِّين . وَيُرْوَى أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَدَتْ سَوْأَته وَظَهَرَتْ عَوْرَته طَافَ عَلَى أَشْجَار الْجَنَّة يَسُلّ مِنْهَا وَرَقَة يُغَطِّي بِهَا عَوْرَته ; فَزَجَرَتْهُ أَشْجَار الْجَنَّة حَتَّى رَحِمَتْهُ شَجَرَة التِّين فَأَعْطَتْهُ وَرَقَة . فَـ " طَفِقَا " يَعْنِي آدَم وَحَوَّاء " يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة " فَكَافَأَ اللَّه التِّين بِأَنْ سَوَّى ظَاهِره وَبَاطِنَهُ فِي الْحَلَاوَة وَالْمَنْفَعَة وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عَام وَاحِد مَرَّتَيْنِ . وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى قُبْح كَشْف الْعَوْرَة , وَأَنَّ اللَّه أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْر ; وَلِذَلِكَ اِبْتَدَرَا إِلَى سَتْرهَا , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّة ; كَمَا قِيلَ لَهُمَا : " وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة " . وَقَدْ حَكَى صَاحِب الْبَيَان عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد مَا يَسْتُر بِهِ عَوْرَته إِلَّا وَرَق الشَّجَر لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِر بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سُتْرَة ظَاهِرَة يُمْكِنُهُ التَّسَتُّرُ بِهَا ; كَمَا فَعَلَ آدَم فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .





أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الشَّيْطَان عَدُوٌّ , وَخَبَره حَقّ وَصِدْق . فَالْوَاجِب عَلَى الْعَاقِل أَنْ يَأْخُذ حِذْرَهُ مِنْ هَذَا الْعَدُوّ الَّذِي قَدْ أَبَانَ عَدَاوَته مِنْ زَمَن آدَم , وَبَذَلَ نَفْسه وَعُمْره فِي إِفْسَاد أَحْوَال بَنِي آدَم ; وَقَدْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِالْحَذَرِ مِنْهُ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل : " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين " , " إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ الْبَقَرَة : 169 ] وَقَالَ : " الشَّيْطَان يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ " [ الْبَقَرَة : 268 ] وَقَالَ : " وَيُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا " [ النِّسَاء : 60 ] وَقَالَ : " إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " [ الْمَائِدَة : 91 ] وَقَالَ : " إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِين " [ الْقَصَص : 15 ] وَقَالَ : " إِنَّ الشَّيْطَان لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَاب السَّعِير " [ فَاطِر : 6 ] . وَهَذَا غَايَة فِي التَّحْذِير , وَمِثْله فِي الْقُرْآن كَثِير . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : إِنَّ إِبْلِيس مُوثَق فِي الْأَرْض السُّفْلَى , فَإِذَا تَحَرَّكَ فَإِنَّ كُلّ شَرّ الْأَرْض بَيْن اِثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ تَحَرُّكه . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ وَفِيهِ : ( وَآمُركُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّه فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُل خَرَجَ الْعَدُوّ فِي أَثَره سِرَاعًا حَتَّى أَتَى عَلَى حِصْن حَصِين فَأَحْرَزَ نَفْسه مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْد لَا يُحْرِز نَفْسه مِنْ الشَّيْطَان إِلَّا بِذِكْرِ اللَّه ) الْحَدِيث . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب .
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَاۤ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ﴿٢٣﴾
أَيْ قَالَ لَهُمَا : أَلَمْ أَنْهَكُمَا . قَالَا رَبَّنَا نِدَاء مُضَاف . وَالْأَصْل يَا رَبَّنَا . وَقِيلَ . إِنَّ فِي حَذْف " يَا " مَعْنَى التَّعْظِيم . فَاعْتَرَفَا بِالْخَطِيئَةِ وَتَابَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ .
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ ﴿٢٤﴾
قَالَ فِیهَا تَحۡیَوۡنَ وَفِیهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ﴿٢٥﴾
الضَّمَائِر كُلُّهَا لِلْأَرْضِ . وَلَمْ يَذْكُر الْوَاو فِي " قَالَ " , وَلَوْ ذَكَرَهَا لَجَازَ أَيْضًا . وَهُوَ كَقَوْلِك : قَالَ زَيْد لِعَمْرٍو كَذَا قَالَ لَهُ كَذَا .
یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَ ٰ⁠رِی سَوۡءَ ٰ⁠ تِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱۚ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾
قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة ; لِأَنَّهُ قَالَ : " يُوَارِي سَوْآتكُمْ " . وَقَالَ قَوْم : إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيل عَلَى مَا ذَكَرُوهُ , بَلْ فِيهَا دَلَالَة عَلَى الْإِنْعَام فَقَطْ . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ . وَمِنْ جُمْلَة الْإِنْعَام سَتْر الْعَوْرَة ; فَبَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتهمْ , وَدَلَّ عَلَى الْأَمْر بِالسَّتْرِ . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة عَنْ أَعْيُن النَّاس . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَة مَا هِيَ ؟ فَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب : هِيَ مِنْ الرَّجُل الْفَرْج نَفْسه , الْقُبُل وَالدُّبُر دُون غَيْرهمَا . وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر وَابْن أَبِي عَبْلَة وَالطَّبَرِيّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ " , " بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا " [ الْأَعْرَاف : 22 ] , " لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهمَا " [ الْأَعْرَاف : 27 ] . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس : " فَأَجْرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاق خَيْبَر - وَفِيهِ - ثُمَّ حَسِرَ الْإِزَار عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُر إِلَى بَيَاض فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . وَقَالَ مَالِك : السُّرَّة لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ , وَأَكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِف فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَته . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الرُّكْبَة عَوْرَة . وَهُوَ قَوْل عَطَاء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَتْ السُّرَّة وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنْ الْعَوْرَة عَلَى الصَّحِيح . وَحَكَى أَبُو حَامِد التِّرْمِذِيّ أَنَّ لِلشَّافِعِيّ فِي السُّرَّة قَوْلَيْنِ . وَحُجَّة مَالِك قَوْلُه عَلَيْهِ السَّلَام لِجَرْهَد : ( غَطِّ فَخِذك فَإِنَّ الْفَخِذ عَوْرَة ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا وَقَالَ : حَدِيث أَنَس أَسْنَد , وَحَدِيث جَرْهَد أَحْوَط حَتَّى يَخْرُج مِنْ اِخْتِلَافهمْ . وَحَدِيث جَرْهَد هَذَا يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَبَّلَ سُرَّة الْحَسَن بْن عَلِيّ وَقَالَ : أُقَبِّل مِنْك مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ مِنْك . فَلَوْ كَانَتْ السُّرَّة عَوْرَة مَا قَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَة , وَلَا مَكَّنَهُ الْحَسَن مِنْهَا . وَأَمَّا الْمَرْأَة الْحُرَّة فَعَوْرَة كُلّهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ . عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل الْعِلْم . وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَة فَلْيَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ) . وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِب كَشْفه فِي الْإِحْرَام . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْمَرْأَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل نَحْوه . وَأَمَّا أُمّ الْوَلَد فَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعْته - يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل - يُسْأَل عَنْ أُمّ الْوَلَد كَيْفَ تُصَلِّي ؟ فَقَالَ : تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُبَاع , وَتُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّة . وَأَمَّا الْأَمَة فَالْعَوْرَة مِنْهَا مَا تَحْت ثَدْيهَا , وَلَهَا أَنْ تُبْدِيَ رَأْسَهَا وَمِعْصَمَيْهَا . وَقِيلَ : حُكْمهَا حُكْم الرَّجُل . وَقِيلَ : يُكْرَه لَهَا كَشْف رَأْسِهَا وَصَدْرهَا . وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَضْرِب الْإِمَاء عَلَى تَغْطِيَتِهِنَّ رُءُوسَهُنَّ وَيَقُول : لَا تَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ . وَقَالَ أَصْبُغ : إِنْ اِنْكَشَفَ فَخِذُهَا أَعَادَتْ الصَّلَاة فِي الْوَقْت . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْأَمَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَهَذَا خَارِج عَنْ أَقْوَال الْفُقَهَاء ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة الْحُرَّة لَهَا أَنْ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَة وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا مَكْشُوف ذَلِكَ كُلّه , تُبَاشِر الْأَرْض بِهِ . فَالْأَمَة أَوْلَى , وَأُمّ الْوَلَد أَغْلَظ حَالًا مِنْ الْأَمَة . وَالصَّبِيّ الصَّغِير لَا حُرْمَة لِعَوْرَتِهِ . فَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَة إِلَى حَدّ تَأْخُذهَا الْعَيْن وَتُشْتَهَى سَتَرَتْ عَوْرَتهَا . وَحُجَّة أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَوْله تَعَالَى : " يَأَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتك وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ " [ الْأَحْزَاب : 59 ] . وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سُئِلَتْ : مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَة مِنْ الثِّيَاب ؟ فَقَالَتْ : تُصَلِّي فِي الدِّرْع وَالْخِمَار السَّابِغ الَّذِي يُغَيِّب ظُهُور قَدَمَيْهَا . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . وَاَلَّذِينَ أَوْقَفُوهُ عَلَى أُمّ سَلَمَة أَكْثَر وَأَحْفَظ ; مِنْهُمْ مَالِك وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَفَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أُمّه عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَر : عَبْد الرَّحْمَن هَذَا ضَعِيف عِنْدهمْ ; إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيّ بَعْض حَدِيثه . وَالْإِجْمَاع فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَى مِنْ الْخَبَر . قَوْله تَعَالَى : " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا " يَعْنِي الْمَطَر الَّذِي يُنْبِت الْقُطْن وَالْكَتَّان , وَيُقِيم الْبَهَائِم الَّذِي مِنْهَا الْأَصْوَاف وَالْأَوْبَار وَالْأَشْعَار ; فَهُوَ مَجَاز مِثْل " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " [ الزُّمَر : 6 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : هَذَا الْإِنْزَال إِنْزَال شَيْء مِنْ اللِّبَاس مَعَ آدَم وَحَوَّاء , لِيَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ " أَيْ خَلَقْنَا لَكُمْ ; كَقَوْلِهِ : " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " أَيْ خَلَقَ . عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : أَلْهَمْنَاكُمْ كَيْفِيَّة صَنْعَته . " وَرِيشًا " قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن وَالْحَسَن وَعَاصِم مِنْ رِوَايَة الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ , وَأَبُو عَمْرو مِنْ رِوَايَة الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيّ " وَرِيَاشًا " . وَلَمْ يَحْكِهِ أَبُو عُبَيْد إِلَّا عَنْ الْحَسَن , وَلَمْ يُفَسِّر مَعْنَاهُ . وَهُوَ جَمْع رِيشٍ . وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْمَال وَاللِّبَاس . وَقَالَ الْفَرَّاء : رِيشٌ وَرِيَاش , كَمَا يُقَال : لِبْس وَلِبَاس . وَرِيشُ الطَّائِر مَا سَتَرَهُ اللَّه بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ الْخِصْب وَرَفَاهِيَة الْعَيْش . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر أَهْل اللُّغَة أَنَّ الرِّيش مَا سَتَرَ مِنْ لِبَاس أَوْ مَعِيشَة . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : فَرِيشِي مِنْكُمْ وَهَوَايَ مَعْكُمْ وَإِنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامًا وَحَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ أَبِي عُبَيْدَة : وَهَبْت لَهُ دَابَّة بِرِيشِهَا ; أَيْ بِكِسْوَتِهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ اللِّبَاس .





بَيَّنَ أَنَّ التَّقْوَى خَيْرُ لِبَاسٍ ; كَمَا قَالَ : إِذَا الْمَرْء لَمْ يَلْبَس ثِيَابًا مِنْ التُّقَى تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا وَرَوَى قَاسِم بْن مَالِك عَنْ عَوْف عَنْ مَعْبَد الْجُهَنِيّ قَالَ : " لِبَاس التَّقْوَى " الْحَيَاء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " لِبَاس التَّقْوَى " هُوَ الْعَمَل الصَّالِح . وَعَنْهُ أَيْضًا : السَّمْت الْحَسَن فِي الْوَجْه . وَقِيلَ : مَا عَلَّمَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُدِيَ بِهِ . وَقِيلَ : " لِبَاس التَّقْوَى " لُبْس الصُّوف وَالْخَشِن مِنْ الثِّيَاب , مِمَّا يُتَوَاضَع بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُتَعَبَّد لَهُ خَيْر مِنْ غَيْره . وَقَالَ زَيْد بْن عَلِيّ : " لِبَاس التَّقْوَى " الدِّرْع وَالْمِغْفَر ; وَالسَّاعِدَانِ , وَالسَّاقَانِ , يُتَّقَى بِهِمَا فِي الْحَرْب . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : هُوَ الْخَشْيَة لِلَّهِ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِشْعَار تَقْوَى اللَّه تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح , وَإِلَيْهِ يَرْجِع قَوْل اِبْن عَبَّاس وَعُرْوَة . وَقَوْل زَيْد بْن عَلِيّ حَسَن , فَإِنَّهُ حَضّ عَلَى الْجِهَاد . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَهَذَا فِيهِ تَكْرَار , إِذْ قَالَ أَوَّلًا : " قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ " . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَبِسَ الْخَشِن مِنْ الثِّيَاب فَإِنَّهُ أَقْرَب إِلَى التَّوَاضُع وَتَرْك الرَّعُونَات فَدَعْوَى ; فَقَدْ كَانَ الْفُضَلَاء مِنْ الْعُلَمَاء يَلْبَسُونَ الرَّفِيع مِنْ الثِّيَاب مَعَ حُصُول التَّقْوَى , عَلَى مَا يَأْتِي مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكِسَائِيّ " لِبَاسَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " لِبَاسًا " الْأَوَّل . وَقِيلَ : اِنْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَر ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا لِبَاسَ التَّقْوَى . وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء . وَ " ذَلِكَ " نَعْته وَ " خَيْر " خَبَر الِابْتِدَاء . وَالْمَعْنَى : وَلِبَاس التَّقْوَى الْمُشَار إِلَيْهِ , الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ , خَيْر لَكُمْ مِنْ لِبَاس الثِّيَاب الَّتِي تُوَارِي سَوْآتكُمْ , وَمِنْ الرِّيَاش الَّذِي أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ; فَالْبَسُوهُ . وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ بِإِضْمَارِ هُوَ ; أَيْ وَهُوَ لِبَاس التَّقْوَى ; أَيْ هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَعَلَيْهِ يُخَرَّج قَوْل اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلِبَاس التَّقْوَى هُوَ خَيْر ; فَـ " ذَلِكَ " بِمَعْنَى هُوَ . وَالْإِعْرَاب الْأَوَّل أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " وَلِبَاس التَّقْوَى خَيْر " وَلَمْ يَقْرَأ " ذَلِكَ " . وَهُوَ خِلَاف الْمُصْحَف .





أَيْ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا . وَ " ذَلِكَ " رَفْع عَلَى الصِّفَة , أَوْ عَلَى الْبَدَل , أَوْ عَطْف بَيَان .
یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ لَا یَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ كَمَاۤ أَخۡرَجَ أَبَوَیۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ یَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوۡءَ ٰ⁠ تِهِمَاۤۚ إِنَّهُۥ یَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِیلُهُۥ مِنۡ حَیۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ لِلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ ﴿٢٧﴾
أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكُمْ الشَّيْطَان عَنْ الدِّين ; كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْكُمْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْجَنَّة . " أَب " لِلْمُذَكَّرِ , وَ " أَبَة " لِلْمُؤَنَّثِ . فَعَلَى هَذَا قِيلَ : أَبَوَانِ





فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَيَكُون مُسْتَأْنَفًا فَيُوقَف عَلَى " مِنْ الْجَنَّة " . " لِيُرِيَهُمَا " نَصْب بِلَامِ كَيْ . وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيل عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة ; لِقَوْلِهِ : " يَنْزِع عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا " . قَالَ الْآخَرُونَ : إِنَّمَا فِيهِ التَّحْذِير مِنْ زَوَال النِّعْمَة ; كَمَا نَزَلَ بِآدَم . هَذَا أَنْ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ شَرْع آدَم يَلْزَمُنَا , وَالْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ .





" إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيله " الْأَصْل " يَرْءَاكُمْ " ثُمَّ خُفِّفَتْ الْهَمْزَة . " وَقَبِيله " عَطْف عَلَى الْمُضْمَر وَهُوَ تَوْكِيد لِيَحْسُنَ الْعَطْف ; كَقَوْلِهِ : " اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجك الْجَنَّة " [ الْبَقَرَة : 35 ] . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَقْبُح رَأَيْتُك وَعَمْرو , وَأَنَّ الْمُضْمَر كَالْمُظْهَرِ . " قَبِيله " جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : " قَبِيله " نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .





قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ " مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ " قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : " مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم . وَفِي الْخَبَر ( إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ اِبْن آدَم مَجْرَى الدَّم ) . وَقَالَ تَعَالَى : " الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس " [ النَّاس : 5 ] . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً - أَيْ بِالْقَلْبِ - فَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ . وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاة رَمَضَان , وَذَكَرَ قِصَّة طَوِيلَة , ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ أَخَذَ الْجِنِّيّ الَّذِي كَانَ يَأْخُذ التَّمْر , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( مَا فَعَلَ أَسِيرك الْبَارِحَة ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَللَّه لَوْلَا دَعْوَة أَخِي سُلَيْمَان لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَب بِهِ وِلْدَانُ أَهْل الْمَدِينَة ) - فِي الْعِفْرِيت الَّذِي تَفَلَّتَ عَلَيْهِ . وَسَيَأْتِي فِي " ص " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .





أَيْ زِيَادَة فِي عُقُوبَتهمْ وَسَوَّيْنَا بَيْنهمْ فِي الذَّهَاب عَنْ الْحَقّ .
وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةࣰ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَیۡهَاۤ ءَابَاۤءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﴿٢٨﴾
الْفَاحِشَة هُنَا فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ طَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة . وَقَالَ الْحَسَن : هِيَ الشِّرْك وَالْكُفْر . وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ أَسْلَافهمْ , وَبِأَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : " وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا " قَالُوا : لَوْ كَرِهَ اللَّه مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَنَقَلَنَا عَنْهُ . " قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ " بَيَّنَ أَنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ , وَلَا دَلِيل لَهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِمَا اِدَّعَوْا . وَقَدْ مَضَى ذَمّ التَّقْلِيد وَذَمّ كَثِير مِنْ جَهَالَاتهمْ . وَهَذَا مِنْهَا .
قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِیمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ﴿٢٩﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقِيلَ : الْقِسْط الْعَدْل ; أَيْ أَمَرَ : بِالْعَدْلِ فَأَطِيعُوهُ . فَفِي الْكَلَام حَذْف .





أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فِي كُلّ صَلَاة إِلَى الْقِبْلَة .





أَيْ فِي أَيّ مَسْجِد كُنْتُمْ .





أَيْ وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ .





نَظِيرُهُ " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " [ الْأَنْعَام : 94 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ تَعُودُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ ; أَيْ كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّل مَرَّة يُعِيدُكُمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مُتَعَلِّق بِمَا قَبْله . أَيْ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .
فَرِیقًا هَدَىٰ وَفَرِیقًا حَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَیَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ﴿٣٠﴾
" فَرِيقًا هَدَى " " فَرِيقًا " نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْمُضْمَر فِي " تَعُودُونَ " أَيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ : سُعَدَاء , وَأَشْقِيَاء . يُقَوِّي هَذَا قِرَاءَة أُبَيّ " تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " ; عَنْ الْكِسَائِيّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فِي قَوْله تَعَالَى " فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " قَالَ : مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه لِلضَّلَالَةِ صَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَة , وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى . وَمَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الْهُدَى صَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى , وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الضَّلَالَة . اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْق إِبْلِيس عَلَى الضَّلَالَة , وَعَمِلَ بِأَعْمَالِ السَّعَادَة مَعَ الْمَلَائِكَة , ثُمَّ رَدَّهُ اللَّه إِلَى مَا اِبْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقه . قَالَ : " وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ " [ الْبَقَرَة : 34 ] وَفِي هَذَا رَدٌّ وَاضِح عَلَى الْقَدَرِيَّة وَمَنْ تَابِعهمْ . وَقِيلَ : " فَرِيقًا " نَصْب بِـ " هَدَى " , " وَفَرِيقًا " الثَّانِي نَصْب بِإِضْمَارِ فِعْل ; أَيْ وَأَضَلَّ فَرِيقًا . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : أَصْبَحْت لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْت بِهِ وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَجَازَ .





وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر : " أَنَّهُمْ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة , يَعْنِي لِأَنَّهُمْ .
۞ یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوۤاْۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ ﴿٣١﴾
هُوَ خِطَاب لِجَمِيعِ الْعَالَم , وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُود بِهَا مَنْ كَانَ يَطُوف مِنْ الْعَرَب بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ; فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلّ مَسْجِد لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْعِبْرَة لِلْعُمُومِ لَا لِلسَّبَبِ . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ الطَّوَاف ; لِأَنَّ الطَّوَاف لَا يَكُون إِلَّا فِي مَسْجِد وَاحِد , وَاَلَّذِي يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِد هُوَ الصَّلَاة . وَهَذَا قَوْل مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَقَاصِد الشَّرِيعَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة تَطُوف بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَة وَتَقُول : مَنْ يُعِيرنِي تِطْوَافًا ؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا . وَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كُلِّ مَسْجِدٍ " التِّطْوَاف ( بِكَسْرِ التَّاء ) . وَهَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ ضُبَاعَة بِنْت عَامِر بْن قُرْط ; قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض . وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب تَطُوف بِالْبَيْتِ عُرَاة إِلَّا الْحُمْس , وَالْحُمْس قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ , كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمْ الْحُمْس ثِيَابًا فَيُعْطِي الرِّجَال الرِّجَال وَالنِّسَاء النِّسَاء . وَكَانَتْ الْحُمْس لَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْمُزْدَلِفَة , وَكَانَ النَّاس كُلُّهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ . فِي غَيْر مُسْلِم : وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْل الْحَرَم , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَب أَنْ يَطُوف إِلَّا فِي ثِيَابِنَا , وَلَا يَأْكُل إِذَا دَخَلَ أَرْضَنَا إِلَّا مِنْ طَعَامِنَا . فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْعَرَب صَدِيقٌ بِمَكَّة يُعِيرهُ ثَوْبًا وَلَا يَسَار يَسْتَأْجِرُهُ بِهِ كَانَ بَيْن أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا , وَإِمَّا أَنْ يَطُوف فِي ثِيَابه ; فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَمَسّهُ أَحَد . وَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْب يُسَمَّى اللَّقَى ; قَالَ قَائِل مِنْ الْعَرَب : كَفَى حَزَنًا كَرَيٍّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقًى بَيْن أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيم فَكَانُوا عَلَى تِلْكَ الْجَهَالَة وَالْبِدْعَة وَالضَّلَالَة حَتَّى بَعَثَ اللَّه نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ " الْآيَة . وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا لَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان . قُلْت : وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْمُرَاد الصَّلَاة فَزِينَتهَا النِّعَال ; لِمَا رَوَاهُ كُرْز بْن وَبْرَة عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْم : ( خُذُوا زِينَة الصَّلَاة ) قِيلَ : وَمَا زِينَة الصَّلَاة ؟ قَالَ : ( اِلْبَسُوا نِعَالَكُمْ فَصَلُّوا فِيهَا ) . دَلَّتْ الْآيَة عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة كَمَا تَقَدَّمَ . وَذَهَبَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنَّهَا فَرْض مِنْ فُرُوض الصَّلَاة . وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ هِيَ فَرْض فِي الْجُمْلَة , وَعَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُن النَّاس فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا . وَهُوَ الصَّحِيح ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِلْمِسْوَرِ بْن مَخْرَمَة : ( اِرْجِعْ إِلَى ثَوْبِك فَخُذْهُ وَلَا تَمْشُوا عُرَاة ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي إِلَى أَنَّ سَتْر الْعَوْرَة مِنْ سُنَن الصَّلَاة , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا فِي الصَّلَاة لَكَانَ الْعُرْيَان لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُصَلِّي ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء مِنْ فُرُوض الصَّلَاة يَجِب الْإِتْيَان بِهِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ , أَوْ بَدَله مَعَ عَدَمه , أَوْ تَسْقُط الصَّلَاة جُمْلَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ سَتْر الْعَوْرَة فَرْض فِي الصَّلَاة فَسَقَطَ ثَوْب إِمَام فَانْكَشَفَ دُبُره وَهُوَ رَاكِع فَرَفَعَ رَأْسه فَغَطَّاهُ أَجْزَأَهُ ; قَالَهُ اِبْن الْقَاسِم . وَقَالَ سَحْنُون : وَكُلّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَعَادَ . وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُون أَيْضًا : أَنَّهُ يُعِيد وَيُعِيدُونَ ; لِأَنَّ سَتْر الْعَوْرَة شَرْط مِنْ شُرُوط الصَّلَاة , فَإِذَا ظَهَرَتْ بَطَلَتْ الصَّلَاة . أَصْله الطَّهَارَة . قَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا مَنْ قَالَ , إِنَّ صَلَاتهمْ لَا تَبْطُل فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدُوا شَرْطًا , وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنْ أَخَذَهُ مَكَانه صَحَّتْ صَلَاته وَتَبْطُل صَلَاة مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ فَصَحِيفَة يَجِب مَحْوُهَا وَلَا يَجُوز الِاشْتِغَال بِهَا . وَفِي الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن سَلَمَة قَالَ : لَمَّا رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا قَالَ : ( لِيَؤُمّكُمْ أَكْثَركُمْ قِرَاءَة لِلْقُرْآنِ ) . قَالَ : فَدَعَوْنِي فَعَلَّمُونِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ; فَكُنْت أُصَلِّي بِهِمْ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَة مَفْتُوقَة , وَكَانُوا يَقُولُونَ لِأُبَيّ : أَلَا تُغَطِّي عَنَّا اِسْت اِبْنك . لَفْظ النَّسَائِيّ . وَثَبَتَ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : لَقَدْ كَانَتْ الرِّجَال عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقهمْ مِنْ ضِيق الْأُزُر خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة كَأَمْثَالِ الصِّبْيَان ; فَقَالَ قَائِل : يَا مَعْشَر النِّسَاء , لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى تَرْفَع الرِّجَال . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد . وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَأَى عَوْرَة نَفْسه ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا كَانَ الثَّوْب ضَيِّقًا يَزُرّهُ أَوْ يُخَلِّلهُ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَجَافَى الْقَمِيص فَتُرَى مِنْ الْجَيْب الْعَوْرَة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَرَأَى عَوْرَة نَفْسه أَعَادَ الصَّلَاة . وَهُوَ قَوْل أَحْمَد . وَرَخَّصَ مَالِك فِي الصَّلَاة فِي الْقَمِيص مَحْلُول الْأَزْرَار , لَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيل . وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي ثَوْر . وَكَانَ سَالِم يُصَلِّي مَحْلُول الْأَزْرَار . وَقَالَ دَاوُد الطَّائِيّ : إِذَا كَانَ عَظِيم اللِّحْيَة فَلَا بَأْس بِهِ . وَحَكَى مَعْنَاهُ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد . فَإِنْ كَانَ إِمَامًا فَلَا يُصَلِّي إِلَّا بِرِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَة . وَقِيلَ : مِنْ الزِّينَة الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ ; رَوَاهُ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحّ . وَقِيلَ : زِينَة الصَّلَاة رَفْع الْأَيْدِي فِي الرُّكُوع وَفِي الرَّفْع مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَر : لِكُلِّ شَيْء زِينَة وَزِينَة الصَّلَاة التَّكْبِير وَرَفْع الْأَيْدِي . وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِذَا وَسَّعَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ , جَمَعَ رَجُل عَلَيْهِ ثِيَابه , صَلَّى فِي إِزَار وَرِدَاء , فِي إِزَار وَقَمِيص , فِي إِزَار وَقَبَاء , فِي سَرَاوِيل وَرِدَاء , فِي سَرَاوِيل وَقَمِيص , فِي سَرَاوِيل وَقَبَاء - وَأَحْسَبُهُ قَالَ : فِي تُبَّان وَقَمِيص - فِي تُبَّانٍ وَرِدَاء , فِي تُبَّانٍ وَقَبَاء . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ .





قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَحَلَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة الْأَكْل وَالشُّرْب مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَة . فَأَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَة إِلَيْهِ , وَهُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَة وَسَكَّنَ الظَّمَأ , فَمَنْدُوب إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا , لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظ النَّفْس وَحِرَاسَة الْحَوَاسّ ; وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْع بِالنَّهْيِ عَنْ الْوِصَال ; لِأَنَّهُ يُضْعِف الْجَسَد وَيُمِيت النَّفْس , وَيُضْعِف عَنْ الْعِبَادَة , وَذَلِكَ يَمْنَع مِنْهُ الشَّرْع وَيَدْفَعهُ الْعَقْل . وَلَيْسَ لِمَنْ مَنَعَ نَفْسه قَدْر الْحَاجَة حَظٌّ مِنْ بِرّ وَلَا نَصِيب مِنْ زُهْد ; لِأَنَّ مَا حُرِمَهَا مِنْ فِعْل الطَّاعَة بِالْعَجْزِ وَالضَّعْف أَكْثَر ثَوَابًا وَأَعْظَم أَجْرًا . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الزَّائِد عَلَى قَدْر الْحَاجَة عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ حَرَام , وَقِيلَ مَكْرُوه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ قَدْر الشِّبَع يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَان وَالْأَزْمَان وَالْأَسْنَان وَالطُّعْمَانِ . ثُمَّ قِيلَ : فِي قِلَّة الْأَكْل مَنَافِع كَثِيرَة ; مِنْهَا أَنْ يَكُون الرَّجُل أَصَحَّ جِسْمًا وَأَجْوَد حِفْظًا وَأَزْكَى فَهْمًا وَأَقَلَّ نَوْمًا وَأَخَفَّ نَفْسًا . وَفِي كَثْرَة الْأَكْل كَظّ الْمَعِدَة وَنَتِن التُّخْمَة , وَيَتَوَلَّد مِنْهُ الْأَمْرَاض الْمُخْتَلِفَة , فَيَحْتَاج مِنْ الْعِلَاج أَكْثَر مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْقَلِيل الْأَكْل . وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : أَكْبَر الدَّوَاء تَقْدِير الْغِذَاء . وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كَلَام الْأَطِبَّاء فَقَالَ : ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْن بِحَسْب اِبْن آدَمَ لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَة فَثُلُث لِطَعَامِهِ وَثُلُث لِشَرَابِهِ وَثُلُث لِنَفَسِهِ ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِبَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ سَمِعَ بُقْرَاط هَذِهِ الْقِسْمَة لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَة . وَيُذْكَر أَنَّ الرَّشِيد كَانَ لَهُ طَبِيب نَصْرَانِيّ حَاذِق فَقَالَ لِعَلِيِّ بْن الْحُسَيْن : لَيْسَ فِي كِتَابكُمْ مِنْ عِلْم الطِّبّ شَيْء , وَالْعِلْم عِلْمَانِ : عِلْم الْأَدْيَان وَعِلْم الْأَبَدَانِ . فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : قَدْ جَمَعَ اللَّه الطِّبّ كُلّه فِي نِصْف آيَة مِنْ كِتَابِنَا . فَقَالَ لَهُ : مَا هِيَ ؟ قَالَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا " . فَقَالَ النَّصْرَانِيّ : وَلَا يُؤْثَر عَنْ رَسُولِكُمْ شَيْءٌ مِنْ الطِّبّ . فَقَالَ عَلِيّ : جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطِّبَّ فِي أَلْفَاظ يَسِيرَة . قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : ( الْمَعِدَةُ بَيْتُ الْأَدْوَاءِ وَالْحِمْيَة رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَأُعْطِ كُلَّ جَسَدٍ مَا عَوَّدْته ) . فَقَالَ النَّصْرَانِيّ : مَا تَرَكَ كِتَابكُمْ وَلَا نَبِيّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا . قُلْت : وَيُقَال إِنَّ مُعَالَجَة الْمَرِيض نِصْفَانِ : نِصْف دَوَاء وَنِصْف حِمْيَة : فَإِنْ اِجْتَمَعَا فَكَأَنَّك بِالْمَرِيضِ قَدْ بَرَأَ وَصَحَّ . وَإِلَّا فَالْحِمْيَة بِهِ أَوْلَى ; إِذْ لَا يَنْفَع دَوَاء مَعَ تَرْك الْحِمْيَة . وَلَقَدْ تَنْفَع الْحِمْيَةُ مَعَ تَرْك الدَّوَاء . وَلَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْلُ كُلِّ دَوَاءٍ الْحِمْيَة ) . وَالْمَعْنِيُّ بِهَا - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ كُلّ دَوَاء ; وَلِذَلِكَ يُقَال : إِنَّ الْهِنْد جُلّ مُعَالَجَتهمْ الْحِمْيَة , يَمْتَنِع الْمَرِيض عَنْ الْأَكْل وَالشَّرَاب وَالْكَلَام عِدَّة أَيَّام فَيَبْرَأ وَيَصِحّ . رَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء وَالْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) . وَهَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضٌّ عَلَى التَّقْلِيل مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيهَا وَالْقَنَاعَة بِالْبُلْغَةِ . وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب تَمْتَدِح بِقِلَّةِ الْأَكْل وَتَذُمّ بِكَثْرَتِهِ . كَمَا قَالَ قَائِلهمْ : تَكْفِيه فِلْذَة كَبِد إِنْ أَلَمَّ بِهَا مِنْ الشِّوَاء وَيُرْوِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ وَقَالَتْ أَمّ زَرْع فِي اِبْن أَبِي زَرْع : وَيُشْبِعُهُ ذِرَاع الْجَفْرَة . وَقَالَ حَاتِم الطَّائِيّ يَذُمّ بِكَثْرَةِ الْأَكْل : فَإِنَّك إِنْ أَعْطَيْت بَطْنك سُؤْلَهُ وَفَرْجَك نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) أَنَّهُ يَتَنَاوَل دُون شِبَعه , وَيُؤْثِر عَلَى نَفْسه وَيُبْقِي مِنْ زَادَهُ لِغَيْرِهِ ; فَيُقْنِعهُ مَا أَكَلَ . وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل أَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء ) لَيْسَ عَلَى عُمُومه ; لِأَنَّ الْمُشَاهَدَة تَدْفَعهُ , فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَد كَافِر أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِن , وَيُسْلِمُ الْكَافِر فَلَا يَقِلّ أَكْله وَلَا يَزِيد . وَقِيلَ : هُوَ إِشَارَة إِلَى مُعَيَّن . ضَافَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ كَافِرٌ يُقَال : إِنَّهُ الْجَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ . وَقِيلَ : ثُمَامَة بْن أَثَال . وَقِيلَ : نَضْلَة بْن عَمْرو الْغِفَارِيّ . وَقِيلَ : بَصْرَة بْن أَبِي بَصْرَة الْغِفَارِيّ . فَشَرِبَ حِلَاب سَبْع شِيَاه , ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَشَرِبَ حِلَاب شَاة فَلَمْ يَسْتَتِمَّهُ ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . فَكَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا الْكَافِر . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : إِنَّ الْقَلْب لَمَّا تَنَوَّرَ بِنُورِ التَّوْحِيد نَظَرَ إِلَى الطَّعَام بِعَيْنِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَة , فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْر الْحَاجَة , وَحِين كَانَ مُظْلِمًا بِالْكُفْرِ كَانَ أَكْلُهُ كَالْبَهِيمَةِ تَرْتَع حَتَّى تَثْلِط . وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَمْعَاء , هَلْ هِيَ حَقِيقَة أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : حَقِيقَة , وَلَهَا أَسْمَاء مَعْرُوفَة عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالطِّبِّ وَالتَّشْرِيح . وَقِيلَ : هِيَ كِنَايَات عَنْ أَسْبَاب سَبْعَة يَأْكُل بِهَا النَّهِم : يَأْكُل لِلْحَاجَةِ وَالْخَبَر وَالشَّمّ وَالنَّظَر وَاللَّمْس وَالذَّوْق وَيَزِيد اسْتِغْنَامًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ يَأْكُل أَكْل مَنْ لَهُ سَبْعَة أَمْعَاء . وَالْمُؤْمِن بِخِفَّةِ أَكْلِهِ يَأْكُل أَكْل مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مِعًى وَاحِد ; فَيُشَارِك الْكَافِر بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاء أَكْلِهِ , وَيَزِيد الْكَافِر عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَمْثَال . وَالْمِعَى فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ الْمَعِدَة . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ غَسْل الْيَد قَبْل الطَّعَام وَبَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ . عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْوُضُوء قَبْل الطَّعَام وَبَعْده بَرَكَة ) . وَكَذَا فِي التَّوْرَاة . رَوَاهُ زَاذَان عَنْ سَلْمَان . وَكَانَ مَالِك يَكْرَه غَسْلَ الْيَد النَّظِيفَة . وَالِاقْتِدَاء بِالْحَدِيثِ أَوْلَى . وَلَا يَأْكُل طَعَامًا حَتَّى يَعْرِف أَحَارًّا هُوَ أَمْ بَارِدًا ؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ حَارًّا فَقَدْ يَتَأَذَّى . وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَبْرِدُوا بِالطَّعَامِ فَإِنَّ الْحَارَّ غَيْر ذِي بَرَكَة ) حَدِيث صَحِيح . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَلَا يَشُمّهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَل الْبَهَائِم , بَلْ إِنْ اِشْتَهَاهُ أَكَلَهُ , وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ , وَيُصَغِّر اللُّقْمَة وَيُكْثِر مَضْغهَا لِئَلَّا يُعَدَّ شَرِهًا . وَيُسَمِّي اللَّه تَعَالَى فِي أَوَّله وَيَحْمَدهُ فِي آخِره . وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَع صَوْته بِالْحَمْدِ إِلَّا أَنْ يَكُون جُلَسَاؤُهُ قَدْ فَرَغُوا مِنْ الْأَكْل ; لِأَنَّ فِي رَفْع الصَّوْت مَنْعًا لَهُمْ مِنْ الْأَكْل . وَآدَاب الْأَكْل كَثِيرَة , هَذِهِ جُمْلَة مِنْهَا . وَسَيَأْتِي بَعْضهَا فِي سُورَة " هُود " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَلِلشَّرَابِ أَيْضًا آدَاب مَعْرُوفَة , تَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِشُهْرَتِهَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل بِشِمَالِهِ وَيَشْرَب بِشِمَالِهِ ) . " وَلَا تُسْرِفُوا " أَيْ فِي كَثْرَة الْأَكْل , وَعَنْهُ يَكُون كَثْرَة الشُّرْب , وَذَلِكَ يُثْقِل الْمَعِدَة , وَيُثَبِّط الْإِنْسَان عَنْ خِدْمَة رَبّه , وَالْأَخْذ بِحَظِّهِ مِنْ نَوَافِل الْخَيْر . فَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا فَوْقه مِمَّا يَمْنَعهُ الْقِيَام الْوَاجِب عَلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ , وَكَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِي مَطْعَمه وَمَشْرَبه . رَوَى أَسَد بْن مُوسَى مِنْ حَدِيث عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَكَلْت ثَرِيدًا بِلَحْمٍ سَمِينٍ , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَتَجَشَّى ; فَقَالَ : ( اُكْفُفْ عَلَيْك مِنْ جُشَائِك أَبَا جُحَيْفَة فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَة ) . فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَة بِمِلْءِ بَطْنه حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا , وَكَانَ إِذَا تَغَدَّى لَا يَتَعَشَّى , وَإِذَا تَعَشَّى لَا يَتَغَدَّى . قُلْت : وَقَدْ يَكُون هَذَا مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) أَيْ التَّامّ الْإِيمَان ; لِأَنَّ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامه وَكَمُلَ إِيمَانه كَأَبِي جُحَيْفَة تَفَكَّرَ فِيمَا يَصِير إِلَيْهِ مِنْ أَمْر الْمَوْت وَمَا بَعْده ; فَيَمْنَعهُ الْخَوْف وَالْإِشْفَاق مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَال مِنْ اِسْتِيفَاء شَهَوَاته . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اِبْن زَيْد : مَعْنَى " وَلَا تُسْرِفُوا " لَا تَأْكُلُوا حَرَامًا . وَقِيلَ : ( مِنْ السَّرَف أَنْ تَأْكُل كُلّ مَا اِشْتَهَيْت ) . رَوَاهُ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ . وَقِيلَ : مِنْ الْإِسْرَاف الْأَكْل بَعْد الشِّبَع . وَكُلّ ذَلِكَ مَحْظُور . وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ : يَا بُنَيّ لَا تَأْكُلْ شِبَعًا فَوْق شِبَع , فَإِنَّك أَنْ تَنْبِذهُ لِلْكَلْبِ خَيْر مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ . وَسَأَلَ سَمُرَة بْن جُنْدُب عَنْ اِبْنه مَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : بَشِمَ الْبَارِحَة . قَالَ : بَشِمَ ! فَقَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَاتَ مَا صَلَّيْت عَلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ دَسِمًا فِي أَيَّام حَجّهمْ , وَيَكْتَفُونَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الطَّعَام , وَيَطُوفُونَ عُرَاة . فَقِيلَ لَهُمْ : " خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا " أَيْ لَا تُسْرِفُوا فِي تَحْرِيم مَا لَمْ يُحَرَّم عَلَيْكُمْ .
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُواْ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ كَذَ ٰ⁠لِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ ﴿٣٢﴾
بَيَّنَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّه عَلَيْهِمْ . وَالزِّينَة هُنَا الْمَلْبَس الْحَسَن , إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ صَاحِبه . وَقِيلَ : جَمِيع الثِّيَاب ; كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَر : إِذَا وَسَّعَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب شَيْخ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَس كِسَاء خَزّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا , يَلْبَسهُ فِي الشِّتَاء , فَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْف تَصَدَّقَ بِهِ , أَوْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ , وَكَانَ يَلْبَس فِي الصَّيْف ثَوْبَيْنِ مِنْ مَتَاع مِصْر مُمَشَّقَيْنِ وَيَقُول : " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق " . وَإِذَا كَانَ هَذَا فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَة عَلَى لِبَاس الرَّفِيع مِنْ الثِّيَاب , وَالتَّجَمُّل بِهَا فِي الْجُمَع وَالْأَعْيَاد , وَعِنْد لِقَاء النَّاس وَمُزَاوَرَة الْإِخْوَان . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ رَأَى حُلَّة سِيَرَاء تُبَاع عِنْد بَاب الْمَسْجِد , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ اِشْتَرَيْتهَا لِيَوْمِ الْجُمُعَة وَلِلْوُفُودِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْك ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا يَلْبَس هَذَا مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة ) . فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذِكْرَ التَّجَمُّل , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَوْنَهَا سِيَرَاء . وَقَدْ اِشْتَرَى تَمِيم الدَّارِيّ حُلَّة بِأَلْفِ دِرْهَم كَانَ يُصَلِّي فِيهَا . وَكَانَ مَالِك بْن دِينَار يَلْبَس الثِّيَاب الْعَدَنِيَّة الْجِيَاد . وَكَانَ ثَوْب أَحْمَد بْن حَنْبَل يُشْتَرَى بِنَحْوِ الدِّينَار . أَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يَرْغَب عَنْهُ وَيُؤْثِر لِبَاس الْخَشِن مِنْ الْكَتَّان وَالصُّوف مِنْ الثِّيَاب . وَيَقُول : " وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر " [ الْأَعْرَاف : 26 ] هَيْهَاتَ ! أَتَرَى مَنْ ذَكَرْنَا تَرَكُوا لِبَاس التَّقْوَى , لَا وَاَللَّه ! بَلْ هُمْ أَهْل التَّقْوَى وَأُولُو الْمَعْرِفَة وَالنُّهَى , وَغَيْرهمْ أَهْل دَعْوَى , وَقُلُوبهمْ خَالِيَة مِنْ التَّقْوَى . قَالَ خَالِد بْن شَوْذَب : شَهِدْت الْحَسَن وَأَتَاهُ فَرْقَد , فَأَخَذَهُ الْحَسَن بِكِسَائِهِ فَمَدَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : يَا فُرَيْقِد , يَا بْن أُمِّ فُرَيْقِد , إِنَّ الْبِرّ لَيْسَ فِي هَذَا الْكِسَاء , إِنَّمَا الْبِرّ مَا وَقَرَ فِي الصَّدْر وَصَدَّقَهُ الْعَمَل . وَدَخَلَ أَبُو مُحَمَّد اِبْن أَخِي مَعْرُوف الْكَرْخِيّ عَلَى أَبِي الْحَسَن بْن يَسَار وَعَلَيْهِ جُبَّة صُوف , فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَن : يَا أَبَا مُحَمَّد , صَوَّفْت قَلْبَك أَوْ جِسْمَك ؟ صَوِّفْ قَلْبَك وَالْبَسْ الْقُوهِيَّ عَلَى الْقُوهِيّ . وَقَالَ رَجُل لِلشِّبْلِيِّ : قَدْ وَرَدَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابك وَهُمْ فِي الْجَامِع , فَمَضَى فَرَأَى عَلَيْهِمْ الْمُرَقَّعَات وَالْفُوَط , فَأَنْشَأَ يَقُول : أَمَّا الْخِيَام فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ وَأَرَى نِسَاء الْحَيّ غَيْر نِسَائِهِ قَالَ أَبُو الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَأَنَا أَكْرَه لُبْس الْفُوَط وَالْمُرَقَّعَات لِأَرْبَعَةِ أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لُبْس السَّلَف , وَإِنَّمَا كَانُوا يُرَقِّعُونَ ضَرُورَة . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَتَضَمَّن اِدِّعَاء الْفَقْر , وَقَدْ أُمِرَ الْإِنْسَان أَنْ يُظْهِر أَثَر نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِ . وَالثَّالِث : إِظْهَار التَّزَهُّد ; وَقَدْ أُمِرْنَا بِسَتْرِهِ . وَالرَّابِع : أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِهَؤُلَاءِ الْمُتَزَحْزِحِينَ عَنْ الشَّرِيعَة . وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَالَ الطَّبَرِيّ : وَلَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ آثَرَ لِبَاس الشَّعْر وَالصُّوف عَلَى لِبَاس الْقُطْن وَالْكَتَّان مَعَ وُجُود السَّبِيل إِلَيْهِ مِنْ حِلّه . وَمَنْ أَكَلَ الْبُقُول وَالْعَدَس وَاخْتَارَهُ عَلَى خُبْز الْبُرّ . وَمَنْ تَرَكَ أَكْل اللَّحْم خَوْفًا مِنْ عَارِض شَهْوَة النِّسَاء . وَسُئِلَ بِشْر بْن الْحَارِث عَنْ لُبْس الصُّوف , فَشَقَّ عَلَيْهِ وَتَبَيَّنَتْ الْكَرَاهَة فِي وَجْهه ثُمَّ قَالَ : لُبْس الْخَزّ وَالْمُعَصْفَر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ لُبْس الصُّوف فِي الْأَمْصَار . وَقَالَ أَبُو الْفَرَج : وَقَدْ كَانَ السَّلَف يَلْبَسُونَ الثِّيَاب الْمُتَوَسِّطَة , لَا الْمُتَرَفِّعَة وَلَا الدُّون , وَيَتَخَيَّرُونَ أَجْوَدهَا لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيد وَلِلِقَاءِ الْإِخْوَان , وَلَمْ يَكُنْ تَخَيُّرُ الْأَجْوَد عِنْدهمْ قَبِيحًا . وَأَمَّا اللِّبَاس الَّذِي يُزْرِي بِصَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّن إِظْهَار الزُّهْد وَإِظْهَار الْفَقْر , وَكَأَنَّهُ لِسَان شَكْوَى مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَيُوجِب اِحْتِقَار اللَّابِس ; وَكُلّ ذَلِكَ مَكْرُوه مَنْهِيّ عَنْهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : تَجْوِيد اللِّبَاس هَوَى النَّفْس وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُجَاهَدَتِهَا , وَتَزَيُّن لِلْخَلْقِ وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ تَكُون أَفْعَالُنَا لِلَّهِ لَا لِلْخَلْقِ . فَالْجَوَاب لَيْسَ كُلّ مَا تَهْوَاهُ النَّفْس يُذَمّ , وَلَيْسَ كُلّ مَا يُتَزَيَّن بِهِ لِلنَّاسِ يُكْرَه , وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْع قَدْ نَهَى عَنْهُ أَوْ عَلَى وَجْه الرِّيَاء فِي بَاب الدِّين . فَإِنَّ الْإِنْسَان يُحِبّ أَنْ يُرَى جَمِيلًا . وَذَلِكَ حَظٌّ لِلنَّفْسِ لَا يُلَام فِيهِ . وَلِهَذَا يُسَرِّح شَعْره وَيَنْظُر فِي الْمِرْآة وَيُسَوِّي عِمَامَته وَيَلْبَس بِطَانَة الثَّوْب الْخَشِنَة إِلَى دَاخِل وَظِهَارَته الْحَسَنَة إِلَى خَارِج . وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذَا مَا يُكْرَه وَلَا يُذَمُّ . وَقَدْ رَوَى مَكْحُول عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ نَفَر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَاب , فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ , وَفِي الدَّار رَكْوَة فِيهَا مَاء ; فَجَعَلَ يَنْظُر فِي الْمَاء وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْره . فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلِيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسه فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) . فَقَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنَة . قَالَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال الْكِبْر بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس ) . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة , تَدُلّ كُلّهَا عَلَى النَّظَافَة وَحُسْن الْهَيْئَة . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن سَعْد أَخْبَرَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن قَالَ حَدَّثَنَا مَنْدَل عَنْ ثَوْر عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَافِر بِالْمُشْطِ وَالْمِرْآة وَالدُّهْن وَالسِّوَاك وَالْكُحْل . وَعَنْ اِبْن جُرَيْج : مُشْط عَاج يَمْتَشِط بِهِ . قَالَ اِبْن سَعْد : وَأَخْبَرَنَا قَبِيصَة بْن عُقْبَة قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ رَبِيع بْن صُبَيْح عَنْ يَزِيد الرَّقَاشِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر دَهْن رَأْسه وَيُسَرِّح لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ . أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْحُلَة يَكْتَحِل بِهَا عِنْد النَّوْم ثَلَاثًا فِي كُلّ عَيْن . قَوْله تَعَالَى : " وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق " الطَّيِّبَات اِسْم عَامّ لِمَا طَابَ كَسْبًا وَطَعْمًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : يَعْنِي بِالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْق مَا حَرَّمَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْبَحَائِر وَالسَّوَائِب وَالْوَصَائِل وَالْحَوَامِي . وَقِيلَ : هِيَ كُلّ مُسْتَلَذٍّ مِنْ الطَّعَام . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَرْك الطَّيِّبَات وَالْإِعْرَاض عَنْ اللَّذَّات ; فَقَالَ قَوْم : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَات , وَالْفِعْل وَالتَّرْك يَسْتَوِي فِي الْمُبَاحَات . وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ قُرْبَة فِي ذَاته , وَإِنَّمَا هُوَ سَبِيل إِلَى الزُّهْد فِي الدُّنْيَا , وَقِصَر الْأَمَل فِيهَا , وَتَرْك التَّكَلُّف لِأَجْلِهَا ; وَذَلِكَ مَنْدُوب إِلَيْهِ , وَالْمَنْدُوب قُرْبَة . وَقَالَ آخَرُونَ : وَنُقِلَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَوْله : لَوْ شِئْنَا لَاتَّخَذْنَا صِلَاء وَصَلَائِق وَصِنَابًا , وَلَكِنِّي سَمِعْت اللَّه تَعَالَى يَذُمُّ أَقْوَامًا فَقَالَ : " أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا " [ الْأَحْقَاف : 20 ] . وَيُرْوَى " صَرَائِق " بِالرَّاءِ , وَهُمَا جَمِيعًا الْجَرَادِق . وَالصَّلَائِق ( بِاللَّامِ ) : مَا يُصْلَق مِنْ اللُّحُوم وَالْبُقُول . وَالصِّلَاء ( بِكَسْرِ الصَّاد وَالْمَدّ ) : الشِّوَاء : وَالصِّنَاب : الْخَرْدَل بِالزَّبِيبِ . وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْن حُضُور ذَلِكَ كُلّه بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ كُلْفَة . قَالَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن الْمُفَضَّل الْمَقْدِسِيّ شَيْخ أَشْيَاخنَا : وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اِمْتَنَعَ مِنْ طَعَام لِأَجْلِ طِيبِهِ قَطُّ , بَلْ كَانَ يَأْكُل الْحَلْوَى وَالْعَسَل وَالْبِطِّيخ وَالرُّطَب , وَإِنَّمَا يُكْرَه التَّكَلُّف لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَاغُل بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ مُهِمَّات الْآخِرَة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . قُلْت : وَقَدْ كَرِهَ بَعْض الصُّوفِيَّة أَكْلَ الطَّيِّبَات ; وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَة كَضَرَاوَة الْخَمْر . وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا مِنْ عُمَرَ قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى مَنْ خَشِيَ مِنْهُ إِيثَار التَّنَعُّم فِي الدُّنْيَا , وَالْمُدَاوَمَة عَلَى الشَّهَوَات , وَشِفَاء النَّفْس مِنْ اللَّذَّات , وَنِسْيَان الْآخِرَة وَالْإِقْبَال عَلَى الدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ كَانَ يَكْتُب عُمَر إِلَى عُمَّاله : إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّم وَزِيّ أَهْل الْعَجَم , وَاخْشَوْشِنُوا . وَلَمْ يُرِدْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَحْرِيم شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه , وَلَا تَحْظِير مَا أَبَاحَهُ اللَّه تَبَارَكَ اِسْمه . وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْلَى مَا اُمْتُثِلَ وَاعْتُمِدَ عَلَيْهِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق " . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ ) . وَقَدْ رَوَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُل الطِّبِّيخ بِالرُّطَبِ وَيَقُول : ( يَكْسِر حَرَّ هَذَا بَرْدَ هَذَا وَبَرْد هَذَا حَرّ هَذَا ) . وَالطِّبِّيخ لُغَة فِي الْبِطِّيخ , وَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب . وَقَدْ مَضَى فِي " الْمَائِدَة " الرَّدّ عَلَى مَنْ آثَرَ أَكْلَ الْخَشِن مِنْ الطَّعَام . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَيْهِ وَغَيْرهَا : وَالْحَمْد لِلَّهِ .





يَعْنِي بِحَقِّهَا مِنْ تَوْحِيد اللَّه تَعَالَى وَالتَّصْدِيق لَهُ ; فَإِنَّ اللَّه يُنْعِم وَيَرْزُق , فَإِنْ وَحَّدَهُ الْمُنْعَم عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ النِّعْمَة , وَإِنْ كَفَرَ فَقَدْ أَمْكَنَ الشَّيْطَان مِنْ نَفْسه . وَفِي صَحِيح الْحَدِيث ( لَا أَحَد أَصْبَر عَلَى أَذًى مِنْ اللَّه يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ ) . وَتَمَّ الْكَلَام عَلَى " الْحَيَاة الدُّنْيَا " . ثُمَّ قَالَ " خَالِصَةٌ " بِالرَّفْعِ وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَنَافِع . " خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة " أَيْ يُخْلِص اللَّه الطَّيِّبَات فِي الْآخِرَة لِلَّذِينَ آمَنُوا , وَلَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِيهَا شَيْء كَمَا كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الِاشْتِرَاك فِيهَا . وَمَجَاز الْآيَة : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مُشْتَرِكَة فِي الدُّنْيَا مَعَ غَيْرِهِمْ , وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة . فَـ " خَالِصَة " مُسْتَأْنَف عَلَى خَبَر مُبْتَدَأ مُضْمَر . وَهَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْج وَابْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الطَّيِّبَات الْمَوْجُودَات فِي الدُّنْيَا هِيَ خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة , لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا ; وَخُلُوصهَا أَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا وَلَا يُعَذَّبُونَ فَقَوْله : " فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " مُتَعَلِّق بِـ " آمَنُوا " . وَإِلَى هَذَا يُشِير تَفْسِير سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال وَالْقَطْع ; لِأَنَّ الْكَلَام قَدْ تَمَّ دُونَهُ . وَلَا يَجُوز الْوَقْف عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى " الدُّنْيَا " ; لِأَنَّ مَا بَعْده مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ " لِلَّذِينَ آمَنُوا " حَال مِنْهُ ; بِتَقْدِيرِ قُلْ هِيَ ثَابِتَة لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي حَال خُلُوصهَا لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَخَبَر الِابْتِدَاء " لِلَّذِينَ آمَنُوا " . وَالْعَامِل فِي الْحَال مَا فِي اللَّام مِنْ مَعْنَى الْفِعْل فِي قَوْله : " لِلَّذِينَ " وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ النَّصْب لِتَقَدُّمِ الظَّرْف . " كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات " أَيْ كَاَلَّذِي فَصَّلْت لَكُمْ الْحَلَال وَالْحَرَام أُفَصِّل لَكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ .
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَ ٰ⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﴿٣٣﴾
قَالَ الْكَلْبِيّ : لَمَّا لَبِسَ الْمُسْلِمُونَ الثِّيَاب وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عَيَّرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَالْفَوَاحِش : الْأَعْمَال الْمُفْرِطَة فِي الْقُبْح , مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . وَرَوَى رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : " مَا ظَهَرَ مِنْهَا " نِكَاح الْأُمَّهَات فِي الْجَاهِلِيَّة . " وَمَا بَطَنَ " الزِّنَى . وَقَالَ قَتَادَة : سِرّهَا وَعَلَانِيَتهَا . وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْإِثْم وَالْبَغْي فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَوَاحِشِ . بَعْضهَا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِر مِنْ الْفَوَاحِش الزِّنَى . وَاَللَّه أَعْلَم . " وَالْإِثْم " قَالَ الْحَسَن : الْخَمْر . قَالَ الشَّاعِر : شَرِبْت الْإِثْم حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاك الْإِثْم تَذْهَب بِالْعُقُولِ وَقَالَ آخَر : نَشْرَب الْإِثْم بِالصُّوَاعِ جِهَارًا وَتَرَى الْمِسْك بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا " وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقّ " الظُّلْم وَتَجَاوُز الْحَدّ فِيهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ ثَعْلَب : الْبَغْي أَنْ يَقَع الرَّجُل فِي الرَّجُل فَيَتَكَلَّم فِيهِ , وَيَبْغِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقّ ; إِلَّا أَنْ يَنْتَصِر مِنْهُ بِحَقٍّ . وَأَخْرَجَ الْإِثْم وَالْبَغْي مِنْ الْفَوَاحِش وَهُمَا مِنْهُ لِعِظَمِهِمَا وَفُحْشِهِمَا ; فَنَصَّ عَلَى ذِكْرِهِمَا تَأْكِيدًا لِأَمْرِهِمَا وَقَصْدًا لِلزَّجْرِ عَنْهُمَا . وَكَذَا { وَأَنْ تُشْرِكُوا } { وَأَنْ تَقُولُوا } وَهُمَا فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى مَا قَبْل . وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَة أَنْ يَكُون الْإِثْم بِمَعْنَى الْخَمْر . قَالَ الْفَرَّاء : الْإِثْم مَا دُون الْحَدّ وَالِاسْتِطَالَة عَلَى النَّاس . قَالَ النَّحَّاس : فَأَمَّا أَنْ يَكُون الْإِثْم الْخَمْر فَلَا يُعْرَف ذَلِكَ , وَحَقِيقَة الْإِثْم أَنَّهُ جَمِيع الْمَعَاصِي ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِنِّي وَجَدْت الْأَمْر أَرْشَدُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَشَرُّهُ الْإِثْمُ قُلْت : وَأَنْكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ أَيْضًا وَقَالَ : " وَلَا حُجَّة فِي الْبَيْت ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : شَرِبْت الذَّنْب أَوْ شَرِبْت الْوِزْر لَكَانَ كَذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِب قَوْله أَنْ يَكُون الذَّنْب وَالْوِزْر اِسْمًا مِنْ أَسْمَاء الْخَمْر كَذَلِكَ , الْإِثْم . وَاَلَّذِي أَوْجَبَ التَّكَلُّم بِمِثْلِ هَذَا الْجَهْل بِاللُّغَةِ وَبِطَرِيقِ الْأَدِلَّة فِي الْمَعَانِي " . قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْحَسَن . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح : وَقَدْ يُسَمَّى الْخَمْر إِثْمًا , وَأَنْشَدَ : شَرِبْت الْإِثْم . . . الْبَيْت وَأَنْشَدَهُ الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبَيْهِ , عَلَى أَنَّ الْخَمْر الْإِثْم . فَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون الْإِثْم يَقَع عَلَى جَمِيع الْمَعَاصِي وَعَلَى الْخَمْر أَيْضًا لُغَة , فَلَا تَنَاقُض . وَالْبَغْي : التَّجَاوُز فِي الظُّلْم , وَقِيلَ : الْفَسَاد .





" وَأَنْ تُشْرِكُوا " " وَأَنْ تَقُولُوا " وَهُمَا فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى مَا قَبْل
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلࣱۖ فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةࣰ وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ ﴿٣٤﴾
أَيْ وَقْت مُؤَقَّت .





أَيْ الْوَقْت الْمَعْلُوم عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ " جَاءَ آجَالُهُمْ " بِالْجَمْعِ





عَنْهُ سَاعَة وَلَا أَقَلّ مِنْ سَاعَة ; إِلَّا أَنَّ السَّاعَة خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَقَلّ أَسْمَاء الْأَوْقَات , وَهِيَ ظَرْف زَمَان .





فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول إِنَّمَا يُقْتَل بِأَجَلِهِ . وَأَجَل الْمَوْت هُوَ وَقْت الْمَوْت ; كَمَا أَنَّ أَجَل الدَّيْن هُوَ وَقْت حُلُوله . وَكُلّ شَيْء وُقِّتَ بِهِ شَيْء فَهُوَ أَجَل لَهُ . وَأَجَل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يَعْلَم اللَّه أَنَّهُ يَمُوت الْحَيّ فِيهِ لَا مَحَالَة . وَهُوَ وَقْت لَا يَجُوز تَأْخِير مَوْته عَنْهُ , لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا تَأْخِيره . وَقَالَ كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ : إِنَّ الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْرِ أَجَلِهِ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ , وَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَل لَحَيِيَ . وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ الْمَقْتُول لَمْ يَمُتْ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ غَيْره لَهُ , بَلْ مِنْ أَجْل مَا فَعَلَهُ اللَّه مِنْ إِزْهَاق نَفْسه عِنْد الضَّرْب لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ مَاتَ بِأَجَلِهِ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ضَارِبَهُ وَتَقْتَصُّونَ مِنْهُ ؟ . قِيلَ لَهُ : نَقْتُلهُ لِتَعَدِّيهِ وَتَصَرُّفه فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّف فِيهِ , لَا لِمَوْتِهِ وَخُرُوج الرُّوح ; إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ . وَلَوْ تُرِكَ النَّاس وَالتَّعَدِّي مِنْ غَيْر قِصَاص لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْفَسَاد وَدَمَار الْعِبَاد . وَهَذَا وَاضِح .
یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ إِمَّا یَأۡتِیَنَّكُمۡ رُسُلࣱ مِّنكُمۡ یَقُصُّونَ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِی فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ﴿٣٥﴾
شَرْط . وَدَخَلَتْ النُّون تَوْكِيدًا لِدُخُولِ " مَا " . وَقِيلَ : مَا صِلَة , أَيْ إِنْ يَأْتِكُمْ . أَخْبَرَ أَنَّهُ يُرْسِل إِلَيْهِمْ الرُّسُل مِنْهُمْ لِتَكُونَ إِجَابَتُهُمْ أَقْرَب . وَالْقَصَص إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ بَعْضه بَعْضًا . " آيَاتِي " أَيْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي .





شَرْط وَمَا بَعْده جَوَابه , وَهُوَ جَوَاب الْأَوَّل . أَيْ وَأَصْلَحَ مِنْكُمْ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ .





دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْم الْقِيَامَة لَا يَخَافُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ , وَلَا يَلْحَقهُمْ رُعْبٌ وَلَا فَزَع . وَقِيلَ : قَدْ يَلْحَقهُمْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة , وَلَكِنَّ مَآلَهُمْ الْأَمْن . وَقِيلَ : جَوَاب " إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ " مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام , أَيْ فَأَطِيعُوهُمْ " فَمَنْ اِتَّقَى وَأَصْلَحَ " وَالْقَوْل الْأَوَّل قَوْل الزَّجَّاج .
وَٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَاۤ أُوْلَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٣٦﴾
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔایَـٰتِهِۦۤۚ أُوْلَـٰۤىِٕكَ یَنَالُهُمۡ نَصِیبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا یَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوۤاْ أَیۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَـٰفِرِینَ ﴿٣٧﴾
الْمَعْنَى أَيُّ ظُلْم أَشْنَع مِنْ الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى وَالتَّكْذِيب بِآيَاتِهِ .





أَيْ مَا كُتِبَ لَهُمْ مِنْ رِزْق وَعُمْر وَعَمَل ; عَنْ اِبْن زَيْد . اِبْن جُبَيْر : مِنْ شَقَاء وَسَعَادَة . اِبْن عَبَّاس : مِنْ خَيْر وَشَرّ . الْحَسَن وَأَبُو صَالِح : مِنْ الْعَذَاب بِقَدْرِ كُفْرهمْ . وَاخْتِيَار الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : مَا كُتِبَ لَهُمْ , أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ وَرِزْق وَعَمَل وَأَجَل ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن زَيْد وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر . قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ





يَعْنِي رُسُل مَلَك الْمَوْت . وَقِيلَ : " الْكِتَاب " هُنَا الْقُرْآن ; لِأَنَّ عَذَاب الْكُفَّار مَذْكُور فِيهِ . وَقِيلَ : " الْكِتَاب " اللَّوْح الْمَحْفُوظ . ذَكَرَ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْحُلْوَانِيّ قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ الْقَدَر فَقَالَ لِي : كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ , وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة بِقَدَرٍ , وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَعَاصِي لَيْسَتْ بِقَدَرٍ . قَالَ عَلِيّ وَقَالَ لِي عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ : الْعِلْم وَالْقَدَر وَالْكِتَاب سَوَاء . ثُمَّ عَرَضْت كَلَام عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَلَى يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَالَ : لَمْ يَبْقَ بَعْد هَذَا قَلِيل وَلَا كَثِير . وَرَوَى يَحْيَى بْن مَعِين حَدَّثَنَا مَرْوَان الْفَزَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَمِيع عَنْ بُكَيْر الطَّوِيل عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس " أُولَئِكَ يَنَالهُمْ نَصِيبهمْ مِنْ الْكِتَاب " قَالَ : قَوْم يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا . وَ " حَتَّى " لَيْسَتْ غَايَة , بَلْ هِيَ اِبْتِدَاء خَبَر عَنْهُمْ . قَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : حَتَّى وَإِمَّا وَإِلَّا لَا يُمَلْنَ لِأَنَّهُنَّ حُرُوف فَفُرِّقَ بَيْنهَا وَبَيْن الْأَسْمَاء نَحْو حُبْلَى وَسَكْرَى . قَالَ الزَّجَّاج : تُكْتَب حَتَّى بِالْيَاءِ لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ سَكْرَى , وَلَوْ كُتِبَتْ إِلَّا بِالْيَاءِ لَأَشْبَهَتْ إِلَى . وَلَمْ تُكْتَب إِمَّا بِالْيَاءِ لِأَنَّهَا " إِنْ " ضُمَّتْ إِلَيْهَا مَا . " قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه " سُؤَال تَوْبِيخ . وَمَعْنَى " تَدْعُونَ " تَعْبُدُونَ .





أَيْ بَطَلُوا وَذَهَبُوا . قِيلَ : يَكُون هَذَا فِي الْآخِرَة .





أَيْ أَقَرُّوا بِالْكُفْرِ عَلَى أَنْفُسهمْ .
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِیۤ أُمَمࣲ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِی ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةࣱ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰۤ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِیهَا جَمِیعࣰا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَـٰۤؤُلَاۤءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابࣰا ضِعۡفࣰا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلࣲّ ضِعۡفࣱ وَلَـٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ﴿٣٨﴾
أَيْ مَعَ أُمَم ; فَـ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ . وَهَذَا لَا يَمْتَنِع ; لِأَنَّ قَوْلَك : زَيْد فِي الْقَوْم , أَيْ مَعَ الْقَوْم . وَقِيلَ : هِيَ عَلَى بَابِهَا , أَيْ اُدْخُلُوا فِي جُمْلَتِهِمْ . وَالْقَائِل قِيلَ : هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَيْ قَالَ اللَّه اُدْخُلُوا . وَقِيلَ : هُوَ مَالِك خَازِن النَّار .





أَيْ الَّتِي سَبَقَتْهَا إِلَى النَّار , وَهِيَ أُخْتهَا فِي الدِّين وَالْمِلَّة .





أَيْ اِجْتَمَعُوا . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " تَدَارَكُوا " وَهُوَ الْأَصْل , ثُمَّ وَقَعَ الْإِدْغَام فَاحْتِيجَ إِلَى أَلِفِ الْوَصْل . وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود . النَّحَّاس : وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " حَتَّى إِذَا اِدَّرَكُوا " أَيْ أَدْرَكَ بَعْضهمْ بَعْضًا . وَعِصْمَة عَنْ أَبِي عَمْرو " حَتَّى إِذَا ادَّارْكُوا " بِإِثْبَاتِ الْأَلِف عَلَى الْجَمْع بَيْن السَّاكِنَيْنِ . وَحَكَى : هَذَانِ عَبْدَا اللَّه . وَلَهُ ثُلُثَا الْمَال . وَعَنْ أَبِي عَمْرو أَيْضًا : " إِذَا إِدَّارَكُوا " بِقَطْعِ أَلِف الْوَصْل ; فَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَلَى " إِذَا " لِلتَّذَكُّرِ , فَلَمَّا طَالَ سُكُوته قَطَعَ أَلِف الْوَصْل ; كَالْمُبْتَدِئِ بِهَا . وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْر قَطْع أَلِف الْوَصْل نَحْو قَوْل : يَا نَفْسُ صَبْرًا كُلُّ حَيٍّ لَاقَى وَكُلّ اِثْنَيْنِ إِلَى إِفْتِرَاق وَعَنْ مُجَاهِد وَحُمَيْد بْن قَيْس " حَتَّى إِذْ اِدَّرَكُوا " بِحَذْفِ أَلِف " إِذَا " لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَحَذْف الْأَلِف الَّتِي بَعْد الدَّال . " جَمِيعًا " نَصْب عَلَى الْحَال .





أَيْ آخِرهمْ دُخُولًا وَهُمْ الْأَتْبَاع لِأُولَاهُمْ وَهُمْ الْقَادَة .



فَاللَّام فِي " لِأُولَاهُمْ " لَام أَجْل ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَاطِبُوا أُولَاهُمْ وَلَكِنْ قَالُوا فِي حَقّ أُولَاهُمْ رَبّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا . وَالضِّعْف الْمِثْل الزَّائِد عَلَى مِثْله مَرَّة أَوْ مَرَّات . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ الضِّعْف هَهُنَا الْأَفَاعِي وَالْحَيَّات . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة " رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَاب وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " [ الْأَحْزَاب : 68 ] . وَهُنَاكَ يَأْتِي ذِكْر الضِّعْف بِأَبْشَع مِنْ هَذَا وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَام , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .





أَيْ لِلتَّابِعِ وَالْمَتْبُوع .





عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ ; أَيْ لَا يَعْلَم كُلّ فَرِيق مَا بِالْفَرِيقِ الْآخَر , إِذْ لَوْ عَلِمَ بَعْض مَنْ فِي النَّار أَنَّ عَذَاب أَحَد فَوْق عَذَابه لَكَانَ نَوْع سَلْوَة لَهُ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ " بِالتَّاءِ , أَيْ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ أَيّهَا الْمُخَاطَبُونَ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْعَذَاب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ يَا أَهْل الدُّنْيَا مِقْدَار مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَاب .
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَیۡنَا مِن فَضۡلࣲ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ﴿٣٩﴾
أَيْ قَدْ كَفَرْتُمْ وَفَعَلْتُمْ كَمَا فَعَلْنَا , فَلَيْسَ تَسْتَحِقُّونَ تَخْفِيفًا مِنْ الْعَذَاب
إِنَّ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَ ٰ⁠بُ ٱلسَّمَاۤءِ وَلَا یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُجۡرِمِینَ ﴿٤٠﴾
أَيْ لِأَرْوَاحِهِمْ . جَاءَتْ بِذَلِكَ أَخْبَار صِحَاح ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) . مِنْهَا حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب , وَفِيهِ فِي قَبْض رُوح الْكَافِر قَالَ : وَيَخْرُج مِنْهَا رِيح كَأَنْتَن جِيفَة وُجِدَتْ عَلَى وَجْه الْأَرْض , فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا : مَا هَذِهِ الرُّوح الْخَبِيثَة . فَيَقُولُونَ فُلَان بْن فُلَان , بِأَقْبَح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا , حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ فَلَا يُفْتَح لَهُمْ , ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء " الْآيَة . وَقِيلَ : لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء إِذَا دَعَوْا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب الْجَنَّة ; لِأَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء . وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله





وَالْجَمَل لَا يَلِج فَلَا يَدْخُلُونَهَا الْبَتَّة . وَهَذَا دَلِيل قَطْعِيّ لَا يَجُوز الْعَفْو عَنْهُمْ . وَعَلَى هَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَجُوز عَلَيْهِمْ الْخَطَأ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يَغْفِر لَهُمْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب : فَإِنْ قَالَ قَائِل كَيْفَ يَكُون هَذَا إِجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّة ؟ وَقَدْ زَعَمَ قَوْم مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَنَّ مُقَلِّدَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر لَيْسُوا فِي النَّار . قِيلَ لَهُ : هَؤُلَاءِ قَوْم أَنْكَرُوا أَنْ يَكُون الْمُقَلِّد كَافِرًا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْمُقَلِّد كَافِر وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّار , وَالْعِلْم بِأَنَّ الْمُقَلِّد كَافِر أَوْ غَيْر كَافِر طَرِيقه النَّظَر دُون التَّوْقِيف وَالْخَبَر . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " لَا يُفَتَّح " بِالْيَاءِ مَضْمُومَة عَلَى تَذْكِير الْجَمْع . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ : " مُفَتَّحَة لَهُمْ الْأَبْوَاب " [ ص : 50 ] فَأَنَّثَ . وَلَمَّا كَانَ التَّأْنِيث فِي الْأَبْوَاب غَيْر حَقِيقِيّ جَازَ تَذْكِير الْجَمْع . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس بِالْيَاءِ وَخَفَّفَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , عَلَى مَعْنَى أَنَّ التَّخْفِيف يَكُون لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِير , وَالتَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّكْرِير مَرَّة بَعْد مَرَّة لَا غَيْر , وَالتَّشْدِيد هُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَى الْكَثِير أَدَلّ . وَالْجَمَل مِنْ الْإِبِل . قَالَ الْفَرَّاء : الْجَمَل زَوْج النَّاقَة . وَكَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجَمَل فَقَالَ : هُوَ زَوْج النَّاقَة ; كَأَنَّهُ اِسْتَجْهَلَ مَنْ سَأَلَهُ عَمَّا يَعْرِفهُ النَّاس جَمِيعًا . وَالْجَمْع جِمَال وَأَجْمَال وَجَمَالَات وَجَمَائِل . وَإِنَّمَا يُسَمَّى جَمَلًا إِذَا أَرْبَعَ . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " حَتَّى يَلِج الْجَمَل الْأَصْفَر فِي سَمِّ الْخِيَاط " . ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا نَصْر بْن دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد قَالَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه . . . ; فَذَكَرَهُ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " الْجُمَّل " بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمِيم وَتَشْدِيدهَا . وَهُوَ حَبْل السَّفِينَة الَّذِي يُقَال لَهُ الْقَلْس , وَهُوَ حِبَال مَجْمُوعَة , جَمْع جُمْلَة ; قَالَهُ أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب . وَقِيلَ : الْحَبْل الْغَلِيظ مِنْ الْقَنْب . وَقِيلَ : الْحَبْل الَّذِي يُصْعَد بِهِ فِي النَّخْل . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : " الْجُمَل " بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم هُوَ الْقَلْس أَيْضًا وَالْحَبْل , عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا " الْجُمُل " بِضَمَّتَيْنِ جَمْع جَمَل ; كَأُسُدٍ وَأَسَد , وَالْجُمْل مِثْل أَسَد وَأُسْد . وَعَنْ أَبِي السَّمَّال " الْجَمْل " بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم , تَخْفِيف " جَمَل " . وَسَمِّ الْخِيَاط : ثَقْب الْإِبْرَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَكُلّ ثَقْب لَطِيف فِي الْبَدَن يُسَمَّى سَمًّا وَسُمًّا وَجَمْعه سَمُوم . وَجَمْع السُّمّ الْقَاتِل سِمَام . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ " فِي سُمّ " بِضَمِّ السِّين . وَالْخِيَاط : مَا يُخَاط بِهِ ; يُقَال : خِيَاط وَمِخْيَط ; مِثْل إِزَار وَمِئْزَر وَقِنَاع وَمِقْنَع .
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادࣱ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشࣲۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤١﴾
" وَالْمِهَاد " الْفِرَاش . وَ " غَوَاشٍ " جَمْع غَاشِيَة , أَيْ نِيرَان تَغْشَاهُمْ .





يَعْنِي الْكُفَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۤ أُوْلَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٤٢﴾
كَلَام مُعْتَرِض , أَيْ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , وَمَعْنَى " لَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّف أَحَدًا مِنْ نَفَقَات الزَّوْجَات إِلَّا مَا وَجَدَ وَتَمَّكَنَّ مِنْهُ , دُون مَا لَا تَنَالُهُ يَدُهُ , وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَات الِاسْتِطَاعَة قَبْل الْفِعْل ; قَالَهُ اِبْن الطَّيِّب . نَظِيره " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا " [ الطَّلَاق : 7 ] .
وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلࣲّ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِیَ لَوۡلَاۤ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَاۤءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوۤاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٤٣﴾
ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُنْعِم بِهِ عَلَى أَهْل الْجَنَّة نَزْع الْغِلّ مِنْ صُدُورهمْ . وَالنَّزْع : الِاسْتِخْرَاج . وَالْغِلّ : الْحِقْد الْكَامِن فِي الصَّدْر . وَالْجَمْع غِلَال . أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّة مَا كَانَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْغِلّ فِي الدُّنْيَا . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْغِلّ عَلَى بَاب الْجَنَّة كَمَبَارِكِ الْإِبِل قَدْ نَزَعَهُ اللَّه مِنْ قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ ) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَرْجُو أَنْ أَكُون أَنَا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ " . وَقِيلَ : نَزْع الْغِلّ فِي الْجَنَّة أَلَّا يَحْسُد بَعْضهمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُل مَنَازِلِهِمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ يَكُون عَنْ شَرَاب الْجَنَّة , وَلِهَذَا قَالَ : " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " [ الْإِنْسَان : 21 ] أَيْ يُطَهِّر الْأَوْضَار مِنْ الصُّدُور ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " الْإِنْسَان " وَ " الزُّمَر " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



أَيْ لِهَذَا الثَّوَاب ; بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَة . وَهَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .





قِرَاءَة اِبْن عَامِر بِإِسْقَاطِ الْوَاو . وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا .





لَام كَيْ .





فِي مَوْضِع رَفْع .





أَصْله . نُودِيُوا " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة ; أَيْ بِأَنَّهُ





وَقَدْ تَكُون تَفْسِيرًا لِمَا نُودُوا بِهِ ; لِأَنَّ النِّدَاء قَوْل ; فَلَا يَكُون لَهَا مَوْضِع . أَيْ قِيلَ لَهُمْ : " تِلْكُمْ الْجَنَّة " لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا ; أَيْ قِيلَ لَهُمْ : هَذِهِ تِلْكُمْ الْجَنَّة الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا , أَوْ يُقَال ذَلِكَ قَبْل الدُّخُول حِين عَايَنُوهَا مِنْ بَعْد . وَقِيلَ : " تِلْكُمْ " بِمَعْنَى هَذِهِ .





أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلهَا بِعَمَلِكُمْ , وَدُخُولِكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ . كَمَا قَالَ : " ذَلِكَ الْفَضْل مِنْ اللَّه " [ النِّسَاء : 70 ] . وَقَالَ : " فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " [ النِّسَاء : 175 ] . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ) قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْل ) . وَفِي غَيْر الصَّحِيح : لَيْسَ مِنْ كَافِر وَلَا مُؤْمِن إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّة وَالنَّار مَنْزِل ; فَإِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار رُفِعَتْ الْجَنَّة لِأَهْلِ النَّار فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا , فَقِيلَ لَهُمْ : هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّه . ثُمَّ يُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ; فَتُقْسَم بَيْن أَهْل الْجَنَّة مَنَازِلُهُمْ . قُلْت : وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( لَا يَمُوت رَجُل مُسْلِم إِلَّا أَدْخَلَ اللَّه مَكَانه فِي النَّار يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ) . فَهَذَا أَيْضًا مِيرَاث ; نَعَّمَ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ وَعَذَّبَ بِعَدْلِهِ مَنْ شَاءَ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجَنَّة وَمَنَازِلُهَا لَا تُنَال إِلَّا بِرَحْمَتِهِ ; فَإِذَا دَخَلُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَقَدْ وَرِثُوهَا بِرَحْمَتِهِ , وَدَخَلُوهَا بِرَحْمَتِهِ ; إِذْ أَعْمَالُهُمْ رَحْمَة مِنْهُ لَهُمْ وَتَفَضُّل عَلَيْهِمْ . وَقُرِئَ " أُورِثْتُمُوهَا " مِنْ غَيْر إِدْغَام . وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الثَّاء .
وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقࣰّا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقࣰّاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَیۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤٤﴾
هَذَا سُؤَال تَقْرِيع وَتَعْيِير .





مِثْل " أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّة " أَيْ أَنَّهُ قَدْ وَجَدْنَا . وَقِيلَ : هُوَ نَفْس النِّدَاء .





أَيْ نَادَى وَصَوَّتَ ; يَعْنِي مِنْ الْمَلَائِكَة . " بَيْنَهُمْ " ظَرْف ; كَمَا تَقُول : أَعْلَم وَسَطَهُمْ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ : " نَعِم " بِكَسْرِ الْعَيْن وَتَجُوز عَلَى هَذِهِ اللُّغَة بِإِسْكَانِ الْعَيْن . قَالَ مَكِّيّ : مَنْ قَالَ " نَعِم " بِكَسْرِ الْعَيْن أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْن " نَعَمْ " الَّتِي هِيَ جَوَاب وَبَيْن " نَعَم " الَّتِي هِيَ اِسْم لِلْإِبِلِ وَالْبَقَر وَالْغَنَم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر إِنْكَار " نَعَمْ " بِفَتْحِ الْعَيْن فِي الْجَوَاب , وَقَالَ : قُلْ نَعِم . وَنَعَمْ وَنَعِم , لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْعِدَة وَالتَّصْدِيق . فَالْعِدَة إِذَا اِسْتَفْهَمْت عَنْ مُوجَب نَحْو قَوْلِك : أَيَقُومُ زَيْد ؟ فَيَقُول نَعَمْ . وَالتَّصْدِيق إِذَا أَخْبَرْت عَمَّا وَقَعَ , تَقُول : قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا , فَيَقُول نَعَمْ . فَإِذَا اِسْتَفْهَمْت عَنْ مَنْفِيّ فَالْجَوَاب بَلَى نَحْو قَوْلِك أَلَمْ أُكْرِمْك , فَيَقُول بَلَى . فَنَعَمْ لِجَوَابِ الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل عَلَى الْإِيجَاب كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَبَلَى , لِجَوَابِ الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل عَلَى النَّفْي ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " [ الْأَعْرَاف : 172 ] .





وَقَرَأَ البَزِّيّ وَابْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " أَنْ لَعْنَة اللَّه " وَهُوَ الْأَصْل . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ " أَنْ " وَرَفْع اللَّعْنَة عَلَى الِابْتِدَاء . فَـ " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاط الْخَافِض . وَيَجُوز فِي الْمُخَفَّفَة أَلَّا يَكُون لَهَا مَوْضِعٌ مِنْ الْإِعْرَاب , وَتَكُون مُفَسِّرَةً كَمَا تَقُوم . وَحُكِيَ عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهُ قَرَأَ " إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ; فَهَذَا عَلَى إِضْمَار الْقَوْل كَمَا قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ إِنَّ اللَّه " وَيُرْوَى أَنَّ طَاوُسًا دَخَلَ عَلَى هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك فَقَالَ لَهُ : اِتَّقِ اللَّه وَاحْذَرْ يَوْم الْأَذَان . فَقَالَ : وَمَا يَوْم الْأَذَان ؟ قَالَ : قَوْله تَعَالَى : " فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ " فَصُعِقَ هِشَام . فَقَالَ طَاوُس : هَذَا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ الْمُعَايَنَةِ .
ٱلَّذِینَ یَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَیَبۡغُونَهَا عِوَجࣰا وَهُم بِٱلۡـَٔاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ ﴿٤٥﴾
فِي مَوْضِع خَفْض لِ " ظَالِمِينَ " عَلَى النَّعْت . وَيَجُوز الرَّفْع وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَارِ هُمْ أَوْ أَعْنِي . أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَصُدُّونَ فِي الدُّنْيَا النَّاس عَنْ الْإِسْلَام . فَهُوَ مِنْ الصَّدّ الَّذِي هُوَ الْمَنْع . أَوْ يَصُدُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه أَيْ يُعْرِضُونَ . وَهَذَا مِنْ الصُّدُود .





يَطْلُبُونَ اِعْوِجَاجَهَا وَيَذُمُّونَهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى





أَيْ وَكَانُوا بِهَا كَافِرِينَ , فَحُذِفَ وَهُوَ كَثِير فِي الْكَلَام .
وَبَیۡنَهُمَا حِجَابࣱۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالࣱ یَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِیمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمۡۚ لَمۡ یَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ یَطۡمَعُونَ ﴿٤٦﴾
أَيْ بَيْن النَّار وَالْجَنَّة - لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُمَا - حَاجِز ; أَيْ سُور . وَهُوَ السُّور الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله : " فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ " [ الْحَدِيد : 13 ] .





أَيْ عَلَى أَعْرَاف السُّور ; وَهِيَ شُرَفه . وَمِنْهُ عُرْف الْفَرَس وَعُرْف الدِّيك . رَوَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْأَعْرَاف الشَّيْء الْمُشْرِف . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْأَعْرَاف سُور لَهُ عُرْف كَعُرْفِ الدِّيك . وَالْأَعْرَاف فِي اللُّغَة : الْمَكَان الْمُشْرِف ; جَمْع عُرْف . قَالَ يَحْيَى بْن آدَم : سَأَلْت الْكِسَائِيّ عَنْ وَاحِد الْأَعْرَاف فَسَكَتَ , فَقُلْت : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ جَابِر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْأَعْرَاف سُور لَهُ عُرْف كَعُرْفِ الدِّيك . فَقَالَ : نَعَمْ وَاَللَّه , وَاحِده يَعْنِي , وَجَمَاعَته أَعْرَاف , يَا غُلَام , هَاتِ الْقِرْطَاس ; فَكَتَبَهُ . وَهَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْمَدْح ; كَمَا قَالَ فِيهِ : " رِجَال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بَيْع عَنْ ذِكْر اللَّه " [ النُّور : 37 ] وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف عَلَى عَشَرَة أَقْوَال : فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَابْن جُبَيْر : هُمْ قَوْم اِسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي مُسْنَد خَيْثَمَة بْن سُلَيْمَان ( فِي آخِر الْجُزْء الْخَامِس عَشَر ) حَدِيث عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُوضَع الْمَوَازِينُ يَوْم الْقِيَامَة فَتُوزَن الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته مِثْقَال صُؤَابَة دَخَلَ الْجَنَّة وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاته عَلَى حَسَنَاته مِثْقَال صُؤَابَة دَخَلَ النَّار ) . قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , فَمَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته ؟ قَالَ : ( أُولَئِكَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) . وَقَالَ مُجَاهِد : هُمْ قَوْم صَالِحُونَ فُقَهَاء عُلَمَاء . وَقِيلَ : هُمْ الشُّهَدَاء ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ هُمْ فُضَلَاء الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاء , فَرَغُوا مِنْ شَغْل أَنْفُسهمْ , وَتَفَرَّغُوا لِمُطَالَعَةِ حَال النَّاس ; فَإِذَا رَأَوْا أَصْحَاب النَّار تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ أَنْ يَرِدُوا إِلَى النَّار , فَإِنَّ فِي قُدْرَة اللَّه كُلّ شَيْء , وَخِلَاف الْمَعْلُوم مَقْدُور . فَإِذَا رَأَوْا أَهْل الْجَنَّة وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد يَرْجُونَ لَهُمْ دُخُولهَا . وَقَالَ شُرَحْبِيل بْن سَعْد : هُمْ الْمُسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ خَرَجُوا عُصَاة لِآبَائِهِمْ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ تَعَادَلَ عُقُوقُهُمْ وَاسْتِشْهَادُهُمْ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَعَلَى الْأَعْرَاف رِجَال " قَالَ : الْأَعْرَاف مَوْضِع عَالٍ عَلَى الصِّرَاط , عَلَيْهِ الْعَبَّاس وَحَمْزَة وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَجَعْفَر ذُو الْجَنَاحَيْنِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَيَاضِ الْوُجُوه وَمُبْغِضِيهِمْ بِسَوَادِ الْوُجُوه . وَحَكَى الزَّهْرَاوِيّ أَنَّهُمْ عُدُول الْقِيَامَة الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ , وَهُمْ فِي كُلّ أُمَّة . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس , وَقَالَ : وَهُوَ مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ ; فَهُمْ عَلَى السُّور بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُمْ قَوْم أَنْبِيَاء . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم كَانَتْ لَهُمْ صَغَائِر لَمْ تُكَفَّر عَنْهُمْ بِالْآلَامِ وَالْمَصَائِب فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ كَبَائِر فَيُحْبَسُونَ عَنْ الْجَنَّة لِيَنَالَهُمْ بِذَلِكَ غَمٌّ فَيَقَع فِي مُقَابَلَة صَغَائِرهمْ . وَتَمَنَّى سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة أَنْ يَكُون مِنْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف ; لِأَنَّ مَذْهَبه أَنَّهُمْ مُذْنِبُونَ . وَقِيلَ : هُمْ أَوْلَاد الزِّنَى ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : هُمْ مَلَائِكَة مُوَكَّلُونَ بِهَذَا السُّور , يُمَيِّزُونَ الْكَافِرِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل إِدْخَالهمْ الْجَنَّة وَالنَّار ; ذَكَرَهُ أَبُو مِجْلَز . فَقِيلَ لَهُ : لَا يُقَال لِلْمَلَائِكَةِ رِجَال ؟ فَقَالَ : إِنَّهُمْ ذُكُور وَلَيْسُوا بِإِنَاثٍ , فَلَا يَبْعُد إِيقَاع لَفْظ الرِّجَال عَلَيْهِمْ ; كَمَا أُوقِعَ عَلَى الْجِنّ فِي قَوْله : " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ " [ الْجِنّ : 6 ] . فَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة يَعْرِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِعَلَامَاتِهِمْ وَالْكُفَّار بِعَلَامَاتِهِمْ ; فَيُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل دُخُولهمْ الْجَنَّة وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد فَيَطْمَعُونَ فِيهَا . وَإِذَا رَأَوْا أَهْل النَّار دَعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَذَاب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاللَّازِم مِنْ الْآيَة أَنَّ عَلَى الْأَعْرَاف رِجَالًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة يَتَأَخَّر دُخُولهمْ وَيَقَع لَهُمْ مَا وُصِفَ مِنْ الِاعْتِبَار فِي الْفَرِيقَيْنِ .





أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ , وَهِيَ بَيَاض الْوُجُوه وَحُسْنِهَا فِي أَهْل الْجَنَّة , وَسَوَادهَا وَقُبْحهَا فِي أَهْل النَّار , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَة حَيِّز هَؤُلَاءِ وَحَيِّز هَؤُلَاءِ . قُلْت : فَوُقِفَ عَنْ التَّعْيِين لِاضْطِرَابِ الْأَثَر وَالتَّفْصِيل , وَاَللَّه بِحَقَائِق الْأُمُور عَلِيم . ثُمَّ قِيلَ : الْأَعْرَاف جَمْع عُرْف وَهُوَ كُلّ عَالٍ مُرْتَفِع ; لِأَنَّهُ بِظُهُورِهِ أَعْرَف مِنْ الْمُنْخَفِض . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْأَعْرَاف شُرَف الصِّرَاط . وَقِيلَ : هُوَ جَبَل أُحُد يُوضَع هُنَاكَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَكَرَ الزَّهْرَاوِيُّ حَدِيثًا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أُحُدًا جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة يَمْثُل بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار يُحْبَس عَلَيْهِ أَقْوَامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) . وَذَكَرَ حَدِيثًا آخَر عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أُحُدًا عَلَى رُكْن مِنْ أَرْكَان الْجَنَّة ) . قُلْت : وَذَكَرَ أَبُو عُمَر عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أُحُد جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى تُرْعَة مِنْ تُرَع الْجَنَّة ) .





أَيْ نَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف أَصْحَاب الْجَنَّة .





أَيْ قَالُوا لَهُمْ سَلَام عَلَيْكُمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى سَلِمْتُمْ مِنْ الْعُقُوبَة .





أَيْ لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة أَصْحَاب الْأَعْرَاف , أَيْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد . " وَهُمْ يَطْمَعُونَ " عَلَى هَذَا التَّأْوِيل بِمَعْنَى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا . وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون طَمِعَ بِمَعْنَى عَلِمَ ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَهَذَا قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا , أَنَّ الْمُرَاد أَصْحَاب الْأَعْرَاف . وَقَالَ أَبُو مِجْلَز : هُمْ أَهْل الْجَنَّة , أَيْ قَالَ لَهُمْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف سَلَام عَلَيْكُمْ وَأَهْل الْجَنَّة لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّة بَعْد وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَارِّينَ عَلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف . وَالْوَقْف عَلَى قَوْله : " سَلَام عَلَيْكُمْ " . وَعَلَى قَوْله : " لَمْ يَدْخُلُوهَا " . ثُمَّ يَبْتَدِئ " وَهُمْ يَطْمَعُونَ " عَلَى مَعْنَى وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولهَا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " وَهُمْ يَطْمَعُونَ " حَالًا , وَيَكُون الْمَعْنَى : لَمْ يَدْخُلْهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَارُّونَ عَلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف طَامِعِينَ , وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا غَيْر طَامِعِينَ فِي دُخُولهَا ; فَلَا يُوقَف عَلَى " لَمْ يَدْخُلُوهَا " .
۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَـٰرُهُمۡ تِلۡقَاۤءَ أَصۡحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤٧﴾
أَيْ جِهَة اللِّقَاء وَهِيَ جِهَة الْمُقَابَلَة . وَلَمْ يَأْتِ مَصْدَر عَلَى تِفْعَال غَيْر حَرْفَيْنِ : تِلْقَاء وَتِبْيَان . وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ ; مِثْل تَسْيَار وَتَهْمَام وَتَذْكَار . وَأَمَّا الِاسْم بِالْكَسْرِ فِيهِ فَكَثِير ; مِثْل تِقْصَار وَتِمْثَال .





أَيْ قَالَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف .





سَأَلُوا اللَّه أَلَّا يَجْعَلهُمْ مَعَهُمْ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجْعَلهُمْ مَعَهُمْ . فَهَذَا عَلَى سَبِيل التَّذَلُّل ; كَمَا يَقُول أَهْل الْجَنَّة : " رَبّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا " [ التَّحْرِيم : 8 ] وَيَقُولُونَ : الْحَمْد لِلَّهِ . عَلَى سَبِيل الشُّكْر لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ لَذَّة .
وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالࣰا یَعۡرِفُونَهُم بِسِیمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ﴿٤٨﴾
أَيْ مِنْ أَهْل النَّار .





أَيْ لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان .
أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا یَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡكُمۡ وَلَاۤ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ﴿٤٩﴾
إِشَارَة إِلَى قَوْم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاء ; كَبِلَالٍ وَسَلْمَان وَخَبَّاب وَغَيْرهمْ .





فِي الدُّنْيَا .





فِي الْآخِرَة .





يُوَبِّخُونَهُمْ بِذَلِكَ .





وَزِيدُوا غَمًّا وَحَسْرَة بِأَنْ قَالُوا لَهُمْ " اُدْخُلُوا الْجَنَّة " وَقَرَأَ عِكْرِمَة " دَخَلُوا الْجَنَّة " بِغَيْرِ أَلِف وَالدَّال مَفْتُوحَة . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ " بِكَسْرِ الْخَاء عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف مَلَائِكَة أَوْ أَنْبِيَاء ; فَإِنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ إِخْبَار عَنْ اللَّه - تَعَالَى - وَمَنْ جَعَلَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف الْمُذْنِبِينَ كَانَ آخِر قَوْلِهِمْ لِأَصْحَابِ النَّار " وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ " وَيَكُون " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ " إِلَى آخِر الْآيَة مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى لِأَهْلِ النَّار تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الدُّنْيَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَالْأَوَّل عَنْ الْحَسَن . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَام الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَاف ; فَإِنَّ أَهْل النَّار يَحْلِفُونَ أَنَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ النَّار فَتَقُول الْمَلَائِكَة لِأَصْحَابِ الْأَعْرَاف : " اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ "
وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِیضُواْ عَلَیۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ ﴿٥٠﴾
قِيلَ : إِذَا صَارَ أَهْل الْأَعْرَاف إِلَى الْجَنَّة طَمِعَ أَهْل النَّار فَقَالُوا : يَا رَبّنَا إِنَّ لَنَا قَرَابَات فِي الْجَنَّة فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَرَاهُمْ وَنُكَلِّمهُمْ . وَأَهْل الْجَنَّة لَا يَعْرِفُونَهُمْ لِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ .





فَبَيَّنَ أَنَّ اِبْن آدَم لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَإِنْ كَانَ فِي الْعَذَاب . " قَالُوا إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ " يَعْنِي طَعَام الْجَنَّة وَشَرَابَهَا . وَالْإِفَاضَة التَّوْسِعَة ; يُقَال : أَفَاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاء مِنْ أَفْضَل الْأَعْمَال . وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس : أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ فَقَالَ : الْمَاء , أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَهْل النَّار حِين اِسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّة " أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه " ؟ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيّ الصَّدَقَة أَعْجَب إِلَيْك ؟ قَالَ : ( الْمَاء ) . وَفِي رِوَايَة : فَحَفَرَ بِئْرًا فَقَالَ : ( هَذِهِ لِأُمِّ سَعْد ) . وَعَنْ أَنَس قَالَ قَالَ سَعْد : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أُمَّ سَعْد كَانَتْ تُحِبّ الصَّدَقَة , أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّق عَنْهَا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ وَعَلَيْك بِالْمَاءِ ) . وَفِي رِوَايَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْد بْن عُبَادَة أَنْ يَسْقِي عَنْهَا الْمَاء . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَقْي الْمَاء مِنْ أَعْظَم الْقُرُبَات عِنْد اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ قَالَ بَعْض التَّابِعِينَ : مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبه فَعَلَيْهِ بِسَقْيِ الْمَاء . وَقَدْ غَفَرَ اللَّه ذُنُوب الَّذِي سَقَى الْكَلْب , فَكَيْفَ بِمَنْ سَقَى رَجُلًا مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا وَأَحْيَاهُ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( بَيْنَا رَجُل يَمْشِي بِطَرِيقٍ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَش فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْب يَأْكُل الثَّرَى مِنْ الْعَطَش فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْب مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْب فَشَكَرَ اللَّه لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم لَأَجْرًا ؟ قَالَ : ( فِي كُلّ ذَات كَبِد رَطْبَة أَجْر " . وَعَكْس هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( عُذِّبَتْ اِمْرَأَة فِي هِرَّة سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّار لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاش الْأَرْض ) . وَفِي حَدِيث عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَة مِنْ مَاء حَيْثُ يُوجَد الْمَاء فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَة وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَة مِنْ مَاء حَيْثُ لَا يُوجَد الْمَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا ) . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي السُّنَن . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ صَاحِب الْحَوْض وَالْقِرْبَة أَحَقّ بِمَائِهِ , وَإِنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْل أَهْل الْجَنَّة : " إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ " لَا حَقَّ لَكُمْ فِيهَا . وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - عَلَى هَذَا الْمَعْنَى : ( بَاب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِب الْحَوْض وَالْقِرْبَة أَحَقُّ بِمَائِهِ ) وَأَدْخَلَ فِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَاد الْغَرِيبَة مِنْ الْإِبِل عَنْ الْحَوْض ) . قَالَ الْمُهَلَّب : لَا خِلَاف أَنَّ صَاحِب الْحَوْض أَحَقُّ بِمَائِهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي ) .
ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُواْ دِینَهُمۡ لَهۡوࣰا وَلَعِبࣰا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۚ فَٱلۡیَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَاۤءَ یَوۡمِهِمۡ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ ﴿٥١﴾
" الَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض نَعْت لِلْكَافِرِينَ . وَقَدْ يَكُون رَفْعًا وَنَصْبًا بِإِضْمَارٍ . قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل أَهْل الْجَنَّة .





أَيْ نَتْرُكهُمْ فِي النَّار .





أَيْ تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ وَكَذَّبُوا بِهِ . وَ " مَا " مَصْدَرِيَّة , أَيْ كَنَسْيِهِمْ .





عَطْف عَلَيْهِ , أَيْ وَجَحْدهمْ .
وَلَقَدۡ جِئۡنَـٰهُم بِكِتَـٰبࣲ فَصَّلۡنَـٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿٥٢﴾
يَعْنِي الْقُرْآن .





أَيْ بَيَّنَّاهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ مَنْ تَدَبَّرَهُ . وَقِيلَ : " فَصَّلْنَاهُ " أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا .







مِنَّا بِهِ , لَمْ يَقَع فِيهِ سَهْوٌ وَلَا غَلَط .





قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ هَادِيًا وَذَا رَحْمَة , فَجَعَلَهُ حَالًا مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي " فَصَّلْنَاهُ " . قَالَ الزَّجَّاج : وَيَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٌ , بِمَعْنَى هُوَ هُدًى وَرَحْمَةٌ . وَقِيلَ : يَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٍ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَل مِنْ كِتَاب . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : وَيَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٍ بِالْخَفْضِ عَلَى النَّعْت لِكِتَابٍ . قَالَ الْفَرَّاء : مِثْل " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ " [ الْأَنْعَام : 155 ] .





خُصَّ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ .
هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِیلَهُۥۚ یَوۡمَ یَأۡتِی تَأۡوِیلُهُۥ یَقُولُ ٱلَّذِینَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَاۤءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاۤءَ فَیَشۡفَعُواْ لَنَاۤ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَیۡرَ ٱلَّذِی كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ یَفۡتَرُونَ ﴿٥٣﴾
بِالْهَمْزِ , مِنْ آلَ . وَأَهْل الْمَدِينَة يُخَفِّفُونَ الْهَمْزَة . وَالنَّظَر : الِانْتِظَار , أَيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الْقُرْآن مِنْ الْعِقَاب وَالْحِسَاب . وَقِيلَ : " يَنْظُرُونَ " مِنْ النَّظَر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . فَالْكِنَايَة فِي " تَأْوِيله " تَرْجِع إِلَى الْكِتَاب . وَعَاقِبَة الْكِتَاب مَا وَعَدَ اللَّه فِيهِ مِنْ الْبَعْث وَالْحِسَاب . وَقَالَ مُجَاهِد : " تَأْوِيله " جَزَاؤُهُ , أَيْ جَزَاء تَكْذِيبهمْ بِالْكِتَابِ . قَالَ قَتَادَة : " تَأْوِيله " عَاقِبَته . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .





أَيْ تَبْدُو عَوَاقِبه يَوْم الْقِيَامَة . وَ " يَوْم " مَنْصُوب بِـ يَقُول , أَيْ يَقُول الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله .





اِسْتِفْهَام فِيهِ مَعْنَى التَّمَنِّي .





نَصْب ; لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام .





قَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى أَوْ هَلْ نُرَدُّ





قَالَ الزَّجَّاج : نُرَدّ عَطْف عَلَى الْمَعْنَى , أَيْ هَلْ يَشْفَع لَنَا أَحَد أَوْ نُرَدُّ . وَقَرَأَ اِبْن إِسْحَاق " أَوْ نُرَدّ فَنَعْمَل " بِالنَّصْبِ فِيهِمَا . وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نُرَدّ ; كَمَا قَالَ : فَقُلْت لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنك إِنَّمَا نُحَاوِل مُلْكًا أَوْ نَمُوت فَنُعْذَرَا وَقَرَأَ الْحَسَن " أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلُ " بِرَفْعِهِمَا جَمِيعًا .





أَيْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا , وَكُلّ مَنْ لَمْ يَنْتَفِع بِنَفْسِهِ فَقَدْ خَسِرَهَا . وَقِيلَ : خَسِرُوا النِّعَم وَحَظّ أَنْفُسِهِمْ مِنْهَا .





أَيْ بَطَلَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ أَنَّ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر .
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُۥ حَثِیثࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَ ٰ⁠تِۭ بِأَمۡرِهِۦۤۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٥٤﴾
بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِقُدْرَةِ الْإِيجَاد , فَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُعْبَد . وَأَصْل " سِتَّة " سِدْسَة , فَأَرَادُوا إِدْغَام الدَّال فِي السِّين فَالْتَقَيَا عِنْد مَخْرَج التَّاء فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمَا . وَإِنْ شِئْت قُلْت : أُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى السِّينَيْنِ تَاء وَأُدْغِمَ فِي الدَّال ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَصْغِيرهَا : سُدَيْسَة , وَفِي الْجَمْع أَسْدَاس , وَالْجَمْع وَالتَّصْغِير يَرُدَّانِ الْأَسْمَاء إِلَى أُصُولهَا . وَيَقُولُونَ : جَاءَ فُلَان سَادِسًا وَسَادِتًا وَسَاتًّا ; فَمَنْ قَالَ : سَادِتًا أَبْدَلَ مِنْ السِّين تَاء . وَالْيَوْم : مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَمْس فَلَا يَوْم ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى ( فِي سِتَّة أَيَّام ) أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : أَوَّلُهَا الْأَحَد وَآخِرهَا الْجُمُعَة . وَذَكَرَ هَذِهِ الْمُدَّة وَلَوْ أَرَادَ خَلْقهَا فِي لَحْظَة لَفَعَلَ ; إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَقُول لَهَا كُونِي فَتَكُون . وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ الْعِبَاد الرِّفْق وَالتَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَلِتَظْهَرَ قُدْرَته لِلْمَلَائِكَةِ شَيْئًا بَعْد شَيْء . وَهَذَا عِنْد مَنْ يَقُول : خَلَقَ الْمَلَائِكَة قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَحِكْمَة أُخْرَى - خَلَقَهَا فِي سِتَّة أَيَّام ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَبَيَّنَ بِهَذَا تَرْكَ مُعَاجَلَة الْعُصَاة بِالْعِقَابِ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ " [ ق : 38 , 39 ] . بَعْد أَنْ قَالَ : " وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدّ مِنْهُمْ بَطْشًا " [ ق : 36 ] .





هَذِهِ مَسْأَلَة الِاسْتِوَاء ; وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَام وَإِجْرَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهَا فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى ) وَذَكَرْنَا فِيهَا هُنَاكَ أَرْبَعَة عَشَر قَوْلًا . وَالْأَكْثَر مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَنْزِيه الْبَارِي سُبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتَّحَيُّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ وَلَوَاحِقِهِ اللَّازِمَة عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَادَتهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيهه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ الْجِهَة , فَلَيْسَ بِجِهَةِ فَوْق عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مَتَى اِخْتَصَّ بِجِهَةٍ أَنْ يَكُون فِي مَكَان أَوْ حَيِّز , وَيَلْزَم عَلَى الْمَكَان وَالْحَيِّز الْحَرَكَة وَالسُّكُون لِلْمُتَحَيِّزِ , وَالتَّغَيُّر وَالْحُدُوث . هَذَا قَوْل الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَدْ كَانَ السَّلَف الْأَوَّل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَة وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ , بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّة بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابه وَأَخْبَرَتْ رُسُله . وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى عَرْشه حَقِيقَة . وَخُصَّ الْعَرْش بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَم مَخْلُوقَاته , وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الِاسْتِوَاء فَإِنَّهُ لَا تُعْلَم حَقِيقَته . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الِاسْتِوَاء مَعْلُوم - يَعْنِي فِي اللُّغَة - وَالْكَيْفَ مَجْهُول , وَالسُّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة . وَكَذَا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَهَذَا الْقَدْر كَافٍ , وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه مِنْ كُتُب الْعُلَمَاء . وَالِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْعُلُوّ وَالِاسْتِقْرَار . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج , وَاسْتَوَى عَلَى ظَهْر دَابَّته ; أَيْ اِسْتَقَرَّ . وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاء أَيْ قَصَدَ . وَاسْتَوَى أَيْ اِسْتَوْلَى وَظَهَرَ . قَالَ : قَدْ اِسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاق وَاسْتَوَى الرَّجُل أَيْ اِنْتَهَى شَبَابه . وَاسْتَوَى الشَّيْء إِذَا اِعْتَدَلَ . وَحَكَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : " الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى " [ طَه : 5 ] قَالَ : عَلَا . وَقَالَ الشَّاعِر : فَأَوْرَدْتهمْ مَاء بِفَيْفَاء قَفْرَة وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْم الْيَمَانِيّ فَاسْتَوَى أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ . قُلْت : فَعُلُوّ اللَّه تَعَالَى وَارْتِفَاعه عِبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده وَصِفَاته وَمَلَكُوته . أَيْ لَيْسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ مَعَانِي الْجَلَال أَحَد , وَلَا مَعَهُ مَنْ يَكُون الْعُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنه وَبَيْنه ; لَكِنَّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ سُبْحَانه . " عَلَى الْعَرْش " لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى أَكْثَر مِنْ وَاحِد . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْعَرْش سَرِير الْمُلْك . وَفِي التَّنْزِيل " نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا " [ النَّمْل : 41 ] , " وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش " [ يُوسُف : 100 ] . وَالْعَرْش : سَقْف الْبَيْت . وَعَرْش الْقَدَم : مَا نَتَأَ فِي ظَهْرِهَا وَفِيهِ الْأَصَابِع . وَعَرْش السِّمَاك : أَرْبَعَة كَوَاكِب صِغَار أَسْفَل مِنْ الْعُوَاء , يُقَال : إِنَّهَا عَجُز الْأَسَد . وَعَرَّشَ الْبِئْر : طَيَّهَا بِالْخَشَبِ , بَعْد أَنْ يُطْوَى أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَدْر قَامَة ; فَذَلِكَ الْخَشَب هُوَ الْعَرْش , وَالْجَمْع عُرُوش . وَالْعَرْش اِسْم لِمَكَّة . وَالْعَرْش الْمُلْك وَالسُّلْطَان . يُقَال : ثُلَّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَهَبَ مُلْكه وَسُلْطَانه وَعِزّه . قَالَ زُهَيْر : تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا وَذُبْيَان إِذْ ذَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ وَقَدْ يُؤَوَّل الْعَرْش فِي الْآيَة بِمَعْنَى الْمُلْك , أَيْ مَا اِسْتَوَى الْمُلْك إِلَّا لَهُ جَلَّ وَعَزَّ . وَهُوَ قَوْل حَسَن وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُمْلَة الْأَقْوَال فِي كِتَابِنَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ .





أَيْ يَجْعَلهُ كَالْغِشَاءِ , أَيْ يُذْهِب نُور النَّهَار لِيَتِمَّ قِوَام الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا بِمَجِيءِ اللَّيْل . فَاللَّيْل لِلسُّكُونِ , وَالنَّهَار لِلْمَعَاشِ . وَقُرِئَ " يُغَشِّي " بِالتَّشْدِيدِ ; وَمِثْله فِي " الرَّعْد " . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ . وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ . وَهُمَا لُغَتَانِ أَغْشَى وَغَشَّى . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى " فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى " [ النَّجْم : 54 ] مُشَدَّدًا . وَأَجْمَعُوا عَلَى " فَأَغْشَيْنَاهُمْ " [ يس : 9 ] فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ . وَفِي التَّشْدِيد مَعْنَى التَّكْرِير وَالتَّكْثِير . وَالتَّغْشِيَة وَالْإِغْشَاء : إِلْبَاس الشَّيْء الشَّيْء . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُخُولَ النَّهَار عَلَى اللَّيْل , فَاكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَر , مِثْل " سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ " [ النَّحْل : 81 ] . " بِيَدِك الْخَيْر " [ آل عِمْرَان : 26 ] . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس " يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارُ " وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّهَار يُغْشِي اللَّيْل .







أَيْ يَطْلُبُهُ دَائِمًا مِنْ غَيْر فُتُور . وَ " يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَالتَّقْدِير : اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش مُغْشِيًا اللَّيْل النَّهَار . وَكَذَا " يَطْلُبُهُ حَثِيثًا " حَال مِنْ اللَّيْل ; أَيْ يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار طَالِبًا لَهُ . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لَيْسَتْ بِحَالٍ . " حَثِيثًا " بَدَل مِنْ طَالِب الْمُقَدَّر أَوْ نَعْت لَهُ , أَوْ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; أَيْ يَطْلُبهُ طَلَبًا سَرِيعًا . وَالْحَثّ : الْإِعْجَال وَالسُّرْعَة . وَوَلَّى حَثِيثًا أَيْ مُسْرِعًا .







قَالَ الْأَخْفَش : هِيَ مَعْطُوفَة عَلَى السَّمَاوَات ; أَيْ وَخَلَقَ الشَّمْس . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بِالرَّفْعِ فِيهَا كُلّهَا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر .







فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : صِدْق اللَّه فِي خَبَره , فَلَهُ الْخَلْق وَلَهُ الْأَمْر , خَلَقَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِمَا أَحَبَّ . وَهَذَا الْأَمْر يَقْتَضِي النَّهْي . قَالَ اِبْن عُيَيْنَة : فَرَّقَ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر ; فَمَنْ جَمَعَ بَيْنهمَا فَقَدْ كَفَرَ . فَالْخَلْق الْمَخْلُوق , وَالْأَمْر كَلَامه الَّذِي هُوَ غَيْر مَخْلُوق وَهُوَ قَوْله : " كُنْ " . " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " [ يس : 82 ] . وَفِي تَفْرِقَتِهِ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر دَلِيل بَيِّن عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآن ; إِذْ لَوْ كَانَ كَلَامه الَّذِي هُوَ أَمْر مَخْلُوقًا لَكَانَ قَدْ قَالَ : أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْخَلْق . وَذَلِكَ عِيٌّ مِنْ الْكَلَام وَمُسْتَهْجَن وَمُسْتَغَثٌّ . وَاَللَّه يَتَعَالَى عَنْ التَّكَلُّم بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانه . " وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ " [ الرُّوم : 25 ] . " وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ " [ الْأَعْرَاف : 54 ] . فَأَخْبَرَ سُبْحَانه أَنَّ الْمَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْرِهِ ; فَلَوْ كَانَ الْأَمْر مَخْلُوقًا لَافْتَقَرَ إِلَى أَمْر آخَر يَقُوم بِهِ , وَذَلِكَ الْأَمْر إِلَى أَمْر آخَر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ . وَذَلِكَ مُحَال . فَثَبَتَ أَنَّ أَمْره الَّذِي هُوَ كَلَامه قَدِيم أَزَلِيّ غَيْر مَخْلُوق ; لِيَصِحّ قِيَام الْمَخْلُوقَات بِهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " [ الْحِجْر : 67 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهُمَا بِالْحَقِّ , يَعْنِي الْقَوْل وَهُوَ قَوْله لِلْمَكُونَاتِ : " كُنْ " . فَلَوْ كَانَ الْحَقّ مَخْلُوقًا لَمَا صَحَّ أَنْ يَخْلُق بِهِ الْمَخْلُوقَات ; لِأَنَّ الْخَلْق لَا يَخْلُق بِالْمَخْلُوقِ . يَدُلّ عَلَيْهِ " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ " [ الصَّافَّات : 171 ] . " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] . " وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي " [ السَّجْدَة : 13 ] . وَهَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى السَّبْق فِي الْقَوْل فِي الْقِدَم , وَذَلِكَ يُوجِب الْأَزَل فِي الْوُجُود . وَهَذِهِ النُّكْتَة كَافِيَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ . وَلَهُمْ آيَات اِحْتَجُّوا بِهَا عَلَى مَذْهَبهمْ , مِثْل قَوْله تَعَالَى : " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث " [ الْأَنْبِيَاء : 2 ] الْآيَة . وَمِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدْرًا مَقْدُورًا " [ الْأَحْزَاب : 38 ] . وَ " مَفْعُولًا " [ الْمُزَّمِّل : 18 ] وَمَا كَانَ مِثْله . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر : مَعْنَى " مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر " أَيْ مِنْ وَعْظ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْد وَتَخْوِيف " إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ " ; لِأَنَّ وَعْظ الرُّسُل صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه وَتَحْذِيرهمْ ذِكْر . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر " [ الْغَاشِيَة : 21 ] . وَيُقَال : فُلَان فِي مَجْلِس الذِّكْر . وَمَعْنَى " وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدَرًا مَقْدُورًا " وَ " مَفْعُولًا " أَرَادَ سُبْحَانه عِقَابه وَانْتِقَامه مِنْ الْكَافِرِينَ وَنَصْره لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ مِنْ أَفْعَاله . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا " [ هُود : 40 ] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا أَمْر فِرْعَوْن بِرَشِيدٍ " [ هُود : 97 ] يَعْنِي بِهِ شَأْنه وَأَفْعَال وَطَرَائِقه . قَالَ الشَّاعِر : لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ بِأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مَضْجَعَا الثَّانِيَة : وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْر لَيْسَ مِنْ الْإِرَادَة فِي شَيْء . وَالْمُعْتَزِلَة تَقُول : الْأَمْر نَفْس الْإِرَادَة . وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , بَلْ يَأْمُر بِمَا لَا يُرِيد وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيد . أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ وَلَده وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ , وَأَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُصَلِّي مَعَ أُمَّته خَمْسِينَ صَلَاة , وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ إِلَّا خَمْس صَلَوَات . وَقَدْ أَرَادَ شَهَادَة حَمْزَة حَيْثُ يَقُول : " وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء " [ آل عِمْرَان : 140 ] . وَقَدْ نَهَى الْكُفَّار عَنْ قَتْله وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ . وَهَذَا صَحِيح نَفِيس فِي بَابه , فَتَأَمَّلْهُ .









" تَبَارَكَ " تَفَاعَلَ , مِنْ الْبَرَكَة وَهِيَ الْكَثْرَة وَالِاتِّسَاع . يُقَال : بُورِكَ الشَّيْء وَبُورِكَ فِيهِ ; قَالَهُ اِبْن عَرَفَة . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : " تَبَارَكَ " تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَارْتَفَعَ . وَقِيلَ : إِنَّ بِاسْمِهِ يُتَبَرَّك وَيُتَيَّمْنَ . وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة مَعْنَى " رَبّ الْعَالَمِينَ " [ الْفَاتِحَة : 1 ]
ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةًۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ ﴿٥٥﴾
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " اُدْعُوا رَبّكُمْ " هَذَا أَمْر بِالدُّعَاءِ وَتَعَبُّد بِهِ . ثُمَّ قَرَنَ جَلَّ وَعَزَّ بِالْأَمْرِ صِفَات تَحْسُن مَعَهُ , وَهِيَ الْخُشُوع وَالِاسْتِكَانَة وَالتَّضَرُّع . وَمَعْنَى " خُفْيَة " أَيْ سِرًّا فِي النَّفْس لِيَبْعُد عَنْ الرِّيَاء ; وَبِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَبِيّه زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام إِذْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُ : " إِذْ نَادَى رَبّه نِدَاء خَفِيًّا " [ مَرْيَم : 3 ] . وَنَحْوه قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر الذِّكْر الْخَفِيّ وَخَيْر الرِّزْق مَا يَكْفِي ) . وَالشَّرِيعَة مُقَرِّرَة أَنَّ السِّرّ فِيمَا لَمْ يَعْتَرِض مِنْ أَعْمَال الْبِرّ أَعْظَم أَجْرًا مِنْ الْجَهْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " قَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن : لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْض عَمَل يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَكُون سِرًّا فَيَكُون جَهْرًا أَبَدًا . وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاء فَلَا يُسْمَع لَهُمْ صَوْت , إِنْ هُوَ إِلَّا الْهَمْس بَيْنَهُمْ وَبَيْن رَبِّهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة " . وَذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ : " إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا " [ مَرْيَم : 3 ] . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة بِهَذَا عَلَى أَنَّ إِخْفَاء " آمِينَ " أَوْلَى مِنْ الْجَهْر بِهَا ; لِأَنَّهُ دُعَاء . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي " الْفَاتِحَة " . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر - وَفِي رِوَايَة فِي غَزَاة - فَجَعَلَ النَّاس يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ - وَفِي رِوَايَة فَجَعَلَ رَجُل كُلَّمَا عَلَا ثَنِيَّة قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّهَا النَّاس اِرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ ) . الْحَدِيث . الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء ; فَكَرِهَهُ طَائِفَة مِنْهُمْ جُبَيْر بْن مُطْعِم وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر . وَرَأَى شُرَيْح رَجُلًا رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ : مَنْ تَتَنَاوَل بِهِمَا , لَا أُمَّ لَك ! وَقَالَ مَسْرُوق لِقَوْمٍ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ : قَطَعَهَا اللَّه . وَاخْتَارُوا إِذَا دَعَا اللَّه فِي حَاجَة أَنْ يُشِير بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَة . وَيَقُولُونَ : ذَلِكَ الْإِخْلَاص . وَكَانَ قَتَادَة يُشِير بِأُصْبُعِهِ وَلَا يَرْفَع يَدَيْهِ . وَكَرِهَ رَفْعَ الْأَيْدِي عَطَاءٌ وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ . وَرُوِيَ جَوَاز الرَّفْع عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْت بَيَاضَ إِبْطَيْهِ . وَمِثْله عَنْ أَنَس . وَقَالَ اِبْن عُمَر : رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِد ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ , وَهُمْ أَلْف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة عَشَر رَجُلًا , فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ مَادًّا يَدَيْهِ , فَجَعَلَ يَهْتِف بِرَبِّهِ ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَح بِهِمَا وَجْهه . قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ سَلْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ رَبّكُمْ حَيِيّ كَرِيم يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْده أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدّهُمَا صِفْرًا أَوْ قَالَ خَائِبَتَيْنِ ) . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عُمَارَة بْن رُوَيْبَة وَرَأَى بِشْر بْن مَرْوَان عَلَى الْمِنْبَر رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ : قَبَّحَ اللَّه هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ , لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيد عَلَى أَنْ يَقُول بِيَدِهِ هَكَذَا ; وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَة . وَبِمَا رَوَى سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة أَنَّ أَنَس بْن مَالِك حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْفَع يَدَيْهِ فِي شَيْء مِنْ الدُّعَاء إِلَّا عِنْد الِاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعهُمَا حَتَّى يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ . وَالْأَوَّل أَصَحّ طُرُقًا وَأَثْبَت مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة ; فَإِنَّ سَعِيدًا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ عَقْله فِي آخِر عُمْره . وَقَدْ خَالَفَهُ شُعْبَة فِي رِوَايَته عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس بْن مَالِك فَقَالَ فِيهِ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَع يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَة أَنَّ الرَّفْع عِنْد ذَلِكَ جَمِيل حَسَن كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء وَيَوْم بَدْر . قُلْت : وَالدُّعَاء حَسَن كَيْفَمَا تَيَسَّرَ , وَهُوَ الْمَطْلُوب مِنْ الْإِنْسَان لِإِظْهَارِ مَوْضِع الْفَقْر وَالْحَاجَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَالتَّذَلُّل لَهُ وَالْخُضُوع . فَإِنْ شَاءَ اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَحَسَن , وَإِنْ شَاءَ فَلَا ; فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيث . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة " [ الْأَعْرَاف : 55 ] . وَلَمْ يُرِدْ صِفَة مِنْ رَفْع يَدَيْنِ وَغَيْرهَا . وَقَالَ : " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا " [ آل عِمْرَان : 191 ] فَمَدَحَهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِط حَالَة غَيْر مَا ذُكِرَ . وَقَدْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَته يَوْم الْجُمْعَة وَهُوَ غَيْر مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة .





يُرِيد فِي الدُّعَاء وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ عَامًّا إِلَى هَذَا هِيَ الْإِشَارَة . وَالْمُعْتَدِي هُوَ الْمُجَاوِز لِلْحَدِّ وَمُرْتَكِب الْحَظْر . وَقَدْ يَتَفَاضَل بِحَسَبِ مَا اِعْتَدَى فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( سَيَكُونُ قَوْم يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء ) . أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة . حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة أَخْبَرَنَا سَعِيد الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي نَعَامَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل سَمِعَ اِبْنه يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْقَصْر الْأَبْيَض عَنْ يَمِين الْجَنَّة إِذَا دَخَلْتهَا . فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ , سَلْ اللَّه الْجَنَّة وَعُذْ بِهِ مِنْ النَّار ; فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( سَيَكُونُ قَوْم يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء ) . وَالِاعْتِدَاء فِي الدُّعَاء عَلَى وُجُوه : مِنْهَا الْجَهْر الْكَثِير وَالصِّيَاح ; كَمَا تَقَدَّمَ . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو الْإِنْسَان فِي أَنْ تَكُون لَهُ مَنْزِلَة نَبِيّ , أَوْ يَدْعُو فِي مُحَال ; وَنَحْو هَذَا مِنْ الشَّطَط . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو طَالِبًا مَعْصِيَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو بِمَا لَيْسَ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة ; فَيَتَخَيَّر أَلْفَاظًا مُفَقَّرَة وَكَلِمَات مُسَجَّعَة قَدْ وَجَدَهَا فِي كَرَارِيس لَا أَصْل لَهَا وَلَا مُعَوِّل عَلَيْهَا , فَيَجْعَلهَا شِعَاره وَيَتْرُك مَا دَعَا بِهِ رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام . وَكُلّ هَذَا يَمْنَع مِنْ اِسْتِجَابَة الدُّعَاء . كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة "
وَلَا تُفۡسِدُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفࣰا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿٥٦﴾
إِنَّهُ سُبْحَانه نَهَى عَنْ كُلّ فَسَاد قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْد صَلَاح قَلَّ أَوْ كَثُرَ . فَهُوَ عَلَى الْعُمُوم عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال . وَقَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَاهُ لَا تَعُورُوا الْمَاء الْمَعِين , وَلَا تَقْطَعُوا الشَّجَر الْمُثْمِر ضِرَارًا . وَقَدْ وَرَدَ : قَطْع الدَّنَانِير مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَدْ قِيلَ : تِجَارَة الْحُكَّام مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْمُرَاد وَلَا تُشْرِكُوا ; فَهُوَ نَهْي عَنْ الشِّرْك وَسَفْك الدِّمَاء وَالْهَرْج فِي الْأَرْض , وَأَمْر بِلُزُومِ الشَّرَائِع بَعْد إِصْلَاحهَا , بَعْد أَنْ أَصْلَحَهَا اللَّه بِبَعْثِهِ الرُّسُل , وَتَقْرِير الشَّرَائِع وَوُضُوح مِلَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة قَصَدَ إِلَى أَكْبَر فَسَاد بَعْد أَعْظَم صَلَاح فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ . قُلْت : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الضَّحَّاك فَلَيْسَ عَلَى عُمُومه , وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الْمُؤْمِن , وَأَمَّا مَا يَعُود ضَرَره عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَذَلِكَ جَائِز ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَوَّرَ مَاء قَلِيب بَدْر وَقَطَعَ شَجَر الْكَافِرِينَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي قَطْع الدَّنَانِير فِي " هُود " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .





أَمْر بِأَنْ يَكُون الْإِنْسَان فِي حَالَة تَرَقُّب وَتَخَوُّف وَتَأْمِيل لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , حَتَّى يَكُون الرَّجَاء وَالْخَوْف لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ يَحْمِلَانِهِ فِي طَرِيق اِسْتِقَامَته , وَإِنْ اِنْفَرَدَ أَحَدهمَا هَلَكَ الْإِنْسَان , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم " [ الْحِجْر : 49 - 50 ] فَرَجَّى وَخَوَّفَ . فَيَدْعُو الْإِنْسَان خَوْفًا مِنْ عِقَابه وَطَمَعًا فِي ثَوَابه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا " [ الْأَنْبِيَاء : 90 ] . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ . وَالْخَوْف : الِانْزِعَاج لِمَا لَا يُؤْمَن مِنْ الْمَضَارّ . وَالطَّمَع : تَوَقُّع الْمَحْبُوب ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِب الْخَوْف الرَّجَاء طُول الْحَيَاة , فَإِذَا جَاءَ الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوتَن أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ ) . صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم .





وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَة . فَفِيهِ سَبْعَة أَوْجُه : أَوَّلهَا أَنَّ الرَّحْمَة وَالرُّحُم وَاحِد , وَهِيَ بِمَعْنَى الْعَفْو وَالْغُفْرَان ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل : الرَّحْمَة مَصْدَر , وَحَقُّ الْمَصْدَر التَّذْكِير ; كَقَوْلِهِ : " فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة " [ الْبَقَرَة : 275 ] . وَهَذَا قَرِيب مِنْ قَوْل الزَّجَّاج ; لِأَنَّ الْمَوْعِظَة بِمَعْنَى الْوَعْظ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْإِحْسَان ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَكُون تَأْنِيثه حَقِيقِيًّا جَازَ تَذْكِيره ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الْمَطَر ; قَالَهُ الْأَخْفَش . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يُذَكَّر كَمَا يُذَكَّر بَعْض الْمُؤَنَّث . وَأَنْشَدَ : فَلَا مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلَا أَرْض أَبْقَلَ إِبْقَالهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ذُكِّرَ " قَرِيب " عَلَى تَذْكِير الْمَكَان , أَيْ مَكَانًا قَرِيبًا . قَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : وَهَذَا خَطَأ , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ " قَرِيب " مَنْصُوبًا فِي الْقُرْآن ; كَمَا تَقُول : إِنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنْك . وَقِيلَ : ذُكِّرَ عَلَى النَّسَب ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ رَحْمَة اللَّه ذَات قُرْب ; كَمَا تَقُول : اِمْرَأَة طَالِق وَحَائِض . وَقَالَ الْفَرَّاء : إِذَا كَانَ الْقَرِيب فِي مَعْنَى الْمَسَافَة يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسَب يُؤَنَّث بِلَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ . تَقُول : هَذِهِ الْمَرْأَة قَرِيبَتِي , أَيْ ذَات قَرَابَتِي ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ الْفَرَّاء : يُقَال فِي النَّسَب قَرِيبَة فُلَان , وَفِي غَيْر النَّسَب يَجُوز التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث ; يُقَال : دَارك مِنَّا قَرِيب , وَفُلَانَة مِنَّا قَرِيب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُون قَرِيبًا " [ الْأَحْزَاب : 63 ] . وَقَالَ مَنْ اِحْتَجَّ لَهُ : كَذَا كَلَام الْعَرَب ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : لَهُ الْوَيْل إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمّ هَاشِم قَرِيب وَلَا الْبَسْبَاسَة اِبْنَة يَشْكُرَا قَالَ الزَّجَّاج : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ سَبِيل الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث أَنْ يَجْرِيَا عَلَى أَفْعَالِهِمَا .
وَهُوَ ٱلَّذِی یُرۡسِلُ ٱلرِّیَـٰحَ بُشۡرَۢا بَیۡنَ یَدَیۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَقَلَّتۡ سَحَابࣰا ثِقَالࣰا سُقۡنَـٰهُ لِبَلَدࣲ مَّیِّتࣲ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَاۤءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ﴿٥٧﴾
عَطْف عَلَى قَوْله : " يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار " [ الرَّعْد : 3 ] . ذَكَرَ شَيْئًا آخَر مِنْ نِعَمه , وَدَلَّ عَلَى وَحْدَانِيّته وَثُبُوت إِلَهِيَّته . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الرِّيح فِي " الْبَقَرَة " وَرِيَاح جَمْع كَثْرَة وَأَرْوَاح جَمْع قِلَّة . وَأَصْل رِيح رِوْح . وَقَدْ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي جَمْع الْقِلَّة أَرْيَاح . " بُشْرًا " فِيهِ سَبْع قِرَاءَات : قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو عَمْرو " نُشُرًا " بِضَمِّ النُّون وَالشِّين جَمْع نَاشِر عَلَى مَعْنَى النَّسَب , أَيْ ذَات نَشْر ; فَهُوَ مِثْل شَاهِد وَشُهُد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع نَشُور كَرَسُول وَرُسُل . يُقَال : رِيح النَّشُور إِذَا أَتَتْ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا . وَالنَّشُور بِمَعْنَى الْمَنْشُور ; كَالرَّكُوبِ بِمَعْنَى الْمَرْكُوب . أَيْ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة . وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة " نُشْرًا " بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَان الشِّين مُخَفَّفًا مِنْ نُشُر ; كَمَا يُقَال : كُتْب وَرُسْل . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة " نَشْرًا " بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الشِّين عَلَى الْمَصْدَر , أَعْمَلَ فِيهِ مَعْنَى مَا قَبْله ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَنْشُر الرِّيَاح نَشْرًا . نَشَرْت الشَّيْء فَانْتَشَرَ , فَكَأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّة فَنُشِرَتْ عِنْد الْهُبُوب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ الرِّيَاح ; كَأَنَّهُ قَالَ يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة , أَيْ مُحْيَيَة ; مِنْ أَنَشَرَ اللَّه الْمَيِّت فَنُشِرَ , كَمَا تَقُول أَتَانَا رَكْضًا , أَيْ رَاكِضًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ نَشْرًا ( بِالْفَتْحِ ) مِنْ النَّشْر الَّذِي هُوَ خِلَاف الطَّيّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . كَأَنَّ الرِّيح فِي سُكُونهَا كَالْمَطْوِيَّةِ ثُمَّ تُرْسِل مِنْ طَيّهَا ذَلِكَ فَتَصِير كَالْمُنْفَتِحَةِ . وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْد بِمَعْنَى مُتَفَرِّقَة فِي وُجُوههَا , عَلَى مَعْنَى يَنْشُرهَا هَهُنَا وَهَهُنَا . وَقَرَأَ عَاصِم : " بُشْرًا " بِالْبَاءِ وَإِسْكَان الشِّين وَالتَّنْوِين جَمْع بَشِير , أَيْ الرِّيَاح تُبَشِّر بِالْمَطَرِ . وَشَاهِده قَوْله : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِل الرِّيَاح مُبَشِّرَات " . وَأَصْل الشِّين الضَّمّ , لَكِنْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا كَرُسُل وَرُسْل . وَرُوِيَ عَنْهُ " بَشْرًا " بِفَتْحِ الْبَاء . قَالَ النَّحَّاس : وَيُقْرَأ " بُشُرًا " وَ " بَشْر مَصْدَر بَشَرَهُ يَبْشُرهُ بِمَعْنَى بَشَّرَهُ " فَهَذِهِ خَمْس قِرَاءَات . وَقَرَأَ مُحَمَّد الْيَمَانِيّ " بُشْرَى " عَلَى وَزْن حُبْلَى . وَقِرَاءَة سَابِعَة " بُشُرَى " بِضَمِّ الْبَاء وَالشِّين .





السَّحَاب يُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَكَذَا كُلّ جَمْع بَيْنه وَبَيْن وَاحِدَته هَاء . وَيَجُوز نَعْته بِوَاحِدٍ فَتَقُول : سَحَاب ثَقِيل وَثَقِيلَة . وَالْمَعْنَى : حَمَلَتْ الرِّيح سَحَابًا ثِقَالًا بِالْمَاءِ , أَيْ أَثْقَلَتْ بِحَمْلِهِ . يُقَال : أَقَلَّ فُلَان الشَّيْء أَيْ حَمَلَهُ .





أَيْ السَّحَاب .





أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَبَات . يُقَال : سُقْته لِبَلَدِ كَذَا وَإِلَى بَلَد كَذَا . وَقِيلَ : لِأَجْلِ بَلَد مَيِّت ; فَاللَّام لَام أَجْل . وَالْبَلَد كُلّ مَوْضِع مِنْ الْأَرْض عَامِر أَوْ غَيْر عَامِر خَال أَوْ مَسْكُون . وَالْبَلْدَة وَالْبَلَد وَاحِد الْبِلَاد وَالْبُلْدَان . وَالْبَلَد الْأَثَر وَجَمْعه أَبْلَاد . قَالَ الشَّاعِر : مِنْ بَعْد مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبْلَادهَا وَالْبَلَد : أُدْحِيّ النَّعَام . يُقَال : هُوَ أَذَلّ مِنْ بَيْضَة الْبَلَد , أَيْ مِنْ بَيْضَة النَّعَام الَّتِي يَتْرُكُهَا . وَالْبَلْدَة الْأَرْض ; يُقَال : هَذِهِ بَلْدَتُنَا كَمَا يُقَال بَحْرَتنَا . وَالْبَلْدَة مِنْ مَنَازِل الْقَمَر , وَهِيَ سِتَّة أَنْجُم مِنْ الْقَوْس تَنْزِلهَا الشَّمْس فِي أَقْصَر يَوْم فِي السَّنَة . وَالْبَلْدَة الصَّدْر ; يُقَال : فُلَان وَاسِع الْبَلْدَة أَيْ وَاسِع الصَّدْر قَالَ الشَّاعِر : أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَة فَوْق بَلْدَة قَلِيل بِهَا الْأَصْوَات إِلَّا بُغَامهَا يَقُول : بَرَكَتْ النَّاقَة فَأَلْقَتْ صَدْرهَا عَلَى الْأَرْض . وَالْبَلْدَة ( بِفَتْحِ الْبَاء وَضَمّهَا ) : نَقَاوَة مَا بَيْن الْحَاجِبَيْنِ ; فَهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُشْتَرَكَة .







أَيْ بِالْبَلَدِ . وَقِيلَ : أَنْزَلْنَا بِالسَّحَابِ الْمَاء ; لِأَنَّ السَّحَاب آلَة لِإِنْزَالِ الْمَاء . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فَأَنْزَلْنَا مِنْهُ الْمَاء ; كَقَوْلِهِ : " يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه " [ الْإِنْسَان : 6 ] أَيْ مِنْهَا .







الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب . أَيْ مِثْل ذَلِكَ الْإِخْرَاج نُحْيِي الْمَوْتَى . وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , كَيْفَ يُعِيد اللَّه الْخَلْق , وَمَا آيَة ذَلِكَ فِي خَلْقه ؟ قَالَ : ( أَمَا مَرَرْت بِوَادِي قَوْمك جَدْبًا ثُمَّ مَرَرْت بِهِ يَهْتَزّ خَضِرًا ) قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : ( فَتِلْكَ آيَة اللَّه فِي خَلْقه ) . وَقِيلَ : وَجْه التَّشْبِيه أَنَّ إِحْيَاءَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ يَكُون بِمَطَرٍ يَبْعَثهُ اللَّه عَلَى قُبُورهمْ , فَتَنْشَقّ عَنْهُمْ الْقُبُور , ثُمَّ تَعُود إِلَيْهِمْ الْأَرْوَاح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثُمَّ يُرْسِل اللَّه - أَوْ قَالَ يُنْزِل اللَّه - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلّ فَتَنْبُت مِنْهُ أَجْسَاد النَّاس ثُمَّ يُقَال يَا أَيُّهَا النَّاس هَلُمُّوا إِلَى رَبّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِكَمَالِهِ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . فَدَلَّ عَلَى الْبَعْث وَالنُّشُور ; وَإِلَى اللَّه تُرْجَع الْأُمُور .
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّیِّبُ یَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِی خَبُثَ لَا یَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدࣰاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَشۡكُرُونَ ﴿٥٨﴾
أَيْ التُّرْبَة الطَّيِّبَة . وَالْخَبِيث الَّذِي فِي تُرْبَته حِجَارَة أَوْ شَوْك ; عَنْ الْحَسَن . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّشْبِيه , شَبَّهَ تَعَالَى السَّرِيع الْفَهْم بِالْبَلَدِ الطَّيِّب , وَالْبَلِيد بِاَلَّذِي خَبُثَ ; عَنْ النَّحَّاس . وَقِيلَ : هَذَا مَثَل لِلْقُلُوبِ ; فَقَلْب يَقْبَل الْوَعْظ وَالذِّكْرَى , وَقَلْب فَاسِق يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ ; قَالَ الْحَسَن أَيْضًا . وَقَالَ قَتَادَة : مَثَل لِلْمُؤْمِنِ يَعْمَل مُحْتَسِبًا مُتَطَوِّعًا , وَالْمُنَافِق غَيْر مُحْتَسِب ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَم أَحَدهمْ أَنَّهُ يَجِد عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ) . " نَكِدًا " نَصْب عَلَى الْحَال , وَهُوَ الْعَسِر الْمُمْتَنِع مِنْ إِعْطَاء الْخَيْر . وَهَذَا تَمْثِيل . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي أَنَّ فِي بَنِي آدَم الطَّيِّب وَالْخَبِيث . وَقَرَأَ طَلْحَة " إِلَّا نَكْدًا " حَذَفَ الْكَسْرَة لِثِقَلِهَا . وَقَرَأَ اِبْن الْقَعْقَاع " نَكَدًا " بِفَتْحِ الْكَاف , فَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى ذَا نَكَد . كَمَا قَالَ : فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار وَقِيلَ : " نَكِدًا " بِنَصْبِ الْكَاف وَخَفْضهَا بِمَعْنًى ; كَالدَّنِفِ وَالدَّنَف , لُغَتَانِ .





أَيْ كَمَا صَرَّفْنَا مِنْ الْآيَات , وَهِيَ الْحُجَج وَالدَّلَالَات , فِي إِبْطَال الشِّرْك ; كَذَلِكَ نُصَرِّف الْآيَات فِي كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ النَّاس .





وَخَصَّ الشَّاكِرِينَ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ .
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۤ إِنِّیۤ أَخَافُ عَلَیۡكُمۡ عَذَابَ یَوۡمٍ عَظِیمࣲ ﴿٥٩﴾
لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْخَالِق الْقَادِر عَلَى الْكَمَال ذَكَرَ أَقَاصِيصَ الْأُمَم وَمَا فِيهَا مِنْ تَحْذِير الْكُفَّار . وَاللَّام فِي " لَقَدْ " لِلتَّأْكِيدِ الْمُنَبِّه عَلَى الْقَسَم . وَالْفَاء دَالَّة عَلَى أَنَّ الثَّانِي بَعْد الْأَوَّل . " يَا قَوْم " نِدَاء مُضَاف . وَيَجُوز " يَا قَوْمِي " عَلَى الْأَصْل . وَنُوح أَوَّل الرُّسُل إِلَى الْأَرْض بَعْد آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام بِتَحْرِيمِ الْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات . قَالَ النَّحَّاس : وَانْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ نَاحَ يَنُوح ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " هَذَا الْمَعْنَى وَغَيْره فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ قَالَ إِنَّ إِدْرِيس كَانَ قَبْله مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ . وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة وَهْمه الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْإِسْرَاء حِين لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَم وَإِدْرِيس فَقَالَ لَهُ آدَم : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح ) . وَقَالَ لَهُ إِدْرِيس : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالْأَخ الصَّالِح ) . فَلَوْ كَانَ إِدْرِيس أَبًا لِنُوحٍ لَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح . فَلَمَّا قَالَ لَهُ وَالْأَخ الصَّالِح دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِع مَعَهُ فِي نُوحٍ , صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَلَا كَلَام لِمُنْصِفٍ بَعْد هَذَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَجَاءَ جَوَاب الْآبَاء هَهُنَا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيم وَآدَم ( مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِح ) . وَقَالَ عَنْ إِدْرِيس ( بِالْأَخِ الصَّالِح ) كَمَا ذُكِرَ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَيُوسُف وَهَارُون وَيَحْيَى مِمَّنْ لَيْسَ بِأَبٍ بِاتِّفَاقٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْمَازِرِيّ : قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيس جَدُّ نُوح عَلَيْهِمَا السَّلَام . فَإِنْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ إِدْرِيس بُعِثَ أَيْضًا لَمْ يَصِحّ قَوْل النَّسَّابِينَ إِنَّهُ قَبْل نُوح ; لِمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَوْل آدَم إِنَّ نُوحًا أَوَّل رَسُول بُعِثَ , وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيل جَازَ مَا قَالُوا : وَصَحَّ أَنْ يُحْمَل أَنَّ إِدْرِيس كَانَ نَبِيًّا غَيْر مُرْسَل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ يُجْمَع بَيْن هَذَا بِأَنْ يُقَال : اِخْتَصَّ بَعْث نُوح لِأَهْلِ الْأَرْض - كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث - كَافَّة كَنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَام . وَيَكُون إِدْرِيس لِقَوْمِهِ كَمُوسَى وَهُود وَصَالِح وَلُوط وَغَيْرهمْ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنَّ إِلْيَاس لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ " [ الصَّافَّات : 123 , 124 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ إِلْيَاس هُوَ إِدْرِيس . وَقَدْ قُرِئَ " سَلَام عَلَى إِدْرَاسِين " . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْحَسَن بْن بَطَّال ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَم لَيْسَ بِرَسُولٍ ; لِيَسْلَم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض . وَحَدِيث أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ آدَم وَإِدْرِيس رَسُولَانِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَجْمَع ذَلِكَ بِأَنْ تَكُون بَعْثَة نُوح مَشْهُورَة لِإِصْلَاحِ النَّاس وَحَمْلهمْ بِالْعَذَابِ وَالْإِهْلَاك عَلَى الْإِيمَان ; فَالْمُرَاد أَنَّهُ أَوَّل نَبِيّ بُعِثَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بُعِثَ وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ الْكَلْبِيّ : بَعْد آدَم بِثَمَانِمِائَةِ سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَبَقِيَ فِي قَوْمه يَدْعُوهُمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ; كَمَا أَخْبَرَ التَّنْزِيل . ثُمَّ عَاشَ بَعْد الطُّوفَان سِتِّينَ سَنَة . حَتَّى كَثُرَ النَّاس وَفَشَوْا . وَقَالَ وَهْب : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن خَمْسِينَ سَنَة . وَقَالَ عَوْن بْن شَدَّاد : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن ثَلَاثمِائِة وَخَمْسِينَ سَنَة . وَفِي كَثِير مِنْ كُتُب الْحَدِيث : التِّرْمِذِيّ وَغَيْره أَنَّ جَمِيع الْخَلْق الْآن مِنْ ذُرِّيَّة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم عَنْ الزُّهْرِيّ : أَنَّ الْعَرَب وَفَارِس وَالرُّوم وَأَهْل الشَّام وَأَهْل الْيَمَن مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَالسِّنْد وَالْهِنْد وَالزِّنْج وَالْحَبَشَة وَالزُّطّ وَالنُّوبَة , وَكُلّ جِلْد أَسْوَد مِنْ وَلَد حَام بْن نُوح . وَالتُّرْك وَبَرْبَر وَوَرَاء الصِّين وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالصَّقَالِبَة كُلّهمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح . وَالْخَلْق كُلّهمْ ذُرِّيَّة نُوح .







بِرَفْعِ " غَيْره " قِرَاءَة نَافِع وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم وَحَمْزَة . أَيْ مَا لَكُمْ إِلَه غَيْره . نَعْت عَلَى الْمَوْضِع . وَقِيلَ : " غَيْر " بِمَعْنَى إِلَّا ; أَيْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ أَبُو عَمْرو : مَا أَعْرِف الْجَرّ وَلَا النَّصْب . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ بِالْخَفْضِ عَلَى الْمَوْضِع . وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ ; غَيْر أَنَّ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَجَازَا نَصْب " غَيْر " فِي كُلّ مَوْضِع يَحْسُن فِيهِ " إِلَّا " تَمَّ الْكَلَام أَوْ لَمْ يَتِمّ . فَأَجَازَا : مَا جَاءَنِي غَيْرك . قَالَ الْفَرَّاء : هِيَ لُغَة بَعْض بَنِي أَسَد وَقُضَاعَة . وَأَنْشَدَ : لَمْ يَمْنَع الشُّرْب مِنْهَا غَيْر أَنْ هَتَفَتْ حَمَامَة فِي سَحُوق ذَات أَوْقَالِ قَالَ الْكِسَائِيّ : وَلَا يَجُوز جَاءَنِي غَيْرك , فِي الْإِيجَاب ; لِأَنَّ إِلَّا لَا تَقَع هَهُنَا . قَالَ النَّحَّاس : لَا يَجُوز عِنْد الْبَصْرِيِّينَ نَصْب " غَيْر " إِذَا لَمْ يَتِمّ الْكَلَام . وَذَلِكَ عِنْدهمْ مِنْ أَقْبَح اللَّحْن .
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦۤ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٦٠﴾
وَالْمَلَأ : الْأَشْرَاف مِنْ النَّاس , كَأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ شَرَفًا . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ . وَالْمَلَأ فِي هَذِهِ الْآيَة الْقَوْم ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِيه . وَالْمَلَأ : اِسْم لِلْجَمْعِ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْط . وَالْمَلَأ أَيْضًا : حُسْن الْخُلُق , وَمِنْهُ الْحَدِيث ( أَحْسِنُوا الْمَلَأ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى ) خَرَّجَهُ مُسْلِم .
قَالَ یَـٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی ضَلَـٰلَةࣱ وَلَـٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٦١﴾
وَالضَّلَال وَالضَّلَالَة : الْعُدُول عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَالذَّهَاب عَنْهُ . أَيْ إِنَّا لَنَرَاك فِي دُعَائِنَا إِلَى إِلَه وَاحِد فِي ضَلَال عَنْ الْحَقّ .
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّی وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ﴿٦٢﴾
بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّبْلِيغ , وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْإِبْلَاغ . وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد لُغَتَانِ ; مِثْل كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ .





النُّصْح : إِخْلَاص النِّيَّة مِنْ شَوَائِب الْفَسَاد فِي الْمُعَامَلَة , بِخِلَافِ الْغَشّ . يُقَال : نَصَحْته وَنَصَحْت لَهُ نَصِيحَة وَنَصَاحَة وَنُصْحًا . وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَح . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَنْصَح لَكُمْ " وَالِاسْم النَّصِيحَة . وَالنَّصِيح النَّاصِح , وَقَوْم نُصَحَاء . وَرَجُل نَاصِح الْجَيْب أَيْ نَقِيّ الْقَلْب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : النَّاصِح الْخَالِص مِنْ الْعَسَل وَغَيْره . مِثْل النَّاصِع . وَكُلّ شَيْء خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ . وَانْتَصَحَ فُلَان أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَة . يُقَال : انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَك نَاصِح . وَالنَّاصِح الْخَيَّاط . وَالنِّصَاح السِّلْك يُخَاط بِهِ . وَالنَّصَاحَات أَيْضًا الْجُلُود . قَالَ الْأَعْشَى : فَتَرَى الشُّرْب نَشَاوَى كُلّهمْ مِثْل مَا مُدَّتْ نِصَاحَات الرُّبَحْ الرُّبَحُ لُغَة فِي الرُّبَع , وَهُوَ الْفَصِيل . وَالرُّبَح أَيْضًا طَائِر . وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَة مَعْنًى فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَاۤءَكُمۡ ذِكۡرࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنكُمۡ لِیُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ﴿٦٣﴾
فُتِحَتْ الْوَاو لِأَنَّهَا وَاو عَطْف , دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ . وَسَبِيل الْوَاو أَنْ تَدْخُل عَلَى حُرُوف الِاسْتِفْهَام إِلَّا الْأَلِف لِقُوَّتِهَا .





أَيْ وَعْظ مِنْ رَبّكُمْ .





أَيْ عَلَى لِسَان رَجُل . وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى " مَعَ " , أَيْ مَعَ رَجُل وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ مُنَزَّل عَلَى رَجُل مِنْكُمْ , أَيْ تَعْرِفُونَ نَسَبه . أَيْ عَلَى رَجُل مِنْ جِنْسكُمْ . وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اِخْتِلَاف الْجِنْس تَنَافُر الطَّبْع .
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥ فِی ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَاۤۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِینَ ﴿٦٤﴾
وَ " الْفُلْك " يَكُون وَاحِدًا وَيَكُون جَمْعًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة "





وَ " عَمِينَ " أَيْ عَنْ الْحَقّ ; قَالَ قَتَادَة . وَقِيلَ : عَنْ مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى وَقُدْرَته , يُقَال : رَجُل عَمٍ بِكَذَا , أَيْ جَاهِل .
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۤۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٦٥﴾
أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْ اِبْن أَبِيهِمْ . وَقِيلَ : أَخَاهُمْ فِي الْقَبِيلَة . وَقِيلَ : أَيْ بَشَرًا مِنْ بَنِي أَبِيهِمْ آدَم . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد أَنَّ أَخَاهُمْ هُودًا أَيْ صَاحِبهمْ . وَعَاد مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَعَاد هُوَ اِبْن عَوْص بْن إِرَم بْن شالخ بْن أَرْفَخْشَد بْن سَام بْن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَهُود هُوَ هُود بْن عَبْد اللَّه بْن رَبَاح بْن الجلود بْن عَاد بْن عَوْص بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح . بَعَثَهُ اللَّه إِلَى عَاد نَبِيًّا . وَكَانَ مِنْ أَوْسَطهمْ نَسَبًا وَأَفْضَلهمْ حَسَبًا . وَ " عَاد " مَنْ لَمْ يَصْرِفهُ جَعَلَهُ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ , وَمَنْ صَرَفَهُ جَعَلَهُ اِسْمًا لِلْحَيِّ . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَفِي حَرْف أُبَيّ وَابْن مَسْعُود " عَاد الْأُولَى " [ ق : 13 ] بِغَيْرِ أَلِف . وَ " هُود " أَعْجَمِيّ , وَانْصَرَفَ لِخِفَّتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِنْ هَادَ يَهُود . وَالنَّصْب عَلَى الْبَدَل . وَكَانَ بَيْن هُود وَنُوح فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ سَبْعَة آبَاءٍ . وَكَانَتْ عَاد فِيمَا رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً , يَنْزِلُونَ الرِّمَالَ , رَمْل عَالِج . وَكَانُوا أَهْلَ بَسَاتِينَ وَزُرُوعٍ وَعِمَارَة , وَكَانَتْ بِلَادهمْ أَخْصَب الْبِلَاد , فَسَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهَا مَفَاوِز . وَكَانَتْ فِيمَا رُوِيَ بِنَوَاحِي حَضْرَمَوْت إِلَى الْيَمَن , وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام . وَلَحِقَ هُود حِين أُهْلِكَ قَوْمه بِمَنْ آمَنَ مَعَهُ بِمَكَّة , فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا .
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦۤ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِی سَفَاهَةࣲ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ ﴿٦٦﴾
" فِي سَفَاهَة " أَيْ فِي حُمْق وَخِفَّة عَقْل . قَالَ : مَشَيْنَ كَمَا اِهْتَزَّتْ رِمَاح تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِم وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَالرُّؤْيَة هُنَا وَفِي قِصَّة نُوح قِيلَ : هِيَ مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ أَغْلَب الظَّنّ .
قَالَ یَـٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی سَفَاهَةࣱ وَلَـٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٦٧﴾
أَيْ لَيْسَ بِي حُمْق وَخِفَّة عَقْل . قَالَ : مَشَيْنَ كَمَا اِهْتَزَّتْ رِمَاح تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاح النَّوَاسِم الرُّؤْيَة هُنَا وَفِي قِصَّة نُوح قِيلَ : هِيَ مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ أَغْلَب الظَّنّ .
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّی وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِینٌ ﴿٦٨﴾
بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّبْلِيغ , وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْإِبْلَاغ . وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد لُغَتَانِ ; مِثْل كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ . النُّصْح : إِخْلَاص النِّيَّة مِنْ شَوَائِب الْفَسَاد فِي الْمُعَامَلَة , بِخِلَافِ الْغَشّ . يُقَال : نَصَحْته وَنَصَحْت لَهُ نَصِيحَة وَنَصَاحَة وَنُصْحًا . وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَح . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَنْصَح لَكُمْ " وَالِاسْم النَّصِيحَة . وَالنَّصِيح النَّاصِح , وَقَوْم نُصَحَاء . وَرَجُل نَاصِح الْجَيْب أَيْ نَقِيّ الْقَلْب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : النَّاصِح الْخَالِص مِنْ الْعَسَل وَغَيْره . مِثْل النَّاصِع . وَكُلّ شَيْء خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ . وَانْتَصَحَ فُلَان أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَة . يُقَال : انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَك نَاصِح . وَالنَّاصِح الْخَيَّاط . وَالنِّصَاح السِّلْك يُخَاط بِهِ . وَالنَّصَاحَات أَيْضًا الْجُلُود . قَالَ الْأَعْشَى : فَتَرَى الشُّرْب نَشَاوَى كُلّهمْ مِثْل مَا مُدَّتْ نِصَاحَات الرُّبَح الرُّبَح لُغَة فِي الرُّبَع , وَهُوَ الْفَصِيل . وَالرُّبَح أَيْضًا طَائِر . وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَة مَعْنًى فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَاۤءَكُمۡ ذِكۡرࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنكُمۡ لِیُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوۤاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَاۤءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحࣲ وَزَادَكُمۡ فِی ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةࣰۖ فَٱذۡكُرُوۤاْ ءَالَاۤءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴿٦٩﴾
" أَوَعَجِبْتُمْ " فُتِحَتْ الْوَاو لِأَنَّهَا وَاو عَطْف , دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ . وَسَبِيل الْوَاو أَنْ تَدْخُل عَلَى حُرُوف الِاسْتِفْهَام إِلَّا الْأَلِف لِقُوَّتِهَا . أَيْ وَعْظ مِنْ رَبّكُمْ . " عَلَى رَجُل مِنْكُمْ " أَيْ عَلَى لِسَان رَجُل . وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى " مَعَ " , أَيْ مَعَ رَجُل وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ مُنَزَّل عَلَى رَجُل مِنْكُمْ , أَيْ تَعْرِفُونَ نَسَبه . أَيْ عَلَى رَجُل مِنْ جِنْسكُمْ . وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اِخْتِلَاف الْجِنْس تَنَافُر الطَّبْع .





" خُلَفَاء " جَمْع خَلِيفَة عَلَى التَّذْكِير وَالْمَعْنَى , وَخَلَائِف عَلَى اللَّفْظ . مِنْ عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَهُمْ سُكَّان الْأَرْض بَعْد قَوْم نُوح .





وَيَجُوز " بَصْطَة " بِالصَّادِ لِأَنَّ بَعْدهَا طَاء ; أَيْ طُولًا فِي الْخَلْق وَعِظَم الْجِسْم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ أَطْوَلهمْ مِائَة ذِرَاع , وَأَقْصَرهمْ سِتِّينَ ذِرَاعًا . وَهَذِهِ الزِّيَادَة كَانَتْ عَلَى خَلْق آبَائِهِمْ . وَقِيلَ : عَلَى خَلْق قَوْم نُوح . قَالَ وَهْب : كَانَ رَأْس أَحَدهمْ مِثْل قُبَّة عَظِيمَة , وَكَانَ عَيْن الرَّجُل يُفَرِّخ فِيهَا السِّبَاع , وَكَذَلِكَ مَنَاخِرهمْ . وَرَوَى شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : إِنْ كَانَ الرَّجُل مِنْ قَوْم عَاد يَتَّخِذ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ حِجَارَة لَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهَا خَمْسمِائَةِ رَجُل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة لَمْ يُطِيقُوهُ , وَإِنْ كَانَ أَحَدهمْ لَيَغْمِز بِرِجْلِهِ الْأَرْض فَتَدْخُل فِيهَا . " فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه " أَيْ نِعَم اللَّه , وَاحِدُهَا إِلًى وَإِلْيٌ وَإِلْوٌ وَأَلًى . كَالْآنَاءِ وَاحِدهَا إِنًى وَإِنْيٌ وَإِنْوٌ وَأَنًى .
قَالُوۤاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ یَعۡبُدُ ءَابَاۤؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَاۤ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ﴿٧٠﴾
طَلَبُوا الْعَذَاب الَّذِي خَوَّفَهُمْ بِهِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ .
قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَیۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسࣱ وَغَضَبٌۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِی فِیۤ أَسۡمَاۤءࣲ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَـٰنࣲۚ فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّی مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِینَ ﴿٧١﴾
وَمَعْنَى وَقَعَ أَيْ وَجَبَ . يُقَال : وَقَعَ الْقَوْل وَالْحُكْم أَيْ وَجَبَ ! وَمِثْله : " وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْز " [ الْأَعْرَاف : 134 ] . أَيْ نَزَلَ بِهِمْ . " وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْل عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّة مِنْ الْأَرْض " [ النَّمْل : 82 ] . وَالرِّجْس الْعَذَاب وَقِيلَ : عُنِيَ بِالرِّجْسِ الرَّيْن عَلَى الْقَلْب بِزِيَادَةِ الْكُفْر .





يَعْنِي الْأَصْنَام الَّتِي عَبَدُوهَا , وَكَانَ لَهَا أَسْمَاء مُخْتَلِفَة . فَالِاسْم هُنَا بِمَعْنَى الْمُسَمَّى . نَظِيره " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا " [ النَّجْم : 23 ] . وَهَذِهِ الْأَسْمَاء مِثْل الْعُزَّى مِنْ الْعِزّ وَالْأَعَزّ وَاللَّاتَ , وَلَيْسَ لَهَا مِنْ الْعِزّ وَالْإِلَهِيَّة شَيْء . " مَا نَزَّلَ اللَّه بِهَا مِنْ سُلْطَان " أَيْ مِنْ حُجَّة لَكُمْ فِي عِبَادَتهَا .
فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةࣲ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِینَ ﴿٧٢﴾
" دَابِر " آخِر . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّة .
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَـٰلِحࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۖ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَایَةࣰۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِیۤ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوۤءࣲ فَیَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿٧٣﴾
وَهُوَ ثَمُود بْن عَاد بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح . وَهُوَ أَخُو جَدِيس , وَكَانُوا فِي سَعَة مِنْ مَعَايِشهمْ ; فَخَالَفُوا أَمْر اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره , وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض . فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ صَالِحًا نَبِيًّا , وَهُوَ صَالِح بْن عُبَيْد بْن آسف بْن كَاشِح بْن عُبَيْد بْن حَاذِر بْن ثَمُود . وَكَانُوا قَوْمًا عَرَبًا . وَكَانَ صَالِح مِنْ أَوْسَطهمْ نَسَبًا وَأَفْضَلهمْ حَسَبًا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى حَتَّى شَمِطَ وَلَا يَتَّبِعهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ . وَلَمْ يَنْصَرِف " ثَمُود " لِأَنَّهُ جُعِلَ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ يَنْصَرِف , لِأَنَّهُ اِسْم أَعْجَمِيّ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الثَّمَد وَهُوَ الْمَاء الْقَلِيل . وَقَدْ قَرَأَ الْقُرَّاء أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ " [ هُود : 68 ] عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْحَيِّ . وَكَانَتْ مَسَاكِن ثَمُود الْحِجْر بَيْن الْحِجَاز وَالشَّام إِلَى وَادِي الْقُرَى . وَهُمْ مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَسُمِّيَتْ ثَمُود لِقِلَّةِ مَائِهَا . وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي " الْحِجْر " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .





أَخْرَجَ لَهُمْ النَّاقَة حِين سَأَلُوهُ مِنْ حَجَر صَلْد ; فَكَانَ لَهَا يَوْم تَشْرَب فِيهِ مَاء الْوَادِي كُلّه , وَتَسْقِيهِمْ مِثْله لَبَنًا لَمْ يُشْرَب قَطُّ أَلَذّ وَأَحْلَى مِنْهُ . وَكَانَ بِقَدْرِ حَاجَتهمْ عَلَى كَثْرَتهمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُوم " [ الشُّعَرَاء : 155 ] . وَأُضِيفَتْ النَّاقَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى جِهَة إِضَافَة الْخَلْق إِلَى الْخَالِق . وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْرِيف وَالتَّخْصِيص .





أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقهَا وَمَئُونَتهَا .
وَٱذۡكُرُوۤاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَاۤءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادࣲ وَبَوَّأَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورࣰا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُیُوتࣰاۖ فَٱذۡكُرُوۤاْ ءَالَاۤءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ ﴿٧٤﴾
فِيهِ مَحْذُوف , أَيْ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْض مَنَازِل .





أَيْ تَبْنُونَ الْقُصُور بِكُلِّ مَوْضِع .







اِتَّخَذُوا الْبُيُوت فِي الْجِبَال لِطُولِ أَعْمَارهمْ ; فَإِنَّ السُّقُوف وَالْأَبْنِيَة كَانَتْ تَبْلَى قَبْل فَنَاء أَعْمَارهمْ . وَقَرَأَ الْحَسَن بِفَتْحِ الْحَاء , وَهِيَ لُغَة . وَفِيهِ حَرْف مِنْ حُرُوف الْحَلْق ; فَلِذَلِكَ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَل . اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ أَجَازَ الْبِنَاء الرَّفِيع كَالْقُصُورِ وَنَحْوهَا , وَبِقَوْلِهِ : " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق " [ الْأَعْرَاف : 32 ] . ذُكِرَ أَنَّ اِبْنًا لِمُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ بَنَى دَارًا وَأَنْفَقَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا ; فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ فَقَالَ : مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْنِي الرَّجُل بِنَاء يَنْفَعهُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( إِذَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى عَبْد أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَر النِّعْمَة عَلَيْهِ ) . وَمِنْ آثَار النِّعْمَة الْبِنَاء الْحَسَن , وَالثِّيَاب الْحَسَنَة . أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اِشْتَرَى جَارِيَة جَمِيلَة بِمَالٍ عَظِيم فَإِنَّهُ يَجُوز وَقَدْ يَكْفِيه دُون ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ الْبِنَاء . وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ , مِنْهُمْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْره . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرَادَ اللَّه بِعَبْدٍ شَرًّا أَهْلَكَ مَالَهُ فِي الطِّين وَاللَّبِن ) . وَفِي خَبَر آخَر عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( مَنْ بَنَى فَوْق مَا يَكْفِيه جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِلهُ عَلَى عُنُقه ) . قُلْت : بِهَذَا أَقُول ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِن مِنْ نَفَقَة فَإِنَّ خَلَفهَا عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَا كَانَ فِي بُنْيَان أَوْ مَعْصِيَة ) . رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَخَرَّجَهُ الدَّار قُطْنِيّ . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَيْسَ لِابْنِ آدَم حَقّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَال بَيْت يَسْكُنهُ وَثَوْب يُوَارِي عَوْرَته وَجِلْف الْخُبْز وَالْمَاء ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ . قَوْله تَعَالَى : " فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه " أَيْ نِعَمه . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّار مُنْعَم عَلَيْهِمْ . وَقَدْ مَضَى فِي " آل عِمْرَان " الْقَوْل فِيهِ . " وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْض مُفْسِدِينَ " تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَالْعِثِيّ وَالْعُثُوّ لُغَتَانِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش " تِعْثَوْا " بِكَسْرِ التَّاء أَخَذَهُ مِنْ عَثِيَ يَعْثَى لَا مِنْ عَثَا يَعْثُو .
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحࣰا مُّرۡسَلࣱ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ﴿٧٥﴾
" قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ " الثَّانِي بَدَل مِنْ الْأَوَّل , لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَهُوَ بَدَل الْبَعْض مِنْ الْكُلّ .
قَالَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِیۤ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿٧٦﴾
فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ یَـٰصَـٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَاۤ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٧٧﴾
الْعَقْر الْجَرْح . وَقِيلَ : قَطْع عُضْو يُؤَثِّر فِي النَّفْس . وَعَقَرْت الْفَرَس : إِذَا ضَرَبْت قَوَائِمه بِالسَّيْفِ . وَخَيْل عَقْرَى . وَعَقَرْت ظَهْر الدَّابَّة : إِذَا أَدْبَرْته . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا عَقَرْت بَعِيرِي يَا اِمْرَأَ الْقَيْس فَانْزِلِ أَيْ جَرَحْته وَأَدْبَرْته قَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْعَقْر كَشْف عُرْقُوب الْبَعِير ; ثُمَّ قِيلَ لِلنَّحْرِ عَقْر ; لِأَنَّ الْعَقْر سَبَب النَّحْر فِي الْغَالِب . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عَاقِر النَّاقَة عَلَى أَقْوَال . أَصَحّهَا مَا فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة قَالَ ; خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ النَّاقَة وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ : ( إِذْ اِنْبَعَثَ أَشْقَاهَا اِنْبَعَثَ لَهَا رَجُل عَزِيز عَارِم مَنِيع فِي رَهْطه مِثْل أَبِي زَمْعَة ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقِيلَ فِي اِسْمه : قُدَار بْن سَالِف . وَقِيلَ : إِنَّ مُلْكَهُمْ كَانَ إِلَى اِمْرَأَة يُقَال لَهَا مُلْكِي , فَحَسَدَتْ صَالِحًا لَمَّا مَالَ إِلَيْهِ النَّاس , وَقَالَتْ لِامْرَأَتَيْنِ كَانَ لَهُمَا خَلِيلَانِ يَعْشَقَانِهِمَا : لَا تُطِيعَاهُمَا وَاسْأَلَاهُمَا عَقْر النَّاقَة ; فَفَعَلَتَا . وَخَرَجَ الرَّجُلَانِ وَأَلْجَآ النَّاقَة إِلَى مَضِيق وَرَمَاهَا أَحَدهمَا بِسَهْمٍ وَقَتَلَاهَا . وَجَاءَ السَّقْب وَهُوَ وَلَدهَا إِلَى الصَّخْرَة الَّتِي خَرَجَتْ النَّاقَة مِنْهَا فَرَغَا ثَلَاثًا وَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَة فَدَخَلَ فِيهَا . وَيُقَال : إِنَّهُ الدَّابَّة الَّتِي تَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان عَلَى النَّاس ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " النَّمْل " . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَتْبَعَ السَّقْب أَرْبَعَة نَفَر مِمَّنْ كَانَ عَقَرَ النَّاقَة , مِصْدَع وَأَخُوهُ ذُؤَاب . فَرَمَاهُ مِصْدَع بِسَهْمٍ فَانْتَظَمَ قَلْبه , ثُمَّ جَرَّهُ بِرِجْلِهِ فَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ , وَأَكَلُوهُ مَعَهَا . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; فَإِنَّ صَالِحًا قَالَ لَهُمْ : إِنَّهُ بَقِيَ مِنْ عُمْركُمْ ثَلَاثَة أَيَّام , وَلِهَذَا رَغَا ثَلَاثًا . وَقِيلَ : عَقَرَهَا عَاقِرهَا وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رِجَال , وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : " وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط " [ النَّمْل : 48 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " النَّمْل " . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله " فَنَادَوْا صَاحِبهمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ " . [ الْقَمَر : 29 ] . وَكَانُوا يَشْرَبُونَ فَأَعْوَزَهُمْ الْمَاء لِيَمْزُجُوا شَرَابهمْ , وَكَانَ يَوْم لَبَن النَّاقَة , فَقَامَ أَحَدهمْ وَتَرَصَّدَ النَّاس وَقَالَ : لَأُرِيحَن النَّاس مِنْهَا ; فَعَقَرَهَا .





أَيْ اِسْتَكْبَرُوا . عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا أَيْ اِسْتَكْبَرَ . وَتَعَتَّى فُلَان إِذَا لَمْ يُطِعْ . وَاللَّيْل الْعَاتِي : الشَّدِيد الظُّلْمَة ; عَنْ الْخَلِيل .







" اِئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا " أَيْ مِنْ الْعَذَاب .
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِی دَارِهِمۡ جَـٰثِمِینَ ﴿٧٨﴾
أَيْ الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة . وَقِيلَ : كَانَ صَيْحَة شَدِيدَة خَلَعَتْ قُلُوبهمْ ; كَمَا فِي قِصَّة ثَمُود فِي سُورَة " هُود " فِي قِصَّة ثَمُود فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة . يُقَال : رَجَفَ الشَّيْء يَرْجُف رَجْفًا وَرَجَفَانًا . وَأَرْجَفَتْ الرِّيح الشَّجَر حَرَّكَتْهُ . وَأَصْله حَرَكَة مَعَ صَوْت ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة " [ النَّازِعَات : 6 ] قَالَ الشَّاعِر : وَلَمَّا رَأَيْت الْحَجَّ قَدْ آنَ وَقْتُهُ وَظَلَّتْ مَطَايَا الْقَوْمِ بِالْقَوْمِ تَرْجُفُ





أَيْ بَلَدهمْ . وَقِيلَ : وُحِّدَ عَلَى طَرِيق الْجِنْس , وَالْمَعْنَى : فِي دُورِهِمْ . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " فِي دِيَارهمْ " [ هُود : 67 ] أَيْ فِي مَنَازِلِهِمْ .





أَيْ لَاصِقِينَ بِالْأَرْضِ عَلَى رُكَبِهِمْ وَوُجُوههمْ ; كَمَا يَجْثُم الطَّائِر . أَيْ صَارُوا خَامِدِينَ مِنْ شِدَّة الْعَذَاب . وَأَصْل الْجُثُوم لِلْأَرْنَبِ وَشَبَههَا , وَالْمَوْضِع مَجْثَم . قَالَ زُهَيْر : بِهَا الْعِين وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثِم وَقِيلَ : اِحْتَرَقُوا بِالصَّاعِقَةِ فَأَصْبَحُوا مَيِّتِينَ , إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَم اللَّه ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَم أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمه .
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّی وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِینَ ﴿٧٩﴾
أَيْ عِنْد الْيَأْس مِنْهُمْ .





يَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْل مَوْتهمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَهُ بَعْد مَوْتهمْ ; كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِقَتْلَى بَدْر : ( هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا ) فَقِيلَ : أَتُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْجِيَف ؟ فَقَالَ : ( مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَاب ) . وَالْأَوَّل أَظْهَر . يَدُلّ عَلَيْهِ





أَيْ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي .
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦۤ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدࣲ مِّنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٨٠﴾
قَالَ الْفَرَّاء : لُوط مُشْتَقّ مِنْ قَوْلهمْ : هَذَا أَلْيَط بِقَلْبِي , أَيْ أَلْصَق . وَقَالَ النَّحَّاس : قَالَ الزَّجَّاج زَعَمَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ - يَعْنِي الْفَرَّاء - أَنَّ لُوطًا يَجُوز أَنْ يَكُون مُشْتَقًّا مِنْ لُطْت إِذَا مَلَّسْته بِالطِّينِ . قَالَ : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ الْأَسْمَاء الْأَعْجَمِيَّة لَا تُشْتَقّ كَإِسْحَاق , فَلَا يُقَال : إِنَّهُ مِنْ السُّحْق وَهُوَ الْبُعْد . وَإِنَّمَا صُرِفَ لُوط لِخِفَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف وَهُوَ سَاكِن الْوَسَط . قَالَ النَّقَّاش : لُوط مِنْ الْأَسْمَاء الْأَعْجَمِيَّة وَلَيْسَ مِنْ الْعَرَبِيَّة . فَأَمَّا لُطْت الْحَوْض , وَهَذَا أَلْيَط بِقَلْبِي مِنْ هَذَا , فَصَحِيح . وَلَكِنَّ الِاسْم أَعْجَمِيّ كَإِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق . قَالَ سِيبَوَيْهِ : نُوح وَلُوط أَسْمَاء أَعْجَمِيَّة , إِلَّا أَنَّهَا خَفِيفَة فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ . بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى أُمَّة تُسَمَّى سَدُوم , وَكَانَ اِبْن أَخِي إِبْرَاهِيم . وَنَصْبه إِمَّا بِـ " أَرْسَلْنَا " الْمُتَقَدِّمَة فَيَكُون مَعْطُوفًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِمَعْنَى وَاذْكُرْ .





يَعْنِي إِتْيَان الذُّكُور . ذَكَرَهَا اللَّه بِاسْمِ الْفَاحِشَة لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا زِنًى ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة " [ الْإِسْرَاء : 32 ] . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يَجِب عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَحْرِيمه ; فَقَالَ مَالِك : يُرْجَم ; أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِن . وَكَذَلِكَ يُرْجَم الْمَفْعُول بِهِ إِنْ كَانَ مُحْتَلِمًا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : يُرْجَم إِنْ كَانَ مُحْصَنًا , وَيُحْبَس وَيُؤَدَّب إِنْ كَانَ غَيْر مُحْصَن . وَهُوَ مَذْهَب عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمُسَيِّب وَغَيْرهمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُعَذَّر الْمُحْصَن وَغَيْره ; وَرُوِيَ عَنْ مَالِك . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُحَدّ حَدّ الزِّنَى قِيَاسًا عَلَيْهِ . اِحْتَجَّ مَالِك بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ سِجِّيل " [ الْحِجْر : 74 ] . فَكَانَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُمْ وَجَزَاء عَلَى فِعْلهمْ . فَإِنْ قِيلَ : لَا حُجَّة فِيهَا لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدهمَا - أَنَّ قَوْم لُوط إِنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى الْكُفْر وَالتَّكْذِيب كَسَائِرِ الْأُمَم . الثَّانِي : أَنَّ صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ دَخَلَ فِيهَا ; فَدَلَّ عَلَى خُرُوجهَا مِنْ بَاب الْحُدُود . قِيلَ : أَمَّا الْأَوَّل فَغَلَط ; فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعَاصٍ فَأَخَذَهُمْ بِهَا ; مِنْهَا هَذِهِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ مِنْهُمْ فَاعِل وَكَانَ مِنْهُمْ رَاضٍ , فَعُوقِبَ الْجَمِيع لِسُكُوتِ الْجَمَاهِير عَلَيْهِ . وَهِيَ حِكْمَة اللَّه وَسُنَّته فِي عِبَاده . وَبَقِيَ أَمْر الْعُقُوبَة عَلَى الْفَاعِلِينَ مُسْتَمِرًّا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ ) . لَفْظ أَبِي دَاوُد وَابْن مَاجَهْ . وَعِنْد التِّرْمِذِيّ ( أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّار قُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْبِكْر يُوجَد عَلَى اللُّوطِيَّة قَالَ : يُرْجَم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ حَرَّقَ رَجُلًا يُسَمَّى الْفُجَاءَة حِين عَمِلَ عَمَل قَوْم لُوط بِالنَّارِ . وَهُوَ رَأْي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ; فَإِنَّهُ لَمَّا كَتَبَ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أَبِي بَكْر فِي ذَلِكَ جَمَعَ أَبُو بَكْر أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيهِ ; فَقَالَ عَلِيّ : إِنَّ هَذَا الذَّنْب لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا أُمَّة وَاحِدَة صَنَعَ اللَّه بِهَا مَا عَلِمْتُمْ , أَرَى أَنْ يُحَرَّق بِالنَّارِ . فَاجْتَمَعَ رَأْي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحْرَق بِالنَّارِ . فَكَتَبَ أَبُو بَكْر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد أَنْ يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ فَأَحْرَقَهُ . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ اِبْن الزُّبَيْر فِي زَمَانه . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ هِشَام بْن الْوَلِيد . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ خَالِد الْقَسْرِيّ بِالْعِرَاقِ . وَرُوِيَ أَنَّ سَبْعَة أُخِذُوا فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر فِي لِوَاط ; فَسَأَلَ عَنْهُمْ فَوَجَدَ أَرْبَعَة قَدْ أَحْصَنُوا فَأَمَرَ بِهِمْ فَخَرَجُوا بِهِمْ مِنْ الْحَرَم فَرُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتُوا , وَحُدَّ الثَّلَاثَة ; وَعِنْده اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر فَلَمْ يُنْكِرَا عَلَيْهِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَالِك أَحَقّ , فَهُوَ أَصَحّ سَنَدًا وَأَقْوَى مُعْتَمَدًا . وَتَعَلَّقَ الْحَنَفِيُّونَ بِأَنْ قَالُوا : عُقُوبَة الزِّنَى مَعْلُومَة ; فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَة غَيْرهَا وَجَبَ أَلَّا يُشَارِكهَا فِي حَدّهَا . وَيَأْثُرُونَ فِي هَذَا حَدِيثًا : ( مَنْ وَضَعَ حَدًّا فِي غَيْر حَدّ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ ) . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَطْء فِي فَرْج لَا يَتَعَلَّق بِهِ إِحْلَال وَلَا إِحْصَان , وَلَا وُجُوب مَهْر وَلَا ثُبُوت نَسَب ; فَلَمْ يَتَعَلَّق بِهِ حَدّ . فَإِنْ أَتَى بَهِيمَة فَقَدْ قِيلَ : لَا يُقْتَل هُوَ وَلَا الْبَهِيمَة . وَقِيلَ : يُقْتَلَانِ ; حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَفِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّار قُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَة فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَة مَعَهُ ) . فَقُلْنَا لِابْنِ عَبَّاس : مَا شَأْن الْبَهِيمَة ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَل لَحْمهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : إِنْ يَكُ الْحَدِيث ثَابِتًا فَالْقَوْل بِهِ يَجِب , وَإِنْ لَمْ يَثْبُت فَلْيَسْتَغْفِر اللَّه مِنْ فِعْل ذَلِكَ كَثِيرًا , وَإِنْ عَزَّرَهُ الْحَاكِم كَانَ حَسَنًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَتْل الْبَهِيمَة لِئَلَّا تُلْقِي خَلْقًا مُشَوَّهًا ; فَيَكُون قَتْلهَا مَصْلَحَة لِهَذَا الْمَعْنَى مَعَ مَا جَاءَ مِنْ السُّنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَيْسَ عَلَى الَّذِي زَنَى بِالْبَهِيمَةِ حَدّ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَكَذَا قَالَ عَطَاء . وَقَالَ الْحَكَم : أَرَى أَنْ يُجْلَد وَلَا يُبْلَغ بِهِ الْحَدّ . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : يُجْلَد مِائَة أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِن . وَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَأَصْحَاب الرَّأْي يُعَزَّر . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحَكَم . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ الشَّافِعِيّ , وَهَذَا أَشْبَه عَلَى مَذْهَبه فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ , إِلَّا أَنْ تَكُون الْبَهِيمَة لَهُ .





" مِنْ " لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْس , أَيْ لَمْ يَكُنْ اللِّوَاط فِي أُمَّة قَبْل قَوْم لُوط . وَالْمُلْحِدُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلهمْ . وَالصِّدْق مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن . وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ إِبْلِيس كَانَ أَصْل عَمَلِهِمْ بِأَنْ دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسه لَعَنَهُ اللَّه , فَكَانَ يَنْكِح بَعْضهمْ بَعْضًا . قَالَ الْحَسَن : كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِالْغُرَبَاءِ , وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلهُ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي عَمَل قَوْم لُوط ) . وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ : لَيْسَ شَيْء مِنْ الدَّوَابّ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط إِلَّا الْخِنْزِير وَالْحِمَار .
إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةࣰ مِّن دُونِ ٱلنِّسَاۤءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمࣱ مُّسۡرِفُونَ ﴿٨١﴾
قَوْله تَعَالَى : " إِنَّكُمْ " قَرَأَ نَافِع وَحَفْص عَلَى الْخَبَر بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة مَكْسُورَة , تَفْسِيرًا لِلْفَاحِشَةِ الْمَذْكُورَة , فَلَمْ يَحْسُن إِدْخَال الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَقْطَع مَا بَعْده مِمَّا قَبْله . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى لَفْظ الِاسْتِفْهَام الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ , وَحَسُنَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا قَبْله وَبَعْده كَلَام مُسْتَقِلّ . وَاخْتَارَ الْأَوَّل أَبُو عُبَيْد وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا ; وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 34 ] وَلَمْ يَقُلْ أَفَهُمْ . وَقَالَ : " أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ " [ آل عِمْرَان : 144 ] وَلَمْ يَقُلْ أَنْقَلَبْتُمْ . وَهَذَا مِنْ أَقْبَح الْغَلَط لِأَنَّهُمَا شَبَّهَا شَيْئَيْنِ بِمَا لَا يَشْتَبِهَانِ ; لِأَنَّ الشَّرْط وَجَوَابه بِمَنْزِلَةِ شَيْء وَاحِد كَالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَر ; فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِمَا اِسْتِفْهَامَانِ . فَلَا يَجُوز : أَفَإِنْ مِتّ أَفَهُمْ , كَمَا لَا يَجُوز أَزَيْد أَمُنْطَلِق . وَقِصَّة لُوط عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا جُمْلَتَانِ , فَلَك أَنْ تَسْتَفْهِم عَنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا . هَذَا قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس وَمَكِّيّ وَغَيْرهمَا " شَهْوَة " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , أَيْ تَشْتَهُونَهُمْ شَهْوَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال . " بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ " نَظِيرَهُ " بَلْ أَنْتُمْ قَوْم عَادُونَ " [ الشُّعَرَاء : 166 ] فِي جَمْعكُمْ إِلَى الشِّرْك هَذِهِ الْفَاحِشَة .
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡیَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسࣱ یَتَطَهَّرُونَ ﴿٨٢﴾
أَيْ لُوطًا وَأَتْبَاعه .





عَنْ الْإِتْيَان فِي هَذَا الْمَأْتَى . يُقَال : تَطَهَّرَ الرَّجُل أَيْ تَنَزَّهَ عَنْ الْإِثْم . قَالَ قَتَادَة : عَابُوهُمْ وَاَللَّهِ بِغَيْرِ عَيْب .
فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَأَهۡلَهُۥۤ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَـٰبِرِینَ ﴿٨٣﴾
أَيْ الْبَاقِينَ فِي عَذَاب اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . غَبَرَ الشَّيْء إِذَا مَضَى , وَغَبَرَ إِذَا بَقِيَ . وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد . وَقَالَ قَوْم : الْمَاضِي عَابِر بِالْعَيْنِ غَيْر مُعْجَمَة . وَالْبَاقِي غَابِر بَالْغَيْن مُعْجَمَة . حَكَاهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل . وَقَالَ الزَّجَّاج : " مِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ مِنْ الْغَائِبِينَ عَنْ النَّجَاة وَقِيلَ : لِطُولِ عُمْرهَا . قَالَ النَّحَّاس : وَأَبُو عُبَيْدَة يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مِنْ الْمُعَمِّرِينَ ; أَيْ أَنَّهَا قَدْ هَرِمَتْ . وَالْأَكْثَر فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون الْغَابِر الْبَاقِي ; قَالَ الرَّاجِز : فَمَا وَنَى مُحَمَّد مُذْ أَنْ غَفَرْ لَهُ الْإِلَه مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَیۡهِم مَّطَرࣰاۖ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ ﴿٨٤﴾
سَرَى لُوط بِأَهْلِهِ كَمَا وَصَفَ اللَّه " بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل " [ هُود : 81 ] ثُمَّ أُمِرَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَأَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْت مَدَائِنهمْ فَاقْتَلَعَهَا وَرَفَعَهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْل السَّمَاء صِيَاح الدِّيَكَة وَنُبَاح الْكِلَاب , ثُمَّ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلهَا , وَأُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ سِجِّيل , قِيلَ : عَلَى مَنْ غَابَ مِنْهُمْ . وَأَدْرَكَ اِمْرَأَة لُوط , وَكَانَتْ مَعَهُ حَجَر فَقَتَلَهَا . وَكَانَتْ فِيمَا ذُكِرَ أَرْبَع قُرًى . وَقِيلَ : خَمْس فِيهَا أَرْبَعمِائَةِ أَلْف . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " هُود " قِصَّة لُوط بِأَبْيَن مِنْ هَذَا , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
وَإِلَىٰ مَدۡیَنَ أَخَاهُمۡ شُعَیۡبࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۖ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡیَاۤءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَاۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ ﴿٨٥﴾
قِيلَ فِي مَدْيَن : اِسْم بَلَد وَقُطْر . وَقِيلَ : اِسْم قَبِيلَة كَمَا يُقَال : بَكْر وَتَمِيم . وَقِيلَ : هُمْ مِنْ وَلَد مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام . فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَدْيَن اِسْم رَجُل لَمْ يَصْرِفْهُ ; لِأَنَّهُ مَعْرِفَة أَعْجَمِيّ . وَمَنْ رَآهُ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ أَوْ الْأَرْض فَهُوَ أَحْرَى بِأَلَّا يَصْرِفَهُ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ اِبْن بِنْت لُوط . وَقَالَ مَكِّيّ : كَانَ زَوْج بِنْت لُوط . وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ ; فَقَالَ عَطَاء وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا : وَشُعَيْب هُوَ اِبْن ميكيل بْن يَشْجُر بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَانَ اِسْمه بِالسُّرْيَانِيَّةِ بَيْرُوت . وَأُمّه مِيكَائِيل بِنْت لُوط . وَزَعَمَ الشَّرْقِيّ بْن الْقُطَامِيّ أَنَّ شُعَيْبًا بْن عَيْفَاء بْن يَوْبَبَ بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم . وَزَعَمَ اِبْن سَمْعَان أَنَّ شُعَيْبًا بْن جَزَى بْن يَشْجُر بْن لَاوَى بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم . وَشُعَيْب تَصْغِير شَعْب أَوْ شِعْب . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ شُعَيْب بْن يَوْبَبَ . وَقِيلَ : شُعَيْب بْن صَفْوَان بْن عَيْفَاء بْن ثَابِت بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم . وَاَللَّه أَعْلَم . وَكَانَ أَعْمَى ; وَ لِذَلِكَ قَالَ قَوْمه : " وَإِنَّا لَنَرَاك فِينَا ضَعِيفًا " [ هُود : 91 ] . وَكَانَ يُقَال لَهُ : خَطِيب الْأَنْبِيَاء لِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمَهُ . وَكَانَ قَوْمه أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَبَخْس لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَان .





أَيْ بَيَان , وَهُوَ مَجِيء شُعَيْب بِالرِّسَالَةِ . وَلَمْ يُذْكَر لَهُ مُعْجِزَة فِي الْقُرْآن . وَقِيلَ : مُعْجِزَته فِيمَا ذَكَرَ الْكِسَائِيّ فِي قَصَص الْأَنْبِيَاء .





الْبَخْس النَّقْص . وَهُوَ يَكُون فِي السِّلْعَة بِالتَّعْيِيبِ وَالتَّزْهِيد فِيهَا , أَوْ الْمُخَادَعَة عَنْ الْقِيمَة , وَالِاحْتِيَال فِي التَّزَيُّد فِي الْكَيْل وَالنُّقْصَان مِنْهُ . وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ , وَذَلِكَ مَنْهِيّ عَنْهُ فِي الْأُمَم الْمُتَقَدِّمَة وَالسَّالِفَة عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَى جَمِيعهمْ وَحَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل .





عَطْف عَلَى " وَلَا تَبْخَسُوا " . وَهُوَ لَفْظ يَعُمّ دَقِيق الْفَسَاد وَجَلِيله . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ الْأَرْض قَبْل أَنْ يَبْعَث اللَّه شُعَيْبًا رَسُولًا يُعْمَل فِيهَا بِالْمَعَاصِي وَتُسْتَحَلّ فِيهَا الْمَحَارِم وَتُسْفَك فِيهَا الدِّمَاء . قَالَ : فَذَلِكَ فَسَادهَا . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه شُعَيْبًا وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه صَلَحَتْ الْأَرْض . وَكُلّ نَبِيّ بُعِثَ إِلَى قَوْمه فَهُوَ صَلَاحُهُمْ .
وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَ ٰ⁠طࣲ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجࣰاۚ وَٱذۡكُرُوۤاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِیلࣰا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿٨٦﴾
نَهَاهُمْ عَنْ الْقُعُود بِالطُّرُقِ وَالصَّدّ عَنْ الطَّرِيق الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى طَاعَة اللَّه , وَكَانُوا يُوعِدُونَ الْعَذَاب مَنْ آمَنَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى قُعُودهمْ عَلَى الطُّرُق عَلَى ثَلَاثَة مَعَانٍ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : كَانُوا يَقْعُدُونَ عَلَى الطُّرُقَات الْمُفْضِيَة إِلَى شُعَيْب فَيَتَوَعَّدُونَ مَنْ أَرَادَ الْمَجِيء إِلَيْهِ وَيَصُدُّونَهُ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ كَذَّاب فَلَا تَذْهَب إِلَيْهِ ; كَمَا كَانَتْ قُرَيْش تَفْعَلهُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا ظَاهِر الْآيَة . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : هَذَا نَهْي عَنْ قَطْع الطَّرِيق , وَأَخْذ السَّلَب ; وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( رَأَيْت لَيْلَة أُسْرِيَ بِي خَشَبَة عَلَى الطَّرِيق لَا يَمُرّ بِهَا ثَوْب إِلَّا شَقَّتْهُ وَلَا شَيْء إِلَّا خَرَقَتْهُ فَقُلْت مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذَا مَثَل لِقَوْمٍ مِنْ أُمَّتك يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيق فَيَقْطَعُونَهُ - ثُمَّ تَلَا - " وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ " الْآيَة . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي اللُّصُوص وَالْمُحَارَبِينَ , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ السُّدِّيّ أَيْضًا : كَانُوا عَشَّارِينَ مُتَقَبِّلِينَ . وَمِثْلهمْ الْيَوْم هَؤُلَاءِ الْمَكَّاسُونَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مَا لَا يَلْزَمهُمْ شَرْعًا مِنْ الْوَظَائِف الْمَالِيَّة بِالْقَهْرِ وَالْجَبْر ; فَضَمِنُوا مَا لَا يَجُوز ضَمَان أَصْله مِنْ الزَّكَاة وَالْمَوَارِيث وَالْمَلَاهِي . وَالْمُتَرَتِّبُونَ فِي الطُّرُق إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَثُرَ فِي الْوُجُود وَعُمِلَ بِهِ فِي سَائِر الْبِلَاد . وَهُوَ مِنْ أَعْظَم الذُّنُوب وَأَكْبَرهَا وَأَفْحَشهَا ; فَإِنَّهُ غَصْب وَظُلْم وَعَسْف عَلَى النَّاس وَإِذَاعَة لِلْمُنْكَرِ وَعَمَل بِهِ وَدَوَام عَلَيْهِ وَإِقْرَار لَهُ , وَأَعْظَمه تَضْمِين الشَّرْع وَالْحُكْم لِلْقَضَاءِ , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! لَمْ يَبْقَ مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا رَسْمه , وَلَا مِنْ الدِّين إِلَّا اِسْمه . يُعَضِّد هَذَا التَّأْوِيل مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي فِي شَأْن الْمَال فِي الْمَوَازِين وَالْأَكْيَال وَالْبَخْس .





الضَّمِير فِي " بِهِ " يَحْتَمِل أَنْ يَعُود عَلَى اِسْم اللَّه تَعَالَى , وَأَنْ يَعُود إِلَى شُعَيْب فِي قَوْل مَنْ رَأَى الْقُعُود عَلَى الطَّرِيق لِلصَّدِّ , وَأَنْ يَعُود عَلَى السَّبِيل . " عِوَجًا " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالزَّجَّاج : كَسْر الْعَيْن فِي الْمَعَانِي . وَفَتْحهَا فِي الْأَجْرَام .



أَيْ كَثَّرَ عَدَدكُمْ , أَوْ كَثَّرَكُمْ بِالْغِنَى بَعْد الْفَقْر . أَيْ كُنْتُمْ فُقَرَاء فَأَغْنَاكُمْ .
وَإِن كَانَ طَاۤىِٕفَةࣱ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِیۤ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَاۤىِٕفَةࣱ لَّمۡ یُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ یَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَیۡنَنَاۚ وَهُوَ خَیۡرُ ٱلۡحَـٰكِمِینَ ﴿٨٧﴾
" فَاصْبِرُوا " لَيْسَ هَذَا أَمْرًا بِالْمَقَامِ عَلَى الْكُفْر , وَلَكِنَّهُ وَعِيد وَتَهْدِيد . وَقَالَ : " وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ " فَذَكَّرَ عَلَى الْمَعْنَى , وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظ قَالَ : كَانَتْ .
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ یَـٰشُعَیۡبُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡیَتِنَاۤ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَـٰرِهِینَ ﴿٨٨﴾
وَالْمَلَأ : الْأَشْرَاف مِنْ النَّاس , كَأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ شَرَفًا . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ . وَالْمَلَأ فِي هَذِهِ الْآيَة الْقَوْم ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِيه . وَالْمَلَأ : اِسْم لِلْجَمْعِ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْط . وَالْمَلَأ أَيْضًا : حُسْن الْخُلُق , وَمِنْهُ الْحَدِيث ( أَحْسِنُوا الْمَلَأ فَكُلّكُمْ سَيَرْوَى ) خَرَّجَهُ مُسْلِم .





أَيْ لَتَصِيرُنَّ إِلَى مِلَّتنَا وَقِيلَ : كَانَ أَتْبَاع شُعَيْب قَبْل الْإِيمَان بِهِ عَلَى الْكُفْر , أَيْ لَتَعُودُنَّ إِلَيْنَا كَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْل . قَالَ الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَوْد بِمَعْنَى الِابْتِدَاء ; يُقَال : عَادَ إِلَيَّ مِنْ فُلَان مَكْرُوه , أَيْ صَارَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوه قَبْل ذَلِكَ , أَيْ لَحِقَنِي ذَلِكَ مِنْهُ . فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْب :





أَيْ وَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ تَجْبُرُونَنَا عَلَيْهِ , أَيْ عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْوَطَن أَوْ الْعَوْد فِي مِلَّتكُمْ . أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا أَتَيْتُمْ عَظِيمًا .
قَدِ ٱفۡتَرَیۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِی مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا یَكُونُ لَنَاۤ أَن نَّعُودَ فِیهَاۤ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَیۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡفَـٰتِحِینَ ﴿٨٩﴾
إِيَاس مِنْ الْعَوْد إِلَى مِلَّتهمْ .





قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ : وَهَذَا قَوْل أَهْل السُّنَّة ; أَيْ وَمَا يَقَع مِنَّا الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ذَلِكَ . فَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . وَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاء هُنَا عَلَى جِهَة التَّسْلِيم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; كَمَا قَالَ : " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاَللَّهِ " [ هُود : 88 ] . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّ بَعْده " وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِك : لَا أُكَلِّمك حَتَّى يَبْيَضّ الْغُرَاب , وَحَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَم الْخِيَاط . وَالْغُرَاب لَا يَبْيَضّ أَبَدًا , وَالْجَمَل لَا يَلِج فِي سَم الْخِيَاط .





أَيْ عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُون . " عِلْمًا " نَصْب عَلَى التَّمْيِيز . وَقِيلَ الْمَعْنَى : " وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا " أَيْ فِي الْقَرْيَة بَعْد أَنْ كَرِهْتُمْ مُجَاوَرَتَنَا , بَلْ نَخْرُج مِنْ قَرْيَتِكُمْ مُهَاجِرِينَ إِلَى غَيْرِهَا . " إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " رَدَّنَا إِلَيْهَا . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ يُقَال : عَادَ لِلْقَرْيَةِ وَلَا يُقَال عَادَ فِي الْقَرْيَة .





أَيْ اِعْتَمَدْنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع





قَالَ قَتَادَة : بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أُمَّتَيْنِ : أَهْل مَدْيَن , وَأَصْحَاب الْأَيْكَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَكَانَ شُعَيْب كَثِير الصَّلَاة , فَلَمَّا طَالَ تَمَادِي قَوْمِهِ فِي كُفْرهمْ وَغَيِّهِمْ , وَيَئِسَ مِنْ صَلَاحِهِمْ , دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ " وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ " فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ فَأَهْلَكَهُمْ بِالرَّجْفَةِ .
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَىِٕنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَیۡبًا إِنَّكُمۡ إِذࣰا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿٩٠﴾
أَيْ قَالُوا لِمَنْ دُونهمْ .







أَيْ هَالِكُونَ .
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِی دَارِهِمۡ جَـٰثِمِینَ ﴿٩١﴾
أَيْ الزَّلْزَلَة . وَقِيلَ : الصَّيْحَة . وَأَصْحَاب الْأَيْكَة أُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ , عَلَى مَا يَأْتِي .
ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ شُعَیۡبࣰا كَأَن لَّمۡ یَغۡنَوۡاْ فِیهَاۚ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ شُعَیۡبࣰا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ﴿٩٢﴾
قَالَ الْجُرْجَانِيّ : قِيلَ هَذَا كَلَام مُسْتَأْنَف ; أَيْ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا صَارُوا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَوْتَى . وَ " يَغْنَوْا " يُقِيمُوا ; يُقَال : غَنِيت بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَمْت بِهِ . وَغَنِيَ الْقَوْم فِي دَارِهِمْ أَيْ طَالَ مُقَامهمْ فِيهَا . وَالْمَغْنَى : الْمَنْزِل ; وَالْجَمْع الْمَغَانِي . قَالَ لَبِيد : وَغَنِيت سِتًّا قَبْل مَجْرَى دَاحِس لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوج خُلُود وَقَالَ حَاتِم طَيّ : غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى كَمَا الدَّهْر فِي أَيَّامه الْعُسْر وَالْيُسْر كَسَبْنَا صُرُوف الدَّهْر لِينًا وَغِلْظَة وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَأْسِهِمَا الدَّهْر فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَة غِنَانَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْر





اِبْتِدَاء خِطَاب , وَهُوَ مُبَالَغَة فِي الذَّمّ وَالتَّوْبِيخ وَإِعَادَة لِتَعْظِيمِ الْأَمْر وَتَفْخِيمه . وَلَمَّا قَالُوا : مَنْ اِتَّبَعَ شُعَيْبًا خَاسِر قَالَ اللَّه الْخَاسِرُونَ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْل .
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّی وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَیۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمࣲ كَـٰفِرِینَ ﴿٩٣﴾
أَيْ أَحْزَن . أَسَيْت عَلَى الشَّيْء آسَى أَسًى , وَأَنَا آسٍ .
وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّبِیٍّ إِلَّاۤ أَخَذۡنَاۤ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَضَّرَّعُونَ ﴿٩٤﴾
فِيهِ إِضْمَار , وَهُوَ فَكَذَّبَ أَهْلُهَا .





" بِالْبَأْسَاءِ " بِالْمَصَائِبِ فِي الْأَمْوَال " وَالضَّرَّاء " فِي الْأَبَدَانِ ; هَذَا قَوْل الْأَكْثَر , وَقَدْ يُوضَع كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِع الْآخَر ; وَيُؤَدِّب اللَّه عِبَاده بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء وَبِمَا شَاءَ " لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل " [ الْأَنْبِيَاء : 23 ] . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : اِسْتَدَلَّ الْعُبَّاد فِي تَأْدِيب أَنْفُسهمْ بِالْبَأْسَاءِ فِي تَقْرِيق الْأَمْوَال , وَالضَّرَّاء فِي الْحَمْل عَلَى الْأَبَدَانِ بِالْجُوعِ وَالْعُرْي بِهَذِهِ الْآيَة . قُلْت : هَذِهِ جَهَالَة مِمَّنْ فَعَلَهَا وَجَعَلَ هَذِهِ الْآيَة أَصْلًا لَهَا ; هَذِهِ عُقُوبَة مِنْ اللَّه لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاده يَمْتَحِنهُمْ بِهَا , وَلَا يَجُوز لَنَا أَنْ نَمْتَحِنَ أَنْفُسنَا وَنُكَافِئهَا قِيَاسًا عَلَيْهَا ; فَإِنَّهَا الْمَطِيَّة الَّتِي نَبْلُغ عَلَيْهَا دَار الْكَرَامَة , وَنَفُوز بِهَا مِنْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة ; وَفِي التَّنْزِيل : " يَا أَيّهَا الرُّسُل كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالِحًا " [ الْمُؤْمِنُونَ : 51 ] وَقَالَ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَات مَا كَسَبْتُمْ " [ الْبَقَرَة : 267 ] . " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ " [ الْبَقَرَة : 172 ] فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا خَاطَبَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ; وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَأْكُلُونَ الطَّيِّبَات وَيَلْبَسُونَ أَحْسَن الثِّيَاب وَيَتَجَمَّلُونَ بِهَا ; وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ بَعْدهمْ إِلَى هَلُمَّ جَرًّا , وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا وَاسْتَدَلُّوا لِمَا كَانَ فِي اِمْتِنَان اللَّه تَعَالَى بِالزُّرُوعِ وَالْجَنَّات وَجَمِيع الثِّمَار وَالنَّبَات وَالْأَنْعَام الَّتِي سَخَّرَهَا وَأَبَاحَ لَنَا أَكْلهَا وَشُرْب أَلْبَانهَا وَالدِّفْء بِأَصْوَافِهَا - إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِمْتَنَّ بِهِ - كَبِير فَائِدَة , فَلَوْ كَانَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِيهِ الْفَضْل لَكَانَ أَوْلَى بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاء , وَقَدْ نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَال مَخَافَة الضَّعْف عَلَى الْأَبْدَانِ , وَنَهَى عَنْ إِضَاعَة الْمَال رَدًّا عَلَى الْأَغْنِيَاء الْجُهَّال . " لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ " أَيْ يَدْعُونَ وَيَذِلُّونَ , مَأْخُوذ مِنْ الضَّرَاعَة وَهِيَ الذِّلَّة ; يُقَال : ضَرَعَ فَهُوَ ضَارِع .
ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّیِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَاۤءَنَا ٱلضَّرَّاۤءُ وَٱلسَّرَّاۤءُ فَأَخَذۡنَـٰهُم بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿٩٥﴾
أَيْ أَبْدَلْنَاهُمْ بِالْجَدْبِ خِصْبًا .





أَيْ كَثُرُوا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ اِبْن زَيْد : كَثُرَتْ أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ . وَعَفَا : مِنْ الْأَضْدَاد : عَفَا : كَثُرَ . وَعَفَا : دَرَسَ . أَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء فَلَمْ يَزْدَجِرُوا وَلَمْ يَشْكُرُوا .





فَنَحْنُ مِثْلهمْ .





أَيْ فَجْأَة لِيَكُونَ أَكْثَر حَسْرَة .
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِمَا كَانُواْ یَكۡسِبُونَ ﴿٩٦﴾
يُقَال لِلْمَدِينَةِ قَرْيَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس فِيهَا . مِنْ قَرَيْت الْمَاء إِذَا جَمَعْته . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى .





أَيْ صَدَّقُوا .





أَيْ الشِّرْك .





يَعْنِي الْمَطَر وَالنَّبَات . وَهَذَا فِي أَقْوَام عَلَى الْخُصُوص جَرَى ذِكْرهمْ . إِذْ قَدْ يُمْتَحَنُ الْمُؤْمِنُونَ بِضِيقِ الْعَيْش وَيَكُون تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِمْ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ " اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا " [ نُوح : 10 , 11 ] وَعَنْ هُود " ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا " [ هُود : 52 ] . فَوَعَدَهُمْ الْمَطَر وَالْخِصْب عَلَى التَّخْصِيص . يَدُلّ عَلَيْهِ





أَيْ كَذَّبُوا الرُّسُل . وَالْمُؤْمِنُونَ صَدَّقُوا وَلَمْ يُكَذِّبُوا .
أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰۤ أَن یَأۡتِیَهُم بَأۡسُنَا بَیَـٰتࣰا وَهُمۡ نَاۤىِٕمُونَ ﴿٩٧﴾
الِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ , وَالْفَاء لِلْعَطْفِ . نَظِيره : " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة " [ الْمَائِدَة : 50 ] . وَالْمُرَاد بِالْقُرَى مَكَّة وَمَا حَوْلَهَا ; لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيع الْقُرَى .





أَيْ عَذَابنَا .





أَيْ لَيْلًا
أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰۤ أَن یَأۡتِیَهُم بَأۡسُنَا ضُحࣰى وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ ﴿٩٨﴾
قَرَأَهُ الْحَرَمِيَّان وَابْن عَامِر بِإِسْكَانِ الْوَاو لِلْعَطْفِ , عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَة ; مِثْل " وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا " [ الْإِنْسَان : 24 ] . جَالِسْ الْحَسَن أَوْ اِبْن سِيرِينَ . وَالْمَعْنَى : أَوْ أَمِنُوا هَذِهِ الضُّرُوب مِنْ الْعُقُوبَات . أَيْ إِنْ أَمِنْتُمْ ضَرْبًا مِنْهَا لَمْ تَأْمَنُوا الْآخَر . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " أَوْ " لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ , كَقَوْلِك : ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا بِهَمْزَةٍ بَعْدهَا . جَعَلَهَا وَاو الْعَطْف دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام ; نَظِيره " أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا " [ الْبَقَرَة : 100 ] .





أَيْ وَهُمْ فِيمَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ ; يُقَال لِكُلِّ مَنْ كَانَ فِيمَا يَضُرّهُ وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِ لَاعِب , ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَفِي الصِّحَاح : اللَّعِب مَعْرُوف , وَاللِّعْب مِثْله . وَقَدْ لَعِبَ يَلْعَب . وَتَلَعَّبَ : لَعِبَ مَرَّة بَعْد أُخْرَى . وَرَجُل تِلْعَابَة : كَثِير اللَّعِب , وَالتَّلْعَاب بِالْفَتْحِ الْمَصْدَر . وَجَارِيَة لَعُوب .
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا یَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ ﴿٩٩﴾
أَيْ عَذَابه وَجَزَاءَهُ عَلَى مَكْرهمْ . وَقِيلَ : مَكْره اِسْتِدْرَاجه بِالنِّعْمَةِ وَالصِّحَّة .
أَوَلَمۡ یَهۡدِ لِلَّذِینَ یَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَاۤ أَن لَّوۡ نَشَاۤءُ أَصَبۡنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا یَسۡمَعُونَ ﴿١٠٠﴾
أَيْ يُبَيِّن .





يُرِيد كُفَّار مَكَّة وَمَنْ حَوْلهمْ .





أَيْ أَخَذْنَاهُمْ





أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهمْ .





أَيْ وَنَحْنُ نَطْبَع ; فَهُوَ مُسْتَأْنَف . وَقِيلَ : هُوَ مَعْطُوف عَلَى أَصَبْنَا , أَيْ نُصِيبهُمْ وَنَطْبَع , فَوَقَعَ الْمَاضِي مَوْقِع الْمُسْتَقْبَل .
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤىِٕهَاۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَمَا كَانُواْ لِیُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ ﴿١٠١﴾
أَيْ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا ; وَهِيَ قُرَى نُوح وَعَاد وَلُوط وَهُود وَشُعَيْب الْمُتَقَدِّمَة الذِّكْر .





أَيْ نَتْلُو .





أَيْ مِنْ أَخْبَارهَا . وَهِيَ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام وَالْمُسْلِمِينَ .





أَيْ فَمَا كَانَ أُولَئِكَ الْكُفَّار لِيُؤْمِنُوا بَعْد هَلَاكِهِمْ لَوْ أَحْيَيْنَاهُمْ ; قَالَهُ مُجَاهِد . نَظِيره " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا " [ الْأَنْعَام : 28 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالرَّبِيع : كَانَ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى يَوْم أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ .





يُرِيد يَوْم الْمِيثَاق حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْر آدَم فَآمَنُوا كَرْهًا لَا طَوْعًا . قَالَ السُّدِّيّ : آمَنُوا يَوْمَ أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق كَرْهًا فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا الْآن حَقِيقَة . وَقِيلَ : سَأَلُوا الْمُعْجِزَات , فَلَمَّا رَأَوْهَا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْل رُؤْيَة الْمُعْجِزَة . نَظِيره " كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّل مَرَّة " . [ الْأَنْعَام : 110 ] .





أَيْ مِثْل طَبْعه عَلَى قُلُوب هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَذَلِكَ يَطْبَع اللَّه عَلَى قُلُوب الْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدࣲۖ وَإِن وَجَدۡنَاۤ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَـٰسِقِینَ ﴿١٠٢﴾
" مِنْ " زَائِدَة , وَهِيَ تَدُلّ عَلَى مَعْنَى الْجِنْس ; وَلَوْلَا " مِنْ " لَجَازَ أَنْ يُتَوَهَّم أَنَّهُ وَاحِد فِي الْمَعْنَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد الْعَهْد الْمَأْخُوذ عَلَيْهِمْ وَقْت الذَّرّ , وَمَنْ نَقَضَ الْعَهْد قِيلَ لَهُ إِنَّهُ لَا عَهْد لَهُ , أَيْ كَأَنَّهُ لَمْ يُعْهَد . وَقَالَ الْحَسَن : الْعَهْد الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِمْ مَعَ الْأَنْبِيَاء أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّ الْكُفَّار مُنْقَسِمُونَ ; فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ مَنْ لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا وَفَاء , وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَمَانَة مَعَ كُفْره وَإِنْ قَلُّوا ; رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة .
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِیْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿١٠٣﴾
أَيْ مِنْ بَعْد نُوح وَهُود وَصَالِح وَلُوط وَشُعَيْب .





أَيْ مُوسَى بْن عِمْرَان بِمُعْجِزَاتِنَا .





أَيْ كَفَرُوا وَلَمْ يُصَدِّقُوا بِالْآيَاتِ . وَالظُّلْم : وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه .





أَيْ آخِر أَمْرهمْ .
وَقَالَ مُوسَىٰ یَـٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٠٤﴾
حَقِیقٌ عَلَىٰۤ أَن لَّاۤ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِیَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ﴿١٠٥﴾
أَيْ وَاجِب . وَمَنْ قَرَأَ " عَلَى أَلَّا " فَالْمَعْنَى حَرِيص عَلَى أَلَّا أَقُول . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " حَقِيق أَلَّا أَقُول " بِإِسْقَاطِ " عَلَى " . وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى الْبَاء , أَيْ حَقِيق بِأَلَّا أَقُول . وَكَذَا فِي قِرَاءَة أُبَيّ وَالْأَعْمَش " بِأَلَّا أَقُول " . كَمَا تَقُول : رَمَيْت بِالْقَوْسِ وَعَلَى الْقَوْس . فَـ " حَقِيق " عَلَى هَذَا بِمَعْنَى مَحْقُوق .





أَيْ خَلِّهِمْ . وَكَانَ يَسْتَعْمِلهُمْ فِي الْأَعْمَال الشَّاقَّة .
قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔایَةࣲ فَأۡتِ بِهَاۤ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ﴿١٠٦﴾
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِیَ ثُعۡبَانࣱ مُّبِینࣱ ﴿١٠٧﴾
يُسْتَعْمَل فِي الْأَجْسَام وَالْمَعَانِي . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالثُّعْبَان : الْحَيَّة الضَّخْم الذَّكَر , وَهُوَ أَعْظَم الْحَيَّات . " مُبِين " أَيْ حَيَّة لَا لَبْس فِيهَا .
وَنَزَعَ یَدَهُۥ فَإِذَا هِیَ بَیۡضَاۤءُ لِلنَّـٰظِرِینَ ﴿١٠٨﴾
أَيْ أَخْرَجَهَا وَأَظْهَرَهَا . قِيلَ : مِنْ جَيْبِهِ أَوْ مِنْ جَنَاحه ; كَمَا فِي التَّنْزِيل " وَأَدْخِلْ يَدك فِي جَيْبك تَخْرُج بَيْضَاء مِنْ غَيْر سُوء " [ النَّمْل : 12 ] أَيْ مِنْ غَيْر بَرَص . وَكَانَ مُوسَى أَسْمَرَ شَدِيد السُّمْرَة , ثُمَّ أَعَادَ يَده إِلَى جَيْبه فَعَادَتْ إِلَى لَوْنهَا الْأَوَّل . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ لِيَدِهِ نُور سَاطِع يُضِيء مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض . وَقِيلَ : كَانَتْ تَخْرُج يَده بَيْضَاء كَالثَّلْجِ تَلُوح , فَإِذَا رَدَّهَا عَادَتْ إِلَى مِثْل سَائِر بَدَنه .
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِیمࣱ ﴿١٠٩﴾
أَيْ بِالسِّحْرِ .
یُرِیدُ أَن یُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ﴿١١٠﴾
أَيْ مِنْ مُلْككُمْ مَعَاشِر الْقِبْط , بِتَقْدِيمِهِ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَيْكُمْ .
قَالُوۤاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِی ٱلۡمَدَاۤىِٕنِ حَـٰشِرِینَ ﴿١١١﴾
قَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ بِغَيْرِ هَمْز ; إِلَّا أَنَّ وَرْشًا وَالْكِسَائِيّ أَشْبَعَا كَسْرَة الْهَاء . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة وَالْهَاء مَضْمُومَة . وَهُمَا لُغَتَانِ ; يُقَال : أَرْجَأْته وَأَرْجَيْته , أَيْ أَخَّرْته . وَكَذَلِكَ قَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَهِشَام ; إِلَّا أَنَّهُمْ أَشْبَعُوا ضَمَّة الْهَاء . وَقَرَأَ سَائِر أَهْل الْكُوفَة " أَرْجِهْ " بِإِسْكَانِ الْهَاء . قَالَ الْفَرَّاء : هِيَ لُغَة لِلْعَرَبِ , يَقِفُونَ عَلَى الْهَاء الْمُكَنَّى عَنْهَا فِي الْوَصْل إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلهَا , وَكَذَا هَذِهْ طَلْحَةُ قَدْ أَقْبَلَتْ . وَأَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ هَذَا . قَالَ قَتَادَة : : مَعْنَى " أَرْجِهِ " اِحْبِسْهُ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَخِّرْهُ . وَقِيلَ : " أَرْجِهِ " مَأْخُوذ مِنْ رَجَا يَرْجُو ; أَيْ أَطْمِعْهُ وَدَعْهُ يَرْجُو ; حَكَاهُ النَّحَّاس عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد . وَكَسْر الْهَاء عَلَى الْإِتْبَاع . وَيَجُوز ضَمُّهَا عَلَى الْأَصْل . وَإِسْكَانهَا لَحْن لَا يَجُوز إِلَّا فِي شُذُوذ مِنْ الشِّعْر .





عَطْف عَلَى الْهَاء .





نَصْب عَلَى الْحَال .
یَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِیمࣲ ﴿١١٢﴾
جَزْم ; لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمْر وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون . قَرَأَ أَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا " بِكُلِّ سَحَّار " وَقَرَأَ سَائِر النَّاس " سَاحِر " وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ ; إِلَّا أَنَّ فَعَّالًا أَشَدّ مُبَالَغَة .
وَجَاۤءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوۤاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَـٰلِبِینَ ﴿١١٣﴾
وَحُذِفَ ذِكْر الْإِرْسَال لِعِلْمِ السَّامِع . قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا , مَعَ كُلّ نَقِيب عِشْرُونَ عَرِيفًا , تَحْت يَدَيْ كُلّ عَرِيف أَلْف سَاحِر . وَكَانَ رَئِيسهمْ شَمْعُون فِي قَوْل مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ مِنْ الْعَرِيش وَالْفَيُّوم وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة أَثْلَاثًا . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : كَانُوا خَمْسَة عَشَر أَلْف سَاحِر ; وَرُوِيَ عَنْ وَهْب . وَقِيلَ : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا . وَقَالَ اِبْن الْمُنْكَدِر : ثَمَانِينَ أَلْفًا . وَقِيلَ : أَرْبَعَة عَشَر أَلْفًا . وَقِيلَ : كَانُوا ثَلَاثمِائِة أَلْف سَاحِر مِنْ الرِّيف , وَثَلَاثمِائَة أَلْف سَاحِر مِنْ الصَّعِيد , وَثَلَاثمِائَة أَلْف سَاحِر مِنْ الْفَيُّوم وَمَا وَالَاهَا . وَقِيلَ : كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا . وَقِيلَ : ثَلَاثَة وَسَبْعِينَ ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَكَانَ مَعَهُمْ فِيمَا رُوِيَ حِبَال وَعِصِيّ يَحْمِلهَا ثَلَاثمِائِة بَعِير . فَالْتَقَمَتْ الْحَيَّة ذَلِكَ كُلّه . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : كَانَتْ إِذَا فَتَحْت فَاهَا صَارَ شِدْقهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا ; وَاضِعَة فَكَّهَا الْأَسْفَل عَلَى الْأَرْض , وَفَكَّهَا الْأَعْلَى عَلَى سُور الْقَصْر . وَقِيلَ : كَانَ سِعَةُ فَمِهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ; فَاَللَّه أَعْلَم . فَقَصَدَتْ فِرْعَوْن لِتَبْتَلِعَهُ , فَوَثَبَ مِنْ سَرِيرِهِ فَهَرَبَ مِنْهَا وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى ; فَأَخَذَهَا فَإِذَا هِيَ عَصًا كَمَا كَانَتْ . قَالَ وَهْب : مَاتَ مِنْ خَوْف الْعَصَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ أَلْفًا .





أَيْ جَائِزَة وَمَالًا . وَلَمْ يَقُلْ فَقَالُوا بِالْفَاءِ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ لَمَّا جَاءُوا قَالُوا . وَقُرِئَ " إِنَّ لَنَا " عَلَى الْخَبَر . وَهِيَ قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير . أَلْزَمُوا فِرْعَوْن أَنْ يَجْعَل لَهُمْ مَالًا إِنْ غَلَبُوا .
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِینَ ﴿١١٤﴾
أَيْ لَمِنْ أَهْل الْمَنْزِلَة الرَّفِيعَة لَدَيْنَا , فَزَادَهُمْ عَلَى مَا طَلَبُوا . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ إِنَّمَا قَطَعُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي حُكْمِهِمْ إِنْ غَلَبُوا . أَيْ قَالُوا : يَجِب لَنَا الْأَجْر إِنْ غَلَبْنَا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَلَى جِهَة الِاسْتِخْبَار . اِسْتَخْبَرُوا فِرْعَوْن : هَلْ يَجْعَل لَهُمْ أَجْرًا إِنْ غَلَبُوا أَوْ لَا ; فَلَمْ يَقْطَعُوا عَلَى فِرْعَوْن بِذَلِكَ , إِنَّمَا اِسْتَخْبَرُوهُ هَلْ يَفْعَل ذَلِكَ ; فَقَالَ لَهُمْ " نَعَمْ " لَكُمْ الْأَجْر وَالْقُرْب إِنْ غَلَبْتُمْ .
قَالُواْ یَـٰمُوسَىٰۤ إِمَّاۤ أَن تُلۡقِیَ وَإِمَّاۤ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِینَ ﴿١١٥﴾
تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب إِيمَانِهِمْ . وَ " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب عِنْد الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء , عَلَى مَعْنَى إِمَّا أَنْ تَفْعَل الْإِلْقَاء . وَمِثْله قَوْل الشَّاعِر : قَالُوا الرُّكُوب فَقُلْنَا تِلْكَ عَادَتُنَا
قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوۤاْ أَعۡیُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَاۤءُو بِسِحۡرٍ عَظِیمࣲ ﴿١١٦﴾
قَالَ الْفَرَّاء : فِي الْكَلَام حَذْف . وَالْمَعْنَى : قَالَ لَهُمْ مُوسَى إِنَّكُمْ لَنْ تَغْلِبُوا رَبّكُمْ وَلَنْ تُبْطِلُوا آيَاته . وَهَذَا مِنْ مُعْجِز الْقُرْآن الَّذِي لَا يَأْتِي مِثْله فِي كَلَام النَّاس , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ . يَأْتِي اللَّفْظ الْيَسِير بِجَمْعِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَة . وَقِيلَ : هُوَ تَهْدِيد . أَيْ اِبْتَدِئُوا بِالْإِلْقَاءِ , فَسَتَرَوْنَ مَا يَحِلّ بِكُمْ مِنْ الِافْتِضَاح ; إِذْ لَا يَجُوز عَلَى مُوسَى أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالسِّحْرِ . وَقِيلَ : أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِيُبَيِّن كَذِبَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ .







أَيْ الْحِبَال وَالْعِصِيَّ





أَيْ خَيَّلُوا لَهُمْ وَقَلَبُوهَا عَنْ صِحَّة إِدْرَاكهَا , بِمَا يُتَخَيَّل مِنْ التَّمْوِيه الَّذِي جَرَى مَجْرَى الشَّعْوَذَة وَخِفَّة الْيَد . كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه .





أَيْ عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا وَلَيْسَ بِعَظِيمٍ عَلَى الْحَقِيقَة . قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ الِاجْتِمَاع بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَلَغَ ذَنَب الْحَيَّة وَرَاء الْبُحَيْرَة . وَقَالَ غَيْره : وَفَتَحَتْ فَاهَا فَجَعَلَتْ تَلْقَف - أَيْ تَلْتَقِم - مَا أَلْقَوْا مِنْ حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ . وَقِيلَ : كَانَ مَا أَلْقَوْا حِبَالًا مِنْ أَدَم فِيهَا زِئْبَق فَتَحَرَّكَتْ وَقَالُوا هَذِهِ حَيَّات . وَقَرَأَ حَفْص " تَلْقَف " بِإِسْكَانِ اللَّام وَالتَّخْفِيف . جَعَلَهُ مُسْتَقْبَل لَقِفَ يَلْقَف . قَالَ النَّحَّاس : وَيَجُوز عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة " تِلْقَف " لِأَنَّهُ مِنْ لَقِفَ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْح اللَّام , وَجَعَلُوهُ مُسْتَقْبَل تَلَقَّفَ ; فَهِيَ تَتَلَقَّف . يُقَال : لَقِفْت الشَّيْء وَتَلَقَّفْته إِذَا أَخَذْته أَوْ بَلَعْته . تَلْقَف وَتَلْقَم وَتَلْهَم بِمَعْنًى وَاحِد . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَبَلَغَنِي فِي بَعْض الْقِرَاءَات " تَلَقَّم " بِالْمِيمِ وَالتَّشْدِيد . قَالَ الشَّاعِر : أَنْتَ عَصَا مُوسَى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلْقَم مَا يَأْفِكهُ السَّاحِرُ وَيُرْوَى : تَلَقَّف .
۞ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِیَ تَلۡقَفُ مَا یَأۡفِكُونَ ﴿١١٧﴾
أَيْ مَا يَكْذِبُونَ , لِأَنَّهُمْ جَاءُوا بِحِبَالٍ وَجَعَلُوا فِيهَا زِئْبَقًا حَتَّى تَحَرَّكَتْ .
فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿١١٨﴾
قَالَ مُجَاهِد : فَظَهَرَ الْحَقُّ .
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِینَ ﴿١١٩﴾
نَصْب عَلَى الْحَال . وَالْفِعْل مِنْهُ صَغِرَ يَصْغَر صَغَرًا وَصِغَرًا وَصَغَارًا . أَيْ اِنْقَلَبَ قَوْم فِرْعَوْن وَفِرْعَوْن مَعَهُمْ أَذِلَّاء مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ .
وَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِینَ ﴿١٢٠﴾
فَأَمَّا السَّحَرَة فَقَدْ آمَنُوا .
قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٢١﴾
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿١٢٢﴾
قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكۡرࣱ مَّكَرۡتُمُوهُ فِی ٱلۡمَدِینَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَاۤ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ﴿١٢٣﴾
إِنْكَار مِنْهُ عَلَيْهِمْ .





أَيْ جَرَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنه مُوَاطَأَة فِي هَذَا لِتَسْتَوْلُوا عَلَى مِصْر , أَيْ كَانَ هَذَا مِنْكُمْ فِي مَدِينَة مِصْر قَبْل أَنْ تَبْرُزُوا إِلَى هَذِهِ الصَّحْرَاء





تَهْدِيد لَهُمْ .
لَأُقَطِّعَنَّ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَـٰفࣲ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِینَ ﴿١٢٤﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ فِرْعَوْن أَوَّل مَنْ صَلَبَ , وَقَطَعَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل مِنْ خِلَاف , الرِّجْل الْيُمْنَى وَالْيَد الْيُسْرَى , وَالْيَد الْيُمْنَى وَالرِّجْل الْيُسْرَى , عَنْ الْحَسَن .
قَالُوۤاْ إِنَّاۤ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿١٢٥﴾
وَمَا تَنقِمُ مِنَّاۤ إِلَّاۤ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔایَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاۤءَتۡنَاۚ رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِینَ ﴿١٢٦﴾
قَرَأَ الْحَسَن بِفَتْحِ الْقَاف . قَالَ الْأَخْفَش : هِيَ لُغَة يُقَال : نَقِمْت الْأَمْر وَنَقَمْته أَنْكَرْته , أَيْ لَسْت تَكْرَه مِنَّا سِوَى أَنْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَهُوَ الْحَقّ .





آيَاته وَبَيِّنَاته .





الْإِفْرَاغ الصَّبّ , أَيْ اُصْبُبْهُ عَلَيْنَا عِنْد الْقَطْع وَالصَّلْب .





فَقِيلَ : إِنَّ فِرْعَوْن أَخَذَ السَّحَرَة وَقَطَّعَهُمْ عَلَى شَاطِئ النَّهَر , وَإِنَّهُ آمَنَ بِمُوسَى عِنْد إِيمَان السَّحَرَة سِتّمِائَةِ أَلْف .
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِیُفۡسِدُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَیَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَـٰهِرُونَ ﴿١٢٧﴾
أَيْ بِإِيقَاعِ الْفُرْقَة وَتَشْتِيت الشَّمْل . " وَيَذَرَك " بِنَصْبِ الرَّاء جَوَاب الِاسْتِفْهَام , وَالْوَاو نَائِبَة عَنْ الْفَاء . " وَآلِهَتك " قَالَ الْحَسَن : كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد الْأَصْنَام , فَكَانَ يَعْبُد وَيُعْبَد . قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ : بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْن كَانَ يَعْبُد الْبَقَر . قَالَ التَّيْمِيّ : فَقُلْت لِلْحَسَنِ هَلْ كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد شَيْئًا ؟ قَالَ نَعَمْ ; إِنَّهُ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا كَانَ قَدْ جُعِلَ فِي عُنُقه . وَقِيلَ : مَعْنَى " وَآلِهَتك " أَيْ وَطَاعَتك , كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " [ التَّوْبَة : 31 ] إِنَّهُمْ مَا عَبَدُوهُمْ وَلَكِنْ أَطَاعُوهُمْ ; فَصَارَ تَمْثِيلًا . وَقَرَأَ نُعَيْم بْن مَيْسَرَة " وَيَذَرُك " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير وَهُوَ يَذَرُك . وَقَرَأَ الْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " وَيَذَرْك " مَجْزُومًا مُخَفَّف يَذَرك لِثِقَلِ الضَّمَّة . وَقَرَأَ أَنَس بْن مَالِك " وَنَذَرُك " بِالرَّفْعِ وَالنُّون . أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ عِبَادَته إِنْ تَرَكَ مُوسَى حَيًّا . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك " وَإِلَاهَتك " وَمَعْنَاهُ وَعِبَادَتك . وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة كَانَ يَعْبُد وَلَا يُعْبَد , أَيْ وَيَتْرُك عِبَادَته لَك . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : فَمِنْ مَذْهَب أَصْحَاب هَذِهِ الْقِرَاءَة أَنَّ فِرْعَوْن لَمَّا قَالَ " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " [ النَّازِعَات : 24 ] وَ " مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي " [ الْقَصَص : 38 ] نَفَى أَنْ يَكُون لَهُ رَبّ وَإِلَاهَة . فَقِيلَ لَهُ : وَيَذَرك وَإِلَاهَتك ; بِمَعْنَى وَيَتْرُكك وَعِبَادَة النَّاس لَك . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " وَآلِهَتك " كَمَا تَقَدَّمَ , وَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى أَنَّ فِرْعَوْن اِدَّعَى الرُّبُوبِيَّة فِي ظَاهِر أَمْرِهِ وَكَانَ يَعْلَم أَنَّهُ مَرْبُوب . وَدَلِيل هَذَا قَوْله عِنْد حُضُور الْحَمَّام " آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل " [ يُونُس : 90 ] فَلَمْ يُقْبَل هَذَا الْقَوْل مِنْهُ لَمَّا أَتَى بِهِ بَعْد إِغْلَاق بَاب التَّوْبَة . وَكَانَ قَبْل هَذَا الْحَال لَهُ إِلَه يَعْبُدهُ سِرًّا دُون رَبّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَزَّ ; قَالَهُ الْحَسَن وَغَيْره . وَفِي حَرْف أُبَيّ " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَقَدْ تَرَكُوك أَنْ يَعْبُدُوك " . وَقِيلَ : " وَإِلَاهَتك " قِيلَ : كَانَ يَعْبُد بَقَرَة , وَكَانَ إِذَا اِسْتَحْسَنَ بَقَرَة أَمَرَ بِعِبَادَتِهَا , وَقَالَ : أَنَا رَبّكُمْ وَرَبّ هَذِهِ . وَلِهَذَا قَالَ : " فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا " [ طَه : 88 ] . ذَكَرَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ . قَالَ الزَّجَّاج : كَانَ لَهُ أَصْنَام صِغَار يَعْبُدهَا قَوْمه تَقَرُّبًا إِلَيْهِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " . قَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : قَوْل فِرْعَوْن " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " . يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ شَيْئًا غَيْره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِلَاهَةِ عَلَى قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس الْبَقَرَة الَّتِي كَانَ يَعْبُدهَا . وَقِيلَ : أَرَادُوا بِهَا الشَّمْس وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا . قَالَ الشَّاعِر : وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَة أَنْ تَئُوبَا





ثُمَّ آنَسَ قَوْمه فَقَالَ " سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ " بِالتَّخْفِيفِ , قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير . وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِير . " وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ " أَيْ لَا تَخَافُوا جَانِبَهُمْ . " وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ " آنَسَهُمْ بِهَذَا الْكَلَام . وَلَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسَى لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ . وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ فِرْعَوْن قَدْ مُلِئَ مِنْ مُوسَى رُعْبًا ; فَكَانَ إِذَا رَآهُ بَال كَمَا يَبُول الْحِمَار .
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِینُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوۤاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ یُورِثُهَا مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَـٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِینَ ﴿١٢٨﴾
وَلَمَّا بَلَغَ قَوْم مُوسَى مِنْ فِرْعَوْن هَذَا قَالَ لَهُمْ مُوسَى : " اِسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْض لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاء " أَطْمَعَهُمْ فِي أَنْ يُورِثَهُمْ اللَّه أَرْض مِصْر .





أَيْ الْجَنَّة لِمَنْ اِتَّقَى . وَعَاقِبَة كُلّ شَيْء : آخِره , وَلَكِنَّهَا إِذَا أُطْلِقَتْ فَقِيلَ : الْعَاقِبَة لِفُلَانٍ فُهِمَ مِنْهُ فِي الْعُرْف الْخَيْر .
قَالُوۤاْ أُوذِینَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِیَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن یُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَیَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرَ كَیۡفَ تَعۡمَلُونَ ﴿١٢٩﴾
أَيْ فِي اِبْتِدَاء وِلَادَتك بِقَتْلِ الْأَبْنَاء وَاسْتِرْقَاق النِّسَاء .





أَيْ وَالْآن أُعِيدَ عَلَيْنَا ذَلِكَ ; يَعْنُونَ الْوَعِيد الَّذِي كَانَ مِنْ فِرْعَوْن . وَقِيلَ : الْأَذَى مِنْ قَبْل تَسْخِيرهمْ لِبَنِي إِسْرَائِيل فِي أَعْمَالهمْ إِلَى نِصْف النَّهَار , وَإِرْسَالهمْ بَقِيَّتَهُ لِيَكْتَسِبُوا لِأَنْفُسِهِمْ . وَالْأَذَى مِنْ بَعْد : تَسْخِيرهمْ جَمِيع النَّهَار كُلّه بِلَا طَعَام وَلَا شَرَاب ; قَالَهُ جُوَيْبِر . وَقَالَ الْحَسَن : الْأَذَى مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد وَاحِد , وَهُوَ أَخْذ الْجِزْيَة .





" عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِب ; جَدَّدَ لَهُمْ الْوَعْد وَحَقَّقَهُ . وَقَدْ اُسْتُخْلِفُوا فِي مِصْر فِي زَمَان دَاوُد وَسُلَيْمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَفَتَحُوا بَيْت الْمَقْدِس مَعَ يُوشَع بْن نُون ; كَمَا تَقَدَّمَ . وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ حِين خَرَجَ بِهِمْ مُوسَى وَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْن فَكَانَ وَرَاءَهُمْ وَالْبَحْر أَمَامَهُمْ , فَحَقَّقَ اللَّه الْوَعِيد بِأَنْ غَرَّقَ فِرْعَوْن وَقَوْمه وَأَنْجَاهُمْ .





أَيْ يَرَى ذَلِكَ الْعَمَل الَّذِي يَجِب بِهِ الْجَزَاء ; لِأَنَّ اللَّه لَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَعْلَمهُ مِنْهُمْ ; إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَقَع مِنْهُمْ .
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَاۤ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِینَ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَذَّكَّرُونَ ﴿١٣٠﴾
يَعْنِي الْجَدُوب . وَهَذَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة ; يُقَال : أَصَابَتْهُمْ سَنَة , أَيْ جَدْب . وَتَقْدِيره جَدْب سَنَة . وَفِي الْحَدِيث : ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف ) . وَمِنْ الْعَرَب مِنْ يُعْرِب النُّون فِي السِّنِينَ ; وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السِّرَار مِنْ الْهِلَال قَالَ النَّحَّاس : وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذَا الْبَيْت بِفَتْحِ النُّون ; وَلَكِنْ أَنْشَدَ فِي هَذَا مَا لَا يَجُوز غَيْره , وَهُوَ قَوْله : وَقَدْ جَاوَزْت رَأْس الْأَرْبَعِينِ وَحَكَى الْفَرَّاء عَنْ بَنِي عَامِر أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : أَقَمْت عِنْده سَنِينًا يَا هَذَا ; مَصْرُوفًا . قَالَ : وَبَنُو تَمِيم لَا يَصْرِفُونَ وَيَقُولُونَ : مَضَتْ لَهُ سِنِين يَا هَذَا . وَسِنِين جَمْع سَنَة , وَالسَّنَة هُنَا بِمَعْنَى الْجَدْب لَا بِمَعْنَى الْحَوْل . وَمِنْهُ أَسْنَتَ الْقَوْم أَيْ أَجْدَبُوا . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزِّبَعْرَى : عَمْرو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيد لِقَوْمِهِ وَرِجَال مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ





أَيْ لِيَتَّعِظُوا وَتَرِقّ قُلُوبهمْ .
فَإِذَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَیِّئَةࣱ یَطَّیَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥۤۗ أَلَاۤ إِنَّمَا طَـٰۤىِٕرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿١٣١﴾
أَيْ الْخِصْب وَالسَّعَة .





أَيْ أُعْطِينَاهَا بِاسْتِحْقَاقٍ .





أَيْ قَحْط وَمَرَض





أَيْ يَتَشَاءَمُوا بِهِ . نَظِيره " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدك " [ النِّسَاء : 78 ] . وَالْأَصْل " يَتَطَيَّرُوا " أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الطَّاء . وَقَرَأَ طَلْحَة : " تَطَيَّرُوا " عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ . وَالْأَصْل فِي هَذَا مِنْ الطِّيَرَة وَزَجْر الطَّيْر , ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَالهمْ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ مَنْ تَشَاءَمَ : تَطَيَّرَ . وَكَانَتْ الْعَرَب تَتَيَمَّن بِالسَّانِحِ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ نَاحِيَة الْيَمِين . وَتَتَشَاءَم بِالْبَارِحِ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ نَاحِيَة الشِّمَال . وَكَانُوا يَتَطَيَّرُونَ أَيْضًا بِصَوْتِ الْغُرَاب ; وَيَتَأَوَّلُونَهُ الْبَيْن . وَكَانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِمُجَاوَبَاتِ الطُّيُور بَعْضهَا بَعْضًا عَلَى أُمُور , وَبِأَصْوَاتِهَا فِي غَيْر أَوْقَاتهَا الْمَعْهُودَة عَلَى مِثْل ذَلِكَ . وَهَكَذَا الظِّبَاء إِذَا مَضَتْ سَانِحَة أَوْ بَارِحَة , وَيَقُولُونَ إِذَا بَرِحَتْ : " مَنْ لِي بِالسَّانِحِ بَعْد الْبَارِح " . إِلَّا أَنَّ أَقْوَى مَا عِنْدهمْ كَانَ يَقَع فِي جَمِيع الطَّيْر ; فَسَمَّوْا الْجَمِيع تَطَيُّرًا مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَتَطَيَّرَ الْأَعَاجِم إِذَا رَأَوْا صَبِيًّا يُذْهَب بِهِ إِلَى الْعِلْم بِالْغَدَاةِ , وَيَتَيَمَّنُونَ بِرُؤْيَةِ صَبِيّ يَرْجِع مِنْ عِنْد الْمُعَلِّم إِلَى بَيْته , وَيَتَشَاءَمُونَ بِرُؤْيَةِ السِّقَاء عَلَى ظَهْره قِرْبَة مَمْلُوءَة مَشْدُودَة , وَيَتَيَمَّنُونَ بِرُؤْيَةِ فَارِغ السِّقَاء مَفْتُوحَة قِرْبَته ; وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْحَمَّالِ الْمُثْقَل بِالْحِمْلِ , وَالدَّابَّة الْمُوقَرَة , وَيَتَيَمَّنُونَ بِالْحَمَّالِ الَّذِي وَضَعَ حِمْله , وَبِالدَّابَّةِ يُحَطّ عَنْهَا ثِقْلهَا . فَجَاءَ الْإِسْلَام بِالنَّهْيِ عَنْ التَّطَيُّر وَالتَّشَاؤُم بِمَا يُسْمَع مِنْ صَوْت طَائِر مَا كَانَ , وَعَلَى أَيّ حَال كَانَ ; فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَقِرُّوا الطَّيْر عَلَى مَكِنَاتِهَا ) . وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَة أَتَى الطَّيْر فِي وَكْرِهَا فَنَفَّرَهَا ; فَإِذَا أَخَذَتْ ذَات الْيَمِين مَضَى لِحَاجَتِهِ , وَهَذَا هُوَ السَّانِح عِنْدهمْ . وَإِنْ أَخَذَتْ ذَات الشِّمَال رَجَعَ , وَهَذَا هُوَ الْبَارِح عِنْدهمْ . فَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ : ( أَقِرُّوا الطَّيْر عَلَى مَكِنَاتهَا ) هَكَذَا فِي الْحَدِيث . وَأَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ : ( وُكُنَاتهَا ) قَالَ اِمْرُؤُ الْقِيس : وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْر فِي وُكُنَاتهَا وَالْوُكْنَة : اِسْم لِكُلِّ وَكْر وَعُشّ . وَالْوَكْن : مَوْضِع الطَّائِر الَّذِي يَبِيض فِيهِ وَيُفْرِخ , وَهُوَ الْخِرَق فِي الْحِيطَان وَالشَّجَر . وَيُقَال : وَكَنَ الطَّائِر يَكِنّ وُكُونًا إِذَا حِضْنَ بَيْضه . وَكَانَ أَيْضًا مِنْ الْعَرَب مَنْ لَا يَرَى التَّطَيُّر شَيْئًا , وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهِ . قَالَ الْمُرَقَّش : وَلَقَدْ غَدَوْت وَكُنْت لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِم فَإِذَا الْأَشَائِم كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِم وَقَالَ عِكْرِمَة : كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس فَمَرَّ طَائِر يَصِيح ; فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : خَيْر , خَيْر . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا عِنْد هَذَا لَا خَيْر وَلَا شَرّ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَأَمَّا أَقْوَال الطَّيْر فَلَا تَعَلُّق لَهَا بِمَا يُجْعَل دَلَالَة عَلَيْهِ , وَلَا لَهَا عِلْم بِكَائِنٍ فَضْلًا عَنْ مُسْتَقْبَل فَتُخْبِر بِهِ , وَلَا فِي النَّاس مَنْ يَعْلَم مَنْطِق الطَّيْر ; إِلَّا مَا كَانَ اللَّه تَعَالَى خَصَّ بِهِ سُلَيْمَان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ , فَالْتَحَقَ التَّطَيُّر بِجُمْلَةِ الْبَاطِل . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَحَلَّمَ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ رَدَّهُ عَنْ سَفَره تَطَيُّرٌ ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الطِّيَرَة شِرْك - ثَلَاثًا - وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّه يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ ) . وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ رَجَّعَتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) . قِيلَ : وَمَا كَفَّارَة ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( أَنْ يَقُول أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا طَيْر إِلَّا طَيْرك وَلَا خَيْر إِلَّا خَيْرك وَلَا إِلَه غَيْرك ثُمَّ يَمْضِي لِحَاجَتِهِ ) . وَفِي خَبَر آخَر : ( إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَذْهَب بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِك ) . ثُمَّ يَذْهَب مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّه ; فَإِنَّ اللَّه يَكْفِيه مَا وَجَدَ فِي نَفْسه مِنْ ذَلِكَ , وَكَفَاهُ اللَّه تَعَالَى مَا يُهِمّهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة .





وَقَرَأَ الْحَسَن " طَيْرهمْ " جَمْع طَائِر . أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ .





أَنَّ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ الْقَحْط وَالشَّدَائِد إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذُنُوبِهِمْ لَا مِنْ عِنْد مُوسَى وَقَوْمه .
وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَایَةࣲ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِینَ ﴿١٣٢﴾
أَيْ قَالَ قَوْم فِرْعَوْن لِمُوسَى " مَهْمَا " . قَالَ الْخَلِيل : الْأَصْل مَا , مَا ; الْأُولَى لِلشَّرْطِ , وَالثَّانِيَة زَائِدَة تَوْكِيد لِلْجَزَاءِ ; كَمَا تُزَاد فِي سَائِر الْحُرُوف , مِثْل إِمَّا وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَكَيْفَمَا . فَكَرِهُوا حَرْفَيْنِ لَفْظهمَا وَاحِد ; فَأَبْدَلُوا مِنْ الْأَلِف الْأُولَى هَاءً فَقَالُوا مَهْمَا . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : أَصْله مَهْ ; أَيْ اُكْفُفْ , مَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَة . وَقِيلَ : هِيَ كَلِمَة مُفْرَدَة , يُجَازَى بِهَا لِيُجْزَم مَا بَعْدهَا عَلَى تَقْدِير إِنْ . وَالْجَوَاب " فَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ "





لِتَصْرِفَنَا عَمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " بَيَان هَذِهِ اللَّفْظَة . قِيلَ : بَقِيَ مُوسَى فِي الْقِبْط بَعْد إِلْقَاء السَّحَرَة سُجَّدًا عِشْرِينَ سَنَة يُرِيهِمْ الْآيَات إِلَى أَنْ أَغْرَقَ اللَّه فِرْعَوْن , فَكَانَ هَذَا قَوْلهمْ .
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَایَـٰتࣲ مُّفَصَّلَـٰتࣲ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ ﴿١٣٣﴾
فِيهِ خَمْس مَسَائِل : الْأُولَى : رَوَى إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ نَوْف الشَّامِيّ قَالَ : مَكَثَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آلِ فِرْعَوْن بَعْدَمَا غَلَبَ السَّحَرَة أَرْبَعِينَ عَامًا . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عُمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مِنْجَاب : عِشْرِينَ سَنَة , يُرِيهِمْ الْآيَات : الْجَرَاد وَالْقُمَّل وَالضَّفَادِع وَالدَّم . الثَّانِيَة : قَوْله تَعَالَى : " الطُّوفَان " أَيْ الْمَطَر الشَّدِيد حَتَّى عَامُوا فِيهِ . وَقَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء : الطُّوفَان الْمَوْت قَالَ الْأَخْفَش : وَاحِدَته طُوفَانَة . وَقِيلَ : هُوَ مَصْدَر كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَان ; فَلَا يُطْلَب لَهُ وَاحِد . قَالَ النَّحَّاس : الطُّوفَان فِي اللُّغَة مَا كَانَ مُهْلِكًا مِنْ مَوْت أَوْ سَيْل ; أَيْ مَا يُطِيف بِهِمْ فَيُهْلِكهُمْ . وَقَالَ السُّدِّيّ : وَلَمْ يُصِبْ بَنِي إِسْرَائِيل قَطْرَة مِنْ مَاء , بَلْ دَخَلَ بُيُوت الْقِبْط حَتَّى قَامُوا فِي الْمَاء إِلَى تَرَاقِيهمْ , وَدَامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَة أَيَّام . وَقِيلَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا . فَقَالُوا : اُدْعُ لَنَا رَبَّك يَكْشِف عَنَّا فَنُؤْمِن بِك ; فَدَعَا رَبّه فَرَفَعَ عَنْهُمْ الطُّوفَان فَلَمْ يُؤْمِنُوا . فَأَنْبَتَ اللَّه لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَة مَا لَمْ يُنْبِتْهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ الْكَلَأ وَالزَّرْع . فَقَالُوا : كَانَ ذَلِكَ الْمَاء نِعْمَة ; فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْجَرَاد وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف , جَمْع جَرَادَة فِي الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . فَإِنْ أَرَدْت الْفَصْل نَعَتَّ فَقُلْت رَأَيْت جَرَادَة ذَكَرًا - فَأَكَلَ زُرُوعَهُمْ وَثِمَارَهُمْ حَتَّى إِنَّهَا كَانَتْ تَأْكُل السُّقُوف وَالْأَبْوَاب حَتَّى تَنْهَدِم دِيَارُهُمْ . وَلَمْ يَدْخُل دُور بَنِي إِسْرَائِيل مِنْهَا شَيْءٌ . الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَتْل الْجَرَاد إِذَا حَلَّ بِأَرْضٍ فَأَفْسَدَ ; فَقِيلَ : لَا يُقْتَل . وَقَالَ أَهْل الْفِقْه كُلّهمْ : يُقْتَل . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ خَلْق عَظِيم مِنْ خَلْق اللَّه يَأْكُل مِنْ رِزْق اللَّه وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَم . وَبِمَا رُوِيَ ( لَا تَقْتُلُوا الْجَرَاد فَإِنَّهُ جُنْد اللَّه الْأَعْظَم ) . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَنَّ فِي تَرْكِهَا فَسَادَ الْأَمْوَال , وَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الْمُسْلِم إِذَا أَرَادَ أَخْذَ مَالِهِ ; فَالْجَرَاد إِذَا أَرَادَتْ فَسَادَ الْأَمْوَال كَانَتْ أَوْلَى أَنْ يَجُوز قَتْلُهَا . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوز قَتْل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب ؟ لِأَنَّهُمَا يُؤْذِيَانِ النَّاس فَكَذَلِكَ الْجَرَاد . رَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ جَابِر وَأَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَاد قَالَ : ( اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ وَاقْتُلْ صِغَاره وَأَفْسِدْ بَيْضه وَاقْطَعْ دَابِره وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء ) . قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْد مِنْ أَجْنَاد اللَّه بِقَطْعِ دَابِره ؟ قَالَ : ( إِنَّ الْجَرَاد نَثْرَة الْحُوت فِي الْبَحْر ) . الرَّابِعَة : ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزَوَات كُنَّا نَأْكُل الْجَرَاد مَعَهُ . وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي أَكْلِهِ عَلَى الْجُمْلَة , وَأَنَّهُ إِذَا أُخِذَ حَيًّا وَقُطِعَتْ رَأْسه أَنَّهُ حَلَال بِاتِّفَاقٍ . وَأَنَّ ذَلِكَ يُتَنَزَّل مِنْهُ مَنْزِلَة الذَّكَاة فِيهِ . وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا هَلْ يَحْتَاج إِلَى سَبَب يَمُوت بِهِ إِذَا صِيدَ أَمْ لَا ; فَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاج إِلَى ذَلِكَ , وَيُؤْكَل كَيْفَمَا مَاتَ . وَحُكْمه عِنْدهمْ حُكْم الْحِيتَان , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اِبْن نَافِع وَمُطَرِّف , وَذَهَبَ مَالِك إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ سَبَب يَمُوت بِهِ ; كَقَطْعِ رُءُوسه أَوْ أَرْجُله أَوْ أَجْنِحَته إِذَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ , أَوْ يُصْلَق أَوْ يُطْرَح فِي النَّار ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ حَيَوَان الْبَرّ فَمَيْتَته مُحَرَّمَة . وَكَانَ اللَّيْث يَكْرَه أَكْل مَيِّت الْجَرَاد , إِلَّا مَا أُخِذَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ أَخْذَهُ ذَكَاة . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَرَوَى الدَّار قُطْنِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد وَدَمَانِ الْكَبِد وَالطِّحَال ) . وَقَالَ اِبْن مَاجَهْ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنِيع حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي سَعِيد سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يَقُول : كُنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَادَيْنَ الْجَرَاد عَلَى الْأَطْبَاق . ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر أَيْضًا . الْخَامِسَة : رَوَى مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ أَلْف أُمَّة سِتّمِائَةٍ مِنْهَا فِي الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَةٍ فِي الْبَرّ وَإِنَّ أَوَّل هَلَاك هَذِهِ الْأُمَم الْجَرَاد فَإِذَا هَلَكَتْ الْجَرَاد تَتَابَعَتْ الْأُمَم مِثْل نِظَام السِّلْك إِذَا اِنْقَطَعَ ) . ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي ( نَوَادِر الْأُصُول ) وَقَالَ : وَإِنَّمَا صَارَ الْجَرَاد أَوَّل هَذِهِ الْأُمَم هَلَاكًا لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الطِّينَة الَّتِي فَضَلَتْ مِنْ طِينَة آدَم . وَإِنَّمَا تُهْلَك الْأُمَم لِهَلَاكِ الْآدَمِيِّينَ لِأَنَّهَا مُسَخَّرَة لَهُمْ . رَجَعْنَا إِلَى قِصَّة الْقِبْط - فَعَاهَدُوا مُوسَى أَنْ يُؤْمِنُوا لَوْ كَشَفَ عَنْهُمْ الْجَرَاد , فَدَعَا فَكُشِفَ وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ زُرُوعِهِمْ شَيْء فَقَالُوا : يَكْفِينَا مَا بَقِيَ ; وَلَمْ يُؤْمِنُوا فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْقُمَّل , وَهُوَ صِغَار الدَّبَى ; قَالَهُ قَتَادَة . وَالدَّبَى : الْجَرَاد قَبْل أَنْ يَطِير , الْوَاحِدَة دَبَاة . وَأَرْض مَدْبِيَّة إِذَا أَكَلَ الدَّبَى نَبَاتهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْقُمَّل السُّوس الَّذِي فِي الْحِنْطَة . وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْبَرَاغِيث . وَقَالَ الْحَسَن : دَوَابّ سُود صِغَار . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْحَمْنَان , وَهُوَ ضَرْب مِنْ الْقُرَاد , وَاحِدهَا حَمْنَانَة . فَأَكَلَتْ دَوَابّهمْ وَزُرُوعهمْ , وَلَزِمَتْ جُلُودهمْ كَأَنَّهَا الْجُدَرِيّ عَلَيْهِمْ , وَمَنَعَهُمْ النَّوْم وَالْقَرَار . وَقَالَ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت : الْقُمَّل الْجِعْلَان . وَالْقُمَّل عِنْد أَهْل اللُّغَة ضَرْب مِنْ الْقِرْدَانِ . قَالَ أَبُو الْحَسَن الْأَعْرَابِيّ الْعَدَوِيّ : الْقُمَّل دَوَابّ صِغَار مِنْ جِنْس الْقِرْدَانِ ; إِلَّا أَنَّهَا أَصْغَر مِنْهَا , وَاحِدَتهَا قَمْلَة . قَالَ النَّحَّاس : وَلَيْسَ هَذَا بِنَاقِضٍ لِمَا قَالَهُ أَهْل التَّفْسِير ; لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ تَكُون هَذِهِ الْأَشْيَاء كُلّهَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ , وَهِيَ أَنَّهَا كُلّهَا تَجْتَمِع فِي أَنَّهَا تُؤْذِيهِمْ . وَذَكَرَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ كَانَ " بِعَيْنِ شَمْس " كَثِيب مِنْ رَمْل فَضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ فَصَارَ قُمَّلًا . وَوَاحِد الْقُمَّل قَمْلَة . وَقِيلَ : الْقُمَّل الْقَمْل ; قَالَهُ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ . وَفِي قِرَاءَة الْحَسَن " وَالْقَمْل " بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الْمِيم فَتَضَرَّعُوا فَلَمَّا كُشِفَ عَنْهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا ; فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الضَّفَادِع , جَمْع ضُفْدَع وَهِيَ الْمَعْرُوفَة الَّتِي تَكُون فِي الْمَاء , وَفِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة هِيَ أَنَّ النَّهْي وَرَدَ عَنْ قَتْلِهَا ; أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيح . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ الذُّهْلِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل الصُّرَد وَالضُّفْدَع وَالنَّمْلَة وَالْهُدْهُد . وَخَرَّجَ النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان أَنَّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضُفْدَعًا فِي دَوَاء عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْله . صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : الصُّرَد أَوَّل طَيْر صَامَ . وَلَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ الشَّأْم إِلَى الْحَرَم فِي بِنَاء الْبَيْت كَانَتْ السَّكِينَة مَعَهُ وَالصُّرَد ; فَكَانَ الصُّرَد دَلِيله إِلَى الْمَوْضِع , وَالسَّكِينَة مِقْدَاره . فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْبُقْعَة وَقَعَتْ السَّكِينَة عَلَى مَوْضِع الْبَيْت وَنَادَتْ : اِبْن يَا إِبْرَاهِيم عَلَى مِقْدَار ظِلِّي ; فَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل الصُّرَد ; لِأَنَّهُ كَانَ دَلِيل إِبْرَاهِيم عَلَى الْبَيْت , وَعَنْ الضُّفْدَع لِأَنَّهَا كَانَتْ تَصُبّ الْمَاء عَلَى نَار إِبْرَاهِيم . وَلَمَّا تَسَلَّطَتْ عَلَى فِرْعَوْن جَاءَتْ فَأَخَذَتْ الْأَمْكِنَة كُلّهَا , فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى التَّنُّور وَثَبَتْ فِيهَا وَهِيَ نَار تُسَعَّر طَاعَة لِلَّهِ . فَجَعَلَ اللَّه نَقِيقهَا تَسْبِيحًا . يُقَال : إِنَّهَا أَكْثَر الدَّوَابّ تَسْبِيحًا . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : لَا تَقْتُلُوا الضُّفْدَع فَإِنَّ نَقِيقه الَّذِي تَسْمَعُونَ تَسْبِيحٌ . فَرُوِيَ أَنَّهَا مَلَأَتْ فُرُشهمْ وَأَوْعِيَتهمْ وَطَعَامهمْ وَشَرَابهمْ ; فَكَانَ الرَّجُل يَجْلِس إِلَى ذَقَنه فِي الضَّفَادِع , وَإِذَا تَكَلَّمَ وَثَبَ الضُّفْدَع فِي فِيهِ . فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى وَقَالُوا : نَتُوب ; فَكَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ ذَلِكَ فَعَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ ; فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الدَّم فَسَالَ النِّيل عَلَيْهِمْ دَمًا . وَكَانَ الْإِسْرَائِيلِيّ يَغْتَرِف مِنْهُ الْمَاء , وَالْقِبْطِيّ الدَّم . وَكَانَ الْإِسْرَائِيلِيّ يَصُبّ الْمَاء فِي فَم الْقِبْطِيّ فَيَصِير دَمًا , وَالْقِبْطِيّ يَصُبّ الدَّم فِي فَم الْإِسْرَائِيلِيّ فَيَصِير مَاء زُلَالًا . " آيَات مُفَصَّلَات " أَيْ مُبَيَّنَات ظَاهِرَات ; عَنْ مُجَاهِد . قَالَ الزَّجَّاج : " آيَات مُفَصَّلَات " نَصْب عَلَى الْحَال . وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ بَيْن الْآيَة وَالْآيَة ثَمَانِيَة أَيَّام . وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ يَوْمًا . وَقِيلَ : شَهْر ; فَلِهَذَا قَالَ " مُفَصَّلَات " . " فَاسْتَكْبَرُوا " أَيْ تَرَفَّعُوا عَنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ تَعَالَى .
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَیۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ یَـٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَىِٕن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ﴿١٣٤﴾
" الرِّجْز " أَيْ الْعَذَاب . وَقُرِئَ بِضَمِّ الرَّاء , لُغَتَانِ . قَالَ اِبْن جُبَيْر : كَانَ طَاعُونًا مَاتَ بِهِ مِنْ الْقِبْط فِي يَوْم وَاحِد سَبْعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالرِّجْزِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْآيَات .





" مَا " بِمَعْنَى الَّذِي , أَيْ بِمَا اِسْتَوْدَعَك مِنْ الْعِلْم , أَوْ بِمَا اِخْتَصَّك بِهِ فَنَبَّأَك . وَقِيلَ : هَذَا قَسَم , أَيْ بِعَهْدِهِ عِنْدك إِلَّا مَا دَعَوْت لَنَا ; فَـ " مَا " صِلَة .





أَيْ بِدُعَائِك لِإِلَهِك حَتَّى يَكْشِف عَنَّا .





أَيْ نُصَدِّقك بِمَا جِئْت بِهِ .





وَكَانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُمْ .
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰۤ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ یَنكُثُونَ ﴿١٣٥﴾
يَعْنِي أَجَلهمْ الَّذِي ضُرِبَ لَهُمْ فِي التَّغْرِيق .





أَيْ يَنْقُضُونَ مَا عَقَدُوهُ عَلَى أَنْفُسهمْ .
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡیَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَـٰفِلِینَ ﴿١٣٦﴾
وَالْيَمّ الْبَحْر . " وَكَانُوا عَنْهَا " أَيْ النِّقْمَة . دَلَّ عَلَيْهَا " فَانْتَقَمْنَا " . وَقِيلَ : عَنْ الْآيَات أَيْ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِهَا حَتَّى صَارُوا كَالْغَافِلِينَ عَنْهَا .
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِینَ كَانُواْ یُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِی بَـٰرَكۡنَا فِیهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ یَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ یَعۡرِشُونَ ﴿١٣٧﴾
يُرِيد بَنِي إِسْرَائِيل .





أَيْ يُسْتَذَلُّونَ بِالْخِدْمَةِ .





زَعَمَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَنَّ الْأَصْل " فِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا " ثُمَّ حُذِفَ " فِي " فَنُصِبَ . وَالظَّاهِر أَنَّهُمْ وَرِثُوا أَرْض الْقِبْط . فَهُمَا نَصْب عَلَى الْمَفْعُول الصَّرِيح ; يُقَال : وَرِثْت الْمَال وَأَوْرَثْته الْمَال ; فَلَمَّا تَعَدَّى الْفِعْل بِالْهَمْزَةِ نَصَبَ مَفْعُولَيْنِ . وَالْأَرْض هِيَ أَرْض الشَّأْم وَمِصْر . وَمَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا جِهَات الشَّرْق وَالْغَرْب بِهَا ; فَالْأَرْض مَخْصُوصَة , عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : أَرَادَ جَمِيع الْأَرْض ; لِأَنَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل دَاوُد وَسُلَيْمَان وَقَدْ مَلَكَا الْأَرْض .





أَيْ بِإِخْرَاجِ الزُّرُوع وَالثِّمَار وَالْأَنْهَار .





هِيَ قَوْله : " وَنُرِيد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة وَنَجْعَلهُمْ الْوَارِثِينَ " [ الْقَصَص : 5 ] .





أَيْ بِصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَى فِرْعَوْن , وَعَلَى أَمْر اللَّه بَعْد أَنْ آمَنُوا بِمُوسَى .





يُقَال : عَرَشَ يَعْرِش إِذَا بَنَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : أَيْ مَا كَانُوا يَبْنُونَ مِنْ الْقُصُور وَغَيْرهَا . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ تَعْرِيش الْكَرْم . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم " يَعْرُشُون " بِضَمِّ الرَّاء . قَالَ الْكِسَائِيّ : هِيَ لُغَة تَمِيم . وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَضَمّ الْيَاء .
قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنِّی ٱصۡطَفَیۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِی وَبِكَلَـٰمِی فَخُذۡ مَاۤ ءَاتَیۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ ﴿١٤٤﴾
الِاصْطِفَاء : الِاجْتِبَاء ; أَيْ فَضَّلْتُك . وَلَمْ يَقُلْ عَلَى الْخَلْق ; لِأَنَّ مِنْ هَذَا الِاصْطِفَاء أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَقَدْ كَلَّمَ الْمَلَائِكَة وَأَرْسَلَهُ وَأَرْسَلَ غَيْره . فَالْمُرَاد " عَلَى النَّاس " الْمُرْسَل إِلَيْهِمْ . وَقَرَأَ " بِرِسَالَتِي " عَلَى الْإِفْرَاد نَافِع وَابْن كَثِير . وَالْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ . وَالرِّسَالَة مَصْدَر , فَيَجُوز إِفْرَادهَا . وَمَنْ جَمَعَ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ بِضُرُوبٍ مِنْ الرِّسَالَة فَاخْتَلَفَتْ أَنْوَاعهَا , فَجُمِعَ الْمَصْدَر لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعه ; كَمَا قَالَ : " إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْتُ الْحَمِير " [ لُقْمَان : 19 ] . فَجَمَعَ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاس الْأَصْوَات وَاخْتِلَاف الْمُصَوِّتِينَ . وَوَحَّدَ فِي قَوْله " لَصَوْت " لَمَّا أَرَادَ بِهِ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْأَصْوَات . وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ قَوْمه لَمْ يُشَارِكهُ فِي التَّكْلِيم وَلَا وَاحِد مِنْ السَّبْعِينَ ; كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي " الْبَقَرَة " .





إِشَارَة إِلَى الْقَنَاعَة ; أَيْ اِقْنَعْ بِمَا أَعْطَيْتُك .





أَيْ مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِإِحْسَانِي إِلَيْك وَفَضْلِي عَلَيْك ; يُقَال : دَابَّة شَكُور إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنْ السِّمَن فَوْق مَا تُعْطَى مِنْ الْعَلَف . وَالشَّاكِر مُعَرَّض لِلْمَزِيدِ كَمَا قَالَ : " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ " [ إِبْرَاهِيم : 7 ] . وَيُرْوَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَكَثَ بَعْد أَنْ كَلَّمَهُ اللَّه تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة لَا يَرَاهُ أَحَد إِلَّا مَاتَ مِنْ نُور اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .
وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِی ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ مَّوۡعِظَةࣰ وَتَفۡصِیلࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ فَخُذۡهَا بِقُوَّةࣲ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ یَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِیكُمۡ دَارَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ﴿١٤٥﴾
يُرِيد التَّوْرَاة . وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِجَنَاحِهِ فَمَرَّ بِهِ فِي الْعُلَا حَتَّى أَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيف الْقَلَم حِين كَتَبَ اللَّه لَهُ الْأَلْوَاح ; ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم . وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَتْ الْأَلْوَاح مِنْ زُمُرُّدَة خَضْرَاء . اِبْن جُبَيْر : مِنْ يَاقُوتَة حَمْرَاء . أَبُو الْعَالِيَة : مِنْ زَبَرْجَد . الْحَسَن : مِنْ خَشَب ; نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاء . وَقِيلَ : مِنْ صَخْرَة صَمَّاء , لَيَّنَهَا اللَّه لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَطَعَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ شَقَّهَا بِأَصَابِعِهِ ; فَأَطَاعَتْهُ كَالْحَدِيدِ لِدَاوُد . قَالَ مُقَاتِل : أَيْ كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاح كَنَقْشِ الْخَاتَم . رَبِيع بْن أَنَس : نَزَلَتْ التَّوْرَاة وَهِيَ سَبْعُونَ وِقْر بَعِير . وَأَضَافَ الْكِتَابَة إِلَى نَفْسه عَلَى جِهَة التَّشْرِيف ; إِذْ هِيَ مَكْتُوبَة بِأَمْرِهِ كَتَبَهَا جِبْرِيل بِالْقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْر . وَاسْتُمِدَّ مِنْ نَهَر النُّور . وَقِيلَ : هِيَ كِتَابَة أَظْهَرَهَا اللَّه وَخَلَقَهَا فِي الْأَلْوَاح . وَأَصْل اللَّوْح : لَوْح ( بِفَتْحِ اللَّام ) ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " بَلْ هُوَ قُرْآن مَجِيد . فِي لَوْح مَحْفُوظ " [ الْبُرُوج : 21 , 22 ] . فَكَأَنَّ اللَّوْح تَلُوح فِيهِ الْمَعَانِي . وَيُرْوَى أَنَّهَا لَوْحَانِ , وَجَاءَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْع . وَيُقَال : رَجُل عَظِيم الْأَلْوَاح إِذَا كَانَ كَبِير عَظْم الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ . اِبْن عَبَّاس : وَتَكَسَّرَتْ الْأَلْوَاح حِين أَلْقَاهَا فَرُفِعَتْ إِلَّا سُدُسهَا . وَقِيلَ : بَقِيَ سُبُعهَا وَرُفِعَتْ سِتَّة أَسْبَاعِهَا . فَكَانَ فِي الَّذِي رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْء , وَفِي الَّذِي بَقِيَ الْهُدَى وَالرَّحْمَة . وَأَسْنَدَ أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى بْن عِمْرَان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة ; فَلَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاح تَكَسَّرَتْ فَصَامَ مِثْلهَا فَرُدَّتْ إِلَيْهِ . وَمَعْنَى " مِنْ كُلّ شَيْء " مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ فِي دِينه مِنْ الْأَحْكَام وَتَبْيِين الْحَلَال وَالْحَرَام ; عَنْ الثَّوْرِيّ وَغَيْره . وَقِيلَ : هُوَ لَفْظ يُذْكَر تَفْخِيمًا وَلَا يُرَاد بِهِ التَّعْمِيم ; تَقُول : دَخَلْت السُّوق فَاشْتَرَيْت كُلّ شَيْء . وَعِنْد فُلَان كُلّ شَيْء . وَ " تُدَمِّر كُلَّ شَيْء " [ الْأَحْقَاف : 25 ] . " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء " [ النَّمْل : 23 ] . وَقَدْ تَقَدَّمَ .







أَيْ لِكُلِّ شَيْء أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَحْكَام ; فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ اِجْتِهَاد , وَإِنَّمَا خُصَّ بِذَلِكَ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .





فِي الْكَلَام حَذْف , أَيْ فَقُلْنَا لَهُ : خُذْهَا بِقُوَّةٍ ; أَيْ بِجِدٍّ وَنَشَاط . نَظِيره " خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ " [ الْبَقَرَة : 63 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ .





أَيْ يَعْمَلُوا بِالْأَوَامِرِ وَيَتْرُكُوا النَّوَاهِي , وَيَتَدَبَّرُوا الْأَمْثَال وَالْمَوَاعِظ . نَظِيره " وَاتَّبِعُوا أَحْسَن مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ " [ الزُّمَر : 55 ] . وَقَالَ : " فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنه " [ الزُّمَر : 18 ] . وَالْعَفْو أَحْسَن مِنْ الِاقْتِصَاص . وَالصَّبْر أَحْسَن مِنْ الِانْتِصَار . وَقِيلَ : أَحْسَنهَا الْفَرَائِض وَالنَّوَافِل , وَأَدْوَنهَا الْمُبَاح .





قَالَ الْكَلْبِيّ : " دَار الْفَاسِقِينَ " مَا مَرُّوا عَلَيْهِ إِذَا سَافَرُوا مِنْ مَنَازِل عَاد وَثَمُود , وَالْقُرُون الَّتِي أُهْلِكُوا . وَقِيلَ : هِيَ جَهَنَّم ; عَنْ الْحَسَن وَمُجَاهِد . أَيْ فَلْتَكُنْ مِنْكُمْ عَلَى ذِكْر , فَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنْهَا . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهَا مِصْر ; أَيْ سَأُرِيكُمْ دِيَار الْقِبْط وَمَسَاكِن فِرْعَوْن خَالِيَة عَنْهُمْ ; عَنْ اِبْن جُبَيْر . قَتَادَة : الْمَعْنَى سَأُرِيكُمْ مَنَازِل الْكُفَّار الَّتِي سَكَنُوهَا قَبْلكُمْ مِنْ الْجَبَابِرَة وَالْعَمَالِقَة لِتَعْتَبِرُوا بِهَا ; يَعْنِي الشَّأْم . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَدُلّ عَلَيْهِمَا " وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم " [ الْأَعْرَاف : 137 ] الْآيَة . " وَنُرِيد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض " [ الْقَصَص : 5 ] الْآيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَقَسَامَة بْن زُهَيْر " سَأُوَرِّثُكُمْ " مِنْ وَرَّثَ . وَهَذَا ظَاهِر . وَقِيلَ : الدَّار الْهَلَاك , وَجَمْعه أَدْوَار . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ فِرْعَوْن أَوْحَى إِلَى الْبَحْر أَنْ اِقْذِفْ بِأَجْسَادِهِمْ إِلَى السَّاحِل , قَالَ : فَفَعَلَ ; فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بَنُو إِسْرَائِيل فَأَرَاهُمْ هَلَاك الْفَاسِقِينَ .
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَایَـٰتِیَ ٱلَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن یَرَوۡاْ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن یَرَوۡاْ سَبِیلَ ٱلرُّشۡدِ لَا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰا وَإِن یَرَوۡاْ سَبِیلَ ٱلۡغَیِّ یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَـٰفِلِینَ ﴿١٤٦﴾
قَالَ قَتَادَة : سَأَمْنَعُهُمْ فَهْمَ كِتَابِي . وَقَالَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة . وَقِيلَ : سَأَصْرِفُهُمْ عَنْ الْإِيمَان بِهَا . وَقِيلَ : سَأَصْرِفُهُمْ عَنْ نَفْعهَا ; وَذَلِكَ مُجَازَاة عَلَى تَكَبُّرهمْ . نَظِيره : " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ " [ الصَّفّ : 5 ] . وَالْآيَات عَلَى هَذَا الْمُعْجِزَاتُ أَوْ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَة . وَقِيلَ : خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . أَيْ أَصْرِفهُمْ عَنْ الِاعْتِبَار بِهَا . " يَتَكَبَّرُونَ " يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَفْضَل الْخَلْق . وَهَذَا ظَنّ بَاطِل ; فَلِهَذَا قَالَ : " بِغَيْرِ الْحَقّ " فَلَا يَتَّبِعُونَ نَبِيًّا وَلَا يَصْغُونَ إِلَيْهِ لِتَكَبُّرِهِمْ .





يَعْنِي : هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ . أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ طَرِيق الرَّشَاد وَيَتَّبِعُونَ سَبِيل الْغَيّ وَالضَّلَال ; أَيْ الْكُفْر يَتَّخِذُونَهُ دِينًا .



ثُمَّ عَلَّلَ فَقَالَ : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " أَيْ ذَلِكَ الْفِعْل الَّذِي فَعَلْته بِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ .





أَيْ كَانُوا فِي تَرْكِهِمْ تَدَبُّر الْحَقّ كَالْغَافِلِينَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا غَافِلِينَ عَمَّا يُجَازَوْنَ بِهِ ; كَمَا يُقَال : مَا أَغْفَلَ فُلَان عَمَّا يُرَاد بِهِ ; وَقَرَأَ مَالِك بْن دِينَار " وَإِنْ يُرَوْا " بِضَمِّ الْيَاء فِي الْحَرْفَيْنِ ; أَيْ يَفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْبَصْرَة " سَبِيل الرُّشْد " بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَان الشِّين . وَأَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا " الرَّشَد " بِفَتْحِ الرَّاء وَالشِّين . قَالَ أَبُو عُبَيْد : فَرَّقَ أَبُو عَمْرو بَيْن الرُّشْد وَالرَّشَد فَقَالَ : الرُّشْد فِي الصَّلَاح . وَالرَّشَد فِي الدِّين . قَالَ النَّحَّاس : " سِيبَوَيْهِ يَذْهَب إِلَى أَنَّ الرُّشْد وَالرَّشَد مِثْل السُّخْط وَالسَّخَط , وَكَذَا قَالَ الْكِسَائِيّ . وَالصَّحِيح عَنْ أَبِي عَمْرو غَيْر مَا قَالَ أَبُو عُبَيْد . قَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء قَالَ : إِذَا كَانَ الرُّشْد وَسَط الْآيَة فَهُوَ مُسَكَّن , وَإِذَا كَانَ رَأْس الْآيَة فَهُوَ مُحَرَّك . قَالَ النَّحَّاس : يَعْنِي بِرَأْسِ الْآيَة نَحْو " وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا " [ الْكَهْف : 10 ] فَهُمَا عِنْده لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد ; إِلَّا أَنَّهُ فَتَحَ هَذَا لِتَتَّفِقَ الْآيَات . وَيُقَال : رَشَدَ يَرْشُد , وَرَشُدَ يَرْشُد . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ رَشِدَ يَرْشَد . وَحَقِيقَة الرُّشْد وَالرَّشَد فِي اللُّغَة أَنْ يَظْفَر الْإِنْسَان بِمَا يُرِيد , وَهُوَ ضِدّ الْخَيْبَة " .
وَٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَلِقَاۤءِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡۚ هَلۡ یُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿١٤٧﴾
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِیِّهِمۡ عِجۡلࣰا جَسَدࣰا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا یُكَلِّمُهُمۡ وَلَا یَهۡدِیهِمۡ سَبِیلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِینَ ﴿١٤٨﴾
أَيْ مِنْ بَعْد خُرُوجه إِلَى الطُّور .





هَذِهِ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْبَصْرَة . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا " مِنْ حِلِيِّهِمْ " بِكَسْرِ الْحَاء . وَقَرَأَ يَعْقُوب " مِنْ حَلْيِهِمْ " بِفَتْحِ الْحَاء وَالتَّخْفِيف . قَالَ النَّحَّاس : جَمْع حَلْي حُلِيّ وَحِلِيّ ; مِثْل ثَدْي وَثُدِيْ وَثُدِيّ . وَالْأَصْل " حُلُوِي " ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْوَاو فِي الْيَاء فَانْكَسَرَتْ اللَّام لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاء , وَتُكْسَر الْحَاء لِكَسْرَةِ اللَّام . وَضَمُّهَا عَلَى الْأَصْل .





مَفْعُول .





نَعْت أَوْ بَدَل .





رَفْع بِالِابْتِدَاءِ . يُقَال : خَارَ يَخُور خُوَارًا إِذَا صَاحَ . وَكَذَلِكَ جَأَرَ يَجْأَر جُؤَارًا . وَيُقَال : خَوِرَ يَخْوَر خَوَرًا إِذَا جَبُنَ وَضَعُفَ . وَرُوِيَ فِي قَصَص الْعِجْل : أَنَّ السَّامِرِيّ , وَاسْمه مُوسَى بْن ظَفَر , يُنْسَب إِلَى قَرْيَة تُدْعَى سَامِرَة . وُلِدَ عَام قَتْل الْأَبْنَاء , وَأَخْفَتْهُ أُمّه فِي كَهْف جَبَل فَغَذَّاهُ جِبْرِيل فَعَرَفَهُ لِذَلِكَ ; فَأَخَذَ - حِين عَبَرَ الْبَحْر عَلَى فَرَس وَدِيق لِيَتَقَدَّم فِرْعَوْن فِي الْبَحْر - قَبْضَة مِنْ أَثَر حَافِر الْفَرَس . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " فَقَبَضْت قَبْضَة مِنْ أَثَر الرَّسُول " [ طَه : 96 ] . وَكَانَ مُوسَى وَعَدَ قَوْمه ثَلَاثِينَ يَوْمًا , فَلَمَّا أَبْطَأَ فِي الْعَشْر الزَّائِد وَمَضَتْ ثَلَاثُونَ لَيْلَة قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ : إِنَّ مَعَكُمْ حُلِيًّا مِنْ حُلِيّ آلِ فِرْعَوْن , وَكَانَ لَهُمْ عِيد يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ وَيَسْتَعِيرُونَ مِنْ الْقِبْط الْحُلِيّ فَاسْتَعَارُوا لِذَلِكَ الْيَوْم ; فَلَمَّا أَخْرَجَهُمْ اللَّه مِنْ مِصْر وَغَرِقَ الْقِبْط بَقِيَ ذَلِكَ الْحُلِيّ فِي أَيْدِيهمْ , فَقَالَ لَهُمْ السَّامِرِيّ : إِنَّهُ حَرَام عَلَيْكُمْ , فَهَاتُوا مَا عِنْدكُمْ فَنُحَرِّقُهُ . وَقِيلَ : هَذَا الْحُلِيّ مَا أَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيل مِنْ قَوْم فِرْعَوْن بَعْد الْغَرَق , وَأَنَّ هَارُون قَالَ لَهُمْ : إِنَّ الْحُلِيّ غَنِيمَة , وَهِيَ لَا تَحِلّ لَكُمْ ; فَجَمَعَهَا فِي حُفْرَة حَفَرَهَا فَأَخَذَهَا السَّامِرِيّ . وَقِيلَ : اِسْتَعَارُوا الْحُلِيّ لَيْلَة أَرَادُوا الْخُرُوج مِنْ مِصْر , وَأَوْهَمُوا الْقِبْط أَنَّ لَهُمْ عُرْسًا أَوْ مُجْتَمَعًا , وَكَانَ السَّامِرِيّ سَمِعَ قَوْلهمْ " اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة " [ الْأَعْرَاف : 138 ] . وَكَانَتْ تِلْكَ الْآلِهَة عَلَى مِثَال الْبَقَر ; فَصَاغَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا , أَيْ مُصْمَتًا ; غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ خُوَارًا . وَقِيلَ : قَلَبَهُ اللَّه لَحْمًا وَدَمًا . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا أَلْقَى تِلْكَ الْقَبْضَة مِنْ التُّرَاب فِي النَّار عَلَى الْحُلِيّ صَارَ عِجْلًا لَهُ خُوَار ; فَخَارَ خَوْرَة وَاحِدَة وَلَمْ يُثَنِّ ثُمَّ قَالَ لِلْقَوْمِ : " هَذَا إِلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى فَنَسِيَ " [ طَه : 88 ] . يَقُول : نَسِيَهُ هَهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبهُ فَضَلَّ عَنْهُ - فَتَعَالَوْا نَعْبُد هَذَا الْعِجْل . فَقَالَ اللَّه لِمُوسَى وَهُوَ يُنَاجِيه : " فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمك مِنْ بَعْدِك وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيّ " [ طَه : 85 ] . فَقَالَ مُوسَى : يَا رَبّ , هَذَا السَّامِرِيّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا مِنْ حُلِيِّهِمْ , فَمَنْ جَعَلَ لَهُ جَسَدًا ؟ - يُرِيد اللَّحْم وَالدَّم - وَمَنْ جَعَلَ لَهُ خُوَارًا ؟ فَقَالَ اللَّه سُبْحَانه : أَنَا فَقَالَ : وَعِزَّتِك وَجَلَالِك مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُك . قَالَ صَدَقْت يَا حَكِيم الْحُكَمَاء . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُك " [ الْأَعْرَاف : 155 ] . وَقَالَ الْقَفَّال : كَانَ السَّامِرِيّ اِحْتَالَ بِأَنْ جَوَّفَ الْعِجْل , وَكَانَ قَابَلَ بِهِ الرِّيح , حَتَّى جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَاكِي الْخُوَار , وَأَوْهَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا صَارَ كَذَلِكَ لِمَا طُرِحَ فِي الْجَسَد مِنْ التُّرَاب الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ مِنْ تُرَاب قَوَائِم فَرَس جِبْرِيل . وَهَذَا كَلَام فِيهِ تَهَافُت ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ .







بَيَّنَ أَنَّ الْمَعْبُود يَجِبُ أَنْ يَتَّصِف بِالْكَلَامِ .







أَيْ طَرِيقًا إِلَى حُجَّة .







أَيْ إِلَهًا .







أَيْ لِأَنْفُسِهِمْ فِيمَا فَعَلُوا مِنْ اِتِّخَاذه . وَقِيلَ : وَصَارُوا ظَالِمِينَ أَيْ مُشْرِكِينَ لِجَعْلِهِمْ الْعِجْل إِلَهًا .
وَلَمَّا سُقِطَ فِیۤ أَیۡدِیهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَىِٕن لَّمۡ یَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَیَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ﴿١٤٩﴾
أَيْ بَعْد عَوْد مُوسَى مِنْ الْمِيقَات . يُقَال لِلنَّادِمِ الْمُتَحَيِّر : قَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ . قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال سُقِطَ فِي يَدِهِ , وَأُسْقِطَ . وَمَنْ قَالَ : سَقَطَ فِي أَيْدِيهمْ عَلَى بِنَاء الْفَاعِل ; فَالْمَعْنَى عِنْده : سَقَطَ النَّدَم ; قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَالنَّحَّاس وَغَيْرهمَا . وَالنَّدَم يَكُون فِي الْقَلْب , وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْيَد لِأَنَّهُ يُقَال لِمَنْ تَحَصَّلَ عَلَى شَيْء : قَدْ حَصَلَ فِي يَده أَمْر كَذَا ; لِأَنَّ مُبَاشَرَة الْأَشْيَاء فِي الْغَالِب بِالْيَدِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك " [ الْحَجّ : 10 ] . وَأَيْضًا : النَّدَم وَإِنْ حَلَّ فِي الْقَلْب فَأَثَره يَظْهَر فِي الْبَدَن ; لِأَنَّ النَّادِم يَعَضّ يَده ; وَيَضْرِب إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَأَصْبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا " [ الْكَهْف : 42 ] أَيْ نَدِمَ . " وَيَوْم يَعَضّ الظَّالِم عَلَى يَدَيْهِ " [ الْفُرْقَان : 27 ] أَيْ مِنْ النَّدَم . وَالنَّادِم يَضَع ذَقَنه فِي يَده . وَقِيلَ : أَصْله مِنْ الِاسْتِئْسَار , وَهُوَ أَنْ يَضْرِب الرَّجُل الرَّجُل أَوْ يَصْرَعهُ فَيَرْمِي بِهِ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْض لِيَأْسِرهُ أَوْ يُكَتِّفَهُ ; فَالْمَرْمِيّ مَسْقُوط بِهِ فِي يَد السَّاقِط .





أَيْ اِنْقَلَبُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّه .







أَخَذُوا فِي الْإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ وَالِاسْتِغْفَار . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " لَئِنْ لَمْ تَرْحَمنَا رَبّنَا وَتَغْفِر لَنَا " بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب . وَفِيهِ مَعْنَى الِاسْتِغَاثَة وَالتَّضَرُّع وَالِابْتِهَال فِي السُّؤَال وَالدُّعَاء . " رَبّنَا " بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْف النِّدَاء . وَهُوَ أَيْضًا أَبْلَغ فِي الدُّعَاء وَالْخُضُوع . فَقِرَاءَتهمَا أَبْلَغ فِي الِاسْتِكَانَة وَالتَّضَرُّع , فَهِيَ أَوْلَى .
وَجَـٰوَزۡنَا بِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمࣲ یَعۡكُفُونَ عَلَىٰۤ أَصۡنَامࣲ لَّهُمۡۚ قَالُواْ یَـٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَاۤ إِلَـٰهࣰا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةࣱۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمࣱ تَجۡهَلُونَ ﴿١٣٨﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ بِكَسْرِ الْكَاف , وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا . يُقَال : عَكَفَ يَعْكِف وَيَعْكُف بِمَعْنَى أَقَامَ عَلَى الشَّيْء وَلَزِمَهُ . وَالْمَصْدَر مِنْهُمَا عَلَى فُعُول . قَالَ قَتَادَة : كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْم مِنْ لَخْم , وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ وَقِيلَ : كَانَتْ أَصْنَامهمْ تَمَاثِيل بَقَر ; وَلِهَذَا أَخْرَجَ لَهُمْ السَّامِرِيّ عِجْلًا .





نَظِيره قَوْل جُهَّال الْأَعْرَاب وَقَدْ رَأَوْا شَجَرَة خَضْرَاء لِلْكُفَّارِ تُسَمَّى ذَات أَنْوَاط يُعَظِّمُونَهَا فِي كُلّ سَنَة يَوْمًا : يَا رَسُول اللَّه , اِجْعَلْ لَنَا ذَات أَنْوَاط كَمَا لَهُمْ ذَات أَنْوَاط . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( اللَّه أَكْبَر . قُلْتُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْم مُوسَى " اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إِنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ " لَتَرْكَبُنَّ سَنَن مَنْ قَبْلَكُمْ حَذْو الْقُذَّة بِالْقُذَّةِ حَتَّى إِنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ) . وَكَانَ هَذَا فِي مَخْرَجه إِلَى حُنَيْن , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ مُتَبَّرࣱ مَّا هُمۡ فِیهِ وَبَـٰطِلࣱ مَّا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿١٣٩﴾
أَيْ مُهْلَكٌ , وَالتَّبَار : الْهَلَاك . وَكُلّ إِنَاء مُكَسَّر مُتَبَّرٌ . وَأَمْر مُتَبَّر . أَيْ إِنَّ الْعَابِد وَالْمَعْبُود مُهْلَكَانِ .





أَيْ ذَاهِب مُضْمَحِلّ .







" كَانُوا " صِلَة زَائِدَة .
قَالَ أَغَیۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِیكُمۡ إِلَـٰهࣰا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٤٠﴾
أَيْ أَطْلُب لَكُمْ إِلَهًا غَيْر اللَّه تَعَالَى . يُقَال : بَغَيْته وَبَغَيْت لَهُ .





أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِكُمْ . وَقِيلَ : فَضَّلَهُمْ بِإِهْلَاكِ عَدُوّهُمْ , وَبِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ الْآيَات .
وَإِذۡ أَنجَیۡنَـٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَسُومُونَكُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ یُقَتِّلُونَ أَبۡنَاۤءَكُمۡ وَیَسۡتَحۡیُونَ نِسَاۤءَكُمۡۚ وَفِی ذَ ٰ⁠لِكُم بَلَاۤءࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِیمࣱ ﴿١٤١﴾
ذَكَّرَهُمْ مِنَّتَهُ . وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِيَهُودِ عَصْر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَيْ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْجَيْنَا أَسْلَافَكُمْ . حَسَب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي سُورَة " الْبَقَرَة "
۞ وَوَ ٰ⁠عَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَـٰهَا بِعَشۡرࣲ فَتَمَّ مِیقَـٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِیهِ هَـٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِی فِی قَوۡمِی وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِیلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿١٤٢﴾
ذَكَرَ أَنَّ مِمَّا كَرَّمَ اللَّه بِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا فَكَانَ وَعْده الْمُنَاجَاة إِكْرَامًا لَهُ . " وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَمَسْرُوق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : هِيَ ذُو الْقَعْدَة وَعَشْر مِنْ ذِي الْحِجَّة . أَمَرَهُ أَنْ يَصُوم الشَّهْر وَيَنْفَرِد فِيهِ بِالْعِبَادَةِ ; فَلَمَّا صَامَهُ أَنْكَرَ خُلُوف فَمه فَاسْتَاك . قِيلَ : بِعُودِ خَرْنُوب ; فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْشِق مِنْ فِيك رَائِحَة الْمِسْك فَأَفْسَدْته بِالسِّوَاكِ . فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْر لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّة . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ لَمَّا اِسْتَاك : ( يَا مُوسَى لَا أُكَلِّمك حَتَّى يَعُود فُوك إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل , أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَائِحَة الصَّائِم أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رِيح الْمِسْك ) . وَأَمَرَهُ بِصِيَامِ عَشَرَة أَيَّام . وَكَانَ كَلَام اللَّه تَعَالَى لِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاة النَّحْر حِين فَدَى إِسْمَاعِيل مِنْ الذَّبْح , وَأَكْمَلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجّ . وَحُذِفَتْ الْهَاء مِنْ عَشْر لِأَنَّ الْمَعْدُود مُؤَنَّث . وَالْفَائِدَة فِي قَوْله : " فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبّه أَرْبَعِينَ لَيْلَة " وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ثَلَاثِينَ وَعَشَرَة أَرْبَعُونَ , لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ الْمُرَاد أَتْمَمْنَا الثَّلَاثِينَ بِعَشْرٍ مِنْهَا ; فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَشْر سِوَى الثَّلَاثِينَ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِي الْبَقَرَة أَرْبَعِينَ وَقَالَ هُنَا ثَلَاثِينَ ; فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ الْبَدَاء . قِيلَ : لَيْسَ كَذَلِكَ ; فَقَدْ قَالَ : " وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ " وَالْأَرْبَعُونَ , وَالثَّلَاثُونَ وَالْعَشَرَة قَوْل وَاحِد لَيْسَ بِمُخْتَلِفٍ . وَإِنَّمَا قَالَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى تَفْصِيل وَتَأْلِيف ; قَالَ أَرْبَعِينَ فِي قَوْل مُؤَلَّف , وَقَالَ ثَلَاثِينَ , يَعْنِي شَهْرًا مُتَتَابِعًا وَعَشْرًا . وَكُلّ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَشْر وَأَرْبَع يَعْنِي أَرْبَع عَشْرَة , لَيْلَة الْبَدْر . وَهَذَا جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ ضَرْب الْأَجَل لِلْمُوَاعَدَةِ سُنَّة مَاضِيَة , وَمَعْنَى قَدِيم أَسَّسَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الْقَضَايَا , وَحَكَمَ بِهِ لِلْأُمَمِ , وَعَرَّفَهُمْ بِهِ مَقَادِير التَّأَنِّي فِي الْأَعْمَال . وَأَوَّل أَجَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى الْأَيَّام السِّتَّة الَّتِي خَلَقَ فِيهَا جَمِيع الْمَخْلُوقَات , " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب " [ ق : 38 ] . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ قَوْله : " إِنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام " [ الْأَعْرَاف : 54 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِذَا ضُرِبَ الْأَجَل لِمَعْنًى يُحَاوَل فِيهِ تَحْصِيل الْمُؤَجَّل فَجَاءَ الْأَجَل وَلَمْ يَتَيَسَّر زِيدَ فِيهِ تَبْصِرَة وَمَعْذِرَة . وَقَدْ بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا ثَلَاثِينَ ثُمَّ زَادَهُ عَشْرًا تَتِمَّة أَرْبَعِينَ . وَأَبْطَأَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي هَذِهِ الْعَشْر عَلَى قَوْمه ; فَمَا عَقَلُوا جَوَاز التَّأَنِّي وَالتَّأَخُّر حَتَّى قَالُوا : إِنَّ مُوسَى ضَلَّ أَوْ نَسِيَ , وَنَكَثُوا عَهْده وَبَدَّلُوا بَعْده , وَعَبَدُوا إِلَهًا غَيْر اللَّه . قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي ثَلَاثِينَ لَيْلَة أَنْ أَلْقَاهُ , وَأَخْلُف فِيكُمْ هَارُون , فَلَمَّا فَصَلَ مُوسَى إِلَى رَبّه زَادَهُ اللَّه عَشْرًا ; فَكَانَتْ فِتْنَتهمْ فِي الْعَشْر الَّتِي زَادَهُ اللَّه بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ عِبَادَة الْعِجْل ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . ثُمَّ الزِّيَادَة الَّتِي تَكُون عَلَى الْأَجَل تَكُون مُقَدَّرَة ; كَمَا أَنَّ الْأَجَل مُقَدَّر . وَلَا يَكُون إِلَّا بِاجْتِهَادٍ مِنْ الْحَاكِم بَعْد النَّظَر إِلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَة بِالْأَمْرِ : مِنْ وَقْت وَحَال وَعَمَل , فَيَكُون مِثْل ثُلُث الْمُدَّة السَّالِفَة ; كَمَا أَجَّلَ اللَّه لِمُوسَى . فَإِنْ رَأَى الْحَاكِم أَنْ يَجْمَع لَهُ الْأَصْل فِي الْأَجَل وَالزِّيَادَة فِي مُدَّة وَاحِدَة جَازَ , وَلَكِنْ لَا بُدّ مِنْ التَّرَبُّص بَعْدهَا لِمَا يَطْرَأ مِنْ الْعُذْر عَلَى الْبَشَر , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَعْذَرَ اللَّه إِلَى اِمْرِئٍ أَخَّرَ أَجَله حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَة ) . قُلْت : وَهَذَا أَيْضًا أَصْل لِإِعْذَارِ الْحُكَّام إِلَى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مَرَّة بَعْد أُخْرَى . وَكَانَ هَذَا لُطْفًا بِالْخَلْقِ , وَلِيَنْفُذ الْقِيَام عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ . يُقَال : أَعْذَرَ فِي الْأَمْر أَيْ بَالَغَ فِيهِ ; أَيْ أَعْذَرَ غَايَة الْإِعْذَار الَّذِي لَا إِعْذَار بَعْده . وَأَكْبَر الْإِعْذَار إِلَى بَنِي آدَم بَعْثَة الرُّسُل إِلَيْهِمْ لِتَتِمّ حُجَّته عَلَيْهِمْ , " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا " [ الْإِسْرَاء : 15 ] . وَقَالَ " وَجَاءَكُمْ النَّذِير " [ فَاطِر : 37 ] قِيلَ : هُمْ الرُّسُل . اِبْن عَبَّاس : هُوَ الشَّيْب . فَإِنَّهُ يَأْتِي فِي سِنّ الِاكْتِهَال , فَهُوَ عَلَامَة لِمُفَارَقَةِ سِنّ الصِّبَا . وَجَعَلَ السِّتِّينَ غَايَة الْإِعْذَار لِأَنَّ السِّتِّينَ قَرِيب مِنْ مُعْتَرَك الْعِبَاد , وَهُوَ سِنّ الْإِنَابَة وَالْخُشُوع وَالِاسْتِسْلَام لِلَّهِ , وَتَرَقُّب الْمَنِيَّة وَلِقَاء اللَّه ; فَفِيهِ إِعْذَار بَعْد إِعْذَار . الْأَوَّل بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام , وَالثَّانِي بِالشَّيْبِ ; وَذَلِكَ عِنْد كَمَالِ الْأَرْبَعِينَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَة قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك " [ الْأَحْقَاف : 15 ] . فَذَكَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَدْ آنَ لَهُ أَنْ يَعْلَم مِقْدَار نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْهِ وَيَشْكُرهَا . قَالَ مَالِك : أَدْرَكْت أَهْل الْعِلْم بِبَلَدِنَا , وَهُمْ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا وَيُخَالِطُونَ النَّاس حَتَّى يَأْتِي لِأَحَدِهِمْ أَرْبَعُونَ سَنَة ; فَإِذَا أَتَتْ عَلَيْهِمْ اِعْتَزَلُوا النَّاس . وَدَلَّتْ الْآيَة أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّارِيخ يَكُون بِاللَّيَالِي دُون الْأَيَّام ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " ثَلَاثِينَ لَيْلَة " لِأَنَّ اللَّيَالِيَ أَوَائِل الشُّهُور . وَبِهَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ تُخْبِر عَنْ الْأَيَّام ; حَتَّى رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُول : صُمْنَا خَمْسًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْعَجَم تُخَالِف فِي ذَلِكَ , فَتَحْسِب بِالْأَيَّامِ ; لِأَنَّ مُعَوَّلَهَا عَلَى الشَّمْس . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَحِسَاب الشَّمْس لِلْمَنَافِعِ , وَحِسَاب الْقَمَر لِلْمَنَاسِكِ ; وَلِهَذَا قَالَ : " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة " . فَيُقَال : أَرَّخْت تَارِيخًا , وَوَرَّخْت تَوْرِيخًا ; لُغَتَانِ .





الْمَعْنَى : وَقَالَ مُوسَى حِين أَرَادَ الْمُضِيّ لِلْمُنَاجَاةِ وَالْمَغِيب فِيهَا لِأَخِيهِ هَارُون : كُنْ خَلِيفَتِي ; فَدَلَّ عَلَى النِّيَابَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِعَلِيٍّ حِين خَلَّفَهُ فِي بَعْض مَغَازِيه : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ) . فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الرَّوَافِضُ وَالْإِمَامِيَّةُ وَسَائِر فِرَقِ الشِّيعَةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ عَلِيًّا عَلَى جَمِيع الْأُمَّة ; حَتَّى كَفَّرَ الصَّحَابَة الْإِمَامِيَّة - قَبَّحَهُمْ اللَّه - لِأَنَّهُمْ عِنْدهمْ تَرَكُوا الْعَمَل الَّذِي هُوَ النَّصّ عَلَى اِسْتِخْلَاف عَلِيٍّ وَاسْتَخْلَفُوا غَيْره بِالِاجْتِهَادِ مِنْهُمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا إِذْ لَمْ يَقُمْ بِطَلَبِ حَقّه . وَهَؤُلَاءِ لَا شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ وَكُفْر مَنْ تَبِعَهُمْ عَلَى مَقَالَتِهِمْ , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اِسْتِخْلَاف فِي حَيَاة كَالْوَكَالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ الْمُوَكَّل أَوْ بِمَوْتِهِ , لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَمَادٍ بَعْد وَفَاته ; فَيَنْحَلّ عَلَى هَذَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِمَامِيَّة وَغَيْرهمْ . وَقَدْ اِسْتَخْلَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَة اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَغَيْره , وَلَمْ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِسْتِخْلَافه دَائِمًا بِالِاتِّفَاقِ . عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ هَارُون شُرِّكَ مَعَ مُوسَى فِي أَصْل الرِّسَالَة , فَلَا يَكُون لَهُمْ فِيهِ عَلَى مَا رَامُوهُ دَلَالَة . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلْهِدَايَةِ . قَوْله تَعَالَى : " وَأَصْلِحْ " أَمْر بِالْإِصْلَاحِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانَ مِنْ الْإِصْلَاح أَنْ يَزْجُر السَّامِرِيّ وَيُغَيِّر عَلَيْهِ . وَقِيلَ : أَيْ اُرْفُقْ بِهِمْ , وَأَصْلِحْ أَمْرَهُمْ , وَأَصْلِحْ نَفْسك ; أَيْ كُنْ مُصْلِحًا .





أَيْ لَا تَسْلُكْ سَبِيلَ الْعَاصِينَ , وَلَا تَكُنْ عَوْنًا لِلظَّالِمِينَ .
وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿١٤٣﴾
أَيْ فِي الْوَقْت الْمَوْعُود .







أَيْ أَسْمَعَهُ كَلَامه مِنْ غَيْر وَاسِطَة .





سَأَلَ النَّظَرَ إِلَيْهِ ; وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَمَّا أَسْمَعَهُ كَلَامه .





أَيْ فِي الدُّنْيَا . وَلَا يَجُوز الْحَمْل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : أَرِنِي آيَة عَظِيمَة لِأَنْظُرَ إِلَى قُدْرَتك ; لِأَنَّهُ قَالَ " إِلَيْك " وَ " قَالَ لَنْ تَرَانِي " . وَلَوْ سَأَلَ آيَة لَأَعْطَاهُ اللَّه مَا سَأَلَ , كَمَا أَعْطَاهُ سَائِر الْآيَات . وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا مَقْنَع عَنْ طَلَب آيَة أُخْرَى ; فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيل .





ضَرَبَ لَهُ مِثَالًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَتِهِ وَأَثْبَتُ . أَيْ فَإِنْ ثَبَتَ الْجَبَل وَسَكَنَ فَسَوْفَ تَرَانِي , وَإِنْ لَمْ يَسْكُن فَإِنَّك لَا تُطِيق رُؤْيَتِي , كَمَا أَنَّ الْجَبَل لَا يُطِيق رُؤْيَتِي . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب مَا مَعْنَاهُ : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى اللَّه فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا , وَأَنَّ الْجَبَل رَأَى رَبّه فَصَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكِ خَلْقه اللَّه لَهُ . وَاسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : " وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِنْ اِسْتَقَرَّ مَكَانه فَسَوْفَ تَرَانِي " . ثُمَّ قَالَ





وَتَجَلَّى مَعْنَاهُ ظَهَرَ ; مِنْ قَوْلك : جَلَوْت الْعَرُوس أَيْ أَبْرَزْتهَا . وَجَلَوْت السَّيْف أَبْرَزْته مِنْ الصَّدَإِ ; جِلَاء فِيهِمَا . وَتَجَلَّى الشَّيْء اِنْكَشَفَ . وَقِيلَ : تَجَلَّى أَمْره وَقُدْرَته ; قَالَهُ قُطْرُب وَغَيْره . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْبَصْرَة " دَكًّا " ; يَدُلّ عَلَى صِحَّتِهَا " دُكَّتْ الْأَرْض دَكًّا " [ الْفَجْر : 21 ] وَأَنَّ الْجَبَل مُذَكَّر . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة " دَكَّاء " أَيْ جَعَلَهُ مِثْل أَرْض دَكَّاء , وَهِيَ النَّاتِئَة لَا تَبْلُغ أَنْ تَكُون جَبَلًا . وَالْمُذَكَّر أَدَكّ , وَجَمْع دَكَّاء دَكَّاوَات وَدُكٌّ ; مِثْل حَمْرَاوَات وَحُمْر . قَالَ الْكِسَائِيّ : الدُّكّ مِنْ الْجِبَال : الْعِرَاض , وَاحِدهَا أَدَكّ . غَيْره : وَالدَّكَّاوَات جَمْع دَكَّاء : رَوَابٍ مِنْ طِين لَيْسَتْ بِالْغِلَاظِ . وَالدِّكْدَاك كَذَلِكَ مِنْ الرَّمْل : مَا اِلْتَبَدَ بِالْأَرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِع . وَنَاقَة دَكَّاء لَا سَنَام لَهَا . وَفِي التَّفْسِير : فَسَاخَ الْجَبَل فِي الْأَرْض ; فَهُوَ يَذْهَب فِيهَا حَتَّى الْآن . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : جَعَلَهُ تُرَابًا . عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : رَمْلًا هَائِلًا . " وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا " أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة . وَقِيلَ : مَيِّتًا ; يُقَال : صَعِقَ الرَّجُل فَهُوَ صَعِق . وَصُعِقَ فَهُوَ مَصْعُوق . وَقَالَ قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : خَرَّ مُوسَى صَعِقًا يَوْم الْخَمِيس يَوْم عَرَفَة , وَأُعْطِيَ التَّوْرَاة يَوْم الْجُمْعَة يَوْم النَّحْر .





قَالَ مُجَاهِد : مِنْ مَسْأَلَة الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : سَأَلَ مِنْ غَيْر اِسْتِئْذَان ; فَلِذَلِكَ تَابَ . وَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى جِهَة الْإِنَابَة إِلَى اللَّه وَالْخُشُوع لَهُ عِنْد ظُهُور الْآيَات . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَة مَا كَانَتْ عَنْ مَعْصِيَة ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ . وَأَيْضًا عِنْد أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة الرُّؤْيَة جَائِزَة . وَعِنْد الْمُبْتَدِعَة سَأَلَ لِأَجْلِ الْقَوْم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهَا غَيْر جَائِزَة , وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّوْبَة . فَقِيلَ : أَيْ تُبْت إِلَيْك مِنْ قَتْل الْقِبْطِيّ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْعَام " بَيَان أَنَّ الرُّؤْيَة جَائِزَة . قَالَ عَلِيّ بْن مَهْدِيّ الطَّبَرِيّ : لَوْ كَانَ سُؤَال مُوسَى مُسْتَحِيلًا مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَته بِاَللَّهِ ; كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول لَهُ يَا رَبّ أَلَكَ صَاحِبَة وَوَلَد . وَسَيَأْتِي فِي " الْقِيَامَة " مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .







قِيلَ : مِنْ قَوْمِي . وَقِيلَ : مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي هَذَا الْعَصْر . وَقِيلَ : بِأَنَّك لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا لِوَعْدِك السَّابِق , فِي ذَلِكَ . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء فَإِنَّ النَّاس يُصْعَقُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَصَعِقَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ حُوسِبَ بِصِفَتِهِ الْأُولَى ) . أَوْ قَالَ ( كَفَتْهُ صَعْقَته الْأُولَى ) . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ كَعْب قَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَسَمَ كَلَامه وَرُؤْيَته بَيْن مُحَمَّد وَمُوسَى صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ; فَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ , وَرَآهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ .
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰۤ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَـٰنَ أَسِفࣰا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِی مِنۢ بَعۡدِیۤۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِیهِ یَجُرُّهُۥۤ إِلَیۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِی وَكَادُواْ یَقۡتُلُونَنِی فَلَا تُشۡمِتۡ بِیَ ٱلۡأَعۡدَاۤءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِی مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٥٠﴾
لَمْ يَنْصَرِف " غَضْبَان " لِأَنَّ مُؤَنَّثه غَضْبَى , وَلِأَنَّ الْأَلِف وَالنُّون فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَلِفَيْ التَّأْنِيث فِي قَوْلِك حَمْرَاء . وَهُوَ نَصْب عَلَى الْحَال . وَ " أَسِفًا " شَدِيد الْغَضَب . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : الْأَسَف مَنْزِلَة وَرَاء الْغَضَب أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ . وَهُوَ أَسِف وَأَسِيف وَأَسْفَان وَأَسُوف . وَالْأَسِيف أَيْضًا الْحَزِين . اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : رَجَعَ حَزِينًا مِنْ صَنِيع قَوْمه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : أَخْبَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَبْل رُجُوعه أَنَّهُمْ قَدْ فُتِنُوا بِالْعِجْلِ ; فَلِذَلِكَ رَجَعَ وَهُوَ غَضْبَان . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَعْظَم النَّاس غَضَبًا , لَكِنَّهُ كَانَ سَرِيع الْفَيْئَة ; فَتِلْكَ بِتِلْكَ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : سَمِعْت مَالِكًا يَقُول : كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَان مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ , وَرَفَعَ شَعْر بَدَنه جُبَّتَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْغَضَب جَمْرَة تَتَوَقَّد فِي الْقَلْب . وَلِأَجْلِهِ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَضْطَجِع . فَإِنْ لَمْ يَذْهَب غَضَبه اِغْتَسَلَ ; فَيُخْمِدهَا اِضْطِجَاعه وَيُطْفِئهَا اِغْتِسَاله . وَسُرْعَة غَضَبه كَانَ سَبَبًا لِصَكِّهِ مَلَك الْمَوْت فَفَقَأَ عَيْنَهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَإِنَّمَا اِسْتَجَازَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلِيم اللَّه ; كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مَنْ اِجْتَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ مَدَّ إِلَيْهِ يَدًا بِأَذًى فَقَدْ عَظُمَ الْخَطْب فِيهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ اِحْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ تَنْزِع رُوحِي ؟ أَمِنْ فَمِي وَقَدْ نَاجَيْت بِهِ رَبِّي ! أَمْ مِنْ سَمْعِي وَقَدْ سَمِعْت بِهِ كَلَام رَبِّي ! أَمْ مِنْ يَدِي وَقَدْ قَبَضْت مِنْهُ الْأَلْوَاح ! أَمْ مِنْ قَدَمِي وَقَدْ قُمْت بَيْن يَدَيْهِ أُكَلِّمهُ بِالطُّورِ ! أَمْ مِنْ عَيْنِي وَقَدْ أَشْرَقَ وَجْهِي لِنُورِهِ . فَرَجَعَ إِلَى رَبّه مُفْحَمًا . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : ( إِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ وَهُوَ قَائِم فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَب وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِل الْقَاصّ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عُرْوَة بْن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَكَلَّمَهُ رَجُل فَأَغْضَبَهُ ; فَقَامَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ , فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَطِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْغَضَب مِنْ الشَّيْطَان وَإِنَّ الشَّيْطَان خُلِقَ مِنْ النَّار وَإِنَّمَا تُطْفَأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ ) .







ذَمٌّ مِنْهُ لَهُمْ ; أَيْ بِئْسَ الْعَمَل عَمِلْتُمْ بَعْدِي . يُقَال : خَلَفَهُ ; بِمَا يَكْرَه . وَيُقَال فِي الْخَيْر أَيْضًا . يُقَال مِنْهُ : خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ فِي أَهْله وَقَوْمه بَعْد شُخُوصه .





أَيْ سَبَقْتُمُوهُ . وَالْعَجَلَة : التَّقَدُّم بِالشَّيْءِ قَبْل وَقْته , وَهِيَ مَذْمُومَة . وَالسُّرْعَة : عَمَل الشَّيْء فِي أَوَّل أَوْقَاته , وَهِيَ مَحْمُودَة . قَالَ يَعْقُوب : يُقَال عَجِلْت الشَّيْء سَبَقْته . وَأَعْجَلْت الرَّجُل اِسْتَعْجَلْته , أَيْ حَمَلْته عَلَى الْعَجَلَة . وَمَعْنَى " أَمْر رَبّكُمْ " أَيْ مِيعَاد رَبّكُمْ , أَيْ وَعْد أَرْبَعِينَ لَيْلَة . وَقِيلَ : أَيْ تَعَجَّلْتُمْ سَخَط رَبّكُمْ . وَقِيلَ : أَعَجِلْتُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْل قَبْل أَنْ يَأْتِيَكُمْ أَمْر مِنْ رَبّكُمْ .







فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَأَلْقَى الْأَلْوَاح " أَيْ مِمَّا اِعْتَرَاهُ مِنْ الْغَضَب وَالْأَسَف حِين أَشْرَفَ عَلَى قَوْمه وَهُمْ عَاكِفُونَ عَلَى عِبَادَة الْعِجْل , وَعَلَى أَخِيهِ فِي إِهْمَال أَمْرِهِمْ ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَلِهَذَا قِيلَ : لَيْسَ الْخَبَر كَالْمُعَايَنَةِ . وَلَا اِلْتِفَات لِمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَة إِنْ صَحَّ عَنْهُ , وَلَا يَصِحّ أَنَّ إِلْقَاءَهُ الْأَلْوَاح إِنَّمَا كَانَ لِمَا رَأَى فِيهَا مِنْ فَضِيلَة أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ . وَهَذَا قَوْل رَدِيء لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَاف إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْأَلْوَاح تَكَسَّرَتْ , وَأَنَّهُ رُفِعَ مِنْهَا التَّفْصِيل وَبَقِيَ فِيهَا الْهُدَى وَالرَّحْمَة . الثَّانِيَة : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة بِهَذَا عَلَى جَوَاز رَمْي الثِّيَاب إِذَا اِشْتَدَّ طَرَبُهُمْ عَلَى الْمَغْنَى . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرْمِي بِهَا صِحَاحًا , وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْرِقهَا ثُمَّ يَرْمِي بِهَا . قَالَ : هَؤُلَاءِ فِي غَيْبَة فَلَا يُلَامُونَ ; فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَمُّ بِعِبَادَةِ قَوْمه الْعِجْل , رَمَى الْأَلْوَاح فَكَسَّرَهَا , وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ . قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : مَنْ يُصَحِّح عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ رَمَاهَا رَمْي كَاسِر ؟ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآن أَلْقَاهَا , فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهَا تَكَسَّرَتْ ؟ ثُمَّ لَوْ قِيلَ : تَكَسَّرَتْ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهُ قَصَدَ كَسْرَهَا ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّحْنَا ذَلِكَ عَنْهُ قُلْنَا كَانَ فِي غَيْبَة , حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْن يَدَيْهِ بَحْر مِنْ نَار لَخَاضَهُ . وَمَنْ يُصَحِّح لِهَؤُلَاءِ غَيْبَتهمْ وَهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَغْنَى مِنْ غَيْره , وَيَحْذَرُونَ مِنْ بِئْر لَوْ كَانَتْ عِنْدهمْ . ثُمَّ كَيْفَ تُقَاسَ أَحْوَال الْأَنْبِيَاء عَلَى أَحْوَال هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء . وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عُقَيْل عَنْ تَوَاجُدهمْ وَتَخْرِيق ثِيَابهمْ فَقَالَ : خَطَأ وَحَرَام ; وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَة الْمَال . فَقَالَ لَهُ قَائِل : فَإِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مَا يَفْعَلُونَ . فَقَالَ : إِنْ حَضَرُوا هَذِهِ الْأَمْكِنَة مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الطَّرَب يَغْلِب عَلَيْهِمْ فَيُزِيل عُقُولهمْ أَثِمُوا بِمَا أَدْخَلُوهُ عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ التَّخْرِيق وَغَيْره مِمَّا أَفْسَدُوا , وَلَا يَسْقُط عَنْهُمْ خِطَاب الشَّرْع ; لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ قَبْل الْحُضُور بِتَجَنُّبِ هَذَا الْمَوْضِع الَّذِي يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ . كَمَا هُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ شُرْب الْمُسْكِر , كَذَلِكَ هَذَا الطَّرَب الَّذِي يُسَمِّيه أَهْل التَّصَوُّف وَجْدًا إِنْ صَدَقُوا أَنَّ فِيهِ سُكْر طَبْع , وَإِنْ كَذَبُوا أَفْسَدُوا مَعَ الصَّحْو , فَلَا سَلَامَة فِيهِ مَعَ الْحَالَيْنِ , وَتَجَنُّب مَوَاضِع الرِّيَب وَاجِب .





أَيْ بِلِحْيَتِهِ وَذُؤَابَته . وَكَانَ هَارُون أَكْبَر مِنْ مُوسَى - صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمَا - بِثَلَاثِ سِنِينَ , وَأَحَبّ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ مُوسَى ; لِأَنَّهُ كَانَ لَيِّن الْغَضَب . ع لِلْعُلَمَاءِ فِي أَخْذ مُوسَى بِرَأْسِ أَخِيهِ أَرْبَع تَأْوِيلَات ع الْأَوَّل : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَارَفًا عِنْدهمْ ; كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ مِنْ قَبْض الرَّجُل عَلَى لِحْيَة أَخِيهِ وَصَاحِبه إِكْرَامًا وَتَعْظِيمًا , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيق الْإِذْلَال . الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِيُسِرّ إِلَيْهِ نُزُول الْأَلْوَاح عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمُنَاجَاة وَأَرَادَ أَنْ يُخْفِيهَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل قَبْل التَّوْرَاة . فَقَالَ لَهُ هَارُون : لَا تَأْخُذ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ; لِئَلَّا يُشْتَبَه سِرَاره عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِإِذْلَالِهِ . الثَّالِث : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نَفْسه أَنَّ هَارُون مَائِل مَعَ بَنِي إِسْرَائِيل فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ أَمْر الْعِجْل . وَمِثْل هَذَا لَا يَجُوز عَلَى الْأَنْبِيَاء . الرَّابِع : ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ لِيَعْلَم مَا لَدَيْهِ ; فَكَرِهَ ذَلِكَ هَارُون لِئَلَّا يَظُنّ بَنُو إِسْرَائِيل أَنَّهُ أَهَانَهُ ; فَبَيَّنَ لَهُ أَخُوهُ أَنَّهُمْ اِسْتَضْعَفُوهُ , يَعْنِي عَبَدَة الْعِجْل , وَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ أَيْ قَارَبُوا . فَلَمَّا سَمِعَ عُذْره قَالَ : رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ; أَيْ اِغْفِرْ لِي مَا كَانَ مِنْ الْغَضَب الَّذِي أَلْقَيْت مِنْ أَجْله الْأَلْوَاح , وَلِأَخِي لِأَنَّهُ ظَنَّهُ مُقَصِّرًا فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقَع مِنْهُ تَقْصِير ; أَيْ اِغْفِرْ لِأَخِي إِنْ قَصَّرَ . قَالَ الْحَسَن : عَبَدَ كُلُّهُمْ الْعِجْل غَيْر هَارُون , إِذْ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُؤْمِن غَيْر مُوسَى وَهَارُون لَمَا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله : رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي , وَلَدَعَا لِذَلِكَ الْمُؤْمِن أَيْضًا . وَقِيلَ : اِسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ فِعْله بِأَخِيهِ , فَعَلَ ذَلِكَ لِمَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِ ; إِذْ لَمْ يَلْحَق بِهِ فَيُعَرِّفهُ مَا جَرَى لِيَرْجِع فَيَتَلَافَاهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : " يَا هَارُون مَا مَنَعَك إِذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْت أَمْرِي " [ طَه : 92 - 93 ] الْآيَة . فَبَيَّنَ هَارُون أَنَّهُ إِنَّمَا أَقَامَ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْ الْقَتْل . فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ لِمَنْ خَشِيَ الْقَتْل عَلَى نَفْسه عِنْد تَغْيِير الْمُنْكَر أَنْ يَسْكُت . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا فِي " آل عِمْرَان " اِبْن الْعَرَبِيّ وَفِيهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْغَضَب لَا يُغَيِّر الْأَحْكَام كَمَا زَعَمَ بَعْض النَّاس ; فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يُغَيِّر غَضَبه شَيْئًا مِنْ أَفْعَاله , بَلْ اِطَّرَدَتْ عَلَى مَجْرَاهَا مِنْ إِلْقَاء لَوْح وَعِتَاب أَخ وَصَكّ مَلَك . الْمَهْدَوِيّ : لِأَنَّ غَضَبه كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَسُكُوته عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل خَوْفًا أَنْ يَتَحَارَبُوا أَوْ يَتَفَرَّقُوا .







وَكَانَ اِبْن أُمّه وَأَبِيهِ . وَلَكِنَّهَا كَلِمَة لِين وَعَطْف . قَالَ الزَّجَّاج : قِيلَ كَانَ هَارُون أَخَا مُوسَى لِأُمِّهِ لَا لِأَبِيهِ . وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْرهَا ; فَمَنْ فَتَحَ جَعَلَ " اِبْن أُمَّ " اِسْمًا وَاحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ ; فَصَارَ كَقَوْلِك : يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا . وَمَنْ كَسَرَ الْمِيم جَعَلَهُ مُضَافًا إِلَى ضَمِير الْمُتَكَلِّم ثُمَّ حَذَفَ يَاء الْإِضَافَة ; لِأَنَّ مَبْنَى النِّدَاء عَلَى الْحَذْف , وَأَبْقَى الْكَسْرَة فِي الْمِيم لِتَدُلّ عَلَى الْإِضَافَة ; كَقَوْلِهِ : " يَا عِبَاد " [ الزُّمَر : 10 ] . يَدُلّ عَلَيْهِ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع " يَا ابْن أُمِّي " بِإِثْبَاتِ الْيَاء عَلَى الْأَصْل . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء وَأَبُو عُبَيْد : " يَا ابْن أُمَّ " بِالْفَتْحِ , تَقْدِيره يَا ابْن أُمَّاهُ . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هَذَا الْقَوْل خَطَأ ; لِأَنَّ الْأَلِف خَفِيفَة لَا تُحْذَف , وَلَكِنْ جَعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا وَاحِدًا . وَقَالَ الْأَخْفَش وَأَبُو حَاتِم : " يَا ابْن أُمِّ " بِالْكَسْرِ كَمَا تَقُول : يَا غُلَام غُلَامِ أَقْبِلْ , وَهِيَ لُغَة شَاذَّة وَالْقِرَاءَة بِهَا بَعِيدَة . وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا يَكُون مُضَافًا إِلَيْك ; فَأَمَّا الْمُضَاف إِلَى مُضَاف إِلَيْك فَالْوَجْه أَنْ تَقُول : يَا غُلَام غُلَامِي , وَيَا ابْن أَخِي . وَجَوَّزُوا يَا ابْن أُمّ , يَا بْن عَمّ , لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَام . قَالَ الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس : وَلَكِنْ لَهَا وَجْه حَسَن جَيِّد , يُجْعَل الِابْن مَعَ الْأُمّ وَمَعَ الْعَمّ اِسْمًا وَاحِدًا ; بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك : يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا , فَحُذِفَتْ الْيَاء كَمَا حُذِفَتْ مِنْ يَا غُلَام







اِسْتَذَلُّونِي وَعَدُّونِي ضَعِيفًا .







أَيْ قَارَبُوا .







بِنُونَيْنِ ; لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل . وَيَجُوز الْإِدْغَام فِي غَيْر الْقُرْآن .









أَيْ لَا تَسُرّهُمْ . وَالشَّمَاتَة : السُّرُور بِمَا يُصِيب أَخَاك مِنْ الْمَصَائِب فِي الدِّين وَالدُّنْيَا . وَهِيَ مُحَرَّمَة مَنْهِيّ عَنْهَا . وَفِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَة بِأَخِيك فَيُعَافِيه اللَّه وَيَبْتَلِيك ) . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذ مِنْهَا وَيَقُول : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ سُوء الْقَضَاء وَدَرْك الشَّقَاء وَشَمَاتَة الْأَعْدَاء ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره . وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا مَا الدَّهْر جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا وَقَرَأَ مُجَاهِد وَمَالِك بْن دِينَار " تَشْمَت " بِالنَّصْبِ فِي التَّاء وَفَتْح الْمِيم , " الْأَعْدَاءُ " بِالرَّفْعِ . وَالْمَعْنَى : لَا تَفْعَل بِي مَا تَشْمَت مِنْ أَجْله الْأَعْدَاء , أَيْ لَا يَكُون ذَلِكَ مِنْهُمْ لِفِعْلٍ تَفْعَلهُ أَنْتَ بِي . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا " تَشْمَت " بِالْفَتْحِ فِيهِمَا " الْأَعْدَاء " بِالنَّصْبِ . قَالَ اِبْن جِنِّي : الْمَعْنَى فَلَا تَشْمَت بِي أَنْتَ يَا رَبّ . وَجَازَ هَذَا كَمَا قَالَ : " اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 15 ] وَنَحْوه . ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمُرَاد فَأَضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الْأَعْدَاء ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا تُشْمِت بِيَ الْأَعْدَاء . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَحَكَيْت عَنْ حُمَيْد : " فَلَا تَشْمِت " بِكَسْرِ الْمِيم . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا وَجْه لِهَذِهِ الْقِرَاءَة ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ شَمِتَ وَجَبَ أَنْ يَقُول تَشْمَت . وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشْمَتَ وَجَبَ أَنْ يَقُول تُشْمِت . وَقَوْله







قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْل .
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِی وَلِأَخِی وَأَدۡخِلۡنَا فِی رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ ﴿١٥١﴾
إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَیَنَالُهُمۡ غَضَبࣱ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةࣱ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُفۡتَرِینَ ﴿١٥٢﴾
الْغَضَب مِنْ اللَّه الْعُقُوبَة .





لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِقَتْلِ بَعْضهمْ بَعْضًا . وَقِيلَ : الذِّلَّة الْجِزْيَة . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ الْجِزْيَة لَمْ تُؤْخَذ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ ذُرِّيَّاتهمْ . ثُمَّ قِيلَ : هَذَا مِنْ تَمَام كَلَام مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَنْهُ , وَتَمَّ الْكَلَام .





وَكَانَ هَذَا الْقَوْل مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل أَنْ يَتُوب الْقَوْم بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ , فَإِنَّهُمْ لَمَّا تَابُوا وَعَفَا اللَّه عَنْهُمْ بَعْد أَنْ جَرَى الْقَتْل الْعَظِيم كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " أَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَتِيلًا فَهُوَ شَهِيد , وَمَنْ بَقِيَ حَيًّا فَهُوَ مَغْفُور لَهُ . وَقِيلَ : كَانَ ثَمَّ طَائِفَة أُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل , أَيْ حُبّه , فَلَمْ يَتُوبُوا ; فَهُمْ الْمَعْنِيُّونَ . وَقِيلَ : أَرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْل رُجُوع مُوسَى مِنْ الْمِيقَات . وَقِيلَ : أَرَادَ أَوْلَادهمْ . وَهُوَ مَا جَرَى عَلَى قُرَيْظَة وَالنُّضَيْر ; أَيْ سَيَنَالُ أَوْلَادَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم . " وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " أَيْ مِثْل مَا فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ نَفْعَل بِالْمُفْتَرِينَ . وَقَالَ مَالِك بْن أَنَس رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ : مَا مِنْ مُبْتَدِع إِلَّا وَتَجِدُ فَوْق رَأْسه ذِلَّة , ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْل سَيَنَالُهُمْ غَضَب مِنْ رَبِّهِمْ - حَتَّى قَالَ - وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " أَيْ الْمُبْتَدِعِينَ . وَقِيلَ : إِنَّ مُوسَى أُمِرَ بِذَبْحِ الْعِجْل , فَجَرَى مِنْهُ دَم وَبَرَده بِالْمِبْرَدِ وَأَلْقَاهُ مَعَ الدَّم فِي الْيَمّ وَأَمَرَهُمْ بِالشُّرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاء ; فَمَنْ عَبَدَ ذَلِكَ الْعِجْل وَأُشْرِبَهُ ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَى أَطْرَاف فَمه ; فَبِذَلِكَ عَرَفَ عَبَدَة الْعِجْل . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْبَقَرَة " ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة التَّائِب مِنْ الشِّرْك وَغَيْره .
وَٱلَّذِینَ عَمِلُواْ ٱلسَّیِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿١٥٣﴾
أَيْ الْكُفْر وَالْمَعَاصِي .





أَيْ مِنْ بَعْد فِعْلِهَا .





أَيْ مِنْ بَعْد التَّوْبَة
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِی نُسۡخَتِهَا هُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّلَّذِینَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ یَرۡهَبُونَ ﴿١٥٤﴾
أَيْ سَكَنَ . وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا مُعَاوِيَة بْن قُرَّة " سَكَنَ " بِالنُّونِ . وَأَصْل السُّكُوت السُّكُون وَالْإِمْسَاك ; يُقَال : جَرَى الْوَادِي ثَلَاثًا ثُمَّ سَكَنَ , أَيْ أَمْسَكَ عَنْ الْجَرْي . وَقَالَ عِكْرِمَة : سَكَتَ مُوسَى عَنْ الْغَضَب ; فَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب . كَقَوْلِك : أَدْخَلْت الْأُصْبُع فِي الْخَاتَم وَأَدْخَلْت الْخَاتَم فِي الْأُصْبُع . وَأَدْخَلْت الْقَلَنْسُوَة فِي رَأْسِي , وَأَدْخَلْت رَأْسِي فِي الْقَلَنْسُوَة .





الَّتِي أَلْقَاهَا .





أَيْ " هُدًى " مِنْ الضَّلَالَة ; " وَرَحْمَةً " أَيْ مِنْ الْعَذَاب . وَالنَّسْخ : نَقْل مَا فِي كِتَاب إِلَى كِتَاب آخَر . وَيُقَال لِلْأَصْلِ الَّذِي كُتِبَتْ مِنْهُ : نُسْخَة , وَلِلْفَرْعِ نُسْخَة . فَقِيلَ : لَمَّا تَكَسَّرَتْ الْأَلْوَاح صَامَ مُوسَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا ; فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأُعِيدَتْ لَهُ تِلْكَ الْأَلْوَاح فِي لَوْحَيْنِ , وَلَمْ يَفْقِد مِنْهَا شَيْئًا ; ذَكَرَهُ اِبْن عَبَّاس . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَعَلَى هَذَا " وَفِي نُسْخَتِهَا " أَيْ وَفِيمَا نُسِخَ مِنْ الْأَلْوَاح الْمُتَكَسِّرَة وَنُقِلَ إِلَى الْأَلْوَاح الْجَدِيدَة هُدًى وَرَحْمَة . وَقَالَ عَطَاء : وَفِيمَا بَقِيَ مِنْهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سُبُعُهَا , وَذَهَبَ سِتَّة أَسْبَاعِهَا . وَلَكِنْ لَمْ يَذْهَب مِنْ الْحُدُود وَالْأَحْكَام شَيْء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَفِي نُسْخَتِهَا " أَيْ وَفِيمَا نُسِخَ لَهُ مِنْهَا مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ هُدًى . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَفِيمَا كُتِبَ لَهُ فِيهَا هُدًى وَرَحْمَة , فَلَا يَحْتَاج إِلَى أَصْل يَنْقُل عَنْهُ . وَهَذَا كَمَا يُقَال : اِنْسَخْ مَا يَقُول فُلَان , أَيْ أَثْبِتْهُ فِي كِتَابك .





أَيْ يَخَافُونَ . وَفِي اللَّام ثَلَاثَة أَقْوَال : قَوْل الْكُوفِيِّينَ هِيَ زَائِدَة . قَالَ الْكِسَائِيّ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْفَرَزْدَق يَقُول : نَقَدْت لَهَا مِائَة دِرْهَم , بِمَعْنَى نَقَدْتهَا . وَقِيلَ : هِيَ لَام أَجْل ; الْمَعْنَى : وَاَلَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْل رَبّهمْ يَرْهَبُونَ لَا رِيَاء وَلَا سُمْعَة ; عَنْ الْأَخْفَش . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هِيَ مُتَعَلِّقَة بِمَصْدَرٍ ; الْمَعْنَى : لِلَّذِينَ هُمْ رَهْبَتُهُمْ لِرَبِّهِمْ . وَقِيلَ : لَمَّا تَقَدَّمَ الْمَفْعُول حَسُنَ دُخُول اللَّام ; كَقَوْلِهِ : " إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ " [ يُوسُف : 43 ] . فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْمَعْمُول وَهُوَ الْمَفْعُول ضَعُفَ عَمَل الْفِعْل فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَتَعَدَّى .
وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِینَ رَجُلࣰا لِّمِیقَـٰتِنَاۖ فَلَمَّاۤ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِیَّـٰیَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَّاۤۖ إِنۡ هِیَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاۤءُ وَتَهۡدِی مَن تَشَاۤءُۖ أَنتَ وَلِیُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡغَـٰفِرِینَ ﴿١٥٥﴾
مَفْعُولَانِ , أَحَدهمَا حُذِفَتْ مِنْهُ مِنْ ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : مِنَّا الَّذِي اُخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً وَبِرًّا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ وَقَالَ الرَّاعِي يَمْدَح رَجُلًا : اِخْتَرْتُك النَّاسَ إِذْ رَثَّتْ خَلَائِقُهُمْ وَاخْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْده السُّولُ يُرِيد : اِخْتَرْتُك مِنْ النَّاس . وَأَصْل اِخْتَارَ اُخْتِيرَ ; فَلَمَّا تَحَرَّكَتْ الْيَاء وَقَبْلهَا فَتْحَة قُلِبَتْ أَلِفًا , نَحْو قَالَ وَبَاعَ .





أَيْ مَاتُوا . وَالرَّجْفَة فِي اللُّغَة الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة . وَيُرْوَى أَنَّهُمْ زُلْزِلُوا حَتَّى مَاتُوا .





أَيْ أَمَتَّهُمْ ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنْ اِمْرُؤٌ هَلَكَ " [ النِّسَاء : 176 ] . " وَإِيَّايَ " عَطْف . وَالْمَعْنَى : لَوْ شِئْت أَمَتَّنَا مِنْ قَبْل أَنْ نَخْرُج إِلَى الْمِيقَات بِمَحْضَرِ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى لَا يَتَّهِمُونِي . أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان عَنْ سُفْيَان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عُمَارَة بْن عَبْد عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : اِنْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَانْطَلَقَ شَبَّر وَشَبِّير - هُمَا اِبْنَا هَارُون - فَانْتَهَوْا إِلَى جَبَل فِيهِ سَرِير , فَقَامَ عَلَيْهِ هَارُون فَقُبِضَ رُوحه . فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمه , فَقَالُوا : أَنْتَ قَتَلْته , حَسَدْتنَا عَلَى لِينِهِ وَعَلَى خُلُقِهِ , أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا , الشَّكّ مِنْ سُفْيَان , فَقَالَ : كَيْفَ أَقْتُلهُ وَمَعِيَ اِبْنَاهُ ! قَالَ : فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ ; فَاخْتَارُوا مِنْ كُلّ سِبْط عَشَرَة . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْله : " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا " فَانْتَهَوْا إِلَيْهِ ; فَقَالُوا : مَنْ قَتَلَك يَا هَارُون ؟ قَالَ : مَا قَتَلَنِي أَحَد وَلَكِنَّ اللَّه تَوَفَّانِي . قَالُوا : يَا مُوسَى , مَا تُعْصَى .





فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة , فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا , وَيَقُول : " أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُك " قَالَ : فَدَعَا اللَّه فَأَحْيَاهُمْ وَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاء كُلَّهُمْ . وَقِيلَ : أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة لِقَوْلِهِمْ : أَرِنَا اللَّه جَهْرَة كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَة فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَة " [ الْبَقَرَة : 55 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْهَوْا مَنْ عَبَدَ الْعِجْل , وَلَمْ يَرْضَوْا عِبَادَته . وَقِيلَ : هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ غَيْر مَنْ قَالُوا أَرِنَا اللَّه جَهْرَة . وَقَالَ وَهْب : مَا مَاتُوا , وَلَكِنْ أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة مِنْ الْهَيْبَة حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَبِينَ مَفَاصِلهمْ , وَخَافَ مُوسَى عَلَيْهِمْ الْمَوْت . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " عَنْ وَهْب أَنَّهُمْ مَاتُوا يَوْمًا وَلَيْلَة . وَقِيلَ غَيْر هَذَا فِي مَعْنَى سَبَب أَخْذِهِمْ بِالرَّجْفَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم بِصِحَّةِ ذَلِكَ . وَمَقْصُود الِاسْتِفْهَام فِي قَوْله : " أَتُهْلِكُنَا " الْجَحْد ; أَيْ لَسْت تَفْعَل ذَلِكَ . وَهُوَ كَثِير فِي كَلَام الْعَرَب . وَإِذَا كَانَ نَفْيًا كَانَ بِمَعْنَى الْإِيجَاب ; كَمَا قَالَ : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاح وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الدُّعَاء وَالطَّلَب , أَيْ لَا تُهْلِكنَا ; وَأَضَافَ إِلَى نَفْسه . وَالْمُرَاد الْقَوْم الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ الرَّجْفَة . وَقَالَ الْمُبَرِّد : الْمُرَاد بِالِاسْتِفْهَامِ اِسْتِفْهَام اِسْتِعْظَام ; كَأَنَّهُ يَقُول : لَا تُهْلِكْنَا , وَقَدْ عَلِمَ مُوسَى أَنَّ اللَّه لَا يُهْلِك أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْره ; وَلَكِنَّهُ كَقَوْلِ عِيسَى : " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك " [ الْمَائِدَة : 118 ] . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّفَهَاءِ السَّبْعُونَ . وَالْمَعْنَى : أَتُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيل بِمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء فِي قَوْلِهِمْ " أَرِنَا اللَّه جَهْرَة " .







أَيْ مَا هَذَا إِلَّا اِخْتِبَارُك وَامْتِحَانُك . وَأَضَافَ الْفِتْنَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يُضِفْهَا إِلَى نَفْسِهِ ; كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم : " وَإِذَا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفِينِ " [ الشُّعَرَاء : 80 ] فَأَضَافَ الْمَرَض إِلَى نَفْسه وَالشِّفَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى : وَقَالَ يُوشَع : " وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان " [ الْكَهْف : 63 ] . وَإِنَّمَا اِسْتَفَادَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ : " فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَك مِنْ بَعْدِك " [ طَه : 85 ] . فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمه وَرَأَى الْعِجْل مَنْصُوبًا لِلْعِبَادَةِ وَلَهُ خُوَار قَالَ " إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا " أَيْ بِالْفِتْنَةِ .





وَهَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .
۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَاۤ إِلَیۡكَۚ قَالَ عَذَابِیۤ أُصِیبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَاۤءُۖ وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِینَ هُم بِـَٔایَـٰتِنَا یُؤۡمِنُونَ ﴿١٥٦﴾
أَيْ وَفِّقْنَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَة الَّتِي تُكْتَب لَنَا بِهَا الْحَسَنَات .





أَيْ جَزَاء عَلَيْهَا .





أَيْ تُبْنَا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَقَتَادَة . وَالْهُود : التَّوْبَة ;





أَيْ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ , أَيْ هَذِهِ الرَّجْفَة وَالصَّاعِقَة عَذَاب مِنِّي أُصِيب بِهِ مَنْ أَشَاء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " مَنْ أَشَاء " أَيْ مَنْ أَشَاء أَنْ أُضِلَّهُ .





عُمُوم , أَيْ لَا نِهَايَة لَهَا , أَيْ مَنْ دَخَلَ فِيهَا لَمْ تَعْجِز عَنْهُ . وَقِيلَ : وَسِعَتْ كُلّ شَيْء مِنْ الْخَلْق حَتَّى إِنَّ الْبَهِيمَة لَهَا رَحْمَة وَعَطْف عَلَى وَلَدهَا . قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : طَمِعَ فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ شَيْء حَتَّى إِبْلِيس , فَقَالَ : أَنَا شَيْء ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " فَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى : نَحْنُ مُتَّقُونَ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ " [ الْأَعْرَاف : 157 ] الْآيَة . فَخَرَجَتْ الْآيَة عَنْ الْعُمُوم , وَالْحَمْد لِلَّهِ . رَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَتَبَهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّة . رَوَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ نَوْف الْبِكَالِيّ الْحِمْيَرِيّ : لَمَّا اِخْتَارَ مُوسَى قَوْمه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبّه قَالَ اللَّه تَعَالَى لِمُوسَى : أَنْ أَجْعَل لَكُمْ الْأَرْض مَسْجِدًا وَطَهُورًا تُصَلُّونَ حَيْثُ أَدْرَكَتْكُمْ الصَّلَاة إِلَّا عِنْد مِرْحَاض أَوْ حَمَّام أَوْ قَبْر , وَأَجْعَل السَّكِينَة فِي قُلُوبكُمْ , وَأَجْعَلكُمْ تَقْرَءُونَ التَّوْرَاة عَنْ ظَهْر قُلُوبكُمْ , يَقْرَأهَا الرَّجُل مِنْكُمْ وَالْمَرْأَة وَالْحُرّ وَالْعَبْد وَالصَّغِير وَالْكَبِير . فَقَالَ ذَلِكَ مُوسَى لِقَوْمِهِ , فَقَالُوا : لَا نُرِيد أَنْ نُصَلِّي إِلَّا فِي الْكَنَائِس , وَلَا نَسْتَطِيع حَمْل السَّكِينَة فِي قُلُوبنَا , وَنُرِيد أَنْ تَكُون كَمَا كَانَتْ فِي التَّابُوت , وَلَا نَسْتَطِيع أَنْ نَقْرَأ التَّوْرَاة عَنْ ظَهْر قُلُوبنَا , وَلَا نُرِيد أَنْ نَقْرَأهَا إِلَّا نَظَرًا . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ - إِلَى قَوْله - الْمُفْلِحُونَ " . فَجَعَلَهَا لِهَذِهِ الْأُمَّة . فَقَالَ مُوسَى : يَا رَبّ , اِجْعَلْنِي نَبِيَّهُمْ . فَقَالَ : نَبِيُّهُمْ مِنْهُمْ . قَالَ : رَبّ اِجْعَلْنِي مِنْهُمْ . قَالَ : إِنَّك لَنْ تُدْرِكَهُمْ . فَقَالَ مُوسَى : يَا رَبّ , أَتَيْتُك بِوَفْدِ بَنِي إِسْرَائِيل , فَجَعَلْت وِفَادَتَنَا لِغَيْرِنَا . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَمِنْ قَوْم مُوسَى أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ " [ الْأَعْرَاف : 159 ] . فَرَضِيَ مُوسَى . قَالَ نَوْف : فَاحْمَدُوا اللَّه الَّذِي جَعَلَ وِفَادَة بَنِي إِسْرَائِيل لَكُمْ . وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْم أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ حَدَّثَنِي نَوْف الْبِكَالِيّ إِذَا اِفْتَتَحَ مَوْعِظَة قَالَ : أَلَا تَحْمَدُونَ رَبّكُمْ الَّذِي حَفِظَ غَيْبَتكُمْ وَأَخَذَ لَكُمْ بَعْد سَهْمكُمْ وَجَعَلَ وِفَادَة الْقَوْم لَكُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَفَدَ بِبَنِي إِسْرَائِيل فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إِنِّي قَدْ جَعَلْت لَكُمْ الْأَرْض مَسْجِدًا حَيْثُمَا صَلَّيْتُمْ فِيهَا تَقَبَّلْت صَلَاتكُمْ إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن مَنْ صَلَّى فِيهِنَّ لَمْ أَقْبَلْ صَلَاته الْمَقْبَرَة وَالْحَمَّام وَالْمِرْحَاض . قَالُوا : لَا , إِلَّا فِي الْكَنِيسَة . قَالَ : وَجَعَلْت لَكُمْ التُّرَاب طَهُورًا إِذَا لَمْ تَجِدُوا الْمَاء . قَالُوا : لَا , إِلَّا بِالْمَاءِ . قَالَ : وَجَعَلْت لَكُمْ حَيْثُمَا صَلَّى الرَّجُل فَكَانَ وَحْده تَقَبَّلْت صَلَاته . قَالُوا : لَا , إِلَّا فِي جَمَاعَة .
ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ ٱلۡأُمِّیَّ ٱلَّذِی یَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ یَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰۤىِٕثَ وَیَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَـٰلَ ٱلَّتِی كَانَتۡ عَلَیۡهِمۡۚ فَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ مَعَهُۥۤ أُوْلَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿١٥٧﴾
هَذِهِ الْأَلْفَاظ كَمَا ذَكَرْنَا أَخْرَجَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ الِاشْتِرَاك الَّذِي يَظْهَر فِي قَوْله : " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " وَخَلَصَتْ هَذِهِ الْعِدَة لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا . وَ " يَتَّبِعُونَ " يَعْنِي فِي شَرْعه وَدِينه وَمَا جَاءَ بِهِ . وَالرَّسُول وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْمَانِ لِمَعْنَيَيْنِ ; فَإِنَّ الرَّسُول أَخَصُّ مِنْ النَّبِيّ . وَقُدِّمَ الرَّسُول اِهْتِمَامًا بِمَعْنَى الرِّسَالَة , وَإِلَّا فَمَعْنَى النُّبُوَّة هُوَ الْمُتَقَدِّم ; وَلِذَلِكَ رَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَرَاء حِين قَالَ : وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت . فَقَالَ لَهُ : ( قُلْ آمَنْت بِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت ) خَرَّجَهُ فِي الصَّحِيح . وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي قَوْله : " وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت " تَكْرِير الرِّسَالَة ; وَهُوَ مَعْنًى وَاحِد فَيَكُون كَالْحَشْوِ الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ . بِخِلَافِ قَوْله : " وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت " فَإِنَّهُمَا لَا تَكْرَار فِيهِمَا . وَعَلَى هَذَا فَكُلّ رَسُول نَبِيّ , وَلَيْسَ كُلّ نَبِيّ رَسُولًا ; لِأَنَّ الرَّسُول وَالنَّبِيّ قَدْ اِشْتَرَكَا فِي أَمْر عَامّ وَهُوَ النَّبَأ , وَافْتَرَقَا فِي أَمْر خَاصّ وَهِيَ الرِّسَالَة . فَإِذَا قُلْت : مُحَمَّد رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه تَضَمَّنَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَبِيّ وَرَسُول اللَّه . وَكَذَلِكَ غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَوْله تَعَالَى : " الْأُمِّيّ " هُوَ مَنْسُوب إِلَى الْأُمَّة الْأُمِّيَّة , الَّتِي هِيَ عَلَى أَصْل وِلَادَتِهَا , لَمْ تَتَعَلَّمْ الْكِتَابَة وَلَا قِرَاءَتهَا ; قَالَهُ اِبْن عَزِيز . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُب وَلَا يَقْرَأ وَلَا يَحْسِب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك " [ الْعَنْكَبُوت : 48 ] . وَرُوِيَ فِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّا أُمَّةٌ أُمَيَّة لَا نَكْتُب وَلَا نَحْسِب ) . الْحَدِيث . وَقِيلَ : نُسِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة أُمّ الْقُرَى ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس .







رَوَى الْبُخَارِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْح قَالَ حَدَّثَنَا هِلَال عَنْ عَطَاء بْن يَسَار لَقِيت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قُلْت : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة . فَقَالَ : أَجَلْ , وَاَللَّه إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاة بِبَعْضِ صِفَته فِي الْقُرْآن : يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا , ( الْأَحْزَاب : 25 ) وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ , أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي , سَمَّيْتُك الْمُتَوَكِّل , لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا صَخَّاب فِي الْأَسْوَاق , وَلَا يَدْفَع بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِر , وَلَنْ يَقْبِضهُ اللَّه تَعَالَى حَتَّى يُقِيم بِهِ الْمِلَّة الْعَوْجَاء بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَيَفْتَح بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا , وَآذَانًا صُمًّا , وَقُلُوبًا غُلْفًا . فِي غَيْر الْبُخَارِيّ قَالَ عَطَاء : ثُمَّ لَقِيت كَعْبًا فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَمَا اِخْتَلَفَا حَرْفًا ; إِلَّا أَنَّ كَعْبًا قَالَ بُلِّغْته : قُلُوبًا غُلُوفِيًا وَآذَانًا صُمُومِيًا وَأَعْيُنًا عُمُومِيًا . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَأَظُنّ هَذَا وَهْمًا أَوْ عُجْمَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْب أَنَّهُ قَالَهَا : قُلُوبًا غُلُوفًا وَآذَانَا صُمُومًا وَأَعْيُنًا عُمُومِيًا . قَالَ الطَّبَرِيّ : هِيَ لُغَة حِمْيَرِيَّة . وَزَادَ كَعْب فِي صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَوْلِده بِمَكَّة , وَهِجْرَته بِطَابَةَ , وَمُلْكه بِالشَّأْمِ , وَأُمَّته الْحَامِدُونَ , يَحْمَدُونَ اللَّه عَلَى كُلّ حَال وَفِي كُلّ مَنْزِل , يُوَضِّئُونَ أَطْرَافهمْ وَيَأْتَزِرُونَ إِلَى أَنْصَاف سَاقِهِمْ , رُعَاة الشَّمْس , يُصَلُّونَ الصَّلَوَات حَيْثُمَا أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى ظَهْر الْكُنَاسَة , صَفُّهُمْ فِي الْقِتَال مِثْل صَفِّهِمْ فِي الصَّلَاة . ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيله صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص " [ الصَّفّ : 4 ] .





قَالَ عَطَاء : " يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ " بِخَلْعِ الْأَنْدَاد , وَمَكَارِم الْأَخْلَاق , وَصِلَة الْأَرْحَام . " وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر " عِبَادَة الْأَصْنَام , وَقَطْع الْأَرْحَام .





مَذْهَب مَالِك أَنَّ الطَّيِّبَات هِيَ الْمُحَلَّلَات ; فَكَأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّيِّبِ ; إِذْ هِيَ لَفْظَة تَتَضَمَّن مَدْحًا وَتَشْرِيفًا . وَبِحَسَبِ هَذَا نَقُول فِي الْخَبَائِث : إِنَّهَا الْمُحَرَّمَات ; وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْخَبَائِث هِيَ لَحْم الْخِنْزِير وَالرِّبَا وَغَيْره . وَعَلَى هَذَا حَلَّلَ مَالِك الْمُتَقَذَّرَات كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِب وَالْخَنَافِس وَنَحْوهَا . وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ الطَّيِّبَات هِيَ مِنْ جِهَة الطَّعْم ; إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَة عِنْده لَيْسَتْ عَلَى عُمُومهَا ; لِأَنَّ عُمُومهَا بِهَذَا الْوَجْه مِنْ الطَّعْم يَقْتَضِي تَحْلِيل الْخَمْر وَالْخِنْزِير , بَلْ يَرَاهَا مُخْتَصَّة فِيمَا حَلَّلَهُ الشَّرْع . وَيَرَى الْخَبَائِث لَفْظًا عَامًّا فِي الْمُحَرَّمَات بِالشَّرْعِ وَفِي الْمُتَقَذَّرَات ; فَيُحَرِّم الْعَقَارِب وَالْخَنَافِس وَالْوَزَغ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى . وَالنَّاس عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ .





الْإِصْر : الثِّقْل ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَابْن جُبَيْر . وَالْإِصْر أَيْضًا : الْعَهْد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن . وَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَة الْمَعْنَيَيْنِ , فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَدْ كَانَ أُخِذَ عَلَيْهِمْ عَهْد أَنْ يَقُومُوا بِأَعْمَالٍ ثِقَال ; فَوُضِعَ عَنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْعَهْد وَثِقَل تِلْكَ الْأَعْمَال ; كَغَسْلِ الْبَوْل , وَتَحْلِيل الْغَنَائِم , وَمُجَالَسَة الْحَائِض وَمُؤَاكَلَتهَا وَمُضَاجَعَتهَا ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدهمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ . وَرُوِيَ : جِلْد أَحَدهمْ . وَإِذَا جَمَعُوا الْغَنَائِم نَزَلَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَكَلَتْهَا , وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَة لَمْ يَقْرَبُوهَا , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح وَغَيْره .





فَالْأَغْلَال عِبَارَة مُسْتَعَارَة لِتِلْكَ الْأَثْقَال . وَمِنْ الْأَثْقَال تَرْك الِاشْتِغَال يَوْم السَّبْت ; فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى يَوْم السَّبْت رَجُلًا يَحْمِل قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ . هَذَا قَوْل جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ . وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَة , وَإِنَّمَا كَانَ الْقِصَاص . وَأُمِرُوا بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ عَلَامَة لِتَوْبَتِهِمْ , إِلَى غَيْر ذَلِكَ . فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِالْأَغْلَالِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّار يَا أُمَّ مَالِك وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ سِوَى الْعَدْل شَيْئًا فَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ فَشَبَّهَ حُدُود الْإِسْلَام وَمَوَانِعه عَنْ التَّخَطِّي إِلَى الْمَحْظُورَات بِالسَّلَاسِلِ الْمُحِيطَات بِالرِّقَابِ . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل أَبِي أَحْمَد بْن جَحْش لِأَبِي سُفْيَان : اِذْهَبْ بِهَا اِذْهَبْ بِهَا طُوِّقْتَهَا طَوْق الْحَمَامَه أَيْ لَزِمَك عَارهَا . يُقَال : طُوِّقَ فُلَان كَذَا إِذَا لَزِمَهُ . إِنْ قِيلَ : كَيْفَ عَطَفَ الْأَغْلَال وَهُوَ جَمْع عَلَى الْإِصْر وَهُوَ مُفْرَد ; فَالْجَوَاب أَنَّ الْإِصْر مَصْدَر يَقَع عَلَى الْكَثْرَة . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " آصَارَهُمْ " بِالْجَمْعِ ; مِثْل أَعْمَالهمْ . فَجَمَعَهُ لِاخْتِلَافِ ضُرُوب الْمَآثِم . وَالْبَاقُونَ بِالتَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر يَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير مِنْ جِنْسه مَعَ إِفْرَاد لَفْظه . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْحِيد فِي قَوْله : " وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا " [ الْبَقَرَة : 286 ] . وَهَكَذَا كُلَّمَا يَرِد عَلَيْك مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ; مِثْل " وَعَلَى سَمْعِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 7 ] . " لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ " [ إِبْرَاهِيم : 43 ] . و " مِنْ طَرْف خَفِيّ " [ الشُّورَى : 45 ] . كُلّه بِمَعْنَى الْجَمْع .





أَيْ وَقَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ . قَالَ الْأَخْفَش : وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ وَعِيسَى " وَعَزَرُوهُ " بِالتَّخْفِيفِ . وَكَذَا " وَعَزَرْتُمُوهُمْ " [ الْمَائِدَة : 12 ] . يُقَال : عَزَرَهُ يَعْزِرهُ وَيُعَزِّرهُ .







الْقُرْآن





الْفَلَاح " الظَّفَر بِالْمَطْلُوبِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا .
قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَیۡكُمۡ جَمِیعًا ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ یُحۡیِۦ وَیُمِیتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِیِّ ٱلۡأُمِّیِّ ٱلَّذِی یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ﴿١٥٨﴾
ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى بَشَّرَ بِهِ , وَأَنَّ عِيسَى بَشَّرَ بِهِ . ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُول بِنَفْسِهِ " إِنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا " . وَ " كَلِمَاته " كَلِمَات اللَّه تَعَالَى كُتُبُهُ مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن .
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰۤ أُمَّةࣱ یَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ یَعۡدِلُونَ ﴿١٥٩﴾
أَيْ يَدْعُونَ النَّاس إِلَى الْهِدَايَة . و " يَعْدِلُونَ " مَعْنَاهُ فِي الْحُكْم . وَفِي التَّفْسِير : إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ وَرَاء الصِّين , مِنْ وَرَاء نَهَر الرَّمْل , يَعْبُدُونَ اللَّه بِالْحَقِّ وَالْعَدْل , آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَتَرَكُوا السَّبْت , يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا , لَا يَصِل إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَد , وَلَا مِنَّا إِلَيْهِمْ أَحَد . فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَاف بَعْد مُوسَى كَانَتْ مِنْهُمْ أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ , وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَكُونُوا بَيْن ظَهَرَانَيْ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى أَخْرَجَهُمْ اللَّه إِلَى نَاحِيَة مِنْ أَرْضه فِي عُزْلَة مِنْ الْخَلْق , فَصَارَ لَهُمْ سَرَب فِي الْأَرْض , فَمَشَوْا فِيهِ سَنَة وَنِصْف سَنَة حَتَّى خَرَجُوا وَرَاء الصِّين ; فَهُمْ عَلَى الْحَقّ إِلَى الْآن . وَبَيْن النَّاس وَبَيْنَهُمْ بَحْرٌ لَا يُوصَل إِلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ . ذَهَبَ جِبْرِيل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ لَيْلَة الْمِعْرَاج فَآمَنُوا بِهِ وَعَلَّمَهُمْ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآن وَقَالَ لَهُمْ : هَلْ لَكُمْ مِكْيَال وَمِيزَان ؟ قَالُوا : لَا , قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ مَعَاشُكُمْ ؟ قَالُوا : نَخْرُج إِلَى الْبَرِيَّة فَنَزْرَع , فَإِذَا حَصَدْنَا وَضَعْنَاهُ هُنَاكَ , فَإِذَا اِحْتَاجَ أَحَدنَا إِلَيْهِ يَأْخُذ حَاجَته . قَالَ : فَأَيْنَ نِسَاؤُكُمْ ؟ قَالُوا : فِي نَاحِيَة مِنَّا , فَإِذَا اِحْتَاجَ أَحَدُنَا لِزَوْجَتِهِ صَارَ إِلَيْهَا فِي وَقْت الْحَاجَة . قَالَ : فَيَكْذِب أَحَدكُمْ فِي حَدِيثه ؟ قَالُوا : لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدنَا أَخَذَتْهُ لَظًى , إِنَّ النَّار تَنْزِل فَتُحَرِّقهُ . قَالَ : فَمَا بَالُ بُيُوتِكُمْ مُسْتَوِيَة ؟ قَالُوا لِئَلَّا يَعْلُو بَعْضنَا عَلَى بَعْض . قَالَ : فَمَا بَال قُبُوركُمْ عَلَى أَبْوَابِكُمْ ؟ قَالُوا : لِئَلَّا نَغْفُل عَنْ ذِكْرِ الْمَوْت . ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الدُّنْيَا لَيْلَة الْإِسْرَاء أُنْزِلَ عَلَيْهِ : " وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ " [ الْأَعْرَاف : 181 ] يَعْنِي أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام . يُعْلِمُهُ أَنَّ الَّذِي أَعْطَيْت مُوسَى فِي قَوْمه أَعْطَيْتُك فِي أُمَّتك . وَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ مُوسَى قَبْل نَسْخِهِ , وَلَمْ يُبَدِّلُوا وَلَمْ يَقْتُلُوا الْأَنْبِيَاء .
وَقَطَّعۡنَـٰهُمُ ٱثۡنَتَیۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمࣰاۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلۡغَمَـٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَیِّبَـٰتِ مَا رَزَقۡنَـٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ ﴿١٦٠﴾
" وَقَطَّعْنَاهُمْ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا "



عَدَّدَ نِعَمه عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَجَعَلَهُمْ أَسْبَاطًا لِيَكُونَ أَمْر كُلّ سِبْط مَعْرُوفًا مِنْ جِهَة رَئِيسِهِمْ ; فَيَخِفّ الْأَمْر عَلَى مُوسَى . وَفِي التَّنْزِيل : " وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا " [ الْمَائِدَة : 12 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ .



وَقَوْله : " اِثْنَتَيْ عَشْرَة " وَالسِّبْط مُذَكَّر لِأَنَّ بَعْده " أُمَمًا " فَذَهَبَ التَّأْنِيث إِلَى الْأُمَم . وَلَوْ قَالَ : اِثْنَيْ عَشَر لِتَذْكِيرِ السِّبْط جَازَ ; عَنْ الْفَرَّاء . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْأَسْبَاطِ الْقَبَائِل وَالْفِرَق ; فَلِذَلِكَ أَنَّثَ الْعَدَد . قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ قُرَيْشًا كُلّهَا عَشْر أَبْطُن وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلهَا الْعَشْر فَذَهَبَ بِالْبَطْنِ إِلَى الْقَبِيلَة وَالْفَصِيلَة ; فَلِذَلِكَ أَنَّثَهَا . وَالْبَطْن مُذَكَّر ; كَمَا أَنَّ الْأَسْبَاط جَمْع مُذَكَّر . الزَّجَّاج : الْمَعْنَى قَطَّعْنَاهُمْ اِثْنَتَيْ عَشْرَة فِرْقَة . " أَسْبَاطًا " بَدَل مِنْ اِثْنَتَيْ عَشْرَة " أُمَمًا " نَعْت لِلْأَسْبَاطِ . وَرَوَى الْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم " وَقَطَعْنَاهُمْ " مُخَفَّفًا . " أَسْبَاطًا " الْأَسْبَاط فِي وَلَد إِسْحَاق بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِل فِي وَلَد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام . وَالْأَسْبَاط مَأْخُوذ مِنْ السَّبَط وَهُوَ شَجَر تَعْلِفُهُ الْإِبِل .
وَإِذۡ قِیلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَیۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةࣱ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدࣰا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِیۤـَٔـٰتِكُمۡۚ سَنَزِیدُ ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿١٦١﴾
" هَذِهِ الْقَرْيَة " أَيْ الْمَدِينَة سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقَرَّتْ أَيْ اِجْتَمَعَتْ وَمِنْهُ قَرَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض أَيْ جَمَعْته وَاسْم ذَلِكَ الْمَاء قِرًى ( بِكَسْرِ الْقَاف ) مَقْصُور وَكَذَلِكَ مَا قُرِيَ بِهِ الضَّيْف قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَالْمِقْرَاة لِلْحَوْضِ وَالْقَرِيّ لِمَسِيلِ الْمَاء وَالْقَرَا لِلظَّهْرِ وَمِنْهُ قَوْله لَاحِقُ بَطْنٍ بِقَرًا سَمِين وَالْمَقَارِي الْجِفَان الْكِبَار قَالَ عِظَام الْمَقَارِي ضَيْفهمْ لَا يُفَزَّع وَوَاحِد الْمَقَارِي مِقْرَاة وَكُلّه بِمَعْنَى الْجَمْع غَيْر مَهْمُوز وَالْقِرْيَة ( بِكَسْرِ الْقَاف ) لُغَة الْيَمَن وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينهَا , فَقَالَ الْجُمْهُور : هِيَ بَيْت الْمَقْدِس وَقِيلَ أَرِيحَاء مِنْ بَيْت الْمَقْدِس قَالَ عُمَر بْن شَبَّة كَانَتْ قَاعِدَة وَمَسْكَن مُلُوك اِبْن كَيْسَان الشَّام الضَّحَّاك الرَّمْلَة وَالْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين وَتَدْمُر وَهَذِهِ نِعْمَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ دُخُول الْبَلْدَة وَأَزَالَ عَنْهُمْ التِّيه " وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ " إِبَاحَة .





" حِطَّة " بِالرَّفْعِ قِرَاءَة الْجُمْهُور عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ أَيْ مَسْأَلَتنَا حِطَّة أَوْ يَكُون حِكَايَة قَالَ الْأَخْفَش وَقُرِئَتْ " حِطَّة " بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى أَحْطِطْ عَنَّا ذُنُوبنَا حِطَّة قَالَ النَّحَّاس الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَفِي حَدِيث آخَر عَنْهُ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا مَغْفِرَة تَفْسِير لِلنَّصْبِ أَيْ قُولُوا شَيْئًا يَحُطّ ذُنُوبكُمْ كَمَا يُقَال قُلْ خَيْرًا وَالْأَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى الرَّفْع وَهُوَ أَوْلَى فِي اللُّغَة لِمَا حُكِيَ عَنْ الْعَرَب فِي مَعْنَى بَدَّلَ قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى يُقَال بَدَّلْته أَيْ غَيَّرْته وَلَمْ أُزِلْ عَيْنه وَأَبْدَلْته أَزَلْت عَيْنه وَشَخْصه كَمَا قَالَ عَزْل الْأَمِير لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَل وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ " [ يُونُس : 15 ] وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالُوا " حِطَّة " تَفْسِير عَلَى الرَّفْع هَذَا كُلّه قَوْل النَّحَّاس وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة " حِطَّةً " بِمَعْنَى حُطَّ ذُنُوبنَا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِيَحُطّ بِهَا ذُنُوبهمْ وَقَالَ اِبْن جُبَيْر مَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَار أَبَان بْن تَغْلِب التَّوْبَة قَالَ الشَّاعِر فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّـ ـهُ بِهَا ذَنْب عَبْده مَغْفُورَا وَقَالَ ابْن فَارِس فِي الْمُجْمَل " حِطَّة " كَلِمَة أُمِرَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيل لَوْ قَالُوهَا لَحُطَّتْ أَوْزَارُهُمْ وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ أَيْضًا فِي الصَّحَاح قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا تَعَبَّدُوا بِهَذَا اللَّفْظ بِعَيْنِهِ , وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيل اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة يُغْفَر لَكُمْ خَطَايَاكُمْ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَاب يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّة فِي شَعَرَةٍ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَقَالَ ( فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِطَّة حَبَّة فِي شَعَرَة ) فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ " حِنْطَة فِي شَعَر " وَقِيلَ قَالُوا هِطًّا سُمْهَاثًا وَهِيَ لَفْظَة عِبْرَانِيَّة تَفْسِيرهَا حِنْطَة حَمْرَاء حَكَاهَا اِبْن قُتَيْبَة وَحَكَاهُ الْهَرَوِيّ عَنْ السُّدِّيّ وَمُجَاهِد وَكَانَ قَصْدهمْ خِلَاف مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ فَعَصَوْا وَتَمَرَّدُوا وَاسْتَهْزَءُوا فَعَاقَبَهُمْ اللَّه بِالرِّجْزِ وَهُوَ الْعَذَاب وَقَالَ اِبْن زَيْد كَانَ طَاعُونًا أَهْلَكَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَرُوِيَ أَنَّ الْبَاب جُعِلَ قَصِيرًا لِيَدْخُلُوهُ رُكَّعًا فَدَخَلُوهُ مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَاَللَّه أَعْلَم اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ تَبْدِيل الْأَقْوَال الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الشَّرِيعَة لَا يَخْلُو أَنْ يَقَع التَّعَدُّد بِلَفْظِهَا أَوْ بِمَعْنَاهَا فَإِنْ كَانَ التَّعَبُّد وَقَعَ بِلَفْظِهَا فَلَا يَجُوز تَبْدِيلهَا لِذَمِّ اللَّه تَعَالَى مَنْ بَدَّلَ مَا أَمَرَهُ بِقَوْلٍ وَإِنْ وَقَعَ بِمَعْنَاهَا جَازَ تَبْدِيلهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَا يَجُوز تَبْدِيلهَا بِمَا يُخْرِج عَنْهُ وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْمَعْنَى فَحُكِيَ عَنْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ أَنَّهُ يَجُوز لِلْعَالِمِ بِمَوَاقِع الْخِطَاب الْبَصِير بِآحَادِ كَلِمَاته نَقْل الْحَدِيث بِالْمَعْنَى لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُطَابَقَة لِلْمَعْنَى بِكَمَالٍ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَمَنَعَ ذَلِكَ جَمْع كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَرَجَاء بْن حَيْوَة وَقَالَ مُجَاهِد اُنْقُصْ مِنْ الْحَدِيث إِنْ شِئْت وَلَا تَزِدْ فِيهِ وَكَانَ مَالِك بْن أَنَس يُشَدِّد فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّاء وَالْيَاء وَنَحْو هَذَا وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث لَا يَرَوْنَ إِبْدَال اللَّفْظ وَلَا تَغْيِيره حَتَّى إِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَلْحُونًا وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ وَرَوَى أَبُو مِجْلَز عَنْ قَيْس بْن عُبَاد قَالَ قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ وَرَوَى نَحْوه عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَزَيْد بْن أَرَقْم وَكَذَا الْخِلَاف فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَدّ بِالْمَعْنَى وَلَا يَعْتَدّ بِاللَّفْظِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَدِّد فِي ذَلِكَ وَلَا يُفَارِق اللَّفْظ , وَذَلِكَ هُوَ الْأَحْوَط فِي الدِّين وَالْأَتْقَى وَالْأَوْلَى وَلَكِنَّ أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى خِلَافه وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ هُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْلُوم مِنْ سِيرَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ الْوَقَائِع الْمُتَّحِدَة بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْرِفُونَ عِنَايَتهمْ لِلْمَعَانِي وَلَمْ يَلْتَزِمُوا التَّكْرَار عَلَى الْأَحَادِيث وَلَا كُتُبهَا وَرُوِيَ عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كُلّ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ حَسْبكُمْ الْمَعْنَى وَقَالَ قَتَادَة عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى لَقِيت عِدَّة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظ وَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى , وَكَانَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ رَحِمَهُمْ اللَّه يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي , وَقَالَ الْحَسَن : إِذَا أَصَبْت الْمَعْنَى أَجْزَأَك وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - إِذَا قُلْت لَكُمْ إِنِّي أُحَدِّثكُمْ كَمَا سَمِعْت فَلَا تُصَدِّقُونِي إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى , وَقَالَ وَكِيع - رَحِمَهُ اللَّه - إِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاس وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز نَقْل الشَّرْع لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ وَتَرْجَمَته لَهُمْ وَذَلِكَ هُوَ النَّقْل بِالْمَعْنَى وَقَدْ فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ فِي كِتَابه فِيمَا قَصَّ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَلَفَ فَقَصَّ قَصَصًا ذَكَرَ بَعْضهَا فِي مَوَاضِع بِأَلْفَاظ مُخْتَلِقَة وَالْمَعْنَى وَاحِد وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَهُوَ مُخَالِف لَهَا فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَالْحَذْف وَالْإِلْغَاء وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَإِذَا جَازَ إِبْدَال الْعَرَبِيَّة بِالْعَجَمِيَّةِ فَأَنْ يَجُوزَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى اِحْتَجَّ بِهَذَا الْمَعْنَى الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَضَّرَ اللَّه اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا ) وَذَكَرَ الْحَدِيث وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُول عِنْد مَضْجَعه فِي دُعَاء عِلْمه ( آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت ) فَقَالَ الرَّجُل وَرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت ) قَالُوا أَفَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسَوِّغ لِمَنْ عَلَّمَهُ الدُّعَاء مُخَالَفَة اللَّفْظ وَقَالَ ( فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ) قِيلَ لَهُمْ أَمَّا قَوْله ( فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ) فَالْمُرَاد حُكْمهَا لَا لَفْظهَا غَيْر مُعْتَدٍ بِهِ وَيَدُلّك عَلَى أَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخِطَاب حُكْمه قَوْله ( فَرُبَّ حَامِل فِقْه غَيْر فَقِيهِ وَرَبّ حَامِل فِقْه إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ قَدْ نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة , وَالْمَعْنَى وَاحِد وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُون جَمِيع الْأَلْفَاظ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة لَكِنَّ الْأَغْلَب أَنَّهُ حَدِيث وَاحِد نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَة وَذَلِكَ أَدَلّ عَلَى الْجَوَاز , وَأَمَّا رَدُّهُ عَلَيْهِ السَّلَام الرَّجُل مِنْ قَوْله ( وَرَسُولك إِلَى قَوْله وَنَبِيّك ) لِأَنَّ لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْدَح وَلِكُلِّ نَعْت مِنْ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ مَوْضِع أَلَا تَرَى أَنَّ اِسْم الرَّسُول يَقَع عَلَى الْكَافَّة وَاسْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْتَحِقّهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْمُرْسَلُونَ مِنْ الْأَنْبِيَاء ; لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة فَلَمَّا قَالَ ( وَنَبِيّك ) جَاءَ بِالنَّعْتِ الْأَمْدَح ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ ( الَّذِي أَرْسَلْت ) وَأَيْضًا فَإِنَّ نَقْله مِنْ قَوْله ( وَرَسُولِك إِلَى قَوْله وَنَبِيِّك ) لِيَجْمَع بَيْن النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة , وَمُسْتَقْبَحٌ فِي الْكَلَام أَنْ تَقُول : هَذَا رَسُول فُلَان الَّذِي أَرْسَلَهُ وَهَذَا قَتِيل زَيْد الَّذِي قَتَلَهُ ; لِأَنَّك تَجْتَزِئ بِقَوْلِك رَسُول فُلَان وَقَتِيل فُلَان عَنْ إِعَادَة الْمُرْسَل وَالْقَاتِل إِذْ كُنْت لَا تُقَيِّد بِهِ إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَإِنَّمَا يَحْسُن أَنْ تَقُول هَذَا رَسُول عَبْد اللَّه الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى عَمْرو وَهَذَا قَتِيل زَيْد الَّذِي قَتَلَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ فِي وَقْعَة كَذَا , وَاَللَّه وَلِيّ التَّوْفِيق فَإِنْ قِيلَ : إِذَا جَازَ لِلرَّاوِي الْأَوَّل تَغْيِير أَلْفَاظ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام جَازَ لِلثَّانِي تَغْيِير أَلْفَاظ الْأَوَّل , وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى طَمْس الْحَدِيث بِالْكُلِّيَّةِ لِدِقَّةِ الْفُرُوق وَخَفَائِهَا قِيلَ لَهُ الْجَوَاز مَشْرُوط بِالْمُطَابَقَةِ وَالْمُسَاوَاة كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ عُدِمَتْ لَمْ يَجُزْ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ الْخِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنَّمَا يُتَصَوَّر بِالنَّظَرِ إِلَى عَصْر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي مَعْرِفَة اللُّغَة الْجِبِلِّيَّة الذَّوْقِيَّة بَعْدَهُمْ فَلَا نَشُكّ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز ; إِذْ الطِّبَاع قَدْ تَغَيَّرَتْ وَالْفُهُوم قَدْ تَبَايَنَتْ وَالْعَوَائِد قَدْ اِخْتَلَفَتْ , وَهَذَا هُوَ الْحَقّ وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : لَقَدْ تَعَاجَمَ ابْن الْعَرَبِيّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّ الْجَوَاز إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا بِالْمُطَابَقَةِ فَلَا فَرْق بَيْن زَمَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَزَمَن غَيْرهمْ وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّل أَحَد مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا أَهْل الْحَدِيث هَذَا التَّفْصِيل نَعَمْ لَوْ قَالَ الْمُطَابَقَة فِي زَمَنه أَبْعَد كَانَ أَقْرَب وَاَللَّه أَعْلَم







قِرَاءَة نَافِع بِالْيَاءِ مَعَ ضَمِّهَا وَابْن عَامِر بِالتَّاءِ مَعَ ضَمِّهَا وَهِيَ قِرَاءَة مُجَاهِد وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالنُّونِ مَعَ نَصْبِهَا وَهِيَ أَبْيَنُهَا لِأَنَّ قَبْلهَا " وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا " فَجَرَى " نَغْفِر " عَلَى الْإِخْبَار فِي اللَّه تَعَالَى وَالتَّقْدِير وَقُلْنَا اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا نَغْفِر وَلِأَنَّ بَعْده " وَسَنَزِيدُ " بِالنُّونِ وَاخْتُلِفَ فِي أَصْل خَطَايَا جَمْع خَطِيئَة بِالْهَمْزَةِ فَقَالَ الْخَلِيل الْأَصْل فِي خَطَايَا أَنْ يَقُول خَطَايِئ ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ خَطَائِي بِهَمْزَةٍ بَعْدهَا يَاء ثُمَّ تُبْدِل مِنْ الْيَاء أَلِفًا بَدَلًا لَازِمًا فَتَقُول خَطَاءَا فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ أَلِفَانِ بَيْنهمَا هَمْزَة وَالْهَمْزَة مِنْ جِنْس الْأَلِف صِرْت كَأَنَّك جَمَعْت بَيْن ثَلَاث أَلِفَات فَأَبْدَلْت مِنْ الْهَمْزَة يَاء فَقُلْت خَطَايَا , وَأَمَّا سِيبَوَيْهِ فَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْأَصْل مِثْل الْأَوَّل خَطَايِئ ثُمَّ وَجَبَ بِهَذِهِ أَنْ تَهْمِزَ الْيَاء كَمَا هَمَزْتهَا فِي مَدَائِن فَتَقُول خَطَائِئ وَلَا تَجْتَمِع هَمْزَتَانِ فِي كَلِمَة فَأَبْدَلْت مِنْ الثَّانِيَة يَاء فَقُلْت خَطَائِي ثُمَّ عَمِلْت كَمَا عَمِلْت فِي الْأَوَّل وَقَالَ الْفَرَّاء خَطَايَا جَمْع خَطِيَّة بِلَا هَمْزَة كَمَا تَقُول هَدِيَّة وَهَدَايَا قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ جَمَعْت خَطِيئَة مَهْمُوزَة لَقُلْت خَطَاءَا وَقَالَ الْكِسَائِيّ لَوْ جَمَعْتَهَا مَهْمُوزَة أَدْغَمْت الْهَمْزَة فِي الْهَمْزَة كَمَا قُلْت دَوَابّ .







أَيْ فِي إِحْسَان مَنْ لَمْ يَعْبُد الْعِجْل , وَيُقَال : يَغْفِر خَطَايَا مَنْ رَفَعَ الْمَنّ وَالسَّلْوَى لِلْغَدِ وَسَنَزِيدُ فِي إِحْسَان مَنْ لَمْ يَرْفَع لِلْغَدِ وَيُقَال يَغْفِر خَطَايَا مَنْ هُوَ عَاصٍ وَسَيَزِيدُ فِي إِحْسَان مَنْ هُوَ مُحْسِن أَيْ نَزِيدهُمْ إِحْسَانًا عَلَى الْإِحْسَان الْمُتَقَدِّم عِنْدهمْ , وَهُوَ اِسْم فَاعِل مِنْ أَحْسَن وَالْمُحْسِن مَنْ صَحَّحَ عَقْد تَوْحِيده وَأَحْسَنَ سِيَاسَة نَفْسه وَأَقْبَلَ عَلَى أَدَاء فَرَائِضه وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرّه وَفِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ( مَا الْإِحْسَان قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك قَالَ صَدَقْت . . . ) وَذَكَرَ الْحَدِيث خَرَّجَهُ مُسْلِم .
فَبَدَّلَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَیۡرَ ٱلَّذِی قِیلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِجۡزࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ بِمَا كَانُواْ یَظۡلِمُونَ ﴿١٦٢﴾
" فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ " قَالُوا : حَبَّة فِي شَعَرَة . وَقِيلَ لَهُمْ : " اُدْخُلُوا الْبَاب سُجَّدًا " فَدَخَلُوا مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ . " بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ " مَرْفُوع ; لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل وَمَوْضِعه نَصْب . وَ " مَا " بِمَعْنَى الْمَصْدَر , أَيْ بِظُلْمِهِمْ . وَالْحَمْد لِلَّهِ .
وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلَّتِی كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ یَعۡدُونَ فِی ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِیهِمۡ حِیتَانُهُمۡ یَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعࣰا وَیَوۡمَ لَا یَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِیهِمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ یَفۡسُقُونَ ﴿١٦٣﴾
أَيْ عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ أَوْ سَبَب اِجْتِمَاعهمْ . نَظِيره " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا " [ يُوسُف : 82 ] . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِهْتَزَّ الْعَرْش لِمَوْتِ سَعْد بْن مُعَاذ ) يَعْنِي أَهْل الْعَرْش مِنْ الْمَلَائِكَة , فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . أَيْ وَاسْأَلْ الْيَهُود الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُك عَنْ أَخْبَار أَسْلَافِهِمْ وَمَا مَسَخَ اللَّه مِنْهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير . وَهَذَا سُؤَال تَقْرِير وَتَوْبِيخ . وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَة لِصِدْقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى تِلْكَ الْأُمُور مِنْ غَيْر تَعَلُّم . وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , لِأَنَّا مِنْ سِبْط خَلِيله إِبْرَاهِيم , وَمِنْ سِبْط إِسْرَائِيل وَهُمْ بَكْر اللَّه , وَمِنْ سِبْط مُوسَى كَلِيم اللَّه ; وَمِنْ سِبْط وَلَده عُزَيْر , فَنَحْنُ مِنْ أَوْلَادهمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : سَلْهُمْ يَا مُحَمَّد عَنْ الْقَرْيَة , أَمَا عَذَّبْتهمْ بِذُنُوبِهِمْ ; وَذَلِكَ بِتَغْيِيرِ فَرْع مِنْ فُرُوع الشَّرِيعَة . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذِهِ الْقَرْيَة ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ : هِيَ أَيْلَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا مَدْيَن بَيْن أَيْلَة وَالطُّور . الزُّهْرِيّ : طَبَرِيَّة . قَتَادَة وَزَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ سَاحِل مِنْ سَوَاحِل الشَّأْم , بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُون , يُقَال لَهَا : مَقْنَاة . وَكَانَ الْيَهُود يَكْتُمُونَ هَذِهِ الْقِصَّة لِمَا فِيهَا مِنْ السُّبَّة عَلَيْهِمْ .





أَيْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْبَحْر ; تَقُول : كُنْت بِحَضْرَةِ الدَّار أَيْ بِقُرْبِهَا .





أَيْ يَصِيدُونَ الْحِيتَان , وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ; يُقَال : سَبَتَ الْيَهُود ; تَرَكُوا الْعَمَل فِي سَبْتِهِمْ . وَسَبَتَ الرَّجُل لِلْمَفْعُولِ سُبَاتًا أَخَذَهُ ذَلِكَ , مِثْل الْخَرَس . وَأَسْبَتَ سَكَنَ فَلَمْ يَتَحَرَّك . وَالْقَوْم صَارُوا فِي السَّبْت . وَالْيَهُود دَخَلُوا فِي السَّبْت , وَهُوَ الْيَوْم الْمَعْرُوف . وَهُوَ مِنْ الرَّاحَة وَالْقَطْع . وَيُجْمَع أَسْبُت وَسُبُوت وَأَسْبَات . وَفِي الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ اِحْتَجَمَ يَوْم السَّبْت فَأَصَابَهُ بَرَص فَلَا يَلُومَن إِلَّا نَفْسه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّم يَجْمُد يَوْم السَّبْت , فَإِذَا مَدَدْته لِتَسْتَخْرِجَهُ لَمْ يَجْرِ وَعَادَ بَرَصًا . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " يَعْدُونَ " . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْعَيْن وَشَدّ الدَّال . الْأُولَى مِنْ الِاعْتِدَاء وَالثَّانِيَة مِنْ الْإِعْدَاد ; أَيْ يُهَيِّئُونَ الْآلَة لِأَخْذِهَا . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فِي الْأَسْبَات " عَلَى جَمْع السَّبْت .





وَقُرِئَ " أَسْبَاتِهِمْ " .







أَيْ شَوَارِع ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء كَثِيرَة . وَقَالَ اللَّيْث : حِيتَان شُرَّع رَافِعَة رُءُوسهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ حِيتَان الْبَحْر كَانَتْ تَرِد يَوْم السَّبْت عُنُقًا مِنْ الْبَحْر فَتُزَاحِم أَيْلَة . أَلْهَمَهَا اللَّه تَعَالَى أَنَّهَا لَا تُصَاد يَوْم السَّبْت ; لِنَهْيِهِ تَعَالَى الْيَهُود عَنْ صَيْدِهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ تَشْرَع عَلَى أَبْوَابِهِمْ ; كَالْكِبَاشِ الْبِيض رَافِعَة رُءُوسَهَا . حَكَاهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ ; فَتَعْدُو فَأَخَذُوهَا فِي السَّبْت ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : يَوْم الْأَحَد , وَهُوَ الْأَصَحّ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .





أَيْ لَا يَفْعَلُونَ السَّبْت ; يُقَال : سَبَتَ يَسْبِت إِذَا عَظَّمَ السَّبْت . وَقَرَأَ الْحَسَن " يُسْبِتُونَ " بِضَمِّ الْيَاء , أَيْ يَدْخُلُونَ فِي السَّبْت ; كَمَا يُقَال : أَجْمَعْنَا وَأَظْهَرْنَا وَأَشْهَرْنَا , أَيْ دَخَلْنَا فِي الْجُمُعَة وَالظُّهْر وَالشَّهْر .





أَيْ حِيتَانهمْ .







أَيْ نُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِبَادَة وَنَخْتَبِرهُمْ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب .





أَيْ بِفِسْقِهِمْ . وَسُئِلَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : هَلْ تَجِد فِي كِتَاب اللَّه الْحَلَال لَا يَأْتِيك إِلَّا قُوتًا , وَالْحَرَام يَأْتِيك جَزْفًا جَزْفًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , فِي قِصَّة دَاوُد وَأَيْلَة " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ " . وَرُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , وَأَنَّ إِبْلِيس أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْم السَّبْت , فَاتَّخِذُوا الْحِيَاض ; فَكَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَان إِلَيْهَا يَوْم الْجُمْعَة فَتَبْقَى فِيهَا , فَلَا يُمْكِنهَا الْخُرُوج مِنْهَا لِقِلَّةِ الْمَاء , فَيَأْخُذُونَهَا يَوْم الْأَحَد . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : زَعَمَ اِبْن رُومَان أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذ الرَّجُل خَيْطًا وَيَضَع فِيهِ وَهَقَة , وَأَلْقَاهَا فِي ذَنَب الْحُوت , وَفِي الطَّرَف الْآخَر مِنْ الْخَيْط وَتِد وَتَرَكَهُ كَذَلِكَ إِلَى الْأَحَد , ثُمَّ تَطَرَّقَ النَّاس حِين رَأَوْا مَنْ صَنَعَ هَذَا لَا يُبْتَلَى حَتَّى كَثُرَ صَيْد الْحُوت , وَمُشِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق , وَأَعْلَنَ الْفَسَقَة بِصَيْدِهِ ; فَقَامَتْ فِرْقَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَنَهَتْ , وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّاهِينَ قَالُوا : لَا نُسَاكِنُكُمْ ; فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ . فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَات يَوْم فِي مَجَالِسِهِمْ وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الْمُعْتَدِينَ أَحَد , فَقَالُوا : إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا ; فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَار فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قِرَدَة ; فَفَتَحُوا الْبَاب وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ , فَعَرَفَتْ الْقِرَدَة أَنْسَابهَا مِنْ الْإِنْس , وَلَمْ تَعْرِف الْإِنْس أَنْسَابَهُمْ مِنْ الْقِرَدَة ; فَجَعَلَتْ الْقِرَدَة تَأْتِي نَسِيبَهَا مِنْ الْإِنْس فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ; فَيَقُول : أَلَمْ نَنْهَكُمْ ! فَتَقُول بِرَأْسِهَا نَعَمْ . قَالَ قَتَادَة : صَارَ الشُّبَّان قِرَدَة وَالشُّيُوخ خَنَازِير , فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرهمْ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ تَفْتَرِق إِلَّا فِرْقَتَيْنِ . وَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةࣱ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾
أَيْ قَالَ الْفَاعِلُونَ لِلْوَاعِظِينَ حِين وَعَظُوهُمْ : إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّه مُهْلِكُنَا فَلِمَ تَعِظُونَنَا ؟ فَمَسَخَهُمْ اللَّه قِرَدَة .





أَيْ قَالَ الْوَاعِظُونَ : مَوْعِظَتنَا إِيَّاكُمْ مَعْذِرَة إِلَى رَبّكُمْ ; أَيْ إِنَّمَا يَجِب عَلَيْنَا أَنْ نَعِظَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَسْنَدَ هَذَا الْقَوْل الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ . وَقَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِفْتَرَقَتْ ثَلَاث فِرَق , وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الضَّمَائِر فِي الْآيَة . فِرْقَة عَصَتْ وَصَادَتْ , وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا . وَفِرْقَة اِعْتَزَلَتْ وَلَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ , وَأَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَة قَالَتْ لِلنَّاهِيَةِ : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا - تُرِيد الْعَاصِيَة - اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَلَى غَلَبَة الظَّنّ , وَمَا عُهِدَ مِنْ فِعْل اللَّه تَعَالَى حِينَئِذٍ بِالْأُمَمِ الْعَاصِيَة . فَقَالَتْ النَّاهِيَة : مَوْعِظَتنَا مَعْذِرَة إِلَى اللَّه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . وَلَوْ كَانُوا فِرْقَتَيْنِ لَقَالَتْ النَّاهِيَة لِلْعَاصِيَةِ : وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ , بِالْكَافِ . ثُمَّ اُخْتُلِفَ بَعْد هَذَا ; فَقَالَتْ فِرْقَة : إِنَّ الطَّائِفَة الَّتِي لَمْ تَنْهَ وَلَمْ تَعْصِ هَلَكَتْ مَعَ الْعَاصِيَة عُقُوبَة عَلَى تَرْك النَّهْي ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ أَيْضًا : مَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ ; وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْآيَة . وَقَالَ عِكْرِمَة : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس لَمَّا قَالَ مَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ : أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ وَخَالَفُوهُمْ فَقَالُوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ ؟ فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَرَّفْته أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا ; فَكَسَانِي حُلَّة . وَهَذَا مَذْهَب الْحَسَن . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا هَلَكَتْ الْفِرْقَة الْعَادِيَة لَا غَيْر قَوْله : " وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ الْأَعْرَاف : 165 ] . وَقَوْله : " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت " [ الْبَقَرَة : 65 ] الْآيَة . وَقَرَأَ عِيسَى وَطَلْحَة " مَعْذِرَة " بِالنَّصْبِ . وَنَصْبه عِنْد الْكِسَائِيّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عَلَى الْمَصْدَر . وَالثَّانِي عَلَى تَقْدِير فَعَلْنَا ذَلِكَ مَعْذِرَة . وَهِيَ قِرَاءَة حَفْص عَنْ عَاصِم . وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ : وَهُوَ الِاخْتِيَار ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَعْتَذِرُوا اِعْتِذَارًا مُسْتَأْنَفًا مِنْ أَمْر لِيمُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ : لِمَ تَعِظُونَ ؟ فَقَالُوا : مَوْعِظَتنَا مَعْذِرَة . وَلَوْ قَالَ رَجُل لِرَجُلٍ : مَعْذِرَة إِلَى اللَّه وَإِلَيْك مِنْ كَذَا , يُرِيد اِعْتِذَارًا ; لِنَصْبٍ . هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " وَمَضَى فِيهَا الْكَلَام فِي الْمَمْسُوخ هَلْ يَنْسُل أَمْ لَا , مُبَيَّنًا . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَمَضَى فِي " آل عِمْرَان " وَ " الْمَائِدَة " الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر . وَمَضَى فِي " النِّسَاء " اِعْتِزَال أَهْل الْفَسَاد وَمُجَانَبَتُهُمْ , وَأَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ كَانَ مِثْلهمْ , فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦۤ أَنجَیۡنَا ٱلَّذِینَ یَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِینَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔیسِۭ بِمَا كَانُواْ یَفۡسُقُونَ ﴿١٦٥﴾
والنِّسْيَان يُطْلَق عَلَى السَّاهِي . وَالْعَامِد : التَّارِك ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ " أَيْ تَرَكُوهُ عَنْ قَصْد ; وَمِنْهُ " نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ " [ التَّوْبَة : 67 ] . وَمَعْنَى " بِعَذَابٍ بَئِيس " أَيْ شَدِيد . وَفِيهِ إِحْدَى عَشْرَة قِرَاءَة : الْأُولَى : قِرَاءَة أَبِي عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " بَئِيس " عَلَى وَزْن فَعِيل . الثَّانِيَة : قِرَاءَة أَهْل مَكَّة " بِئِيس " بِكَسْرِ الْبَاء وَالْوَزْن وَاحِد . وَالثَّالِثَة : قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة " بِيْسٍ " الْبَاء مَكْسُورَة بَعْدهَا يَاء سَاكِنَة بَعْدهَا سِين مَكْسُورَة مُنَوَّنَة , وَفِيهَا قَوْلَانِ . قَالَ الْكِسَائِيّ : الْأَصْل فِيهِ " بَيِيس " خَفِيفَة الْهَمْزَة , فَالْتَقَتْ يَاءَانِ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا وَكُسِرَ أَوَّله : كَمَا يُقَال : رَغِيف وَشَهِيد . وَقِيلَ : أَرَادَ " بَئِسَ " عَلَى وَزْن فَعِلَ ; فَكَسَرَ أَوَّله وَخَفَّفَ الْهَمْزَة وَحَذَفَ الْكَسْرَة ; كَمَا يُقَال : رَحِم وَرِحْم . الرَّابِعَة : قِرَاءَة الْحَسَن , الْبَاء مَكْسُورَة بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة بَعْدهَا سِين مَفْتُوحَة . الْخَامِسَة : قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ " بَئِسٍ " الْبَاء مَفْتُوحَة وَالْهَمْزَة مَكْسُورَة وَالسِّين مَكْسُورَة مُنَوَّنَة . السَّادِسَة : قَالَ يَعْقُوب الْقَارِئ : وَجَاءَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء " بِعَذَابٍ بَئِسَ " الْبَاء مَفْتُوحَة وَالْهَمْزَة مَكْسُورَة وَالسِّين مَفْتُوحَة . السَّابِعَة : قِرَاءَة الْأَعْمَش " بِيْئِسٍ " عَلَى وَزْن فَيْعِل . وَرُوِيَ عَنْهُ " بَيْأَسٍ " عَلَى وَزْن فَيْعَل . وَرُوِيَ عَنْهُ " بَئِّسٍ " بِبَاءٍ مَفْتُوحَة وَهَمْزَة مُشَدَّدَة مَكْسُورَة , وَالسِّين فِي كُلّه مَكْسُورَة مُنَوَّنَة , أَعْنِي قِرَاءَة الْأَعْمَش . الْعَاشِرَة : قِرَاءَة نَصْر بْن عَاصِم " بِعَذَابٍ بَيِّس " الْبَاء مَفْتُوحَة وَالْيَاء مُشَدَّدَة بِغَيْرِ هَمْز . قَالَ يَعْقُوب الْقَارِئ : وَجَاءَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء " بِئْيَس " الْبَاء مَكْسُورَة بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة بَعْدهَا يَاء مَفْتُوحَة . فَهَذِهِ إِحْدَى عَشْرَة قِرَاءَة ذَكَرَهَا النَّحَّاس . قَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : الْعَرَب تَقُول جَاءَ بِبَنَاتٍ بِيس أَيْ بِشَيْءٍ رَدِيء . فَمَعْنَى " بِعَذَاب بِيس " بِعَذَابٍ رَدِيء . وَأَمَّا قِرَاءَة الْحَسَن فَزَعَمَ أَبُو حَاتِم أَنَّهُ لَا وَجْه لَهَا , قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُقَال مَرَرْت بِرَجُل بِئْسَ , حَتَّى يُقَال : بِئْسَ الرَّجُل , أَوْ بِئْسَ رَجُلًا . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا مَرْدُود مِنْ كَلَام أَبِي حَاتِم ; حَكَى النَّحْوِيُّونَ : إِنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ . يُرِيدُونَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ الْخَصْلَة . وَالتَّقْدِير عَلَى قِرَاءَة الْحَسَن : بِعِذَابٍ بِئْسَ الْعَذَاب .
فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ ﴿١٦٦﴾
أَيْ فَلَمَّا تَجَاوَزُوا فِي مَعْصِيَة اللَّه .





يُقَال : خَسَأْته فَخَسَأَ ; أَيْ بَاعَدْته وَطَرَدْته . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِي سَبَب النِّقْمَة : وَهَذَا لَا خَفَاء بِهِ . فَقِيلَ : قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ بِكَلَامٍ يُسْمَع , فَكَانُوا كَذَلِكَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَوَّنَّاهُمْ قِرَدَة .
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَیَبۡعَثَنَّ عَلَیۡهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَن یَسُومُهُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِیعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿١٦٧﴾
أَيْ أَعْلَمَ أَسْلَافهمْ أَنَّهُمْ إِنْ غَيَّرُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيّ بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَنْ يُعَذِّبُهُمْ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : " آذَنَ " بِالْمَدِّ , أَعْلَم . وَ " أَذَّنَ " بِالتَّشْدِيدِ , نَادَى . وَقَالَ قَوْم : آذَنَ وَأَذَّنَ بِمَعْنَى أَعْلَمَ ; كَمَا يُقَال : أَيْقَنَ وَتَيَقَّنَ . قَالَ زُهَيْر : فَقُلْت تَعَلَّمْ إِنَّ لِلصَّيْدِ غُرَّة فَإِلَّا تُضَيِّعهَا فَإِنَّك قَاتِله وَقَالَ آخَر : تَعَلَّمْ إِنَّ شَرّ النَّاس حَيّ يُنَادَى فِي شِعَارهمْ يَسَار أَيْ اِعْلَمْ . وَمَعْنَى " يَسُومهُمْ " يُذِيقهُمْ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " قِيلَ : الْمُرَاد بَخْتُنَصَّرَ . وَقِيلَ : الْعَرَب . وَقِيلَ : أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَظْهَر ; فَإِنَّهُمْ الْبَاقُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : " سُوء الْعَذَاب " هُنَا أَخْذ الْجِزْيَة . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ مُسِخُوا , فَكَيْفَ تُؤْخَذ مِنْهُمْ الْجِزْيَة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهَا تُؤْخَذ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَوْلَادهمْ , وَهُمْ أَذَلّ قَوْم , وَهُمْ الْيَهُود . وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر " سُوء الْعَذَاب " قَالَ : الْخَرَاج , وَلَمْ يَجْبُ نَبِيّ قَطُّ الْخَرَاج , إِلَّا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ أَوَّل مَنْ وَضَعَ الْخَرَاج , فَجَبَاهُ ثَلَاث عَشْرَة سَنَة , ثُمَّ أَمْسَكَ , وَنَبِيّنَا عَلَيْهِ السَّلَام .
وَقَطَّعۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ أُمَمࣰاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَ ٰ⁠لِكَۖ وَبَلَوۡنَـٰهُم بِٱلۡحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّیِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ ﴿١٦٨﴾
أَيْ فَرَّقْنَاهُمْ فِي الْبِلَاد . أَرَادَ بِهِ تَشْتِيت أَمْرِهِمْ , فَلَمْ تُجْمَع لَهُمْ كَلِمَة .





رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء . وَالْمُرَاد مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام . وَمَنْ لَمْ يُبَدِّل مِنْهُمْ وَمَاتَ قَبْل نَسْخ شَرْع مُوسَى . أَوْ هُمْ الَّذِينَ وَرَاء الصِّين ; كَمَا سَبَقَ .





مَنْصُوب عَلَى الظَّرْف . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا نَعْلَم أَحَدًا رَفَعَهُ . وَالْمُرَاد الْكُفَّار مِنْهُمْ .





أَيْ اخْتَبَرْنَاهُمْ .





أَيْ بِالْخِصْبِ وَالْعَافِيَة .





أَيْ الْجَدْب وَالشَّدَائِد .





لِيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرهمْ .
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ یَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَیَقُولُونَ سَیُغۡفَرُ لَنَا وَإِن یَأۡتِهِمۡ عَرَضࣱ مِّثۡلُهُۥ یَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ یُؤۡخَذۡ عَلَیۡهِم مِّیثَـٰقُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن لَّا یَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِیهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ﴿١٦٩﴾
يَعْنِي أَوْلَاد الَّذِينَ فَرَّقَهُمْ فِي الْأَرْض . قَالَ أَبُو حَاتِم : " الْخَلْف " بِسُكُونِ اللَّام : الْأَوْلَاد , الْوَاحِد وَالْجَمِيع فِيهِ سَوَاء . وَ " الْخَلَف " بِفَتْحِ اللَّام الْبَدَل , وَلَدًا كَانَ أَوْ غَرِيبًا . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : " الْخَلَف " بِالْفَتْحِ الصَّالِح , وَبِالْجَزْمِ الطَّالِح . قَالَ لَبِيد : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيت فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّدِيءِ مِنْ الْكَلَام : خَلْف . وَمِنْهُ الْمَثَل السَّائِر " سَكَتَ أَلْفًا وَنَطَقَ خَلْفًا " . فَخَلْف فِي الذَّمّ بِالْإِسْكَانِ , وَخَلَف بِالْفَتْحِ فِي الْمَدْح . هَذَا هُوَ الْمُسْتَعْمَل الْمَشْهُور . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " . وَقَدْ يُسْتَعْمَل كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِع الْآخَر . قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْك وَخَلْفُنَا لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ وَقَالَ آخَر . إِنَّا وَجَدْنَا خَلَفًا بِئْسَ الْخَلَفْ أَغْلَقَ عَنَّا بَابَهُ ثُمَّ حَلَفْ لَا يُدْخِل الْبَوَّاب إِلَّا مَنْ عَرَفْ عَبْدًا إِذَا مَا نَاءَ بِالْحَمْلِ وَقَفْ وَيُرْوَى : خَضَف ; أَيْ رَدَم . وَالْمَقْصُود مِنْ الْآيَة الذَّمّ .





قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُمْ الْيَهُود , وَرِثُوا كِتَاب اللَّه فَقَرَءُوهُ وَعَلِمُوهُ , وَخَالَفُوا حُكْمه وَأَتَوْا مَحَارِمه مَعَ دِرَاسَتهمْ لَهُ . فَكَانَ هَذَا تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَقْرِيعًا .



ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَا يَعْرِض لَهُمْ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا لِشِدَّةِ حِرْصهمْ وَنَهَمِهِمْ .





وَهُمْ لَا يَتُوبُونَ . وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ .





وَالْعَرَض : مَتَاع الدُّنْيَا ; بِفَتْحِ الرَّاء . وَبِإِسْكَانِهَا مَا كَانَ مِنْ الْمَال سِوَى الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير . وَالْإِشَارَة فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَى الرِّشَا وَالْمَكَاسِب الْخَبِيثَة . ثُمَّ ذَمَّهُمْ بِاغْتِرَارِهِمْ فِي قَوْلهمْ " سَيُغْفَرُ لَهُمْ " وَأَنَّهُمْ بِحَالٍ إِذَا أَمْكَنَتْهُمْ ثَانِيَة اِرْتَكَبُوهَا , فَقَطَعُوا بِاغْتِرَارِهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَهُمْ مُصِرُّونَ , وَإِنَّمَا يَقُول سَيُغْفَرُ لَنَا مَنْ أَقْلَعَ وَنَدِمَ . قُلْت : وَهَذَا الْوَصْف الَّذِي ذَمَّ اللَّه تَعَالَى بِهِ هَؤُلَاءِ مَوْجُود فِينَا . أَسْنَدَ الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُبَارَك حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن خَالِد عَنْ اِبْن جَابِر عَنْ شَيْخ يُكَنَّى أَبَا عَمْرو عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَيَبْلَى الْقُرْآن فِي صُدُور أَقْوَام كَمَا يَبْلَى الثَّوْب فَيَتَهَافَت , يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَة وَلَا لَذَّة , يَلْبَسُونَ جُلُود الضَّأْن عَلَى قُلُوب الذِّئَاب , أَعْمَالهمْ طَمَع لَا يُخَالِطهُ خَوْف , إِنْ قَصَّرُوا قَالُوا سَنَبْلُغُ , وَإِنْ أَسَاءُوا قَالُوا سَيُغْفَرُ لَنَا , إِنَّا لَا نُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا . وَقِيلَ : إِنَّ الضَّمِير فِي " يَأْتِهِمْ " لِيَهُود الْمَدِينَة ; أَيْ وَإِنْ يَأْتِ يَهُود يَثْرِب الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ كَمَا أَخَذَهُ أَسْلَافُهُمْ .





" أَلَمْ يُؤْخَذ عَلَيْهِمْ مِيثَاق الْكِتَاب " يُرِيد التَّوْرَاة . وَهَذَا تَشْدِيد فِي لُزُوم قَوْل الْحَقّ فِي الشَّرْع وَالْأَحْكَام , وَأَلَّا يَمِيل الْحُكَّام بِالرِّشَا إِلَى الْبَاطِل . قُلْت : وَهَذَا الَّذِي لَزِمَ هَؤُلَاءِ وَأُخِذَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْمِيثَاق فِي قَوْل الْحَقّ لَازِم لَنَا عَلَى لِسَان نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتَاب رَبّنَا , عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " النِّسَاء " . وَلَا خِلَاف فِيهِ فِي جَمِيع الشَّرَائِع , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " أَلَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقَّ " وَقَدْ قَالُوا الْبَاطِل فِي غُفْرَان ذُنُوبهمْ الَّذِي يُوجِبُونَهُ وَيَقْطَعُونَ بِهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : يَعْنِي فِي الْأَحْكَام الَّتِي يَحْكُمُونَ بِهَا ; كَمَا ذَكَرْنَا .





" وَدَرَسُوا مَا فِيهِ " أَيْ قَرَءُوهُ , وَهُمْ قَرِيبُو عَهْد بِهِ . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن " وَادَّارَسُوا مَا فِيهِ " فَأُدْغِمَ التَّاء فِي الدَّال . قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ يَأْتِيهِمْ الْمُحِقّ بِرِشْوَةٍ فَيُخْرِجُونَ لَهُ كِتَاب اللَّه فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِهِ , فَإِذَا جَاءَ الْمُبْطِل أَخَذُوا مِنْهُ الرِّشْوَة وَأَخْرَجُوا لَهُ كِتَابَهُمْ الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ وَحَكَمُوا لَهُ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ مَعْنَى " وَدَرَسُوا مَا فِيهِ " أَيْ مَحَوْهُ بِتَرْكِ الْعَمَل بِهِ وَالْفَهْم لَهُ ; مِنْ قَوْلِك : دَرَسَتْ الرِّيح الْآثَار , إِذَا مَحَتْهَا . وَخَطّ دَارِس وَرَبْع دَارِس , إِذَا اِمَّحَى وَعَفَا أَثَره . وَهَذَا الْمَعْنَى مُوَاطِئٌ - أَيْ مُوَافِق - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ " [ الْبَقَرَة : 101 ] الْآيَة . وَقَوْله : " فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ " [ آل عِمْرَان : 187 ] . حَسَب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة "
وَٱلَّذِینَ یُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِینَ ﴿١٧٠﴾
قَوْله تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ " أَيْ بِالتَّوْرَاةِ , أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا ; يُقَال : مَسَّكَ بِهِ وَتَمَسَّكَ بِهِ أَيْ اِسْتَمْسَكَ بِهِ . وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر " يُمْسِكُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَمْسَكَ يُمْسِك . وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّكْرِير وَالتَّكْثِير لِلتَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى وَبِدِينِهِ فَبِذَلِكَ يُمْدَحُونَ . فَالتَّمَسُّك بِكِتَابِ اللَّه وَالدِّين يَحْتَاج إِلَى الْمُلَازَمَة وَالتَّكْرِير لِفِعْلِ ذَلِكَ . وَقَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : فَمَا تَمَسَّكَ بِالْعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ إِلَّا كَمَا تُمَسِّكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ فَجَاءَ بِهِ عَلَى طَبْعه يَذُمّ بِكَثْرَةِ نَقْضِ الْعَهْد .
۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةࣱ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٧١﴾
" نَتَقْنَا " مَعْنَاهُ رَفَعْنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " " كَأَنَّهُ ظُلَّة " أَيْ كَأَنَّهُ لِارْتِفَاعِهِ سَحَابَة تُظِلّ .





" خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ " أَيْ بِجِدٍّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . إِلَى آخِر الْآيَة .
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤۚ أَن تَقُولُواْ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَـٰذَا غَـٰفِلِینَ ﴿١٧٢﴾
أَيْ وَاذْكُرْ لَهُمْ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ تَذْكِير الْمَوَاثِيق فِي كِتَابهمْ مَا أَخَذْت مِنْ الْمَوَاثِيق مِنْ الْعِبَاد يَوْم الذَّرّ . وَهَذِهِ آيَة مُشْكِلَة , وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيلهَا وَأَحْكَامهَا , فَنَذْكُر مَا ذَكَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ حَسَب مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ قَوْم : مَعْنَى الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْرَجَ مِنْ ظُهُور بَنِي آدَم بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ " دَلَّهُمْ بِخَلْقِهِ عَلَى تَوْحِيده ; لِأَنَّ كُلّ بَالِغ يَعْلَم ضَرُورَة أَنَّ لَهُ رَبًّا وَاحِدًا . " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ " أَيْ قَالَ . فَقَامَ ذَلِكَ مَقَام الْإِشْهَاد عَلَيْهِمْ , وَالْإِقْرَار مِنْهُمْ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض : " قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " [ فُصِّلَتْ : 11 ] . ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَفَّال وَأَطْنَبَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ سُبْحَانه أَخْرَجَ الْأَرْوَاح قَبْل خَلْق الْأَجْسَاد , وَأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا مِنْ الْمَعْرِفَة مَا عَلِمَتْ بِهِ مَا خَاطَبَهَا . قُلْت : وَفِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ , وَأَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ الْأَشْبَاح فِيهَا الْأَرْوَاح مِنْ ظَهْر آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَرَوَى مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَل عَنْهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ آدَم ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْل النَّار يَعْمَلُونَ " . فَقَالَ رَجُل : فَفِيمَ الْعَمَل ؟ قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه إِذَا خَلَقَ الْعَبْد لِلْجَنَّةِ اِسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل الْجَنَّة فَيُدْخِلهُ الْجَنَّة وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْد لِلنَّارِ اِسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل النَّار فَيُدْخِلهُ اللَّه النَّار " . قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا حَدِيث مُنْقَطِع الْإِسْنَاد ; لِأَنَّ مُسْلِم بْن يَسَار لَمْ يَلْقَ عُمَر . وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْن مَعِين : مُسْلِم بْن يَسَار لَا يُعْرَف , بَيْنه وَبَيْن عُمَر نُعَيْم بْن رَبِيعَة , ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ , وَنُعَيْم غَيْر مَعْرُوف بِحَمْلِ الْعِلْم . لَكِنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوه ثَابِتَة كَثِيرَة مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَأَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَغَيْرهمْ . رَوَى التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّه آدَم مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلّ نَسَمَة هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَجَعَلَ بَيْن عَيْنَيْ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُور ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَم فَقَالَ يَا رَبّ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتك فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيص مَا بَيْن عَيْنَيْهِ فَقَالَ أَيْ رَبّ مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ هَذَا رَجُل مِنْ آخِر الْأُمَم مِنْ ذُرِّيَّتك يُقَال لَهُ دَاوُد فَقَالَ رَبِّ كَمْ جَعَلْت عُمْره قَالَ سِتِّينَ سَنَة قَالَ أَيْ رَبّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَة فَلَمَّا اِنْقَضَى عُمْر آدَم عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَهُ مَلَك الْمَوْت فَقَالَ أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَة قَالَ أَوَلَمْ تُعْطِهَا اِبْنك دَاوُد قَالَ فَجَحَدَ آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّته وَنَسِيَ آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّته " . فِي غَيْر التِّرْمِذِيّ : فَحِينَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُود . فِي رِوَايَة : فَرَأَى فِيهِمْ الضَّعِيف وَالْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالذَّلِيل وَالْمُبْتَلَى وَالصَّحِيح . فَقَالَ لَهُ آدَم : يَا رَبّ , مَا هَذَا ؟ أَلَا سَوَّيْت بَيْنهمْ ! قَالَ : أَرَدْت أَنْ أُشْكَرَ . وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أُخِذُوا مِنْ ظَهْره كَمَا يُؤْخَذ بِالْمُشْطِ مِنْ الرَّأْس " . وَجَعَلَ اللَّه لَهُمْ عُقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمَان , وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْد بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ وَأَنْ لَا إِلَه غَيْره . فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ وَالْتَزَمُوهُ , وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ الرُّسُل ; فَشَهِدَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . قَالَ أُبَيّ بْن كَعْب : وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمْ السَّمَاوَات السَّبْع , فَلَيْسَ مِنْ أَحَد يُولَد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْد . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي أُخِذَ فِيهِ الْمِيثَاق حِين أُخْرِجُوا عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بِبَطْنِ نَعْمَان , وَادٍ إِلَى جَنْب عَرَفَة . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ بِرَهْبَا - أَرْض بِالْهِنْدِ - الَّذِي هَبَطَ فِيهِ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ يَحْيَى بْن سَلَّام قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : أَهَبَطَ اللَّه آدَم بِالْهِنْدِ , ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلّ نَسَمَة هُوَ خَالِقهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , ثُمَّ قَالَ : " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا " قَالَ يَحْيَى قَالَ الْحَسَن : ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْب آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف . وَقَالَ السُّدِّيّ : فِي السَّمَاء الدُّنْيَا حِين أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّة إِلَيْهَا مَسَحَ عَلَى ظَهْره فَأَخْرَجَ مِنْ صَفْحَة ظَهْرِهِ الْيُمْنَى ذُرِّيَّة بَيْضَاء مِثْل اللُّؤْلُؤِ , فَقَالَ لَهُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّة بِرَحْمَتِي . وَأَخْرَجَ مِنْ صَفْحَة ظَهْرِهِ الْيُسْرَى ذُرِّيَّة سَوْدَاء وَقَالَ لَهُمْ اُدْخُلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي . قَالَ اِبْن جُرَيْج : خَرَجَتْ كُلُّ نَفْس مَخْلُوقَة لِلْجَنَّةِ بَيْضَاء , وَكُلّ نَفْس مَخْلُوقَة لِلنَّارِ سَوْدَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ رَحِمَهُ اللَّه : " فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يُعَذِّب الْخَلْق وَهُمْ لَمْ يُذْنِبُوا , أَوْ يُعَاقِبهُمْ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ وَكَتَبَهُ عَلَيْهِمْ وَسَاقَهُمْ إِلَيْهِ , قُلْنَا : وَمِنْ أَيْنَ يَمْتَنِع ذَلِكَ , أَعَقْلًا أَمْ شَرْعًا ؟ فَإِنْ قِيلَ : لِأَنَّ الرَّحِيم الْحَكِيم مِنَّا لَا يَجُوز أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ . قُلْنَا : لِأَنَّ فَوْقه آمِرًا يَأْمُرهُ وَنَاهِيًا يَنْهَاهُ , وَرَبّنَا تَعَالَى لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَاسَ الْخَلْق بِالْخَالِقِ , وَلَا تُحْمَل أَفْعَال الْعِبَاد عَلَى أَفْعَال الْإِلَهِ , وَبِالْحَقِيقَةِ الْأَفْعَال كُلُّهَا لِلَّهِ جَلَّ جَلَاله , وَالْخَلْق بِأَجْمَعِهِمْ لَهُ , صَرَفَهُمْ كَيْفَ شَاءَ , وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَرَادَ , وَهَذَا الَّذِي يَجِدُهُ الْآدَمِيّ إِنَّمَا تَبْعَث عَلَيْهِ رِقَّة الْجِبِلَّة وَشَفَقَة الْجِنْسِيَّة وَحُبّ الثَّنَاء وَالْمَدْح ; لِمَا يُتَوَقَّع فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاع , وَالْبَارِي تَعَالَى مُتَقَدِّس عَنْ ذَلِكَ كُلّه , فَلَا يَجُوز أَنْ يُعْتَبَر بِهِ " . وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة , هَلْ هِيَ خَاصَّة أَوْ عَامَّة . فَقِيلَ : الْآيَة خَاصَّة ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : " مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورِهِمْ " فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث مَنْ كَانَ مِنْ وَلَد آدَم لِصُلْبِهِ .
أَوۡ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَاۤ أَشۡرَكَ ءَابَاۤؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّیَّةࣰ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ﴿١٧٣﴾
فَخَرَجَ مِنْهَا كُلّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آبَاء مُشْرِكُونَ . وَقِيلَ : هِيَ مَخْصُوصَة فِيمَنْ أُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْد عَلَى أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ عَامَّة لِجَمِيعِ النَّاس ; لِأَنَّ كُلّ أَحَد يَعْلَم أَنَّهُ كَانَ طِفْلًا فَغُذِّيَ وَرُبِّيَ , وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا وَخَالِقًا . فَهَذَا مَعْنَى " وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ " . وَمَعْنَى " قَالُوا بَلَى " أَيْ إِنَّ ذَلِكَ وَاجِب عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا اِعْتَرَفَ الْخَلْق لِلَّهِ سُبْحَانه بِأَنَّهُ الرَّبّ ثُمَّ ذَهَلُوا عَنْهُ ذَكَّرَهُمْ بِأَنْبِيَائِهِ وَخَتَمَ الذِّكْر بِأَفْضَل أَصْفِيَائِهِ لِتَقُومَ حُجَّته عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ : " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر . لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ " [ الْغَاشِيَة : 22 ] . ثُمَّ مَكَّنَهُ مِنْ السَّيْطَرَة , وَأَتَاهُ السَّلْطَنَة , وَمَكَّنَ لَهُ دِينَهُ فِي الْأَرْض . قَالَ الطُّرْطُوشِيّ : إِنَّ هَذَا الْعَهْد يَلْزَم الْبَشَر وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاة , كَمَا يَلْزَم الطَّلَاق مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَقَدْ نَسِيَهُ " . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ مَاتَ صَغِيرًا دَخَلَ الْجَنَّة لِإِقْرَارِهِ فِي الْمِيثَاق الْأَوَّل . وَمَنْ بَلَغَ الْعَقْل لَمْ يُغْنِهِ الْمِيثَاق الْأَوَّل . وَهَذَا الْقَائِل يَقُول : أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّة , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة اُخْتُلِفَ فِيهَا لِاخْتِلَافِ الْآثَار , وَالصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي هَذَا فِي " الرُّوم " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَوْله تَعَالَى : " مِنْ ظُهُورِهِمْ " بَدَلُ اِشْتِمَال مِنْ قَوْله " مِنْ بَنِي آدَم " . وَأَلْفَاظ الْآيَة تَقْتَضِي أَنَّ الْأَخْذ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَم , وَلَيْسَ لِآدَم فِي الْآيَة ذِكْر بِحَسَبِ اللَّفْظ . وَوَجْه النَّظْم عَلَى هَذَا : وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ ظُهُور بَنِي آدَم ذُرِّيَّتَهُمْ . وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُر ظَهْر آدَم لِأَنَّ الْمَعْلُوم أَنَّهُمْ كُلّهمْ بَنُوهُ . وَأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا يَوْم الْمِيثَاق مِنْ ظَهْرِهِ . فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْره لِقَوْلِهِ : " مِنْ بَنِي آدَم " . " ذُرِّيَّتَهُمْ " قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْن كَثِير بِالتَّوْحِيدِ وَفَتْح التَّاء , وَهِيَ تَقَع لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة " [ آل عِمْرَان : 38 ] فَهَذَا لِلْوَاحِدِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ هِبَة وَلَد فَبُشِّرَ بِيَحْيَى . وَأَجْمَعَ الْقُرَّاء عَلَى التَّوْحِيد فِي قَوْله : " مِنْ ذُرِّيَّة آدَم " [ مَرْيَم : 58 ] وَلَا شَيْء أَكْثَر مِنْ ذُرِّيَّة آدَم . وَقَالَ : " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " فَهَذَا لِلْجَمْعِ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " ذُرِّيَّاتهمْ " بِالْجَمْعِ , لِأَنَّ الذُّرِّيَّة لَمَّا كَانَتْ تَقَع لِلْوَاحِدِ أَتَى بِلَفْظٍ لَا يَقَع لِلْوَاحِدِ فَجَمَعَ لِتَخْلُص الْكَلِمَة إِلَى مَعْنَاهَا الْمَقْصُود إِلَيْهِ لَا يُشْرِكهَا فِيهِ شَيْء وَهُوَ الْجَمْع ; لِأَنَّ ظُهُور بَنِي آدَم اُسْتُخْرِجَ مِنْهَا ذُرِّيَّات كَثِيرَة مُتَنَاسِبَة , أَعْقَاب بَعْد أَعْقَاب , لَا يَعْلَم عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّه ; فَجَمَعَ لِهَذَا الْمَعْنَى . " أَنْ يَقُولُوا " " أَوْ يَقُولُوا " قَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالْيَاءِ فِيهِمَا . رَدَّهُمَا عَلَى لَفْظ الْغَيْبَة الْمُتَكَرِّر قَبْله , وَهُوَ قَوْله : " مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّاتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ " .







وَقَوْله : " قَالُوا بَلَى " أَيْضًا لَفْظ غَيْبَة . وَكَذَا " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " " وَلَعَلَّهُمْ " فَحَمَلَهُ عَلَى مَا قَبْله وَمَا بَعْده مِنْ لَفْظ الْغَيْبَة . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا ; رَدُّوهُ عَلَى لَفْظ الْخِطَاب الْمُتَقَدِّم فِي قَوْله : " أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " . وَيَكُون " شَهِدْنَا " مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة . لَمَّا قَالُوا " بَلَى " قَالَتْ الْمَلَائِكَة : " شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا " " أَوْ تَقُولُوا " أَيْ لِئَلَّا تَقُولُوا . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بَلَى , فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ , قَالَ اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ : اِشْهَدُوا قَالُوا شَهِدْنَا بِإِقْرَارِكُمْ لِئَلَّا تَقُولُوا أَوْ تَقُولُوا . وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأُبَيّ بْن كَعْب : قَوْله " شَهِدْنَا " هُوَ مِنْ قَوْل بَنِي آدَم , وَالْمَعْنَى : شَهِدْنَا أَنَّك رَبُّنَا وَإِلَهُنَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَشْهَدَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ; فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا قَالُوا بَلَى شَهِدَ بَعْضنَا عَلَى بَعْض ; فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة فَيُوقَف عَلَى " بَلَى " وَلَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ قَوْل بَنِي آدَم ; لِأَنَّ " أَنْ " مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْل بَلَى , مِنْ قَوْله : " وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ " لِئَلَّا يَقُولُوا . وَقَدْ رَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّاتهمْ كَمَا يُؤْخَذ بِالْمُشْطِ مِنْ الرَّأْس فَقَالَ لَهُمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَتْ الْمَلَائِكَة شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا " . أَيْ شَهِدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِئَلَّا تَقُولُوا . فَهَذَا يَدُلّ عَلَى التَّاء . قَالَ مَكِّيّ : وَهُوَ الِاخْتِيَار لِصِحَّةِ مَعْنَاهُ , وَلِأَنَّ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ " شَهِدْنَا " مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة . وَالْمَعْنَى : فَشَهِدْنَا عَلَى إِقْرَاركُمْ ; قَالَهُ أَبُو مَالِك , وَرُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ أَيْضًا . " وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ " أَيْ اِقْتَدَيْنَا بِهِمْ .





بِمَعْنَى : لَسْت تَفْعَل هَذَا . وَلَا عُذْر لِلْمُقَلِّدِ فِي التَّوْحِيد .
وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ ﴿١٧٤﴾
وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِیۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ ﴿١٧٥﴾
ذَكَّرَ أَهْل الْكِتَاب قِصَّة عَرَفُوهَا فِي التَّوْرَاة . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين الَّذِي أُوتِيَ الْآيَات . فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : هُوَ بَلْعَام بْن بَاعُورَاء , وَيُقَال نَاعِم , مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِي زَمَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا نَظَرَ رَأَى الْعَرْش . وَهُوَ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا " وَلَمْ يَقُلْ آيَة , وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ اِثْنَتَا عَشْرَة أَلْف مِحْبَرَة لِلْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ . ثُمَّ صَارَ بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا فِي أَنْ " لَيْسَ لِلْعَالَمِ صَانِع " . قَالَ مَالِك بْن دِينَار : بُعِثَ بَلْعَام بْن بَاعُورَاء إِلَى مَلِك مَدْيَن لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِيمَان ; فَأَعْطَاهُ وَأَقْطَعَهُ فَاتَّبَعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِين مُوسَى ; فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات . رَوَى الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ بَلْعَام قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّة , وَكَانَ مُجَاب الدَّعْوَة , فَلَمَّا أَقْبَلَ مُوسَى فِي بَنِي إِسْرَائِيل يُرِيد قِتَال الْجَبَّارِينَ , سَأَلَ الْجَبَّارُونَ بَلْعَام بْن بَاعُورَاء أَنْ يَدْعُو عَلَى مُوسَى فَقَامَ لِيَدْعُوَ فَتَحَوَّلَ لِسَانه بِالدُّعَاءِ عَلَى أَصْحَابه . فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ; فَقَالَ : لَا أَقْدِر عَلَى أَكْثَر مِمَّا تَسْمَعُونَ ; وَانْدَلَعَ لِسَانه عَلَى صَدْره . فَقَالَ : قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْر وَالْخَدِيعَة وَالْحِيلَة , وَسَأَمْكُرُ لَكُمْ , فَإِنِّي أَرَى أَنْ تُخْرِجُوا إِلَيْهِمْ فَتَيَاتكُمْ فَإِنَّ اللَّه يَبْغَض الزِّنَى , فَإِنْ وَقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا ; فَفَعَلُوا فَوَقَعَ بَنُو إِسْرَائِيل فِي الزِّنَى , فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الطَّاعُون فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا . وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَر بِكَمَالِهِ الثَّعْلَبِيّ وَغَيْره . وَرُوِيَ أَنَّ بَلْعَام بْن بَاعُورَاء دَعَا أَلَّا يَدْخُل مُوسَى مَدِينَة الْجَبَّارِينَ , فَاسْتُجِيبَ لَهُ وَبَقِيَ فِي التِّيه . فَقَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ , بِأَيِّ ذَنْب بَقِينَا فِي التِّيه . فَقَالَ : بِدُعَاءِ بَلْعَام . قَالَ : فَكَمَا سَمِعْت دُعَاءَهُ عَلَيَّ فَاسْمَعْ دُعَائِي عَلَيْهِ . فَدَعَا مُوسَى أَنْ يَنْزِع اللَّه عَنْهُ الِاسْم الْأَعْظَم ; فَسَلَخَهُ اللَّه مَا كَانَ عَلَيْهِ , وَقَالَ أَبُو حَامِد فِي آخِر كِتَاب مِنْهَاج الْعَارِفِينَ لَهُ : وَسَمِعْت بَعْض الْعَارِفِينَ يَقُول إِنَّ بَعْض الْأَنْبِيَاء سَأَلَ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَمْر بَلْعَام وَطَرْده بَعْد تِلْكَ الْآيَات وَالْكَرَامَات , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : لَمْ يَشْكُرنِي يَوْمًا مِنْ الْأَيَّام عَلَى مَا أَعْطَيْته , وَلَوْ شَكَرَنِي عَلَى ذَلِكَ مَرَّة لَمَا سَلَبْته . وَقَالَ عِكْرِمَة : كَانَ بَلْعَام نَبِيًّا وَأُوتِيَ كِتَابًا . وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّة ; فَرَشَاهُ قَوْمه عَلَى أَنْ يَسْكُت فَفَعَلَ وَتَرَكَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَهَذَا غَيْر صَحِيح ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَصْطَفِي لِنُبُوَّتِهِ إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُج عَنْ طَاعَته إِلَى مَعْصِيَته . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص وَزَيْد بْن أَسْلَم : نَزَلَتْ فِي أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت الثَّقَفِيّ , وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُب وَعَلِمَ أَنَّ اللَّه مُرْسِلٌ رَسُولًا فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَتَمَنَّى أَنْ يَكُون هُوَ ذَلِكَ الرَّسُول , فَلَمَّا أَرْسَلَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَدَهُ وَكَفَرَ بِهِ . وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " آمَنَ شِعْره وَكَفَرَ قَلْبه " . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : نَزَلَتْ فِي أَبِي عَامِر بْن صَيْفِيّ , وَكَانَ يَلْبَس الْمُسُوح فِي الْجَاهِلِيَّة ; فَكَفَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة فَقَالَ : يَا مُحَمَّد , مَا هَذَا الَّذِي جِئْت بِهِ ؟ قَالَ : " جِئْت بِالْحَنِيفِيَّةِ دِين إِبْرَاهِيم " . قَالَ : فَإِنِّي عَلَيْهَا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَسْت عَلَيْهَا لِأَنَّك أَدْخَلْت فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا " . فَقَالَ أَبُو عَامِر : أَمَاتَ اللَّه الْكَاذِب مِنَّا طَرِيدًا وَحِيدًا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ أَمَاتَ اللَّه الْكَاذِب مِنَّا كَذَلِكَ " وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا يُعَرِّض بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ خَرَجَ مِنْ مَكَّة . فَخَرَجَ أَبُو عَامِر إِلَى الشَّأْم وَمَرَّ إِلَى قَيْصَر وَكَتَبَ إِلَى الْمُنَافِقِينَ : اِسْتَعِدُّوا فَإِنِّي آتِيكُمْ مِنْ عِنْد قَيْصَر بِجُنْدٍ لِنُخْرِجَ مُحَمَّدًا مِنْ الْمَدِينَة ; فَمَاتَ بِالشَّامِ وَحِيدًا . وَفِيهِ نَزَلَ : " وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله مِنْ قَبْل " [ التَّوْبَة : 107 ] وَسَيَأْتِي فِي بَرَاءَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة : نَزَلَتْ فِي رَجُل كَانَ لَهُ ثَلَاث دَعَوَات يُسْتَجَاب لَهُ فِيهَا , وَكَانَتْ لَهُ اِمْرَأَة يُقَال لَهَا " الْبَسُوس " فَكَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَد ; فَقَالَتْ : اِجْعَلْ لِي مِنْهَا دَعْوَة وَاحِدَة . فَقَالَ : لَك وَاحِدَة , فَمَا تَأْمُرِينَ ؟ قَالَتْ : اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَل اِمْرَأَة فِي بَنِي إِسْرَائِيل . فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلهَا رَغِبَتْ عَنْهُ ; فَدَعَا اللَّه عَلَيْهَا أَنْ يَجْعَلهَا كَلْبَة نَبَّاحَة . فَذَهَبَ فِيهَا دَعْوَتَانِ ; فَجَاءَ بَنُوهَا وَقَالُوا : لَا صَبْر لَنَا عَنْ هَذَا , وَقَدْ صَارَتْ أُمُّنَا كَلْبَة يُعَيِّرنَا النَّاس بِهَا , فَادْعُ اللَّه أَنْ يَرُدّهَا كَمَا كَانَتْ ; فَدَعَا فَعَادَتْ إِلَى مَا كَانَتْ , وَذَهَبَتْ الدَّعَوَات فِيهَا . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْهَر , وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر . قَالَ عُبَادَة بْن الصَّامِت : نَزَلَتْ فِي قُرَيْش , آتَاهُمْ اللَّه آيَاته الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّه - تَعَالَى - عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْسَلَخُوا مِنْهَا , وَلَمْ يَقْبَلُوهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ بَلْعَام مِنْ مَدِينَة الْجَبَّارِينَ . وَقِيلَ : كَانَ مِنْ الْيَمَن . " فَانْسَلَخَ مِنْهَا " أَيْ مِنْ مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى , أَيْ نُزِعَ مِنْهُ الْعِلْم الَّذِي كَانَ يَعْلَمُهُ . وَفِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعِلْم عِلْمَانِ عِلْم فِي الْقَلْب فَذَلِكَ الْعِلْم النَّافِع وَعِلْم عَلَى اللِّسَان فَذَلِكَ حُجَّة اللَّه تَعَالَى عَلَى اِبْن آدَم ) . فَهَذَا مِثْل عِلْم بَلْعَام وَأَشْبَاهه , نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْهُ ; وَنَسْأَل التَّوْفِيق وَالْمَمَات عَلَى التَّحْقِيق . وَالِانْسِلَاخ : الْخُرُوج ; يُقَال : اِنْسَلَخَتْ الْحَيَّة مِنْ جِلْدِهَا أَيْ خَرَجَتْ مِنْهُ . وَقِيلَ : هَذَا مِنْ الْمَقْلُوب , أَيْ اِنْسَلَخَتْ الْآيَات مِنْهُ . " فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان " أَيْ لَحِقَ بِهِ ; يُقَال : أَتْبَعْت الْقَوْم أَيْ لَحِقْتهمْ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى , اِنْتَظَرُوا خُرُوج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَرُوا بِهِ .
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥۤ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَیۡهِ یَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ یَلۡهَثۚ ذَّ ٰ⁠لِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ ﴿١٧٦﴾
يُرِيد بَلْعَام . أَيْ لَوْ شِئْنَا لَأَمَتْنَاهُ قَبْل أَنْ يَعْصِي فَرَفَعْنَاهُ إِلَى الْجَنَّة . " بِهَا " أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا .







أَيْ رَكَنَ إِلَيْهَا ; عَنْ اِبْن جُبَيْر وَالسُّدِّيّ . مُجَاهِد : سَكَنَ إِلَيْهَا ; أَيْ سَكَنَ إِلَى لَذَّاتِهَا . وَأَصْل الْإِخْلَاد اللُّزُوم . يُقَال : أَخْلَدَ فُلَان بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ وَلَزِمَهُ . قَالَ زُهَيْر : لِمَنْ الدِّيَارُ غَشِيتهَا بِالْغَرْقَدِ كَالْوَحْيِ فِي حَجَر الْمَسِيل الْمُخْلَد يَعْنِي الْمُقِيم ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى لَزِمَ لِذَاتِ الْأَرْض فَعُبِّرَ عَنْهَا بِالْأَرْضِ ; لِأَنَّ مَتَاع الدُّنْيَا عَلَى وَجْه الْأَرْض .





أَيْ مَا زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَان . وَقِيلَ : كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْكُفَّار . وَقِيلَ : اِتَّبَعَ رِضَا زَوْجَته , وَكَانَتْ رَغِبَتْ فِي أَمْوَال حَتَّى حَمَلَتْهُ عَلَى الدُّعَاء عَلَى مُوسَى .





اِبْتِدَاء وَخَبَر .







شَرْط وَجَوَابه . وَهُوَ فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ فَمَثَله كَمَثَلِ الْكَلْب لَاهِثًا . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ عَلَى شَيْء وَاحِد لَا يَرْعَوِي عَنْ الْمَعْصِيَة ; كَمَثَلِ الْكَلْب الَّذِي هَذِهِ حَالَته . فَالْمَعْنَى : أَنَّهُ لَاهِث عَلَى كُلّ حَال , طَرَدْته أَوْ لَمْ تَطْرُدهُ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : الْكَلْب مُنْقَطِع الْفُؤَاد , لَا فُؤَاد لَهُ , إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَث ; كَذَلِكَ الَّذِي يَتْرُك الْهُدَى لَا فُؤَاد لَهُ , وَإِنَّمَا فُؤَادُهُ مُنْقَطِع . قَالَ الْقُتَيْبِيّ : كُلّ شَيْء يَلْهَث فَإِنَّمَا يَلْهَث مِنْ إِعْيَاء أَوْ عَطَش , إِلَّا الْكَلْب فَإِنَّهُ يَلْهَث فِي حَال الْكَلَال وَحَال الرَّاحَة وَحَال الْمَرَض وَحَال الصِّحَّة وَحَال الرِّيّ وَحَال الْعَطَش . فَضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ فَقَالَ : إِنْ وَعَظْته ضَلَّ وَإِنْ تَرَكْته ضَلَّ ; فَهُوَ كَالْكَلْبِ إِنْ تَرَكْته لَهَثَ وَإِنْ طَرَدْته لَهَثَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ " [ الْأَعْرَاف : 193 ] . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : لَهَثَ الْكَلْب " بِالْفَتْحِ " يَلْهَث لَهْثًا وَلُهَاثًا " بِالضَّمِّ " إِذَا أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ التَّعَب أَوْ الْعَطَش ; وَكَذَلِكَ الرَّجُل إِذَا أُعْيِيَ . وَقَوْله تَعَالَى " إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث " لِأَنَّك إِذَا حَمَلْت عَلَى الْكَلْب نَبَحَ وَوَلَّى هَارِبًا , وَإِذَا تَرَكْته شَدَّ عَلَيْك وَنَبَحَ ; فَيُتْعِب نَفْسه مُقْبِلًا عَلَيْك وَمُدْبِرًا عَنْك فَيَعْتَرِيه عِنْد ذَلِكَ مَا يَعْتَرِيه عِنْد الْعَطَش مِنْ إِخْرَاج اللِّسَان . قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول : إِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالْكَلْبِ مِنْ بَيْن السِّبَاع ; لِأَنَّ الْكَلْب مَيِّت الْفُؤَاد , وَإِنَّمَا لُهَاثه لِمَوْتِ فُؤَاده . وَسَائِر السِّبَاع لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَا يَلْهَثْنَ . وَإِنَّمَا صَارَ الْكَلْب كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَرْض شَمِتَ بِهِ الْعَدُوّ , فَذَهَبَ إِلَى السِّبَاع فَأَشْلَاهُمْ عَلَى آدَم , فَكَانَ الْكَلْب مِنْ أَشَدّهمْ طَلَبًا . فَنَزَلَ جِبْرِيل بِالْعَصَا الَّتِي صُرِفَتْ إِلَى مُوسَى بِمَدْيَن وَجَعَلَهَا آيَة لَهُ إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ , وَجَعَلَ فِيهَا سُلْطَانًا عَظِيمًا وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّة ; فَأَعْطَاهَا آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ لِيَطْرُد بِهَا السِّبَاع عَنْ نَفْسه , وَأَمَرَهُ فِيمَا رُوِيَ أَنْ يَدْنُو مِنْ الْكَلْب وَيَضَع يَده عَلَى رَأْسه , فَمِنْ ذَلِكَ أَلِفَهُ الْكَلْب وَمَاتَ الْفُؤَاد مِنْهُ لِسُلْطَانِ الْعَصَا , وَأَلِفَ بِهِ وَبِوَلَدِهِ إِلَى يَوْمنَا هَذَا , لِوَضْعِ يَده عَلَى رَأْسه , وَصَارَ حَارِسًا مِنْ حُرَّاس وَلَده . وَإِذَا أُدِّبَ وَعُلِّمَ الِاصْطِيَاد تَأَدَّبَ وَقَبِلَ التَّعْلِيم ; وَذَلِكَ قَوْله : " تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 4 ] . السُّدِّيّ : كَانَ بَلْعَام بَعْد ذَلِكَ يَلْهَث كَمَا يَلْهَث الْكَلْب . وَهَذَا الْمَثَل فِي قَوْل كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَامّ فِي كُلّ مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآن فَلَمْ يَعْمَل بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ فِي كُلّ مُنَافِق . وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى : " فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْب إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلْهَث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث " أَيْ إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ بِدَابَّتِك أَوْ بِرَجْلِك يَلْهَث أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَث . وَكَذَلِكَ مَنْ يَقْرَأ الْكِتَاب وَلَا يَعْمَل بِمَا فِيهِ . وَقَالَ غَيْره : هَذَا شَرّ تَمْثِيل ; لِأَنَّهُ مِثْله فِي أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ حَتَّى صَارَ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا بِكَلْبٍ لَاهِث أَبَدًا , حَمَلَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحْمِل عَلَيْهِ ; فَهُوَ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ تَرْك اللَّهَثَان . وَقِيلَ : مِنْ أَخْلَاق الْكَلْب الْوُقُوع بِمَنْ لَمْ يُخِفْهُ عَلَى جِهَة الِابْتِدَاء بِالْجَفَاءِ , ثُمَّ تَهْدَأ طَائِشَته بِنَيْلِ كُلّ عِوَض خَسِيس . ضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِلَّذِي قَبِلَ الرِّشْوَة فِي الدِّين حَتَّى اِنْسَلَخَ مِنْ آيَات رَبّه . فَدَلَّتْ الْآيَة لِمَنْ تَدَبَّرَهَا عَلَى أَلَّا يَغْتَرّ أَحَد بِعَمَلِهِ وَلَا بِعِلْمِهِ ; إِذْ لَا يَدْرِي بِمَا يُخْتَم لَهُ . وَدَلَّتْ عَلَى مَنْع أَخْذ الرِّشْوَة لِإِبْطَالِ حَقّ أَوْ تَغْيِيره . وَقَدْ مَضَى بَيَانه فِي " الْمَائِدَة " . وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى مَنْع التَّقْلِيد لِعَالِمٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ يُبَيِّنُهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْطَى هَذَا آيَاته فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَخَاف مِثْل هَذَا عَلَى غَيْره وَأَلَّا يَقْبَل مِنْهُ إِلَّا بِحُجَّةٍ .







أَيْ هُوَ مَثَل جَمِيع الْكُفَّار
سَاۤءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ یَظۡلِمُونَ ﴿١٧٧﴾
يُقَال : سَاءَ الشَّيْء قَبُحَ , فَهُوَ لَازِم , وَسَاءَ يَسُوء مَسَاءَة , فَهُوَ مُتَعَدٍّ , أَيْ قَبُحَ مَثَلُهُمْ . وَتَقْدِيره : سَاءَ مَثَلًا مَثَل الْقَوْم ; فَحُذِفَ الْمُضَاف , وَنُصِبَ " مَثَلًا " عَلَى التَّمْيِيز . قَالَ الْأَخْفَش : فَجُعِلَ الْمَثَل الْقَوْم مَجَازًا . وَالْقَوْم مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ أَوْ عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ . التَّقْدِير : سَاءَ الْمَثَل مَثَلًا هُوَ مَثَل الْقَوْم . وَقَدَّرَهُ أَبُو عَلِيّ : سَاءَ مَثَلًا مَثَل الْقَوْم . وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدِيّ وَالْأَعْمَش " سَاءَ مَثَل الْقَوْم " رَفَعَ مَثَلًا بِـ سَاءَ .
مَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِیۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَأُوْلَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ ﴿١٧٨﴾
تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي غَيْر مَوْضِع وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة كَمَا سَبَقَ , وَتَرُدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى هَدَى جَمِيع الْمُكَلَّفِينَ وَلَا يَجُوز أَنْ يُضِلَّ أَحَدًا .
وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُوْلَـٰۤىِٕكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡغَـٰفِلُونَ ﴿١٧٩﴾
أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا بِعَدْلِهِ .





ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ " لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقَهُونَ بِهَا " بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَفْقَه ; لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا , وَلَا يَعْقِلُونَ ثَوَابًا وَلَا يَخَافُونَ عِقَابًا .





الْهُدَى .





الْمَوَاعِظ . وَلَيْسَ الْغَرَض نَفْي الْإِدْرَاكَات عَنْ حَوَاسّهمْ جُمْلَة .





لِأَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى ثَوَاب , فَهُمْ كَالْأَنْعَامِ ; أَيْ هِمَّتُهُمْ الْأَكْل وَالشُّرْب , وَهُمْ أَضَلُّ ; لِأَنَّ الْأَنْعَام تُبْصِر مَنَافِعهَا وَمَضَارّهَا وَتَتْبَع مَالِكهَا , وَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَقَالَ عَطَاء : الْأَنْعَام تَعْرِف اللَّه , وَالْكَافِر لَا يَعْرِفُهُ . وَقِيلَ : الْأَنْعَام مُطِيعَة لِلَّهِ تَعَالَى , وَالْكَافِر غَيْر مُطِيع .





أَيْ تَرَكُوا التَّدَبُّر وَأَعْرَضُوا عَنْ الْجَنَّة وَالنَّار .
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِینَ یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤىِٕهِۦۚ سَیُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿١٨٠﴾
أَمْر بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لِلَّهِ , وَمُجَانَبَة الْمُشْرِكِينَ وَالْمُلْحِدِينَ . قَالَ مُقَاتِل وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ , كَانَ يَقُول فِي صَلَاته : يَا رَحْمَن يَا رَحِيم . فَقَالَ رَجُل مِنْ مُشْرِكِي مَكَّة : أَلَيْسَ يَزْعُم مُحَمَّد وَأَصْحَابه أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا , فَمَا بَال هَذَا يَدْعُو رَبَّيْنِ اِثْنَيْنِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " . جَاءَ فِي كِتَاب التِّرْمِذِيّ وَسُنَن اِبْن مَاجَهْ وَغَيْرهمَا حَدِيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ فِيهِ " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا " الْحَدِيث ; فِي أَحَدهمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَر . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) . قَالَ اِبْن عَطِيَّة - وَذَكَرَ حَدِيث التِّرْمِذِيّ - وَذَلِكَ الْحَدِيث لَيْسَ بِالْمُتَوَاتِرِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن صَالِح , وَهُوَ ثِقَة عِنْد أَهْل الْحَدِيث . وَإِنَّمَا الْمُتَوَاتِر مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا مِائَة إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة " . وَمَعْنَى " أَحْصَاهَا " عَدَّهَا وَحَفِظَهَا . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِمَّا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابنَا . وَذَكَرْنَا هُنَاكَ تَصْحِيح حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَذَكَرْنَا مِنْ الْأَسْمَاء مَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي كُتُب أَئِمَّتنَا مَا يُنَيِّف عَلَى مِائَتَيْ اِسْم . وَذَكَرْنَا قَبْل تَعْيِينِهَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَصْلًا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَحْكَامِهَا , فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ وَفِي غَيْره مِنْ الْكُتُب الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ , لَا رَبَّ سِوَاهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب فِي الِاسْم وَالْمُسَمَّى , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ ذَلِكَ فِي " الْكِتَاب الْأَسْنَى " . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَفِي هَذِهِ الْآيَة وُقُوع الِاسْم عَلَى الْمُسَمَّى وَوُقُوعه عَلَى التَّسْمِيَة . فَقَوْلُهُ : " وَلِلَّهِ " وَقَعَ عَلَى الْمُسَمَّى . , وَقَوْله : " الْأَسْمَاء " وَهُوَ جَمْع اِسْم وَاقِع عَلَى التَّسْمِيَات . يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ قَوْله : " فَادْعُوهُ بِهَا " , وَالْهَاء فِي قَوْله : " فَادْعُوهُ " تَعُود عَلَى الْمُسَمَّى سُبْحَانه وَتَعَالَى , فَهُوَ الْمَدْعُوّ . وَالْهَاء فِي قَوْله " بِهَا " تَعُود عَلَى الْأَسْمَاء , وَهِيَ التَّسْمِيَات الَّتِي يُدْعَى بِهَا لَا بِغَيْرِهَا . هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه لِسَان الْعَرَب . وَمِثْل ذَلِكَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِي خَمْسَة أَسْمَاء أَنَا مُحَمَّد وَأَحْمَد " الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " شَيْء مِنْ هَذَا وَاَلَّذِي يَذْهَب إِلَيْهِ أَهْل الْحَقّ أَنَّ الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى , أَوْ صِفَة لَهُ تَتَعَلَّق بِهِ , وَأَنَّهُ غَيْر التَّسْمِيَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ عِنْد كَلَامه عَلَى قَوْله تَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى " : فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال . قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : فِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْم الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْره لَوَجَبَ أَنْ تَكُون الْأَسْمَاء لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى . الثَّانِي : قَالَ آخَرُونَ : الْمُرَاد بِهِ التَّسْمِيَات ; لِأَنَّهُ سُبْحَانه وَاحِد وَالْأَسْمَاء جَمْع . قُلْت : ذَكَرَ اِبْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره أَنَّ الْأَسْمَاء فِي الْآيَة بِمَعْنَى التَّسْمِيَات إِجْمَاعًا مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ لَا يَجُوز غَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر فِي كِتَاب التَّمْهِيد : وَتَأْوِيل قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ اِسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة " أَيْ أَنَّ لَهُ تِسْعَة وَتِسْعِينَ تَسْمِيَة بِلَا خِلَاف , وَهِيَ عِبَارَات عَنْ كَوْن اللَّه تَعَالَى عَلَى أَوْصَاف شَتَّى , مِنْهَا مَا يَسْتَحِقّهُ لِنَفْسِهِ وَمِنْهَا مَا يَسْتَحِقّهُ لِصِفَةٍ تَتَعَلَّق بِهِ , وَأَسْمَاؤُهُ الْعَائِدَة إِلَى نَفْسه هِيَ هُوَ , وَمَا تَعَلَّقَ بِصِفَةٍ لَهُ فَهِيَ أَسْمَاء لَهُ . وَمِنْهَا صِفَات لِذَاتِهِ . وَمِنْهَا صِفَات أَفْعَال . وَهَذَا هُوَ تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " أَيْ التَّسْمِيَات الْحُسْنَى . الثَّالِث : قَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : وَلِلَّهِ الصِّفَات . سَمَّى اللَّه سُبْحَانه أَسْمَاءَهُ بِالْحُسْنَى ; لِأَنَّهَا حَسَنَة فِي الْأَسْمَاع وَالْقُلُوب ; فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى تَوْحِيده وَكَرَمِهِ وَجُوده وَرَحْمَته وَإِفْضَاله . وَالْحُسْنَى مَصْدَر وُصِفَ بِهِ . وَيَجُوز أَنْ يُقَدَّرَ " الْحُسْنَى " فُعْلَى , مُؤَنَّث الْأَحْسَن ; كَالْكُبْرَى تَأْنِيث الْأَكْبَر , وَالْجَمْع الْكُبَر وَالْحُسَن . وَعَلَى الْأَوَّل أُفْرِدَ كَمَا أُفْرِدَ وَصْف مَا لَا يَعْقِل ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " مَآرِب أُخْرَى " [ طَه : 18 ] وَ " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " [ سَبَأ : 10 ] . قَوْله تَعَالَى : " فَادْعُوهُ بِهَا " أَيْ اُطْلُبُوا مِنْهُ بِأَسْمَائِهِ ; فَيُطْلَب بِكُلِّ اِسْم مَا يَلِيق بِهِ , تَقُول : يَا رَحِيم اِرْحَمْنِي , يَا حَكِيم اُحْكُمْ لِي , يَا رَازِق اُرْزُقْنِي , يَا هَاد اِهْدِنِي , يَا فَتَّاح اِفْتَحْ لِي , يَا تَوَّاب تُبْ عَلَيَّ ; هَكَذَا . فَإِنْ دَعَوْت بِاسْمٍ عَامّ قُلْت : يَا مَالِك اِرْحَمْنِي , يَا عَزِيز اُحْكُمْ لِي , يَا لَطِيف اُرْزُقْنِي . وَإِنْ دَعَوْت بِالْأَعَمِّ الْأَعْظَم فَقُلْت : يَا اللَّهُ ; فَهُوَ مُتَضَمِّن لِكُلِّ اِسْم . وَلَا تَقُول : يَا رَزَّاق اِهْدِنِي ; إِلَّا أَنْ تُرِيد يَا رَزَّاق اُرْزُقْنِي الْخَيْر . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَكَذَا , رَتِّبْ دُعَاءَك تَكُنْ مِنْ الْمُخْلِصِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " شَرَائِط الدُّعَاء , وَفِي هَذِهِ السُّورَة أَيْضًا . وَالْحَمْد لِلَّهِ أَدْخَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ عِدَّة مِنْ الْأَسْمَاء فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانه , مِثْل مُتِمّ نُوره , وَخَيْر الْوَارِثِينَ , وَخَيْر الْمَاكِرِينَ , وَرَابِع ثَلَاثَة , وَسَادِس خَمْسَة , وَالطَّيِّب , وَالْمُعَلِّم ; وَأَمْثَال ذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِابْنِ بَرَّجَان , إِذْ ذَكَرَ فِي الْأَسْمَاء " النَّظِيف " وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِي كِتَاب وَلَا سُنَّة . قُلْت : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْله : " مِمَّا لَمْ يَرِد فِي كِتَاب وَلَا سُنَّة " فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم " الطَّيِّب " . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ " النَّظِيف " . وَخَرَّجَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ ( رَبّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُر عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُر عَلَيَّ " الْحَدِيث . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . فَعَلَى هَذَا جَائِز أَنْ يُقَال : يَا خَيْر الْمَاكِرِينَ اُمْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُر عَلَيَّ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ذَكَرْنَا " الطَّيِّب , وَالنَّظِيف " فِي كِتَابِنَا وَغَيْره مِمَّا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْأَخْبَار , وَعَنْ السَّلَف الْأَخْيَار , وَمَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَيُدْعَى , وَمَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَلَا يُدْعَى , وَمَا لَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَلَا يُدْعَى . حَسَب مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ . وَهُنَاكَ يَتَبَيَّن لَك ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .







" يُلْحِدُونَ " الْإِلْحَاد : الْمَيْل وَتَرْك الْقَصْد ; يُقَال : أَلْحَدَ الرَّجُل فِي الدِّين . وَأَلْحَدَ إِذَا مَالَ . وَمِنْهُ اللَّحْد فِي الْقَبْر ; لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَتِهِ . وَقُرِئَ " يَلْحَدُونَ " لُغَتَانِ وَالْإِلْحَاد يَكُون بِثَلَاثَةِ أَوْجُه أَحَدهَا : بِالتَّغْيِيرِ فِيهَا كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَلُوا بِهَا عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فَسَمَّوْا بِهَا أَوْثَانَهُمْ ; فَاشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنْ اللَّه , وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز , وَمَنَاة مِنْ الْمَنَّان قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . الثَّانِي : بِالزِّيَادَةِ فِيهَا . الثَّالِث : بِالنُّقْصَانِ مِنْهَا ; كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّال الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ أَدْعِيَة يُسَمُّونَ فِيهَا اللَّه تَعَالَى بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ , وَيَذْكُرُونَ بِغَيْرِ مَا يُذْكَر مِنْ أَفْعَاله ; إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " فَحَذَارِ مِنْهَا , وَلَا يَدْعُوَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا بِمَا فِي كِتَاب اللَّه وَالْكُتُب الْخَمْسَة ; وَهِيَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ . فَهَذِهِ الْكُتُب الَّتِي يَدُور الْإِسْلَام عَلَيْهَا , وَقَدْ دَخَلَ فِيهَا مَا فِي الْمُوَطَّأ الَّذِي هُوَ أَصْل التَّصَانِيف , وَذَرُوا مَا سِوَاهَا , وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ أَخْتَار دُعَاء كَذَا وَكَذَا ; فَإِنَّ اللَّه قَدْ اِخْتَارَ لَهُ وَأَرْسَلَ بِذَلِكَ إِلَى الْخَلْق رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِيَة : مَعْنَى الزِّيَادَة فِي الْأَسْمَاء التَّشْبِيه , وَالنُّقْصَان التَّعْطِيل . فَإِنَّ الْمُشَبِّهَة وَصَفُوهُ بِمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ , وَالْمُعَطِّلَة سَلَبُوهُ مَا اِتَّصَفَ بِهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْل الْحَقّ : إِنَّ دِيننَا طَرِيق بَيْن طَرِيقَيْنِ , لَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا بِتَعْطِيلٍ . وَسُئِلَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْبُوشَنْجِيّ عَنْ التَّوْحِيد فَقَالَ : إِثْبَات ذَات غَيْر مُشَبَّهَة بِالذَّوَاتِ , وَلَا مُعَطَّلَة مِنْ الصِّفَات . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ " مَعْنَاهُ اُتْرُكُوهُمْ وَلَا تُحَاجُّوهُمْ وَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ . فَالْآيَة عَلَى هَذَا مَنْسُوخَة بِالْقِتَالِ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْوَعِيد ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْت وَحِيدًا " [ الْمُدَّثِّر : 11 ] وَقَوْله : " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " [ الْحِجْر : 3 ] . وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْآيَة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 0 " . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَاۤ أُمَّةࣱ یَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ یَعۡدِلُونَ ﴿١٨١﴾
فِي الْخَبَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( هُمْ هَذِهِ الْأُمَّة ) وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : ( هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أَعْطَى اللَّه قَوْم مُوسَى مِثْلَهَا ) وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : " إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا عَلَى الْحَقّ حَتَّى يَنْزِل عِيسَى اِبْن مَرْيَم " . فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخَلِّي الدُّنْيَا فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى الْحَقّ .
وَٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِـَٔایَـٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَیۡثُ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿١٨٢﴾
أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أَنَّهُ سَيَسْتَدْرِجُهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَهْل مَكَّة . وَالِاسْتِدْرَاج هُوَ الْأَخْذ بِالتَّدْرِيجِ , مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة . وَالدَّرَج : لَفُّ الشَّيْء ; يُقَال : أَدْرَجْته وَدَرَّجْته . وَمِنْهُ أُدْرِجَ الْمَيِّت فِي أَكْفَانه . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الدَّرَجَة ; فَالِاسْتِدْرَاج أَنْ يَحُطّ دَرَجَة بَعْد دَرَجَة إِلَى الْمَقْصُود . قَالَ الضَّحَّاك : كُلَّمَا جَدَّدُوا لَنَا مَعْصِيَة جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَة . وَقِيلَ لِذِي النُّون : مَا أَقْصَى مَا يُخْدَع بِهِ الْعَبْد ؟ قَالَ : بِالْأَلْطَافِ وَالْكَرَامَات ; لِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : " سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " نُسْبِغ عَلَيْهِمْ النِّعَم وَنُنْسِيهِمْ الشُّكْر ; وَأَنْشَدُوا : أَحْسَنْت ظَنَّك بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَالَمَتْك اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْت بِهَا وَعِنْد صَفْو اللَّيَالِي يَحْدُث الْكَدَرُ
وَأُمۡلِی لَهُمۡۚ إِنَّ كَیۡدِی مَتِینٌ ﴿١٨٣﴾
أَيْ أُطِيل لَهُمْ الْمُدَّة وَأُمْهِلهُمْ وَأُؤَخِّر عُقُوبَتهمْ . " إِنَّ كَيْدِي " أَيْ مَكْرِي . " مَتِين " أَيْ شَدِيد قَوِيّ . وَأَصْلُهُ مِنْ الْمَتْن , وَهُوَ اللَّحْم الْغَلِيظ الَّذِي عَنْ جَانِب الصُّلْب . قِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ قُرَيْش , قَتَلَهُمْ اللَّه فِي لَيْلَة وَاحِدَة بَعْد أَنْ أَمْهَلَهُمْ مُدَّة . نَظِيره " حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَة " [ الْأَنْعَام : 44 ] .
أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینٌ ﴿١٨٤﴾
أَيْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْوَقْف عَلَى " يَتَفَكَّرُوا " حَسَن . ثُمَّ قَالَ : " مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة " رَدّ لِقَوْلِهِمْ : " يَا أَيّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّك لَمَجْنُونٌ " [ الْحِجْر : 6 ] . وَقِيلَ : نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَة عَلَى الصَّفَا يَدْعُو قُرَيْشًا , فَخْذًا فَخْذًا ; فَيَقُول : " يَا بَنِي فُلَان " . يُحَذِّرهُمْ بَأْس اللَّه وَعِقَابه . فَقَالَ قَائِلهمْ : إِنَّ صَاحِبهمْ هَذَا لَمَجْنُون , بَاتَ يُصَوِّت حَتَّى الصَّبَاح .
أَوَلَمۡ یَنظُرُواْ فِی مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءࣲ وَأَنۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَهُۥ یُؤۡمِنُونَ ﴿١٨٥﴾
قَوْله تَعَالَى : " أَوَلَمْ يَنْظُرُوا " عَجَب مِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ النَّظَر فِي آيَاته ; لِيَعْرِفُوا كَمَال قُدْرَته , حَسَب مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَة " الْبَقَرَة " . وَالْمَلَكُوت مِنْ أَبْنِيَة الْمُبَالَغَة وَمَعْنَاهُ الْمُلْك الْعَظِيم . اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة - وَمَا كَانَ مِثْلهَا مِنْ قَوْله تَعَالَى : " قُلْ اُنْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض " [ يُونُس : 101 ] وَقَوْله تَعَالَى : " أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقهمْ كَيْف بَنَيْنَاهَا " [ ق : 6 ] وَقَوْله : " أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيْفَ خُلِقَتْ " [ الْغَاشِيَة : 17 ] الْآيَة . وَقَوْله : " وَفِي أَنْفُسكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ " [ الذَّارِيَات : 21 ] - مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ النَّظَر فِي آيَاته وَالِاعْتِبَار بِمَخْلُوقَاتِهِ . قَالُوا : وَقَدْ ذَمَّ اللَّه تَعَالَى مَنْ لَمْ يَنْظُر , وَسَلَبَهُمْ الِانْتِفَاع بِحَوَاسِّهِمْ فَقَالَ : " لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقَهُونَ بِهَا " [ الْأَعْرَاف : 179 ] الْآيَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَوَّل الْوَاجِبَات , هَلْ هُوَ النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال , أَوْ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق الْحَاصِل فِي الْقَلْب الَّذِي لَيْسَ مِنْ شَرْط صِحَّته الْمَعْرِفَة . فَذَهَبَ الْقَاضِي وَغَيْره إِلَى أَنَّ أَوَّل الْوَاجِبَات النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال ; لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُعْلَم ضَرُورَة , وَإِنَّمَا يُعْلَم بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَهَا لِمَعْرِفَتِهِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه حَيْثُ بَوَّبَ فِي كِتَابه " بَاب الْعِلْم قَبْل الْقَوْل وَالْعَمَل لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " [ مُحَمَّد : 19 ] ) . قَالَ الْقَاضِي : مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِاَللَّهِ فَهُوَ جَاهِل , وَالْجَاهِل بِهِ كَافِر . قَالَ اِبْن رُشْد فِي مُقَدِّمَاته : وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ ; لِأَنَّ الْإِيمَان يَصِحّ بِالْيَقِينِ الَّذِي قَدْ يَحْصُل لِمَنْ هَدَاهُ اللَّه بِالتَّقْلِيدِ , وَبِأَوَّلِ وَهْلَة مِنْ الِاعْتِبَار بِمَا أَرْشَدَ اللَّه إِلَى الِاعْتِبَار بِهِ فِي غَيْر مَا آيَة . قَالَ : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْبَاجِيّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال أَوَّل الْوَاجِبَات بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيع الْأَعْصَار عَلَى تَسْمِيَة الْعَامَّة وَالْمُقَلِّد مُؤْمِنِينَ . قَالَ : فَلَوْ كَانَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ صَحِيحًا لَمَا صَحَّ أَنْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا مَنْ عِنْده عِلْم بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال . قَالَ : وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْإِيمَان لَا يَصِحّ إِلَّا بَعْد النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال لَجَازَ لِلْكُفَّارِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ : لَا يَحِلّ لَكُمْ قَتْلنَا ; لِأَنَّ مِنْ دِينكُمْ أَنَّ الْإِيمَان لَا يَصِحّ إِلَّا بَعْد النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال فَأَخِّرُونَا حَتَّى نَنْظُر وَنَسْتَدِلَّ . قَالَ : وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ , وَأَلَّا يُقْتَلُوا حَتَّى يَنْظُرُوا وَيَسْتَدِلُّوا . قُلْت : هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابهمْ عَلَى اللَّه " . وَتَرْجَمَ اِبْن الْمُنْذِر فِي كِتَاب الْأَشْرَاف ( ذِكْر صِفَة كَمَالِ الْإِيمَان ) أَجْمَعَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْكَافِر إِذَا قَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , وَأَنَّ كُلّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد حَقّ , وَأَبْرَأ مِنْ كُلّ دِين يُخَالِف دِين الْإِسْلَام - وَهُوَ بَالِغ صَحِيح الْعَقْل - أَنَّهُ مُسْلِم . وَإِنْ رَجَعَ بَعْد ذَلِكَ وَأَظْهَرَ الْكُفْر كَانَ مُرْتَدًّا يَجِب عَلَيْهِ مَا يَجِب عَلَى الْمُرْتَدّ . وَقَالَ أَبُو حَفْص الزِّنْجَانِيّ وَكَانَ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن مُحَمَّد السِّمَنَانِيّ يَقُول : أَوَّل الْوَاجِبَات الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ , ثُمَّ النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال الْمُؤَدِّيَانِ إِلَى مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى ; فَيَتَقَدَّم وُجُوب الْإِيمَان بِاَللَّهِ تَعَالَى عِنْده عَلَى الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ . قَالَ : وَهَذَا أَقْرَب إِلَى الصَّوَاب وَأَرْفَق بِالْخَلْقِ ; لِأَنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَة الْمَعْرِفَة وَالنَّظَر وَالِاسْتِدْلَال . فَلَوْ قُلْنَا : إِنَّ أَوَّل الْوَاجِبَات الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ لَأَدَّى إِلَى تَكْفِير الْجَمِّ الْغَفِير وَالْعَدَد الْكَثِير , وَأَلَّا يَدْخُلَ الْجَنَّة إِلَّا آحَاد النَّاس , وَذَلِكَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ بِأَنَّ أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة أُمَّته , وَأَنَّ أُمَم الْأَنْبِيَاء كُلّهمْ صَفّ وَاحِد وَأُمَّته ثَمَانُونَ صَفًّا . وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَال فِيهِ . وَالْحَمْد لِلَّهِ . ذَهَبَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف اللَّه تَعَالَى بِالطُّرُقِ الَّتِي طَرَقُوهَا وَالْأَبْحَاث الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحّ إِيمَانه وَهُوَ كَافِر ; فَيَلْزَم عَلَى هَذَا تَكْفِير أَكْثَر الْمُسْلِمِينَ , وَأَوَّل مَنْ يَبْدَأ بِتَكْفِيرِهِ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافه وَجِيرَانه . وَقَدْ أُورِدَ عَلَى بَعْضهمْ هَذَا فَقَالَ : لَا تُشَنِّع عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْل النَّار . أَوْ كَمَا قَالَ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ جَاهِل بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه ; لِأَنَّهُ ضَيَّقَ رَحْمَة اللَّه الْوَاسِعَة عَلَى شِرْذِمَة يَسِيرَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ , وَاقْتَحَمُوا فِي تَكْفِير عَامَّة الْمُسْلِمِينَ . أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْل الْأَعْرَابِيّ الَّذِي كَشَفَ عَنْ فَرْجه لِيَبُولَ , وَانْتَهَرَهُ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَم مَعَنَا أَحَدًا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ حَجَرْت وَاسِعًا " . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة . أَتُرَى هَذَا الْأَعْرَابِيّ عَرَفَ اللَّه بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَان وَالْحُجَّة وَالْبَيَان ؟ وَأَنَّ رَحْمَته وَسِعَتْ كُلّ شَيْء , وَكَمْ مِنْ مِثْله مَحْكُوم لَهُ بِالْإِيمَانِ . بَلْ اِكْتَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَثِير مِمَّنْ أَسْلَمَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَحَتَّى إِنَّهُ اِكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ . أَلَا تَرَاهُ لَمَّا قَالَ لِلسَّوْدَاءِ : " أَيْنَ اللَّه " ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاء . قَالَ : " مَنْ أَنَا " ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُول اللَّه . قَالَ : " أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة " . وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَر وَلَا اِسْتِدْلَال , بَلْ حَكَمَ بِإِيمَانِهِمْ مِنْ أَوَّل وَهْلَة , وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عَنْ النَّظَر وَالْمَعْرِفَة غَفْلَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَا يَكُون النَّظَر أَيْضًا وَالِاعْتِبَار فِي الْوُجُوه الْحِسَان مِنْ الْمُرْد وَالنِّسْوَانِ . قَالَ أَبُو الْفَرْج الْجَوْزِيّ : قَالَ أَبُو الطَّيِّب طَاهِر بْن عَبْد اللَّه الطَّبَرِيّ بَلَغَنِي عَنْ هَذِهِ الطَّائِفَة الَّتِي تَسْمَع السَّمَاع أَنَّهَا تُضِيف إِلَيْهِ النَّظَر إِلَى وَجْه الْأَمْرَد , وَرُبَّمَا زَيَّنَتْهُ بِالْحُلِيِّ وَالْمُصَبَّغَات مِنْ الثِّيَاب , وَتَزْعُم أَنَّهَا تَقْصِد بِهِ الِازْدِيَاد فِي الْإِيمَان بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَار وَالِاسْتِدْلَال بِالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِع . وَهَذِهِ النِّهَايَة فِي مُتَابَعَة الْهَوَى وَمُخَادَعَة الْعَقْل وَمُخَالَفَة الْعِلْم . قَالَ أَبُو الْفَرْج : وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْوَفَاء بْن عُقَيْل لَمْ يُحِلّ اللَّه النَّظَر إِلَّا عَلَى صُورَة لَا مَيْل لِلنَّفْسِ إِلَيْهَا , وَلَا حَظَّ لِلْهَوَى فِيهَا ; بَلْ عِبْرَة لَا يُمَازِجهَا شَهْوَة , وَلَا يُقَارِنهَا لَذَّة . وَلِذَلِكَ مَا بَعَثَ اللَّه سُبْحَانه اِمْرَأَة بِالرِّسَالَةِ , وَلَا جَعَلَهَا قَاضِيًا وَلَا إِمَامًا وَلَا مُؤَذِّنًا ; كُلّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلّ شَهْوَة وَفِتْنَة . فَمَنْ قَالَ : أَنَا أَجِد مِنْ الصُّوَر الْمُسْتَحْسَنَة عِبَرًا كَذَّبْنَاهُ . وَكُلّ مَنْ مَيَّزَ نَفْسه بِطَبِيعَةٍ تُخْرِجُهُ عَنْ طِبَاعِنَا كَذَّبْنَاهُ , وَإِنَّمَا هَذِهِ خُدَع الشَّيْطَان لِلْمُدَّعِينَ . وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : كُلّ شَيْء فِي الْعَالَم الْكَبِير لَهُ نَظِير فِي الْعَالَم الصَّغِير , وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [ التِّين : 4 ] وَقَالَ : " وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ " [ الذَّارِيَات : 21 ] . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه التَّمْثِيل فِي أَوَّل " الْأَنْعَام " . فَعَلَى الْعَاقِل أَنْ يَنْظُر إِلَى نَفْسه وَيَتَفَكَّر فِي خَلْقه مِنْ حِين كَوْنه مَاء دَافِقًا إِلَى كَوْنه خَلْقًا سَوِيًّا , يُعَان بِالْأَغْذِيَةِ وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ , وَيُحْفَظ بِاللِّينِ حَتَّى يَكْتَسِب الْقُوَى , وَيَبْلُغ الْأَشُدّ . وَإِذَا هُوَ قَدْ قَالَ : أَنَا , وَأَنَا , وَنَسِيَ حِين أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا , وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا ; فَيَا وَيْحه إِنْ كَانَ مَحْسُورًا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مَكِين " إِلَى قَوْله " تُبْعَثُونَ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 - 16 ] فَيَنْظُر أَنَّهُ عَبْد مَرْبُوب مُكَلَّف , مَخُوف بِالْعَذَابِ إِنْ قَصَّرَ , مُرْتَجِيًا بِالثَّوَابِ إِنْ اِئْتَمَرَ , فَيُقْبِل عَلَى عِبَادَة مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ يَرَاهُ وَلَا يَخْشَى النَّاس وَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يَخْشَاهُ , وَلَا يَتَكَبَّر عَلَى أَحَد مِنْ عِبَاد اللَّه ; فَإِنَّهُ مُؤَلَّف مِنْ أَقْذَار , مَشْحُون مِنْ أَوْضَار , صَائِر إِلَى جَنَّة إِنْ أَطَاعَ أَوْ إِلَى نَار . وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَ شُيُوخنَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَنْظُر الْمَرْء فِي الْأَبْيَات الْحِكَمِيَّة الَّتِي جَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَاف الْعِلْمِيَّة : كَيْفَ يَزْهُو مَنْ رَجِيعه أَبَدَ الدَّهْرِ ضَجِيعه فَهُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَأَخُوهُ وَرَضِيعه وَهْوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْحَشّ بِصُغْر فَيُطِيعهُ







مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله ; أَيْ وَفِيمَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الْأَشْيَاء .







أَيْ وَفِي آجَالِهِمْ الَّتِي عَسَى أَنْ تَكُون قَدْ قَرُبَتْ ; فَهُوَ فِي مَوْضِع خَفْض مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ بِاقْتِرَابِ الْأَجَل يَوْم بَدْر وَيَوْم أُحُد .







أَيْ بِأَيِّ قُرْآن غَيْر مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّقُونَ . وَقِيلَ : الْهَاء لِلْأَجَلِ , عَلَى مَعْنَى بِأَيِّ حَدِيث بَعْد الْأَجَل يُؤْمِنُونَ حِين لَا يَنْفَع الْإِيمَان ; لِأَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيف .
مَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِیَ لَهُۥۚ وَیَذَرُهُمۡ فِی طُغۡیَـٰنِهِمۡ یَعۡمَهُونَ ﴿١٨٦﴾
بَيَّنَ أَنَّ إِعْرَاضهمْ لِأَنَّ اللَّه أَضَلَّهُمْ . وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .





بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف . وَقُرِئَ بِالْجَزْمِ حَمْلًا عَلَى مَوْضِع الْفَاء وَمَا بَعْدهَا .





أَيْ يَتَحَيَّرُونَ . وَقِيلَ : يَتَرَدَّدُونَ . وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى .
یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَیَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّیۖ لَا یُجَلِّیهَا لِوَقۡتِهَاۤ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِیكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةࣰۗ یَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِیٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿١٨٧﴾
" أَيَّانَ " سُؤَال عَنْ الزَّمَان ; مِثْل مَتَى . قَالَ الرَّاجِز : أَيَّانَ تَقْضِي حَاجَتِي أَيَّانَا أَمَا تَرَى لِنَجْحِهَا أَوَانَا وَكَانَتْ الْيَهُود تَقُول لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَأَخْبِرْنَا عَنْ السَّاعَة مَتَى تَقُوم . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِفَرْطِ الْإِنْكَار . وَ " مُرْسَاهَا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَالْخَبَر " أَيَّانَ " . وَهُوَ ظَرْف مَبْنِيّ عَلَى الْفَتْح , بُنِيَ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَام . وَ " مُرْسَاهَا " بِضَمِّ الْمِيم , مِنْ أَرْسَاهَا اللَّه , أَيْ أَثْبَتَهَا , أَيْ مَتَى مُثْبَتُهَا , أَيْ مَتَى وُقُوعهَا . وَبِفَتْحِ الْمِيم مِنْ رَسَتْ , أَيْ ثَبَتَتْ وَوَقَفَتْ ; وَمِنْهُ " وَقُدُور رَاسِيَات " [ سَبَأ : 13 ] . قَالَ قَتَادَة : أَيْ ثَابِتَات .





اِبْتِدَاء وَخَبَر , أَيْ لَمْ يُبَيِّنْهَا لِأَحَدٍ ; حَتَّى يَكُون الْعَبْد أَبَدًا عَلَى حَذَرٍ





أَيْ لَا يُظْهِرُهَا . " لِوَقْتِهَا " أَيْ فِي وَقْتهَا " إِلَّا هُوَ " وَالتَّجْلِيَة : إِظْهَار الشَّيْء ; يُقَال : جَلَّا لِي فُلَان الْخَبَر إِذَا أَظْهَرهُ وَأَوْضَحَهُ .





خَفِيَ عِلْمُهَا عَلَى أَهْل السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَكُلّ مَا خَفِيَ , عِلْمه فَهُوَ ثَقِيل عَلَى الْفُؤَاد . وَقِيلَ : كَبُرَ مَجِيئُهَا عَلَى أَهْل السَّمَاوَات وَالْأَرْض ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره . اِبْن جُرَيْج وَالسُّدِّيّ : عَظُمَ وَصْفُهَا عَلَى أَهْل السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ قَتَادَة : وَغَيْره : الْمَعْنَى لَا تُطِيقهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض لِعِظَمِهَا : لِأَنَّ السَّمَاء تَنْشَقّ وَالنُّجُوم تَتَنَاثَر وَالْبِحَار تَنْضُب . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ثَقُلَتْ الْمَسْأَلَة عَنْهَا .







أَيْ فَجْأَة , مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال





أَيْ عَالِمٌ بِهَا كَثِير السُّؤَال عَنْهَا . قَالَ اِبْن فَارِس : الْحَفِيّ الْعَالِمُ بِالشَّيْءِ . وَالْحَفِيُّ : الْمُسْتَقْصِي فِي السُّؤَال . قَالَ الْأَعْشَى : فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سَائِل حَفِيّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا يُقَال : أَحْفَى فِي الْمَسْأَلَة وَفِي الطَّلَب , فَهُوَ مُحْفٍ وَحَفِيّ عَلَى التَّكْثِير , مِثْل مُخْصِب وَخَصِيب . قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : الْمَعْنَى يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حَفِيّ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهَا , أَيْ مُلِحّ . يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , وَالْمَعْنَى : يَسْأَلُونَك عَنْهَا كَأَنَّك حَفِيّ بِهِمْ أَيْ حَفِيّ بِبِرِّهِمْ وَفَرِح بِسُؤَالِهِمْ . وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : بَيْنَنَا وَبَيْنَك قَرَابَة فَأَسِرَّ إِلَيْنَا بِوَقْتِ السَّاعَة .





لَيْسَ هَذَا تَكْرِيرًا , وَلَكِنْ أَحَد الْعِلْمَيْنِ لِوُقُوعِهَا وَالْآخَر لِكُنْهِهَا .
قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعࣰا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ وَبَشِیرࣱ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿١٨٨﴾
أَيْ لَا أَمْلِكُ أَنْ أَجْلِب إِلَى نَفْسِي خَيْرًا وَلَا أَدْفَع عَنْهَا شَرًّا ; فَكَيْفَ أَمْلِك عِلْم السَّاعَة . وَقِيلَ : لَا أَمْلِك لِنَفْسِي الْهُدَى وَالضَّلَال .





فِي مَوْضِع نَصْب بِالِاسْتِثْنَاءِ . وَالْمَعْنَى : إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يُمْلِكَنِي وَيُمْكِنَنِي مِنْهُ . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَل





الْمَعْنَى لَوْ كُنْت أَعْلَم مَا يُرِيد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنِّي مِنْ قَبْل أَنْ يُعَرِّفَنِيهِ لَفَعَلْته . وَقِيلَ : لَوْ كُنْت أَعْلَم مَتَى يَكُون لِي النَّصْر فِي الْحَرْب لَقَاتَلْت فَلَمْ أُغْلَب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَوْ كُنْت أَعْلَم سَنَة الْجَدْب لَهَيَّأْت لَهَا فِي زَمَن الْخَصْب مَا يَكْفِينِي . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ كُنْت أَعْلَم التِّجَارَة الَّتِي تُنْفَق لَاشْتَرَيْتهَا وَقْت كَسَادهَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ كُنْت أَعْلَم مَتَى أَمُوت لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الْعَمَل الصَّالِح ; عَنْ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ كُنْت أَعْلَم الْغَيْب لَأَجَبْت عَنْ كُلّ مَا أُسْأَل عَنْهُ . وَكُلّه مُرَاد , وَاَللَّه أَعْلَم .





هَذَا اِسْتِئْنَاف كَلَام , أَيْ لَيْسَ بِي جُنُون , لِأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ إِلَى الْجُنُون . وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِل , وَالْمَعْنَى لَوْ عَلِمْت الْغَيْب لَمَا مَسَّنِيَ سُوء وَلَحَذِرْت , وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِير مُبِين " [ الشُّعَرَاء : 115 ] .
۞ هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰ⁠حِدَةࣲ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِیَسۡكُنَ إِلَیۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِیفࣰا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّاۤ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَىِٕنۡ ءَاتَیۡتَنَا صَـٰلِحࣰا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ ﴿١٨٩﴾
قَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : الْمُرَاد بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَة آدَم .





يَعْنِي حَوَّاء .





لِيَأْنَس بِهَا وَيَطْمَئِنّ , وَكَانَ هَذَا كُلّه فِي الْجَنَّة .





ثُمَّ اِبْتَدَأَ بِحَالَةٍ أُخْرَى هِيَ فِي الدُّنْيَا بَعْد هُبُوطهمَا فَقَالَ : " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " كِنَايَة عَنْ الْوِقَاع .





كُلّ مَا كَانَ فِي بَطْن أَوْ عَلَى رَأْس شَجَرَة فَهُوَ حَمْل بِالْفَتْحِ . وَإِذَا كَانَ عَلَى ظَهْر أَوْ عَلَى رَأْس فَهُوَ حِمْل بِالْكَسْرِ . وَقَدْ حَكَى يَعْقُوب فِي حِمْل النَّخْلَة الْكَسْر . وَقَالَ أَبُو سَعِيد السِّيرَافِيّ : يُقَال فِي حَمْل الْمَرْأَة حَمْل وَحِمْل , يُشَبَّه مَرَّة لِاسْتِبْطَانِهِ بِحَمْلِ الْمَرْأَة , وَمَرَّة لِبُرُوزِهِ وَظُهُوره بِحِمْلِ الدَّابَّة . وَالْحَمْل أَيْضًا مَصْدَر حَمَلَ عَلَيْهِ يَحْمِل حَمْلًا إِذَا صَالَ .







يَعْنِي الْمَنِيّ ; أَيْ اِسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الْحَمْل الْخَفِيف . يَقُول : تَقُوم وَتَقْعُد وَتُقَلِّب , وَلَا تَكْتَرِث بِحَمْلِهِ إِلَى أَنْ ثَقُلَ ; عَنْ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَاسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْل , فَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; كَمَا تَقُول : أَدْخَلْت الْقَلَنْسُوَة فِي رَأْسِي . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر " فَمَارَتْ بِهِ " بِأَلِفٍ وَالتَّخْفِيف ; مِنْ مَارَ يَمُور إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ وَتَصَرَّفَ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَيَحْيَى بْن يَعْمَر " فَمَرَتْ بِهِ " خَفِيفَة مِنْ الْمِرْيَة , أَيْ شَكَّتْ فِيمَا أَصَابَهَا ; هَلْ هُوَ حَمْل أَوْ مَرَض , أَوْ نَحْو ذَلِكَ .





صَارَتْ ذَات ثِقْل ; كَمَا تَقُول : أَثْمَرَ النَّخْل . وَقِيلَ : دَخَلَتْ فِي الثِّقْل ; كَمَا تَقُول : أَصْبَحَ وَأَمْسَى .







الضَّمِير فِي " دَعَوَا " عَائِد عَلَى آدَم وَحَوَّاء . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّ حَوَّاء لَمَّا حَمَلَتْ أَوَّل حَمْل لَمْ تَدْرِ مَا هُوَ . وَهَذَا يُقَوِّي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " فَمَرَتْ بِهِ " بِالتَّخْفِيفِ . فَجَزِعَتْ بِذَلِكَ ; فَوَجَدَ إِبْلِيس السَّبِيل إِلَيْهَا . قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ إِبْلِيس أَتَى حَوَّاء فِي صُورَة رَجُل لَمَّا أَثْقَلَتْ فِي أَوَّل مَا حَمَلَتْ فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي فِي بَطْنِك ؟ قَالَتْ : مَا أَدْرِي ! قَالَ : إِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون بَهِيمَة . فَقَالَتْ ذَلِكَ لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام . فَلَمْ يَزَالَا فِي هَمّ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَقَالَ : هُوَ مِنْ اللَّه بِمَنْزِلَةٍ , فَإِنْ دَعَوْت اللَّه فَوَلَدْت إِنْسَانًا أَفَتُسَمِّينَهُ بِي ؟ قَالَتْ نَعَمْ . قَالَ : فَإِنِّي أَدْعُو اللَّه . فَأَتَاهَا وَقَدْ وَلَدَتْ فَقَالَ : سَمِّيهِ بِاسْمِي . فَقَالَتْ : وَمَا اِسْمك ؟ قَالَ : الْحَارِث - وَلَوْ سَمَّى لَهَا نَفْسَهُ لَعَرَفَتْهُ - فَسَمَّتْهُ عَبْد الْحَارِث . وَنَحْو هَذَا مَذْكُور مِنْ ضَعِيف الْحَدِيث , فِي التِّرْمِذِيّ وَغَيْره . وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات كَثِير لَيْسَ لَهَا ثَبَات ; فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْب , فَإِنَّ آدَم وَحَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام وَإِنْ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُور فَلَا يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ , عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُطِّرَ وَكُتِبَ . قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَدَعَهُمَا مَرَّتَيْنِ خَدَعَهُمَا فِي الْجَنَّة وَخَدَعَهُمَا فِي الْأَرْض " . وَعَضَّدَ هَذَا بِقِرَاءَةِ السُّلَمِيّ " أَتُشْرِكُونَ " بِالتَّاءِ .





يُرِيد وَلَدًا سَوِيًّا .
فَلَمَّاۤ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحࣰا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَاۤءَ فِیمَاۤ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ﴿١٩٠﴾
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل الشِّرْك الْمُضَاف إِلَى آدَم وَحَوَّاء , وَهِيَ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ شِرْكًا فِي التَّسْمِيَة وَالصِّفَة , لَا فِي الْعِبَادَة وَالرُّبُوبِيَّة . وَقَالَ أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّهُمَا لَمْ يَذْهَبَا إِلَى أَنَّ الْحَارِث رَبُّهُمَا بِتَسْمِيَتِهِمَا وَلَدَهُمَا عَبْد الْحَارِث , لَكِنَّهُمَا قَصَدَا إِلَى أَنَّ الْحَارِث كَانَ سَبَب نَجَاة الْوَلَد فَسَمَّيَاهُ بِهِ كَمَا يُسَمِّي الرَّجُل نَفْسه عَبْد ضَيْفه عَلَى جِهَة الْخُضُوع لَهُ , لَا عَلَى أَنَّ الضَّيْف رَبّه ; كَمَا قَالَ حَاتِم : وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًا وَمَا فِيَّ إِلَّا تِيك مِنْ شِيمَة الْعَبْدِ وَقَالَ قَوْم : إِنَّ هَذَا رَاجِع إِلَى جِنْس الْآدَمِيِّينَ وَالتَّبْيِين عَنْ حَال الْمُشْرِكِينَ مِنْ ذُرِّيَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ . فَقَوْله : " جَعَلَا لَهُ " يَعْنِي الذَّكَر وَالْأُنْثَى الْكَافِرِينَ , وَيُعْنَى بِهِ الْجِنْسَانِ . وَدَلَّ عَلَى هَذَا " فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ " وَلَمْ يَقُلْ يُشْرِكَانِ . وَهَذَا قَوْل حَسَن . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة " مِنْ هَيْئَة وَاحِدَة وَشَكْل وَاحِد " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا " أَيْ مِنْ جِنْسهَا " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " يَعْنِي الْجِنْسَيْنِ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل لَا يَكُون لِآدَم وَحَوَّاء ذِكْر فِي الْآيَة ; فَإِذَا آتَاهُمَا الْوَلَد صَالِحًا سَلِيمًا سَوِيًّا كَمَا أَرَادَاهُ صَرَفَاهُ عَنْ الْفِطْرَة إِلَى الشِّرْك , فَهَذَا فِعْل الْمُشْرِكِينَ . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة - فِي رِوَايَة عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة - أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ " . قَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يَخُصَّ بِهَا آدَم , وَلَكِنْ جَعَلَهَا عَامَّة لِجَمِيعِ الْخَلْق بَعْد آدَم . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : وَهَذَا أَعْجَب إِلَى أَهْل النَّظَر ; لِمَا فِي الْقَوْل الْأَوَّل مِنْ الْمُضَاف مِنْ الْعَظَائِم بِنَبِيِّ اللَّه آدَم . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَعَاصِم " شِرْكًا " عَلَى التَّوْحِيد . وَأَبُو عَمْرو وَسَائِر أَهْل الْكُوفَة بِالْجَمْعِ , عَلَى مِثْل فُعَلَاء , جَمْع شَرِيك . وَأَنْكَرَ الْأَخْفَش سَعِيد الْقِرَاءَةَ الْأُولَى , وَهِيَ صَحِيحَة عَلَى حَذْف الْمُضَاف , أَيْ جَعَلَا لَهُ ذَا شِرْك ; مِثْل " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] فَيَرْجِع الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاء . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْحَمْل مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض . رَوَى اِبْن الْقَاسِم وَيَحْيَى عَنْ مَالِك قَالَ : أَوَّل الْحَمْل يُسْر وَسُرُور , وَآخِره مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِك : " إِنَّهُ مَرَض مِنْ الْأَمْرَاض " يُعْطِيه ظَاهِر قَوْله : " دَعَوَا اللَّه رَبّهمَا " وَهَذِهِ الْحَالَة مُشَاهَدَة فِي الْحُمَّال , وَلِأَجْلِ عِظَم الْأَمْر وَشِدَّة الْخَطْب جُعِلَ مَوْتهَا شَهَادَة ; كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ ظَاهِر الْآيَة فَحَال الْحَامِل حَال الْمَرِيض فِي أَفْعَاله . وَلَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْأَمْصَار أَنَّ فِعْل الْمَرِيض فِيمَا يَهَب وَيُحَابِي فِي ثُلُثه . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الْحَامِل بِحَالِ الطَّلْق , فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَا . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَمْل عَادَة وَالْغَالِب فِيهِ السَّلَامَة . قُلْنَا : كَذَلِكَ أَكْثَر الْأَمْرَاض غَالِبه السَّلَامَة , وَقَدْ يَمُوت مَنْ لَمْ يَمْرَض . قَالَ مَالِك : إِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّة أَشْهُر مِنْ يَوْم حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاء فِي مَالِهَا إِلَّا فِي الثُّلُث . وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَته وَهِيَ حَامِل طَلَاقًا بَائِنًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهَا سِتَّة أَشْهُر فَأَرَادَ اِرْتِجَاعهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مَرِيضَة وَنِكَاح الْمَرِيضَة لَا يَصِحّ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُول فِي الرَّجُل يَحْضُر الْقِتَال : إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفّ لِلْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِي فِي مَاله شَيْئًا إِلَّا فِي الثُّلُث , وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِل وَالْمَرِيض الْمَخُوف عَلَيْهِ مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَال . وَيُلْتَحَق بِهَذَا الْمَحْبُوس لِلْقَتْلِ فِي قِصَاص . وَخَالَفَ فِي هَذَا أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَإِذَا اِسْتَوْعَبْت النَّظَر لَمْ تُرَتِّب فِي أَنَّ الْمَحْبُوس عَلَى الْقَتْل أَشَدّ حَالًا مِنْ الْمَرِيض , وَإِنْكَار ذَلِكَ غَفْلَة فِي النَّظَر ; فَإِنَّ سَبَب الْمَوْت مَوْجُود عِنْدهمَا , كَمَا أَنَّ الْمَرَض سَبَب الْمَوْت , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْت مِنْ قَبْل أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " [ آل عِمْرَان : 143 ] . وَقَالَ رُوَيْشِد الطَّائِيّ : يَا أَيّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّته سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْت وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْت وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَار وَبَلَغَتْ الْقُلُوب الْحَنَاجِر " [ الْأَحْزَاب : 10 ] . فَكَيْفَ يَقُول الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : الْحَال الشَّدِيدَة إِنَّمَا هِيَ الْمُبَارَزَة ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُقَاوَمَة الْعَدُوّ وَتَدَانِي الْفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الْحَالَة الْعُظْمَى مِنْ بُلُوغ الْقُلُوب الْحَنَاجِر , وَمِنْ سُوء الظُّنُون بِاَللَّهِ , وَمِنْ زَلْزَلَة الْقُلُوب وَاضْطِرَابهَا ; هَلْ هَذِهِ حَالَة تُرَى عَلَى الْمَرِيض أَمْ لَا ؟ هَذَا مَا لَا يَشُكّ فِيهِ مُنْصِف , وَهَذَا لِمَنْ ثَبَتَ فِي اِعْتِقَاده , وَجَاهَدَ فِي اللَّه حَقَّ جِهَاده , وَشَاهَدَ الرَّسُول وَآيَاته ; فَكَيْفَ بِنَا ؟ وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي رَاكِب الْبَحْر وَقْت الْهَوْل ; هَلْ حُكْمه حُكْم الصَّحِيح أَوْ الْحَامِل . فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : حُكْمه حُكْم الصَّحِيح . وَقَالَ اِبْن وَهْب وَأَشْهَب : حُكْمه حُكْم الْحَامِل إِذَا بَلَغَتْ سِتَّة أَشْهُر . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد : وَقَوْلهمَا أَقْيَس ; لِأَنَّهَا حَالَة خَوْف عَلَى النَّفْس كَإِثْقَالِ الْحَمْل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَابْن الْقَاسِم لَمْ يَرْكَب الْبَحْر , وَلَا رَأَى دُودًا عَلَى عُود . وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُوقِن بِاَللَّهِ أَنَّهُ الْفَاعِل وَحْده لَا فَاعِل مَعَهُ , وَأَنَّ الْأَسْبَاب ضَعِيفَة لَا تَعَلُّق لِمُوقِنٍ بِهَا , وَيَتَحَقَّق التَّوَكُّل وَالتَّفْوِيض فَلْيَرْكَبْ الْبَحْر .
أَیُشۡرِكُونَ مَا لَا یَخۡلُقُ شَیۡـࣰٔا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ ﴿١٩١﴾
أَيْ أَيَعْبُدُونَ مَا لَا يَقْدِر عَلَى خَلْق شَيْء .







أَيْ الْأَصْنَام مَخْلُوقَة . وَقَالَ : " يُخْلَقُونَ " بِالْوَاوِ وَالنُّون لِأَنَّهُمْ اِعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَصْنَام تَضُرّ وَتَنْفَع , فَأُجْرِيَتْ مَجْرَى النَّاس ; كَقَوْلِهِ : " فِي فَلَك يَسْبَحُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 33 ] " يَا أَيّهَا النَّمْل اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ " [ النَّمْل : 18 ] .
وَلَا یَسۡتَطِیعُونَ لَهُمۡ نَصۡرࣰا وَلَاۤ أَنفُسَهُمۡ یَنصُرُونَ ﴿١٩٢﴾
أَيْ إِنَّ الْأَصْنَام , لَا تَنْصُر وَلَا تَنْتَصِر .
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا یَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَاۤءٌ عَلَیۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَـٰمِتُونَ ﴿١٩٣﴾
قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ وَإِنْ تَدْعُو الْأَصْنَام إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ .







قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى : لِأَنَّهُ رَأْس آيَة . يُرِيد أَنَّهُ قَالَ : " أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ " وَلَمْ يَقُلْ أَمْ صَمَتُّمْ . وَصَامِتُونَ وَصَمَتُّمْ عِنْد سِيبَوَيْهِ وَاحِد . وَقِيلَ : الْمُرَاد مَنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ لَا يُؤْمِن . وَقُرِئَ " لَا يَتَّبِعُوكُمْ " مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا " لُغَتَانِ بِمَعْنًى . وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : " أَتْبَعَهُ " - مُخَفَّفًا - إِذَا مَضَى خَلْفه وَلَمْ يُدْرِكهُ . وَ " اِتَّبَعَهُ " - مُشَدَّدًا - إِذَا مَضَى خَلْفه فَأَدْرَكَهُ .
إِنَّ ٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡیَسۡتَجِیبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿١٩٤﴾
حَاجَّهُمْ فِي عِبَادَة الْأَصْنَام . " تَدْعُونَ " تَعْبُدُونَ . وَقِيلَ : تَدْعُونَهَا آلِهَة . " مِنْ دُون اللَّه " أَيْ مِنْ غَيْر اللَّه . وَسُمِّيَتْ الْأَوْثَان عِبَادًا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَة لِلَّهِ مُسَخَّرَة . الْحَسَن : الْمَعْنَى أَنَّ الْأَصْنَام مَخْلُوقَة أَمْثَالُكُمْ .







وَلَمَّا اِعْتَقَدَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الْأَصْنَام تَضُرّ وَتَنْفَع أَجْرَاهَا مَجْرَى النَّاس فَقَالَ : " فَادْعُوهُمْ " وَلَمْ يَقُلْ فَادْعُوهُنَّ . وَقَالَ : " عِبَاد " , وَقَالَ : " إِنَّ الَّذِينَ " وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الَّتِي . وَمَعْنَى " فَادْعُوهُمْ " أَيْ فَاطْلُبُوا مِنْهُمْ النَّفْع وَالضُّرّ .





أَنَّ عِبَادَة الْأَصْنَام تَنْفَع . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَى فَادْعُوهُمْ فَاعْبُدُوهُمْ .
أَلَهُمۡ أَرۡجُلࣱ یَمۡشُونَ بِهَاۤۖ أَمۡ لَهُمۡ أَیۡدࣲ یَبۡطِشُونَ بِهَاۤۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡیُنࣱ یُبۡصِرُونَ بِهَاۤۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانࣱ یَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَاۤءَكُمۡ ثُمَّ كِیدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿١٩٥﴾
ثُمَّ وَبَّخَهُمْ اللَّه تَعَالَى وَسَفَّهُ عُقُولَهُمْ فَقَالَ : " أَلَهُمْ أَرْجُل يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُن يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَان يَسْمَعُونَ بِهَا " أَيْ أَنْتُمْ أَفْضَل مِنْهُمْ فَكَيْف تَعْبُدُونَهُمْ . وَالْغَرَض بَيَان جَهْلِهِمْ ; لِأَنَّ الْمَعْبُود يَتَّصِف بِالْجَوَارِحِ . وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه عِبَادًا أَمْثَالكُمْ " بِتَخْفِيفِ " إِنَّ " وَكَسْرهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَنَصْب " عِبَادًا " بِالتَّنْوِينِ , " أَمْثَالَكُمْ " بِالنَّصْبِ . وَالْمَعْنَى : مَا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه عِبَادًا أَمْثَالَكُمْ , أَيْ هِيَ حِجَارَة وَخَشَب ; فَأَنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ أَشْرَف مِنْهُ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذِهِ قِرَاءَة لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأ بِهَا مِنْ ثَلَاث جِهَات : أَحَدهَا : أَنَّهَا مُخَالِفَة لِلسَّوَادِ . وَالثَّانِيَة : أَنَّ سِيبَوَيْهِ يَخْتَار الرَّفْع فِي خَبَر إِنْ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى مَا , فَيَقُول : إِنْ زَيْد مُنْطَلِق ; لِأَنَّ عَمَل " مَا " ضَعِيف , وَ " إِنْ " بِمَعْنَاهَا فَهِيَ أَضْعَف مِنْهَا . وَالثَّالِثَة : أَنَّ الْكِسَائِيّ زَعَمَ أَنَّ " إِنْ " لَا تَكَاد تَأْتِي فِي كَلَام الْعَرَب بِمَعْنَى " مَا " , إِلَّا أَنْ يَكُون بَعْدهَا إِيجَاب ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنْ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور " [ الْمُلْك : 20 ] . " فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ " الْأَصْل أَنْ تَكُون اللَّام مَكْسُورَة , فَحُذِفَتْ الْكَسْرَة لِثِقَلِهَا . ثُمَّ قِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف , الْمَعْنَى : فَادْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَتَّبِعُوكُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّهُمْ آلِهَة . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة " أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطُشُونَ بِهَا " بِضَمِّ الطَّاء , وَهِيَ لُغَة . وَالْيَد وَالرِّجْل وَالْأُذُن مُؤَنَّثَات يُصَغَّرْنَ بِالْهَاءِ . وَتُزَاد فِي الْيَد يَاء فِي التَّصْغِير , تُرَدّ إِلَى أَصْلِهَا فَيُقَال : يُدَيَّة بِالتَّشْدِيدِ لِاجْتِمَاعِ الْيَاءَيْنِ .





أَيْ الْأَصْنَام





أَنْتُمْ وَهِيَ .





أَيْ فَلَا تُؤَخِّرُونِ . وَالْأَصْل " كِيدُونِي " حُذِفَتْ الْيَاء لِأَنَّ الْكَسْرَة تَدُلّ عَلَيْهَا . وَكَذَا " فَلَا تُنْظِرُونِ " . وَالْكَيْد الْمَكْر . وَالْكَيْد الْحَرْب ; يُقَال : غَزَا فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا .
إِنَّ وَلِـِّۧیَ ٱللَّهُ ٱلَّذِی نَزَّلَ ٱلۡكِتَـٰبَۖ وَهُوَ یَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿١٩٦﴾
أَيْ الَّذِي يَتَوَلَّى نَصْرِي وَحِفْظِي اللَّه . وَوَلِيّ الشَّيْء : الَّذِي يَحْفَظُهُ وَيَمْنَع عَنْهُ الضَّرَر . وَالْكِتَاب : الْقُرْآن .





أَيْ يَحْفَظُهُمْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْر مَرَّة يَقُول : " أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا - لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ " . وَقَالَ الْأَخْفَش : وَقُرِئَ " إِنَّ وَلِيَّ اللَّه الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب " يَعْنِي جِبْرِيل . النَّحَّاس . هِيَ قِرَاءَة عَاصِم الْجَحْدَرِيّ . وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَبَيْن ; لِقَوْلِهِ : " وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ " .
وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا یَسۡتَطِیعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَاۤ أَنفُسَهُمۡ یَنصُرُونَ ﴿١٩٧﴾
كَرَّرَهُ لَيُبَيِّنَ أَنَّ مَا يَعْبُدُونَهُ لَا يَنْفَع وَلَا يَضُرّ .
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا یَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ یَنظُرُونَ إِلَیۡكَ وَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ ﴿١٩٨﴾
شَرْط , وَالْجَوَاب " لَا يَسْمَعُوا " .







" وَتَرَاهُمْ " مُسْتَأْنَف . فِي مَوْضِع الْحَال . يَعْنِي الْأَصْنَام . وَمَعْنَى النَّظَر فَتْح الْعَيْنَيْنِ إِلَى الْمَنْظُور إِلَيْهِ ; وَتَرَاهُمْ كَالنَّاظِرِينَ إِلَيْك . وَخَبَر عَنْهُمْ بِالْوَاوِ وَهِيَ جَمَاد لَا تُبْصِر ; لِأَنَّ الْخَبَر جَرَى عَلَى فِعْل مَنْ يَعْقِل . وَقِيلَ : كَانَتْ لَهُمْ أَعْيُن مِنْ جَوَاهِر مَصْنُوعَة فَلِذَلِكَ قَالَ : " وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ " وَقِيلَ : الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ , أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ حِين لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَبْصَارِهِمْ . هَذِهِ الْآيَة مِنْ ثَلَاث كَلِمَات , تَضَمَّنَتْ قَوَاعِد الشَّرِيعَة فِي الْمَأْمُورَات وَالْمَنْهِيَّات .
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ ﴿١٩٩﴾
دَخَلَ فِيهِ صِلَة الْقَاطِعِينَ , وَالْعَفْو عَنْ الْمُذْنِبِينَ , وَالرِّفْق بِالْمُؤْمِنِينَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاق الْمُطِيعِينَ





صِلَة الْأَرْحَام , وَتَقْوَى اللَّه فِي الْحَلَال وَالْحَرَام , وَغَضّ الْأَبْصَار , وَالِاسْتِعْدَاد لِدَارِ الْقَرَار .







وَفِي قَوْله " وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " الْحَضّ عَلَى التَّعَلُّق بِالْعِلْمِ , وَالْإِعْرَاض عَنْ أَهْل الظُّلْم , وَالتَّنَزُّه عَنْ مُنَازَعَة السُّفَهَاء , وَمُسَاوَاة الْجَهَلَة الْأَغْبِيَاء , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَخْلَاق الْحَمِيدَة وَالْأَفْعَال الرَّشِيدَة . قُلْت : هَذِهِ الْخِصَال تَحْتَاج إِلَى بَسْط , وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرِ بْن سُلَيْم . قَالَ جَابِر بْن سُلَيْم أَبُو جُرَيّ : رَكِبْت قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْت إِلَى مَكَّة فَطَلَبْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنَخْت قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِد , فَدَلُّونِي عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا هُوَ جَالِس عَلَيْهِ بُرْد مِنْ صُوف فِيهِ طَرَائِق حُمْر ; فَقُلْت : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه . فَقَالَ : " وَعَلَيْك السَّلَام " . فَقُلْت : إِنَّا مَعْشَر أَهْل الْبَادِيَة , قَوْم فِينَا الْجَفَاء ; فَعَلِّمْنِي كَلِمَات يَنْفَعنِي اللَّه بِهَا . قَالَ : " اُدْنُ " ثَلَاثًا , فَدَنَوْت فَقَالَ : " أَعِدْ عَلَيَّ " فَأَعَدْت عَلَيْهِ فَقَالَ : ( اِتَّقِ اللَّه وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوف شَيْئًا وَأَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ مُنْبَسِط وَأَنْ تُفْرِغ مِنْ دَلْوك فِي إِنَاء الْمُسْتَسْقِي وَإِنْ أَمْرُؤُ سَبَّكَ بِمَا لَا يَعْلَم مِنْك فَلَا تَسُبّهُ بِمَا تَعْلَم فِيهِ فَإِنَّ اللَّه جَاعِل لَك أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا وَلَا تَسُبَّن شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَك اللَّه تَعَالَى ) . قَالَ أَبُو جُرَيّ : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , مَا سَبَبْت بَعْده شَاة وَلَا بَعِيرًا . أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده بِمَعْنَاهُ . وَرَوَى أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاس بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعهُمْ مِنْكُمْ بَسْط الْوَجْه وَحُسْن الْخُلُق " . وَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر : مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس . وَرَوَى الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فِي قَوْله : " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة إِلَّا فِي أَخْلَاق النَّاس . وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ جِبْرِيل نَزَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيل " ؟ فَقَالَ : " لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل الْعَالِم " فِي رِوَايَة " لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل رَبِّيَ " فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَة ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَأْمُرُك أَنْ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك وَتَصِل مَنْ قَطَعَك " . فَنَظَمَهُ بَعْض الشُّعَرَاء فَقَالَ : مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي ثَلَاثَة مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّنْ اعْتَدَى وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : أَمَرَ اللَّه نَبِيّه بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق فِي هَذِهِ الْآيَة , وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة أَجْمَع لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق مِنْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِم الْأَخْلَاق ) . وَقَالَ الشَّاعِر : كُلّ الْأُمُور تَزُول عَنْك وَتَنْقَضِي إِلَّا الثَّنَاء فَإِنَّهُ لَك بَاقِي وَلَوْ أَنَّنِي خُيِّرْت كُلّ فَضِيلَة مَا اِخْتَرْت غَيْر مَكَارِم الْأَخْلَاق وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : كَلَّمَ اللَّه مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاء . قِيلَ لَهُ : بِأَيِّ شَيْء أَوْصَاك ؟ قَالَ : بِتِسْعَةِ أَشْيَاء , الْخَشْيَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة , وَكَلِمَة الْحَقّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَب , وَالْقَصْد فِي الْفَقْر وَالْغِنَى , وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي , وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي , وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي , وَأَنْ يَكُون نُطْقِي ذِكْرًا , وَصَمْتِي فِكْرًا , وَنَظَرِي عِبْرَة . قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّد أَنَّهُ قَالَ ( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ الْإِخْلَاص فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْعَدْل فِي الرِّضَا وَالْغَضَب وَالْقَصْد فِي الْغِنَى وَالْفَقْر وَأَنْ أَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَنْ يَكُون نُطْقِي ذِكْرًا وَصَمْتِي فِكْرًا وَنَظَرِي عِبْرَة ) . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " خُذْ الْعَفْو " أَيْ الزَّكَاة ; لِأَنَّهَا يَسِير مِنْ كَثِير . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا إِذَا دَرَسَ . وَقَدْ يُقَال : خُذْ الْعَفْو مِنْهُ , أَيْ لَا تُنْقِص عَلَيْهِ وَسَامِحْهُ . وَسَبَب النُّزُول يَرُدُّهُ , وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِمَحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ دَلَّهُ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق , فَإِنَّهَا سَبَب جَرِّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِيمَان . أَيْ اِقْبَلْ مِنْ النَّاس مَا عَفَا لَك مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَتَيَسَّرْ ; تَقُول : أَخَذْت حَقِّي عَفْوًا صَفْوًا , أَيْ سَهْلًا . قَوْله تَعَالَى : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " أَيْ بِالْمَعْرُوفِ . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " الْعُرُف " بِضَمَّتَيْنِ ; مِثْل الْحُلُم ; وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالْعُرْف وَالْمَعْرُوف وَالْعَارِفَة : كُلّ خَصْلَة حَسَنَة تَرْتَضِيهَا الْعُقُول , وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النُّفُوس . قَالَ الشَّاعِر : مَنْ يَفْعَل الْخَيْر لَا يَعْدَم جَوَازِيَهُ لَا يَذْهَب الْعُرْف بَيْن اللَّه وَالنَّاس وَقَالَ عَطَاء : " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ " يَعْنِي بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَوْله تَعَالَى : " وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " أَيْ إِذَا أَقَمْت عَلَيْهِمْ الْحُجَّة وَأَمَرْتهمْ بِالْمَعْرُوفِ فَجَهِلُوا عَلَيْك فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ; صِيَانَة لَهُ عَلَيْهِمْ وَرَفْعًا لِقَدْرِهِ عَنْ مُجَاوَبَتِهِمْ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ تَأْدِيب لِجَمِيعِ خَلْقِهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَعَطَاء : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف . وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : هِيَ مُحْكَمَة ; وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر فَنَزَلَ عَلَى اِبْن أَخِيهِ الْحُرّ بْن قَيْس بْن حِصْن , وَكَانَ مِنْ النَّفَر الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَر , وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مَجَالِس عُمَر وَمُشَاوَرَته , كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا . فَقَالَ عُيَيْنَة لِابْنِ أَخِيهِ : يَا ابْن أَخِي , هَلْ لَك وَجْه عِنْد هَذَا الْأَمِير , فَتَسْتَأْذِن لِي عَلَيْهِ . قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَك عَلَيْهِ ; فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَة . فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : يَا ابْن الْخَطَّاب , وَاَللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْل , وَلَا تَحْكُم بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ! قَالَ : فَغَضِبَ عُمَر حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ . فَقَالَ الْحُرّ ; يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ اللَّه قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام " خُذْ الْعَفْو وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ . فَوَاَللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ , وَكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قُلْت : فَاسْتِعْمَال عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِهَذِهِ الْآيَة وَاسْتِدْلَال الْحُرّ بِهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَة لَا مَنْسُوخَة . وَكَذَلِكَ اِسْتَعْمَلَهَا الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ . وَإِذَا كَانَ الْجَفَاء عَلَى السُّلْطَان تَعَمُّدًا وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ فَلَهُ تَعْزِيرُهُ . وَإِذَا كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَالْإِعْرَاض وَالصَّفْح وَالْعَفْو ; كَمَا فَعَلَ الْخَلِيفَة الْعَدْل .
وَإِمَّا یَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ نَزۡغࣱ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِیعٌ عَلِیمٌ ﴿٢٠٠﴾
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " خُذْ الْعَفْو " قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " كَيْفَ يَا رَبّ وَالْغَضَب " ؟ فَنَزَلَتْ : " وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ " وَنَزْغ الشَّيْطَان : وَسَاوِسه . وَفِيهِ لُغَتَانِ : نَزْغ وَنَغْز , يُقَال : إِيَّاكَ وَالنَّزَّاغ وَالنَّغَّاز , وَهُمْ الْمُوَرِّشُونَ . الزَّجَّاج : النَّزْغ أَدْنَى حَرَكَة تَكُون , وَمِنْ الشَّيْطَان أَدْنَى وَسْوَسَة . قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : شَهِدْت عُثْمَان وَعَلِيًّا وَكَانَ بَيْنهمَا نَزْغ مِنْ الشَّيْطَان فَمَا أَبْقَى وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شَيْئًا , ثُمَّ لَمْ يَبْرَحَا حَتَّى اِسْتَغْفَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ . وَمَعْنَى " يَنْزَغَنَّكَ " : يُصِيبَنَّكَ وَيَعْرِض لَك عِنْد الْغَضَب وَسْوَسَة بِمَا لَا يَحِلّ . " فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ " أَيْ اُطْلُبْ النَّجَاة مِنْ ذَلِكَ بِاَللَّهِ . فَأَمَرَ تَعَالَى أَنْ يُدْفَع الْوَسْوَسَة بِالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَة بِهِ ; وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى . فَلَا يُسْتَعَاذ مِنْ الْكِلَاب إِلَّا بِرَبِّ الْكِلَاب . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ قَالَ لِتِلْمِيذِهِ : مَا تَصْنَع بِالشَّيْطَانِ إِذَا سَوَّلَ لَك الْخَطَايَا ؟ قَالَ : أُجَاهِدُهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدهُ . قَالَ : فَإِنْ عَادَ ؟ قَالَ : أُجَاهِدُهُ . قَالَ : هَذَا يَطُول , أَرَأَيْت لَوْ مَرَرْت بِغَنَمٍ فَنَبَحَك كَلْبُهَا وَمَنَعَ مِنْ الْعُبُور مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : أُكَابِدُهُ وَأَرُدُّهُ جَهْدِي . قَالَ : هَذَا يَطُول عَلَيْك , وَلَكِنْ اِسْتَغِثْ بِصَاحِبِ الْغَنَم يَكْفِهِ عَنْك . الثَّانِيَة : النَّغْز وَالنَّزْغ وَالْهَمْز وَالْوَسْوَسَة سَوَاء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقُلْ رَبّ أَعُوذ بِك مِنْ هَمَزَات الشَّيَاطِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 97 ] وَقَالَ : " مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس " [ النَّاس : 4 ] . وَأَصْل النَّزْغ الْفَسَاد ; يُقَال : نَزَغَ بَيْنَنَا ; أَيْ أَفْسَدَ . وَمِنْهُ قَوْله : " نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنِي وَبَيْن إِخْوَتِي " [ يُوسُف : 100 ] أَيْ أَفْسَدَ . وَقِيلَ : النَّزْغ الْإِغْوَاء وَالْإِغْرَاء ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . قُلْت : وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة مَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) . وَفِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَة قَالَ : ( تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان ) وَالصَّرِيح الْخَالِص . وَهَذَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره ; إِذْ لَا يَصِحّ أَنْ تَكُون الْوَسْوَسَة نَفْسهَا هِيَ الْإِيمَان , لِأَنَّ الْإِيمَان الْيَقِين , وَإِنَّمَا الْإِشَارَة إِلَى مَا وَجَدُوهُ مِنْ الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعَاقَبُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِهِمْ . فَكَأَنَّهُ قَالَ جَزَعُكُمْ مِنْ هَذَا هُوَ مَحْضُ الْإِيمَان وَخَالِصُهُ ; لِصِحَّةِ إِيمَانِكُمْ , وَعِلْمكُمْ بِفَسَادِهَا . فَسَمَّى الْوَسْوَسَة إِيمَانًا لَمَّا كَانَ دَفْعُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَالرَّدُّ لَهَا وَعَدَمُ قَبُولِهَا وَالْجَزَعُ مِنْهَا صَادِرًا عَنْ الْإِيمَان . وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ فَلِكَوْنِ تِلْكَ الْوَسَاوِس مِنْ آثَار الشَّيْطَان . وَأَمَّا الْأَمْر بِالِانْتِهَاءِ فَعَنْ الرُّكُون إِلَيْهَا وَالِالْتِفَات نَحْوهَا . فَمَنْ كَانَ صَحِيح الْإِيمَان وَاسْتَعْمَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ وَنَبِيّه نَفَعَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ . وَأَمَّا مَنْ خَالَجَتْهُ الشُّبْهَة وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْحِسّ وَلَمْ يَقْدِر عَلَى الِانْفِكَاك عَنْهَا فَلَا بُدّ مِنْ مُشَافَهَته بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيّ ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي خَالَطَتْهُ شُبْهَة الْإِبِل الْجُرْب حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا عَدْوَى " . وَقَالَ أَعْرَابِيّ : فَمَا بَال الْإِبِل تَكُون فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا الْبَعِير الْأَجْرَب أَجْرَبَهَا ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل " فَاسْتَأْصَلَ الشُّبْهَة مِنْ أَصْلِهَا . فَلَمَّا يَئِسَ الشَّيْطَان مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِغْرَاءِ وَالْإِضْلَال أَخَذَ يُشَوِّش عَلَيْهِمْ أَوْقَاتهمْ بِتِلْكَ الْأَلْقَيَات . وَالْوَسَاوِس : التُّرَّهَات ; فَنَفَرَتْ عَنْهَا قُلُوبهمْ وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ وُقُوعهَا عِنْدهمْ فَجَاءُوا - كَمَا فِي الصَّحِيح - فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَم أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ . قَالَ : " أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ " ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ حَسَب مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان " [ الْحِجْر : 42 ] . فَالْخَوَاطِر الَّتِي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّةٍ وَلَا اِجْتَلَبَتْهَا الشُّبْهَة فَهِيَ الَّتِي تُدْفَع بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ; وَعَلَى مِثْلهَا يُطْلَق اِسْم الْوَسْوَسَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى , وَالْحَمْد لِلَّهِ .
إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَـٰۤىِٕفࣱ مِّنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ﴿٢٠١﴾
يُرِيد الشِّرْك وَالْمَعَاصِي .





هَذِهِ قِرَاءَة أَهْل الْبَصْرَة وَأَهْل مَكَّة . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْكُوفَة " طَائِف " . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر " طَيِّفٌ " بِتَشْدِيدِ الْيَاء . قَالَ النَّحَّاس : كَلَام الْعَرَب فِي مِثْل هَذَا " طَيْفٌ " بِالتَّخْفِيفِ ; عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ طَافَ يَطِيف . قَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مُخَفَّف مِنْ " طَيْف " مِثْل مَيِّت وَمَيْت . قَالَ النَّحَّاس : وَمَعْنَى " طَيْف " فِي اللُّغَة مَا يُتَخَيَّل فِي الْقَلْب أَوْ يُرَى فِي النَّوْم ; وَكَذَا مَعْنَى طَائِف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : سَأَلْت الْأَصْمَعِيّ عَنْ طَيْف ; فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْمَصَادِر فَيْعَل . قَالَ النَّحَّاس : لَيْسَ هُوَ بِمَصْدَرٍ , وَلَكِنْ يَكُون بِمَعْنَى طَائِف . وَالْمَعْنَى إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا الْمَعَاصِيَ إِذَا لَحِقَهُمْ شَيْءٌ تَفَكَّرُوا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوا الْمَعْصِيَة ; وَقِيلَ : الطَّيْف وَالطَّائِف مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَالْأَوَّل : التَّخَيُّل . وَالثَّانِي : الشَّيْطَان نَفْسه . فَالْأَوَّل مَصْدَر طَافَ الْخَيَال يَطُوف طَيْفًا ; وَلَمْ يَقُولُوا مِنْ هَذَا طَائِف فِي اِسْم الْفَاعِل . قَالَ السُّهَيْلِيّ : لِأَنَّهُ تَخَيُّل لَا حَقِيقَة لَهُ . فَأَمَّا قَوْله : " فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِف مِنْ رَبّك " [ الْقَلَم : 19 ] فَلَا يُقَال فِيهِ : طَيْف ; لِأَنَّهُ اِسْم فَاعِل حَقِيقَة , وَيُقَال : إِنَّهُ جِبْرِيل . قَالَ الزَّجَّاج : طُفْت عَلَيْهِمْ أَطُوف , وَطَافَ الْخَيَال يَطِيف . وَقَالَ حَسَّان : فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ مُجَاهِد : الطَّيْف الْغَضَب . وَيُسَمَّى الْجُنُون وَالْغَضَب وَالْوَسْوَسَة طَيْفًا ; لِأَنَّهُ لَمَّة مِنْ الشَّيْطَان تُشَبَّهُ بِلَمَّةِ الْخَيَال .







أَيْ مُنْتَهُونَ . وَقِيلَ : فَإِذَا هُمْ عَلَى بَصِيرَة . وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " تَذَّكَّرُوا " بِتَشْدِيدِ الذَّال . وَلَا وَجْه لَهُ فِي الْعَرَبِيَّة ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . الثَّانِيَة : قَالَ عِصَام بْن الْمُصْطَلِق : دَخَلْت الْمَدِينَة فَرَأَيْت الْحَسَن بْن عَلِيّ عَلَيْهِمَا السَّلَام , فَأَعْجَبَنِي سَمْتُهُ وَحُسْن رُوَائِهِ ; فَأَثَارَ مِنِّي الْحَسَد مَا كَانَ يُجِنُّهُ صَدْرِي لِأَبِيهِ مِنْ الْبُغْض ; فَقُلْت : أَنْتَ اِبْن أَبِي طَالِب ! قَالَ نَعَمْ . فَبَالَغْت فِي شَتْمِهِ وَشَتْمِ أَبِيهِ ; فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَةَ عَاطِفٍ رَءُوفٍ , ثُمَّ قَالَ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ " فَقَرَأَ إِلَى قَوْله : " فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ " ثُمَّ قَالَ لِي : خَفِّضْ عَلَيْك , أَسْتَغْفِر اللَّه لِي وَلَك إِنَّك لَوْ اِسْتَعَنْتنَا أَعَنَّاك , وَلَوْ اسْتَرْفَدْتَنَا أَرَفَدْنَاك , وَلَوْ اِسْتَرْشَدْتنَا أَرْشَدْنَاك . فَتَوَسَّمَ فِيَّ النَّدَمَ عَلَى مَا فَرَطَ مِنِّي فَقَالَ : " لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْم يَغْفِر اللَّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ " [ يُوسُف : 92 ] أَمِنْ أَهْل الشَّأْمِ أَنْتَ ؟ قُلْت نَعَمْ . فَقَالَ : شِنْشِنَة أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَم حَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاك , وَعَافَاك , وَآدَاك ; اِنْبَسِطْ إِلَيْنَا فِي حَوَائِجك وَمَا يَعْرِض لَك , تَجِدْنَا عِنْد أَفْضَل ظَنِّك , إِنْ شَاءَ اللَّه . قَالَ عِصَام : فَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ , وَوَدِدْت أَنَّهَا سَاخَتْ بِي ; ثُمَّ تَسَلَّلْت مِنْهُ لِوَاذًا , وَمَا عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ .
وَإِخۡوَ ٰ⁠نُهُمۡ یَمُدُّونَهُمۡ فِی ٱلۡغَیِّ ثُمَّ لَا یُقۡصِرُونَ ﴿٢٠٢﴾
قِيلَ : الْمَعْنَى وَإِخْوَان الشَّيَاطِين وَهُمْ الْفُجَّار مِنْ ضُلَّال الْإِنْس تَمُدّهُمْ الشَّيَاطِين فِي الْغَيّ . وَقِيلَ لِلْفُجَّارِ إِخْوَان الشَّيَاطِين لِأَنَّهُمْ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ . وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذِهِ الْآيَة ذِكْر الشَّيْطَان . هَذَا أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ ; وَهُوَ قَوْل قَتَادَة وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك . وَمَعْنَى " لَا يُقْصِرُونَ " أَيْ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ . وَقَالَ الزَّجَّاج : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; وَالْمَعْنَى : وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَطِيعُونَ لَكُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسهمْ يَنْصُرُونَ , وَإِخْوَانهمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيّ ; لِأَنَّ الْكُفَّار إِخْوَان الشَّيَاطِين . وَمَعْنَى الْآيَة : إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا مَسَّهُ طَيْف مِنْ الشَّيْطَان تَنَبَّهَ عَنْ قُرْب ; فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَيَمُدّهُمْ الشَّيْطَان . وَ " لَا يُقْصِرُونَ " قِيلَ : يَرْجِع إِلَى الْكُفَّار عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَرْجِع إِلَى الشَّيْطَان . قَالَ قَتَادَة : الْمَعْنَى ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ عَنْهُمْ وَلَا يَرْحَمُونَهُمْ . وَالْإِقْصَار : الِانْتِهَاء عَنْ الشَّيْء , أَيْ لَا تُقْصِر الشَّيَاطِين فِي مَدّهمْ الْكُفَّار بِالْغَيِّ . وَقَوْله : " فِي الْغَيّ " يَجُوز أَنْ يَكُون مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ : " يَمُدُّونَهُمْ " وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَّصِلًا بِالْإِخْوَانِ . وَالْغَيّ : الْجَهْل . وَقَرَأَ نَافِع " يُمِدُّونَهُمْ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْمِيم . وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْمِيم . وَهُمَا لُغَتَانِ مَدَّ وَأَمَدَّ . وَمَدَّ أَكْثَر , بِغَيْرِ الْأَلِف ; قَالَهُ مَكِّيّ . النَّحَّاس : وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يُنْكِرُونَ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة ; مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم وَأَبُو عُبَيْد , قَالَ أَبُو حَاتِم : لَا أَعْرِف لَهَا وَجْهًا , إِلَّا أَنْ يَكُون الْمَعْنَى يَزِيدُونَهُمْ فِي الْغَيّ . وَحَكَى جَمَاعَة مِنْ أَهْل اللُّغَة مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ يُقَال إِذَا كَثَّرَ شَيْء شَيْئًا بِنَفْسِهِ مَدَّهُ , وَإِذَا كَثَّرَهُ بِغَيْرِهِ قِيلَ أَمَدَّهُ ; نَحْو " يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُسَوَّمِينَ " [ آل عِمْرَان : 125 ] . وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَنَّهُ اِحْتَجَّ لِقِرَاءَةِ أَهْل الْمَدِينَة قَالَ : يُقَال مَدَدْت لَهُ فِي كَذَا أَيْ زَيَّنْته لَهُ وَاسْتَدْعَيْته أَنْ يَفْعَلهُ . وَأَمْدَدْته فِي كَذَا أَيْ أَعَنْته بِرَأْيٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ . قَالَ مَكِّيّ : وَالِاخْتِيَار الْفَتْح ; لِأَنَّهُ يُقَال : مَدَدْت فِي الشَّرّ , وَأَمْدَدْت فِي الْخَيْر ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ " [ الْبَقَرَة : 15 ] . فَهَذَا يَدُلّ عَلَى قُوَّة الْفَتْح فِي هَذَا الْحَرْف ; لِأَنَّهُ فِي الشَّرّ , وَالْغَيّ هُوَ الشَّرّ , وَلِأَنَّ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ . وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ " يُمَادُّونَهُمْ فِي الْغَيّ " . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " يَقْصُرُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الصَّاد وَتَخْفِيف الْقَاف . الْبَاقُونَ " يُقْصِرُونَ " بِضَمِّهِ , وَهُمَا لُغَتَانِ . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : سَمَا لَك شَوْقٌ بَعْد مَا كَانَ أَقْصَرَا
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔایَةࣲ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَیۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَاۤ أَتَّبِعُ مَا یُوحَىٰۤ إِلَیَّ مِن رَّبِّیۚ هَـٰذَا بَصَاۤىِٕرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿٢٠٣﴾
أَيْ تَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ .





لَوْلَا بِمَعْنَى هَلَّا , وَلَا يَلِيهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْفِعْل ظَاهِرًا أَوْ مُضْمَرًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهَا فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَمَعْنَى " اِجْتَبَيْتهَا " اِخْتَلَقْتهَا مِنْ نَفْسك . فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْآيَات مِنْ قِبَل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُ لَا يَقْرَأ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . يُقَال : اِجْتَبَيْت الْكَلَام أَيْ اِرْتَجَلْته وَاخْتَلَقْته وَاخْتَرَعْته إِذَا جِئْت بِهِ مِنْ عِنْد نَفْسك .





أَيْ مِنْ عِنْد اللَّه لَا مِنْ عِنْد نَفْسِي .





يَعْنِي الْقُرْآن , جَمْع بَصِيرَة , هِيَ الدَّلَالَة وَالْعِبْرَة . أَيْ هَذَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَاحِد . بَصَائِر , أَيْ يُسْتَبْصَر بِهَا . وَقَالَ الزَّجَّاج : " بَصَائِر " أَيْ طُرُق . وَالْبَصَائِر طُرُق الدِّين . قَالَ الْجُعْفِيّ : رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتِد وَأَي " وَهُدًى " رُشْد وَبَيَان . " وَرَحْمَة " أَيْ وَنِعْمَة .
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾
قِيلَ : إِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الصَّلَاة , رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَجَابِر وَالزَّهْرِيّ وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَيْر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب . قَالَ سَعِيد : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى ; فَيَقُول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِمَكَّة : " لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ " [ فُصِّلَتْ : 26 ] . فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ جَوَابًا لَهُمْ " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا " . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَة ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار وَزَيْد بْن أَسْلَم وَالْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة وَمُسْلِم بْن يَسَار وَشَهْر بْن حَوْشَب وَعَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك . وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ الْقُرْآن فِيهَا قَلِيل , وَالْإِنْصَات يَجِب فِي جَمِيعهَا ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . النَّقَّاش : وَالْآيَة مَكِّيَّة , وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّة خُطْبَة وَلَا جُمُعَة . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَيْضًا أَنَّ هَذَا فِي الْإِنْصَات يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفِطْر وَيَوْم الْجُمُعَة , وَفِيمَا يَجْهَر بِهِ الْإِمَام فَهُوَ عَامٌّ . وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ يَجْمَع جَمِيع مَا أَوْجَبَتْهُ هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا مِنْ السُّنَّة فِي الْإِنْصَات . قَالَ النَّقَّاش : أَجْمَعَ أَهْل التَّفْسِير أَنَّ هَذَا الِاسْتِمَاع فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَغَيْر الْمَكْتُوبَة . النَّحَّاس : وَفِي اللُّغَة يَجِب أَنْ يَكُون فِي كُلّ شَيْء , إِلَّا أَنْ يَدُلّ دَلِيل عَلَى اِخْتِصَاص شَيْء . وَقَالَ الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون " فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا " اِعْمَلُوا بِمَا فِيهِ وَلَا تُجَاوِزُوهُ . وَالْإِنْصَات : السُّكُوت لِلِاسْتِمَاعِ وَالْإِصْغَاء وَالْمُرَاعَاة . أَنْصَتَ يُنْصِت إِنْصَاتًا ; وَنَصَتَ أَيْضًا ; قَالَ الشَّاعِر : قَالَ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ أَمْرُ سَيِّدِكُمْ فَلَمْ نُخَالِفْ وَأَنْصَتْنَا كَمَا قَالَا وَيُقَال : أَنْصِتُوهُ وَأَنْصِتُوا لَهُ ; قَالَ الشَّاعِر : إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَأَنْصِتُوهَا فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله " فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا " : كَانَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصًّا لِيَعِيَهُ عَنْهُ أَصْحَابه . قُلْت : هَذَا فِيهِ بُعْد , وَالصَّحِيح الْقَوْل بِالْعُمُومِ ; لِقَوْلِهِ : " لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " وَالتَّخْصِيص يَحْتَاج إِلَى دَلِيل . وَقَالَ عَبْد الْجَبَّار بْن أَحْمَد فِي فَوَائِد الْقُرْآن لَهُ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُكْثِرُونَ اللَّغَط وَالشَّغَب تَعَنُّتًا وَعِنَادًا ; عَلَى مَا حَكَاهُ اللَّه عَنْهُمْ : " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " [ فُصِّلَتْ : 26 ] . فَأَمَرَ اللَّه الْمُسْلِمِينَ حَالَة أَدَاء الْوَحْي أَنْ يَكُونُوا عَلَى خِلَاف هَذِهِ الْحَالَة وَأَنْ يَسْتَمِعُوا , وَمَدَحَ الْجِنّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : " وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن " [ الْأَحْقَاف : 29 ] الْآيَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاة أَجَابَهُ مَنْ وَرَاءَهُ ; إِذَا قَالَ : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , قَالُوا مِثْل قَوْله , حَتَّى يَقْضِي فَاتِحَة الْكِتَاب وَالسُّورَة . فَلَبِثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَلْبَث ; فَنَزَلَ : " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " فَأَنْصِتُوا . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِالْإِنْصَاتِ تَرْك الْجَهْر عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ مُجَاوَبَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة : كَانَ الرَّجُل يَأْتِي وَهُمْ فِي الصَّلَاة فَيَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّيْتُمْ , كَمْ بَقِيَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا " . وَعَنْ مُجَاهِد هَذَا أَيْضًا : كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاة بِحَاجَتِهِمْ ; فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " . وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة الِاخْتِلَاف فِي قِرَاءَة الْمَأْمُوم خَلْف الْإِمَام . وَيَأْتِي فِي " الْجُمُعَة " حُكْم الْخُطْبَة , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِی نَفۡسِكَ تَضَرُّعࣰا وَخِیفَةࣰ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ ﴿٢٠٥﴾
نَظِيره " اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة " [ الْأَعْرَاف : 55 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَلَمْ يُخْتَلَف فِي مَعْنَى " وَاذْكُرْ رَبَّك فِي نَفْسك " أَنَّهُ فِي الدُّعَاء . قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ يَعْنِي بِالذِّكْرِ الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى اِقْرَأْ الْقُرْآن بِتَأَمُّلٍ وَتَدَبُّر . " تَضَرُّعًا " مَصْدَر , وَقَدْ يَكُون فِي مَوْضِع الْحَال . " وَخِيفَة " مَعْطُوف عَلَيْهِ . وَجَمْع خِيفَة خِوَف ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَوْف ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَأَصْل خِيفَة خِوْفَة , قُلِبَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا . خَافَ الرَّجُل يَخَاف خَوْفًا وَخِيفَة وَمَخَافَة , فَهُوَ خَائِف , وَقَوْم خُوَّف عَلَى الْأَصْل , وَخُيَّف عَلَى اللَّفْظ . وَحَكَى الْفَرَّاء أَنَّهُ يُقَال أَيْضًا فِي جَمْع خِيفَة خِيَف . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالْخِيفَة الْخَوْف , وَالْجَمْع خِيَف , وَأَصْله الْوَاو .







أَيْ دُون الرَّفْع فِي الْقَوْل . أَيْ أَسْمِعْ نَفْسك ; كَمَا قَالَ : " وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " [ الْإِسْرَاء : 110 ] أَيْ بَيْن الْجَهْر وَالْمُخَافَتَة . وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ رَفْع الصَّوْت بِالذِّكْرِ مَمْنُوع . عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع





قَالَ قَتَادَة وَابْن زَيْد : الْآصَال الْعَشِيَّات . وَالْغُدُوّ جَمْع غَدْوَة . وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَز " بِالْغُدُوِّ وَالْإِيصَال " وَهُوَ مَصْدَر آصَلْنَا , أَيْ دَخَلْنَا فِي الْعَشِيّ . وَالْآصَال جَمْع أُصُل ; مِثْل طُنُب وَأَطْنَاب ; فَهُوَ جَمْع الْجَمْع , وَالْوَاحِد أَصِيل , جُمِعَ عَلَى أُصُل ; عَنْ الزَّجَّاج . الْأَخْفَش : الْآصَال جَمْع أَصِيل ; مِثْل يَمِين وَأَيْمَان . الْفَرَّاء : أُصُل جَمْع أَصِيل , وَقَدْ يَكُون أُصُل وَاحِدًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَلَا بِأَحْسَن مِنْهَا إِذْ دَنَا الْأُصُل الْجَوْهَرِيّ : الْأَصِيل الْوَقْت بَعْد الْعَصْر إِلَى الْمَغْرِب , وَجَمْعه أُصُل وَآصَال وَأَصَائِل ; كَأَنَّهُ جَمْع أَصِيلَة ; قَالَ الشَّاعِر : لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْت أُكْرِمُ أَهْلَهُ وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى أُصْلَان ; مِثْل بَعِير وَبُعْرَان ; ثُمَّ صَغَّرُوا الْجَمْع فَقَالُوا أُصَيْلَان , ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنْ النُّون لَامًا فَقَالُوا أُصَيْلَال ; وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة : وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَد وَحَكَى اللِّحْيَانِيّ : لَقِيته أُصَيْلَالًا .





أَيْ عَنْ الذِّكْر .
إِنَّ ٱلَّذِینَ عِندَ رَبِّكَ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَیُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ یَسۡجُدُونَ ۩ ﴿٢٠٦﴾
فِيهِ ثَمَان مَسَائِل : الْأُولَى : " إِنَّ الَّذِينَ عِنْد رَبّك " يَعْنِي الْمَلَائِكَة بِإِجْمَاعٍ . وَقَالَ : " عِنْد رَبّك " وَاَللَّه تَعَالَى بِكُلِّ مَكَان لِأَنَّهُمْ قَرِيبُونَ مِنْ رَحْمَته , وَكُلّ قَرِيب مِنْ رَحْمَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ عِنْده ; عَنْ الزَّجَّاج . وَقَالَ غَيْره لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِع لَا يَنْفُذ فِيهِ إِلَّا حُكْم اللَّه . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ رُسُل اللَّه ; كَمَا يُقَال : عِنْد الْخَلِيفَة جَيْش كَثِير . وَقِيلَ : هَذَا عَلَى جِهَة التَّشْرِيف لَهُمْ , وَأَنَّهُمْ بِالْمَكَانِ الْمُكَرَّم ; فَهُوَ عِبَارَة عَنْ قُرْبِهِمْ فِي الْكَرَامَة لَا فِي الْمَسَافَة . " وَيُسَبِّحُونَهُ " أَيْ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلّ سُوء . " وَلَهُ يَسْجُدُونَ " قِيلَ : يُصَلُّونَ . وَقِيلَ : يَذِلُّونَ , خِلَاف أَهْل الْمَعَاصِي . الثَّانِيَة : وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ هَذَا مَوْضِع سُجُود لِلْقَارِئِ . وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي عَدَد سُجُود الْقُرْآن ; فَأَقْصَى مَا قِيلَ : خَمْس عَشْرَة . أَوَّلهَا خَاتِمَة الْأَعْرَاف , وَآخِرهَا خَ اتِمَة الْعَلَق . وَهُوَ قَوْل اِبْن حَبِيب وَابْن وَهْب - فِي رِوَايَة - وَإِسْحَاق . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ زَادَ سَجْدَة الْحِجْر قَوْله تَعَالَى : " وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ " [ الْحِجْر : 98 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَعَلَى هَذَا تَكُون سِتّ عَشْرَة . وَقِيلَ : أَرْبَع عَشْرَة ; قَالَهُ اِبْن وَهْب فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنْهُ . فَأَسْقَطَ ثَانِيَةَ الْحَجِّ . وَهُوَ قَوْل أَصْحَاب الرَّأْي وَالصَّحِيح سُقُوطهَا ; لِأَنَّ الْحَدِيث لَمْ يَصِحّ بِثُبُوتِهَا . وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِمَا عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُنَيْن مِنْ بَنِي عَبْد كُلَال عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْس عَشْرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن ; مِنْهَا ثَلَاث فِي الْمُفَصَّل , وَفِي الْحَجّ سَجْدَتَانِ . وَعَبْد اللَّه بْن مُنَيْن لَا يُحْتَجُّ بِهِ ; قَالَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , أَفِي سُورَة الْحَجّ سَجْدَتَانِ ؟ . قَالَ : " نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأهُمَا " . فِي إِسْنَاده عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة , وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا . وَأَثْبَتَهُمَا الشَّافِعِيّ وَأَسْقَطَ سَجْدَة ص . وَقِيلَ : إِحْدَى عَشْرَة سَجْدَة , وَأَسْقَطَ آخِرَة الْحَجّ وَثَلَاث الْمُفَصَّل . وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالِك . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَغَيْرهمْ . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : سَجَدْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى عَشْرَة سَجْدَة لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْمُفَصَّل شَيْء , الْأَعْرَاف وَالرَّعْد وَالنَّحْل وَبَنِي إِسْرَائِيل وَمَرْيَم وَالْحَجّ سَجْدَة وَالْفُرْقَان وَسُلَيْمَان سُورَة النَّمْل وَالسَّجْدَة وَص وَسَجْدَة الْحَوَامِيم . وَقِيلَ : عَشْر , وَأُسْقِطَ آخِرَة الْحَجّ وَص وَثَلَاث الْمُفَصَّل ; ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : إِنَّهَا أَرْبَع , سَجْدَة الم تَنْزِيل وَ " حم " تَنْزِيل وَالنَّجْم وَالْعَلَق . وَسَبَب الْخِلَاف اِخْتِلَاف النَّقْل فِي الْأَحَادِيث وَالْعَمَل , وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَمْر الْمُجَرَّد بِالسُّجُودِ فِي الْقُرْآن , هَلْ الْمُرَاد بِهِ سُجُود التِّلَاوَة أَوْ سُجُود الْفَرْض فِي الصَّلَاة ؟ الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوب سُجُود التِّلَاوَة ; فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هُوَ وَاجِب . وَتَعَلَّقَ بِأَنَّ مُطْلَق الْأَمْر بِالسُّجُودِ عَلَى الْوُجُوب , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم سَجْدَة فَسَجَدَ اِعْتَزَلَ الشَّيْطَان يَبْكِي يَقُول يَا وَيْلَهُ " . وَفِي رِوَايَة أَبِي كُرَيْب " يَا وَيْلِي " , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام إِخْبَارًا عَنْ إِبْلِيس لَعَنَهُ اللَّه : " أُمِرَ اِبْن آدَم بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّة وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِيَ النَّار " . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَافِظ عَلَيْهِ . وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى حَدِيث عُمَر الثَّابِت - خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ - أَنَّهُ قَرَأَ آيَة سَجْدَة عَلَى الْمِنْبَر فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاس مَعَهُ , ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاس لِلسُّجُودِ , فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس عَلَى رِسْلِكُمْ ! إِنَّ اللَّه لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ " . وَذَلِكَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مِنْ الْأَنْصَار وَالْمُهَاجِرِينَ . فَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ أَحَد فَثَبَتَ الْإِجْمَاع بِهِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله : " أُمِرَ اِبْن آدَم بِالسُّجُودِ " فَإِخْبَار عَنْ السُّجُود الْوَاجِب . وَمُوَاظَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلّ عَلَى الِاسْتِحْبَاب ! وَاَللَّه أَعْلَم . الرَّابِعَة : وَلَا خِلَاف فِي أَنَّ سُجُود الْقُرْآن يَحْتَاج إِلَى مَا تَحْتَاج إِلَيْهِ الصَّلَاة مِنْ طَهَارَة حَدَث وَنَجَس وَنِيَّة وَاسْتِقْبَال قِبْلَة وَوَقْت . إِلَّا مَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَسْجُد عَلَى غَيْر طَهَارَة . وَذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الشَّعْبِيّ . وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُور هَلْ يَحْتَاج إِلَى تَحْرِيم وَرَفْع يَدَيْنِ عِنْده وَتَكْبِير وَتَسْلِيم ؟ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ; فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّر وَيَرْفَع لِلتَّكْبِيرِ لَهَا . وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَر عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ , وَكَذَلِكَ إِذَا رَفَعَ كَبَّرَ . وَمَشْهُور مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ يُكَبِّر لَهَا فِي الْخَفْض وَالرَّفْع فِي الصَّلَاة . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي التَّكْبِير لَهَا فِي غَيْر الصَّلَاة ; وَبِالتَّكْبِيرِ لِذَلِكَ قَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء , وَلَا سَلَام لَهَا عِنْد الْجُمْهُور . وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَإِسْحَاق إِلَى أَنَّهُ يُسَلِّم مِنْهَا . وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب يَتَحَقَّق أَنَّ التَّكْبِير فِي أَوَّلهَا لِلْإِحْرَامِ . وَعَلَى قَوْل مَنْ لَا يُسَلِّم يَكُون لِلسُّجُودِ فَحَسْب . وَالْأَوَّل أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم " وَهَذِهِ عِبَادَة لَهَا تَكْبِير , فَكَانَ لَهَا تَحْلِيل كَصَلَاةِ الْجِنَازَة بَلْ أَوْلَى , لِأَنَّهَا فِعْل وَصَلَاة الْجِنَازَة قَوْل . وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن الْعَرَبِيّ . الْخَامِسَة : وَأَمَّا وَقْته فَقِيلَ : يَسْجُد فِي سَائِر الْأَوْقَات مُطْلَقًا ; لِأَنَّهَا صَلَاة لِسَبَبٍ . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة . وَقِيلَ : مَا لَمْ يُسْفِر الصُّبْح , أَوْ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْس بَعْد الْعَصْر . وَقِيلَ : لَا يَسْجُد بَعْد الصُّبْح وَلَا بَعْد الْعَصْر . وَقِيلَ : يَسْجُد بَعْد الصُّبْح وَلَا يَسْجُد بَعْد الْعَصْر . وَهَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَقْوَال فِي مَذْهَبنَا . وَسَبَب الْخِلَاف مُعَارَضَة مَا يَقْتَضِيه سَبَب قِرَاءَة السَّجْدَة مِنْ السُّجُود الْمُرَتَّب عَلَيْهَا لِعُمُومِ النَّهْي عَنْ الصَّلَاة بَعْد الْعَصْر وَبَعْد الصُّبْح . وَاخْتِلَافهمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاة فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم . السَّادِسَة : فَإِذَا سَجَدَ يَقُول فِي سُجُوده : اللَّهُمَّ اُحْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا , وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا , وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدك ذُخْرًا . رَوَاهُ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ اِبْن مَاجَهْ . السَّابِعَة : فَإِنْ قَرَأَهَا فِي صَلَاة , فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَة سَجَدَ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَة وَأَمِنَ التَّخْلِيط فِيهَا . وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَة لَا يَأْمَن ذَلِكَ فِيهَا فَالْمَنْصُوص جَوَازُهُ . وَقِيلَ : لَا يَسْجُد . وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَة فَالْمَشْهُور عَنْ مَالِك النَّهْي عَنْهُ فِيهَا , سَوَاء كَانَتْ صَلَاةَ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ , جَمَاعَة أَوْ فُرَادَى . وَهُوَ مُعَلَّل بِكَوْنِهَا زِيَادَة فِي أَعْدَاد سُجُود الْفَرِيضَة . وَقِيلَ : مُعَلَّل بِخَوْفِ التَّخْلِيط عَلَى الْجَمَاعَة ; وَهَذَا أَشْبَه . وَعَلَى هَذَا لَا يُمْنَع مِنْهُ الْفُرَادَى وَلَا الْجَمَاعَة الَّتِي يَأْمَن فِيهَا التَّخْلِيط . الثَّامِنَة : رَوَى , الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي رَافِع قَالَ : صَلَّيْت مَعَ أَبِي هُرَيْرَة الْعَتَمَة , فَقَرَأَ " إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ " [ الِانْشِقَاق : 1 ] فَسَجَدَ ; فَقُلْت : مَا هَذِهِ ؟ قَالَ : سَجَدْت بِهَا خَلْف أَبِي الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَا أَزَالَ أَسْجُد فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ . اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ . وَفِيهِ : " وَقِيلَ لِعِمْرَان بْن حُصَيْن : الرَّجُل يَسْمَع السَّجْدَة وَلَمْ يَجْلِس لَهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ قَعَدَ لَهَا ! كَأَنَّهُ لَا يُوجِبهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ سَلْمَان : مَا لِهَذَا غَدَوْنَا . وَقَالَ عُثْمَان : إِنَّمَا السَّجْدَة عَلَى مَنْ اِسْتَمَعَهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : لَا يَسْجُد إِلَّا أَنْ يَكُون طَاهِرًا , فَإِذَا سَجَدْت وَأَنْتَ فِي حَضَر فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَة , فَإِنْ كُنْت رَاكِبًا فَلَا عَلَيْك , حَيْثُ كَانَ وَجْهك . وَكَانَ السَّائِب لَا يَسْجُد لِسُجُود الْقَاصّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .