صفحات الموقع

سورة العنكبوت تفسير الطبري

الۤمۤ ﴿١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَتْ تَرَاجِمَة الْقُرْآن فِي تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { الم } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 184 -حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { الم } قَالَ : اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن 185 - حَدَّثني الْمُثَنَّى بْن إِبْرَاهِيم الْآمُلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة مُوسَى بْن مَسْعُود قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : { الم } اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن 186 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : { الم } اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فَوَاتِح يَفْتَح اللَّه بِهَا الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 187 - حَدَّثني هَارُون بْن إِدْرِيس الْأَصَمّ الْكُوفِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الم } فَوَاتِح يَفْتَح اللَّه بِهَا الْقُرْآن . حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الم } فَوَاتِح . حَدَّثني الْمُثَنَّى بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الم } و { حم } و { المص } و { ص } فَوَاتِح اِفْتَتَحَ اللَّه بِهَا . حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْل حَدِيث هَارُون بْن إِدْرِيس . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم لِلسُّورَةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 188 - حَدَّثني يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ قَوْل اللَّه : { الم ذَلِكَ الْكِتَاب } و { الم تَنْزِيل } و { المر تِلْكَ } فَقَالَ : قَالَ أَبِي : إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاء السُّوَر. وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 189 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة , قَالَ : سَأَلْت السُّدِّيّ عَنْ { حم } و { طسم } و { الم } فَقَالَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم . حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثني أَبُو النُّعْمَان , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه فَذَكَرَ نَحْوه. 190 - حَدَّثني الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : فَوَاتِح السُّوَر مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ قَسَم أَقْسَمَ اللَّه بِهِ وَهِيَ مِنْ أَسْمَائِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 191 - حَدَّثني يَحْيَى بْن عُثْمَان بْن صَالِح السَّهْمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : هُوَ قَسَم أَقْسَمَ اللَّه بِهِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه . 192 حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد الْحَذَّاء عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : { الم } قَسَم . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حُرُوف مُقَطَّعَة مِنْ أَسْمَاء وَأَفْعَال , كُلّ حَرْف مِنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى غَيْر مَعْنَى الْحَرْف الْآخَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 193 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي شَرِيك , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { الم } قَالَ : أَنَا اللَّه أَعْلَم . 194 - وَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عُبَيْد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَقْظَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ قَوْله : { الم } قَالَ : أَنَا اللَّه أَعْلَم . 195 -حَدَّثني مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد الْقَنَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الم } قَالَ : أَمَّا : { الم } فَهُوَ حَرْف اُشْتُقَّ مِنْ حُرُوف هِجَاء أَسْمَاء اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . 196 حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن زِيَاد الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { الم } و { حم } و { ن } قَالَ : اِسْم مُقَطَّع . وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ حُرُوف هِجَاء مَوْضُوع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 197 - حَدَّثَنَا عَنْ مَنْصُور بْن أَبِي نُوَيْرَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْمُؤَدِّب , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : فَوَاتِح السُّوَر كُلّهَا { ق } و { ص } و { حم } و { طسم } و { الر } وَغَيْر ذَلِكَ هِجَاء مَوْضُوع . وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ حُرُوف يَشْتَمِل كُلّ حَرْف مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ شَتَّى مُخْتَلِفَة ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 198 - حَدَّثني الْمُثَنَّى بْن إِبْرَاهِيم الطَّبَرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ قَالَ : حَدَّثني أَبِي , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { الم } قَالَ : هَذِهِ الْأَحْرُف مِنْ التِّسْعَة وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا , دَارَتْ فِيهَا الْأَلْسُن كُلّهَا , لَيْسَ مِنْهَا حَرْف إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاح اِسْم مِنْ أَسْمَائِهِ , وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْف إِلَّا وَهُوَ فِي آلَائِهِ وَبَلَائِهِ , وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْف إِلَّا وَهُوَ مُدَّة قَوْم وَآجَالهمْ . وَقَالَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم : " وَعَجِيب يَنْطِقُونَ فِي أَسْمَائِهِ , وَيَعِيشُونَ فِي رِزْقه , فَكَيْفَ يَكْفُرُونَ " ؟ قَالَ : الْأَلِف : مِفْتَاح اِسْمه " اللَّه " , وَاللَّام : مِفْتَاح اِسْمه " لَطِيف " , وَالْمِيم : مِفْتَاح اِسْمه " مَجِيد " ; وَالْأَلِف : آلَاء اللَّه , وَاللَّام : لُطْفه , وَالْمِيم : مَجْده ; الْأَلِف : سَنَة , وَاللَّام ثَلَاثُونَ سَنَة , وَالْمِيم : أَرْبَعُونَ سَنَة. حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّام عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بِنَحْوِهِ. وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ حُرُوف مِنْ حِسَاب الْجُمَّل , كَرِهْنَا ذِكْر الَّذِي حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ , إِذْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَد عَلَى رِوَايَته وَنَقْله , وَقَدْ مَضَتْ الرِّوَايَة بِنَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس . وَقَالَ بَعْضهمْ : لِكُلِّ كِتَاب سِرّ , وَسِرّ الْقُرْآن فَوَاتِحه. وَأَمَّا أَهْل الْعَرَبِيَّة فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ حُرُوف مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا فِي أَوَائِل السُّوَر عَنْ ذِكْر بِوَاقِيهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّة الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا , كَمَا اِسْتَغْنَى الْمُخْبِر عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي حُرُوف الْمُعْجَم الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ بِذِكْرِ " أ ب ت ث " عَنْ ذِكْر بِوَاقِي حُرُوفهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّة الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ , قَالَ : وَلِذَلِكَ رُفِعَ { ذَلِكَ الْكِتَاب } لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : الْأَلِف وَاللَّام وَالْمِيم مِنْ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة { ذَلِكَ الْكِتَاب } الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك مَجْمُوعًا { لَا رَيْب فِيهِ } . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ " أ ب ت ث " قَدْ صَارَتْ كَالِاسْمِ فِي حُرُوف الْهِجَاء كَمَا صَارَتْ الْحَمْد اِسْمًا لِفَاتِحَةِ الْكِتَاب . قِيلَ لَهُ : لَمَّا كَانَ جَائِزًا أَنْ يَقُول الْقَائِل : اِبْنِي فِي " ط ظ " , وَكَانَ مَعْلُومًا بِقِيلِهِ ذَلِكَ لَوْ قَالَهُ أَنَّهُ يُرِيد الْخَبَر عَنْ اِبْنه أَنَّهُ فِي الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة , عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ " أ ب ت ث " لَيْسَ لَهَا بِاسْمٍ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ آثَر فِي الذِّكْر مِنْ سَائِرهَا. قَالَ : وَإِنَّمَا خُولِفَ بَيْن ذِكْر حُرُوف الْمُعْجَم فِي فَوَاتِح السُّوَر , فَذُكِرَتْ فِي أَوَائِلهَا مُخْتَلِفَة , وَذِكْرهَا إِذَا ذُكِرَتْ بِأَوَائِلِهَا الَّتِي هِيَ " أ ب ت ث " مُؤْتَلِفَة لِيُفْصَل بَيْن الْخَبَر عَنْهَا , إِذَا أُرِيدَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا الدَّلَالَة عَلَى الْكَلَام الْمُتَّصِل , وَإِذَا أُرِيدَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا مُؤْتَلِفًا الدَّلَالَة عَلَى الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة بِأَعْيَانِهَا . وَاسْتَشْهَدُوا - الْإِجَازَة قَوْل الْقَائِل : اِبْنِي فِي " ط ظ " , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْخَبَر عَنْهُ أَنَّهُ فِي حُرُوف الْمُعْجَم , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيله فِي الْبَيَان يَقُوم مَقَام قَوْله : " اِبْنِي فِي أ ب ت ث " بِرَجَزِ بَعْض الرُّجَّاز مِنْ بَنِي أَسَد : لَمَّا رَأَيْت أَمْرهَا فِي حُطِّي وَفَنَكَتْ فِي كَذِب وَلَطِّ أَخَذْت مِنْهَا بِقُرُونٍ شُمْطِ فَلَمْ يَزَلْ ضَرْبِي بِهَا وَمَعْطِي حَتَّى عَلَا الرَّأْس دَم يُغَطِّي فَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْخَبَر عَنْ الْمَرْأَة أَنَّهَا فِي " أبي جاد " , فَأَقَامَ قَوْله : " لَمَّا رَأَيْت أَمْرهَا فِي حُطِّي " مَقَام خَبَره عَنْهَا أَنَّهَا فِي " أبي جاد " , إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ قَوْله يَدُلّ سَامِعه عَلَى مَا يَدُلّهُ عَلَيْهِ قَوْله : لَمَّا رَأَيْت أَمْرهَا فِي أبي جاد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ اُبْتُدِئَتْ بِذَلِكَ أَوَائِل السُّوَر لِيَفْتَح لِاسْتِمَاعِهِ أَسْمَاع الْمُشْرِكِينَ , إِذْ تَوَاصَوْا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْقُرْآن , حَتَّى إِذَا اِسْتَمَعُوا لَهُ تُلِيَ عَلَيْهِمْ الْمُؤَلَّف مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضهمْ : الْحُرُوف الَّتِي هِيَ فَوَاتِح السُّوَر حُرُوف يَسْتَفْتِح اللَّه بِهَا كَلَامه . فَإِنْ قِيلَ : هَلْ يَكُون مِنْ الْقُرْآن مَا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى ؟ فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ اِفْتَتَحَ بِهَا لِيُعْلَم أَنَّ السُّورَة الَّتِي قَبْلهَا قَدْ اِنْقَضَتْ , وَأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ فِي أُخْرَى , فَجُعِلَ هَذَا عَلَامَة اِنْقِطَاع مَا بَيْنهمَا , وَذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب يُنْشِد الرَّجُل مِنْهُمْ الشِّعْر فَيَقُول : بَلْ وَبَلْدَة مَا الْإِنْس مِنْ آهَالهَا وَيَقُول : لَا بَلْ مَا هَاجَ أَحْزَانًا وَشَجْوًا قَدْ شَجَا و " بَلْ " لَيْسَتْ مِنْ الْبَيْت وَلَا تُعَدّ فِي وَزْنه , وَلَكِنْ يَقْطَع بِهَا كَلَامًا وَيَسْتَأْنِف الْآخَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلِكُلِّ قَوْل مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي قَالَهَا الَّذِينَ وَصَفْنَا قَوْلهمْ فِي ذَلِكَ وَجْه مَعْرُوف . فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : { الم } اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن , فَلِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا أَنَّ : { الم } اِسْم لِلْقُرْآنِ كَمَا الْفُرْقَان اِسْم لَهُ . وَإِذَا كَانَ مَعْنَى قَائِل ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ تَأْوِيل قَوْله : { الم } ذَلِكَ الْكِتَاب عَلَى مَعْنَى الْقَسَم ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَالْقُرْآن هَذَا الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ . وَالْآخَر مِنْهُمَا أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا أَنَّهُ اِسْم مِنْ أَسْمَاء السُّورَة الَّتِي تُعْرَف بِهِ كَمَا تُعْرَف سَائِر الْأَشْيَاء بِأَسْمَائِهَا الَّتِي هِيَ لَهَا أَمَارَات تُعْرَف بِهَا , فَيَفْهَم السَّامِع مَنْ الْقَائِل يَقُول : قَرَأْت الْيَوْم { المص } و { ن } أَيْ السُّورَة الَّتِي قَرَأَهَا مِنْ سُوَر الْقُرْآن , كَمَا يُفْهَم عَنْهُ إِذَا قَالَ : لَقِيت الْيَوْم عَمْرًا وَزَيْدًا , وَهُمَا بِزَيْدٍ وَعُمَر وَعَارِفَانِ مَنْ الَّذِي لَقِيَ مِنْ النَّاس . وَإِنْ أَشْكَلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى اِمْرِئٍ فَقَالَ : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ وَنَظَائِر الم المر فِي الْقُرْآن جَمَاعَة مِنْ السُّوَر ؟ وَإِنَّمَا تَكُون الْأَسْمَاء أَمَارَات , إِذَا كَانَتْ مُمَيَّزَة بَيْن الْأَشْخَاص , فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ غَيْر مُمَيَّزَة فَلَيْسَتْ أَمَارَات . قِيلَ : إِنَّ الْأَسْمَاء وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ لِاشْتِرَاكِ كَثِير مِنْ النَّاس فِي الْوَاحِد مِنْهَا غَيْر مُمَيَّزَة إِلَّا بِمَعَانٍ أُخَر مَعَهَا مِنْ ضَمّ نِسْبَة الْمُسَمَّى بِهَا إِلَيْهَا أَوْ نَعْته أَوْ صِفَته بِمَا يُفَرَّق بَيْنه وَبَيْن غَيْره مِنْ أَشْكَالهَا , فَإِنَّهَا وُضِعَتْ اِبْتِدَاء لِلتَّمْيِيزِ لَا شَكّ ثُمَّ اُحْتِيجَ عِنْد الِاشْتِرَاك إِلَى الْمَعَانِي الْمُفَرَّقَة بَيْن الْمُسَمَّى بِهَا. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي أَسْمَاء السُّوَر , جُعِلَ كُلّ اِسْم - فِي قَوْل قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة - أَمَارَة لِلْمُسَمَّى بِهِ مِنْ السُّوَر فَلَمَّا شَارَكَ الْمُسَمَّى بِهِ فِيهِ غَيْره مِنْ سُوَر الْقُرْآن اِحْتَاجَ الْمُخْبِر عَنْ سُورَة مِنْهَا أَنْ يَضُمّ إِلَى اِسْمهَا الْمُسَمَّى بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُفَرَّق بِهِ لِلسَّامِعِ بَيْن الْخَبَر عَنْهَا وَعَنْ غَيْرهَا مِنْ نَعْت وَصِفَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ , فَيَقُول الْمُخْبِر عَنْ نَفْسه إِنَّهُ تَلَا سُورَة الْبَقَرَة إِذَا سَمَّاهَا بِاسْمِهَا الَّذِي هُوَ { الم } قَرَأْت { الم } الْبَقَرَة , وَفِي آل عِمْرَان : قَرَأْت { الم } آل عِمْرَان , و { الم ذَلِكَ الْكِتَاب } و { الم اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم }. كَمَا لَوْ أَرَادَ الْخَبَر عَنْ رَجُلَيْنِ اِسْم كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَمْرو , غَيْر أَنَّ أَحَدهمَا تَمِيمِيّ وَالْآخَر أَزْدِيّ , لَلَزِمَهُ أَنْ يَقُول لِمَنْ أَرَادَ إِخْبَاره عَنْهُمَا : لَقِيت عَمْرًا التَّمِيمِيّ وَعَمْرًا الْأَزْدِيّ , إِذْ كَانَ لَا فَرْق بَيْنهمَا وَبَيْن غَيْرهمَا مِمَّنْ يُشَارِكهُمَا فِي أَسْمَائِهِمَا إِلَّا بِنِسْبَتِهِمَا كَذَلِكَ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْل مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة أَنَّهَا أَسْمَاء لِلسُّوَرِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : ذَلِكَ فَوَاتِح يَفْتَتِح اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهَا كَلَامه , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى نَحْو الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ أَدِلَّة عَلَى اِنْقِضَاء سُورَة وَابْتِدَاء فِي أُخْرَى وَعَلَامَة لِانْقِطَاعِ مَا بَيْنهمَا , كَمَا جُعِلَتْ " بَلْ " فِي اِبْتِدَاء قَصِيدَة دَلَالَة عَلَى اِبْتِدَاء فِيهَا وَانْقِضَاء أُخْرَى قَبْلهَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ الْعَرَب إِذَا أَرَادُوا الِابْتِدَاء فِي إِنْشَاد قَصِيد ة , قَالُوا : بَلْ مَا هَاجَ أَحْزَانًا وَشَجْوًا قَدْ شَجَا و " بَلْ " لَيْسَتْ مِنْ الْبَيْت وَلَا دَاخِلَة فِي وَزْنه , وَلَكِنْ لِيَدُلّ بِهِ عَلَى قَطْع كَلَام وَابْتِدَاء آخَر . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : ذَلِكَ حُرُوف مُقَطَّعَة بَعْضهَا مِنْ أَسْمَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَبَعْضهَا مِنْ صِفَاته , وَلِكُلِّ حَرْف مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى غَيْر مَعْنَى الْحَرْف الْآخَر . فَإِنَّهُمْ نَحَوْا بِتَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ نَحْو قَوْل الشَّاعِر : قُلْنَا لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف لَا تَحْسِبِي أَنَّا نَسِينَا الْإِيجَاف يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَالَتْ قَاف : قَالَتْ قَدْ وَقَفْت . فَدَلَّتْ بِإِظْهَارِ الْقَاف مِنْ وَوَقَفْت عَلَى مُرَادهَا مِنْ تَمَام الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ " وَقَفْت " , فَصَرَفُوا قَوْله : { الم } وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ إِلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنَى , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْأَلِف أَلِف " أَنَا " , وَاللَّام لَام " اللَّه " , وَالْمِيم مِيم " أَعْلَم " , وَكُلّ حَرْف مِنْهَا دَالّ عَلَى كَلِمَة تَامَّة . قَالُوا : فَجُمْلَة هَذِهِ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة إِذَا ظَهَرَ مَعَ كُلّ حَرْف مِنْهُنَّ تَمَام حُرُوف الْكَلِمَة " أَنَا " اللَّه أَعْلَم ". قَالُوا : وَكَذَلِكَ سَائِر جَمِيع مَا فِي أَوَائِل سُوَر الْقُرْآن مِنْ ذَلِكَ , فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا التَّأْوِيل . قَالُوا : وَمُسْتَفِيض ظَاهِر فِي كَلَام الْعَرَب أَنْ يُنْقِص الْمُتَكَلِّم مِنْهُمْ مِنْ الْكَلِمَة الْأَحْرُف إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلَالَة عَلَى مَا حُذِفَ مِنْهَا , وَيَزِيد فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَة مُلَبِّسَة مَعْنَاهَا عَلَى سَامِعهَا كَحَذْفِهِمْ فِي النَّقْص فِي التَّرْخِيم مِنْ " حَارِث " " الثَّاء " فَيَقُولُونَ : يَا حَارِ , وَمِنْ " مَالِك " " الْكَاف " فَيَقُولُونَ : يَا مَالِ , وَأَمَّا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَكَقَوْلِ رَاجِزهمْ مَا لِلظَّلِيمِ عَالَ كَيْفَ لَا يَا يَنْقَدّ عَنْهُ جِلْده إِذَا يَا كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُول : إِذَا يَفْعَل كَذَا وَكَذَا , فَاكْتَفَى بِالْيَاءِ مِنْ وَيَفْعَل , وَكَمَا قَالَ آخَر مِنْهُمْ : بِالْخَيْرِ خَيْرَات وَإِنْ شَرًّا فَا يُرِيد فَشَرًّا . وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَنْ تَا يُرِيد إِلَّا أَنْ تَشَاء . فَاكْتَفَى بِالتَّاءِ وَالْفَاء فِي الْكَلِمَتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ سَائِر حُرُوفهمَا , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الشَّوَاهِد الَّتِي يَطُول الْكِتَاب بِاسْتِيعَابِهِ . وَكَمَا : 199 - حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب وَابْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : لَمَّا مَاتَ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة , قَالَ لِي عَبْدَة : إِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا كَائِنَة فِتْنَة فَافْزَعْ مِنْ ضَيْعَتك وَالْحَقْ بِأَهْلِك ! قُلْت : فَمَا تَأْمُرنِي ؟ قَالَ : أَحَبّ إِلَيَّ لَك أَنْ تَا - قَالَ أَيُّوب وَابْن عَوْن بِيَدِهِ تَحْت خَدّه الْأَيْمَن يَصِف الِاضْطِجَاع - حَتَّى تَرَى أَمْرًا تَعْرِفهُ قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي ب " تَا " تَضْطَجِع , فَاجْتَزَأَ بِالتَّاءِ مِنْ تَضْطَجِع. وَكَمَا قَالَ الْآخَر فِي الزِّيَادَة فِي الْكَلَام عَلَى النَّحْو الَّذِي وَصَفْت : أَقُول إِذْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَال يَا نَاقَتِي مَا جُلْت مِنْ مَجَال يُرِيد الْكَلْكَل . وَكَمَا قَالَ الْآخَر : إِنَّ شَكْلِي وَإِنَّ شَكْلك شَتَّى فَالْزَمِي الْخُصّ , وَاخْفِضِي تَبْيَضِضِّي فَزَادَ ضَادًا وَلَيْسَتْ فِي الْكَلِمَة. قَالُوا : فَكَذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنْ تَمَام حُرُوف كُلّ كَلِمَة مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَات الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَتِمَّة حُرُوف { الم } وَنَظَائِرهَا , نَظِير مَا نَقَصَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ الْعَرَب فِي أَشْعَارهَا وَكَلَامهَا . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : كُلّ حَرْف مِنْ { الم } وَنَظَائِرهَا دَالّ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى نَحْو الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى مِثْل الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ هُوَ بِتَأْوِيلِ : " أَنَا اللَّه أَعْلَم " فِي أَنَّ كُلّ حَرْف مِنْهُ بَعْض حُرُوف كَلِمَة تَامَّة اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَتِهِ عَلَى تَمَامه عَنْ ذِكْر تَمَامه , وَإِنْ كَانُوا لَهُ مُخَالِفِينَ فِي كُلّ حَرْف مِنْ ذَلِكَ , أَهُوَ مِنْ الْكَلِمَة الَّتِي اِدَّعَى أَنَّهُ مِنْهَا قَائِلُو الْقَوْل الْأَوَّل أَمْ مِنْ غَيْرهَا ؟ فَقَالُوا : بَلْ الْأَلِف مِنْ { الم } مِنْ كَلِمَات شَتَّى هِيَ دَالَّة عَلَى مَعَانِي جَمِيع ذَلِكَ وَعَلَى تَمَامه . قَالُوا : وَإِنَّمَا أَفْرَدَ كُلّ حَرْف مِنْ ذَلِكَ وَقَصَّرَ بِهِ عَنْ تَمَام حُرُوف الْكَلِمَة أَنَّ جَمِيع حُرُوف الْكَلِمَة لَوْ أُظْهِرَتْ لَمْ تَدُلّ الْكَلِمَة الَّتِي تَظْهَر بَعْض هَذِهِ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة بَعْض لَهَا , إِلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِد لَا عَلَى مَعْنَيَيْنِ وَأَكْثَر مِنْهُمَا . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ لَا دَلَالَة فِي ذَلِكَ لَوْ أُظْهِرَ جَمِيعهَا إِلَّا عَلَى مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ مَعْنًى وَاحِد , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَرَادَ الدَّلَالَة بِكُلِّ حَرْف مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَة لِشَيْءٍ وَاحِد , لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُفْرَد . الْحَرْف الدَّالّ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي , لِيَعْلَم الْمُخَاطَبُونَ بِهِ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقْصِد قَصْد مَعْنًى وَاحِد وَدَلَالَة عَلَى شَيْء وَاحِد بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الدَّلَالَة [ بِهِ ] عَلَى أَشْيَاء كَثِيرَة . قَالُوا : فَالْأَلِف مِنْ { الم } مُقْتَضِيَة مَعَانِي كَثِيرَة , مِنْهَا : إِتْمَام اِسْم الرَّبّ الَّذِي هُوَ اللَّه , وَتَمَام اِسْم نَعْمَاء اللَّه الَّتِي هِيَ آلَاء اللَّه , وَالدَّلَالَة عَلَى أَجَل قَوْم أَنَّهُ سَنَة , إِذَا كَانَتْ الْأَلِف فِي حِسَاب الْجُمَّل وَاحِدًا . وَاللَّام مُقْتَضِيَة تَمَام اِسْم اللَّه الَّذِي هُوَ لَطِيف , وَتَمَام اِسْم فَضْله الَّذِي هُوَ لُطْف , وَالدَّلَالَة عَلَى أَجَل قَوْم أَنَّهُ ثَلَاثُونَ سَنَة . وَالْمِيم مُقْتَضِيَة تَمَام اِسْم اللَّه الَّذِي هُوَ مَجِيد , وَتَمَام اِسْم عَظَمَته الَّتِي هِيَ مَجْد , وَالدَّلَالَة عَلَى أَجَل قَوْم أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَة . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام فِي تَأْوِيل قَائِل الْقَوْل الْأَوَّل : أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ اِفْتَتَحَ كَلَامه بِوَصْفِ نَفْسه بِأَنَّهُ الْعَالِم الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , وَجَعَلَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ مَنْهَجًا يَسْلُكُونَهُ فِي مُفْتَتَح خُطَبهمْ وَرَسَائِلهمْ وَمُهِمّ أُمُورهمْ , وَابْتِلَاء مِنْهُ لَهُمْ لِيَسْتَوْجِبُوا بِهِ عَظِيم الثَّوَاب فِي دَار الْجَزَاء , كَمَا اِفْتَتَحَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , و { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } 6 1 وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ السُّوَر الَّتِي جَعَلَ مَفَاتِحهَا الْحَمْد لِنَفْسِهِ . وَكَمَا جَعَلَ مَفَاتِح بَعْضهَا تَعْظِيم نَفْسه وَإِجْلَالهَا بِالتَّسْبِيحِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { سُبْحَان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا } 17 1 وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ سَائِر سُوَر الْقُرْآن الَّتِي جَعَلَ مَفَاتِح بَعْضهَا تَحْمِيد نَفْسه , وَمَفَاتِح بَعْضهَا تَمْجِيدهَا , وَمَفَاتِح بَعْضهَا تَعْظِيمهَا وَتَنْزِيههَا . فَكَذَلِكَ جَعَلَ مَفَاتِح السُّوَر الْأُخْرَى الَّتِي أَوَائِلهَا بَعْض حُرُوف الْمُعْجَم مَدَائِح نَفْسه أَحْيَانًا بِالْعِلْمِ , وَأَحْيَانًا بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَأَحْيَانًا بِالْإِفْضَالِ وَالْإِحْسَان بِإِيجَازٍ وَاخْتِصَار , ثُمَّ اِقْتِصَاص الْأُمُور بَعْد ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَجِب أَنْ يَكُون الْأَلِف وَاللَّام وَالْمِيم فِي أَمَاكِن الرَّفْع مَرْفُوعًا بَعْضهَا بِبَعْضٍ دُون قَوْله : { ذَلِكَ الْكِتَاب } وَيَكُون ذَلِكَ الْكِتَاب خَبَر مُبْتَدَأ مُنْقَطِعًا عَنْ مَعْنَى { الم } , وَكَذَلِكَ " ذَلِكَ " فِي تَأْوِيل قَوْل قَائِل هَذَا الْقَوْل الثَّانِي مَرْفُوع بَعْضه بِبَعْضٍ , وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْل قَائِل الْقَوْل الْأَوَّل . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : هُنَّ حُرُوف مِنْ حُرُوف حِسَاب الْجُمَّل دُون مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي , فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا نَعْرِف لِلْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَة مَعْنًى يُفْهَم سِوَى حِسَاب الْجُمَّل وَسِوَى تَهَجِّي قَوْل الْقَائِل : { الم } . وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يُخَاطِب اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَيَعْقِلُونَهُ عَنْهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ قَوْله : { الم } لَا يُعْقَل لَهَا وَجْه تُوَجَّه إِلَيْهِ إِلَّا أَحَد الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا , فَبَطَلَ أَحَد وَجْهَيْهِ , وَهُوَ أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهَا تَهَجِّي . { الم } - صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّهُ مُرَاد بِهِ الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ حِسَاب الْجُمَّل ; لِأَنَّ قَوْل الْقَائِل : { الم } لَا يَجُوز أَنْ يَلِيَهُ مِنْ الْكَلَام ذَلِكَ الْكِتَاب لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَى الْكَلَام وَخُرُوجه عَنْ الْمَعْقُول إِذَا وَلِيَ { الم } ذَلِكَ الْكِتَاب . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا : 200 -حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْد الرَّازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل . قَالَ : حَدَّثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : حَدَّثني الْكَلْبِيّ , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه بْن رِئَاب , قَالَ : مَرَّ أَبُو يَاسِر بْن أَخْطَب بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَة سُورَة الْبَقَرَة : { الم ذَلِكَ الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ } فَأَتَى أَخَاهُ حُيَيّ بْن أَخْطَب فِي رِجَال مِنْ يَهُود فَقَالَ : تَعْلَمُونَ وَاَللَّه لَقَدْ سَمِعْت مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : { الم ذَلِكَ الْكِتَاب } فَقَالُوا : أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ : نَعَمْ فَمَشَى حُيَيّ بْن أَخْطَب فِي أُولَئِكَ النَّفَر مِنْ يَهُود إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَلَمْ يُذْكَر لَنَا أَنَّك تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْك : { الم ذَلِكَ الْكِتَاب } ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ : " بَلَى " فَقَالُوا : أَجَاءَك بِهَذَا جِبْرِيل مِنْ عِنْد اللَّه ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ! قَالُوا : لَقَدْ بَعَثَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبْلك أَنْبِيَاء مَا نَعْلَمهُ بَيْن لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّة مُلْكه وَمَا أَجَل أُمَّته غَيْرك ! فَقَالَ حُيَيّ بْن أَخْطَب : وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ , فَقَالَ لَهُمْ : الْأَلِف وَاحِدَة , وَاللَّام ثَلَاثُونَ , وَالْمِيم أَرْبَعُونَ , فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَة , قَالَ : فَقَالَ لَهُمْ : أَتَدْخُلُونَ فِي دِين نَبِيّ إِنَّمَا مُدَّة مُلْكه وَأَجَل أُمَّته إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَة ؟ قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد هَلْ مَعَ هَذَا غَيْره ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ! قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : " المص " قَالَ : هَذِهِ أَثْقَل وَأَطْوَل : الْأَلِف وَاحِدَة , وَاللَّام ثَلَاثُونَ , وَالْمِيم أَرْبَعُونَ , وَالصَّاد تِسْعُونَ. فَهَذِهِ مِائَة وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَة ; هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّد غَيْره ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ! قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : " الر " قَالَ : هَذِهِ أَثْقَل وَأَطْوَل الْأَلِف وَاحِدَة , وَاللَّام ثَلَاثُونَ , وَالرَّاء مِائَتَانِ , فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَا سَنَة ; فَقَالَ : هَلْ مَعَ هَذَا غَيْره يَا مُحَمَّد ؟ قَالَ : " نَعَمْ المر " , قَالَ : فَهَذِهِ أَثْقَل وَأَطْوَل : الْأَلِف وَاحِدَة وَاللَّام ثَلَاثُونَ , وَالْمِيم أَرْبَعُونَ , وَالرَّاء مِائَتَانِ , فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَا سَنَة . ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرك يَا مُحَمَّد , حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيت أَمْ كَثِيرًا ! ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ , فَقَالَ أَبُو يَاسِر لِأَخِيهِ حُيَيّ بْن أَخْطَب وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَار : مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلّه لِمُحَمَّدٍ : إِحْدَى وَسَبْعُونَ , وَإِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَة , وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ , وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ , فَذَلِكَ سَبْعمِائَةِ سَنَة وَأَرْبَع وَثَلَاثُونَ , فَقَالُوا : لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْره . وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَات نَزَلَتْ فِيهِمْ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَاب مِنْهُ آيَات مُحْكَمَات هُنَّ أُمّ الْكِتَاب وَأُخَر مُتَشَابِهَات } . 3 7 فَقَالُوا : قَدْ صَرَّحَ هَذَا الْخَبَر بِصِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيل وَفَسَاد مَا قَالَهُ مُخَالِفُونَا فِيهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدِي فِي تَأْوِيل مَفَاتِح السُّوَر الَّتِي هِيَ حُرُوف الْمُعْجَم : أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَهَا حُرُوفًا مُقَطَّعَة وَلَمْ يَصِل بَعْضهَا بِبَعْضٍ فَيَجْعَلهَا كَسَائِرِ الْكَلَام الْمُتَّصِل الْحُرُوف ; لِأَنَّهُ عَزَّ ذِكْره أَرَادَ بِلَفْظِهِ الدَّلَالَة بِكُلِّ حَرْف مِنْهُ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَة لَا عَلَى مَعْنًى وَاحِد , كَمَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس , وَإِنْ كَانَ الرَّبِيع قَدْ اِقْتَصَرَ بِهِ عَلَى مَعَانٍ ثَلَاثَة دُون مَا زَادَ عَلَيْهَا . وَالصَّوَاب فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ كُلّ حَرْف مِنْهُ يَحْوِي مَا قَالَهُ الرَّبِيع وَمَا قَالَهُ سَائِر الْمُفَسِّرِينَ غَيْره فِيهِ , سِوَى مَا ذَكَرْت مِنْ الْقَوْل عَمَّنْ ذَكَرْت عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّهُ كَانَ يُوَجِّه تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ حُرُوف هِجَاء اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ فِي مَفَاتِح السُّوَر عَنْ ذِكْر تَتِمَّة الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم بِتَأْوِيلِ : إِنَّ هَذِهِ الْحُرُوف , ذَلِكَ الْكِتَاب , مَجْمُوعَة لَا رَيْب فِيهِ , فَإِنَّهُ قَوْل خَطَأ فَاسِد لِخُرُوجِهِ عَنْ أَقْوَال جَمِيع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْخَالِفِينَ مِنْ أَهْل التَّفْسِير وَالتَّأْوِيل , فَكَفَى دَلَالَة عَلَى خَطَئِهِ شَهَادَة الْحُجَّة شَهَادَة الْحُجَّة عَلَيْهِ بِالْخَطَإ مَعَ إِبْطَال قَائِل ذَلِكَ قَوْله الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُ , إِذْ صَارَ إِلَى الْبَيَان عَنْ رَفْع ذَلِكَ الْكِتَاب بِقَوْلِهِ مَرَّة إِنَّهُ مَرْفُوع كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَمَرَّة أُخْرَى أَنَّهُ مَرْفُوع بِالرَّاجِعِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { لَا رَيْب فِيهِ } وَمَرَّة بِقَوْلِهِ : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وَذَلِكَ تُرِكَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ إِنَّ { الم } رَافِعَة { ذَلِكَ الْكِتَاب } وَخُرُوج مِنْ الْقَوْل الَّذِي اِدَّعَاهُ فِي تَأْوِيل { الم ذَلِكَ الْكِتَاب } وَأَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ : هَذِهِ الْحُرُوف ذَلِكَ الْكِتَاب . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون حَرْف وَاحِد شَامِلًا الدَّلَالَة عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَة مُخْتَلِفَة ؟ قِيلَ : كَمَا جَازَ أَنْ تَكُون كَلِمَة وَاحِدَة تَشْتَمِل عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَة مُخْتَلِفَة كَقَوْلِهِمْ لِلْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاس : أُمَّة , وَلِلْحِينِ مِنْ الزَّمَان : أُمَّة , وَلِلرَّجُلِ الْمُتَعَبِّد الْمُطِيع لِلَّهِ : أُمَّة , وَلِلدِّينِ وَالْمِلَّة : أُمَّة . وَكَقَوْلِهِمْ لِلْجَزَاءِ وَالْقِصَاص : دِين , وَلِلسُّلْطَانِ وَالطَّاعَة : دِين , وَلِلتَّذَلُّلِ : دِين , وَلِلْحِسَابِ : دِين ; فِي أَشْبَاه لِذَلِكَ كَثِيرَة يَطُول الْكِتَاب بِإِحْصَائِهَا مِمَّا يَكُون مِنْ الْكَلَام بِلَفْظٍ وَاحِد , وَهُوَ مُشْتَمِل عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَة . وَكَذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " الم وَالمر " و " المص " وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم الَّتِي هِيَ فَوَاتِح أَوَائِل السُّوَر , كُلّ حَرْف مِنْهَا دَالّ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى , شَامِل جَمِيعهَا مِنْ أَسْمَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَصِفَاته مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُمْ ; وَهُنَّ مَعَ ذَلِكَ فَوَاتِح السُّوَر كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . وَلَيْسَ كَوْن ذَلِكَ مِنْ حُرُوف أَسْمَاء اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصِفَاته بِمَانِعِهَا أَنْ تَكُون لِلسُّوَرِ فَوَاتِح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ اِفْتَتَحَ كَثِيرًا مِنْ سُوَر الْقُرْآن بِالْحَمْدِ لِنَفْسِهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهَا , وَكَثِيرًا مِنْهَا بِتَمْجِيدِهَا وَتَعْظِيمهَا , فَغَيْر مُسْتَحِيل أَنْ يَبْتَدِئ بَعْض ذَلِكَ بِالْقَسَمِ بِهَا . فَاَلَّتِي اُبْتُدِئَ أَوَائِلهَا بِحُرُوفِ الْمُعْجَم أَحَد مَعَانِي أَوَائِلهَا أَنَّهُنَّ فَوَاتِح مَا اِفْتَتَحَ بِهِنَّ مِنْ سُوَر الْقُرْآن , وَهُنَّ مِمَّا أَقْسَمَ بِهِنَّ ; لِأَنَّ أَحَد مَعَانِيهنَّ أَنَّهُنَّ مِنْ حُرُوف أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَصِفَاته عَلَى مَا قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهَا , وَلَا شَكّ فِي صِحَّة مَعْنَى الْقَسَم بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاته , وَهُنَّ مِنْ حُرُوف حِسَاب الْجُمَّل , وَهُنَّ لِلسُّوَرِ الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِهِنَّ شِعَار وَأَسْمَاء . فَذَلِكَ يَحْوِي مَعَانِيَ جَمِيع مَا وَصَفْنَا مِمَّا بَيَّنَّا مِنْ وُجُوهه , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ الدَّلَالَة عَلَى مَعْنًى وَاحِد مِمَّا يَحْتَمِلهُ ذَلِكَ دُون سَائِر الْمَعَانِي غَيْره , لَأَبَانَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِبَانَة غَيْر مُشْكِلَة , إِذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ كِتَابه عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَيِّن لَهُمْ مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ . وَفِي تَرْكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِبَانَة ذَلِكَ أَنَّهُ مُرَاد بِهِ مِنْ وُجُوه تَأْوِيله الْبَعْض دُون الْبَعْض أَوْضَح الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ مُرَاد بِهِ جَمِيع وُجُوهه الَّتِي هُوَ لَهَا مُحْتَمِل , إِذْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا فِي الْعَقْل وَجْه مِنْهَا أَنْ يَكُون مِنْ تَأْوِيله وَمَعْنَاهُ كَمَا كَانَ غَيْر مُسْتَحِيل اِجْتِمَاع الْمَعَانِي الْكَثِيرَة لِلْكَلِمَةِ الْوَاحِدَة بِاللَّفْظِ الْوَاحِد فِي كَلَام وَاحِد . وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ سُئِلَ الْفَرْق بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن سَائِر الْحُرُوف الَّتِي تَأْتِي بِلَفْظٍ وَاحِد مَعَ اِشْتِمَالهَا عَلَى الْمَعَانِي الْكَثِيرَة الْمُخْتَلِفَة كَالْأُمَّةِ وَالدِّين وَمَا أَشْبه ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال . فَلَنْ يَقُول فِي أَحَد ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْأُخَر مِثْله . وَكَذَلِكَ يُسْأَل كُلّ مَنْ تَأَوَّلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه دُون الْأَوْجُه الْأُخَر الَّتِي وَصَفْنَا عَنْ الْبُرْهَان عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ الْوَجْه الَّذِي يُحِبّ التَّسْلِيم لَهُ ثُمَّ يُعَارَض بِقَوْلِهِ يُخَالِفهُ فِي ذَلِكَ , وَيُسْأَل الْفَرْق بَيْنه وَبَيْنه : مِنْ أَصْل , أَوْ مِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ أَصْل , فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْأُخَر مِثْله . وَأَمَّا الَّذِي زَعَمَ مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ نَظِير " بَلْ " فِي قَوْل الْمُنْشِد شِعْرًا : بَلْ مَا هَاجَ أَحْزَانًا وَشَجْوًا قَدْ شَجَا وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ , وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَة فِي الْكَلَام مَعْنَاهُ الطَّرْح ; فَإِنَّهُ أَخْطَأَ مِنْ وُجُوه شَتَّى : أَحَدهَا : أَنَّهُ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِأَنَّهُ خَاطَبَ الْعَرَب بِغَيْرِ مَا هُوَ مِنْ لُغَتهَا وَغَيْر مَا هُوَ فِي لُغَة أَحَد مِنْ الْآدَمِيِّينَ , إِذْ كَانَتْ الْعَرَب وَإِنْ كَانَتْ قَدْ كَانَتْ تَفْتَتِح أَوَائِل إِنْشَادهَا مَا أَنْشَدَتْ مِنْ الشِّعْر ب " بَلْ " , فَإِنَّهُ مَعْلُوم مِنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَبْتَدِئ شَيْئًا مِنْ الْكَلَام ب " الم " و " الر " و " المص " بِمَعْنَى اِبْتِدَائِهَا ذَلِكَ ب " بَلْ " . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ اِبْتِدَائِهَا , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا خَاطَبَهُمْ بِمَا خَاطَبَهُمْ مِنْ الْقُرْآن بِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ لُغَاتهمْ وَيَسْتَعْمِلُونَ بَيْنهمْ مِنْ مَنْطِقهمْ فِي جَمِيع آيِهِ , فَلَا شَكّ أَنَّ سَبِيل مَا وَصَفْنَا مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِهَا أَوَائِل السُّوَر الَّتِي هُنَّ لَهَا فَوَاتِح سَبِيل سَائِر الْقُرْآن فِي أَنَّهُ لَمْ يُعْدَل بِهَا عَنْ لُغَاتهمْ الَّتِي كَانُوا بِهَا عَارِفِينَ وَلَهَا بَيْنهمْ فِي مَنْطِقهمْ مُسْتَعْمِلِينَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سَبِيل لُغَاتهمْ وَمَنْطِقهمْ كَانَ خَارِجًا عَنْ مَعْنَى الْإِبَانَة الَّتِي وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهَا الْقُرْآن , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين عَلَى قَلْبك لِتَكُونَ مِنْ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُبِين }. 26 193 : 195 وَأَنَّى يَكُون مُبِينًا مَا لَا يَعْقِلهُ وَلَا يَفْقَههُ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ فِي قَوْل قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة , وَلَا يُعْرَف فِي مَنْطِق أَحَد مِنْ الْمَخْلُوقِينَ فِي قَوْله ؟ وَفِي إِخْبَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَرَبِيّ مُبِين مَا يُكَذِّب هَذِهِ الْمَقَالَة , وَيُنْبِئ عَنْهُ أَنَّ الْعَرَب كَانُوا بِهِ عَالِمِينَ وَهُوَ لَهَا مُسْتَبِين . فَذَلِكَ أَحَد أَوْجُه خَطَئِهِ . وَالْوَجْه الثَّانِي مِنْ خَطَئِهِ فِي ذَلِكَ : إِضَافَته إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَاطَبَ عِبَاده بِمَا لَا فَائِدَة لَهُمْ فِيهِ وَلَا مَعْنًى لَهُ مِنْ الْكَلَام الَّذِي سَوَاء الْخِطَاب بِهِ وَتَرْك الْخِطَاب بِهِ , وَذَلِكَ إِضَافَة الْعَبَث الَّذِي هُوَ مَنْفِيّ فِي قَوْل جَمِيع الْمُوَحِّدِينَ عَنْ اللَّه , إِلَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَالْوَجْه الثَّالِث مِنْ خَطَئِهِ : أَنَّ " بَلْ " فِي كَلَام الْعَرَب مَفْهُوم تَأْوِيلهَا وَمَعْنَاهَا , وَأَنَّهَا تَدْخُلهَا فِي كَلَامهَا رُجُوعًا عَنْ كَلَام لَهَا قَدْ تَقَضَّى كَقَوْلِهِمْ : مَا جَاءَنِي أَخُوك بَلْ أَبُوك ; وَمَا رَأَيْت عَمْرًا بَلْ عَبْد اللَّه , وَمَا أَشْبه ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام , كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : وَلَأَشْرَبَن ثَمَانِيًا وَثَمَانِيًا وَثَلَاث عَشْرَة وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعَا وَمَضَى فِي كَلِمَته حَتَّى بَلَغَ قَوْله : بِالْجُلَّسَانِ وَطَيِّب أَرْدَانُهُ بِالْوَنِّ يَضْرِب لِي يَكُرّ الْأُصْبُعَا ثُمَّ قَالَ : بَلْ عُدَّ هَذَا فِي قَرِيض غَيْره وَاذْكُرْ فَتًى سَمْح الْخَلِيقَة أَرْوَعَا فَكَأَنَّهُ قَالَ : دَعْ هَذَا وَخُذْ فِي قَرِيض غَيْره . ف " بَلْ " إِنَّمَا يَأْتِي فِي كَلَام الْعَرَب عَلَى هَذَا النَّحْو مِنْ الْكَلَام . فَأَمَّا إِفْسَاحًا لِكَلَامِهَا مُبْتَدَأ بِمَعْنَى التَّطْوِيل وَالْحَذْف مِنْ غَيْر أَنْ يَدُلّ عَلَى مَعْنًى , فَذَلِكَ مِمَّا لَا نَعْلَم أَحَدًا اِدَّعَاهُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَة بِلِسَانِ الْعَرَب وَمَنْطِقهَا , سِوَى الَّذِي ذَكَرْت قَوْله , فَيَكُون ذَلِكَ أَصْلًا يُشْبِه بِهِ حُرُوف الْمُعْجَم الَّتِي هِيَ فَوَاتِح سُوَر الْقُرْآن الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِهَا لَوْ كَانَ لَهُ مُشْبِهَة , فَكَيْفَ وَهِيَ مِنْ الشَّبَه بِهِ بَعِيدَة ؟
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤاْ أَن یَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ ﴿٢﴾
وَأَمَّا قَوْله : { أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : أَظَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا يَا مُحَمَّد مِنْ أَصْحَابك مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ , أَنْ نَتْرُكهُمْ بِغَيْرِ اِخْتِبَار , وَلَا اِبْتِلَاء اِمْتِحَان , بِأَنْ قَالُوا : آمَنَّا بِك يَا مُحَمَّد , فَصَدَّقْنَاك فِيمَا جِئْتنَا بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , كَلَّا لَنَخْتَبِرهُمْ , لِيَتَبَيَّن الصَّادِق مِنْهُمْ مِنْ الْكَاذِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21078 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } قَالَ : يُبْتَلَوْنَ فِي أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ. * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 21079 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } أَيْ لَا يُبْتَلَوْنَ . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّل , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي هَاشِم , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } قَالَ : لَا يُبْتَلَوْنَ . فَإِنَّ الْأُولَى مَنْصُوبَة بِحَسِبَ , وَالثَّانِيَة مَنْصُوبَة فِي قَوْل بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , بِتَعَلُّقِ يُتْرَكُوا بِهَا , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى قَوْله { أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا } لِأَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ; فَلَمَّا حُذِفَتْ اللَّام الْخَافِضَة مِنْ لِأَنْ , نَصَبَتْ عَلَى مَا ذَكَرْت . وَأَمَّا عَلَى قَوْل غَيْره فَهِيَ فِي مَوْضِع خَفْض بِإِضْمَارِ الْخَافِض , وَلَا تَكَاد الْعَرَب تَقُول : تَرَكْت فُلَانًا أَنْ يَذْهَب , فَتَدْخُل أَنْ فِي الْكَلَام , وَإِنَّمَا تَقُول : تَرَكْته يَذْهَب , وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ أَنْ هَاهُنَا لِاكْتِفَاءِ الْكَلَام بِقَوْلِهِ { أَنْ يُتْرَكُوا } إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ : أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ , مِنْ أَجْل أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا , فَكَانَ قَوْله : { أَنْ يُتْرَكُوا } مُكْتَفِيَة بِوُقُوعِهَا عَلَى النَّاس , دُون أَخْبَارهمْ . وَإِنْ جُعِلَتْ " أَنْ " فِي قَوْله { أَنْ يَقُولُوا } مَنْصُوبَة بِنِيَّةِ تَكْرِير أَحَسِبَ , كَانَ جَائِزًا , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا : أَحَسِبُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ .
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُواْ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ ﴿٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فَلَيَعْلَمَن اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ اِخْتَبَرْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم , مِمَّنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلنَا , فَقَالُوا مِثْل مَا قَالَتْهُ أُمَّتك يَا مُحَمَّد بِأَعْدَائِهِمْ , وَتَمْكِيننَا إِيَّاهُمْ مِنْ أَذَاهُمْ , كَمُوسَى إِذَا أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل , فَابْتَلَيْنَاهُمْ بِفِرْعَوْن وَمَلَئِهِمْ , وَكَعِيسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل , فَابْتَلَيْنَا مَنْ اِتَّبَعَهُ بِمَنْ تَوَلَّى عَنْهُ , فَكَذَلِكَ اِبْتَلَيْنَا أَتْبَاعك بِمُخَالِفِيك مِنْ أَعْدَائِك { فَلَيَعْلَمَن اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا } مِنْهُمْ فِي قِيلهمْ آمَنَّا { وَلَيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ } مِنْهُمْ فِي قِيلهمْ ذَلِكَ , وَاَللَّه عَالِم بِذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْل الِاخْتِبَار , وَفِي حَال الِاخْتِبَار , وَبَعْد الِاخْتِبَار , وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَيَظْهَرَن اللَّه صِدْق الصَّادِق مِنْهُمْ فِي قِيله آمَنَّا بِاَللَّهِ مِنْ كَذِب الْكَاذِب مِنْهُمْ بِابْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِعَدُوِّهِ , لِيَعْلَم صِدْقه مِنْ كَذِبه أَوْلِيَاؤُهُ , عَلَى نَحْو مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَذَّبَهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَفَتَنَ بَعْضهمْ , وَصَبَرَ بَعْضهمْ عَلَى أَذَاهُمْ حَتَّى أَتَاهُمْ اللَّه بِفَرَجٍ مِنْ عِنْده . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 21080 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : نَزَلَتْ , يَعْنِي هَذِهِ الْآيَة { الم . أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا } إِلَى قَوْله { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } فِي عَمَّار بْن يَاسِر , إِذْ كَانَ يُعَذَّب فِي اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْل قَوْم كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَام بِمَكَّة , وَتَخَلَّفُوا عَنْ الْهِجْرَة , وَالْفِتْنَة الَّتِي فُتِنَ بِهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَى مَقَالَة هَؤُلَاءِ , هِيَ الْهِجْرَة الَّتِي اُمْتُحِنُوا بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21081 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ مَطَر , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ , يَعْنِي { الم . أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا } الْآيَتَيْنِ فِي أُنَاس كَانُوا بِمَكَّة أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَصْحَاب مُحَمَّد نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة : إِنَّهُ لَا يَقْبَل مِنْكُمْ إِقْرَارًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى تُهَاجِرُوا , فَخَرَجُوا عَامِدِينَ إِلَى الْمَدِينَة , فَاتَّبَعَهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَرَدُّوهُمْ , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ فِيكُمْ آيَة كَذَا وَكَذَا , فَقَالُوا : نَخْرُج , فَإِنْ اِتَّبَعَنَا أَحَدٌ قَاتَلْنَاهُ ; قَالَ : فَخَرَجُوا فَاتَّبَعَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ ثَمَّ , فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ , وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا , فَأَنْزَلَهُ اللَّه فِيهِمْ : { ثُمَّ إِنَّ رَبّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْد مَا فُتِنُوا , ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا لَغَفُور رَحِيم } 16 110 21082 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَلَقَدْ فَتَنَّا } قَالَ : اِبْتَلَيْنَا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّل , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي هَاشِم , عَنْ مُجَاهِد { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } قَالَ : اِبْتَلَيْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي هَاشِم , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 21083 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } أَيْ اِبْتَلَيْنَا.
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن یَسۡبِقُونَاۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ ﴿٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات أَنْ يَسْبِقُونَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره , وَهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ { الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات أَنْ يَسْبِقُونَا } يَقُول : أَنْ يُعْجِزُونَا فَيَفُوتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ , فَلَا نَقْدِر عَلَيْهِمْ فَنَنْتَقِم مِنْهُمْ لِشِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } أَيْ الشِّرْك أَنْ يَسْبِقُونَا . 21085 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنْ يَسْبِقُونَا } أَنْ يُعْجِزُونَا .



وَقَوْله : { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : سَاءَ حُكْمهمْ الَّذِي يَحْكُمُونَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات يَسْبِقُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ.
مَن كَانَ یَرۡجُواْ لِقَاۤءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتࣲۚ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّه فَإِنَّ أَجَل اللَّه لَآتٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه يَوْم لِقَائِهِ , وَيَطْمَع فِي ثَوَابه , فَإِنَّ أَجَل اللَّه الَّذِي أَجَّلَه لِبَعْثِ خَلْقه لِلْجَزَاءِ وَالْعِقَاب لَآتٍ قَرِيبًا .



{ وَهُوَ السَّمِيع } يَقُول : وَاَللَّه الَّذِي يَرْجُو هَذَا الرَّاجِي بِلِقَائِهِ ثَوَابه , السَّمِيع لِقَوْلِهِ : آمَنَّا بِاَللَّهِ , { الْعَلِيم } بِصِدْقِ قِيله إِنَّهُ قَدْ آمَنَ مِنْ كَذِبه فِيهِ .
وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا یُجَـٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٦﴾
وَقَوْله : { وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِد لِنَفْسِهِ } يَقُول : وَمَنْ يُجَاهِد عَدُوّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّمَا يُجَاهِد لِنَفْسِهِ , لِأَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ اِبْتِغَاء الثَّوَاب مِنْ اللَّه عَلَى جِهَاده , وَالْهَرَب مِنْ الْعِقَاب , فَلَيْسَ بِاَللَّهِ إِلَى فِعْله ذَلِكَ حَاجَة , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ جَمِيع خَلْقه , لَهُ الْمُلْك وَالْخَلْق وَالْأَمْر .
وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِی كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَأُكَفِّرَن عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ وَلَأَجْزِيَنهمْ أَحْسَن الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله , فَصَحَّ إِيمَانهمْ عِنْد اِبْتِلَاء اللَّه إِيَّاهُمْ وَفِتْنَته لَهُمْ , وَلَمْ يَرْتَدُّوا عَنْ أَدْيَانهمْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ { وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَأُكَفِّرَن عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي شِرْكهمْ { وَلَأَجْزِيَنهمْ أَحْسَن الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : وَلَأُثِيبَنهُمْ عَلَى صَالِحَات أَعْمَالهمْ فِي إِسْلَامهمْ , أَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي حَال شِرْكهمْ مَعَ تَكْفِيرنَا سَيِّئَات أَعْمَالهمْ .
وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَ ٰ⁠لِدَیۡهِ حُسۡنࣰاۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۤۚ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِه تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ } فِيمَا أَنْزَلْنَا إِلَى رَسُولنَا { بِوَالِدَيْهِ } أَنْ يَفْعَل بِهِمَا { حُسْنًا } . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الْحُسْن , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّة تَكْرِير وَصَّيْنَا . وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ , وَوَصَّيْنَاهُ حُسْنًا . وَقَالَ : قَدْ يَقُول الرَّجُل وَصِيَّته خَيْرًا : أَيْ بِخَيْرٍ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مَعْنَى ذَلِكَ : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان أَنْ يَفْعَل حُسْنًا , وَلَكِنَّ الْعَرَب تُسْقِط مِنْ الْكَلَام بَعْضه إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ الدَّلَالَة عَلَى مَا سَقَطَ , وَتُعْمِل مَا بَقِيَ فِيمَا كَانَ يَعْمَل فِيهِ الْمَحْذُوف , فَنُصِبَ قَوْله { حُسْنًا } وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى مَا وَصَفْت وَصَّيْنَا , لِأَنَّهُ قَدْ نَابَ عَنْ السَّاقِط , وَأُنْشِدَ فِي ذَلِكَ : عَجِبْت مِنْ دَهْمَاء إِذْ تَشْكُونَا وَمِنْ أَبِي دَهْمَاء إِذْ يُوصِينَا خَيْرًا بِهَا كَأَنَّنَا جَافَوْنَا وَقَالَ : مَعْنَى قَوْله : يُوصِينَا خَيْرًا : أَنْ نَفْعَل بِهَا خَيْرًا , فَاكْتَفَى بِيُوصِينَا مِنْهُ , وَقَالَ : ذَلِكَ نَحْو قَوْله { فَطَفِقَ مَسْحًا } 38 33 أَيْ يَمْسَح مَسْحًا .



وَقَوْله : { وَإِنْ جَاهَدَاك لِتُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم فَلَا تُطِعْهُمَا } يَقُول : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان , فَقُلْنَا لَهُ : إِنْ جَاهَدَاك وَالِدَاك لِتُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم أَنَّهُ لَيْسَ لِي شَرِيك , فَلَا تُطِعْهُمَا فَتُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم اِبْتِغَاء مَرْضَاتهمَا , وَلَكِنْ خَالِفْهُمَا فِي ذَلِكَ .





{ إِلَيَّ مَرْجِعكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِلَيَّ مَعَادكُمْ وَمَصِيركُمْ يَوْم الْقِيَامَة { فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول : فَأُخْبِركُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ صَالِح الْأَعْمَال وَسَيِّئَاتهَا , ثُمَّ أُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا الْمُحْسِن بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِمَا هُوَ أَهْله. وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21086 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } إِلَى قَوْله { فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص لَمَّا هَاجَرَ , قَالَتْ أُمّه : وَاَللَّه لَا يُظِلّنِي بَيْت حَتَّى يَرْجِع , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْسِن إِلَيْهِمَا , وَلَا يُطِيعهُمَا فِي الشِّرْك .
وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِی ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَأُدْخِلَنهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } بِاَللَّهِ وَرَسُوله { وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } مِنْ الْأَعْمَال , وَذَلِكَ أَنْ يُؤَدُّوا فَرَائِض اللَّه , وَيَجْتَنِبُوا مَحَارِمه { لَأُدْخِلَنهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } فِي مَدْخَل الصَّالِحِينَ , وَذَلِكَ الْجَنَّة .
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَاۤ أُوذِیَ فِی ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَىِٕن جَاۤءَ نَصۡرࣱ مِّن رَّبِّكَ لَیَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَیۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِی صُدُورِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه جَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه وَلَئِنْ جَاءَ نَصْر مِنْ رَبّك لَيَقُولُن إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : أَقْرَرْنَا بِاَللَّهِ فَوَحَّدْنَاهُ , فَإِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَاره بِاَللَّهِ , جَعَلَ فِتْنَة النَّاس إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا , كَعَذَابِ اللَّه فِي الْآخِرَة , فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانه بِاَللَّهِ , رَاجِعًا عَلَى الْكُفْر بِهِ { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْر مِنْ رَبّك } يَا مُحَمَّد أَهْل الْإِيمَان بِهِ { لَيَقُولُن } هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدُّونَ عَنْ إِيمَانهمْ , الْجَاعِلُونَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه : { إِنَّا كُنَّا } أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ { مَعَكُمْ } نَنْصُركُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ , كَذِبًا وَإِفْكًا . يَقُول اللَّه : { أَوَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم } أَيّهَا الْقَوْم مِنْ كُلّ أَحَد { بِمَا فِي صُدُور الْعَالَمِينَ } جَمِيع خَلْقه , الْقَائِلِينَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَغَيْرهمْ , فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه اِرْتَدَّ عَنْ دِين اللَّه فَكَيْفَ يُخَادِع مَنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , وَلَا يَسْتَتِر عَنْهُ سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَة. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ , فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه جَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه } قَالَ : فِتْنَته أَنْ يَرْتَدّ عَنْ دِين اللَّه إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه . 21088 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه جَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه } إِلَى قَوْله { وَلَيَعْلَمَن الْمُنَافِقِينَ } قَالَ : أُنَاس يُؤْمِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ , فَإِذَا أَصَابَهُمْ بَلَاء مِنْ اللَّه أَوْ مُصِيبَة فِي أَنْفُسهمْ اُفْتُتِنُوا , فَجَعَلُوا ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّه فِي الْآخِرَة . 21089 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ } الْآيَة , نَزَلَتْ فِي نَاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِمَكَّة كَانُوا يُؤْمِنُونَ , فَإِذَا أُوذُوا وَأَصَابَهُمْ بَلَاء مِنْ الْمُشْرِكِينَ , رَجَعُوا إِلَى الْكُفْر مَخَافَة مَنْ يُؤْذِيهِمْ , وَجَعَلُوا أَذَى النَّاس فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّه . 21090 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه { فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه جَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه } قَالَ : هُوَ الْمُنَافِق إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه رَجَعَ عَنْ الدِّين وَكَفَرَ , وَجَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْإِيمَان كَانُوا بِمَكَّة , فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ , فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأُعْطُوا الْمُشْرِكِينَ لَمَّا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْهُمْ . ذِكْر الْخَبَر بِذَلِكَ : 21091 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن شَرِيك , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة أَسْلَمُوا , وَكَانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ , فَأَخْرَجَهُمْ الْمُشْرِكُونَ , يَوْم بَدْر مَعَهُمْ , فَأُصِيبَ بَعْضهمْ وَقُتِلَ بَعْض , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَانَ أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ , وَأُكْرِهُوا , فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ , فَنَزَلَتْ : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة ظَالِمِي أَنْفُسهمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ } 4 97 إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : فَكُتِبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْآيَة أَنْ لَا عُذْر لَهُمْ , فَخَرَجُوا , فَلَحِقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَأَعْطَوْهُمْ الْفِتْنَة , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ , فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه جَعَلَ فِتْنَة النَّاس كَعَذَابِ اللَّه } إِلَى آخِر الْآيَة , فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , فَخَرَجُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلّ خَيْر , ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ : { ثُمَّ إِنَّ رَبّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْد مَا فُتِنُوا , ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا , إِنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا لَغَفُور رَحِيم } 16 110 فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا , فَخَرَجُوا , فَأَدْرَكَهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَقَاتَلُوهُمْ , حَتَّى نَجَا مَنْ نَجَا , وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ. 21092 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ , فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّه } إِلَى قَوْله { وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } قَالَ : هَذِهِ الْآيَات أُنْزِلَتْ فِي الْقَوْم الَّذِينَ رَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ إِلَى مَكَّة , وَهَذِهِ الْآيَات الْعَشْر مَدَنِيَّة إِلَى هَهُنَا وَسَائِرهَا مَكِّيّ.
وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ ﴿١١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه أَوْلِيَاء اللَّه , وَحِزْبه أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ مِنْكُمْ أَيّهَا الْقَوْم , وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْكُمْ حَتَّى يُمَيِّزُوا كُلّ فَرِيق مِنْكُمْ مِنْ الْفَرِيق الْآخَر , بِإِظْهَارِ اللَّه ذَلِكَ مِنْكُمْ بِالْمِحَنِ وَالِابْتِلَاء وَالِاخْتِبَار وَبِمُسَارَعَةِ الْمُسَارِع مِنْكُمْ إِلَى الْهِجْرَة مِنْ دَار الشِّرْك إِلَى دَار الْإِسْلَام , وَتَثَاقُل الْمُتَثَاقِل مِنْكُمْ عَنْهَا.
وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ لِلَّذِینَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِیلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَـٰیَـٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِینَ مِنۡ خَطَـٰیَـٰهُم مِّن شَیۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ ﴿١٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ مِنْ قُرَيْش لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ مِنْهُمْ : { اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا } يَقُول : قَالُوا : كُونُوا عَلَى مِثْل مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيب بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات وَجُحُود الثَّوَاب وَالْعِقَاب عَلَى الْأَعْمَال { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } يَقُول : قَالُوا فَإِنَّكُمْ إِنْ اِتَّبَعْتُمْ سَبِيلنَا فِي ذَلِكَ , فَبُعِثْتُمْ مِنْ بَعْد الْمَمَات , وَجُوزِيتُمْ عَلَى الْأَعْمَال , فَإِنَّا نَتَحَمَّل آثَام خَطَايَاكُمْ حِينَئِذٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21093 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } قَالَ : قَوْل كُفَّار قُرَيْش بِمَكَّة لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ , يَقُول : قَالُوا : لَا نُبْعَث نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ , فَاتَّبِعُونَا إِنْ كَانَ عَلَيْكُمْ شَيْء فَهُوَ عَلَيْنَا. 21094 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } هُمْ الْقَادَة مِنْ الْكُفَّار , قَالُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْ الْأَتْبَاع : اُتْرُكُوا دِين مُحَمَّد وَاتَّبِعُوا دِيننَا , وَهَذَا أَعْنِي قَوْله { اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَج الْأَمْر , فَإِنَّ فِيهِ تَأْوِيل الْجَزَاء , وَمَعْنَاهُ مَا قُلْت : إِنْ اِتَّبَعْتُمْ سَبِيلنَا حَمَلْنَا خَطَايَاكُمْ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فُقْت اُدْعِي وَأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ يُرِيد : اُدْعِي وَلْأَدْعُ , وَمَعْنَاهُ : إِنْ دَعَوْت دَعَوْت .



وَقَوْله : { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وَهَذَا تَكْذِيب مِنْ اللَّه لِلْمُشْرِكِينَ الْقَاتِلِينَ لِلَّذِينَ آمَنُوا { اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَذَبُوا فِي قِيلهمْ ذَلِكَ لَهُمْ , مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ آثَام خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء , إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوا لَهُمْ وَوَعَدُوهُمْ , مِنْ حَمْل خَطَايَاهُمْ إِنْ هُمْ اِتَّبَعُوهُمْ.
وَلَیَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالࣰا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَیُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ یَفۡتَرُونَ ﴿١٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيَحْمِلُنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ الْقَائِلُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ أَوْزَار أَنْفُسهمْ وَآثَامهَا , وَأَوْزَار مَنْ أَضَلُّوا وَصُدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه مَعَ أَوْزَارهمْ , وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِوَعْدِهِمْ إِيَّاهُمْ الْأَبَاطِيل , وَقِيلهمْ لَهُمْ : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ فَيَفْتَرُونَ الْكَذِب بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21095 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ } أَيْ أَوْزَارهمْ { وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ } يَقُول أَوْزَار مَنْ أَضَلُّوا . 21096 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ , وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ } . وَقَرَأَ قَوْله : { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارهمْ كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة , وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } 16 25 قَالَ : فَهَذَا قَوْله { وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ }
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِیهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِینَ عَامࣰا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَـٰلِمُونَ ﴿١٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمه فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } وَهَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش , الْقَائِلِينَ لِلَّذِينَ آمَنُوا : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا , وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ , يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحْزُنَنك يَا مُحَمَّد مَا تَلْقَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْتَ وَأَصْحَابك مِنْ الْأَذَى , فَإِنِّي وَإِنْ أَمْلَيْت لَهُمْ فَأَطَلْت إِمْلَاءَهُمْ , فَإِنَّ مَصِير أَمْرهمْ إِلَى الْبَوَار , وَمَصِير أَمْرك وَأَمْر أَصْحَابك إِلَى الْعُلُوّ وَالظَّفَر بِهِمْ , وَالنَّجَاة مِمَّا يَحِلّ بِهِمْ مِنْ الْعِقَاب , كَفِعْلِنَا ذَلِكَ بِنُوحٍ , إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى قَوْمه , فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيد , وَفِرَاق الْآلِهَة وَالْأَوْثَان , فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ مِنْ دُعَائِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى اللَّه مِنْ الْإِقْبَال إِلَيْهِ , وَقَبُول مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ النَّصِيحَة مِنْ عِنْد اللَّه إِلَّا فِرَارًا. وَذُكِرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمه وَهُوَ اِبْن ثَلَاث مِائَة وَخَمْسِينَ سَنَة , كَمَا : 21097 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثَنَا نُوح بْن قَيْس , قَالَ : ثَنَا عَوْن بْن أَبِي شَدَّاد , قَالَ : إِنَّ اللَّه أَرْسَلَ نُوحًا إِلَى قَوْمه وَهُوَ اِبْن خَمْسِينَ وَثَلَاث مِائَة سَنَة فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا , ثُمَّ عَاشَ , بَعْد ذَلِكَ خَمْسِينَ وَثَلَاث مِائَة سَنَة



{ فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَهْلَكَهُمْ الْمَاء الْكَثِير , وَكُلّ مَاء كَثِير فَاش طَامٍ , فَهُوَ عِنْد الْعَرَب طُوفَان , سَيْلًا كَانَ أَوْ غَيْره , وَكَذَلِكَ الْمَوْت إِذَا كَانَ فَاشِيًا كَثِيرًا , فَهُوَ أَيْضًا عِنْدهمْ طُوفَان ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : أَفْنَاهُمْ طُوفَان مَوْت جَارِف وَبِنَحْوِ قَوْلنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21098 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَان } قَالَ : هُوَ الْمَاء الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ. 21099 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : الطُّوفَان : الْغَرَق. وَقَوْله : { وَهُمْ ظَالِمُونَ } يَقُول : وَهُمْ ظَالِمُونَ أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ .
فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَأَصۡحَـٰبَ ٱلسَّفِینَةِ وَجَعَلۡنَـٰهَاۤ ءَایَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ ﴿١٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَاب السَّفِينَة وَجَعَلْنَاهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَنْجَيْنَا نُوحًا وَأَصْحَاب سَفِينَته , وَهُمْ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ فِي سَفِينَته مِنْ وَلَده وَأَزْوَاجهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَات فِيهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . { وَجَعَلْنَاهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ } يَقُول : وَجَعَلْنَا السَّفِينَة الَّتِي أَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابه فِيهَا عِبْرَة وَعِظَة لِلْعَالَمِينَ , وَحُجَّة عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21100 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة , قَوْله { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَاب السَّفِينَة } الْآيَة . قَالَ : أَبْقَاهَا اللَّه آيَة لِلنَّاسِ بِأَعْلَى الْجُودِيّ . وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَى : { وَجَعَلْنَاهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ } وَجَعَلْنَا عُقُوبَتنَا إِيَّاهُمْ آيَة لِلْعَالَمِينَ , وَجَعَلَ الْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله { وَجَعَلْنَاهَا } كِنَايَة عَنْ الْعُقُوبَة أَوْ السَّخَط , وَنَحْو ذَلِكَ , إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْله { فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَان وَهُمْ ظَالِمُونَ } كَانَ وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل.
وَإِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ﴿١٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللَّه وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ أَيْضًا يَا مُحَمَّد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن , إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ : اُعْبُدُوا اللَّه أَيّهَا الْقَوْم دُون غَيْره مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , فَإِنَّهُ لَا إِلَه لَكُمْ غَيْره , { وَاتَّقُوهُ } يَقُول : وَاتَّقُوا سَخَطه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه { ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } مَا هُوَ خَيْر لَكُمْ مِمَّا هُوَ شَرّ لَكُمْ .
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَـٰنࣰا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا یَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقࣰا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۤۖ إِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿١٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل خَلِيله إِبْرَاهِيم لِقَوْمِهِ : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ أَيّهَا الْقَوْم مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا , يَعْنِي مُثُلًا . كَمَا : 21101 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا } أَصْنَامًا .



وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21102 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } يَقُول : تَصْنَعُونَ كَذِبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : وَتَقُولُونَ كَذِبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21103 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } يَقُول : وَتَقُولُونَ إِفْكًا. 21104 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } يَقُول : تَقُولُونَ كَذِبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَنْحِتُونَ إِفْكًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21105 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } قَالَ : تَنْحِتُونَ تُصَوِّرُونَ إِفْكًا . 21106 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } أَيْ تَصْنَعُونَ أَصْنَامًا . 21107 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } الْأَوْثَان الَّتِي يَنْحِتُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَلْق فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا , وَتَصْنَعُونَ كَذِبًا وَبَاطِلًا . وَإِنَّمَا فِي قَوْله { إِفْكًا } مَرْدُود عَلَى إِنَّمَا , كَقَوْلِ الْقَائِل : إِنَّمَا تَفْعَلُونَ كَذَا , وَإِنَّمَا تَفْعَلُونَ كَذَا. وَقَرَأَ جَمِيع قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } بِتَخْفِيفِ الْخَاء مِنْ قَوْله : { وَتَخْلُقُونَ } وَضَمّ اللَّام : مِنْ الْخَلْق . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ قَرَأَ : { وَتُخَلِّقُونَ إِفْكًا } بِفَتْحِ الْخَاء وَتَشْدِيد اللَّام مِنْ التَّخْلِيق. وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ .





وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ أَوْثَانكُمْ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا , لَا تَقْدِر أَنْ تَرْزُقكُمْ شَيْئًا





{ فَابْتَغُوا عِنْد اللَّه الرِّزْق } يَقُول : فَالْتَمِسُوا عِنْد اللَّه الرِّزْق لَا مِنْ عِنْد أَوْثَانكُمْ , تُدْرِكُوا مَا تَبْتَغُونَ مِنْ ذَلِكَ { وَعَبَدُوهُ } يَقُول : وَذَلُّوا لَهُ { وَشَكَرُوا لَهُ } عَلَى رِزْقه إِيَّاكُمْ , وَنِعَمه الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ . يُقَال : شَكَرْته وَشَكَرْت لَهُ , ( وَالثَّانِيَة ) أُفْصِح مَنْ شَكَرْته .



وَقَوْله : { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يَقُول : إِلَى اللَّه تُرَدُّونَ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَيَسْأَلكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتكُمْ غَيْره وَأَنْتُمْ عِبَاده وَخَلْقه , وَفِي نِعَمه تَتَقَلَّبُونَ , وَرِزْقه تَأْكُلُونَ.
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمࣱ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ ﴿١٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَم مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ تُكَذِّبُوا أَيّهَا النَّاس رَسُولنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَة رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان , فَقَدْ كَذَّبَتْ جَمَاعَات مِنْ قَبْلكُمْ رُسُلهَا فِيمَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ الرُّسُل مِنْ الْحَقّ , فَحَلَّ بِهَا مِنْ اللَّه سَخَطه , وَنَزَلَ بِهَا مِنْهُ عَاجِل عُقُوبَته , فَسَبِيلكُمْ سَبِيلهَا فِيمَا هُوَ نَازِل بِكُمْ بِتَكْذِيبِكُمْ إِيَّاهُ .



{ وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبِين } يَقُول : وَمَا عَلَى مُحَمَّد إِلَّا أَنْ يُبَلِّغكُمْ عَنْ اللَّه رِسَالَته , وَيُؤَدِّي إِلَيْكُمْ مَا أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ إِلَيْكُمْ رَبّه . وَيَعْنِي بِالْبَلَاغِ الْمُبِين : الَّذِي يُبَيِّن لِمَنْ سَمِعَهُ مَا يُرَاد بِهِ , وَيُفْهَم بِهِ مَا يَعْنِي بِهِ .
أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ كَیۡفَ یُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥۤۚ إِنَّ ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ ﴿١٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئ اللَّه الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَسْتَأْنِف اللَّه خَلْق الْأَشْيَاء طِفْلًا صَغِيرًا , ثُمَّ غُلَامًا يَافِعًا , ثُمَّ رَجُلًا مُجْتَمِعًا , ثُمَّ كَهْلًا . يُقَال مِنْهُ : أَبْدَأَ وَأَعَادَ , وَبَدَأَ وَعَادَ , لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَوْله : { ثُمَّ يُعِيدهُ } يَقُول : ثُمَّ هُوَ يُعِيدهُ مِنْ بَعْد فَنَائِهِ وَبِلَاهُ , كَمَا بَدَأَهُ أَوَّل مَرَّة خَلْقًا جَدِيدًا , لَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21108 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئ اللَّه الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ } : بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَوْت .



{ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِير } سَهْل كَمَا كَانَ يَسِيرًا عَلَيْهِ إِبْدَاؤُهُ .
قُلۡ سِیرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ یُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ ﴿٢٠﴾
وَقَوْله { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْمُنْكَرِينَ لِلْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات , الْجَاحِدِينَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب : سِيرُوا فِي الْأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ اللَّه الْأَشْيَاء وَكَيْفَ أَنْشَأَهَا وَأَحْدَثَهَا ; وَكَمَا أَوْجَدَهَا وَأَحْدَثهَا اِبْتِدَاء , فَلَمْ يَتَعَذَّر عَلَيْهِ إِحْدَاثهَا مُبْدِئًا , فَكَذَلِكَ لَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ إِنْشَاؤُهَا مُعِيدًا { ثُمَّ اللَّه يُنْشِئ النَّشْأَة الْآخِرَة } يَقُول : ثُمَّ اللَّه يُبْدِئ تِلْكَ الْبَدْأَة الْآخِرَة بَعْد الْفَنَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21109 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق } خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض { ثُمَّ اللَّه يُنْشِئ النَّشْأَة الْآخِرَة } : أَيْ الْبَعْث بَعْد الْمَوْت. 21110 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثُمَّ اللَّه يُنْشِئ النَّشْأَة الْآخِرَة } قَالَ : هِيَ الْحَيَاة بَعْد الْمَوْت , وَهُوَ النُّشُور.





وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه عَلَى إِنْشَاء جَمِيع خَلْقه بَعْد إِفْنَائِهِ كَهَيْئَتِهِ قَبْل فَنَائِهِ , وَعَلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَشَاء فِعْله قَادِر لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ .
یُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُ وَیَرۡحَمُ مَن یَشَاۤءُۖ وَإِلَیۡهِ تُقۡلَبُونَ ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُعَذِّب مَنْ يَشَاء وَيَرْحَم مَنْ يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ اللَّه يُنْشِئ النَّشْأَة الْآخِرَة خَلْقه مِنْ بَعْد فَنَائِهِمْ , فَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ عَلَى مَا أَسْلَفَ مِنْ جُرْمه فِي أَيَّام حَيَاته , وَيَرْحَم مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ مِمَّنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا



{ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } يَقُول : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَتُرَدُّونَ.
وَمَاۤ أَنتُم بِمُعۡجِزِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرࣲ ﴿٢٢﴾
وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء } فَإِنَّ اِبْن زَيْد قَالَ فِي ذَلِكَ مَا : 21111 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء } قَالَ : لَا يُعْجِزهُ أَهْل الْأَرَضِينَ فِي الْأَرَضِينَ وَلَا أَهْل السَّمَاوَات فِي السَّمَاوَات إِنْ عَصَوْهُ , وَقَرَأَ : { مِثْقَال ذَرَّة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض , وَلَا أَصْغَر مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَر إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } 10 61 وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَنْ فِي الْأَرْض وَلَا مَنْ فِي السَّمَاء مُعْجِزِينَ قَالَ : وَهُوَ مِنْ غَامِض الْعَرَبِيَّة لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَر فِي الثَّانِي . قَالَ : وَمِثْله قَوْل حَسَّان بْن ثَابِت : أَمَّنْ يَهْجُو رَسُول اللَّه مِنْكُمْ وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء ؟ أَرَادَ : وَمَنْ يَنْصُرهُ وَيَمْدَحهُ , فَأَضْمَرَ " مَنْ " . قَالَ : وَقَدْ يَقَع فِي وَهْم السَّامِع أَنَّ النَّصْر وَالْمَدْح لِمَنْ هَذِهِ الظَّاهِرَة ; وَمِثْله فِي الْكَلَام : أَكْرَم مَنْ أَتَاك وَأَتَى أَبَاك , وَأَكْرَم مَنْ أَتَاك وَلَمْ يَأْتِ زَيْدًا . تُرِيد : وَمَنْ لَمْ يَأْتِ زَيْدًا , فَيَكْتَفِي بِاخْتِلَافِ الْأَفْعَال مِنْ إِعَادَة مَنْ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَمَّنْ يَهْجُو , وَمَنْ يَمْدَحهُ , وَمَنْ يَنْصُرهُ . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ } 13 10 وَهَذَا الْقَوْل أَصَحّ عِنْدِي فِي الْمَعْنَى مِنْ الْقَوْل الْآخَر , وَلَوْ قَالَ قَائِل : مَعْنَاهُ : وَلَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض , وَلَا أَنْتُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاء بِمُعْجِزِينَ كَانَ مَذْهَبًا .



وَقَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } يَقُول : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ يَلِي أُمُوركُمْ , وَلَا نَصِير يَنْصُركُمْ مِنْ اللَّه إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا وَلَا يَمْنَعكُمْ مِنْهُ إِنْ أَحَلَّ بِكُمْ عُقُوبَته.
وَٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَاۤىِٕهِۦۤ أُوْلَـٰۤىِٕكَ یَىِٕسُواْ مِن رَّحۡمَتِی وَأُوْلَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿٢٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا حُجَج اللَّه , وَأَنْكَرُوا أَدِلَّته , وَجَحَدُوا لِقَاءَهُ وَالْوُرُود عَلَيْهِ , يَوْم تَقُوم السَّاعَة { أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي فِي الْآخِرَة لِمَا عَايَنُوا مَا أُعِدّ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب , وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب مُوجِع . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ اُعْتُرِضَ بِهَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله { وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَم مِنْ قَبْلكُمْ } إِلَى قَوْله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وَتُرِكَ ضَمِير قَوْله { فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه } وَهُوَ مِنْ قِصَّة إِبْرَاهِيم . وَقَوْله { إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه } إِلَى قَوْله { فَابْتَغُوا عِنْد اللَّه الرِّزْق وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . قِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ الْخَبَر عَنْ أَمْر نُوح وَإِبْرَاهِيم وَقَوْمهمَا , وَسَائِر مَنْ ذَكَرَ اللَّه مِنْ الرُّسُل وَالْأُمَم فِي هَذِهِ السُّورَة وَغَيْرهَا , إِنَّمَا هُوَ تَذْكِير مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِ الَّذِينَ يَبْتَدِئ بِذِكْرِهِمْ قَبْل الِاعْتِرَاض بِالْخَبَرِ , وَتَحْذِير مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يَحِلّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ , فَكَأَنَّهُ قِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِع : فَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ , فَكَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ مَعْشَر قُرَيْش رَسُولكُمْ مُحَمَّدًا , كَمَا كَذَّبَ أُولَئِكَ إِبْرَاهِيم , ثُمَّ جُعِلَ مَكَان : فَكَذَّبْتُمْ : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَم مِنْ قَبْلكُمْ , إِذْ كَانَ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى الْخَبَر عَنْ تَكْذِيبهمْ رَسُولهمْ , ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَر عَنْ إِبْرَاهِيم وَقَوْمه , وَتَتْمِيم قِصَّته وَقِصَّتهمْ بِقَوْلِهِ { فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه }
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿٢٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوا فَأَنْجَاهُ اللَّه مِنْ النَّار إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمْ يَكُنْ جَوَاب قَوْم إِبْرَاهِيم لَهُ إِذْ قَالَ لَهُمْ : اُعْبُدُوا اللَّه وَاتَّقُوهُ , ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ , إِلَّا أَنْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ بِالنَّارِ , فَفَعَلُوا , فَأَرَادُوا إِحْرَاقه بِالنَّارِ , فَأَضْرَمُوا لَهُ النَّار , فَأَلْقَوْهُ فِيهَا , فَأَنْجَاهُ اللَّه مِنْهَا , وَلَمْ يُسَلِّطهَا عَلَيْهِ , بَلْ جَعَلَهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا . كَمَا : 21112 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْم إِبْرَاهِيم { إِلَّا أَنْ قَالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ , فَأَنْجَاهُ اللَّه مِنْ النَّار } قَالَ : قَالَ كَعْب : مَا حَرَقَتْ مِنْهُ إِلَّا وِثَاقه { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي إِنْجَائِنَا لِإِبْرَاهِيم مِنْ النَّار , وَقَدْ أُلْقِيَ فِيهَا وَهِيَ تُسَعَّر , وَتَصْيِيرهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا , لَأَدِلَّة وَحُجَجًا لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِالْأَدِلَّةِ وَالْحُجَج إِذَا عَايَنُوا وَرَأَوْا .
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَـٰنࣰا مَّوَدَّةَ بَیۡنِكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ ثُمَّ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضࣲ وَیَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِینَ ﴿٢٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا مَوَدَّة بَيْنكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم لِقَوْمِهِ : { وَقَالَ } إِبْرَاهِيم لِقَوْمِهِ : يَا قَوْم { إِنَّمَا اِتَّخَذْت مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مَوَدَّة بَيْنكُمْ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالشَّأْم وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " مَوَدَّة " بِنَصْبِ مَوَدَّة بِغَيْرِ إِضَافَة بَيْنكُمْ بِنَصْبِهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ : { مَوَدَّة بَيْنكُمْ } بِنَصْبِ الْمَوَدَّة وَإِضَافَتهَا إِلَى قَوْله { بَيْنكُمْ } وَخَفْض بَيْنكُمْ . وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا قَوْله : { مَوَدَّة } نَصْبًا وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إِلَى : إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم أَوْثَانًا مَوَدَّة بَيْنكُمْ , فَجَعَلُوا إِنَّمَا حَرْفًا وَاحِدًا , وَأَوْقَعُوا قَوْله { اِتَّخَذْتُمْ } عَلَى الْأَوْثَان , فَنَصَبُوهَا بِمَعْنَى : اِتَّخَذْتُمُوهَا مَوَدَّة بَيْنكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , تَتَحَابُّونَ عَلَى عِبَادَتهَا , وَتَتَوَادُّونَ عَلَى خِدْمَتهَا , فَتَتَوَاصَلُونَ عَلَيْهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء أَهْل مَكَّة وَالْبَصْرَة : " مَوَدَّة بَيْنكُمْ " بِرَفْعِ الْمَوَدَّة وَإِضَافَتهَا إِلَى الْبَيْن , وَخَفْض الْبَيْن. وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ , جَعَلُوا " إِنَّ مَا " حَرْفَيْنِ , بِتَأْوِيلِ : إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا إِنَّمَا هُوَ مَوَدَّتكُمْ لِلدُّنْيَا , فَرَفَعُوا مَوَدَّة عَلَى خَبَر إِنَّ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُونُوا عَلَى قِرَاءَتهمْ ذَلِكَ رَفْعًا بِقَوْلِهِ " إِنَّمَا " أَنْ تَكُون حَرْفًا وَاحِدًا , وَيَكُون الْخَبَر مُتَنَاهِيًا عِنْد قَوْله { إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا } ثُمَّ يَبْتَدِئ الْخَبَر فَيُقَال : مَا مَوَدَّتكُمْ تِلْكَ الْأَوْثَان بِنَافِعَتِكُمْ , إِنَّمَا مَوَدَّة بَيْنكُمْ فِي حَيَاتكُمْ الدُّنْيَا , ثُمَّ هِيَ مُنْقَطِعَة , وَإِذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ الْمَوَدَّة مَرْفُوعَة بِالصِّفَةِ بِقَوْلِهِ { فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا بِرَفْعِ الْمَوَدَّة , رَفْعهَا عَلَى ضَمِير هِيَ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَات الثَّلَاث مُتَقَارِبَات الْمَعَانِي , لِأَنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْأَوْثَان آلِهَة يَعْبُدُونَهَا , اِتَّخَذُوهَا مَوَدَّة بَيْنهمْ , وَكَانَتْ لَهُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا مَوَدَّة , ثُمَّ هِيَ عَنْهُمْ مُنْقَطِعَة , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ , وَشُهْرَة الْقِرَاءَة بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار .



وَقَوْله : { ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكْفُر بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ , وَيَلْعَن بَعْضكُمْ بَعْضًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة أَيّهَا الْمُتَوَادُّونَ عَلَى عِبَادَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَالْمُتَوَاصِلُونَ عَلَى خِدْمَاتهَا عِنْد وُرُودكُمْ عَلَى رَبّكُمْ , وَمُعَايَنَتكُمْ مَا أَعَدَّ اللَّه لَكُمْ عَلَى التَّوَاصُل , وَالتَّوَادّ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَلَم الْعَذَاب { يَكْفُر بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ } يَقُول : يَتَبَرَّأ بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض , وَيَلْعَن بَعْضكُمْ بَعْضًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21113 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَقَالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُون اللَّه أَوْثَانًا مَوَدَّة بَيْنكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكْفُر بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ , وَيَلْعَن بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ : صَارَتْ كُلّ خُلَّة فِي الدُّنْيَا عَدَاوَة عَلَى أَهْلهَا يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا خُلَّة الْمُتَّقِينَ .





وَقَوْله : { وَمَأْوَاكُمْ النَّار } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَصِير جَمِيعكُمْ أَيّهَا الْعَابِدُونَ الْأَوْثَان وَمَا تَعْبُدُونَ النَّار



{ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَقُول : وَمَا لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم الْمُتَّخِذُو الْآلِهَة , مِنْ دُون اللَّه مَوَدَّة بَيْنكُمْ مِنْ أَنْصَار يَنْصُرُونَكُمْ مِنْ اللَّه حِين يُصْلِيكُمْ نَار جَهَنَّم , فَيُنْقِذُونَكُمْ مِنْ عَذَابه .
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطࣱۘ وَقَالَ إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٢٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآمَنَ لَهُ لُوط وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَصَدَّقَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّه لُوطٌ { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } يَقُول : وَقَالَ إِبْرَاهِيم : إِنِّي مُهَاجِر دَار قَوْمِي إِلَى رَبِّي إِلَى الشَّام. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21114 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَآمَنَ لَهُ لُوط } قَالَ : صَدَّقَ لُوط { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } قَالَ : هُوَ إِبْرَاهِيم . 21115 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَآمَنَ لَهُ لُوط } أَيْ فَصَدَّقَهُ لُوط { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } قَالَ : هَاجَرَا جَمِيعًا مِنْ كُوثَى , وَهِيَ مِنْ سَوَاد الْكُوفَة إِلَى الشَّام . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَة بَعْد هِجْرَة , يَنْحَاز أَهْل الْأَرْض إِلَى مُهَاجَر إِبْرَاهِيم , وَيَبْقَى فِي الْأَرْض شِرَار أَهْلهَا , حَتَّى تَلْفِظهُمْ وَتَقْذَرهُمْ وَتَحْشُرهُمْ النَّار مَعَ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير ". 21116 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَآمَنَ لَهُ لُوط } قَالَ : صَدَّقَهُ لُوط , صَدَّقَ إِبْرَاهِيم قَالَ : أَرَأَيْت الْمُؤْمِنِينَ , أَلَيْسَ آمَنُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ ؟ قَالَ : فَالْإِيمَان : التَّصْدِيق . وَفِي قَوْله : { إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } قَالَ : كَانَتْ هِجْرَته إِلَى الشَّام . وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي حَدِيث الذِّئْب الَّذِي كَلَّمَ الرَّجُل , فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَآمَنْت لَهُ أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر , وَلَيْسَ أَبُو بَكْر وَلَا عُمَر مَعَهُ " يَعْنِي آمَنْت لَهُ : صَدَّقْته . 21117 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله { فَآمَنَ لَهُ لُوط وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } قَالَ : إِلَى حَرَّان , ثُمَّ أُمِرَ بَعْد بِالشَّأْمِ الَّذِي هَاجَرَ إِبْرَاهِيم , وَهُوَ أَوَّل مَنْ هَاجَرَ يَقُول : { فَآمَنَ لَهُ لُوط وَقَالَ إِبْرَاهِيم إِنِّي مُهَاجِر } الْآيَة . 21118 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { فَآمَنَ لَهُ لُوط وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي } إِبْرَاهِيم الْقَائِل : إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي .



وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : إِنَّ رَبِّي هُوَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يَذِلّ مَنْ نَصَرَهُ , وَلَكِنَّهُ يَمْنَعهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ , وَإِلَيْهِ هِجْرَته , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره خَلْقه , وَتَصْرِيفه إِيَّاهُمْ فِيمَا صَرَفَهُمْ فِيهِ .
وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِی ذُرِّیَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَـٰبَ وَءَاتَیۡنَـٰهُ أَجۡرَهُۥ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَإِنَّهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿٢٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَرَزَقْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِسْحَاق وَلَدًا , وَيَعْقُوب مِنْ بَعْده وَلَد وَلَد . كَمَا : 21119 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب } قَالَ : هُمَا وَلَدَا إِبْرَاهِيم .



وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّته النُّبُوَّة وَالْكِتَاب } بِمَعْنَى الْجَمْع , يُرَاد بِهِ الْكُتُب , وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج قَوْلهمْ : كَثُرَ الدِّرْهَم وَالدِّينَار عِنْد فُلَان .



وَقَوْله : { وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعْطَيْنَاهُ ثَوَاب بَلَائِهِ فِينَا فِي الدُّنْيَا { وَإِنَّهُ } مَعَ ذَلِكَ { فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ } فَلَهُ هُنَاكَ أَيْضًا جَزَاء الصَّالِحِينَ , غَيْر مُنْتَقَص حَظّه بِمَا أُعْطَى فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَجْر عَلَى بَلَائِهِ فِي اللَّه , عَمَّا لَهُ عِنْده فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَجْر الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَنَّهُ آتَاهُ إِبْرَاهِيم فِي الدُّنْيَا هُوَ الثَّنَاء الْحَسَن , وَالْوَلَد الصَّالِح. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21120 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا } قَالَ : الثَّنَاء . 21121 - حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث قَالَ : أَرْسَلَ مُجَاهِد رَجُلًا يُقَال لَهُ قَاسِم إِلَى عِكْرِمَة يَسْأَلهُ عَنْ قَوْله { وَآتَيْنَا أَجْره فِي الدُّنْيَا . وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ } قَالَ : قَالَ أَجْره فِي الدُّنْيَا أَنَّ كُلّ مِلَّة تَتَوَلَّاهُ , وَهُوَ عِنْد اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ , قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى مُجَاهِد فَقَالَ : أَصَابَ . 21122 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ مَنْدَل , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا } قَالَ : الْوَلَد الصَّالِح وَالثَّنَاء. * حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا } يَقُول : الذِّكْر الْحَسَن . 21123 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَآتَيْنَاهُ أَجْره فِي الدُّنْيَا } قَالَ : عَافِيَة وَعَمَلًا صَالِحًا , وَثَنَاء حَسَنًا , فَلَسْت بِلَاقٍ أَحَدًا مِنْ الْمِلَل إِلَّا يَرَى إِبْرَاهِيم وَيَتَوَلَّاهُ { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ }
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦۤ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدࣲ مِّنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٢٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الذُّكْرَان { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } يَعْنِي بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي كَانُوا يَأْتُونَهَا , وَهِيَ إِتْيَان الذُّكْرَان { مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21124 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن خَالِد بْن خِدَاش وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثَنَا إِسْمَاعِيل ابْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , فِي قَوْله { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ } قَالَ : مَا نَزَا ذَكَر عَلَى ذَكَر حَتَّى كَانَ قَوْم لُوط .
أَىِٕنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِیلَ وَتَأۡتُونَ فِی نَادِیكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ﴿٢٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل لُوط لِقَوْمِهِ { أَئِنَّكُمْ } أَيّهَا الْقَوْم { لَتَأْتُونَ الرِّجَال } فِي أَدْبَارهمْ { وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل } يَقُول : وَتَقْطَعُونَ الْمُسَافِرِينَ عَلَيْكُمْ بِفِعْلِكُمْ الْخَبِيث , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ , مَنْ وَرَدَ بِلَادهمْ مِنْ الْغُرَبَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21125 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل } قَالَ : السَّبِيل : الطَّرِيق . الْمُسَافِر إِذَا مَرَّ بِهِمْ , وَهُوَ اِبْن السَّبِيل قَطَعُوا بِهِ , وَعَمِلُوا بِهِ ذَلِكَ الْعَمَل الْخَبِيث .



وَقَوْله : { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُنْكَر الَّذِي عَنَاهُ اللَّه , الَّذِي كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَأْتُونَهُ فِي نَادِيهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21126 - حَدَّثني عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن رَبِيعَة , قَالَ : ثَنَا رَوْح بْن عُطَيْفَة الثَّقَفِيّ , عَنْ عَمْرو بْن مُصْعَب , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ عَائِشَة , فِي قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : الضُّرَاط . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21127 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع قَالَا : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أُمّ هَانِئ , قَالَتْ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : " كَانُوا يَخْذِفُونَ أَهْل الطَّرِيق وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ " فَهُوَ الْمُنْكَر الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَ. 21128 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثَنَا أَسَد , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله. * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبِّيّ , قَالَ : ثَنَا سُلَيْم بْن أَخْضَر , قَالَ : ثَنَا أَبُو يُونُس الْقُشَيْرِيّ , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ أَبِي صَالِح مَوْلَى أُمّ هَانِئ , أَنَّ أُمّ هَانِئ سُئِلَتْ عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } فَقَالَتْ : سَأَلْت عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " كَانُوا يَخْذِفُونَ أَهْل الطَّرِيق , وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ". 21129 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول فِي قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : كَانُوا يُؤْذُونَ أَهْل الطَّرِيق يَخْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة قَالَ : الْخَذْف . 21130 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : كَانَ كُلّ مَنْ مَرَّ بِهِمْ خَذَفُوهُ فَهُوَ الْمُنْكَر . * حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثَنَا أَسَد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة , قَالَ : ثَنَا سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ بَاذَام , عَنْ أَبِي صَالِح مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ أُمّ هَانِئ , قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : " كَانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ , فَيَخْذِفُونَ أَبْنَاء السَّبِيل , وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ". وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ إِتْيَانهمْ الْفَاحِشَة فِي مَجَالِسهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21131 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ يَأْتِي بَعْضهمْ بَعْضًا فِي مَجَالِسهمْ , يَعْنِي قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } * حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثَنَا ثَابِت بْن مُحَمَّد اللَّيْثِيّ , قَالَ : ثَنَا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : كَانَ يُجَامِع بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الْمَجَالِس . * حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : كَانَ يَأْتِي بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الْمَجَالِس . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانُوا يُجَامِعُونَ الرِّجَال فِي مَجَالِسهمْ . * حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : الْمَجَالِس , وَالْمُنْكَر : إِتْيَانهمْ الرِّجَال . 21132 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : كَانُوا يَأْتُونَ الْفَاحِشَة فِي نَادِيهمْ. 21133 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } قَالَ : نَادِيهمْ : الْمَجَالِس , وَالْمُنْكَر : عَمَلهمْ الْخَبِيث الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ , كَانُوا يَعْتَرِضُونَ بِالرَّاكِبِ فَيَأْخُذُونَهُ وَيَرْكَبُونَهُ . وَقَرَأَ { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } 27 54 وَقَرَأَ { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ } 21134 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَر } يَقُول : فِي مَجَالِسكُمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَتَخْذِفُونَ فِي مَجَالِسكُمْ الْمَارَّة بِكُمْ , وَتَسْخَرُونَ مِنْهُمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَنْ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .





وَقَوْله : { فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا اِئْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمْ يَكُنْ جَوَاب قَوْم لُوط إِذْ نَهَاهُمْ عَمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْ إِتْيَان الْفَوَاحِش الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّه إِلَّا قِيلهمْ : اِئْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه الَّذِي تَعِدنَا , إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا تَقُول , وَالْمُنْجِزِينَ لِمَا تَعِد .
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِی عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿٣٠﴾
لَمْ يَتَعَرَّض الْمُصَنِّف لَهَا بِالتَّفْسِيرِ
وَلَمَّا جَاۤءَتۡ رُسُلُنَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهۡلِكُوۤاْ أَهۡلِ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَـٰلِمِینَ ﴿٣١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلنَا إِبْرَاهِيم بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلنَا إِبْرَاهِيم بِالْبُشْرَى } مِنْ اللَّه بِإِسْحَاق , وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب , { قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة } يَقُول : قَالَتْ رُسُل اللَّه لِإِبْرَاهِيم : إِنَّا مُهْلِكُو أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة , قَرْيَة سَدُوم , وَهِيَ قَرْيَة قَوْم لُوط { إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } يَقُول : إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِي أَنْفُسهمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ اللَّه , وَتَكْذِيبهمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 21135 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلنَا إِبْرَاهِيم بِالْبُشْرَى } إِلَى قَوْله { نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا } قَالَ : فَجَادَلَ إِبْرَاهِيم الْمَلَائِكَة فِي قَوْم لُوط أَنْ يُتْرَكُوا , قَالَ : فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَة أَبْيَات مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَتْرُكُونَهُمْ ؟ فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : لَيْسَ فِيهَا عَشَرَة أَبْيَات , وَلَا خَمْسَة , وَلَا أَرْبَعَة , وَلَا ثَلَاثَة , وَلَا اِثْنَانِ ; قَالَ : فَحَزِنَ عَلَى لُوط وَأَهْل بَيْته , فَقَالَ { إِنَّ فِيهَا لُوطًا , قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا , لَأُنْجِيَنهُ وَأَهْله , إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } فَذَلِكَ قَوْله : { يُجَادِلنَا فِي قَوْم لُوط , إِنَّ إِبْرَاهِيم لَحَلِيم أَوَّاه مُنِيب } 11 74 : 75 فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : { يَا إِبْرَاهِيم أَعْرِضْ عَنْ هَذَا , إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْر رَبّك , وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غَيْر مَرْدُود } 11 76 فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ جَبْرَائِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْتَسَفَ الْمَدِينَة وَمَا فِيهَا بِأَحَدِ جَنَاحَيْهِ , فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا , وَتَتَّبِعهُمْ بِالْحِجَارَةِ بِكُلِّ أَرْض .
قَالَ إِنَّ فِیهَا لُوطࣰاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِیهَاۖ لَنُنَجِّیَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥۤ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَـٰبِرِینَ ﴿٣٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لَأُنْجِيَنهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ إِبْرَاهِيم لِلرُّسُلِ مِنْ الْمَلَائِكَة , إِذْ قَالُوا لَهُ : { إِنَّا مُهْلِكُو أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة إِنَّ أَهْلهَا كَانُوا ظَالِمِينَ } فَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهُمْ أَحَدًا , إِذْ وَصَفُوهُمْ بِالظُّلْمِ : إِنَّ فِيهَا لُوطًا , وَلَيْسَ مِنْ الظَّالِمِينَ , بَلْ هُوَ مِنْ رُسُل اللَّه , وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ , وَالطَّاعَة لَهُ , فَقَالَتْ الرُّسُل لَهُ : { نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا } مِنْ الظَّالِمِينَ الْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ مِنْك , وَإِنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنْهُمْ , بَلْ هُوَ كَمَا قُلْت مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه , لَأُنْجِيَنهُ وَأَهْله مِنْ الْهَلَاك الَّذِي هُوَ نَازِل بِأَهْلِ قَرْيَته { إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } الَّذِينَ أَبْقَتْهُمْ الدُّهُور وَالْأَيَّام , وَتَطَاوَلَتْ أَعْمَارهمْ وَحَيَاتهمْ , وَإِنَّهَا هَالِكَة مِنْ بَيْن أَهْل لُوط مَعَ قَوْمهَا .
وَلَمَّاۤ أَن جَاۤءَتۡ رُسُلُنَا لُوطࣰا سِیۤءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعࣰاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَـٰبِرِینَ ﴿٣٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا } مِنْ الْمَلَائِكَة { سِيءَ بِهِمْ } يَقُول : سَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَضَيَّفُوهُ , فَسَاءُوهُ بِذَلِكَ , فَقَوْله { سِيءَ بِهِمْ } : فَعَلَ بِهِمْ , مَنْ سَاءَهُ بِذَلِكَ . وَذُكِرَ عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول : سَاءَ ظَنّه بِقَوْمِهِ , وَضَاقَ بِضَيْفِهِ ذَرْعًا . 21136 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْهُ { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } يَقُول : وَضَاقَ ذَرْعه بِضِيَافَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ مِنْ خُبْث فِعْل قَوْمه . كَمَا : * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قَالَ : بِالضِّيَافَةِ مَخَافَة عَلَيْهِمْ مِمَّا يَعْلَم مِنْ شَرّ قَوْمه .



وَقَوْله : { وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ الرُّسُل لِلُوطٍ : لَا تَخَفْ عَلَيْنَا أَنْ يَصِل إِلَيْنَا قَوْمك , وَلَا تَحْزَن مِمَّا أَخْبَرْنَاك مِنْ إِنَّا مُهْلِكُوهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُل قَالَتْ لَهُ : { يَا لُوط إِنَّا رُسُل رَبّك لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل } 11 81





{ إِنَّا مُنَجُّوك } مِنْ الْعَذَاب الَّذِي هُوَ نَازِل بِقَوْمِك.



{ وَأَهْلك } يَقُول : وَمُنَجُّو أَهْلك مَعَك



{ إِلَّا اِمْرَأَتك } فَإِنَّهَا هَالِكَة فِيمَنْ يَهْلِك مِنْ قَوْمهَا , كَانَتْ مِنْ الْبَاقِينَ الَّذِينَ طَالَتْ أَعْمَارهمْ .
إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰۤ أَهۡلِ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ رِجۡزࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ بِمَا كَانُواْ یَفۡسُقُونَ ﴿٣٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة رِجْزًا مِنْ السَّمَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الرُّسُل لِلُوطٍ { إِنَّا مُنْزِلُونَ } يَا لُوط { عَلَى أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة } سَدُوم { رِجْزًا مِنْ السَّمَاء } يَعْنِي عَذَابًا . كَمَا : 21137 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة رِجْزًا } : أَيْ عَذَابًا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْز وَمَا فِيهِ مِنْ أَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .



وَقَوْله : { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يَقُول : بِمَا كَانُوا يَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه , وَيَرْكَبُونَ مِنْ الْفَاحِشَة .
وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَاۤ ءَایَةَۢ بَیِّنَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ ﴿٣٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَبْقَيْنَا مِنْ فِعْلَتنَا الَّتِي فَعَلْنَا بِهِمْ آيَة , يَقُول : عِبْرَة بَيِّنَة وَعِظَة وَاعِظَة , لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه حُجَجه , وَيَتَفَكَّرُونَ فِي مَوَاعِظه , وَتِلْكَ الْآيَة الْبَيِّنَة هِيَ عِنْدِي عَفْو آثَارهمْ , وَدُرُوس مَعَالِمهمْ . وَذُكِرَ عَنْ قَتَادَة فِي ذَلِكَ مَا : 21138 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } قَالَ : هِيَ الْحِجَارَة الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ . 21139 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { مِنْهَا آيَة بَيِّنَة } قَالَ : عِبْرَة .
وَإِلَىٰ مَدۡیَنَ أَخَاهُمۡ شُعَیۡبࣰا فَقَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ ﴿٣٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِلَى مَدْيَن أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قُوْم اُعْبُدُوا اللَّه وَارْجُوا الْيَوْم الْآخِر وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْض مُفْسِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَرْسَلْت إِلَى مَدْيَن أَخَاهُمْ شُعَيْبًا , فَقَالَ لَهُمْ : يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه وَحْده , وَذِلُّوا لَهُ بِالطَّاعَةِ , وَاخْضَعُوا لَهُ بِالْعِبَادَةِ { وَارْجُوا الْيَوْم الْآخِر } يَقُول : وَارْجُوا بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ جَزَاء الْيَوْم الْآخِر , وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة { وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْض مُفْسِدِينَ } يَقُول : وَلَا تُكْثِرُوا فِي الْأَرْض مَعْصِيَة اللَّه , وَلَا تُقِيمُوا عَلَيْهَا , وَلَكِنْ تُوبُوا إِلَى اللَّه مِنْهَا وَأَنِيبُوا . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَتَأَوَّل قَوْله : { وَارْجُوا الْيَوْم الْآخِر } بِمَعْنَى : وَاخْشُوا الْيَوْم الْآخِر . وَكَانَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ يُنْكِر ذَلِكَ وَيَقُول : لَمْ نَجِد الرَّجَاء بِمَعْنَى الْخَوْف فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا إِذَا قَارَنَهُ الْجَحْد.
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِی دَارِهِمۡ جَـٰثِمِینَ ﴿٣٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَّبَ أَهْلُ مَدْيَن شُعَيْبًا فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ عَنْ اللَّه مِنْ الرِّسَالَة , فَأَخَذَتْهُمْ رَجْفَة الْعَذَاب فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ جُثُومًا , بَعْضهمْ عَلَى بَعْض مَوْتَى . كَمَا : 21140 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ } : أَيْ مَيِّتِينَ .
وَعَادࣰا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَیَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمۡۖ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِیلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِینَ ﴿٣٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَادًا وَثَمُود وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاذْكُرُوا أَيّهَا الْقَوْم عَادًا وَثَمُود , وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنهمْ خَرَابهَا وَخَلَاؤُهَا مِنْهُمْ بِوَقَائِعِنَا بِهِمْ , وَحُلُول سَطْوَتنَا بِجَمِيعِهِمْ



{ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَعْمَالهمْ } يَقُول : وَحَسَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان كُفْرهمْ بِاَللَّهِ , وَتَكْذِيبهمْ رُسُله



{ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيل } يَقُول : فَرَدَّهُمْ بِتَزْيِينِهِ لَهُمْ مَا زَيَّنَ لَهُمْ مِنْ الْكُفْر , عَنْ سَبِيل اللَّه , الَّتِي هِيَ الْإِيمَان بِهِ وَرُسُله , وَمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ



{ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } يَقُول : وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فِي ضَلَالَتهمْ , مُعْجَبِينَ بِهَا , يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَصَوَاب , وَهُمْ عَلَى الضَّلَال. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21141 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيل , وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } يَقُول : كَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فِي دِينهمْ . 21142 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } فِي الضَّلَالَة . 21143 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } فِي ضَلَالَتهمْ مُعْجَبِينَ بِهَا . 21144 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله { وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } يَقُول : فِي دِينهمْ .
وَقَـٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَۖ وَلَقَدۡ جَاۤءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِینَ ﴿٣٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَارُون وَفِرْعَوْن وَهَامَان وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْض وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد قَارُون وَفِرْعَوْن وَهَامَان , وَلَقَدْ جَاءَ جَمِيعهمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ , يَعْنِي بِالْوَاضِحَاتِ مِنْ الْآيَات , فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْض عَنْ التَّصْدِيق بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ الْآيَات , وَعَنْ اِتِّبَاع مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ { وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كَانُوا سَابِقِينَا بِأَنْفُسِهِمْ , فَيَفُوتُونَا , بَلْ كُنَّا مُقْتَدِرِينَ عَلَيْهِمْ.
فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِ حَاصِبࣰا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّیۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظۡلِمَهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ ﴿٤٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَخَذْنَا جَمِيع هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَك يَا مُحَمَّد بِعَذَابِنَا { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } وَهُمْ قَوْم لُوط , الَّذِينَ أَمْطَرَ اللَّه عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ سِجِّيل مَنْضُود , وَالْعَرَب تُسَمِّي الرِّيح الْعَاصِف الَّتِي فِيهَا الْحَصَى الصِّغَار أَوْ الثَّلْج أَوْ الْبَرْد وَالْجَلِيد حَاصِبًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَخْطَل : وَلَقَدْ عَلِمْت إِذَا الْعِشَار تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَالِ يَكُبّهُنَّ شَمَالَا تَرْمِي الْعِضَاه بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجهَا حَتَّى يَبِيت عَلَى الْعِضَاه جُفَالَا وَقَالَ الْفَرَزْدَق : مُسْتَقْبِلِينَ شِمَال الشَّأْم تَضْرِبنَا بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ الْقُطْن مَنْثُور وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21145 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } قَوْم لُوط . 21146 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } وَهُمْ قَوْم لُوط . { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ ثَمُود قَوْم صَالِح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21147 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة } ثَمُود. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ قَوْم شُعَيْب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21148 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة } قَوْم شُعَيْب . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ عَنْ ثَمُود وَقَوْم شُعَيْب مِنْ أَهْل مَدْيَن أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ بِالصَّيْحَةِ فِي كِتَابه فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمِنْ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا , وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة , فَلَمْ يُخَصَّص الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ بَعْض مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة مِنْ الْأُمَم دُون بَعْض , وَكِلَا الْأُمَّتَيْنِ أَعْنِي ثَمُود وَمَدْيَن قَدْ أَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة . وَقَوْله : { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض } : يَعْنِي بِذَلِكَ قَارُون . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21149 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض } قَارُون { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } يَعْنِي : قَوْم نُوح وَفِرْعَوْن وَقَوْمه. وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : قَوْم نُوح عَلَيْهِ السَّلَام ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21150 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } قَوْم نُوح . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ قَوْم فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21151 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } قَوْم فِرْعَوْن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّ يُقَال : عُنِيَ بِهِ قَوْم نُوح وَفِرْعَوْن وَقَوْمه , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يُخَصِّص , بِذَلِكَ إِحْدَى الْأُمَّتَيْنِ دُون الْأُخْرَى , وَقَدْ كَانَ أَهْلَكَهُمَا قَبْل نُزُول هَذَا الْخَبَر عَنْهُمَا , فَهُمَا مَعْنِيَّتَانِ بِهِ .



وَقَوْله : { وَمَا كَانَ اللَّه لِيَظْلِمهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمْ يَكُنْ اللَّه لِيُهْلِك هَؤُلَاءِ الْأُمَم الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِ غَيْرهمْ , فَيَظْلِمهُمْ بِإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ بِغَيْرِ اِسْتِحْقَاق , بَلْ إِنَّمَا أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ , وَكُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , وَجُحُودهمْ نِعَمه عَلَيْهِمْ , مَعَ تَتَابُع إِحْسَانه عَلَيْهِمْ , وَكَثْرَة أَيَادِيه عِنْدهمْ , وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي نِعَم رَبّهمْ , وَتَقَلُّبهمْ فِي آلَائِهِ وَعِبَادَتهمْ غَيْره , وَمَعْصِيَتهمْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
مَثَلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَیۡتࣰاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُیُوتِ لَبَیۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ یَعۡلَمُونَ ﴿٤١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت اِتَّخَذَتْ بَيْتًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْآلِهَة وَالْأَوْثَان مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء يَرْجُونَ نَصْرهَا وَنَفْعهَا عِنْد حَاجَتهمْ إِلَيْهَا فِي ضَعْف اِحْتِيَالهمْ , وَقُبْح رِوَايَاتهمْ , وَسُوء اِخْتِيَارهمْ لِأَنْفُسِهِمْ , كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت فِي ضَعْفهَا , وَقِلَّة اِحْتِيَالهَا لِنَفْسِهَا , اِتَّخَذَتْ بَيْتًا لِنَفْسِهَا , كَيْمَا يُكِنّهَا , فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا شَيْئًا عِنْد حَاجَتهَا إِلَيْهِ , فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ حِين نَزَلَ بِهِمْ أَمْر اللَّه , وَحَلَّ بِهِمْ سَخَطه أَوْلِيَاؤُهُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُون اللَّه شَيْئًا , وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُمْ مَا أَحَلَّ اللَّه بِهِمْ مِنْ سَخَطه بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21152 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت اِتَّخَذْت بَيْتًا } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : ذَلِكَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ عَبَدَ غَيْره , إِنَّ مَثَله كَمَثَلِ بَيْت الْعَنْكَبُوت . 21153 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُشْرِكِ مَثَل إِلَهه الَّذِي يَدْعُوهُ مِنْ دُون اللَّه كَمَثَلِ بَيْت الْعَنْكَبُوت وَاهِن ضَعِيف لَا يَنْفَعهُ . 21154 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت اِتَّخَذَتْ بَيْتًا } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه , لَا يُغْنِي أَوْلِيَاؤُهُمْ عَنْهُمْ شَيْئًا كَمَا لَا يُغْنِي الْعَنْكَبُوت بَيْتهَا هَذَا .



وَقَوْله : { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوت } يَقُول : وَإِنَّ أَضْعَف الْبُيُوت { لَبَيْت الْعَنْكَبُوت لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء , يَعْلَمُونَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُون اللَّه فِي قِلَّة غَنَائِهِمْ عَنْهُمْ , كَغَنَاءِ بَيْت الْعَنْكَبُوت عَنْهَا , لَكِنَّهُمْ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ , فَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَنْفَعُونَهُمْ وَيُقَرِّبُونَهُمْ إِلَى اللَّه زُلْفَى .
إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَیۡءࣲۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٤٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونه مِنْ شَيْء } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يَدْعُونَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار " تَدْعُونَ " بِالتَّاءِ بِمَعْنَى الْخِطَاب لِمُشْرِكِي قُرَيْش { إِنَّ اللَّه } أَيّهَا النَّاس " يَعْلَم مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُونه مِنْ شَيْء ". وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرو : { إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يَدْعُونَ } بِالْيَاءِ بِمَعْنَى الْخَبَر عَنْ الْأُمَم , إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يَدْعُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ الْأُمَم مِنْ دُونه مِنْ شَيْء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَبَرًا عَنْ الْأُمَم الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ , لَكَانَ الْكَلَام : إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا كَانُوا يَدْعُونَ , لِأَنَّ الْقَوْم فِي حَال نُزُول هَذَا الْخَبَر عَلَى نَبِيّ اللَّه لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ , إِذْ كَانُوا قَدْ هَلَكُوا فَبَادُوا , وَإِنَّمَا يُقَال : إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا تَدْعُونَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَر عَنْ مَوْجُودِينَ , لَا عَمَّنْ قَدْ هَلَكَ. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْنَا : إِنَّ اللَّه يَعْلَم أَيّهَا الْقَوْم حَال مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونه مِنْ شَيْء , وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعكُمْ وَلَا يَضُرّكُمْ , إِنْ أَرَادَ اللَّه بِكُمْ سُوءًا , وَلَا يُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا ; وَإِنَّ مَثَله فِي قِلَّة غِنَائِهِ عَنْكُمْ , مَثَل بَيْت الْعَنْكَبُوت فِي غِنَائِهِ عَنْهَا .



وَقَوْله : { وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : وَاَللَّه الْعَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ , وَأَشْرَكَ فِي عِبَادَته مَعَهُ غَيْره فَاتَّقُوا أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِهِ عِقَابه بِالْإِيمَانِ بِهِ قَبْل نُزُوله بِكُمْ , كَمَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّه قِصَصهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة عَلَيْكُمْ , فَإِنَّهُ إِنْ نَزَلَ بِكُمْ عِقَابه لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ أَوْلِيَاؤُكُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذْتُمُوهُمْ مِنْ دُونه أَوْلِيَاء , كَمَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مِنْ قَبْلكُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونه , { الْحَكِيم } فِي تَدْبِيره خَلْقه , فَمُهْلِك مَنْ اِسْتَوْجَبَ الْهَلَاك فِي الْحَال الَّتِي هَلَاكه صَلَاح , وَالْمُؤَخِّر مَنْ أَخَّرَ هَلَاكه مِنْ كَفَرَة خَلْقه بِهِ إِلَى الْحِين الَّذِي فِي هَلَاكه الصَّلَاح .
وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَـٰلِمُونَ ﴿٤٣﴾
وَقَوْله : { وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبهَا لِلنَّاسِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَذِهِ الْأَمْثَال , وَهِيَ الْأَشْبَاه وَالنَّظَائِر نَضْرِبهَا لِلنَّاسِ يَقُول : نُمَثِّلهَا وَنُشَبِّههَا وَنَحْتَجّ بِهَا لِلنَّاسِ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : هَلْ تَذْكُر الْعَهْد مِنْ تَنَمَّصَ إِذْ تَضْرِب لِي قَاعِدًا بِهَا مَثَلَا





{ وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا يَعْقِل أَنَّهُ أُصِيبَ بِهَذِهِ الْأَمْثَال الَّتِي نَضْرِبهَا لِلنَّاسِ مِنْهُمْ الصَّوَاب وَالْحَقّ فِيمَا ضَرَبْت لَهُ مَثَلًا إِلَّا الْعَالِمُونَ بِاَللَّهِ وَآيَاته .
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٤٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَلَقَ اللَّه يَا مُحَمَّد السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَحْده مُنْفَرِدًا بِخَلْقِهَا , لَا يُشْرِكهُ فِي خَلْقهَا شَرِيك { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة } يَقُول إِنَّ فِي خَلْقه ذَلِكَ لَحُجَّة لِمَنْ صَدَقَ بِالْحُجَجِ إِذَا عَايَنَهَا , وَالْآيَات إِذَا رَآهَا .
ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ﴿٤٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ الْكِتَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُتْلُ } يَعْنِي اِقْرَأْ { مَا أُوحِيَ إِلَيْك } مِنْ الْكِتَاب يَعْنِي مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ هَذَا الْقُرْآن



{ وَأَقِمْ الصَّلَاة } يَعْنِي : وَأَدِّ الصَّلَاة الَّتِي فَرَضَهَا اللَّه عَلَيْك بِحُدُودِهَا .



{ إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّلَاة الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الْقُرْآن الَّذِي يُقْرَأ فِي مَوْضِع الصَّلَاة , أَوْ فِي الصَّلَاة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21155 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ أَبِي الْوَفَاء , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عُمَر { إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } قَالَ : الْقُرْآن الَّذِي يُقْرَأ فِي الْمَسَاجِد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَا الصَّلَاة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21156 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } يَقُول : فِي الصَّلَاة مُنْتَهًى وَمُزْدَجَر عَنْ مَعَاصِي اللَّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه { إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاته عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر لَمْ يَزْدَدْ بِصَلَاتِهِ مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا . 21157 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا خَالِد , قَالَ : قَالَ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ سَمُرَة بْن عَطِيَّة , قَالَ : قِيلَ لِابْنِ مَسْعُود , إِنَّ فُلَانًا كَثِير الصَّلَاة , قَالَ : فَإِنَّهَا لَا تَنْفَع إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا. * قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : مَنْ لَمْ تَأْمُرهُ صَلَاته بِالْمَعْرُوفِ , وَتَنْهَهُ عَنْ الْمُنْكَر , لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا . 21158 - قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن هَاشِم بْن الْبَرِيد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن مَسْعُود , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يُطِعْ الصَّلَاة , وَطَاعَة الصَّلَاة أَنْ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر " قَالَ : قَالَ سُفْيَان { قَالُوا يَا شُعَيْب أَصَلَاتك تَأْمُرك } 11 87 قَالَ : فَقَالَ سُفْيَان : إِي وَاَللَّه تَأْمُرهُ وَتَنْهَاهُ . 21159 - قَالَ عَلِيّ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ صَلَّى صَلَاة لَمْ تَنْهَهُ عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر لَمْ يَزِدْ بِهَا مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا ". * حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : الصَّلَاة إِذَا لَمْ تَنْهَهُ عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر , قَالَ : مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاته عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر , لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا . * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن , قَالَا : مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاته عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر , فَإِنَّهُ لَا يَزْدَاد مِنْ اللَّه بِذَلِكَ إِلَّا بُعْدًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود. فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ تَنْهَى الصَّلَاة عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِهَا مَا يُتْلَى فِيهَا ؟ قِيلَ : تَنْهَى مَنْ كَانَ فِيهَا , فَتَحُول بَيْنه وَبَيْن إِتْيَان الْفَوَاحِش , لِأَنَّ شُغْله بِهَا يَقْطَعهُ عَنْ الشُّغْل بِالْمُنْكَرِ , وَلِذَلِكَ قَالَ اِبْن مَسْعُود : مَنْ لَمْ يُطِعْ صَلَاته لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّه إِلَّا بُعْدًا . وَذَلِكَ أَنَّ طَاعَته لَهَا إِقَامَته إِيَّاهَا بِحُدُودِهَا , وَفِي طَاعَته لَهَا مُزْدَجَر عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر. 21160 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْعَطَّار , قَالَ : ثَنَا أَرَطْأَة , عَنْ اِبْن عَوْن , فِي قَوْل اللَّه { إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } قَالَ : إِذَا كُنْت فِي صَلَاة , فَأَنْتَ فِي مَعْرُوف , وَقَدْ حَجَزَتْك عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر , وَالْفَحْشَاء : هُوَ الزِّنَا . وَالْمُنْكَر : مَعَاصِي اللَّه . وَمَنْ أَتَى فَاحِشَة أَوْ عَصَى اللَّه فِي صَلَاته بِمَا يُفْسِد صَلَاته , فَلَا شَكّ أَنَّهُ لَا صَلَاة لَهُ .



وَقَوْله : { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَلَذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَفْضَل مِنْ ذِكْركُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21161 - حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة , قَالَ : قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس : هَلْ تَدْرِي مَا قَوْله { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : قُلْت : نَعَمْ , قَالَ . فَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْت : التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالتَّكْبِير فِي الصَّلَاة , وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ : لَقَدْ قُلْت قَوْلًا عَجَبًا وَمَا هُوَ كَذَلِكَ , وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يَقُول : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ عِنْدَمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِذَا ذَكَرْتُمُوهُ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ. * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ اِبْن رَبِيعَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . * حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة , قَالَ : سَأَلَنِي اِبْن عَبَّاس , عَنْ قَوْل اللَّه { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } فَقُلْت : ذِكْره بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِير وَالْقُرْآن حَسَن , وَذِكْره عِنْد الْمَحَارِم فَيُحْتَجَز عَنْهَا , فَقَالَ : لَقَدْ قُلْت قَوْلًا عَجِيبًا وَمَا هُوَ كَمَا قُلْت , وَلَكِنْ ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبِيعَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه لِلْعَبْدِ أَفْضَل مِنْ ذِكْره إِيَّاهُ . 21162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن وَكِيع , قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى : ثني عَبْد الْأَعْلَى , وَقَالَ اِبْن وَكِيع : ثَنَا عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا دَاوُد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى , قَالَ : كُنْت قَاعِدًا عِنْد اِبْن عَبَّاس , فَجَاءَهُ رَجُل , فَسَأَلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ ذِكْر اللَّه أَكْبَر , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الصَّلَاة وَالصَّوْم قَالَ : ذَاكَ ذِكْر اللَّه , قَالَ رَجُل : إِنِّي تَرَكْت رَجُلًا فِي رَحْلِي يَقُول غَيْر هَذَا , قَالَ : { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه الْعِبَاد أَكْبَر مِنْ ذِكْر الْعِبَاد إِيَّاهُ , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : صَدَقَ وَاَللَّه صَاحِبك. * حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : حَدِّثْنِي عَنْ قَوْل اللَّه { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه لَكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ لَهُ . 21163 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه لِلْعَبْدِ أَفْضَل مِنْ ذِكْره إِيَّاهُ . 21164 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا ابْن فُضَيْل , قَالَ : ثَنَا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : هُوَ قَوْله : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ } 2 152 وَذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . * حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَذِكْر اللَّه } لِعِبَادِهِ إِذَا ذَكَرُوهُ { أَكْبَر } مِنْ ذِكركُمْ إِيَّاهُ . 21165 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني . الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه عَبْده أَكْبَر مِنْ ذِكْر الْعَبْد رَبّه فِي الصَّلَاة أَوْ غَيْرهَا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ إِذَا ذَكَرْتُمُوهُ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . 21166 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , عَنْ أَبِي قُرَّة , عَنْ سَلْمَان , مِثْله . 21167 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : ثني عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر , عَنْ صَالِح بْن أَبِي عَرِيب , عَنْ كَثِير بْن مُرَّة الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الدَّرْدَاء , يَقُول : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالكُمْ وَأَحَبّهَا إِلَى مَلِيككُمْ , وَأَرْفَعهَا فِي دَرَجَاتكُمْ , وَخَيْر مِنْ أَنْ تَغْزُوا عَدُوّكُمْ , فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقهمْ , وَخَيْر مِنْ إِعْطَاء الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم ؟ قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالَ : ذِكْركُمْ رَبّكُمْ , وَذِكْر اللَّه أَكْبَر " . 21168 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , عَنْ أَبِي قُرَّة , عَنْ سَلْمَان { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : قَالَ ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . 21169 -قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : سَأَلْت أَبَا قُرَّة , عَنْ قَوْله { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . 21170 -قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة قَالَا : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . * قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ } 2 152 فَذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ. * قَالَ : ثَنَا حَسَن بْن عَلِيّ , عَنْ زَائِدَة , عَنْ عَاصِم , عَنْ شَقِيق , عَنْ عَبْد اللَّه { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه الْعَبْد أَكْبَر مِنْ ذِكْر الْعَبْد لِرَبِّهِ . 21171 - قَالَ : ثَنَا أَبُو يَزِيد الرَّازِيّ , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : ذِكْر اللَّه لَكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَذِكْركُمْ اللَّه أَفْضَل مِنْ كُلّ شَيْء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21172 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ الْعَيْزَار بْن حُرَيْث , عَنْ رَجُل , عَنْ سَلْمَان , أَنَّهُ سُئِلَ : أَيّ الْعَمَل أَفْضَل ؟ قَالَ : أَمَا تَقْرَأ الْقُرْآن { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } : لَا شَيْء أَفْضَل مِنْ ذِكْر اللَّه . 21173 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن عَيَّاش , قَالَ : ثَنَا اللَّيْث , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ رَبِيعَة بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ أُمّ الدَّرْدَاء , أَنَّهَا قَالَتْ : { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } فَإِنْ صَلَّيْت فَهُوَ مِنْ ذِكْر اللَّه , وَإِنْ صُمْت فَهُوَ مِنْ ذِكْر اللَّه , وَكُلّ خَيْر تَعْمَلهُ فَهُوَ مِنْ ذِكْر اللَّه وَكُلّ شَرّ تَجْتَنِبهُ فَهُوَ مِنْ ذِكْر اللَّه , وَأَفْضَل ذَلِكَ تَسْبِيح اللَّه . 21174 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : لَا شَيْء أَكْبَر مِنْ ذِكْر اللَّه , قَالَ : أَكْبَر الْأَشْيَاء كُلّهَا , وَقَرَأَ { أَقِمْ الصَّلَاة لِذِكْرِي } 20 14 قَالَ : لِذِكْرِ اللَّه : وَإِنَّهُ لَمْ يَصِفهُ عِنْد الْقِتَال إِلَّا أَنَّهُ أَكْبَر . 21175 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ رَجُل لِسَلْمَان : أَيّ الْعَمَل أَفْضَل , قَالَ : ذِكْر اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُحْتَمِل لِلْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا , يَعْنُونَ الْقَوْل الْأَوَّل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَالثَّانِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21176 - حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ خَالِد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : لَهَا وَجْهَانِ : ذِكْر اللَّه أَكْبَر مِمَّا سِوَاهُ , وَذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي : { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : لَهَا وَجْهَانِ : ذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَكْبَر مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ , وَذِكْر اللَّه عِنْد مَا حَرَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَذِكْر اللَّه الْعَبْد فِي الصَّلَاة أَكْبَر مِنْ الصَّلَاة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21177 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , فِي قَوْله { وَلَذِكْر اللَّه أَكْبَر } قَالَ : ذِكْر اللَّه الْعَبْد فِي الصَّلَاة , أَكْبَر مِنْ الصَّلَاة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَلصَّلَاة الَّتِي أَتَيْت أَنْتَ بِهَا , وَذِكْرك اللَّه فِيهَا أَكْبَر مِمَّا نَهَتْك الصَّلَاة مِنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر . 21178 - حَدَّثني أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْعَطَّار , قَالَ : ثَنَا أَرَطْأَة , عَنْ اِبْن عَوْن , فِي قَوْل اللَّه { إِنَّ الصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر } وَاَلَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ ذِكْر اللَّه أَكْبَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَشْبَه هَذِهِ الْأَقْوَال بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر التَّنْزِيل قَوْل مَنْ قَالَ : وَلَذِكْر اللَّه إِيَّاكُمْ أَفْضَل مِنْ ذِكْركُمْ إِيَّاهُ .



وَقَوْله : { وَاَللَّه يَعْلَم مَا تَصْنَعُونَ } يَقُول : وَاَللَّه يَعْلَم مَا تَصْنَعُونَ أَيّهَا النَّاس فِي صَلَاتكُمْ مِنْ إِقَامَة حُدُودهَا , وَتَرْك ذَلِكَ وَغَيْره مِنْ أُمُوركُمْ , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ , يَقُول : فَاتَّقُوا أَنْ تُضَيِّعُوا شَيْئًا مِنْ حُدُودهَا , وَاَللَّه أَعْلَم .
۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوۤاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِینَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِیۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَأُنزِلَ إِلَیۡكُمۡ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمۡ وَ ٰ⁠حِدࣱ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ﴿٤٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُجَادِلُوا } أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَهُمْ { أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول : إِلَّا بِالْجَمِيلِ مِنْ الْقَوْل , وَهُوَ الدُّعَاء إِلَى اللَّه بِآيَاتِهِ , وَالتَّنْبِيه عَلَى حُجَجه. وَقَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : إِلَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا لَكُمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَة , وَنَصَبُوا دُون ذَلِكَ لَكُمْ حَرْبًا , فَإِنَّهُمْ ظَلَمَة , فَأُولَئِكَ جَادِلُوهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21179 - حَدَّثني عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } قَالَ : مَنْ قَاتَلَ وَلَمْ يُعْطِ الْجِزْيَة. * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَاتَلَك وَلَمْ يُعْطِك الْجِزْيَة . 21180 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : إِنْ قَالُوا شَرًّا , فَقُولُوا خَيْرًا , { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } فَانْتَصِرُوا مِنْهُمْ . 21181 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } قَالَ : قَالُوا مَعَ اللَّه إِلَه , أَوْ لَهُ وَلَد , أَوْ لَهُ شَرِيك , أَوْ يَد اللَّه مَغْلُولَة , أَوْ اللَّه فَقِير , أَوْ آذَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب . 21182 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن , إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } قَالَ : أَهْل الْحَرْب , مَنْ لَا عَهْد لَهُ , جَادِلْهُ بِالسَّيْفِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب } الَّذِينَ قَدْ آمَنُوا بِهِ , وَاتَّبَعُوا رَسُوله فِيمَا أَخْبَرُوكُمْ عَنْهُ مِمَّا فِي كُتُبهمْ { إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن , إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } . فَأَقَامُوا عَلَى كُفْرهمْ , وَقَالُوا : هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة , وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21183 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَادِل مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ , لَعَلَّهُمْ يُحْسِنُونَ شَيْئًا فِي كِتَاب اللَّه , لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ , فَلَا تُجَادِلهُ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَادِل إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا , الْمُقِيم مِنْهُمْ عَلَى دِينه . فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يُجَادِل , وَيُقَال لَهُ بِالسَّيْفِ . قَالَ : وَهَؤُلَاءِ يَهُود . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ بِدَارِ الْهِجْرَة مِنْ النَّصَارَى أَحَد , إِنَّمَا كَانُوا يَهُودًا هُمْ الَّذِي كَلَّمُوا وَحَالَفُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَغَدَرَتْ النَّضِير يَوْم أُحُد , وَغَدَرَتْ قُرَيْظَة يَوْم الْأَحْزَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَبْل أَنْ يُؤْمَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ , وَقَالُوا : هِيَ مَنْسُوخَة نَسَخَهَا قَوْله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر } 9 29 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21184 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن } ثُمَّ نُسِخَ بَعْد ذَلِكَ , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة , وَلَا مُجَادَلَة أَشَدّ مِنْ السَّيْف أَنْ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ يُقِرُّوا بِالْخَرَاجِ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } : إِلَّا الَّذِينَ اِمْتَنَعُوا مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة , وَنَصَبُوا دُونهَا الْحَرْب. فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوْ غَيْر ظَالِم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَة ؟ قِيلَ : إِنَّ جَمِيعهمْ وَإِنْ كَانُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ , وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ظَلَمَة , فَإِنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِقَوْلِهِ { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } . ظُلْم أَنْفُسهمْ. وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ أُولَئِكَ جَادَلُوهُمْ بِالْقِتَالِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِيهِ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِجِدَالِ ظَلَمَة أَهْل الْكِتَاب بِغَيْرِ الَّذِي هُوَ أَحْسَن , بِقَوْلِهِ { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } فَمَعْلُوم إِذْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ فِي جِدَالهمْ , أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْذَن لَهُمْ فِي جِدَالهمْ إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن , غَيْر الَّذِينَ أَذِنَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِيهِمْ , وَأَنَّهُمْ غَيْر الْمُؤْمِن , لِأَنَّ الْمُؤْمِن مِنْهُمْ غَيْر جَائِز جِدَاله إِلَّا فِي غَيْر الْحَقّ , لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِغَيْرِ الْحَقّ , فَقَدْ صَارَ فِي مَعْنَى الظَّلَمَة فِي الَّذِي خَالَفَ فِيهِ الْحَقّ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , تَبَيَّنَ أَنْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب } أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ , وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ , وَزُعِمَ أَنَّهَا مَنْسُوخَة , لِأَنَّهُ لَا خَبَر بِذَلِكَ يَقْطَع الْعُذْر , وَلَا دَلَالَة عَلَى صِحَّته مِنْ فِطْرَة عَقْل . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا , أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُحْكَم عَلَى حُكْم اللَّه فِي كِتَابه بِأَنَّهُ مَنْسُوخ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا مِنْ خَبَر أَوْ عَقْل .



وَقَوْله : { وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهنَا وَإِلَهكُمْ وَاحِد وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُجَادِلُوا أَهْل الْكِتَاب إِلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن : إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الْكِتَاب أَيّهَا الْقَوْم عَنْ كُتُبهمْ , وَأَخْبَرُوكُمْ عَنْهَا بِمَا يُمْكِن وَيَجُوز أَنْ يَكُونُوا فِيهِ صَادِقِينَ , وَأَنْ يَكُونُوا فِيهِ كَاذِبِينَ , وَلَمْ تَعْلَمُوا أَمْرهمْ وَحَالهمْ فِي ذَلِكَ فَقُولُوا لَهُمْ { آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَإِلَيْكُمْ } مِمَّا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل { وَإِلَهنَا وَإِلَهكُمْ وَاحِد } يَقُول : وَمَعْبُودنَا وَمَعْبُودكُمْ وَاحِد { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يَقُول : وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَنَا وَنَهَانَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , جَاءَ الْأَثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 21185 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن عُمَر , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : كَانَ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ التَّوْرَاة بِالْعِبْرَانِيَّةِ . فَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَام , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ , وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ , وَإِلَهنَا وَإِلَهكُمْ وَاحِد , وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " . 21186 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْيَهُود يُحَدِّثُونَ نَاسًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ , وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ". 21187 - ثَنَا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ سُلَيْمَان , عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر , عَنْ حُرَيْث بْن ظُهَيْر , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : لَا تَسْأَلُوا أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْء , فَإِنَّهُمْ لَنْ يُهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا , إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ , فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا وَفِي قَلْبه تَالِيَة تَدْعُوهُ إِلَى دِينه كَتَالِيَةِ الْمَال . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 21188 -حَدَّثني بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } قَالَ : قَالُوا مَعَ اللَّه إِلَه , أَوْ لَهُ وَلَد , أَوْ لَهُ شَرِيك , أَوْ يَد اللَّه مَغْلُولَة . أَوْ اللَّه فَقِير , أَوْ آذَوْا مُحَمَّدًا , { وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ } لِمَنْ لَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب .
وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَۚ فَٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ مَن یُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَّا ٱلۡكَـٰفِرُونَ ﴿٤٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَاب فَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِن بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَنْزَلْنَا الْكُتُب عَلَى مَنْ قَبْلك يَا مُحَمَّد مِنْ الرُّسُل { كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْك } هَذَا { الْكِتَاب فَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب } مِنْ قَبْلك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل { يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِن بِهِ } يَقُول : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْك الْيَوْم مَنْ يُؤْمِن بِهِ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام , وَمَنْ آمَنَ بِرَسُولِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل.



وَقَوْله : { وَمَا يَجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا يَجْحَد بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجنَا إِلَّا الَّذِي يَجْحَد نِعَمنَا عَلَيْهِ , وَيُنْكِر تَوْحِيدنَا وَرُبُوبِيَّتنَا عَلَى عِلْم مِنْهُ عِنَادًا لَنَا . كَمَا : 21189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا يَجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } قَالَ : إِنَّمَا يَكُون الْجُحُود بَعْد الْمَعْرِفَة .
وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَـٰبࣲ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِیَمِینِكَۖ إِذࣰا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ﴿٤٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { تَتْلُو } يَعْنِي تَقْرَأ { مِنْ قَبْله } يَعْنِي مِنْ قَبْل هَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك { مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك } يَقُول : وَلَمْ تَكُنْ تَكْتُب بِيَمِينِك , وَلَكِنَّك كُنْت أُمِّيًّا { إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } يَقُول : وَلَوْ كُنْت مِنْ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْك تَقْرَأ الْكِتَاب , أَوْ تَخُطّهُ بِيَمِينِك , إِذَنْ لَارْتَابَ : يَقُول : إِذَنْ لَشَكَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي أَمْرك , وَمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك مِنْ هَذَا الْكِتَاب الَّذِي تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ الْمُبْطِلُونَ الْقَائِلُونَ إِنَّهُ سَجْع وَكِهَانَة , وَإِنَّهُ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21190 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } قَالَ : كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأ شَيْئًا وَلَا يَكْتُب . 21191 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك } قَالَ : كَانَ نَبِيّ اللَّه لَا يَقْرَأ كِتَابًا قَبْله , وَلَا يَخُطّهُ بِيَمِينِهِ ; قَالَ : كَانَ أُمِّيًّا , وَالْأُمِّيّ : الَّذِي لَا يَكْتُب . 21192 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ إِدْرِيس الْأَوْدِيّ , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك } قَالَ : كَانَ أَهْل الْكِتَاب يَجِدُونَ فِي كُتُبهمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخُطّ بِيَمِينِهِ , وَلَا يَقْرَأ كِتَابًا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْله { إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } قَالُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21193 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } إِذَنْ لَقَالُوا : إِنَّمَا هَذَا شَيْء تَعَلَّمَهُ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَبَهُ . 21194 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } قَالَ قُرَيْش .
بَلۡ هُوَ ءَایَـٰتُۢ بَیِّنَـٰتࣱ فِی صُدُورِ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٤٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : بَلْ وُجُود أَهْل الْكِتَاب فِي كُتُبهمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكْتُب وَلَا يَقْرَأ , وَأَنَّهُ أُمِّيّ , آيَات بَيِّنَات فِي صُدُورهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21195 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } قَالَ : كَانَ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ شَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لِأَهْلِ الْعِلْم وَعِلْمه لَهُمْ , وَجَعَلَهُ لَهُمْ آيَة , فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ آيَة نُبُوَّته أَنْ يَخْرُج حِين يَخْرُج لَا يَعْلَم كِتَابًا , وَلَا يَخُطّهُ بِيَمِينِهِ , وَهِيَ الْآيَات الْبَيِّنَات . 21196 - حَدَّثني عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { وَمَا كُنْت تَتْلُو مَنْ قَبْله مِنْ كِتَاب } قَالَ : كَانَ نَبِيّ اللَّه لَا يَكْتُب وَلَا يَقْرَأ , وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللَّه نَعْته فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , أَنَّهُ نَبِيّ أُمِّيّ لَا يَقْرَأ وَلَا يَكْتُب , وَهِيَ الْآيَة الْبَيِّنَة فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم. 21197 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } مِنْ أَهْل الْكِتَاب صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ وَنَعْته وَنُبُوَّته . 21198 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات } قَالَ : أَنْزَلَ اللَّه شَأْن مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لِأَهْلِ الْعِلْم , بَلْ هُوَ آيَة بَيِّنَة فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم , يَقُول : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْقُرْآن , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : بَلْ هَذَا الْقُرْآن آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21199 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن , فِي قَوْله : { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } الْقُرْآن آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم , يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : بَلْ الْعِلْم بِأَنَّك مَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْل هَذَا الْكِتَاب كِتَابًا , وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك , آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , لِأَنَّ قَوْله : { بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم } بَيْن خَبَرَيْنِ مِنْ أَخْبَار اللَّه عَنْ رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُوَ بِأَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ الْكِتَاب الَّذِي قَدْ اِنْقَضَى الْخَبَر عَنْهُ قَبْل .



وَقَوْله : { وَمَا يَجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا يَجْحَد نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدِلَّته , وَيُنْكِر الْعِلْم الَّذِي يَعْلَم مِنْ كُتُب اللَّه الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ , بِبَعْثِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته وَمَبْعَثه إِلَّا الظَّالِمُونَ , يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالُواْ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ ءَایَـٰتࣱ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡـَٔایَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَاۤ أَنَا۠ نَذِیرࣱ مُّبِینٌ ﴿٥٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَات مِنْ رَبّه قُلْ إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش : هَلَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد آيَة مِنْ رَبّه تَكُون حُجَّة لِلَّهِ عَلَيْنَا كَمَا جُعِلَتْ النَّاقَة لِصَالِحٍ , وَالْمَائِدَة آيَة لِعِيسَى , قُلْ يَا مُحَمَّد , إِنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه لَا يَقْدِر عَلَى الْإِتْيَان بِهَا غَيْره



{ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِير مُبِين } وَإِنَّمَا أَنَا نَذِير لَكُمْ أُنْذِركُمْ بَأْس اللَّه وَعِقَابه عَلَى كُفْركُمْ بِرَسُولِهِ . وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ { مُبِين } يَقُول : قَدْ أَبَانَ لَكُمْ إِنْذَاره .
أَوَلَمۡ یَكۡفِهِمۡ أَنَّاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَرَحۡمَةࣰ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿٥١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَاب يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَة وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَكْفِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد , الْقَائِلِينَ : لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَة مِنْ رَبّه , مِنْ الْآيَات وَالْحُجَج { أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك } هَذَا { الْكِتَاب يُتْلَى عَلَيْهِمْ } يَقُول : يُقْرَأ عَلَيْهِمْ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَة } يَقُول : إِنَّ فِي هَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ لَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَذِكْرَى يَتَذَكَّرُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ عِبْرَة وَعِظَة . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَسَخُوا شَيْئًا مِنْ بَعْض كُتُب أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21200 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ يَحْيَى بْن جَعْدَة أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيهَا بَعْض مَا يَقُول الْيَهُود , فَلَمَّا أَنْ نَظَرَ فِيهَا أَلْقَاهَا , ثُمَّ قَالَ : " كَفَى بِهَا حَمَاقَة قَوْم , أَوْ ضَلَالَة قَوْم , أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ , إِلَى مَا جَاءَ بِهِ غَيْر نَبِيّهمْ إِلَى قَوْم غَيْرهمْ " , فَنَزَلَتْ : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَة وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡ شَهِیدࣰاۖ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ ﴿٥٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ شَهِيدًا يَعْلَم مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ لَك : لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْك آيَة مِنْ رَبّك , الْجَاحِدِينَ بِآيَاتِنَا مِنْ قَوْمك : كَفَى اللَّه يَا هَؤُلَاءِ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ شَاهِدًا لِي وَعَلَيَّ , لِأَنَّهُ يَعْلَم الْمُحِقّ مِنَّا مِنْ الْمُبْطِل , وَيَعْلَم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِيهِمَا , وَهُوَ الْمُجَازِي كُلّ فَرِيق مِنَّا بِمَا هُوَ أَهْله , الْمُحِقّ عَلَى ثَبَاته عَلَى الْحَقّ , وَالْمُبْطِل عَلَى بَاطِله , بِمَا هُوَ أَهْله .



{ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ } يَقُول : صَدَّقُوا بِالشِّرْكِ , فَأَقَرُّوا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ . يَقُول : وَجَحَدُوا اللَّه { أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } يَقُول : هُمْ الْمَغْبُونُونَ فِي صَفْقَتهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21201 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ } : الشِّرْك .
وَیَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَاۤ أَجَلࣱ مُّسَمࣰّى لَّجَاۤءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَیَأۡتِیَنَّهُم بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿٥٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَل مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب وَلَيَأْتِيَنهمْ بَغْتَة وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَسْتَعْجِلك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ مِنْ قَوْمك : لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَبّه بِالْعَذَابِ , وَيَقُولُونَ : { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء } وَلَوْلَا أَجَل سَمَّيْته لَهُمْ فَلَا أُهْلِكهُمْ حَتَّى يَسْتَوْفُوهُ وَيَبْلُغُوهُ , لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب عَاجِلًا . وَقَوْله : { وَلَيَأْتِيَنهمْ بَغْتَة وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول : وَلَيَأْتِيَنهمْ الْعَذَاب فَجْأَة وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِوَقْت مَجِيئهُ قَبْل مَجِيئِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21202 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ } قَالَ : قَالَ نَاس مِنْ جَهَلَة هَذِهِ الْأُمَّة { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم } 8 32 الْآيَة .
یَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِیطَةُۢ بِٱلۡكَـٰفِرِینَ ﴿٥٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَة بِالْكَافِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَسْتَعْجِلك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِمَجِيءِ الْعَذَاب وَنُزُوله بِهِمْ , وَالنَّار بِهِمْ مُحِيطَة لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوهَا . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21203 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة { وَإِنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَة بِالْكَافِرِينَ } قَالَ : الْبَحْر . * أَخْبَرَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله .
یَوۡمَ یَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَیَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿٥٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يَغْشَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَإِنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَة بِالْكَافِرِينَ } يَوْم يَغْشَى الْكَافِرِينَ الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ فِي جَهَنَّم , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ . كَمَا : 21204 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يَوْم يَغْشَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } : أَيْ فِي النَّار .



وَقَوْله : { وَيَقُول ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيَقُول اللَّه لَهُمْ : ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه , وَمَا يَسْخَطهُ فِيهَا . وَبِالْيَاءِ فِي { وَيَقُول ذُوقُوا } قَرَأَتْ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار خَلَا أَبِي جَعْفَر , وَأَبِي عَمْرو , فَإِنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ بِالنُّونِ : " وَنَقُول ". وَالْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَة عِنْدنَا بِالْيَاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا .
یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ أَرۡضِی وَ ٰ⁠سِعَةࣱ فَإِیَّـٰیَ فَٱعۡبُدُونِ ﴿٥٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ عِبَاده : يَا عِبَادِي الَّذِينَ وَحَّدُونِي وَآمَنُوا بِي وَبِرَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ مِنْ الْخَبَر عَنْ سَعَة الْأَرْض , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَضِقْ عَلَيْكُمْ فَتُقِيمُوا بِمَوْضِعٍ مِنْهَا لَا يَحِلّ لَكُمْ الْمَقَام فِيهِ , وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ بِمَكَانٍ مِنْهَا بِمَعَاصِي اللَّه فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى تَغْيِيره , فَاهْرَبُوا مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21205 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } قَالَ : إِذَا عُمِلَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي , فَاخْرُجْ مِنْهَا . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } قَالَ : إِذَا عُمِلَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي , فَاخْرُجْ مِنْهَا . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : اِهْرَبُوا فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة. 21206 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَطَاء , قَالَ : إِذَا أُمِرْتُمْ بِالْمَعَاصِي فَاهْرُبُوا , فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة . * حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَطَاء { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } قَالَ : مُجَانَبَة أَهْل الْمَعَاصِي . 21207 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } فَهَاجِرُوا وَجَاهِدُوا. 21208 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } فَقُلْت : يُرِيد بِهَذَا مَنْ كَانَ بِمَكَّة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ مَا أَخْرَجَ مِنْ أَرْضِي لَكُمْ مِنْ الرِّزْق وَاسِع لَكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21209 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثني زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ شَدَّاد بْن سَعِيد بْن مَالِك أَبِي طَلْحَة الرَّاسِبِيّ عَنْ غَيْلَان بْن جَرِير الْمِعْوَلِيّ , عَنْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير الْعَامِرِيّ , فِي قَوْل اللَّه : { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } : قَالَ : إِنَّ رِزْقِي لَكُمْ وَاسِع . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ شَدَّاد , عَنْ غَيْلَان بْن جَرِير , عَنْ مُطَرِّف بْن الشِّخِّير { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة } قَالَ : رِزْقِي لَكُمْ وَاسِع . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة , فَاهْرُبُوا مِمَّنْ مَنَعَكُمْ مِنْ الْعَمَل بِطَاعَتِي لِدَلَالَةِ قَوْله { فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَظْهَر مَعْنَيَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْض إِذَا وَصَفَهَا بِسَعَةٍ , فَالْغَالِب مِنْ وَصْفه إِيَّاهَا بِذَلِكَ , أَنَّهَا لَا تَضِيق جَمِيعهَا عَلَى مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَوْضِع , لَا أَنَّهُ وَصَفَهَا بِكَثْرَةِ الْخَيْر وَالْخِصْب . وَقَوْله : { فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } يَقُول : فَأَخْلِصُوا لِي عِبَادَتكُمْ وَطَاعَتكُمْ , وَلَا تُطِيعُوا فِي مَعْصِيَتِي أَحَدًا .
كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ ﴿٥٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَاب نَبِيّه : هَاجِرُوا مِنْ أَرْض الشِّرْك مِنْ مَكَّة , إِلَى أَرْض الْإِسْلَام الْمَدِينَة , فَإِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة , فَاصْبِرُوا عَلَى عِبَادَتِي , وَأَخْلِصُوا طَاعَتِي , فَإِنَّكُمْ مَيِّتُونَ , وَصَائِرُونَ إِلَيَّ , لِأَنَّ كُلّ نَفْس حَيَّة ذَائِقَة الْمَوْت , ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْد الْمَوْت تُرَدُّونَ .
وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفࣰا تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ ﴿٥٨﴾
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا أَعَدَّ لِلصَّابِرِينَ مِنْهُمْ عَلَى طَاعَته , مِنْ كَرَامَته عِنْده , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } يَعْنِي صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , { وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } : يَقُول : وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه فَأَطَاعُوهُ فِيهِ , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنْ الْجَنَّة غُرَفًا } يَقُول : لَأُنْزِلَنَّهُمْ مِنْ الْجَنَّة عَلَالِيّ. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { لَأُبَوِّئَنهُمْ } بِالْبَاءِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِالثَّاءِ : " لَنُثْوِيَنَّهُمْ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { لَأُبَوِّئَنهُمْ } مِنْ بَوَّأْته مَنْزِلًا : أَيْ أَنْزَلْته , وَكَذَلِكَ لَنُثْوِيَنَّهُمْ ; إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَثْوَيْته مَسْكَنًا إِذَا أَنْزَلْته مَنْزِلًا , مِنْ الثَّوَاء , وَهُوَ الْمَقَام .





وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار . { خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْر نِهَايَة





{ نِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَقُول : نِعْمَ جَزَاء الْعَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّه هَذِهِ الْغُرَف الَّتِي يُثْوِيهُمُوهَا اللَّه فِي جَنَّاته , تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار .
ٱلَّذِینَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ ﴿٥٩﴾
الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا , وَمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ , وَعَلَى الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه وَمَا يُرْضِيه , وَجِهَاد أَعْدَائِهِ 0{ وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ } فِي أَرْزَاقهمْ وَجِهَاد أَعْدَائِهِمْ , فَلَا يَنْكُلُونَ عَنْهُمْ ثِقَة مِنْهُمْ بِأَنَّ اللَّه مُعْلِي كَلِمَته , وَمُوهِن كَيْد الْكَافِرِينَ , وَأَنَّ مَا قُسِمَ لَهُمْ مِنْ الرِّزْق فَلَنْ يَفُوتهُمْ.
وَكَأَیِّن مِّن دَاۤبَّةࣲ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ یَرۡزُقُهَا وَإِیَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ﴿٦٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لَا تَحْمِل رِزْقهَا اللَّه يَرْزُقهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ , وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاجِرُوا وَجَاهِدُوا فِي اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَعْدَاءَهُ , وَلَا تَخَافُوا عَيْلَة وَلَا إِقْتَارًا , فَكَمْ مِنْ دَابَّة ذَات حَاجَة إِلَى غِذَاء وَمَطْعَم وَمَشْرَب لَا تَحْمِل رِزْقهَا , يَعْنِي غِذَاءَهَا لَا تَحْمِلهُ , فَتَرْفَعهُ فِي يَوْمهَا لِغَدِهَا لِعَجْزِهَا عَنْ ذَلِكَ { اللَّه يَرْزُقهَا وَإِيَّاكُمْ } يَوْمًا بِيَوْمٍ { وَهُوَ السَّمِيع } لِأَقْوَالِكُمْ : نَخْشَى بِفِرَاقِنَا أَوْطَاننَا الْعَيْلَة { الْعَلِيم } مَا فِي أَنْفُسكُمْ , وَمَا إِلَيْهِ صَائِر أَمْركُمْ , وَأَمْر عَدُوّكُمْ مِنْ إِذْلَال اللَّه إِيَّاهُمْ , وَنُصْرَتكُمْ عَلَيْهِمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أُمُور خَلْقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21210 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لَا تَحْمِل رِزْقهَا } قَالَ : الطَّيْر وَالْبَهَائِم لَا تَحْمِل الرِّزْق . 21211 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان , عَنْ أَبِي مِجْلَز فِي هَذِهِ الْآيَة { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لَا تَحْمِل رِزْقهَا اللَّه يَرْزُقهَا وَإِيَّاكُمْ } قَالَ : مِنْ الدَّوَابّ مَا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَدَّخِر لِغَدٍ , يُوَفَّق لِرِزْقِهِ كُلّ يَوْم حَتَّى يَمُوت . 21212 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لَا تَحْمِل رِزْقهَا } قَالَ : لَا تَدَّخِر شَيْئًا لِغَدٍ .
وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ یُؤۡفَكُونَ ﴿٦١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر لَيَقُولُن اللَّه فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ سَأَلْت يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَسَوَّاهُنَّ , وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر لِعِبَادِهِ , يَجْرِيَانِ دَائِبَيْنِ لِمَصَالِح خَلْق اللَّه , لَيَقُولَن الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ اللَّه { فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَنَّى يُصْرَفُونَ عَمَّنْ صَنَعَ ذَلِكَ , فَيَعْدِلُونَ عَنْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ . كَمَا : 21213 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } : أَيْ يَعْدِلُونَ .
ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَیَقۡدِرُ لَهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ ﴿٦٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَيَقْدِر لَهُ إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه يُوَسِّع مِنْ رِزْقه لِمَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَيُضَيِّق فَيُقَتِّر لِمَنْ يَشَاء مِنْهُمْ . يَقُول : فَأَرْزَاقكُمْ وَقِسْمَتهَا بَيْنكُمْ أَيّهَا النَّاس بِيَدِي دُون كُلّ أَحَد سِوَايَ ; أَبْسُط لِمَنْ شِئْت مِنْهَا , وَأُقَتِّر عَلَى مَنْ شِئْت , فَلَا يُخَلِّفَنكُمْ عَنْ الْهِجْرَة وَجِهَاد عَدُوّكُمْ خَوْف الْعَيْلَة { إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَقُول : إِنَّ اللَّه عَلِيم بِمَصَالِحِكُمْ , وَمَنْ لَا يَصْلُح لَهُ إِلَّا الْبَسْط فِي الرِّزْق , وَمَنْ لَا يَصْلُح لَهُ إِلَّا التَّقْتِير عَلَيْهِ , وَهُوَ عَالِم بِذَلِكَ .
وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ ﴿٦٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض مِنْ بَعْد مَوْتهَا لَيَقُولُنَّ اللَّه قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَئِنْ سَأَلْت يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاء مَاء , وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يُنَزِّلهُ اللَّه مِنْ السَّحَاب { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض } يَقُول : فَأَحْيَا بِالْمَاءِ الَّذِي نَزَلَ مِنْ السَّمَاء الْأَرْض , وَإِحْيَاؤُهَا : إِنْبَاته النَّبَات فِيهَا { مِنْ بَعْد مَوْتهَا } مِنْ بَعْد جَدُوبهَا وَقُحُوطهَا. وَقَوْله : { لَيَقُولُنَّ اللَّه } يَقُول : لَيَقُولُنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ اللَّه الَّذِي لَهُ عِبَادَة كُلّ شَيْء . وَقَوْله : { قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ } يَقُول : وَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ , فَقُلْ الْحَمْد لِلَّهِ { بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول : بَلْ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ لَا يَعْقِلُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ النَّفْع مِنْ أَمْر دِينهمْ , وَمَا فِيهِ الضُّرّ , فَهُمْ لِجَهْلِهِمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ لِعِبَادَتِهِمْ الْآلِهَة دُون اللَّه , يَنَالُونَ بِهَا عِنْد اللَّه زُلْفَة وَقُرْبَة , وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ هَالِكُونَ مُسْتَوْجِبُونَ الْخُلُود فِي النَّار .
وَمَا هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَهۡوࣱ وَلَعِبࣱۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ لَهِیَ ٱلۡحَیَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ یَعۡلَمُونَ ﴿٦٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لَهْو وَلَعِب وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا } الَّتِي يَتَمَتَّع مِنْهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ { إِلَّا لَهْو وَلَعِب } يَقُول : إِلَّا تَعْلِيل النُّفُوس بِمَا تَلْتَذّ بِهِ , ثُمَّ هُوَ مُنْقَضٍ عَنْ قَرِيب , لَا بَقَاء لَهُ وَلَا دَوَام { وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان } يَقُول : وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَفِيهَا الْحَيَاة الدَّائِمَة الَّتِي لَا زَوَال لَهَا وَلَا اِنْقِطَاع وَلَا مَوْت مَعَهَا . كَمَا : 21214 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } حَيَاة لَا مَوْت فِيهَا . 12115 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَا : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { لَهِيَ الْحَيَوَان } قَالَ : لَا مَوْت فِيهَا. 21216 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان } يَقُول : بَاقِيَة . وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لَقَصُرُوا عَنْ تَكْذِيبهمْ بِاَللَّهِ , وَإِشْرَاكهمْ غَيْره فِي عِبَادَته , وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ .
فَإِذَا رَكِبُواْ فِی ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ یُشۡرِكُونَ ﴿٦٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا رَكِبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ السَّفِينَة فِي الْبَحْر , فَخَافُوا الْغَرَق وَالْهَلَاك فِيهِ { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } يَقُول : أَخْلَصُوا لِلَّهِ عِنْد الشِّدَّة الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ التَّوْحِيد , وَأَفْرَدُوا لَهُ الطَّاعَة , وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ , وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِآلِهَتِهِمْ وَأَنْدَادهمْ , وَلَكِنْ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ } يَقُول : فَلَمَّا خَلَّصَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ وَسَلَّمَهُمْ , فَصَارُوا إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّه شَرِيكًا فِي عِبَادَتهمْ , وَيَدْعُونَ الْآلِهَة وَالْأَوْثَان مَعَهُ أَرْبَابًا . 21217 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } فَالْخَلْق كُلّهمْ يُقِرُّونَ لِلَّهِ أَنَّهُ رَبّهمْ , ثُمَّ يُشْرِكُونَ بَعْد ذَلِكَ .
لِیَكۡفُرُواْ بِمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ وَلِیَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ ﴿٦٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا نَجَّى اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْبَحْر مِنْ الْخَوْف وَالْحَذَر مِنْ الْغَرَق إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ بَعْد أَنْ صَارُوا إِلَى الْبَرّ يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } يَقُول : لِيَجْحَدُوا نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ . { وَلِيَتَمَتَّعُوا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { وَلِيَتَمَتَّعُوا } بِكَسْرِ اللَّام , بِمَعْنَى : وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا آتَيْنَاهُمْ ذَلِكَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَلْيَتَمَتَّعُوا " بِسُكُونِ اللَّام عَلَى وَجْه الْوَعِيد وَالتَّوْبِيخ : أَيْ اُكْفُرُوا فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَاب اللَّه بِكُفْرِهِمْ بِهِ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّام عَلَى وَجْه التَّهْدِيد وَالْوَعِيد , وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِكَسْرِ اللَّام زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا اِخْتَارُوا كَسْرهَا عَطْفًا بِهَا عَلَى اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { وَلِيُكَفِّرُوا } وَأَنَّ قَوْله { لِيَكْفُرُوا } لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ : كَيْ يَكْفُرُوا كَانَ الصَّوَاب فِي قَوْله { وَلِيَتَمَتَّعُوا } أَنْ يَكُون : وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا , إِذْ كَانَ عَطْفًا عَلَى قَوْله : لِيَكْفُرُوا عِنْدهمْ , وَلَيْسَ الَّذِي ذَهَبُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَذْهَبٍ , وَذَلِكَ لِأَنَّ لَام قَوْله { لِيَكْفُرُوا } صَلَحَتْ أَنْ تَكُون بِمَعْنَى كَيْ , لِأَنَّهَا شَرْط لِقَوْلِهِ : إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ كَيْ يَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ النِّعَم , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْله { وَلِيَتَمَتَّعُوا } لِأَنَّ إِشْرَاكهمْ بِاَللَّهِ كَانَ يَكْفُرُوا بِنِعْمَتِهِ , وَلَيْسَ إِشْرَاكهمْ بِهِ تَمَتُّعًا بِالدُّنْيَا , وَإِنْ كَانَ الْإِشْرَاك بِهِ يُسَهِّل لَهُمْ سَبِيل التَّمَتُّع بِهَا فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَوْجِيهه إِلَى مَعْنَى الْوَعِيد أَوْلَى وَأَحَقّ مِنْ تَوْجِيهه إِلَى مَعْنَى : وَكَيْ يَتَمَتَّعُوا . وَبَعْد فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ : " وَتَمَتَّعُوا " وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى صِحَّة مَنْ قَرَأَهُ بِسُكُونِ اللَّام بِمَعْنَى الْوَعِيد .
أَوَلَمۡ یَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَـٰطِلِ یُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ یَكۡفُرُونَ ﴿٦٧﴾
وَقَوْله : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُذَكِّرًا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش , الْقَائِلِينَ : لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَبّه , نِعْمَته عَلَيْهِمْ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا دُون سَائِر النَّاس غَيْرهمْ مَعَ كُفْرهمْ بِنِعْمَتِهِ وَإِشْرَاكهمْ فِي عِبَادَته الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد : أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش , مَا خَصَّصْنَاهُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَتنَا عَلَيْهِمْ دُون سَائِر عِبَادنَا , فَيَشْكُرُونَا عَلَى ذَلِكَ , وَيَنْزَجِرُوا عَنْ كُفْرهمْ بِنَا , وَإِشْرَاكهمْ مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّهُمْ فِي عِبَادَتنَا أَنَّا جَعَلْنَا بَلَدهمْ حَرَمًا , حَرَّمْنَا عَلَى النَّاس أَنْ يَدْخُلُوهُ بِغَارَةٍ أَوْ حَرْب , آمِنًا , يَأْمَن فِيهِ مَنْ سَكَنَهُ , فَأَوَى إِلَيْهِ مِنْ السِّبَاء وَالْخَوْف وَالْحَرَام الَّذِي لَا يَأْمَنهُ غَيْرهمْ مِنْ النَّاس { وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } يَقُول : وَتُسْلَب النَّاس مِنْ حَوْلهمْ قَتْلًا وَسِبَاء . كَمَا : 21218 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } قَالَ : كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ آيَة أَنَّ النَّاس يُغْزَوْنَ وَيُتَخَطَّفُونَ وَهُمْ آمِنُونَ .





وَقَوْله : { أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَبِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ يُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ الْأَوْثَان بِأَنْ يُصَدِّقُوا , وَبِنِعْمَةِ اللَّه الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا مِنْ أَنْ جَعَلَ بَلَدهمْ حَرَمًا آمِنًا يَكْفُرُونَ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ " يَكْفُرُونَ " : يَجْحَدُونَ . كَمَا : 21219 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } : أَيْ بِالشِّرْكِ { وَبِنِعْمَةِ اللَّه يَكْفُرُونَ } أَيْ يَجْحَدُونَ .
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَهُۥۤۚ أَلَیۡسَ فِی جَهَنَّمَ مَثۡوࣰى لِّلۡكَـٰفِرِینَ ﴿٦٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَظْلَم أَيّهَا النَّاس مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , فَقَالُوا إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة : وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا , وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا , وَاَللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ { أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ } يَقُول : أَوْ كَذَّبَ بِمَا بَعَثَ اللَّه بِهِ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَوْحِيده , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد لِمَا جَاءَهُ هَذَا الْحَقّ مِنْ عِنْد اللَّه { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } يَقُول : أَلَيْسَ فِي النَّار مَثْوًى وَمَسْكَن لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ , وَجَحَدَ تَوْحِيده وَكَذَّبَ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَهَذَا تَقْرِير , وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ , إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ جَرِير : أَلَسْتُمْ خَيْر مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُون رَاحِ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ مَسْكَنًا فِي النَّار , وَمَنْزِلًا يَثْوُونَ فِيهِ.
وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُواْ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿٦٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ قَاتَلُوا هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه كَذِبًا مِنْ كُفَّار قُرَيْش , الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ لِمَا جَاءَهُمْ فِينَا , مُبْتَغِينَ بِقِتَالِهِمْ عُلُوّ كَلِمَتنَا , وَنُصْرَة دِيننَا { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنَا } يَقُول : لَنُوَفِّقَنَّهُمْ لِإِصَابَةِ الطَّرِيق الْمُسْتَقِيمَة , وَذَلِكَ إِصَابَة دِين اللَّه الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول : وَإِنَّ اللَّه لَمَعَ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ خَلْقه , فَجَاهَدَ فِيهِ أَهْل الشِّرْك , مُصَدِّقًا رَسُوله فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بِالْعَوْنِ لَهُ , وَالنُّصْرَة عَلَى مَنْ جَاهَدَ مِنْ أَعْدَائِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21220 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } فَقُلْت لَهُ : قَاتَلُوا فِينَا , قَالَ : نَعَمْ . آخِر تَفْسِير سُورَة الْعَنْكَبُوت