صفحات الموقع

سورة الأعراف الآية ١٢

سورة الأعراف الآية ١٢

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارࣲ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینࣲ ﴿١٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

فوبخه اللّه على ذلك وقال: " مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ " لما خلقت بيديَّ, أي: شرفته, وفضلته بهذه الفضيلة, التي لم تكن لغيره, فعصيت أمري, وتهاونت بي؟ " قَالَ " إبليس معارضا لربه: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ " . ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله له: " خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " . وموجب هذا, أن المخلوق من نار, أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين, وصعودها. وهذا القياس من أفسد الأقيسة, فإنه باطل من عدة أوجه. منها: أنه في مقابلة أمر اللّه له بالسجود, والقياس إذا عارض النص, فإنه قياس باطل, لأن المقصود بالقياس, أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص, يقارب الأمور المنصوص عليها, ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها, ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص, فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ومنها: أن قوله " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ " بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه, وتكبره, والقول على اللّه بلا علم. وأي نقص أعظم من هذا؟!! ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب. فإن مادة الطين, فيها الخشوع, والسكون, والرزانة, ومنها تظهر بركات الأرض, من الأشجار, وأنواع النبات, على اختلاف أجناسه وأنواعه. وأما النار, ففيها الخفة, والطيش, والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى, انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين.

التفسير الميسر

قال تعالى منكرًا على إبليس تَرْكَ السجود: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ فقال إبليس: أنا أفضل منه خلقًا؛ لأني مخلوق من نار، وهو مخلوق من طين. فرأى أن النار أشرف من الطين.

تفسير الجلالين

"قَالَ" تَعَالَى "مَا مَنَعَك أَلَّا" أَنْ لَا : لَا زَائِدَة "تَسْجُد إذْ" حِين

تفسير ابن كثير

قَالَ بَعْض النُّحَاة فِي تَوْجِيه قَوْله تَعَالَى " مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك" لَا هُنَا زَائِدَة وَقَالَ بَعْضهمْ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ الْجَحْد كَقَوْلِ الشَّاعِر : مَا إِنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِمِثْلِهِ . فَأَدْخَلَ" أَنْ " وَهِيَ لِلنَّفْيِ عَلَى مَا النَّافِيَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي قَالُوا وَكَذَا هُنَا " مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد " مَعَ تَقَدُّم قَوْله " لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ " حَكَاهُمَا اِبْن جَرِير وَرَدَّهُمَا وَاخْتَارَ أَنَّ مَنَعَك مُضَمَّن مَعْنَى فِعْل آخَر تَقْدِيره مَا أَحْرَجَك وَأَلْزَمَك وَاضْطَرَّك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك وَنَحْو هَذَا . وَهَذَا الْقَوْل قَوِيّ حَسَن وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْل إِبْلِيس لَعَنَهُ اللَّه " أَنَا خَيْر مِنْهُ " مِنْ الْعُذْر الَّذِي هُوَ أَكْبَر مِنْ الذَّنْب كَأَنَّهُ اِمْتَنَعَ مِنْ الطَّاعَة لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَر الْفَاضِل بِالسُّجُودِ لِلْمَفْضُولِ يَعْنِي لَعَنَهُ اللَّه وَأَنَا خَيْر مِنْهُ فَكَيْف تَأْمُرنِي بِالسُّجُودِ لَهُ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ خَيْر مِنْهُ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَار وَالنَّار أَشْرَف مِمَّا خَلَقْته مِنْهُ وَهُوَ الطِّين فَنَظَرَ اللَّعِين إِلَى أَصْل الْعُنْصُر وَلَمْ يَنْظُر إِلَى التَّشْرِيف الْعَظِيم وَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ آدَم بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَقَاسَ قِيَاسًا فَاسِدًا فِي مُقَابَلَة نَصّ قَوْله تَعَالَى" فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " فَشَذَّ مِنْ بَيْن الْمَلَائِكَة لِتَرْكِ السُّجُود فَلِهَذَا أُبْلِسَ مِنْ الرَّحْمَة أَيْ أُويِسَ مِنْ الرَّحْمَة فَأَخْطَأَ قَبَّحَهُ اللَّه فِي قِيَاسه وَدَعْوَاهُ أَنَّ النَّار أَشْرَف مِنْ الطِّين أَيْضًا فَإِنَّ الطِّين مِنْ شَأْنه الرَّزَانَة وَالْحِلْم وَالْأَنَاة وَالتَّثَبُّت وَالطِّين مَحَلّ النَّبَات وَالنُّمُوّ وَالزِّيَادَة وَالْإِصْلَاح وَالنَّار مِنْ شَأْنهَا الْإِحْرَاق وَالطَّيْش وَالسُّرْعَة وَلِهَذَا خَانَ إِبْلِيس عُنْصُره وَنَفَعَ آدَم عُنْصُره بِالرُّجُوعِ وَالْإِنَابَة وَالِاسْتِكَانَة وَالِانْقِيَاد وَالِاسْتِسْلَام لِأَمْرِ اللَّه وَالِاعْتِرَاف وَطَلَب التَّوْبَة وَالْمَغْفِرَة وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور وَخُلِقَ إِبْلِيس مِنْ مَارِج مِنْ نَار وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَقَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَلَقَ اللَّه الْمَلَائِكَة مِنْ نُور الْعَرْش وَخَلَقَ الْجَانّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار وَخَلَقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . قُلْت لِنُعَيْمِ بْن حَمَّاد أَيْنَ سَمِعْت هَذَا مِنْ عَبْد الرَّزَّاق ؟ قَالَ بِالْيَمَنِ وَفِي بَعْض أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر الصَّحِيح " وَخُلِقَتْ الْحُور الْعِين مِنْ الزَّعْفَرَان " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ اِبْن شَوْذَب عَنْ مَطَر الْوَرَّاق عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله " خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين " . قَالَ قَاسَ إِبْلِيس وَهُوَ أَوَّل مَنْ قَاسَ إِسْنَاده صَحِيح وَقَالَ حَدَّثَنِي عُمَر بْن مَالِك حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْم الطَّائِفِيّ عَنْ هِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ قَالَ أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالْمَقَايِسِ إِسْنَاد صَحِيح أَيْضًا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قِيله لِإِبْلِيس إِذْ عَصَاهُ , فَلَمْ يَسْجُد لِآدَم إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ , يَقُول : { قَالَ } اللَّه لِإِبْلِيس : { مَا مَنَعَك } أَيّ شَيْء مَنَعَك { أَلَّا تَسْجُد } : أَنْ تَدَع السُّجُود لِآدَم , { إِذْ أَمَرْتُك } أَنْ تَسْجُد. فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَخْبِرْنَا عَنْ إِبْلِيس , أَلَحِقَتْهُ الْمَلَامَة عَلَى السُّجُود أَمْ عَلَى تَرْك السُّجُود ؟ فَإِنْ تَكُنْ لَحِقَتْهُ الْمَلَامَة عَلَى تَرْك السُّجُود , فَكَيْفَ قِيلَ لَهُ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك } ؟ وَإِنْ كَانَ النَّكِير عَلَى السُّجُود , فَذَلِكَ خِلَاف مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل فِي سَائِر الْقُرْآن , وَخِلَاف مَا يَعْرِفهُ الْمُسْلِمُونَ. قِيلَ : إِنَّ الْمَلَامَة لَمْ تَلْحَق إِبْلِيس إِلَّا عَلَى مَعْصِيَته رَبّه بِتَرْكِهِ السُّجُود لِآدَم إِذْ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ , غَيْر أَنَّ فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك } بَيْن أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب اِخْتِلَافٌ أَبْدَأ بِذِكْرِ مَا قَالُوا , ثُمَّ أَذْكُر الَّذِي هُوَ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ; فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد , و " لَا " هَهُنَا زَائِدَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَبَى جُودُه لَا الْبُخْل وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَع الْجُود قَاتِله وَقَالَ : فَسَّرَتْهُ الْعَرَب : أَبَى جُوده الْبُخْل , وَحَمَلُوا " لَا " زَائِدَة حَشْوًا هَهُنَا وَصَلُوا بِهَا الْكَلَام. قَالَ : وَزَعَمَ يُونُس أَنَّ أَبَا عَمْرو كَانَ يَجُرّ " الْبُخْل " , وَيَجْعَل " لَا " مُضَافَة إِلَيْهِ , أَرَادَ : أَبَى جُوده " لَا " الَّتِي هِيَ لِلْبُخْلِ , وَيَجْعَل " لَا " مُضَافَة , لِأَنَّ " لَا " قَدْ تَكُون لِلْجُودِ وَالْبُخْل , لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ : اِمْنَعْ الْحَقّ وَلَا تُعْطِ الْمِسْكِين , فَقَالَ " لَا " كَانَ هَذَا جُودًا مِنْهُ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة نَحْو الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ فِي مَعْنَاهُ وَتَأْوِيله , غَيْر أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّة فِي دُخُول " لَا " فِي قَوْله : { أَنْ لَا تَسْجُد } أَنَّ فِي أَوَّل الْكَلَام جَحْدًا , يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْله : { لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } فَإِنَّ الْعَرَب رُبَّمَا أَعَادُوا فِي الْكَلَام الَّذِي فِيهِ جَحْد الْجَحْد , كَالِاسْتِيثَاقِ وَالتَّوْكِيد لَهُ ; قَالَ : وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : مَا إِنْ رَأَيْنَا مِثْلهنَّ لِمَعْشَرٍ سُود الرُّءُوس فَوَالِج وَفُيُول فَأَعَادَ عَلَى الْجَحْد الَّذِي هُوَ " مَا " جَحْدًا , وَهُوَ قَوْله " إِنْ " فَجَمَعَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : لَيْسَتْ " لَا " بِحَشْوٍ فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَلَا صِلَة , وَلَكِنَّ الْمَنْع هَهُنَا بِمَعْنَى الْقَوْل. إِنَّمَا تَأْوِيل الْكَلَام : مَنْ قَالَ لَك لَا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك بِالسُّجُودِ ؟ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الْكَلَام " أَنْ " إِذْ كَانَ الْمَنْع بِمَعْنَى الْقَوْل لَا فِي لَفْظه , كَمَا يُفْعَل ذَلِكَ فِي سَائِر الْكَلَام الَّذِي يُضَارِع الْقَوْل , وَهُوَ لَهُ فِي اللَّفْظ مُخَالِف كَقَوْلِهِمْ : نَادَيْت أَنْ لَا تَقُمْ , وَحَلَفْت أَنْ لَا تَجْلِس , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام . وَقَالَ بَعْض مَنْ رَوَى : " أَبَى جُوده لَا الْبُخْل " بِمَعْنَى : كَلِمَة الْبُخْل , لِأَنَّ لَا " هِيَ كَلِمَة الْبُخْل , فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَلِمَة الْبُخْل . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى الْمَنْع : الْحَوْل بَيْن الْمَرْء وَمَا يُرِيدهُ , قَالَ : وَالْمَمْنُوع مُضْمَر بِهِ إِلَى خِلَاف مَا مُنِعَ مِنْهُ , كَالْمَمْنُوعِ مِنْ الْقِيَام وَهُوَ يُرِيدهُ , فَهُوَ مُضْطَرّ مِنْ الْفِعْل إِلَى مَا كَانَ خِلَافًا لِلْقِيَامِ , إِذْ كَانَ الْمُخْتَار لِلْفِعْلِ هُوَ الَّذِي لَهُ السَّبِيل إِلَيْهِ وَإِلَى خِلَافه , فَيُؤْثِر أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر فَيَفْعَلهُ ; قَالَ : فَلَمَّا كَانَتْ صِفَة الْمَنْع ذَلِكَ , فَخُوطِبَ إِبْلِيس بِالْمَنْعِ , فَقِيلَ لَهُ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد } كَانَ مَعْنَاهُ : كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَيّ شَيْء اِضْطَرَّك إِلَى أَنْ لَا تَسْجُد . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب عِنْدِي مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ فِي الْكَلَام مَحْذُوفًا قَدْ كَفَى دَلِيل الظَّاهِر مِنْهُ , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : مَا مَنَعَك مِنْ السُّجُود فَأَحْوَجَكَ أَنْ لَا تَسْجُد ؟ فَتَرَكَ ذِكْر أَحْوَجَك اِسْتِغْنَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ . قَوْله : { إِلَّا إِبْلِيس لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَام مِنْ ذِكْره , ثُمَّ عَمِلَ قَوْله ; { مَا مَنَعَك } فِي أَنَّ مَا كَانَ عَامِلًا فِيهِ قَبْل أَحْوَجك لَوْ ظَهَرَ إِذْ كَانَ قَدْ نَابَ عَنْهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا قَدْ مَضَى مِنْ دَلَالَتنَا قَبْل عَلَى أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي كِتَاب اللَّه شَيْء لَا مَعْنَى لَهُ , وَأَنَّ لِكُلِّ كَلِمَة مَعْنًى صَحِيحًا , فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ " لَا " فِي الْكَلَام حَشْو لَا مَعْنَى لَهَا. وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْمَنْع هَهُنَا : الْقَوْل , فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ " لَا " مَعَ " أَنْ " , فَإِنَّ الْمَنْع وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُون قَوْلًا وَفِعْلًا , فَلَيْسَ الْمَعْرُوف فِي النَّاس اِسْتِعْمَال الْمَنْع فِي الْأَمْر بِتَرْكِ الشَّيْء , لِأَنَّ الْمَأْمُور بِتَرْكِ الْفِعْل إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى فِعْله وَتَرْكه فَفَعَلَهُ لَا يُقَال فَعَلَهُ وَهُوَ مَمْنُوع مِنْ فِعْله إِلَّا عَلَى اِسْتِكْرَاه لِلْكَلَامِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمَنْع مِنْ الْفِعْل حَوْل بَيْنه وَبَيْنه , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون وَهُوَ مَحُول بَيْنه وَبَيْنه فَاعِلًا لَهُ , لِأَنَّهُ إِنْ جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُون مَحُولًا بَيْنه وَبَيْنه لَا مَحُولًا وَمَمْنُوعًا لَا مَمْنُوعًا وَبَعْد , فَإِنَّ إِبْلِيس لَمْ يَأْتَمِر لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى بِالسُّجُودِ لِآدَم كِبْرًا , فَكَيْفَ كَانَ يَأْتَمِر لِغَيْرِهِ فِي تَرْك أَمْر اللَّه وَطَاعَته بِتَرْكِ السُّجُود لِآدَم , فَيَجُوز أَنْ يُقَال لَهُ : أَيّ شَيْء قَالَ لَك لَا تَسْجُد لِآدَم إِذْ أَمَرْتُك بِالسُّجُودِ لَهُ ؟ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّه مَا قُلْت : مَا مَنَعَك مِنْ السُّجُود لَهُ , فَأَحْوَجَك , أَوْ فَأَخْرَجَك , أَوْ فَاضْطَرَّك إِلَى أَنْ لَا تَسْجُد لَهُ عَلَى مَا بَيَّنْت . { قَالَ أَنَا خَيْر مِنْهُ } يَقُول : قَالَ إِبْلِيس : أَنَا خَيْر مِنْ آدَم , { خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين } وَأَمَّا قَوْله : { أَنَا خَيْر مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ جَوَاب إِبْلِيس إِيَّاهُ إِذْ سَأَلَهُ : مَا الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ السُّجُود لِآدَم , فَأَحْوَجَهُ إِلَى أَنْ لَا يَسْجُد لَهُ , وَاضْطَرَّهُ إِلَى خِلَافه أَمْره بِهِ وَتَرْكه طَاعَته ; أَنَّ الْمَانِع كَانَ لَهُ مِنْ السُّجُود وَالدَّاعِي لَهُ إِلَى خِلَافه أَمْر رَبّه فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَدّ مِنْهُ أَيْدًا وَأَقْوَى مِنْهُ قُوَّة وَأَفْضَل مِنْهُ فَضْلًا , لِفَضْلِ الْجِنْس الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ وَهُوَ النَّار , مِنْ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَم وَهُوَ الطِّين ; فَجَهِلَ عَدُوّ اللَّه وَجْه الْحَقّ , وَأَخْطَأَ سَبِيل الصَّوَاب , إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْ جَوْهَر النَّار : الْخِفَّة وَالطَّيْش وَالِاضْطِرَاب وَالِارْتِفَاع عُلُوًّا , وَاَلَّذِي فِي جَوْهَرهَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْخَبِيث بَعْد الشَّقَاء الَّذِي سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه فِي الْكِتَاب السَّابِق عَلَى الِاسْتِكْبَار عَنْ السُّجُود لِآدَم وَالِاسْتِخْفَاف بِأَمْرِ رَبّه , فَأَوْرَثَهُ الْعَطَب وَالْهَلَاك , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْ جَوْهَر الطِّين : الرَّزَانَة وَالْأَنَاة وَالْحِلْم وَالْحَيَاء وَالتَّثَبُّت , وَذَلِكَ الَّذِي فِي جَوْهَره مِنْ ذَلِكَ كَانَ الدَّاعِي لِآدَم بَعْد السَّعَادَة الَّتِي كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ رَبّه فِي الْكِتَاب السَّابِق إِلَى التَّوْبَة مِنْ خَطِيئَته , وَمَسْأَلَته رَبّه الْعَفْو عَنْهُ وَالْمَغْفِرَة ; وَلِذَلِكَ كَانَ الْحَسَن وَابْن سِيرِين يَقُولَانِ : " أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس " , يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ : الْقِيَاس الْخَطَأ , وَهُوَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ خَطَأ قَوْله وَبُعْده مِنْ إِصَابَة الْحَقّ فِي الْفَضْل الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ آدَم عَلَى سَائِر خَلْقه مِنْ خَلْقه إِيَّاهُ بِيَدِهِ , وَنَفْخه فِيهِ مِنْ رُوحه , وَإسْجَاده لَهُ الْمَلَائِكَة , وَتَعْلِيمه أَسْمَاء كُلّ شَيْء مَعَ سَائِر مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَته ; فَضَرَبَ عَنْ ذَلِكَ كُلّه الْجَاهِل صَفْحًا , وَقَصَدَ إِلَى الِاحْتِجَاج بِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَار وَخَلَقَ آدَم مِنْ طِين , وَهُوَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لَهُ غَيْر كُفْء , لَوْ لَمْ يَكُنْ لِآدَم مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره تَكْرِمَة شَيْء غَيْره , فَكَيْفَ وَاَلَّذِي خُصَّ بِهِ مِنْ كَرَامَته يَكْثُر تَعْدَاده وَيُمَلّ إِحْصَاؤُهُ ؟ . 11161 - حَدَّثَنِي عَمْرو بْن مَالِك , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سُلَيْم الطَّائِفِيّ , عَنْ هِشَام , عَنْ اِبْن سِيرِين , قَالَ : أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس , وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ . 11162 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثِير , عَنْ اِبْن شَوْذَب , عَنْ مَطَر الْوَرَّاق , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين } قَالَ : قَاسَ إِبْلِيس وَهُوَ أَوَّل مَنْ قَاسَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11163 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّه آدَم قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيس خَاصَّة دُون الْمَلَائِكَة الَّذِينَ فِي السَّمَوَات : اُسْجُدُوا لِآدَم ! فَسَجَدُوا كُلّهمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس اِسْتَكْبَرَ , لِمَا كَانَ حَدَّثَ نَفْسه مِنْ كِبْره وَاغْتِرَاره , فَقَالَ : لَا أَسْجُد لَهُ , وَأَنَا خَيْر مِنْهُ , وَأَكْبَر سِنًّا , وَأَقْوَى خَلْقًا , خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين . يَقُول : إِنَّ النَّار أَقْوَى مِنْ الطِّين . 11164 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { خَلَقْتنِي مِنْ نَار } قَالَ : ثُمَّ جَعَلَ ذُرِّيَّته مِنْ مَاء. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَدُوّ اللَّه لَيْسَ لِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ بِجَوَابٍ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ لَهُ : مَا مَنَعَك مِنْ السُّجُود ؟ فَلَمْ يُجِبْ بِأَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ السُّجُود : أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَار , وَخَلَقَ آدَم مِنْ طِين , وَلَكِنَّهُ اِبْتَدَأَ خَبَرًا عَنْ نَفْسه , فِيهِ دَلِيل عَلَى مَوْضِع الْجَوَاب , فَقَالَ : { أَنَا خَيْر مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين }

تفسير القرطبي

" مَا " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; أَيْ أَيُّ شَيْء مَنَعَك . وَهَذَا سُؤَال تَوْبِيخ . فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِنْ أَنْ تَسْجُد . وَ " لَا " زَائِدَة . وَفِي ص " مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد " [ ص : 75 ] وَقَالَ الشَّاعِر : أَبَى جُوده لَا الْبُخْل فَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَع الْجُود نَائِله أَرَادَ أَبَى جُوده الْبُخْل , فَزَادَ " لَا " . وَقِيلَ : لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ; فَإِنَّ الْمَنْع فِيهِ طَرَف مِنْ الْقَوْل وَالدُّعَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَالَ لَك أَلَّا تَسْجُد ؟ أَوْ مَنْ دَعَاك إِلَى أَلَّا تَسْجُد ؟ كَمَا تَقُول : قَدْ قُلْت لَك أَلَّا تَفْعَل كَذَا . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف , وَالتَّقْدِير : مَا مَنَعَك مِنْ الطَّاعَة وَأَحْوَجَك إِلَى أَلَّا تَسْجُد . قَالَ الْعُلَمَاء : الَّذِي أَحْوَجَهُ إِلَى تَرْك السُّجُود هُوَ الْكِبْر وَالْحَسَد ; وَكَانَ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسه إِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ . وَكَانَ أَمْره مِنْ قَبْل خَلْق آدَم ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : " إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين . فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " [ ص : 71 - 72 ] . فَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ أَمْر عَظِيم مِنْ قَوْله " فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " . فَإِنَّ فِي الْوُقُوع تَوْضِيع الْوَاقِع وَتَشْرِيفًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ; فَأَضْمَرَ فِي نَفْسه أَلَّا يَسْجُد إِذَا أَمَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . فَلَمَّا نُفِخَ فِيهِ الرُّوح وَقَعَتْ الْمَلَائِكَة سُجَّدًا , وَبَقِيَ هُوَ قَائِمًا بَيْن أَظْهُرِهِمْ ; فَأَظْهَرَ بِقِيَامِهِ وَتَرَكَ السُّجُود مَا فِي ضَمِيره . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد " أَيْ مَا مَنَعَك مِنْ الِانْقِيَاد لِأَمْرِي ; فَأَخْرَجَ سِرَّ ضَمِيره فَقَالَ : " أَنَا خَيْر مِنْهُ " . يَدُلّ عَلَى مَا يَقُولهُ الْفُقَهَاء مِنْ أَنَّ الْأَمْر يَقْتَضِي الْوُجُوب بِمُطْلَقِهِ مِنْ غَيْر قَرِينَة ; لِأَنَّ الذَّمّ عُلِّقَ عَلَى تَرْك الْأَمْر الْمُطْلَق الَّذِي هُوَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ : " اُسْجُدُوا لِآدَم " وَهَذَا بَيِّن . أَيْ مَنَعَنِي مِنْ السُّجُود فَضْلِي عَلَيْهِ ; فَهَذَا مِنْ إِبْلِيس جَوَاب عَلَى الْمَعْنَى . كَمَا تَقُول : لِمَنْ هَذِهِ الدَّار ؟ فَيَقُول الْمُخَاطَب : مَالِكهَا زَيْد . فَلَيْسَ هَذَا عَيْن الْجَوَاب , بَلْ هُوَ كَلَام يَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْجَوَاب . فَرَأَى أَنَّ النَّار أَشْرَف مِنْ الطِّين ; لِعُلُوِّهَا وَصُعُودهَا وَخِفَّتِهَا , وَلِأَنَّهَا جَوْهَر مُضِيء . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ : أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس فَأَخْطَأَ الْقِيَاس . فَمَنْ قَاسَ الدِّين بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ مَعَ إِبْلِيس . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ . وَقَالَتْ الْحُكَمَاء : أَخْطَأَ عَدُوّ اللَّه مِنْ حَيْثُ فَضَّلَ النَّار عَلَى الطِّين , وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَة وَاحِدَة مِنْ حَيْثُ هِيَ جَمَاد مَخْلُوق . فَإِنَّ الطِّين أَفْضَل مِنْ النَّار مِنْ وُجُوه أَرْبَعَة : أَحَدهَا : أَنَّ مِنْ جَوْهَر الطِّين الرَّزَانَة وَالسُّكُون , وَالْوَقَار وَالْأَنَاة , وَالْحِلْم , وَالْحَيَاء , وَالصَّبْر . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد السَّعَادَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى التَّوْبَة وَالتَّوَاضُع وَالتَّضَرُّع , فَأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَة وَالِاجْتِبَاء وَالْهِدَايَة . وَمِنْ جَوْهَر النَّار الْخِفَّة , وَالطَّيْش , وَالْحِدَّة , وَالِارْتِفَاع , وَالِاضْطِرَاب . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيس بَعْد الشَّقَاوَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَار وَالْإِصْرَار ; فَأَوْرَثَهُ الْهَلَاك وَالْعَذَاب وَاللَّعْنَة وَالشَّقَاء ; قَالَهُ الْقَفَّال . الثَّانِي : أَنَّ الْخَبَر نَاطِق بِأَنَّ تُرَاب الْجَنَّة مِسْك أَذْفَر , وَلَمْ يَنْطِق الْخَبَر بِأَنَّ فِي الْجَنَّة نَارًا وَأَنَّ فِي النَّار تُرَابًا . الثَّالِث : أَنَّ النَّار سَبَب الْعَذَاب , وَهِيَ عَذَاب اللَّه لِأَعْدَائِهِ ; وَلَيْسَ التُّرَاب سَبَبًا لِلْعَذَابِ . الرَّابِع : أَنَّ الطِّين مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّار , وَالنَّار مُحْتَاجَة إِلَى الْمَكَان وَمَكَانهَا التُّرَاب . قُلْت : وَيَحْتَمِل قَوْلًا خَامِسًا , وَهُوَ أَنَّ التُّرَاب مَسْجِد وَطَهُور ; كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح الْحَدِيث . وَالنَّار تَخْوِيف وَعَذَاب ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " ذَلِكَ يُخَوِّف اللَّه بِهِ عِبَاده " [ الزُّمَر : 16 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ الطَّاعَة أَوْلَى بِإِبْلِيسَ مِنْ الْقِيَاس فَعَصَى رَبّه , وَهُوَ أَوَّل مَنْ قَاسَ بِرَأْيِهِ . وَالْقِيَاس فِي مُخَالَفَة النَّصّ مَرْدُود . الرَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْقِيَاس إِلَى قَائِلٍ بِهِ , وَرَادٍّ لَهُ ; فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهِ فَهُمْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ , وَجُمْهُور مَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَنَّ التَّعَبُّد بِهِ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ شَرْعًا , وَهُوَ الصَّحِيح . وَذَهَبَ الْقَفَّال مِنْ الشَّافِعِيَّة وَأَبُو الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوب التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا . وَذَهَبَ النَّظَّام إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيل التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا ; وَرَدَّهُ بَعْض أَهْل الظَّاهِر . وَالْأَوَّل الصَّحِيح . قَالَ الْبُخَارِيّ فِي ( كِتَاب الِاعْتِصَام بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة ) : الْمَعْنَى لَا عِصْمَة لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّة نَبِيّه أَوْ فِي إِجْمَاع الْعُلَمَاء إِذَا وُجِدَ فِيهَا الْحُكْم فَإِنْ لَمْ يُوجَد فَالْقِيَاس . وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى هَذَا ( بَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ ) . وَتَرْجَمَ بَعْد هَذَا ( بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تُعْرَف بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدَّلَالَة وَتَفْسِيرهَا ) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِنْبَاط مِنْ كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاع الْأُمَّة هُوَ الْحَقّ الْوَاجِب , وَالْفَرْض اللَّازِم لِأَهْلِ الْعِلْم . وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ جَمَاعَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَقَالَ أَبُو تَمَّام الْمَالِكِيّ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى الْقِيَاس ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قِيَاس الذَّهَب وَالْوَرِق فِي الزَّكَاة . وَقَالَ أَبُو بَكْر : أَقِيلُونِي بَيْعَتِي . فَقَالَ عَلِيّ : وَاَللَّه لَا نُقِيلُك وَلَا نَسْتَقِيلُك , رَضِيَك رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا ؟ فَقَاسَ الْإِمَامَة عَلَى الصَّلَاة . وَقَاسَ الصِّدِّيق الزَّكَاة عَلَى الصَّلَاة وَقَالَ : وَاَللَّه لَا أُفَرِّق بَيْن مَا جَمَعَ اللَّه . وَصَرَّحَ عَلِيّ بِالْقِيَاسِ فِي شَارِب الْخَمْر بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَقَالَ : إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى , وَإِذَا هَذَى اِفْتَرَى ; فَحَدُّهُ حَدُّ الْقَاذِف . وَكَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كِتَابًا فِيهِ : الْفَهْم الْفَهْم فِيمَا يَخْتَلِج فِي صَدْرك مِمَّا لَمْ يَبْلُغْك فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , اعْرِف الْأَمْثَال وَالْأَشْبَاه , ثُمَّ قِسْ الْأُمُور عِنْد ذَلِكَ , فَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى . الْحَدِيث بِطُولِهِ ذَكَرَهُ الدَّار قُطْنِيّ . وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي حَدِيث الْوَبَاء , حِين رَجَعَ عُمَر مِنْ سَرْغ : نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر : نَعَمْ ! نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه . ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَر : أَرَأَيْت . . . فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشْبِه مِنْ مَسْأَلَته بِمَحْضَرٍ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَحَسْبُك . وَأَمَّا الْآثَار وَآي الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَعْنَى فَكَثِير . وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاس أَصْل مِنْ أُصُول الدِّين , وَعِصْمَة مِنْ عِصَم الْمُسْلِمِينَ , يَرْجِع إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ , وَيَفْزَع إِلَيْهِ الْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ , فَيَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْأَحْكَام . وَهَذَا قَوْل الْجَمَاعَة الَّذِينَ هُمْ الْحُجَّة , وَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا . وَأَمَّا الرَّأْي الْمَذْمُوم وَالْقِيَاس الْمُتَكَلَّف الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُول الْمَذْكُورَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ وَنَزْغٌ مِنْ الشَّيْطَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم " [ الْإِسْرَاء : 36 ] . وَكُلّ مَا يُورِدهُ الْمُخَالِف مِنْ الْأَحَادِيث الضَّعِيفَة وَالْأَخْبَار الْوَاهِيَة فِي ذَمّ الْقِيَاس فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى هَذَا النَّوْع مِنْ الْقِيَاس الْمَذْمُوم , الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْع أَصْل مَعْلُوم . وَتَتْمِيم هَذَا الْبَاب فِي كُتُب الْأُصُول .

غريب الآية
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارࣲ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینࣲ ﴿١٢﴾
مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَما مَنَعَكَ من السجودِ فأَحْوَجَك ألَّا تسجدَ.
الإعراب
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مَا)
اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مَنَعَكَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(أَلَّا)
(أَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَسْجُدَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(إِذْ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(أَمَرْتُكَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(أَنَا)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(خَيْرٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(خَلَقْتَنِي)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَارٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(وَخَلَقْتَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(خَلَقْتَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(طِينٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.