سورة الدخان تفسير الطبري
حمۤ ﴿١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { حم } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة مِنْ اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَهُوَ الْحَاء وَالْمِيم مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23327 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبُّويَة الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : الر , وحم , ون , حُرُوف الرَّحْمَن مُقَطَّعَة. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23328 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { حم } : قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه. 23329 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَوْله { حم } : مِنْ حُرُوف أَسْمَاء اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ : يَلِ هُوَ اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23330 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حم } قَالَ : اسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوف هِجَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اسْم , وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ شُرَيْح بْن أَوْفَى الْعَبْسِيّ : يُذَكِّرنِي حَامِيم وَالرُّمْح شَاجِر فَهَلَّا تَلَا حم قَبْل التَّقَدُّم وَبِقَوْلِ الْكُمَيْت : وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آل حَامِيم آيَة تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ 23331 -وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ يُونُس , يَعْنِي الْجَرْمِيّ : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل فَهُوَ مُنْكَر عَلَيْهِ ; لِأَنَّ السُّورَة { حم } سَاكِنَة الْحُرُوف , فَخَرَجَتْ مَخْرَج التَّهَجِّي , وَهَذِهِ أَسْمَاء سُوَر خَرَجَتْ مُتَحَرِّكَات , وَإِذَا سُمِّيَتْ سُورَة بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُف الْمَجْزُومَة دَخَلَهُ الْإِعْرَاب . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظِير الْقَوْل فِي أَخَوَاتهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ , فِي قَوْله : { الم } فَفِي ذَلِكَ كِفَايَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِذْ كَانَ الْقَوْل فِي حم , وَجَمِيع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن عَلَى هَذَا الْوَجْه , أَعْنِي حُرُوف التَّهَجِّي قَوْلًا وَاحِدًا .
وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ ﴿٢﴾
وَقَوْله : { وَالْكِتَاب الْمُبِين } قَسَم مِنْ اللَّه تَعَالَى أَقْسَمَ بِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { وَالْكِتَاب الْمُبِين } لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَفَكَّرَ فِي عِبَره , وَعِظَاته , هُدَاهُ , وَرُشْده , وَأَدِلَّته عَلَى حَقِيقَته , وَأَنَّهُ تَنْزِيل مِنْ حَكِيم حَمِيد , لَا اخْتِلَاق مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا افْتِرَاء مِنْ أَحَد وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { حم وَالْكِتَاب الْمُبِين } هُوَ هَذَا الْكِتَاب الْمُبِين. 23772 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حم وَالْكِتَاب الْمُبِين } مُبِين وَاللَّه بَرَكَته , وَهُدَاهُ وَرُشْده .
إِنَّاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَـٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِینَ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } أَقْسَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذَا الْكِتَاب , أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تِلْكَ اللَّيْلَة , أَيّ لَيْلَة مِنْ لَيَالِي السَّنَة هِيَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ لَيْلَة الْقَدْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23998 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } : لَيْلَة الْقَدْر , وَنَزَلَتْ صُحُف إِبْرَاهِيم فِي أَوَّل لَيْلَة مِنْ رَمَضَان , وَنَزَلَتْ التَّوْرَاة لِسِتِّ لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ رَمَضَان , وَنَزَلَ الزَّبُور لِسِتّ عَشْرَة مَضَتْ مِنْ رَمَضَان , وَنَزَلَ الْإِنْجِيل لِثَمَان عَشْرَة مَضَتْ مِنْ رَمَضَان , وَنَزَلَ الْفُرْقَان لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَان . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } قَالَ : هِيَ لَيْلَة الْقَدْر . 23999 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } قَالَ : تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة الْقَدْر , أَنْزَلَ اللَّه هَذَا الْقُرْآن مِنْ أُمّ الْكِتَاب فِي لَيْلَة الْقَدْر , ثُمَّ أَنْزَلَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاء فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّام , وَفِي غَيْر لَيْلَة الْقَدْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا لَيْلَة الْقَدْر , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } خَلَقْنَا بِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ فِي اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة عُقُوبَتنَا أَنْ تَحِلّ بِمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ , فَلَمْ يَنُبْ إِلَى تَوْحِيدنَا , وَإِفْرَاد الْأُلُوهَة لَنَا .
فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ ﴿٤﴾
وَقَوْله : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذِهِ اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم , نَحْو اخْتِلَافهمْ فِي اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { فِيهَا } عَائِدَة عَلَى اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ لَيْلَة الْقَدْر , يَمْضِي فِيهَا أَمْر السَّنَة كُلّهَا مَنْ يَمُوت , وَمَنْ يُولَد , وَمَنْ يُعَزّ , وَمَنْ يُذَلّ , وَسَائِر أُمُور السَّنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24000 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا رَبِيعَة بْن كُلْثُوم , قَالَ : كُنْت عِنْد الْحَسَن , فَقَالَ لَهُ رَجُل : يَا أَبَا سَعِيد , لَيْلَة الْقَدْر فِي كُلّ رَمَضَان ؟ قَالَ : إِي وَاللَّه , إِنَّهَا لَفِي كُلّ رَمَضَان , وَإِنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم , فِيهَا يَقْضِي اللَّه كُلّ أَجَل وَأَمَل وَرِزْق إِلَى مِثْلهَا. * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا رَبِيعَة بْن كُلْثُوم , قَالَ : قَالَ رَجُل لِلْحَسَنِ وَأَنَا أَسْمَع : أَرَأَيْت لَيْلَة الْقَدْر , أَفِي كُلّ رَمَضَان هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , إِنَّهَا لَفِي كُلّ رَمَضَان , وَإِنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم , يَقْضِي اللَّه كُلّ أَجَل وَخَلْق وَرِزْق إِلَى مِثْلهَا . 24001 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الْحَمِيد بْن سَالِم , عَنْ عُمَر مَوْلَى غَفْرَة , قَالَ : يُقَال : يُنْسَخ لِمَلَكِ الْمَوْت مَنْ يَمُوت لَيْلَة الْقَدْر إِلَى مِثْلهَا , وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } وَقَالَ { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : فَتَجِد الرَّجُل يَنْكِح النِّسَاء , وَيَغْرِس الْغَرْس وَاسْمه فِي الْأَمْوَات . 24002 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة , عَنْ أَبِي مَالِك , فِي قَوْله : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : أَمْر السَّنَة إِلَى السَّنَة مَا كَانَ مِنْ خَلْق أَوْ رِزْق أَوْ أَجَل أَوْ مُصِيبَة , أَوْ نَحْو هَذَا . 24003 - قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , قَالَ : كَانَ يُقَال : انْتَظِرُوا الْقَضَاء فِي شَهْر رَمَضَان . 24004 - حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن الصَّبَّاح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن عُبَيْدَة عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن فِي قَوْله : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : يُدَبِّر أَمْر السَّنَة فِي لَيْلَة الْقَدْر . 24005 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : فِي لَيْلَة الْقَدْر كُلّ أَمْر يَكُون فِي السَّنَة إِلَى السَّنَة : الْحَيَاة وَالْمَوْت , يُقَدَّر فِيهَا الْمَعَايِش وَالْمَصَائِب كُلّهَا . 24006 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } لَيْلَة الْقَدْر { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } كَمَا نُحَدِّث أَنَّهُ يُفْرَق فِيهَا أَمْر السَّنَة إِلَى السَّنَة . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : هِيَ لَيْلَة الْقَدْر فِيهَا يُقْضَى مَا يَكُون مِنَ السَّنَة إِلَى السَّنَة . 24007 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , قَالَ : سَأَلْت مُجَاهِدًا , فَقُلْت : أَرَأَيْت دُعَاء أَحَدنَا يَقُول : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ اسْمِي فِي السُّعَدَاء , فَأَثْبِتْهُ فِيهِمْ , وَإِنْ كَانَ فِي الْأَشْقِيَاء فَامْحُهُ مِنْهُمْ , وَاجْعَلْهُ بِالسُّعَدَاءِ , فَقَالَ : حَسَن , ثُمَّ لَقِيته بَعْد ذَلِكَ بِحَوْلٍ أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , فَسَأَلْته عَنْ هَذَا الدُّعَاء , قَالَ : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : يَقْضِي فِي لَيْلَة الْقَدْر مَا يَكُون فِي السَّنَة مِنْ رِزْق أَوْ مُصِيبَة , ثُمَّ يُقَدِّم مَا يَشَاء , وَيُؤَخِّر مَا يَشَاء فَأَمَّا كِتَاب السَّعَادَة وَالشَّقَاء فَهُوَ ثَابِت لَا يُغَيَّر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24008 - حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن الصَّبَّاح , وَالْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَا : ثنا الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل الْبَجَلِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : فِي لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان , يُبْرَم فِيهِ أَمْر السَّنَة , وَتُنْسَخ الْأَحْيَاء مِنَ الْأَمْوَات , وَيُكْتَب الْحَاجّ فَلَا يُزَاد فِيهِمْ أَحَد , وَلَا يُنْقَص مِنْهُمْ أَحَد . 24009 -حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن آدَم بْن أَبِي إِيَاس , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا اللَّيْث , عَنْ عَقِيل بْن خَالِد , عَنِ ابْن شِهَاب , عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن الْمُغِيرَة بْن الْأَخْنَس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تُقْطَع الْآجَال مِنْ شَعْبَان إِلَى شَعْبَان حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لَيَنْكِح وَيُولَد لَهُ وَقَدْ خَرَجَ اسْمه فِي الْمَوْتَى " . 24010 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : ثنا أَبُو هِشَام , قَالَ ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إِنَّ الرَّجُل لَيَمْشِي فِي النَّاس وَقَدْ رُفِعَ فِي الْأَمْوَات , قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } قَالَ : ثُمَّ قَالَ : يُفْرَق فِيهَا أَمْر الدُّنْيَا مِنَ السَّنَة إِلَى السَّنَة . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ لَيْلَة الْقَدْر لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَيَاننَا عَنْ أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } لَيْلَة الْقَدْر , وَالْهَاء فِي قَوْله : { فِيهَا } مِنْ ذِكْر اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة , وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } فِي هَذِهِ اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة يُقْضَى وَيُفْصَل كُلّ أَمْر أَحْكَمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَة إِلَى مِثْلهَا مِنْ السَّنَة الْأُخْرَى , وَوَضَعَ حَكِيم مَوْضِع مُحْكِم , كَمَا قَالَ : { الم تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْحَكِيم } 31 1 : 2 يَعْنِي الْمُحْكَم .
أَمۡرࣰا مِّنۡ عِندِنَاۤۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِینَ ﴿٥﴾
وَقَوْله : { أَمْرًا مِنْ عِنْدنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسَلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فِي هَذِهِ اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم , أَمْرًا مِنْ عِنْدنَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب قَوْله : { أَمْرًا } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نُصِبَ عَلَى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ أَمْرًا وَرَحْمَة عَلَى الْحَال , وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ عَلَى مَعْنَى يُفْرَق كُلّ أَمْر فَرْقًا وَأَمْرًا . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تُنْصَب الرَّحْمَة بِوُقُوعِ مُرْسَلِينَ عَلَيْهَا , فَجَعَلَ الرَّحْمَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَوْله : { إِنَّا كُنَّا مُرْسَلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا كُنَّا مُرْسَلِي رَسُولنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عِبَادنَا .
رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٦﴾
رَحْمَة مِنْ رَبّك يَا مُحَمَّد { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَقُول : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ السَّمِيع لِمَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا أَنْزَلْنَا مِنْ كِتَابنَا , وَأَرْسَلْنَا مِنْ رُسُلنَا إِلَيْهِمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَنْطِقهمْ وَمَنْطِق غَيْرهمْ , الْعَلِيم بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرهمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ وَأُمُور غَيْرهمْ .
رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِینَ ﴿٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا } اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة " رَبّ السَّمَوَات " بِالرَّفْعِ عَلَى إِتْبَاع إِعْرَاب الرَّبّ إِعْرَاب السَّمِيع الْعَلِيم , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ { رَبّ السَّمَوَات } خَفْضًا رَدًّا عَلَى الرَّبّ فِي قَوْله جَلَّ جَلَاله : { رَحْمَة مِنْ رَبّك } . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَاب يَا مُحَمَّد عَلَيْك , وَأَرْسَلَك إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ رَحْمَة مِنْ رَبّك , مَالِك السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا مِنَ الْأَشْيَاء كُلّهَا .
وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ تُوقِنُونَ بِحَقِيقَةِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ مِنْ أَنَّ رَبّكُمْ رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَإِنَّ الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي هَذِهِ الصِّفَات صِفَاته , وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآن تَنْزِيله , وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُوله حَقّ يَقِين , فَأَيْقِنُوا بِهِ كَمَا أَيْقَنْتُمْ بِمَا تُوقِنُونَ مِنْ حَقَائِق الْأَشْيَاء غَيْره .
وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ تُوقِنُونَ بِحَقِيقَةِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ مِنْ أَنَّ رَبّكُمْ رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَإِنَّ الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي هَذِهِ الصِّفَات صِفَاته , وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآن تَنْزِيله , وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُوله حَقّ يَقِين , فَأَيْقِنُوا بِهِ كَمَا أَيْقَنْتُمْ بِمَا تُوقِنُونَ مِنْ حَقَائِق الْأَشْيَاء غَيْره .
لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ یُحۡیِۦ وَیُمِیتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَاۤىِٕكُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿٨﴾
وَقَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُود لَكُمْ أَيّهَا النَّاس غَيْر رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا , فَلَا تَعْبُدُوا غَيْره , فَإِنَّهُ لَا تَصْلُح الْعِبَادَة لِغَيْرِهِ , وَلَا تَنْبَغِي لِشَيْءٍ سِوَاهُ , يُحْيِي وَيُمِيت , يَقُول : هُوَ الَّذِي يُحْيِي مَا يَشَاء , وَيُمِيت مَا يَشَاء مِمَّا كَانَ حَيًّا .
وَقَوْله : { رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ } يَقُول : هُوَ مَالِككُمْ وَمَالك مَنْ مَضَى قَبْلكُمْ مِنْ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ , يَقُول : فَهَذَا الَّذِي هَذِهِ صِفَته , هُوَ الرَّبّ فَاعْبُدُوهُ دُون آلِهَتكُمْ الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع .
وَقَوْله : { رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ } يَقُول : هُوَ مَالِككُمْ وَمَالك مَنْ مَضَى قَبْلكُمْ مِنْ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ , يَقُول : فَهَذَا الَّذِي هَذِهِ صِفَته , هُوَ الرَّبّ فَاعْبُدُوهُ دُون آلِهَتكُمْ الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع .
بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ یَلۡعَبُونَ ﴿٩﴾
وَقَوْله : { بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مَا هُمْ بِمُوقِنِينَ بِحَقِيقَةِ مَا يُقَال لَهُمْ وَيُخْبِرُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَار , يَعْنِي بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْش , وَلَكِنَّهُمْ فِي شَكّ مِنْهُ , فَهُمْ يَلْهُونَ بِشَكِّهِمْ فِي الَّذِي يُخْبَرُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ .
فَٱرۡتَقِبۡ یَوۡمَ تَأۡتِی ٱلسَّمَاۤءُ بِدُخَانࣲ مُّبِینࣲ ﴿١٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَارْتَقِبْ } فَانْتَظِرْ يَا مُحَمَّد بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك الَّذِينَ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ , وَإِنَّمَا هُوَ افْتَعَلَ , مِنْ رَقَبْته : إِذَا انْتَظَرْته وَحَرَسْته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24011 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَارْتَقِبْ } : أَيْ فَانْتَظِرْ . وَقَوْله : { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذَا الَّذِي أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْتَقِبهُ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّ السَّمَاء تَأْتِي فِيهِ بِدُخَانٍ مُبِين : أَيّ يَوْم هُوَ , وَمَتَى هُوَ ؟ وَفِي مَعْنَى الدُّخَان الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ حِين دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْش رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَأْخُذهُمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُف , فَأُخِذُوا بِالْمَجَاعَةِ , قَالُوا : وَعُنِيَ بِالدُّخَانِ مَا كَانَ يُصِيبهُمْ حِينَئِذٍ فِي أَبْصَارهمْ مِنْ شِدَّة الْجُوع مِنْ الظُّلْمَة كَهَيْئَةِ الدُّخَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24012 - حَدَّثَنِي عِيسَى بْن عُثْمَان بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : دَخَلْنَا الْمَسْجِد , فَإِذَا رَجُل يَقُصّ عَلَى أَصْحَابه , وَيَقُول : { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } تَدْرُونَ مَا ذَلِكَ الدُّخَان ؟ ذَلِكَ دُخَان يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة , فَيَأْخُذ أَسْمَاع الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارهمْ , وَيَأْخُذ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ شِبْه الزُّكَام ؟ قَالَ : فَأَتَيْنَا ابْن مَسْعُود , فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ مُضْطَجِعًا , فَفَزِعَ , فَقَعَدَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُلْ مَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } 38 86 إِنَّ مِنَ الْعِلْم أَنْ يَقُول الرَّجُل لِمَا لَا يَعْلَم : اللَّه أَعْلَم , سَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ , إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَأَتْ عَنِ الْإِسْلَام , وَاسْتَعْصَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُف , فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْد وَالْجُوع حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام وَالْمَيْتَة , وَجَعَلُوا يَرْفَعُونَ أَبْصَارهمْ إِلَى السَّمَاء فَلَا يَرَوْنَ إِلَّا الدُّخَان , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم } فَقَالُوا : { رَبّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤْمِنُونَ } قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } 44 15 : 16 قَالَ : فَعَادُوا يَوْم بَدْر فَانْتَقَمَ اللَّه مِنْهُمْ. * - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا مَالِك بْن سُعَيْر , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق قَالَ : كَانَ فِي الْمَسْجِد رَجُل يَذْكُر النَّاس , فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عِيسَى , عَنْ يَحْيَى بْن عِيسَى , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَانْتَقَمَ يَوْم بَدْر , فَهِيَ الْبَطْشَة الْكُبْرَى . 24013 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , وَعَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِم بْن صُبَيْح , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود جُلُوسًا وَهُوَ مُضْطَجِع بَيْننَا , فَأَتَاهُ رَجُل فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن : إِنَّ قَاصًّا عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة يَقُصّ وَيَزْعُم أَنَّ آيَة الدُّخَان تَجِيء فَتَأْخُذ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّار , وَيَأْخُذ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَام , فَقَامَ عَبْد اللَّه وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَان , فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس اتَّقُوا اللَّه , فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَم , وَمَنْ لَا يَعْلَم فَلْيَقُلْ : اللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عَمْرو : فَإِنَّهُ أَعْلَم لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُول لِمَا لَا يَعْلَم اللَّه أَعْلَم , وَمَا عَلَى أَحَدكُمْ أَنْ يَقُول لِمَا لَا يَعْلَم : لَا أَعْلَم , فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ مَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } 38 86 إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاس إِدْبَارًا , قَالَ : " اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُف " , فَأَخَذَتْهُمْ سَنَة حَصَتْ كُلّ شَيْء , حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُود وَالْمَيْتَة وَالْجِيَف , يَنْظُر أَحَدهمْ إِلَى السَّمَاء فَيَرَى دُخَانًا مِنَ الْجُوع , فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّك جِئْت تَأْمُر بِالطَّاعَةِ وَبِصِلَةِ الرَّحِم , وَإِنَّ قَوْمك قَدْ هَلَكُوا , فَادْعُ اللَّه لَهُمْ , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } . .. إِلَى قَوْله : { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } قَالَ : فَكَشَفَ عَنْهُمْ { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } فَالْبَطْشَة يَوْم بَدْر , وَقَدْ مَضَتْ آيَة الرُّوم وَآيَة الدُّخَان , وَالْبَطْشَة وَاللِّزَام . 24014 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه : خَمْس قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَان , وَاللِّزَام , وَالْبَطْشَة , وَالْقَمَر , وَالرُّوم. 24015 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَاصِم , قَالَ : شَهِدْت جِنَازَة فِيهَا زَيْد بْن عَلِيّ فَأَنْشَأَ يُحَدِّث يَوْمئِذٍ , فَقَالَ : إِنَّ الدُّخَان يَجِيء قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَيَأْخُذ بِأَنْفِ الْمُؤْمِن الزُّكَام , وَيَأْخُذ بِمَسَامِع الْكَافِر , قَالَ : قُلْت رَحِمَك اللَّه , إِنَّ صَاحِبنَا عَبْد اللَّه قَدْ قَالَ غَيْر هَذَا , قَالَ : إِنَّ الدُّخَان قَدْ مَضَى وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم } قَالَ : أَصَابَ النَّاس جَهْد حَتَّى جَعَلَ الرَّجُل يَرَى مَا بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء دُخَانًا , فَذَلِكَ قَوْله : { فَارْتَقِبْ } وَكَذَا قَرَأَ عَبْد اللَّه إِلَى قَوْله : { مُؤْمِنُونَ } قَالَ : { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا } 44 1 قُلْت لِزَيْدٍ فَعَادُوا , فَأَعَادَ اللَّه عَلَيْهِمْ بَدْرًا , فَذَلِكَ قَوْله : { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } 17 8 فَذَلِكَ يَوْم بَدْر , قَالَ : فَقَبِلَ وَاللَّه , قَالَ عَاصِم : فَقَالَ رَجُل يَرُدّ عَلَيْهِ , فَقَالَ زَيْد رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ : أَمَا إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ : " إِنَّكُمْ سَيَجِيئُكُمْ رُوَاة , فَمَا وَافَقَ الْقُرْآن فَخُذُوا لَهُ , وَمَا كَانَ غَيْر ذَلِكَ فَدَعُوهُ " . 24016 -حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , عَنِ ابْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : الْبَطْشَة الْكُبْرَى يَوْم بَدْر , وَقَدْ مَضَى الدُّخَان . 24017 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول : إِنَّ الدُّخَان قَدْ مَضَى . 24018 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : مَضَى الدُّخَان لِسِنِينَ أَصَابَتْهُمْ . 24019 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : نُبِّئْت أَنَّ ابْن مَسْعُود كَانَ يَقُول : قَدْ مَضَى الدُّخَان , كَانَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف . 24020 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } قَالَ : الْجَدْب وَإِمْسَاك الْمَطَر عَنْ كُفَّار قُرَيْش , إِلَى قَوْله : { إِنَّا مُؤْمِنُونَ } . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } قَالَ : كَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول : قَدْ مَضَى الدُّخَان , وَكَانَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف { يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم } . 24021 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } : قَدْ مَضَى شَأْن الدُّخَان . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَبْد اللَّه { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ : يَوْم بَدْر . وَقَالَ آخَرُونَ : الدُّخَان آيَة مِنْ آيَات اللَّه , مُرْسَلَة عَلَى عِبَاده قَبْل مَجِيء السَّاعَة , فَيَدْخُل فِي أَسْمَاع أَهْل الْكُفْر بِهِ , وَيَعْتَرِي أَهْل الْإِيمَان بِهِ كَهَيْئَةِ الزُّكَام , قَالُوا : وَلَمْ يَأْتِ بَعْد , وَهُوَ آتٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24022 - حَدَّثَنِي وَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنِ الْوَلِيد بْن جُمَيْع , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِ , عَنْ ابْن عُمَر , قَالَ : يَخْرُج الدُّخَان , فَيَأْخُذ الْمُؤْمِن كَهَيْئَةِ الزُّكْمَة , وَيَدْخُل فِي مَسَامِع الْكَافِر وَالْمُنَافِق , حَتَّى يَكُون كَالرَّأْسِ الْحَنِيذ . 24023 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , قَالَ : غَدَوْت عَلَى ابْن عَبَّاس ذَات يَوْم , فَقَالَ : مَا نِمْت اللَّيْلَة حَتَّى أَصْبَحْت , قُلْت : لِمَ ؟ قَالَ : قَالُوا : طَلَعَ الْكَوْكَب ذُو الذَّنَب , فَخَشِيت أَنْ يَكُون الدُّخَان قَدْ طَرَقَ , فَمَا نِمْت حَتَّى أَصْبَحْت . 24024 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ عَوْف , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : إِنَّ الدُّخَان قَدْ بَقِيَ مِنَ الْآيَات , فَإِذَا جَاءَ الدُّخَان نَفَخَ الْكَافِر حَتَّى يَخْرُج مِنْ كُلّ سَمْع مِنْ مَسَامِعه , وَيَأْخُذ الْمُؤْمِن كَزُكْمَةٍ. * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عُثْمَان , يَعْنِي ابْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن بِنَحْوِهِ. 24025 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنِ الْحَسَن , عَنْ أَبِي سَعِيد , قَالَ : يَهِيج الدُّخَان بِالنَّاسِ , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيَأْخُذهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكْمَة , وَأَمَّا الْكَافِر فَيُهَيِّجهُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ كُلّ مَسْمَع مِنْهُ قَالَ : وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول : فَمَا مَثَل الْأَرْض يَوْمئِذٍ إِلَّا كَمَثَلِ بَيْت أُوقِدَ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ خَصَاصَة. 24026 - حَدَّثَنِي عِصَام بْن رَوَّاد بْن الْجَرَّاح , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن سَعِيد الثَّوْرِيّ , قَالَ : ثنا مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ رِبْعِيّ بْن حِرَاش , قَالَ : سَمِعْت حُذَيْفَة بْن الْيَمَان يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوَّل الْآيَات الدَّجَّال , وَنُزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم , وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن أَبْيَن تَسُوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر تَقِيل مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا , وَالدُّخَان " , قَالَ حُذَيْفَة : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الدُّخَان ؟ فَتَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين يَغْشَى النَّاس هَذَا عَذَاب أَلِيم } " يَمْلَأ مَا بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب يَمْكُث أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة أَمَّا الْمُؤْمِن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَام , وَأَمَّا الْكَافِر فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَان يَخْرُج مِنْ مَنْخِرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُره " . 24027 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني ضَمْضَم بْن زُرْعَة , عَنْ شُرَيْح بْن عُبَيْد , عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ رَبّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلَاثًا : الدُّخَان يَأْخُذ الْمُؤْمِن كَالزُّكْمَةِ , وَيَأْخُذ الْكَافِر فَيَنْتَفِخ حَتَّى يَخْرُج مِنْ كُلّ مَسْمَع مِنْهُ , وَالثَّانِيَة الدَّابَّة , وَالثَّالِثَة الدَّجَّال " . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْن مَسْعُود مِنْ أَنَّ الدُّخَان الَّذِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْتَقِبهُ , هُوَ مَا أَصَابَ قَوْمه مِنَ الْجَهْد بِدُعَائِهِ عَلَيْهِمْ , عَلَى مَا وَصَفَهُ ابْن مَسْعُود مِنْ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَبَر حُذَيْفَة الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحًا , وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا , فَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْله الَّذِي يَصِحّ عَنْهُ قَوْل , وَإِنَّمَا لَمْ أَشْهَد لَهُ بِالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ رَوَّادًا عَنْ هَذَا الْحَدِيث , هَلْ سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَان ؟ فَقَالَ لَهُ : لَا , فَقُلْت لَهُ : فَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِ , فَقَالَ : لَا , فَقُلْت لَهُ : فَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنْتَ حَاضِر فَأَقَرَّ بِهِ , فَقَالَ : لَا , فَقُلْت : فَمِنْ أَيْنَ جِئْت بِهِ ؟ قَالَ : جَاءَنِي بِهِ قَوْم فَعَرَضُوهُ عَلَيَّ وَقَالُوا لِي : اسْمَعْهُ مِنَّا فَقَرَءُوهُ عَلَيَّ , ثُمَّ ذَهَبُوا , فَحَدَّثُوا بِهِ عَنِّي , أَوْ كَمَا قَالَ ; فَلَمَّا ذَكَرْت مِنْ ذَلِكَ لَمْ أَشْهَد لَهُ بِالصِّحَّةِ , وَإِنَّمَا قُلْت : الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَوَعَّدَ بِالدُّخَانِ مُشْرِكِي قُرَيْش وَأَنَّ قَوْله لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } فِي سِيَاق خِطَاب اللَّه كُفَّار قُرَيْش وَتَقْرِيعه إِيَّاهُمْ بِشِرْكِهِمْ بِقَوْلِهِ : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت رَبّكُمْ وَرَبّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ , بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ } 44 8 : 9 ثُمَّ أَتْبَع ذَلِكَ قَوْله لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } أَمْرًا مِنْهُ لَهُ بِالصَّبْرِ إِلَى أَنْ يَأْتِيهِمْ بَأْسه وَتَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِأَنْ يَكُون إِذْ كَانَ وَعِيدًا لَهُمْ قَدْ أَحَلَّهُ بِهِمْ أَشْبَه مِنْ أَنْ يَكُون آخِره عَنْهُمْ لِغَيْرِهِمْ , وَبَعْد , فَإِنَّهُ غَيْر مُنْكَر أَنْ يَكُون أُحِلَّ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ تَوَعَّدَهُمْ بِهَذَا الْوَعِيد مَا تَوَعَّدَهُمْ , وَيَكُون مُحَلًّا فِيمَا يُسْتَأْنَف بَعْد بِآخَرِينَ دُخَانًا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدنَا كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَظَاهَرَتْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِن , فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا رَوَى عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , فَكِلَا الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِيَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيح . وَإِنْ كَانَ تَأْوِيل الْآيَة فِي هَذَا الْمَوْضِع مَا قُلْنَا , فَإِذْ كَانَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ , فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَانْتَظِرْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قَوْمك يَوْم تَأْتِيهِمْ السَّمَاء مِنَ الْبَلَاء الَّذِي يَحِلّ بِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِمِثْلِ الدُّخَان الْمُبِين لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَنَّهُ دُخَان .
یَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿١١﴾
{ يَغْشَى النَّاس } : يَقُول : يَغْشَى أَبْصَارهمْ مِنَ الْجَهْد الَّذِي يُصِيبهُمْ . { هَذَا عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مِمَّا نَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَرْب وَالْجَهْد : هَذَا عَذَاب أَلِيم , وَهُوَ الْمُوجِع , وَتُرِكَ مِنَ الْكَلَام " يَقُولُونَ " اسْتِغْنَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرهَا .
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ﴿١٢﴾
وَقَوْله : { رَبّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَاب } يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يُصِيبهُمْ ذَلِكَ الْجَهْد يَضْرَعُونَ إِلَى رَبّهمْ بِمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ كَشْف ذَلِكَ الْجَهْد عَنْهُمْ , وَيَقُولُونَ : إِنَّك إِنْ كَشَفْته آمَنَّا بِك وَعَبَدْنَاك مِنْ دُون كُلّ مَعْبُود سِوَاك , كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { رَبّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَاب إِنَّا مُؤْمِنُونَ } .
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مُّبِینࣱ ﴿١٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُول مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مِنْ أَيّ وَجْه لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ التَّذَكُّر مِنْ بَعْد نُزُول الْبَلَاء بِهِمْ , وَقَدْ تَوَلَّوْا عَنْ رَسُولنَا حِين جَاءَهُمْ مُدْبِرِينَ عَنْهُ , لَا يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابنَا , وَلَا يَتَّعِظُونَ بِمَا يَعِظهُمْ بِهِ مِنْ حُجَجنَا , وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا هُوَ مَجْنُون عُلِّمَ هَذَا الْكَلَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24028 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } يَقُول : كَيْفَ لَهُمْ . 24029 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } بَعْد وُقُوع هَذَا الْبَلَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْله : { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24030 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون } قَالَ : تَوَلَّوْا عَنْ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَقَالُوا : مُعَلَّم مَجْنُون .
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمࣱ مَّجۡنُونٌ ﴿١٤﴾
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مِنْ أَيّ وَجْه لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ التَّذَكُّر مِنْ بَعْد نُزُول الْبَلَاء بِهِمْ , وَقَدْ تَوَلَّوْا عَنْ رَسُولنَا حِين جَاءَهُمْ مُدْبِرِينَ عَنْهُ , لَا يَتَذَكَّرُونَ بِمَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابنَا , وَلَا يَتَّعِظُونَ بِمَا يَعِظهُمْ بِهِ مِنْ حُجَجنَا , وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا هُوَ مَجْنُون عُلِّمَ هَذَا الْكَلَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24028 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } يَقُول : كَيْفَ لَهُمْ . 24029 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } بَعْد وُقُوع هَذَا الْبَلَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْله : { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24030 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّم مَجْنُون } قَالَ : تَوَلَّوْا عَنْ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَقَالُوا : مُعَلَّم مَجْنُون .
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِیلًاۚ إِنَّكُمۡ عَاۤىِٕدُونَ ﴿١٥﴾
وَقَوْله : { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ مِنْ الدُّخَان النَّازِل وَالْعَذَاب الْحَالّ بِهِمْ مِنَ الْجَهْد , وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاهِدُونَهُ أَنَّهُ إِنْ كَشَفَ الْعَذَاب عَنْهُمْ آمَنُوا { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب } : يَعْنِي الضُّرّ النَّازِل بِهِمْ بِالْخِصْبِ الَّذِي نُحْدِثهُ لَهُمْ { قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } يَقُول : إِنَّكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ إِذَا كَشَفْت عَنْكُمْ مَا بِكُمْ مِنْ ضُرّ لَمْ تَفُوا بِمَا تَعِدُونَ وَتُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ رَبّكُمْ مِنْ الْإِيمَان , وَلَكِنَّكُمْ تَعُودُونَ فِي ضَلَالَتكُمْ وَغَيّكُمْ , وَمَا كُنْتُمْ قَبْل أَنْ يَكْشِف عَنْكُمْ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول : مَعْنَاهُ : إِنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي عَذَاب اللَّه . 24031 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر عَنْهُ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : عَنَى بِقَوْلِهِ : { يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } الدُّخَان نَفْسه , فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذَا الْمَوْضِع : عَنَى بِالْعَذَابِ الَّذِي قَالَ { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب } : الدُّخَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24032 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا } يَعْنِي الدُّخَان . 24033 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا } قَالَ : قَدْ فَعَلَ , كَشَفَ الدُّخَان حِين كَانَ .
قَوْله : { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } قَالَ : كَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا . 24034 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إِلَى عَذَاب اللَّه .
قَوْله : { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } قَالَ : كَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا . 24034 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إِلَى عَذَاب اللَّه .
یَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰۤ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴿١٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ إِنْ كَشَفْت عَنْكُمُ الْعَذَاب النَّازِل بِكُمْ , وَالضُّرّ الْحَالّ بِكُمْ , ثُمَّ عُدْتُمْ فِي كُفْركُمْ , وَنَقَضْتُمْ عَهْدكُمْ الَّذِي عَاهَدْتُمْ رَبّكُمْ , انْتَقَمْت مِنْكُمْ يَوْم أَبْطِش بِكُمْ بَطْشَتِي الْكُبْرَى فِي عَاجِل الدُّنْيَا , فَأُهْلِككُمْ , وَكَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ , فَعَادُوا , فَبَطَشَ بِهِمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَطْشَته الْكُبْرَى فِي الدُّنْيَا , فَأَهْلَكَهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْبَطْشَة الْكُبْرَى , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ بَطْشَة اللَّه بِمُشْرِكِي قُرَيْش يَوْم بَدْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24035 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , عَنِ ابْن مَسْعُود , أَنَّهُ قَالَ : الْبَطْشَة الْكُبْرَى : يَوْم بَدْر . 34 24036 -حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا مَالِك بْن سُعَيْر , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق قَالَ : يَوْم بَدْر , الْبَطْشَة الْكُبْرَى . * -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : نُبِّئْت أَنَّ ابْن مَسْعُود كَانَ يَقُول : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } يَوْم بَدْر . 24037 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ : يَوْم بَدْر . * -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ : يَوْم بَدْر . 24038 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة فِي هَذِهِ الْآيَة { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ : يَوْم بَدْر . 24039 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } قَالَ : يَعْنِي يَوْم بَدْر . 24040 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : قُلْت : مَا الْبَطْشَة الْكُبْرَى فَقَالَ : يَوْم الْقِيَامَة , فَقُلْت : إِنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يَقُول : يَوْم بَدْر ; قَالَ , فَبَلَغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ : يَوْم بَدْر. * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب قَالَا : ثنا ابْن إِدْرِيس , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , بِنَحْوِهِ. 24041 - حَدَّثَنَا بِشْر , ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي الْخَلِيل , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : يَوْم بَدْر . 24042 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } : يَوْم بَدْر. 24043 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ : هَذَا يَوْم بَدْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ بَطْشَة اللَّه بِأَعْدَائِهِ يَوْم الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : قَالَ ابْن مَسْعُود : الْبَطْشَة الْكُبْرَى : يَوْم بَدْر , وَأَنَا أَقُول : هِيَ يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا ابْن دَرِيس , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : مَرَّ بِي عِكْرِمَة , فَسَأَلْته عَنْ الْبَطْشَة الْكُبْرَى فَقَالَ : يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَ : قُلْت : إِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ يَقُول : يَوْم بَدْر , وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَأَلَهُ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ : يَوْم بَدْر . 24044 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { يَوْم نَبْطِش الْبَطْشَة الْكُبْرَى } قَالَ قَتَادَة عَنِ الْحَسَن : إِنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَاب فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , وَالْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْل فِيهِ .
۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ كَرِیمٌ ﴿١٧﴾
وَقَوْله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلهمْ قَوْم فِرْعَوْن } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا يَا مُحَمَّد قَبْل مُشْرِكِي قَوْمك مِثَال هَؤُلَاءِ قَوْم فِرْعَوْن مِنَ الْقِبْط .
{ وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم } يَقُول : وَجَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْدنَا أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ , وَهُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ . كَمَا : 24045 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلهمْ قَوْم فِرْعَوْن وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم } يَعْنِي مُوسَى . * -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { رَسُول كَرِيم } قَالَ : مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَوَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْكَرَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا عَلَيْهِ , رَفِيعًا عِنْده مَكَانَة , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون وَصْفه بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمه شَرِيفًا وَسِيطًا .
{ وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم } يَقُول : وَجَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْدنَا أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ , وَهُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ . كَمَا : 24045 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلهمْ قَوْم فِرْعَوْن وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم } يَعْنِي مُوسَى . * -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { رَسُول كَرِيم } قَالَ : مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَوَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْكَرَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا عَلَيْهِ , رَفِيعًا عِنْده مَكَانَة , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون وَصْفه بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمه شَرِيفًا وَسِيطًا .
أَنۡ أَدُّوۤاْ إِلَیَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّی لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِینࣱ ﴿١٨﴾
وَقَوْله : { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ قَوْم فِرْعَوْن رَسُول مِنَ اللَّه كَرِيم عَلَيْهِ بِأَنِ ادْفَعُوا إِلَيَّ , وَمَعْنَى " أَدُّوا " : ادْفَعُوا إِلَيَّ فَأَرْسِلُوا مَعِي وَاتَّبِعُونِ , وَهُوَ نَحْو قَوْله : { أَنْ أَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيل } 26 17 فَإِنَّ فِي قَوْله : { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ } نَصْب , وَعِبَاد اللَّه نُصِبَ بِقَوْلِهِ : { أَدُّوا } وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَوْم : أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ يَا عِبَاد اللَّه , فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل عِبَاد اللَّه نُصِبَ عَلَى النِّدَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24046 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلهمْ قَوْم فِرْعَوْن وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه إِنِّي لَكُمْ رَسُول أَمِين } قَالَ : يَقُول : اتَّبِعُونِي إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْحَقّ . 24047 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } قَالَ : أَرْسِلُوا مَعِي بَنِي إِسْرَائِيل . 24048 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } قَالَ : بَنِي إِسْرَائِيل . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } يَعْنِي بِهِ بَنِي إِسْرَائِيل , قَالَ لِفِرْعَوْن : عَلَامَ تَحْبِس هَؤُلَاءِ الْقَوْم , قَوْمًا أَحْرَارًا اتَّخَذْتهمْ عَبِيدًا , خَلِّ سَبِيلهمْ. 24049 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } قَالَ : يَقُول : أَرْسِلْ عِبَاد اللَّه مَعِي , يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَرَأَ { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيل وَلَا تُعَذِّبهُمْ } 20 47 قَالَ : ذَلِكَ قَوْله : { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه } قَالَ : رُدَّهُمْ إِلَيْنَا .
وَقَوْله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُول أَمِين } يَقُول : إِنِّي لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم رَسُول مِنَ اللَّه أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لَا يُدْرِككُمْ بَأْسه عَلَى كُفْركُمْ بِهِ , { أَمِين } : يَقُول : أَمِين عَلَى وَحْيه وَرِسَالَته الَّتِي أَوَعَدَنِيهَا إِلَيْكُمْ .
وَقَوْله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُول أَمِين } يَقُول : إِنِّي لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم رَسُول مِنَ اللَّه أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لَا يُدْرِككُمْ بَأْسه عَلَى كُفْركُمْ بِهِ , { أَمِين } : يَقُول : أَمِين عَلَى وَحْيه وَرِسَالَته الَّتِي أَوَعَدَنِيهَا إِلَيْكُمْ .
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّیۤ ءَاتِیكُم بِسُلۡطَـٰنࣲ مُّبِینࣲ ﴿١٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم , أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه , وَبِأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه } أَنْ لَا تَطْغَوْا وَتَبْغُوا عَلَى رَبّكُمْ , فَتَكْفُرُوا بِهِ وَتَعْصُوهُ , فَتُخَالِفُوا أَمْره { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِين } يَقُول : إِنِّي آتِيكُمْ بِحُجَّةٍ عَلَى حَقِيقَة مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ , وَبُرْهَان عَلَى صِحَّته , مُبِين لِمَنْ تَأَمَّلَهَا وَتَدَبَّرَهَا أَنَّهَا حُجَّة لِي عَلَى صِحَّة مَا أَقُول لَكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24050 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه } : أَيْ لَا تَبْغُوا عَلَى اللَّه { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِين } : أَيْ بِعُذْرٍ مُبِين . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . 24051 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه } يَقُول : لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّه.
وَإِنِّی عُذۡتُ بِرَبِّی وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ﴿٢٠﴾
وَقَوْله : { وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } يَقُول : وَإِنِّي اعْتَصَمْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ , وَاسْتَجَرْت بِهِ مِنْكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الرَّجْم الَّذِي اسْتَعَاذَ مُوسَى نَبِيّ اللَّه عَلَيْهِ السَّلَام بِرَبِّهِ مِنْهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الشَّتْم بِاللِّسَانِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24052 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } قَالَ : يَعْنِي رَجْم الْقَوْل . 24053 - حَدَّثَنِي ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } قَالَ : الرَّجْم : بِالْقَوْلِ. 24054 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح { وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } قَالَ : أَنْ تَقُولُوا هُوَ سَاحِر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24055 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } : أَيْ أَنْ تَرْجُمُونِ بِالْحِجَارَةِ . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَنْ تَرْجُمُونِ } قَالَ : أَنْ تَرْجُمُونِ بِالْحِجَارَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ : { أَنْ تَرْجُمُونِ } : أَنْ تَقْتُلُونِي . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْكَلَام , وَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَرْجُمهُ فِرْعَوْن وَقَوْمه , وَالرَّجْم قَدْ يَكُون قَوْلًا بِاللِّسَانِ , وَفِعْلًا بِالْيَدِ , وَالصَّوَاب أَنْ يُقَال : اسْتَعَاذَ مُوسَى بِرَبِّهِ مِنْ كُلّ مَعَانِي رَجْمهمْ الَّذِي يَصِل مِنْهُ إِلَى الْمَرْجُوم أَذًى وَمَكْرُوه , شَتْمًا كَانَ ذَلِكَ بِاللِّسَانِ , أَوْ رَجْمًا بِالْحِجَارَةِ بِالْيَدِ .
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِی فَٱعۡتَزِلُونِ ﴿٢١﴾
وَقَوْله : { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل نَبِيّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِفِرْعَوْن وَقَوْمه : وَإِنْ أَنْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم لَمْ تُصَدِّقُونِي عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبِّي , فَاعْتَزِلُونِ : يَقُول : فَخَلُّوا سَبِيلِي غَيْر مَرْجُوم بِاللِّسَانِ وَلَا بِالْيَدِ . كَمَا : 24056 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } : أَيْ فَخَلُّوا سَبِيلِي .
فَدَعَا رَبَّهُۥۤ أَنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمࣱ مُّجۡرِمُونَ ﴿٢٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَدَعَا رَبّه أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم مُجْرِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَدَعَا مُوسَى رَبّه إِذْ كَذَّبُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ , وَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ عِبَاد اللَّه , وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ , يَعْنِي فِرْعَوْن وَقَوْمه { قَوْم مُجْرِمُونَ } يَعْنِي : أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ كَافِرُونَ .
فَأَسۡرِ بِعِبَادِی لَیۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴿٢٣﴾
وَقَوْله : { فَأَسْرِ بِعِبَادِي } وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ , وَهُوَ : فَأَجَابَهُ رَبّه بِأَنْ قَالَ لَهُ : فَأَسْرِ إِذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ بِعِبَادِي , وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيل , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : فَأَسْرِ بِعِبَادِي الَّذِينَ صَدَّقُوك وَآمَنُو بِك , وَاتَّبَعُوك دُون الَّذِينَ كَذَّبُوك مِنْهُمْ , وَأَبَوْا قَبُول مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ النَّصِيحَة مِنْك , وَكَانَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَة يَوْمئِذٍ بَنِي إِسْرَائِيل . وَقَالَ : { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا } لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : سِرْ بِهِمْ بِلَيْلٍ قَبْل الصَّبَاح .
وَقَوْله : { إِنَّكُمْ مُتَّبِعُونَ } يَقُول : إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه مِنَ الْقِبْط مُتَّبِعُوكُمْ إِذَا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدهمْ وَأَرْضهمْ فِي آثَاركُمْ .
وَقَوْله : { إِنَّكُمْ مُتَّبِعُونَ } يَقُول : إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه مِنَ الْقِبْط مُتَّبِعُوكُمْ إِذَا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدهمْ وَأَرْضهمْ فِي آثَاركُمْ .
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندࣱ مُّغۡرَقُونَ ﴿٢٤﴾
وَقَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } يَقُول : وَإِذَا قَطَعْت الْبَحْر أَنْتَ وَأَصْحَابك , فَاتْرُكْهُ سَاكِنًا عَلَى حَاله الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِين دَخَلْته . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ لِمُوسَى هَذَا الْقَوْل بَعْد مَا قَطَعَ الْبَحْر بِبَنِي إِسْرَائِيل فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَفِي الْكَلَام مَحْذُوف , وَهُوَ : فَسَرَى مُوسَى بِعِبَادِي لَيْلًا , وَقَطَعَ بِهِمْ الْبَحْر , فَقُلْنَا لَهُ بَعْد مَا قَطَعَهُ , وَأَرَادَ رَدَّ الْبَحْر إِلَى هَيْئَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْل انْفِلَاقه : اتْرُكْهُ رَهْوًا. ذِكْر مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْل بَعْد مَا قَطَعَ الْبَحْر بِقَوْمِهِ : 24057 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَدَعَا رَبّه أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم مُجْرِمُونَ } حَتَّى بَلَغَ { إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } قَالَ : لَمَّا خَرَجَ آخِر بَنِي إِسْرَائِيل أَرَادَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضْرِب الْبَحْر بِعَصَاهُ , حَتَّى يَعُود كَمَا كَانَ مَخَافَة آل فِرْعَوْن أَنْ يُدْرِكُوهُمْ , فَقِيلَ لَهُ : { اتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا قَطَعَ الْبَحْر , عَطَفَ لِيَضْرِب الْبَحْر بِعَصَاهُ لِيَلْتَئِم , وَخَافَ أَنْ يَتْبَعهُ فِرْعَوْن وَجُنُوده , فَقِيلَ لَهُ : { اتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } كَمَا هُوَ { إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الرَّهْو , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَته وَحَاله الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24058 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } يَقُول : سَمْتًا . 24059 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } قَالَ : الرَّهْو : أَنْ يُتْرَك كَمَا كَانَ , فَإِنَّهُمْ لَنْ يَخْلُصُوا مِنْ وَرَائِهِ. * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ ابْن عَبَّاس سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْل اللَّه : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : طَرِيقًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ سَهْلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24060 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : سَهْلًا . 24061 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : يُقَال : الرَّهْو : السَّهْل . 24062 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَرَمِيّ بْن عُمَارَة قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَة , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : دَمِثًا . * - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : سَهْلًا دَمِثًا . 24063 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : هُوَ السَّهْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَاتْرُكْهُ يَبْسًا جُدُدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24064 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : جُدُدًا. 24065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } قَالَ : يَابِسًا كَهَيْئَتِهِ بَعْد أَنْ ضَرَبَهُ , يَقُول : لَا تَأْمُرهُ يَرْجِع , اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُل آخِرهمْ . 24066 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { رَهْوًا } قَالَ : طَرِيقًا يَبْسًا . 24067 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَاتْرُكِ الْبَحْر رَهْوًا } كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَته كَمَا هُوَ عَلَى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِين سَلَكْته , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْو فِي كَلَام الْعَرَب : السُّكُون , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : كَأَنَّمَا أَهْل حَجَر يَنْظُرُونَ مَتَى يَرَوْنَنِي خَارِجًا طَيْر يَنَادِيد طَيْر رَأَتْ بَازِيًا نَضْح الدِّمَاء بِهِ وَأُمّه خَرَجَتْ رَهْوًا إِلَى عِيد يَعْنِي عَلَى سُكُون , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَتْرُوك سَهْلًا دَمِثًا , وَطَرِيقًا يَبِسًا لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَطَعُوهُ حِين قَطَعُوهُ , وَهُوَ كَذَلِكَ , فَإِذَا تَرَكَ الْبَحْر رَهْوًا كَمَا كَانَ حِين قَطَعَهُ مُوسَى سَاكِنًا لَمْ يَهِجْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْت .
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } يَقُول : إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه جُنْد اللَّه مُغْرِقهمْ فِي الْبَحْر .
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ جُنْد مُغْرَقُونَ } يَقُول : إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه جُنْد اللَّه مُغْرِقهمْ فِي الْبَحْر .
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونࣲ ﴿٢٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمْ تَرَكَ فِرْعَوْن وَقَوْمه مِنَ الْقِبْط بَعْد مَهْلَكهمْ وَتَغْرِيق اللَّه إِيَّاهُمْ مِنْ بَسَاتِين وَأَشْجَار , وَهِيَ الْجَنَّات , وَعُيُون , يَعْنِي : وَمَنَابِع مَا كَانَ يَنْفَجِر فِي جِنَانهمْ .
وَزُرُوعࣲ وَمَقَامࣲ كَرِیمࣲ ﴿٢٦﴾
وَزُرُوع قَائِمَة فِي مَزَارِعهمْ { وَمَقَام كَرِيم } يَقُول : وَمَوْضِع كَانُوا يَقُومُونَهُ شَرِيف كَرِيم . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه ذَلِكَ الْمَقَام بِالْكَرَمِ , فَقَالَ بَعْضهمْ . وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِشَرَفِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ مَقَام الْمُلُوك وَالْأُمَرَاء , قَالُوا : وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَنَابِر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24068 - حَدَّثَنِي جَعْفَر ابْن بِنْت إِسْحَاق الْأَزْرَق , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن مُحَمَّد الثَّقَفِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَمَقَام كَرِيم } قَالَ : الْمَنَابِر. 24069 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن دَاوُد الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَمَقَام كَرِيم } قَالَ : الْمَنَابِر . وَقَالَ آخَرُونَ : وَصَفَ ذَلِكَ الْمَقَام بِالْكَرَمِ لِحُسْنِهِ وَبَهْجَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَمَقَام كَرِيم } : أَيْ حَسَن .
وَنَعۡمَةࣲ كَانُواْ فِیهَا فَـٰكِهِینَ ﴿٢٧﴾
وَقَوْله : { وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأُخْرِجُوا مِنْ نَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ نَاعِمِينَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَاكِهِينَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار خَلَا أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ { فَاكِهِينَ } عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت , وَقَرَأَهُ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ وَالْحَسَن وَأَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ " فَاكِهِينَ " بِمَعْنَى : أَشِرِينَ بَطِرِينَ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة عِنْدِي فِي ذَلِكَ , الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار , وَهِيَ { فَاكِهِينَ } بِالْأَلِفِ بِمَعْنَى نَاعِمِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ } : نَاعِمِينَ , قَالَ : إِي وَاللَّه , أَخْرَجَهُ اللَّه مِنْ جَنَّاته وَعُيُونه وَزُرُوعه حَتَّى وَرَّطَهُ فِي الْبَحْر .
كَذَ ٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَـٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِینَ ﴿٢٨﴾
وَقَوْله : { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَكَذَا كَمَا وَصَفْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْت لَكُمْ أَمْرهمْ , الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولنَا مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله : { وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره وَأَوْرَثْنَا جَنَّاتهمْ وَعُيُونهمْ وَزُرُوعهمْ وَمَقَامَاتهمْ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ النِّعْمَة عَنْهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْد مَهْلَكهمْ , وَقِيلَ : عَنَى بِالْقَوْمِ الْآخَرِينَ بَنُو إِسْرَائِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24071 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل.
فَمَا بَكَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّمَاۤءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِینَ ﴿٢٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَا بَكَتْ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَرَّقَهُمْ اللَّه فِي الْبَحْر , وَهُمْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , السَّمَاء وَالْأَرْض , وَقِيلَ : إِنَّ بُكَاء السَّمَاء حُمْرَة أَطْرَافهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , عَنِ الْحَكَم بْن ظُهَيْر , عَنِ السُّدِّيّ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمَا بَكَتْ السَّمَاء عَلَيْهِ , وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتهَا . 24073 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } قَالَ : بُكَاؤُهَا حُمْرَة أَطْرَافهَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } لِأَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ , بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاء وَالْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا , وَلَمْ تَبْكِيَا عَلَى فِرْعَوْن وَقَوْمه , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَل يَصْعَد إِلَى اللَّه صَالِح , فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ السَّمَاء , وَلَا مَسْجِد فِي الْأَرْض , فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ الْأَرْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24074 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا طَلْق بْن غَنَّام , عَنْ زَائِدَة , عَنْ مَنْصُور , عَنِ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَتَى ابْن عَبَّاس رَجُل , فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاس أَرَأَيْت قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَى أَحَد ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنَ الْخَلَائِق إِلَّا لَهُ بَاب فِي السَّمَاء مِنْهُ يَنْزِل رِزْقه , وَفِيهِ يَصْعَد عَمَله , فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِن فَأُغْلِقَ بَابه مِنَ السَّمَاء الَّذِي كَانَ يَصْعَد فِيهِ عَمَله , وَيَنْزِل مِنْهُ رِزْقه , بَكَى عَلَيْهِ ; وَإِذَا فَقَدَهُ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْض الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا , وَيَذْكُر اللَّه فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ , وَإِنَّ قَوْم فِرْعَوْن لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْض آثَار صَالِحَة , وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَد إِلَى السَّمَاء مِنْهُمْ خَيْر , قَالَ : فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض . 24075 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن وَيَحْيَى قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ يُقَال : تَبْكِي الْأَرْض عَلَى الْمُؤْمِن أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . 24076 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ. * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ الْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . 24077 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : ثنا بُكَيْر بْن أَبِي السَّمِيط , قَالَ : ثنا قَتَادَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ بِقَاع الْأَرْض الَّتِي كَانَ يَصْعَد عَمَله مِنْهَا إِلَى السَّمَاء تَبْكِي عَلَيْهِ بَعْد مَوْته , يَعْنِي الْمُؤْمِن . * -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنِ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَحَد إِلَّا لَهُ بَاب فِي السَّمَاء يَنْزِل فِيهِ رِزْقه وَيَصْعَد فِيهِ عَمَله , فَإِذَا فُقِدَ بَكَتْ عَلَيْهِ مَوَاضِعه الَّتِي كَانَ يَسْجُد عَلَيْهَا , وَإِنَّ قَوْم فِرْعَوْن لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْض عَمَل صَالِح يُقْبَل مِنْهُمْ , فَيَصْعَد إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَقَالَ مُجَاهِد : تَبْكِي الْأَرْض عَلَى الْمُؤْمِن أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانَ يُقَال : إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ الْأَرْض أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . 24078 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن طَلْحَة , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ شُرَيْح بْن عُبَيْد الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا , أَلَا لَا غُرْبَة عَلَى الْمُؤْمِن , مَا مَاتَ مُؤْمِن فِي غُرْبَة غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بِوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاء وَالْأَرْض " , ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } , ثُمَّ قَالَ : " إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِر " . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } . .. الْآيَة , قَالَ : ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَرْض مُؤْمِن يَمُوت إِلَّا بَكَى عَلَيْهِ مَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ مِنَ الْمَسَاجِد حِين يَفْقِدهُ , وَإِلَّا بَكَى عَلَيْهِ مِنْ السَّمَاء الْمَوْضِع الَّذِي كَانَ يُرْفَع مِنْهُ كَلَامه , فَذَلِكَ قَوْله لِأَهْلِ مَعْصِيَته : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } لِأَنَّهُمَا يَبْكِيَانِ عَلَى أَوْلِيَاء اللَّه. 24079 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } . 24080 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } يَقُول : لَا تَبْكِي السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَى الْكَافِر , وَتَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِن الصَّالِح مَعَالِمه مِنَ الْأَرْض وَمَقَرّ عَمَله مِنَ السَّمَاء . 24081 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْض } قَالَ : بِقَاع الْمُؤْمِن الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا مِنْ الْأَرْض تَبْكِي عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ , وَبِقَاعه مِنَ السَّمَاء الَّتِي كَانَ يَرْفَع فِيهَا عَمَله . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنِ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ ابْن عَبَّاس : هَلْ تَبْكِي السَّمَاء وَالْأَرْض عَلَى أَحَد ؟ فَقَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنَ الْخَلْق إِلَّا لَهُ بَاب فِي السَّمَاء يَصْعَد فِيهِ عَمَله , وَيَنْزِل مِنْهُ رِزْقه , فَإِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مَكَانه مِنَ الْأَرْض الَّذِي كَانَ يَذْكُر اللَّه فِيهِ وَيُصَلِّي فِيهِ , وَبَكَى عَلَيْهِ بَابه الَّذِي كَانَ يَصْعَد فِيهِ عَمَله , وَيَنْزِل مِنْهُ رِزْقه , وَأَمَّا قَوْم فِرْعَوْن , فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آثَار صَالِحَة , وَلَمْ يَصْعَد إِلَى السَّمَاء مِنْهُمْ خَيْر , فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمْ السَّمَاء وَالْأَرْض .
وَقَوْله : { وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } يَقُول : وَمَا كَانُوا مُؤَخَّرِينَ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ عُوجِلُوا بِهَا إِذْ أَسْخَطُوا رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْله : { وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } يَقُول : وَمَا كَانُوا مُؤَخَّرِينَ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ عُوجِلُوا بِهَا إِذْ أَسْخَطُوا رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ.
وَلَقَدۡ نَجَّیۡنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِینِ ﴿٣٠﴾
{ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مِنَ الْعَذَاب الْمُهِين } : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مِنَ الْعَذَاب الَّذِي كَانَ فِرْعَوْن وَقَوْمه يُعَذِّبُونَهُمْ بِهِ , الْمُهِين يَعْنِي الْمُذِلّ لَهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24082 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مِنَ الْعَذَاب الْمُهِين } بِقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ , وَاسْتِحْيَاء نِسَائِهِمْ .
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِیࣰا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِینَ ﴿٣١﴾
وَقَوْله : { مِنْ فِرْعَوْن إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مِنَ الْعَذَاب مِنْ فِرْعَوْن , فَقَوْله : { مِنْ فِرْعَوْن } مُكَرَّرَة عَلَى قَوْله : { مِنَ الْعَذَاب الْمُهِين } مُبْدَلَة مِنَ الْأُولَى , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ } إِنَّهُ كَانَ جَبَّارًا مُسْتَعْلِيًا مُسْتَكْبِرًا عَلَى رَبّه , { مِنَ الْمُسْرِفِينَ } يَعْنِي : مِنْ الْمُتَجَاوِزِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ تَجَاوُزه . وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ كَانَ ذَا اعْتِدَاء فِي كُفْره , وَاسْتِكْبَار عَلَى رَبّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ .
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٣٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدِ اخْتَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى عِلْم مِنَّا بِهِمْ عَلَى عَالِمِي أَهْل زَمَانهمْ يَوْمئِذٍ , وَذَلِكَ زَمَان مُوسَى صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24083 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } : أَيْ اخْتِيرُوا عَلَى أَهْل زَمَانهمْ ذَلِكَ , وَلِكُلِّ زَمَان عَالَم. * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَالَم ذَلِكَ الزَّمَان . 24084 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ .
وَءَاتَیۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلۡـَٔایَـٰتِ مَا فِیهِ بَلَـٰۤؤࣱاْ مُّبِینٌ ﴿٣٣﴾
قَوْله : { وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَات مَا فِيهِ بَلَاء مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ الْعِبَر وَالْعِظَات مَا فِيهِ اخْتِبَار يُبَيِّن لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَنَّهُ اخْتِبَار اخْتَبَرَهُمْ اللَّه بِهِ , وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ الْبَلَاء , فَقَالَ بَعْضهمْ : ابْتَلَاهُمْ بِنِعَمِهِ عِنْدهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24085 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَات مَا فِيهِ بَلَاء مُبِين } أَنْجَاهُمْ اللَّه مِنْ عَدُوّهُمْ , ثُمَّ أَقْطَعهُمُ الْبَحْر , وَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَام , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنّ وَالسَّلْوَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ابْتَلَاهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24086 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَات مَا فِيهِ بَلَاء مُبِين } , وَقَرَأَ { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } 21 35 وَقَالَ : بَلَاء مُبِين لِمَنْ آمَنَ بِهَا وَكَفَرَ بِهَا , بَلْوَى نَبْتَلِيهِمْ بِهَا , نُمَحِّصهُمْ بَلْوَى اخْتِبَار , نَخْتَبِرهُمْ بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ , نَخْتَبِرهُمْ لِنَنْظُر فِيمَا أَتَاهُمْ مِنْ الْآيَات مَنْ يُؤْمِن بِهَا , وَيَنْتَفِع بِهَا وَيُضَيِّعهَا. وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ الْآيَات مَا فِيهِ ابْتِلَاؤُهُمْ وَاخْتِبَارهمْ , وَقَدْ يَكُون الِابْتِلَاء وَالِاخْتِبَار بِالرَّخَاءِ , وَيَكُون بِالشِّدَّةِ , وَلَمْ يَضَع لَنَا دَلِيلًا مِنْ خَبَر وَلَا عَقْل , أَنَّهُ عَنَى بَعْض ذَلِكَ دُون بَعْض , وَقَدْ كَانَ اللَّه اخْتَبَرَهُمْ بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا , وَجَائِز أَنْ يَكُون عَنَى اخْتِبَاره إِيَّاهُمْ بِهِمَا , فَإِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِيهِ أَنْ نَقُول كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ .
إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ لَیَقُولُونَ ﴿٣٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل مُشْرِكِي قُرَيْش لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد { لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى } الَّتِي نَمُوتهَا , وَهِيَ الْمَوْتَة الْأُولَى { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } بَعْد مَمَاتنَا , وَلَا بِمَبْعُوثِينَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24087 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } قَالَ : قَدْ قَالَ مُشْرِكُو الْعَرَب { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } أَيْ : بِمَبْعُوثِينَ.
إِنۡ هِیَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِینَ ﴿٣٥﴾
يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل مُشْرِكِي قُرَيْش لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد { لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى } الَّتِي نَمُوتهَا , وَهِيَ الْمَوْتَة الْأُولَى { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } بَعْد مَمَاتنَا , وَلَا بِمَبْعُوثِينَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24087 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } قَالَ : قَدْ قَالَ مُشْرِكُو الْعَرَب { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } أَيْ : بِمَبْعُوثِينَ.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَاۤىِٕنَاۤ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٣٦﴾
وَقَوْله : { فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأْتُوا بِآبَائِنَا الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , أَنَّ اللَّه بَاعِثنَا مِنْ بَعْد بِلَانَا فِي قُبُورنَا , وَمُحْيِينَا مِنْ بَعْد مَمَاتنَا , وَخُوطِبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحْده خِطَاب الْجَمِيع , كَمَا قِيلَ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء } 65 1 وَكَمَا قَالَ { رَبّ ارْجِعُونِ } 23 99 وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا .
أَهُمۡ خَیۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعࣲ وَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَـٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِینَ ﴿٣٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَهُمْ خَيْر أَمْ قَوْم تُبَّع } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّد مِنْ قَوْمك خَيْر , أَمْ قَوْم تُبَّع , يَعْنِي تُبَّعًا الْحِمْيَرِيّ . كَمَا : 24088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَهُمْ خَيْر أَمْ قَوْم تُبَّع } قَالَ : الْحِمْيَرِيّ . 24089 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَهُمْ خَيْر أَمْ قَوْم تُبَّع } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ تُبَّعًا كَانَ رَجُلًا مِنْ حِمْيَر , سَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى حَيَّرَ الْحِيرَة , ثُمَّ أَتَى سَمَرْقَنْد فَهَدَمَهَا , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ كَتَبَ بِاسْمِ الَّذِي تَسَمَّى وَمَلَكَ بَرًّا وَبَحْرًا وَصَحَّا وَرِيحًا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول : نُعِتَ نَعْت الرَّجُل الصَّالِح ذَمَّ اللَّه قَوْمه وَلَمْ يَذُمّهُ , وَكَانَتْ عَائِشَة تَقُول : لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا , فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : كَانَ تُبَّع رَجُلًا صَالِحًا , وَقَالَ كَعْب : ذَمَّ قَوْمه وَلَمْ يَذُمّهُ . 24090 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ تَمِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , أَنَّ تُبَّعًا كَسَا الْبَيْت , وَنَهَى سَعِيد عَنْ سَبّه .
وَقَوْله { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش خَيْر أَمْ قَوْم تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الْكَافِرَة بِرَبِّهَا , يَقُول : فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِخَيْرٍ مِنْ أُولَئِكَ , فَنَصْفَح عَنْهُمْ , وَلَا نُهْلِكهُمْ , وَهُمْ بِاللَّهِ كَافِرُونَ , كَمَا كَانَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ الْأُمَم مِنْ قَبْلهمْ كُفَّارًا .
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } يَقُول : إِنَّ قَوْم تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّمَا أَهْلَكْنَاهُمْ لِإِجْرَامِهِمْ , وَكُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , وَقِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ , فَكُسِرَتْ أَلِف " إِنَّ " عَلَى وَجْه الِابْتِدَاء , وَفِيهَا مَعْنَى الشَّرْط اسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهَا .
وَقَوْله { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش خَيْر أَمْ قَوْم تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الْكَافِرَة بِرَبِّهَا , يَقُول : فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِخَيْرٍ مِنْ أُولَئِكَ , فَنَصْفَح عَنْهُمْ , وَلَا نُهْلِكهُمْ , وَهُمْ بِاللَّهِ كَافِرُونَ , كَمَا كَانَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ الْأُمَم مِنْ قَبْلهمْ كُفَّارًا .
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } يَقُول : إِنَّ قَوْم تُبَّع وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّمَا أَهْلَكْنَاهُمْ لِإِجْرَامِهِمْ , وَكُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , وَقِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ , فَكُسِرَتْ أَلِف " إِنَّ " عَلَى وَجْه الِابْتِدَاء , وَفِيهَا مَعْنَى الشَّرْط اسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهَا .
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا لَـٰعِبِینَ ﴿٣٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات } السَّبْع وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنهمَا مِنْ الْخَلْق لَعِبًا .
مَا خَلَقۡنَـٰهُمَاۤ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٣٩﴾
وَقَوْله : { مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ } يَقُول : مَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يَصْلُح التَّدْبِير إِلَّا بِهِ , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره التَّنْبِيه عَلَى صِحَّة الْبَعْث وَالْمُجَازَاة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ نَخْلُق الْخَلْق عَبَثًا بِأَنْ نُحَدِّثهُمْ فَنُحْيِيهِمْ مَا أَرَدْنَا , ثُمَّ نُفْنِيهِمْ مِنْ غَيْر الِامْتِحَان بِالطَّاعَةِ وَالْأَمْر وَالنَّهْي , وَغَيْر مُجَازَاة الْمُطِيع عَلَى طَاعَته , وَالْعَاصِي عَلَى الْمَعْصِيَة , وَلَكِنْ خَلَقْنَا ذَلِكَ لِنَبْتَلِيَ مَنْ أَرَدْنَا امْتِحَانه مَنْ خَلَقْنَا بِمَا شِئْنَا مِنْ امْتِحَانه مِنْ الْأَمْر وَالنَّهْي { لِنَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَنَجْزِي الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } 53 31
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ , فَهُمْ لَا يَخَافُونَ عَلَى مَا يَأْتُونَ مِنْ سَخَط اللَّه عُقُوبَة , وَلَا يَرْجُونَ عَلَى خَيْر إِنْ فَعَلُوهُ ثَوَابًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِالْمُعَادِ.
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ , فَهُمْ لَا يَخَافُونَ عَلَى مَا يَأْتُونَ مِنْ سَخَط اللَّه عُقُوبَة , وَلَا يَرْجُونَ عَلَى خَيْر إِنْ فَعَلُوهُ ثَوَابًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِالْمُعَادِ.
إِنَّ یَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِیقَـٰتُهُمۡ أَجۡمَعِینَ ﴿٤٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ يَوْم الْفَصْل مِيقَاتهمْ أَجْمَعِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ يَوْم فَصْل اللَّه الْقَضَاء بَيْن خَلْقه بِمَا أَسْلَفُوا فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ يَجْزِي بِهِ الْمُحْسِن بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ { مِيقَاتهمْ أَجْمَعِينَ } : يَقُول : مِيقَات اجْتِمَاعهمْ أَجْمَعِينَ . كَمَا : 24091 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ يَوْم الْفَصْل مِيقَاتهمْ أَجْمَعِينَ } يَوْم يَفْصِل فِيهِ بَيْن النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ.
یَوۡمَ لَا یُغۡنِی مَوۡلًى عَن مَّوۡلࣰى شَیۡـࣰٔا وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ ﴿٤١﴾
وَقَوْله : { يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا } يَقُول : لَا يَدْفَع ابْن عَمّ عَنِ ابْن عَمّ , وَلَا صَاحِب عَنْ صَاحِبه شَيْئًا مِنْ عُقُوبَة اللَّه الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ مِنَ اللَّه { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } يَقُول : وَلَا يَنْصُر بَعْضهمْ بَعْضًا , فَيَسْتَعِيذُوا مِمَّنْ نَالَهُمْ بِعُقُوبَةٍ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا . كَمَا : 24092 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا } . .. الْآيَة , انْقَطَعَتِ الْأَسْبَاب يَوْمئِذٍ يَا ابْن آدَم , وَصَارَ النَّاس إِلَى أَعْمَالهمْ , فَمَنْ أَصَابَ يَوْمئِذٍ خَيْرًا سَعِدَ بِهِ آخِر مَا عَلَيْهِ , وَمَنْ أَصَابَ يَوْمئِذٍ شَرًّا شَقِيَ بِهِ آخِر مَا عَلَيْهِ .
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ ﴿٤٢﴾
وَقَوْله { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِع " مَنْ " فِي قَوْله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه , فَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنْ الِاسْم الْمُضْمَر فِي يُنْصَرُونَ , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته مُبْتَدَأ وَأَضْمَرْت خَبَره , يُرِيد بِهِ : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه فَيُغْنِي عَنْهُ. وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة قَوْله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَشْفَع بَعْضهمْ فِي بَعْض , فَإِنْ شِئْت فَاجْعَلْ " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , كَأَنَّك قُلْت : لَا يَقُوم أَحَد إِلَّا فُلَان , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاء وَالِانْقِطَاع عَنْ أَوَّل الْكَلَام , يُرِيد : اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : مَعْنَاهُ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا , إِلَّا مَنْ أَذِنَ اللَّه لَهُ أَنْ يَشْفَع ; مَال : لَا يَكُون بَدَلًا مِمَّا فِي يُنْصَرُونَ ; لِأَنَّ إِلَّا مُحَقِّق , وَالْأَوَّل مَنْفِيّ , وَالْبَدَل لَا يَكُون إِلَّا بِمَعْنَى الْأَوَّل. قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا ; لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْنَف بِالِاسْتِثْنَاءِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِمَعْنَى : يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه مِنْهُمْ , فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ بِأَنْ يَشْفَع لَهُ عِنْد رَبّه .
وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَاصِفًا نَفْسه : إِنَّ اللَّه هُوَ الْعَزِيز فِي انْتِقَامه مِنْ أَعْدَائِهِ , الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ , وَأَهْل طَاعَته .
وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَاصِفًا نَفْسه : إِنَّ اللَّه هُوَ الْعَزِيز فِي انْتِقَامه مِنْ أَعْدَائِهِ , الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ , وَأَهْل طَاعَته .
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم } الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا تَنْبُت فِي أَصْل الْجَحِيم , الَّتِي جَعَلَهَا طَعَامًا لِأَهْلِ الْجَحِيم , ثَمَرهَا فِي الْجَحِيم طَعَام الْآثِم فِي الدُّنْيَا بِرَبِّهِ , وَالْأَثِيم : ذُو الْإِثْم , وَالْإِثْم مِنْ أَثِمَ يَأْثَم فَهُوَ أَثِيم . وَعَنَى بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الَّذِي إِثْمه الْكُفْر بِرَبِّهِ دُون غَيْره مِنْ الْآثَام , وَقَدْ : 24093 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ هَمَّام بْن الْحَارِث , أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يُقْرِئ رَجُلًا { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } فَقَالَ : طَعَام الْيَتِيم , فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : قُلْ إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر . 24094 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : " لَوْ أَنَّ قَطْرَة مِنْ زَقُّوم جَهَنَّم أُنْزِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا , لَأَفْسَدَتْ عَلَى النَّاس مَعَايِشهمْ " . * - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ هَمَّام , قَالَ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يُقْرِئ رَجُلًا { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُل يَقُول : إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْيَتِيم ; قَالَ : فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ أَبُو الدَّرْدَاء , فَرَآهُ لَا يَفْهَم , قَالَ : إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر . 24095 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } قَالَ : أَبُو جَهْل .
طَعَامُ ٱلۡأَثِیمِ ﴿٤٤﴾
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم } الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهَا تَنْبُت فِي أَصْل الْجَحِيم , الَّتِي جَعَلَهَا طَعَامًا لِأَهْلِ الْجَحِيم , ثَمَرهَا فِي الْجَحِيم طَعَام الْآثِم فِي الدُّنْيَا بِرَبِّهِ , وَالْأَثِيم : ذُو الْإِثْم , وَالْإِثْم مِنْ أَثِمَ يَأْثَم فَهُوَ أَثِيم . وَعَنَى بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الَّذِي إِثْمه الْكُفْر بِرَبِّهِ دُون غَيْره مِنْ الْآثَام , وَقَدْ : 24093 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش . عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ هَمَّام بْن الْحَارِث , أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يُقْرِئ رَجُلًا { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } فَقَالَ : طَعَام الْيَتِيم , فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : قُلْ إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر . 24094 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : " لَوْ أَنَّ قَطْرَة مِنْ زَقُّوم جَهَنَّم أُنْزِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا , لَأَفْسَدَتْ عَلَى النَّاس مَعَايِشهمْ " . * - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ هَمَّام , قَالَ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يُقْرِئ رَجُلًا { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُل يَقُول : إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْيَتِيم ; قَالَ : فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ أَبُو الدَّرْدَاء , فَرَآهُ لَا يَفْهَم , قَالَ : إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْفَاجِر . 24095 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } قَالَ : أَبُو جَهْل .
كَٱلۡمُهۡلِ یَغۡلِی فِی ٱلۡبُطُونِ ﴿٤٥﴾
وَقَوْله : { كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم الَّتِي جَعَلَ ثَمَرَتهَا طَعَام الْكَافِر فِي جَهَنَّم , كَالرَّصَاصِ أَوْ الْفِضَّة , أَوْ مَا يُذَاب فِي النَّار إِذَا أُذِيبَ بِهَا , فَتَنَاهَتْ حَرَارَته , وَشُدَّتْ حَمِيَّته فِي شِدَّة السَّوَاد . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُهْل فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنَ الشَّوَاهِد , وَذِكْر اخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ , غَيْر أَنَّا نَذْكُر مِنْ أَقْوَال أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا الْمَوْضِع مَا لَمْ نَذْكُرهُ هُنَاكَ : 24096 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الصَّلْت , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سَأَلْت ابْن عَبَّاس , عَنْ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : كَدُرْدِيِّ الزَّيْت . * -حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُون } يَقُول : أَسْوَد كَمُهْلِ الزَّيْت . 3 * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالُوا : ثنا ابْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت مُطَرِّفًا , عَنْ عَطِيَّة بْن سَعْد , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { كَالْمُهْلِ } مَاء غَلِيظ كَدُرْدِيِّ الزَّيْت . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ رَجُل , عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : كَدُرْدِيِّ الزَّيْت . 24097 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : ثنا خُلَيْد , عَنِ الْحَسَن , عَنِ ابْن عَبَّاس , أَنَّهُ رَأَى فِضَّة قَدْ أُذِيبَتْ , فَقَالَ : هَذَا الْمُهْل. 24098 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه } 18 29 قَالَ : دَخَلَ عَبْد اللَّه بَيْت الْمَال , فَأَخْرَجَ بَقَايَا كَانَتْ فِيهِ , فَأَوْقَدَ عَلَيْهَا النَّار حَتَّى تَلَأْلَأَتْ , قَالَ : أَيْنَ السَّائِل عَنِ الْمُهْل , هَذَا الْمُهْل . 24099 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا خَالِد بْن الْحَارِث , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْن مَسْعُود سُئِلَ عَنْ الْمُهْل الَّذِي يَقُولُونَ يَوْم الْقِيَامَة شَرَاب أَهْل النَّار , وَهُوَ عَلَى بَيْت الْمَال , قَالَ : فَدَعَا بِذَهَبٍ وَفِضَّة فَأَذَابَهُمَا , فَقَالَ : هَذَا أَشْبَه شَيْء فِي الدُّنْيَا بِالْمُهْلِ الَّذِي هُوَ لَوْن السَّمَاء يَوْم الْقِيَامَة , وَشَرَاب أَهْل النَّار , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَشَدّ حَرًّا مِنْ هَذَا . لَفْظ الْحَدِيث لِابْنِ بَشَّار وَحَدِيث ابْن الْمُثَنَّى نَحْوه . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا ابْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْعَث , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ مِنْ كَلَامه أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَجُل أَكْرَمَهُ اللَّه بِصُحْبَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى بَيْت الْمَال , قَالَ : فَعَمَدَ إِلَى فِضَّة كَثِيرَة مُكَسَّرَة , فَخَدَّ لَهَا أُخْدُودًا , ثُمَّ أَمَرَ بِحَطَبٍ جَزْل فَأَوْقَدَ عَلَيْهَا , حَتَّى إِذَا أَمَاعَتْ وَتَزَبَّدَتْ وَعَادَتْ أَلْوَانًا , قَالَ : انْظُرُوا مَنْ بِالْبَابِ , فَأُدْخِلَ الْقَوْم فَقَالَ لَهُمْ : هَذَا أَشْبَه مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا بِالْمُهْلِ. 24100 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام الْأَثِيم } . .. الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْن مَسْعُود أُهْدِيَتْ لَهُ سِقَايَة مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّتْ فِي الْأَرْض , ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا مِنْ جَزْل الْحَطَب , ثُمَّ قُذِفَتْ فِيهَا تِلْكَ السِّقَايَة , حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : ادْعُ مَنْ بِحَضْرَتِنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَدَعَا رَهْطًا , فَلَمَّا دَخَلُوا قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا ؟ قَالُوا نَعَمْ , قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْل أَدْنَى مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة حِين أَزَبَد وَانْمَاعَ . 24101 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن سُفْيَان الْأَسَدِيّ , قَالَ : أَذَابَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِضَّة , ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُر إِلَى الْمُهْل فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { يَوْم تَكُون السَّمَاء كَالْمُهْلِ } 70 8 قَالَ : كَدُرْدِيِّ الزَّيْت. 24102 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : كَدُرْدِيِّ الزَّيْت . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمَر بْن بِشْر , قَالَ : ثنا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : ثنا أَبُو الصَّبَّاح , قَالَ : سَمِعْت يَزِيد بْن أَبِي سُمَيَّة يَقُول : سَمِعْت ابْن عُمَر يَقُول : هَلْ تَدْرُونَ مَا الْمُهْل ؟ الْمُهْل مُهْل الزَّيْت , يَعْنِي آخِره . * - قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم أَبُو إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ , قَالَ : ثنا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّبَّاح الْأَيْلِيّ , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي سُمَيَّة , عَنِ ابْن عُمَر بِمِثْلِهِ . 24103 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا رِشْدِينَ بْن سَعْد , عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } 18 29 " كَعَكِرِ الزَّيْت , فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى وَجْهه , سَقَطَتْ فَرْوَة وَجْهه فِيهِ " . * - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمَر بْن بِشْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِينَ بْن سَعْد , قَالَ : ثني عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . وَقَوْله : { فِي الْبُطُون } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة " تَغْلِي " بِالتَّاءِ , بِمَعْنَى أَنَّ شَجَرَة الزَّقُّوم تَغْلِي فِي بُطُونهمْ , فَأَنَّثُوا تَغْلِي لِتَأْنِيثِ الشَّجَرَة . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة { يَغْلِي } بِمَعْنَى : طَعَام الْأَثِيم يَغْلِي , أَوْ الْمَهْل يَغْلِي , فَذَكَرَهُ بَعْضهمْ لِتَذْكِيرِ الطَّعَام , وَوَجَّهَ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّ الطَّعَام هُوَ الَّذِي يَغْلِي فِي بُطُونهمْ وَبَعْضهمْ لِتَذْكِيرِ الْمَهْل , وَوَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صِفَة لِلْمُهْلِ الَّذِي يَغْلِي . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
كَغَلۡیِ ٱلۡحَمِیمِ ﴿٤٦﴾
{ كَغَلْيِ الْحَمِيم } يَقُول : يَغْلِي ذَلِكَ فِي بُطُون هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاء كَغَلْيِ الْمَاء الْمَحْمُوم , وَهُوَ الْمُسَخَّن الَّذِي قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى تَنَاهَتْ شِدَّة حَرّه , وَقِيلَ : حَمِيم وَهُوَ مَحْمُوم ; لِأَنَّهُ مَصْرُوف مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , كَمَا يُقَال : قَتِيل مِنْ مَقْتُول .
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاۤءِ ٱلۡجَحِیمِ ﴿٤٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { خُذُوهُ } يَعْنِي هَذَا الْأَثِيم بِرَبِّهِ , الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُ شَجَرَة الزَّقُّوم طَعَام { فَاعْتِلُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَادْفَعُوهُ وَسُوقُوهُ , يُقَال مِنْهُ : عَتَلَهُ يَعْتِلهُ عَتْلًا : إِذَا سَاقَهُ بِالدَّفْعِ وَالْجَذْب ; وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : لَيْسَ الْكِرَام بِنَاحِلَيْك أَبَاهُمْ حَتَّى تُرَدّ إِلَى عَطِيَّة تُعْتِل أَيْ تُسَاق دَفْعًا وَسَحْبًا. وَقَوْله : { إِلَى سَوَاء الْجَحِيم } : إِلَى وَسَط الْجَحِيم , وَمَعْنَى الْكَلَام : يُقَال يَوْم الْقِيَامَة : خُذُوا هَذَا الْأَثِيم فَسُوقُوهُ دَفْعًا فِي ظَهْره , وَسَحْبًا إِلَى وَسَط النَّار . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { فَاعْتِلُوهُ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيم } قَالَ : خُذُوهُ فَادْفَعُوهُ . وَفِي قَوْله : { فَاعْتِلُوهُ } لُغَتَانِ : كَسْر التَّاء , وَهِيَ قِرَاءَة بَعْض قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل مَكَّة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْعَرَب , يُقَال مِنْهُ : عَتَل يَعْتِل وَيَعْتُل , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . 24105 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ . ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِلَى سَوَاء الْجَحِيم } : إِلَى وَسَط النَّار .
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِیمِ ﴿٤٨﴾
وَقَوْله : { ثُمَّ صُبُّوا فَوْق رَأْسه مِنْ عَذَاب الْحَمِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ صُبُّوا عَلَى رَأْس هَذَا الْأَثِيم مِنْ عَذَاب الْحَمِيم , يَعْنِي : مِنَ الْمَاء الْمُسَخَّن الَّذِي وَصَفْنَا صِفَته , وَهُوَ الْمَاء الَّذِي قَالَ اللَّه { يُصْهَر بِهِ مَا فِي بُطُونهمْ وَالْجُلُود } 22 20 وَقَدْ بَيَّنْت صِفَته هُنَالِكَ .
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡكَرِیمُ ﴿٤٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُقَال لِهَذَا الْأَثِيم الشَّقِيّ : ذُقْ هَذَا الْعَذَاب الَّذِي تُعَذَّب بِهِ الْيَوْم { إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز } فِي قَوْمك { الْكَرِيم } عَلَيْهِمْ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَات نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24106 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ صُبُّوا فَوْق رَأْسه مِنْ عَذَاب الْحَمِيم } نَزَلَتْ فِي عَدُوّ اللَّه أَبِي جَهْل لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخَذَهُ فَهَزَّهُ , ثُمَّ قَالَ : أَوْلَى لَك يَا أَبَا جَهْل فَأَوْلَى , ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى , ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : أَيُوعِدُنِي مُحَمَّد , وَاللَّه لَأَنَا أَعَزّ مَنْ مَشَى بَيْن جَبَلَيْهَا , وَفِيهِ نَزَلَتْ { وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } 76 24 وَفِيهِ نَزَلَتْ { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } 96 19 وَقَالَ قَتَادَة : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل وَأَصْحَابه الَّذِينَ قَتَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْم بَدْر { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار } 14 28 وَالْبَوَار : الْهَلَاك ] . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ } قَالَ قَتَادَة , قَالَ أَبُو جَهْل : مَا بَيْن جَبَلَيْهَا رَجُل أَعَزّ وَلَا أَكْرَم مِنِّي , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم } . 24107 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيم } قَالَ : هَذَا لِأَبِي جَهْل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ وَهُوَ يُهَان بِالْعَذَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه , وَيُذَلّ بِالْعَتْلِ إِلَى سَوَاء الْجَحِيم : إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم ؟ قِيلَ : إِنَّ قَوْله : { إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم } غَيْر وَصْف مِنْ قَائِل ذَلِكَ لَهُ بِالْعِزَّةِ وَالْكَرَم , وَلَكِنَّهُ تَقْرِيع مِنْهُ لَهُ بِمَا كَانَ يَصِف بِهِ نَفْسه فِي الدُّنْيَا , وَتَوْبِيخ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْه الْحِكَايَة ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَقُول : إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم , فَقِيلَ لَهُ فِي الْآخِرَة , إِذْ عُذِّبَ بِمَا عُذِّبَ بِهِ فِي النَّار : ذُقْ هَذَا الْهَوَان الْيَوْم , فَإِنَّك كُنْت تَزْعُم إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم , وَإِنَّك أَنْتَ الذَّلِيل الْمَهِين , فَأَيْنَ الَّذِي كُنْت تَقُول وَتَدَّعِي مِنَ الْعِزّ وَالْكَرَم , هَلَّا تَمْتَنِع مِنَ الْعَذَاب بِعِزَّتِك . 24108 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا صَفْوَان بْن عِيسَى ; قَالَ ثنا ابْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ كَعْب : لِلَّهِ ثَلَاثَة أَثْوَاب : اتَّزِرْ بِالْعِزِّ , وَتَسَرْبَلَ الرَّحْمَة , وَارْتَدَى الْكِبْرِيَاء تَعَالَى ذِكْره , فَمَنْ تَعَزَّزَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّهُ اللَّه فَذَاكَ الَّذِي يُقَال : ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم , وَمَنْ رَحِمَ النَّاس فَذَاكَ الَّذِي سَرْبَلَ اللَّه سِرْبَاله الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ وَمَنْ تَكَبَّرَ فَذَاكَ الَّذِي نَازَعَ اللَّه رِدَاءَهُ إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره يَقُول : " لَا يَنْبَغِي لِمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي أَنْ أُدْخِلهُ الْجَنَّة " جَلَّ وَعَزَّ . وَأَجْمَعَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار جَمِيعًا عَلَى كَسْر الْأَلِف مِنْ قَوْله : { ذُقْ إِنَّك } عَلَى وَجْه الِابْتِدَاء , وَحِكَايَة قَوْل هَذَا الْقَائِل : إِنِّي أَنَا الْعَزِيز الْكَرِيم , وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ " ذُقْ أَنَّك " بِفَتْحِ الْأَلِف عَلَى إِعْمَال قَوْله : { ذُقْ } فِي قَوْله : { إِنَّك } كَأَنَّك مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : ذُقْ هَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْته فِي الدُّنْيَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا كَسْر الْأَلِف مِنْ { إِنَّك } عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت لِقَارِئِهِ ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ , وَشُذُوذ مَا خَالَفَهُ , وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى خَطَأ قِرَاءَة خِلَافهَا , مَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ , مَعَ بَعْدهَا مِنْ الصِّحَّة فِي الْمَعْنَى وَفِرَاقهَا تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل .
إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ﴿٥٠﴾
وَقَوْله : { إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُقَال لَهُ : إِنَّ هَذَا الْعَذَاب الَّذِي تُعَذَّب بِهِ الْيَوْم , هُوَ الْعَذَاب الَّذِي كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَشُكُّونَ , فَتَخْتَصِمُونَ فِيهِ , وَلَا تُوقِنُونَ بِهِ فَقَدْ لَقِيتُمُوهُ , فَذُوقُوهُ .
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی مَقَامٍ أَمِینࣲ ﴿٥١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّه بِأَدَاءِ طَاعَته , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي مَوْضِع إِقَامَة , آمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع مِمَّا كَانَ يَخَاف مِنْهُ فِي مَقَامَات الدُّنْيَا مِنْ الْأَوْصَاب وَالْعِلَل وَالْأَنْصَاب وَالْأَحْزَان . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فِي مَقَام أَمِين } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة " فِي مُقَام أَمِين " بِضَمِّ الْمِيم , بِمَعْنَى : فِي إِقَامَة أَمِين مِنْ الظَّعْن , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَة وَالْبَصْرَة { فِي مَقَام } بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا , وَتَوْجِيهًا إِلَى أَنَّهُمْ فِي مَكَان وَمَوْضِع أَمِين , وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24109 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَام أَمِين } إِي وَاللَّه , أَمِين مِنَ الشَّيْطَان وَالْأَنْصَاب وَالْأَحْزَان.
فِی جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونࣲ ﴿٥٢﴾
وَقَوْله : { فِي جَنَّات وَعُيُون } الْجَنَّات وَالْعُيُون تَرْجَمَة عَنِ الْمَقَام الْأَمِين , وَالْمَقَام الْأَمِين : هُوَ الْجَنَّات وَالْعُيُون , وَالْجَنَّات : الْبَسَاتِين , وَالْعُيُون : عُيُون الْمَاء الْمُطَّرِد فِي أُصُول أَشْجَار الْجَنَّات .
یَلۡبَسُونَ مِن سُندُسࣲ وَإِسۡتَبۡرَقࣲ مُّتَقَـٰبِلِینَ ﴿٥٣﴾
وَقَوْله : { يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس } يَقُول : يَلْبَس هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي هَذِهِ الْجَنَّات مِنْ سُنْدُس , وَهُوَ مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاج وَإِسْتَبْرَق : وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاج. كَمَا : 24110 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق } قَالَ : الْإِسْتَبْرَق : الدِّيبَاج الْغَلِيظ . وَقِيلَ : { يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق } وَلَمْ يَقُلْ لِبَاسًا , اسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ .
وَقَوْله : { مُتَقَابِلِينَ } يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة يُقَابِل بَعْضهمْ بَعْضًا بِالْوُجُوهِ , وَلَا يَنْظُر بَعْضهمْ فِي قَفَا بَعْض , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ فَمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته .
وَقَوْله : { مُتَقَابِلِينَ } يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة يُقَابِل بَعْضهمْ بَعْضًا بِالْوُجُوهِ , وَلَا يَنْظُر بَعْضهمْ فِي قَفَا بَعْض , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ فَمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته .
كَذَ ٰلِكَ وَزَوَّجۡنَـٰهُم بِحُورٍ عِینࣲ ﴿٥٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْكَرَامَة بِإِدْخَالِنَاهُمُ الْجَنَّات , وَإِلْبَاسِنَاهُمْ فِيهَا السُّنْدُس وَالْإِسْتَبْرَق , كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ أَيْضًا فِيهَا حُورًا مِنْ النِّسَاء , وَمِنَ النَّقِيَّات الْبَيَاض , وَاحِدَتهنَّ : حَوْرَاء , وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي مَعْنَى الْحُور , مَا : 24111 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا. قَالَ : وَالْحُور : اللَّاتِي يَحَار فِيهِنَّ الطَّرَف بَادٍ مُخّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاء ثِيَابهنَّ , وَيَرَى النَّاظِر وَجْهه فِي كَبِد إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّة الْجِلْد , وَصَفَاء اللَّوْن . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد مِنْ أَنَّ الْحُور إِنَّمَا مَعْنَاهَا : أَنَّهُ يَحَار فِيهَا الطَّرَف , قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب ; لِأَنَّ الْحُور إِنَّمَا هُوَ جَمْع حَوْرَاء , كَالْحُمْرِ جَمْع حَمْرَاء , وَالسُّود : جَمْع سَوْدَاء , وَالْحَوْرَاء إِنَّمَا هِيَ فَعْلَاء مِنَ الْحَوَر وَهُوَ نَقَاء الْبَيَاض , كَمَا قِيلَ لِلنَّقِيِّ الْبَيَاض مِنْ الطَّعَام الْحَوَارِيّ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ سَائِر أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24112 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : بَيْضَاء عَيْنَاء , قَالَ : وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . * - حَدَّثَنَا بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { بِحُورٍ عِين } قَالَ : بِيض عِين , قَالَ : وَفِي حَرْف ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود هَذِهِ , يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحُور غَيْر الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِد ; لِأَنَّ الْعِيس عِنْد الْعَرَب جَمْع عَيْسَاء , وَهِيَ الْبَيْضَاء مِنْ الْإِبِل , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَمَهْمَه نَازِح تَعْوِي الذِّئَاب بِهِ كَلَّفْت أَعْيَس تَحْت الرَّحْل نَعَّابَا يَعْنِي بِالْأَعْيَسِ : جَمَلًا أَبْيَض . فَأَمَّا الْعِين فَإِنَّهَا جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ الْعَظِيمَة الْعَيْنَيْنِ مِنْ النِّسَاء .
یَدۡعُونَ فِیهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِینَ ﴿٥٥﴾
وَقَوْله : { يَدْعُونَ فِيهَا } . .. الْآيَة , يَقُول : يَدْعُو هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي الْجَنَّة بِكُلِّ نَوْع مِنْ فَوَاكِه الْجَنَّة اشْتَهَوْهُ , آمِنِينَ فِيهَا مِنْ انْقِطَاع ذَلِكَ عَنْهُمْ وَنَفَاده وَفَنَائِهِ , وَمِنْ غَائِلَة أَذَاهُ وَمَكْرُوهه , يَقُول : لَيْسَتْ تِلْكَ الْفَاكِهَة هُنَالِكَ كَفَاكِهَةِ الدُّنْيَا الَّتِي نَأْكُلهَا , وَهُمْ يَخَافُونَ مَكْرُوه عَاقِبَتهَا , وَغِبّ أَذَاهَا مَعَ نَفَادهَا مِنْ عِنْدهمْ , وَعَدَمهَا فِي بَعْض الْأَزْمِنَة وَالْأَوْقَات . وَكَانَ قَتَادَة يُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله : { آمِنِينَ } إِلَى مَا : 24113 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ } أَمِنُوا مِنْ الْمَوْت وَالْأَوْصَاب وَالشَّيْطَان .
لَا یَذُوقُونَ فِیهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ ﴿٥٦﴾
وَقَوْله : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَذُوق هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي الْجَنَّة الْمَوْت بَعْد الْمَوْتَة الْأُولَى الَّتِي ذَاقُوهَا فِي الدُّنْيَا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى أَنَّهَا فِي مَعْنَى سِوَى , وَيَقُول : مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت سِوَى الْمَوْتَة الْأُولَى , وَيُمَثِّلهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } 4 22 بِمَعْنَى : سِوَى مَا قَدْ فَعَلَ آبَاؤُكُمْ , وَلَيْسَ لِلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي وَجْه مَفْهُوم ; لِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ قَوْل الْقَائِل : لَا أَذُوق الْيَوْم الطَّعَام إِلَّا الطَّعَام الَّذِي ذُقْته قَبْل الْيَوْم أَنَّهُ يُرِيد الْخَبَر عَنْ قَائِله أَنَّ عِنْده طَعَامًا فِي ذَلِكَ الْيَوْم ذَائِقه وَطَاعِمه دُون سَائِر الْأَطْعِمَة غَيْره , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ يَكُون قَدْ أَثْبَتَ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } مَوْتَة مِنْ نَوْع الْأُولَى هُمْ ذَائِقُوهَا , وَمَعْلُوم أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ آمَنَ أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة إِذَا هُمْ دَخَلُوهَا مِنَ الْمَوْت , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْت مِنْ مَعْنَاهُ , وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ تُوضَع " إِلَّا " فِي مَوْضِع " بَعْد " لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِل إِذَا قَالَ : لَا أُكَلِّم الْيَوْم رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْد عَمْرو قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يُكَلِّم ذَلِكَ الْيَوْم رَجُلًا بَعْد كَلَام الرَّجُل الَّذِي عِنْد عَمْرو , وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ : لَا أُكَلِّم الْيَوْم رَجُلًا بَعْد رَجُل عِنْد عَمْرو , قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يُكَلِّم ذَلِكَ الْيَوْم رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْد عَمْرو , فَبَعْد , وَإِلَّا : مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَمِنْ شَأْن الْعَرَب أَنْ تَضَع الْكَلِمَة مَكَان غَيْرهَا إِذَا تَقَارَبَ مَعْنَيَاهُمَا , وَذَلِكَ كَوَضْعِهِمُ الرَّجَاء مَكَان الْخَوْف لِمَا فِي مَعْنَى الرَّجَاء مِنَ الْخَوْف ; لِأَنَّ الرَّجَاء لَيْسَ بِيَقِينٍ , وَإِنَّمَا هُوَ طَمَع , وَقَدْ يَصْدُق وَيَكْذِب كَمَا الْخَوْف يَصْدُق أَحْيَانًا وَيَكْذِب , فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو ذُؤَيْب : إِذَا لَسَعَتْهُ الدَّبْر لَمْ يَرْجُ لَسْعهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْت نُوب عَوَامِل فَقَالَ : لَمْ يَرْجُ لَسْعهَا , وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ : لَمْ يَخَفْ لَسْعهَا , وَكَوَضْعِهِمْ الظَّنّ مَوْضِع الْعِلْم الَّذِي لَمْ يُدْرَك مِنْ قَبْل الْعِيَان , وَإِنَّمَا أَدْرَكَ اسْتِدْلَالًا أَوْ خَبَرًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّج سَرَاتهمْ فِي الْفَارِسِيّ الْمُسَرَّد بِمَعْنَى : أَيْقِنُوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّج وَاعْلَمُوا , فَوَضَعَ الظَّنّ مَوْضِع الْيَقِين , إِذْ لَمْ يَكُنْ الْمَقُول لَهُمْ ذَلِكَ قَدْ عَايَنُوا أَلْفَيْ مُدَجَّج , وَلَا رَأَوْهُمْ , وَإِنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ هَذَا الْمُخْبِر , فَقَالَ لَهُمْ ظُنُّوا الْعِلْم بِمَا لَمْ يُعَايِن مِنْ فِعْل الْقَلْب , فَوَضَعَ أَحَدهمَا مَوْضِع الْآخَر لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي نَظَائِر لِمَا ذَكَرْت يَكْثُر إِحْصَاؤُهَا , كَمَا يَتَقَارَب مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ فِي بَعْض الْمَعَانِي , وَهُمَا مُخْتَلِفَتَا الْمَعْنَى فِي أَشْيَاء أُخَر , فَتَضَع الْعَرَب إِحْدَاهُمَا مَكَان صَاحِبَتهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي يَتَقَارَب مَعْنَيَاهُمَا فِيهِ , فَكَذَلِكَ قَوْله : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } وُضِعَتْ " إِلَّا " فِي مَوْضِع " بَعْد " لِمَا نَصِف مِنْ تَقَارُب مَعْنَى " إِلَّا " , و " بَعْد " فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَكَذَلِكَ { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } 4 22 إِنَّمَا مَعْنَاهُ : بَعْد الَّذِي سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَّا إِذَا وُجِّهَتْ " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى مَعْنَى سِوَى , فَإِنَّمَا هُوَ تَرْجَمَة عَنْ الْمَكَان , وَبَيَان عَنْهَا بِمَا هُوَ أَشَدّ الْتِبَاسًا عَلَى مَنْ أَرَادَ عِلْم مَعْنَاهَا مِنْهَا .
فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكَۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ ﴿٥٧﴾
وَقَوْله : { وَوَقَاهُمْ عَذَاب الْجَحِيم فَضْلًا مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَوَقَى هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ عَذَاب النَّار . تَفَضُّلًا يَا مُحَمَّد مِنْ رَبّك عَلَيْهِمْ , وَإِحْسَانًا مِنْهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , وَلَمْ يُعَاقِبهُمْ بِجُرْمٍ سَلَفَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَلَوْلَا تَفَضُّله عَلَيْهِمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَة لَهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ , لَمْ يَقِهِمْ عَذَاب الْجَحِيم , وَلَكِنْ كَانَ يَنَالهُمْ وَيُصِيبهُمْ أَلَمه وَمَكْرُوهه .
وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مِنَ الْكَرَامَة الَّتِي وَصَفْت فِي هَذِهِ الْآيَات , هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم : يَقُول : هُوَ الظَّفَر الْعَظِيم بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْ إِدْرَاكه فِي الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ وَطَاعَتهمْ لِرَبِّهِمْ , وَاتِّقَائِهِمْ إِيَّاهُ , فِيمَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنْ الطَّاعَات وَالْفَرَائِض , وَاجْتِنَاب الْمَحَارِم .
وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مِنَ الْكَرَامَة الَّتِي وَصَفْت فِي هَذِهِ الْآيَات , هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم : يَقُول : هُوَ الظَّفَر الْعَظِيم بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْ إِدْرَاكه فِي الدُّنْيَا بِأَعْمَالِهِمْ وَطَاعَتهمْ لِرَبِّهِمْ , وَاتِّقَائِهِمْ إِيَّاهُ , فِيمَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنْ الطَّاعَات وَالْفَرَائِض , وَاجْتِنَاب الْمَحَارِم .
فَإِنَّمَا یَسَّرۡنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ﴿٥٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّمَا سَهَّلْنَا قِرَاءَة هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك يَا مُحَمَّد بِلِسَانِك ; لِيَتَذَكَّر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاك إِلَيْهِمْ بِعِبَرِهِ وَحُجَجه , وَيَتَّعِظُوا بِعِظَاتِهِ , وَيَتَفَكَّرُوا فِي آيَاته إِذَا أَنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ , فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَة رَبّهمْ , وَيُذْعِنُوا لِلْحَقِّ عِنْد تَبَيُّنِهُمُوهُ . كَمَا : 24114 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك } : أَيْ هَذَا الْقُرْآن { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } . 24115 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك } قَالَ : الْقُرْآن , وَيَسَّرْنَاهُ : أَطْلَقَ بِهِ لِسَانه .
فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ ﴿٥٩﴾
وَقَوْله : { فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَانْتَظِرْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد الْفَتْح مِنْ رَبّك , وَالنَّصْر عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمك مِنْ قُرَيْش , إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ عِنْد أَنْفُسهمْ قَهْرك وَغَلَبَتك بِصَدِّهِمْ عَمَّا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنَ الْحَقّ مَنْ أَرَادَ قَبُوله وَاتِّبَاعك عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24116 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } : أَيْ فَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ . آخِر تَفْسِير سُورَة الدُّخَان .
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian