سورة الكهف تفسير الطبري
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَـٰبَ وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ﴿١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَصَّ بِرِسَالَتِهِ مُحَمَّدًا وَانْتَخَبَهُ لِبَلَاغِهَا عَنْهُ , فَابْتَعَثَهُ إِلَى خَلْقه نَبِيًّا مُرْسَلًا , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابه قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا .
قَیِّمࣰا لِّیُنذِرَ بَأۡسࣰا شَدِیدࣰا مِّن لَّدُنۡهُ وَیُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنࣰا ﴿٢﴾
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْره : { قَيِّمًا } مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا . وَقِيلَ : عُنِيَ بِهِ : أَنَّهُ قَيِّم عَلَى سَائِر الْكُتُب يُصَدِّقهَا وَيَحْفَظهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا : 17225 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } يَقُول : أَنْزَلَ الْكِتَاب عَدْلًا قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا . فَأَخْبَرَ اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ هَذَا مَعَ بَيَانه مَعْنَى الْقَيِّم أَنَّ الْقَيِّم مُؤَخَّر بَعْد قَوْله , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا , وَمَعْنَاهُ التَّقْدِيم بِمَعْنَى : أَنْزَلَ الْكِتَاب عَلَى عَبْده قَيِّمًا . 17226 - حُدِّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن زَيْد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله { قَيِّمًا } قَالَ : مُسْتَقِيمًا . 17227 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } : أَيْ مُعْتَدِلًا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ . 17228 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } قَالَ : أَنْزَلَ اللَّه الْكِتَاب قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } قَالَ : وَفِي بَعْض الْقِرَاءَات : " وَلَكِنْ جَعَلَهُ قَيِّمًا " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ , لِدَلَالَةِ قَوْله : { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا } فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَيِّمًا } مُسْتَقِيمًا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تَفَاوُت , بَلْ بَعْضه يُصَدِّق بَعْضًا , وَبَعْضه يَشْهَد لِبَعْضٍ , لَا عِوَج فِيهِ , وَلَا مَيْل عَنْ الْحَقّ , وَكُسِرَتْ الْعَيْن مِنْ قَوْله { عِوَجًا } لِأَنَّ الْعَرَب كَذَلِكَ تَقُول فِي كُلّ اِعْوِجَاج كَانَ فِي دِين , أَوْ فِيمَا لَا يَرَى شَخْصه قَائِمًا , فَيُدْرِك عِيَانًا مُنْتَصِبًا كَالْعَاجِ فِي الدِّين , وَلِذَلِكَ كُسِرَتْ الْعَيْن فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَكَذَلِكَ الْعِوَج فِي الطَّرِيق , لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّخْصِ الْمُنْتَصِب . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ عِوَج فِي الْأَشْخَاص الْمُنْتَصِبَة قِيَامًا , فَإِنَّ عَيْنهَا تُفْتَح كَالْعِوَجِ فِي الْقَنَاة , وَالْخَشَبَة , وَنَحْوهَا . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي مَعْنَى قَوْله { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا } : وَلَمْ يَجْعَل لَهُ مُلْتَبِسًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17229 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } وَلَمْ يَجْعَل لَهُ مُلْتَبِسًا . وَلَا خِلَاف أَيْضًا بَيْن أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي أَنَّ مَعْنَى قَوْله { قَيِّمًا } وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا , التَّقْدِيم إِلَى جَنْب الْكِتَاب . وَقِيلَ : إِنَّمَا اِفْتَتَحَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذِهِ السُّورَة بِذِكْرِ نَفْسه بِمَا هُوَ لَهُ أَهْل , وَبِالْخَبَرِ عَنْ إِنْزَال كِتَابه عَلَى رَسُوله إِخْبَارًا مِنْهُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة , بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاء عَلَّمَهُمُوهَا الْيَهُود مِنْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَأَمَرُوهُمْ بِمَسْأَلَتِهُمُوه عَنْهَا , وَقَالُوا : إِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهَا فَهُوَ نَبِيّ , وَإِنْ لَمْ يُخْبِركُمْ بِهَا فَهُوَ مُتَقَوِّل , فَوَعَدَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَوَابِ عَنْهَا مَوْعِدًا , فَأَبْطَأَ الْوَحْي عَنْهُ بَعْض الْإِبْطَاء , وَتَأَخَّرَ مَجِيء جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَنْهُ عَنْ مِيعَاده الْقَوْم , فَتَحَدَّثَ الْمُشْرِكُونَ بِأَنَّهُ أَخْلَفَهُمْ مَوْعِده , وَأَنَّهُ مُتَقَوِّل , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ السُّورَة جَوَابًا عَنْ مَسَائِلهمْ , وَافْتَتَحَ أَوَّلهَا بِذِكْرِهِ , وَتَكْذِيب الْمُشْرِكِينَ فِي أُحْدُوثَتهمْ الَّتِي تَحَدَّثُوهَا بَيْنهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17230 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني شَيْخ مِنْ أَهْل مِصْر , قَدِمَ مُنْذُ بِضْع وَأَرْبَعِينَ سَنَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس - فِيمَا يَرْوِي أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ - قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْش النَّضْر بْن الْحَارِث , وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط إِلَى أَحْبَار يَهُود بِالْمَدِينَةِ , فَقَالُوا لَهُمْ : سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّد , وَصِفُوا لَهُمْ صِفَته , وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ , فَإِنَّهُمْ أَهْل الْكِتَاب الْأَوَّل , وَعِنْدهمْ عِلْم مَا لَيْسَ عِنْدنَا مِنْ عِلْم الْأَنْبِيَاء . فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَة , فَسَأَلُوا أَحْبَار يَهُود عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْره وَبَعْض قَوْله , وَقَالَا : إِنَّكُمْ أَهْل التَّوْرَاة , وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبنَا هَذَا , قَالَ : فَقَالَتْ لَهُمْ أَحْبَار يَهُود : سَلُوهُ عَنْ ثَلَاث نَأْمُركُمْ بِهِنَّ , فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيّ مُرْسَل , وَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَالرَّجُل مُتَقَوِّل , فَرُوا فِيهِ رَأْيكُمْ : سَلُوهُ عَنْ فِتْيَة ذَهَبُوا فِي الدَّهْر الْأَوَّل , مَا كَانَ مِنْ أَمْرهمْ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيث عَجِيب . وَسَلُوهُ عَنْ رَجُل طَوَّاف , بَلَغَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , مَا كَانَ نَبَؤُهُ ؟ وَسَلُوهُ عَنْ الرُّوح مَا هُوَ ؟ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ , فَإِنَّهُ نَبِيّ فَاتَّبِعُوهُ , وَإِنْ هُوَ لَمْ يُخْبِركُمْ , فَهُوَ رَجُل مُتَقَوِّل , فَاصْنَعُوا فِي أَمْره مَا بَدَا لَكُمْ . فَأَقْبَلَ النَّضْر وَعُقْبَة حَتَّى قَدِمَا مَكَّة عَلَى قُرَيْش , فَقَالَا : يَا مَعْشَر قُرَيْش : قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنكُمْ وَبَيْن مُحَمَّد , قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَار يَهُود أَنْ نَسْأَلهُ , عَنْ أُمُور , فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا , فَجَاءُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَخْبِرْنَا , فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ , فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُخْبِركُمْ غَدًا بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ " , وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَانْصَرَفُوا عَنْهُ , فَمَكَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْس عَشْرَة لَيْلَة , لَا يُحَدِّث اللَّه إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا , وَلَا يَأْتِيه جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام , حَتَّى أَرْجَفَ أَهْل مَكَّة وَقَالُوا : وَعَدَنَا مُحَمَّد غَدًا , وَالْيَوْم خَمْس عَشْرَة قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا لَا يُخْبِرنَا بِشَيْءٍ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ . وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْث الْوَحْي عَنْهُ , وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّم بِهِ أَهْل مَكَّة . ثُمَّ جَاءَهُ جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام , مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , بِسُورَةِ أَصْحَاب الْكَهْف , فِيهَا مُعَاتَبَته إِيَّاهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ وَخَبَر مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْر الْفِتْيَة وَالرَّجُل الطَّوَّاف , وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا } 17 85 قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِفْتَتَحَ السُّورَة فَقَالَ { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب } يَعْنِي مُحَمَّدًا إِنَّك رَسُولِي فِي تَحْقِيق مَا سَأَلُوا عَنْهُ مِنْ نُبُوَّته { وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا } : أَيْ مُعْتَدِلًا , لَا اِخْتِلَاف فِيهِ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيُنْذِر بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْقُرْآن مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا لَا عِوَج فِيهِ لِيُنْذِركُمْ أَيّهَا النَّاس بَأْسًا مِنْ اللَّه شَدِيدًا . وَعَنَى بِالْبَأْسِ الْعَذَاب الْعَاجِل , وَالنَّكَال الْحَاضِر وَالسَّطْوَة . وَقَوْله : { مِنْ لَدُنْه } يَعْنِي : مِنْ عِنْد اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17231 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق { لِيُنْذِر بَأْسًا شَدِيدًا } عَاجِل عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا وَعَذَابًا فِي الْآخِرَة . { مِنْ لَدُنْه } : أَيْ مِنْ عِنْد رَبّك الَّذِي بَعَثَك رَسُولًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , بِنَحْوِهِ . 17232 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مِنْ لَدُنْه } : أَيْ مِنْ عِنْده . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَأَيْنَ مَفْعُول قَوْله { لِيُنْذِر } فَإِنَّ مَفْعُوله مَحْذُوف اِكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ مِنْ ذِكْره , وَهُوَ مُضْمَر مُتَّصِل بِيُنْذِر قَبْل الْبَأْس , كَأَنَّهُ قِيلَ : لِيُنْذِركُمْ بَأْسًا , كَمَا قِيلَ : { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } 3 175 إِنَّمَا هُوَ : يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ .
وَقَوْله : { وَيُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَيُبَشِّر الْمُصَدِّقِينَ اللَّه وَرَسُوله { الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَات } وَهُوَ الْعَمَل بِمَا أَمَرَ اللَّه بِالْعَمَلِ بِهِ , وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } يَقُول : ثَوَابًا جَزِيلًا لَهُمْ مِنْ اللَّه عَلَى إِيمَانهمْ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَعَمَلهمْ فِي الدُّنْيَا الصَّالِحَات مِنْ الْأَعْمَال , وَذَلِكَ الثَّوَاب : هُوَ الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَهَا الْمُتَّقُونَ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيُنْذِر بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْقُرْآن مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا لَا عِوَج فِيهِ لِيُنْذِركُمْ أَيّهَا النَّاس بَأْسًا مِنْ اللَّه شَدِيدًا . وَعَنَى بِالْبَأْسِ الْعَذَاب الْعَاجِل , وَالنَّكَال الْحَاضِر وَالسَّطْوَة . وَقَوْله : { مِنْ لَدُنْه } يَعْنِي : مِنْ عِنْد اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17231 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق { لِيُنْذِر بَأْسًا شَدِيدًا } عَاجِل عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا وَعَذَابًا فِي الْآخِرَة . { مِنْ لَدُنْه } : أَيْ مِنْ عِنْد رَبّك الَّذِي بَعَثَك رَسُولًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , بِنَحْوِهِ . 17232 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مِنْ لَدُنْه } : أَيْ مِنْ عِنْده . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَأَيْنَ مَفْعُول قَوْله { لِيُنْذِر } فَإِنَّ مَفْعُوله مَحْذُوف اِكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ مِنْ ذِكْره , وَهُوَ مُضْمَر مُتَّصِل بِيُنْذِر قَبْل الْبَأْس , كَأَنَّهُ قِيلَ : لِيُنْذِركُمْ بَأْسًا , كَمَا قِيلَ : { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } 3 175 إِنَّمَا هُوَ : يُخَوِّفكُمْ أَوْلِيَاءَهُ .
وَقَوْله : { وَيُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَيُبَشِّر الْمُصَدِّقِينَ اللَّه وَرَسُوله { الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَات } وَهُوَ الْعَمَل بِمَا أَمَرَ اللَّه بِالْعَمَلِ بِهِ , وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } يَقُول : ثَوَابًا جَزِيلًا لَهُمْ مِنْ اللَّه عَلَى إِيمَانهمْ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَعَمَلهمْ فِي الدُّنْيَا الصَّالِحَات مِنْ الْأَعْمَال , وَذَلِكَ الثَّوَاب : هُوَ الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَهَا الْمُتَّقُونَ .
مَّـٰكِثِینَ فِیهِ أَبَدࣰا ﴿٣﴾
وَقَوْله : { مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } خَالِدِينَ , لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهُ , وَلَا يُنْقَلُونَ ; وَنَصَبَ مَاكِثِينَ عَلَى الْحَال مِنْ قَوْله : { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } فِي هَذِهِ الْحَال فِي حَال مُكْثهمْ فِي ذَلِكَ الْأَجْر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17233 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَيُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } : أَيْ فِي دَار خُلْد لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , الَّذِينَ صَدَّقُوك بِمَا جِئْت بِهِ عَنْ اللَّه , وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ .
وَیُنذِرَ ٱلَّذِینَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدࣰا ﴿٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُنْذِر الَّذِينَ قَالُوا اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُحَذِّر أَيْضًا مُحَمَّد الْقَوْم { الَّذِينَ قَالُوا اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه وَغَيْرهمْ , بَأْس اللَّه وَعَاجِل نِقْمَته , وَآجِل عَذَابه , عَلَى قِيلهمْ ذَلِكَ , كَمَا : 17234 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَيُنْذِر الَّذِينَ قَالُوا اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلهمْ : إِنَّمَا نَعْبُد الْمَلَائِكَة , وَهُنَّ بَنَات اللَّه .
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمࣲ وَلَا لِـَٔابَاۤىِٕهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةࣰ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَ ٰهِهِمۡۚ إِن یَقُولُونَ إِلَّا كَذِبࣰا ﴿٥﴾
وَقَوْله : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم } يَقُول : مَا لِقَائِلِي هَذَا الْقَوْل , يَعْنِي قَوْلهمْ { اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا } . { بِهِ } : يَعْنِي بِاَللَّهِ مِنْ عِلْم , وَالْهَاء فِي قَوْله { بِهِ } مِنْ ذِكْر اللَّه . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : مَا لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذَا الْقَوْل بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد مِنْ عِلْم , فَلِجَهْلِهِمْ بِاَللَّهِ وَعَظَمَته قَالُوا ذَلِكَ .
وَقَوْله { وَلَا لِآبَائِهِمْ } يَقُول : وَلَا لِأَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلهمْ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْم , كَانَ لَهُمْ بِاَللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ عِلْم .
وَقَوْله : { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } . اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } بِنَصْبِ كَلِمَة بِمَعْنَى : كَبُرَتْ كَلِمَتهمْ الَّتِي قَالُوهَا كَلِمَة عَلَى التَّفْسِير , كَمَا يُقَال : نِعْمَ رَجُلًا عَمْرو , وَنِعْمَ الرَّجُل رَجُلًا قَامَ , وَنِعْمَ رَجُلًا قَامَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : نُصِبَتْ كَلِمَة لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى : أَكْبَر بِهَا كَلِمَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَسَاءَتْ مُرْتَفِقًا } 18 29 وَقَالَ : هِيَ فِي النَّصْب مِثْل قَوْل الشَّاعِر : وَلَقَدْ عَلِمْت إِذَا اللِّقَاح تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَال تَكُبّهُنَّ شَمَالَا أَيْ تَكُبّهُنَّ الرِّيَاح شَمَالَا . فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة . وَذُكِرَ عَنْ بَعْض الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " كَبُرَتْ كَلِمَة " رَفْعًا , كَمَا يُقَال : عَظُمَ قَوْلك وَكَبُرَ شَأْنك . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله { كَبُرَتْ كَلِمَة } مُضْمَر , وَكَانَ صِفَة لِلْكَلِمَةِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } نَصْبًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , فَتَأْوِيل الْكَلَام : عَظُمَتْ الْكَلِمَة كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاه هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَالُوا : اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , كَمَا : 17235 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } قَوْلهمْ : إِنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه .
وَقَوْله : { إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا كَذِبًا وَفِرْيَة اِفْتَرَوْهَا عَلَى اللَّه .
وَقَوْله { وَلَا لِآبَائِهِمْ } يَقُول : وَلَا لِأَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلهمْ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْم , كَانَ لَهُمْ بِاَللَّهِ وَبِعَظَمَتِهِ عِلْم .
وَقَوْله : { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } . اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } بِنَصْبِ كَلِمَة بِمَعْنَى : كَبُرَتْ كَلِمَتهمْ الَّتِي قَالُوهَا كَلِمَة عَلَى التَّفْسِير , كَمَا يُقَال : نِعْمَ رَجُلًا عَمْرو , وَنِعْمَ الرَّجُل رَجُلًا قَامَ , وَنِعْمَ رَجُلًا قَامَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : نُصِبَتْ كَلِمَة لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى : أَكْبَر بِهَا كَلِمَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَسَاءَتْ مُرْتَفِقًا } 18 29 وَقَالَ : هِيَ فِي النَّصْب مِثْل قَوْل الشَّاعِر : وَلَقَدْ عَلِمْت إِذَا اللِّقَاح تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَال تَكُبّهُنَّ شَمَالَا أَيْ تَكُبّهُنَّ الرِّيَاح شَمَالَا . فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة . وَذُكِرَ عَنْ بَعْض الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " كَبُرَتْ كَلِمَة " رَفْعًا , كَمَا يُقَال : عَظُمَ قَوْلك وَكَبُرَ شَأْنك . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله { كَبُرَتْ كَلِمَة } مُضْمَر , وَكَانَ صِفَة لِلْكَلِمَةِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { كَبُرَتْ كَلِمَة } نَصْبًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , فَتَأْوِيل الْكَلَام : عَظُمَتْ الْكَلِمَة كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاه هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَالُوا : اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , كَمَا : 17235 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ } قَوْلهمْ : إِنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه .
وَقَوْله : { إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : مَا يَقُول هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا كَذِبًا وَفِرْيَة اِفْتَرَوْهَا عَلَى اللَّه .
فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا ﴿٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : فَلَعَلَّك يَا مُحَمَّد قَاتِل نَفْسك وَمُهْلِكهَا عَلَى آثَار قَوْمك الَّذِينَ قَالُوا لَك { لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } تَمَرُّدًا مِنْهُمْ عَلَى رَبّهمْ , إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك فَيُصَدِّقُوا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه حُزْنًا وَتَلَهُّفًا وَوَجْدًا , بِإِدْبَارِهِمْ عَنْك , وَإِعْرَاضهمْ عَمَّا أَتَيْتهمْ بِهِ وَتَرْكهمْ الْإِيمَان بِك . يُقَال مِنْهُ : بَخَعَ فُلَان نَفْسه يَبْخَعهَا بَخْعًا وَبُخُوعًا ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : أَلَّا أَيُّهَذَا الْبَاخِع الْوَجْد نَفْسه لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِر يُرِيد : نَحَّتْهُ فَخُفِّفَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { بَاخِع } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17236 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك } يَقُول : قَاتِل نَفْسك . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .
وَأَمَّا قَوْله : { أَسَفًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث غَضَبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17237 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } قَالَ : غَضَبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : جَزَعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { أَسَفًا } قَالَ : جَزَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17239 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَسَفًا } قَالَ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسَف فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَهَذِهِ مُعَاتَبَة مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَلَى وَجْده بِمُبَاعَدَةِ قَوْمه إِيَّاهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } يُعَاتِبهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ حِين فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ : أَيْ لَا تَفْعَل .
وَأَمَّا قَوْله : { أَسَفًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث غَضَبًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17237 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } قَالَ : غَضَبًا . وَقَالَ آخَرُونَ : جَزَعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17238 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { أَسَفًا } قَالَ : جَزَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17239 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَسَفًا } قَالَ : حُزْنًا عَلَيْهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسَف فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَهَذِهِ مُعَاتَبَة مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَلَى وَجْده بِمُبَاعَدَةِ قَوْمه إِيَّاهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } يُعَاتِبهُ عَلَى حُزْنه عَلَيْهِمْ حِين فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ : أَيْ لَا تَفْعَل .
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا ﴿٧﴾
وَقَوْله : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لِلْأَرْضِ { لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } يَقُول : لِنَخْتَبِر عِبَادنَا أَيّهمْ أَتْرَك لَهَا وَأَتْبَع لِأَمْرِنَا وَنَهْينَا وَأَعْمَل فِيهَا بِطَاعَتِنَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17241 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا } قَالَ : مَا عَلَيْهَا مِنْ شَيْء . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17242 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَة حُلْوَة , وَإِنَّ اللَّه مُسْتَخْلِفكُمْ فِيهَا , فَنَاظِر كَيْف تَعْمَلُونَ , فَاتَّقُوا الدُّنْيَا , وَاتَّقُوا النِّسَاء " .
وَأَمَّا قَوْله : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِي تَأْوِيله نَحْو قَوْلنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17243 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } قَالَ : أَتْرَك لَهَا . 17244 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } اِخْتِبَارًا لَهُمْ أَيّهمْ أَتْبَع لِأَمْرِي وَأَعْمَل بِطَاعَتِي .
وَأَمَّا قَوْله : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِي تَأْوِيله نَحْو قَوْلنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17243 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : { لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } قَالَ : أَتْرَك لَهَا . 17244 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا } اِخْتِبَارًا لَهُمْ أَيّهمْ أَتْبَع لِأَمْرِي وَأَعْمَل بِطَاعَتِي .
وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا ﴿٨﴾
وَقَوْله : { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَإِنَّا لَمُخَرِّبُوهَا بَعْد عِمَارَتِنَاهَا بِمَا جَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنْ الزِّينَة , فَمُصَيِّرُوهَا صَعِيدًا جُرُزًا لَا نَبَات عَلَيْهَا وَلَا زَرْع وَلَا غَرْس . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّعِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمُسْتَوِي بِوَجْهِ الْأَرْض , وَذَلِكَ هُوَ شَبِيه بِمَعْنَى قَوْلنَا فِي ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , وَبِمَعْنَى الْجُرُز , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17245 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } يَقُول : يَهْلَك كُلّ شَيْء عَلَيْهَا وَيَبِيد . 17246 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { صَعِيدًا جُرُزًا } قَالَ : بَلْقَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17247 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } وَالصَّعِيد : الْأَرْض الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَر وَلَا نَبَات . 17248 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } يَعْنِي : الْأَرْض إِنَّ مَا عَلَيْهَا لَفَانٍ وَبَائِد , وَإِنَّ الْمَرْجِع لَإِلَيَّ , فَلَا تَأْسَ , وَلَا يَحْزُنك مَا تَسْمَع وَتَرَى فِيهَا . 17249 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { صَعِيدًا جُرُزًا } قَالَ : الْجُرُز : الْأَرْض الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْء , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوق الْمَاء إِلَى الْأَرْض الْجُرُز فَنُخْرِج بِهِ زَرْعًا } 32 27 قَالَ : وَالْجُرُز : لَا شَيْء فِيهَا , لَا نَبَات وَلَا مَنْفَعَة . وَالصَّعِيد : الْمُسْتَوِي . وَقَرَأَ : { لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا } 20 107 قَالَ : مُسْتَوِيَة : يُقَال : جُرِزَتْ الْأَرْض فَهِيَ مَجْرُوزَة , وَجُرُزهَا الْجَرَاد وَالنَّعَم , وَأَرْضُونَ أَجْرَاز : إِذَا كَانَتْ لَا شَيْء فِيهَا . وَيُقَال لِلسَّنَةِ الْمُجْدِبَة : جُرُز وَسُنُونَ أَجْرَاز لِجُدُوبِهَا وَيُبْسهَا وَقِلَّة أَمْطَارهَا ; قَالَ الرَّاجِز : قَدْ جَرَفَتْهُنَّ السُّنُونُ الْأَجْرَازْ يُقَال : أَجْرَزَ الْقَوْم : إِذَا صَارَتْ أَرْضهمْ جُرُزًا , وَجَرَزُوا هُمْ أَرْضهمْ : إِذَا أَكَلُوا نَبَاتهَا كُلّه .
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِیمِ كَانُواْ مِنۡ ءَایَـٰتِنَا عَجَبًا ﴿٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْ حَسِبْت يَا مُحَمَّد أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا , فَإِنَّ مَا خَلَقْت مِنْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَمَا فِيهِنَّ مِنْ الْعَجَائِب أَعْجَب مِنْ أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف , وَحُجَّتِي بِكُلِّ ذَلِكَ ثَابِتَة عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك , وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر عِبَادِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17250 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو فِي حَدِيثه , قَالَ : لَيْسُوا عَجَبًا بِأَعْجَب آيَاتنَا . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه بِقَوْلِهِمْ : أَعْجَب آيَاتنَا : لَيْسُوا أَعْجَبَ آيَاتنَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } كَانُوا يَقُولُونَ هُمْ عَجَب . 17251 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } يَقُول : قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتنَا مَا هُوَ أَعْجَب مِنْ ذَلِكَ . 17252 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } أَيْ وَمَا قَدَرُوا مِنْ قَدْر فِيمَا صَنَعْت مِنْ أَمْر الْخَلَائِق , وَمَا وَضَعْت عَلَى الْعِبَاد مِنْ حُجَجِي مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَمْ حَسِبْت يَا مُحَمَّد أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا , فَإِنَّ الَّذِينَ آتَيْتُك مِنْ الْعِلْم وَالْحِكْمَة أَفْضَل مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17253 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } يَقُول : الَّذِي آتَيْتُك مِنْ الْعِلْم وَالسُّنَّة وَالْكِتَاب أَفْضَل مِنْ شَأْن أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ قِصَّة أَصْحَاب الْكَهْف عَلَى نَبِيّه اِحْتِجَاجًا بِهَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمه عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , إِذْ سَأَلُوهُ عَنْهَا اِخْتِبَارًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْجَوَابِ عَنْهَا صِدْقه , فَكَانَ تَقْرِيعهمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُوَ أَوْكَد عَلَيْهِمْ فِي الْحُجَّة مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُمْ , وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ عِنْد الْإِجَابَة عَنْهُ أَشْبَه مِنْ الْخَبَر عَمَّا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى رَسُوله مِنْ النِّعَم . وَأَمَّا الْكَهْف , فَإِنَّهُ كَهْف الْجَبَل الَّذِي أَوَى إِلَيْهِ الْقَوْم الَّذِينَ قَصَّ اللَّه شَأْنهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة . وَأَمَّا الرَّقِيم , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم قَرْيَة , أَوْ وَادٍ عَلَى اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17254 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عَبْد الْأَعْلَى وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : يَزْعُم كَعْب أَنَّ الرَّقِيم : الْقَرْيَة . 17255 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } قَالَ : الرَّقِيم : وَادٍ بَيْن عُسْفَان وَأَيْلَة دُون فِلَسْطِين , وَهُوَ قَرِيب مِنْ أَيْلَة . 17256 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ عَطِيَّة , قَالَ : الرَّقِيم : وَادٍ . 17257 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ الرَّقِيم : الْوَادِي الَّذِي فِيهِ أَصْحَاب الْكَهْف . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { الرَّقِيم } قَالَ : يَزْعُم كَعْب : أَنَّهَا الْقَرْيَة . 17258 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { الرَّقِيم } قَالَ : يَقُول بَعْضهمْ : الرَّقِيم : كِتَاب أَنْسَابهمْ . وَيَقُول بَعْضهمْ : هُوَ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ كَهْفهمْ . 17259 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : أَمَّا الْكَهْف : فَهُوَ غَار الْوَادِي , وَالرَّقِيم : اِسْم الْوَادِي . وَقَالَ آخَرُونَ : الرَّقِيم : الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17260 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } يَقُول : الْكِتَاب . 17261 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ اِبْن قَيْس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الرَّقِيم : لَوْح مِنْ حِجَارَة كَتَبُوا فِيهِ قَصَص أَصْحَاب الْكَهْف , ثُمَّ وَضَعُوهُ عَلَى بَاب الْكَهْف . 17262 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الرَّقِيم : كِتَاب , وَلِذَلِكَ الْكِتَاب خَبَر فَلَمْ يُخْبِر اللَّه عَنْ ذَلِكَ الْكِتَاب وَعَمَّا فِيهِ , وَقَرَأَ : { وَمَا أَدْرَاك مَا عِلِّيُّونَ كِتَاب مَرْقُوم يَشْهَدهُ الْمُقَرَّبُونَ } 83 19 : 21 { وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين كِتَاب مَرْقُوم } 83 8 : 9 وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اِسْم جَبَل أَصْحَاب الْكَهْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17263 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : الرَّقِيم : الْجَبَل الَّذِي فِيهِ الْكَهْف . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اِسْم ذَلِكَ الْجَبَل : بنجلوس . 17264 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اِسْمه بناجلوس . 17265 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب الْجَبِئِيّ أَنَّ اِسْم جَبَل الْكَهْف : بناجلوس . وَاسْم الْكَهْف : حيزم . وَالْكَلْب : خمران . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الرَّقِيم مَا : 17266 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُلّ الْقُرْآن أَعْلَمهُ , إِلَّا حَنَانًا , وَالْأَوَّاه , وَالرَّقِيم . 17267 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول : قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا أَدْرِي مَا الرَّقِيم , أَكِتَاب , أَمْ بُنْيَان ؟ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي الرَّقِيم أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ : لَوْح , أَوْ حَجَر , أَوْ شَيْء كُتِبَ فِيهِ كِتَاب . وَقَدْ قَالَ أَهْل الْأَخْبَار : إِنَّ ذَلِكَ لَوْح كُتِبَ فِيهِ أَسْمَاء أَصْحَاب الْكَهْف وَخَبَرهمْ حِين أَوَوْا إِلَى الْكَهْف . ثُمَّ قَالَ بَعْضهمْ : رُفِعَ ذَلِكَ اللَّوْح فِي خِزَانَة الْمُلْك . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ جَعَلَ عَلَى بَاب كَهْفهمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا عِنْد بَعْض أَهْل بَلَدهمْ . وَإِنَّمَا الرَّقْم : فَعِيل . أَصْله : مَرْقُوم , ثُمَّ صُرِفَ إِلَى فَعِيل , كَمَا قِيلَ لِلْمَجْرُوحِ : جَرِيح , وَلِلْمَقْتُولِ : قَتِيل , يُقَال مِنْهُ : رَقَمْت كَذَا وَكَذَا : إِذَا كَتَبْته , وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّقْمِ فِي الثَّوْب رَقْم , لِأَنَّهُ الْخَطّ الَّذِي يُعْرَف بِهِ ثَمَنه . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْحَيَّةِ : أَرْقَم , لِمَا فِيهِ مِنْ الْآثَار ; وَالْعَرَب تَقُول : عَلَيْك بِالرَّقْمَةِ , وَدَعْ الضَّفَّة : بِمَعْنَى عَلَيْك بِرَقْمَةِ الْوَادِي حَيْثُ الْمَاء , وَدَعْ الضَّفَّة الْجَانِبَة . وَالضَّفَّتَانِ : جَانِبَا الْوَادِي . وَأَحْسَب أَنَّ الَّذِي قَالَ الرَّقِيم : الْوَادِي , ذَهَبَ بِهِ إِلَى هَذَا , أَعْنِي بِهِ إِلَى رَقْمَة الْوَادِي .
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡیَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةࣰ وَهَیِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدࣰا ﴿١٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ أَوَى الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف فَقَالُوا رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } حِين أَوَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف إِلَى كَهْف الْجَبَل , هَرَبًا بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , فَقَالُوا إِذْ أَوَوْهُ : { رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة } رَغْبَة مِنْهُمْ إِلَى رَبّهمْ , فِي أَنْ يَرْزُقهُمْ مِنْ عِنْده رَحْمَة . وَقَوْله : { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول : وَقَالُوا : يَسِّرْ لَنَا بِمَا نَبْتَغِي وَمَا نَلْتَمِس مِنْ رِضَاك وَالْهَرَب مِنْ الْكُفْر بِك , وَمِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان الَّتِي يَدْعُونَا إِلَيْهَا قَوْمنَا , { رَشَدًا } يَقُول : سَدَادًا إِلَى الْعَمَل بِاَلَّذِي تُحِبّ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي سَبَب مَصِير هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي كِتَابه , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ سَبَب ذَلِكَ , أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , وَكَانَ لَهُمْ مَلِك عَابِد وَثَن , دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام فَهَرَبُوا بِدِينِهِمْ مِنْهُ خَشْيَة أَنْ يَفْتِنهُمْ عَنْ دِينهمْ , أَوْ يَقْتُلهُمْ , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ فِي الْكَهْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17268 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثنا عَمْرو فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } كَانَتْ الْفِتْيَة عَلَى دِين عِيسَى عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانَ مَلِكهمْ كَافِرًا , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُمْ صَنَمًا , فَأَبَوْا , وَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 قَالَ : فَاعْتَزَلُوا عَنْ قَوْمهمْ لِعِبَادَةِ اللَّه , فَقَالَ أَحَدهمْ : إِنَّهُ كَانَ لِأَبِي كَهْف يَأْوِي فِيهِ غَنَمه , فَانْطَلِقُوا بِنَا نَكُنْ فِيهِ , فَدَخَلُوهُ , وَفُقِدُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان فَطُلِبُوا , فَقِيلَ : دَخَلُوا هَذَا الْكَهْف , فَقَالَ قَوْمهمْ : لَا نُرِيد لَهُمْ عُقُوبَة وَلَا عَذَابًا أَشَدّ مِنْ أَنْ نَرْدِم عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَهْف , فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ . ثُمَّ إِنَّ اللَّه بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلَى دِين عِيسَى , وَرَفَعَ ذَلِكَ الْبِنَاء الَّذِي كَانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } ؟ ف { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } حَتَّى بَلَغَ { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } 18 19 وَكَانَ وَرِق ذَلِكَ الزَّمَان كِبَارًا , فَأَرْسَلُوا أَحَدهمْ يَأْتِيهِمْ بِطَعَامٍ وَشَرَاب ; فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَخْرُج , رَأَى عَلَى بَاب الْكَهْف شَيْئًا أَنْكَرَهُ ; فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِع , ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَة , فَأَنْكَرَ مَا رَأَى , ثُمَّ أَخْرَجَ دِرْهَمًا , فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَأَنْكَرُوهُ , وَأَنْكَرُوا الدِّرْهَم , وَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ هَذَا مِنْ وَرِق غَيْر هَذَا الزَّمَان , وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ , فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى اِنْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مَلِكهمْ , وَكَانَ لِقَوْمِهِمْ لَوْح يَكْتُبُونَ فِيهِ مَا يَكُون , فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ اللَّوْح , وَسَأَلَهُ الْمَلِك , فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ , وَنَظَرُوا فِي الْكِتَاب مَتَى فُقِدَ , فَاسْتَبْشَرُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ , وَقِيلَ لَهُ : اِنْطَلِقْ بِنَا فَأَرِنَا أَصْحَابك , فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ , لِيُرِيَهُمْ , فَدَخَلَ قَبْل الْقَوْم , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ , فَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ : { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } 18 21 17269 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : مَرِجَ أَمْر أَهْل الْإِنْجِيل وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا وَطَغَتْ فِيهِمْ الْمُلُوك , حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَام وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا عَلَى أَمْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم , مُتَمَسِّكُونَ بِعِبَادَةِ اللَّه وَتَوْحِيده , فَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكهمْ , مَلِك مِنْ الرُّوم يُقَال لَهُ : دقينوس , كَانَ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَام , وَذَبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ , وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى دِين عِيسَى اِبْن مَرْيَم . كَانَ يَنْزِل فِي قُرَى الرُّوم , فَلَا يَتْرُك فِي قَرْيَة يَنْزِلهَا أَحَدًا مِمَّنْ يَدِين بِدِينِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قَتَلَهُ , حَتَّى يَعْبُد الْأَصْنَام , وَيَذْبَح لِلطَّوَاغِيتِ , حَتَّى نَزَلَ دقينوس مَدِينَة الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف ; فَلَمَّا نَزَلَهَا دقينوس كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْه . وَكَانَ دقينوس قَدْ أَمَرَ حِين قَدِمَهَا أَنْ يُتَّبَع أَهْل الْإِيمَان فَيُجْمَعُوا لَهُ , وَاِتَّخَذَ شَرْطًا مِنْ الْكُفَّار مِنْ أَهْلهَا , فَجَعَلُوا يَتْبَعُونَ أَهْل الْإِيمَان فِي أَمَاكِنهمْ الَّتِي يَسْتَخْفُونَ فِيهَا , فَيَسْتَخْرِجُونَهُمْ إِلَى دقينوس , فَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْمَجَامِع الَّتِي يُذْبَح فِيهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَيُخَيِّرهُمْ بَيْن الْقَتْل , وَبَيْن عِبَادَة الْأَوْثَان وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْغَب فِي الْحَيَاة وَيُفَظَّع بِالْقَتْلِ فَيُفْتَتَن , وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَعْبُد غَيْر اللَّه فَيُقْتَل ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْل الصَّلَابَة مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ , جَعَلُوا يُسَلِّمُونَ أَنْفُسهمْ لِلْعَذَابِ وَالْقَتْل , فَيُقَتَّلُونَ وَيُقَطَّعُونَ , ثُمَّ يُرْبَط مَا قُطِعَ مِنْ أَجْسَادهمْ , فَيُعَلَّق عَلَى سُور الْمَدِينَة مِنْ نَوَاحِيهَا كُلّهَا , وَعَلَى كُلّ بَاب مِنْ أَبْوَابهَا , حَتَّى عَظُمَتْ الْفِتْنَة عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فَتُرِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ صُلِبَ عَلَى دِينه فَقُتِلَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , حَزَنُوا حُزْنًا شَدِيدًا , حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَلْوَانهمْ , وَنَحَلَتْ أَجْسَامهمْ , وَاسْتَعَانُوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة , وَالتَّحْمِيد , وَالتَّسْبِيح , وَالتَّهْلِيل , وَالتَّكْبِير , وَالْبُكَاء , وَالتَّضَرُّع إِلَى اللَّه , وَكَانُوا فِتْيَة أَحْدَاثًا أَحْرَارًا مِنْ أَبْنَاء أَشْرَاف الرُّوم . 17270 - فَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَقَدْ حُدِّثْت أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضهمْ مِنْ حَدَاثَة أَسْنَانه وَضَح الْوَرِق . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَكَانُوا كَذَلِكَ فِي عِبَادَة اللَّه لَيْلهمْ وَنَهَارهمْ , يَبْكُونَ إِلَى اللَّه , وَيَسْتَغِيثُونَهُ , وَكَانُوا ثَمَانِيَة نَفَر ; مكسلمينا , وَكَانَ أَكْبَرهمْ , وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِك عَنْهُمْ , ومحسيميلنينا , ويمليخا , ومرطوس , وكشوطوش , وبيرونس , ودينموس , ويطونس قالوس فَلَمَّا أَجْمَعَ دقينوس أَنْ يَجْمَع أَهْل الْقَرْيَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , بَكَوْا إِلَى اللَّه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونك إِلَهًا { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } اِكْشِفْ عَنْ عِبَادك الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْفِتْنَة وَادْفَعْ عَنْهُمْ الْبَلَاء وَأَنْعِمْ عَلَى عِبَادك الَّذِينَ آمَنُوا بِك , وَمَنَعُوا عِبَادَتك إِلَّا سِرًّا , مُسْتَخْفِينَ بِذَلِكَ , حَتَّى يَعْبُدُوك عَلَانِيَة . فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , عَرَفَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ مِنْ الْكُفَّار , مِمَّنْ كَانَ يَجْمَع أَهْل الْمَدِينَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , وَذَكَرُوا أَمْرهمْ , وَكَانُوا قَدْ خَلَوْا فِي مُصَلًّى لَهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُذْكَرُوا لدقينوس , فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْكَفَرَة حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِمْ مُصَلَّاهُمْ , فَوَجَدُوهُمْ سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَتَضَرَّعُونَ , وَيَبْكُونَ , وَيَرْغَبُونَ إِلَى اللَّه أَنْ يُنَجِّيهِمْ مِنْ دقينوس وَفِتْنَته ; فَلَمَّا رَآهُمْ أُولَئِكَ الْكَفَرَة مِنْ عُرَفَائِهِمْ قَالُوا لَهُمْ : مَا خَلَّفَكُمْ عَنْ أَمْر الْمَلِك ؟ اِنْطَلِقُوا إِلَيْهِ ! ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدهمْ , فَرَفَعُوا أَمْرهمْ إِلَى دقينوس , وَقَالُوا : تَجْمَع النَّاس لِلذَّبْحِ لِآلِهَتِك , وَهَؤُلَاءِ فِتْيَة مِنْ أَهْل بَيْتك , يَسْخَرُونَ مِنْك , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِك , وَيَعْصُونَ أَمْرك , وَيَتْرُكُونَ آلِهَتك , يَعْمِدُونَ إِلَى مُصَلًّى لَهُمْ وَلِأَصْحَابِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم يُصَلُّونَ فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى إِلَههمْ وَإِلَه عِيسَى وَأَصْحَاب عِيسَى , فَلَمْ تَتْرُكهُمْ يَصْنَعُونَ هَذَا وَهُمْ بَيْن ظَهْرَانِيّ سُلْطَانك وَمُلْكك , وَهُمْ ثَمَانِيَة نَفَر : رَئِيسهمْ مكسلمينا , وَهُمْ أَبْنَاء عُظَمَاء الْمَدِينَة ؟ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس , بَعَثَ إِلَيْهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ مِنْ الْمُصَلَّى الَّذِي كَانُوا فِيهِ تَفِيض أَعْيُنهمْ مِنْ الدُّمُوع مُعَفَّرَة وُجُوههمْ فِي التُّرَاب , فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا الذَّبْح لِآلِهَتِنَا الَّتِي تُعْبَد فِي الْأَرْض , وَأَنْ تَجْعَلُوا أَنْفُسكُمْ أُسْوَة لِسَرَاةِ أَهْل مَدِينَتكُمْ , وَلِمَنْ حَضَرَ مِنَّا مِنْ النَّاس ؟ اِخْتَارُوا مِنِّي : إِمَّا أَنْ تَذْبَحُوا لِآلِهَتِنَا كَمَا ذَبَحَ النَّاس , وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلكُمْ ! فَقَالَ مكسلمينا : إِنَّ لَنَا إِلَهًا نَعْبُدهُ مَلَأَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَظَمَته , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا أَبَدًا , وَلَنْ نُقِرّ بِهَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ أَبَدًا , وَلَكِنَّا نَعْبُد اللَّه رَبّنَا , لَهُ الْحَمْد وَالتَّكْبِير وَالتَّسْبِيح مِنْ أَنْفُسنَا خَالِصًا أَبَدًا , إِيَّاهُ نَعْبُد , وَإِيَّاهُ نَسْأَل النَّجَاة وَالْخَيْر , فَأَمَّا الطَّوَاغِيت وَعِبَادَتهَا , فَلَنْ نُقِرّ بِهَا أَبَدًا , وَلَسْنَا بِكَائِنِينَ عِبَادًا لِلشَّيَاطِينِ , وَلَا جَاعِلِي أَنْفُسنَا وَأَجْسَادنَا عِبَادًا لَهَا , بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه لَهُ رَهْبَتك , أَوْ فَرَقًا مِنْ عُبُودَتك , اِصْنَعْ بِنَا مَا بَدَا لَك ; ثُمَّ قَالَ أَصْحَاب مكسلمينا لدقينوس مِثْل مَا قَالَ . قَالَ : فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُ , أَمَرَ بِهِمْ فَنُزِعَ عَنْهُمْ لُبُوس كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ لُبُوس عُظَمَائِهِمْ , ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَإِنِّي سَأُؤَخِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَهْل مَمْلَكَتِي وَبِطَانَتِي , وَأَهْل بِلَادِي , وَسَأَفْرُغُ لَكُمْ , فَأُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ الْعُقُوبَة , وَمَا يَمْنَعنِي أَنْ أُعَجِّل ذَلِكَ لَكُمْ إِلَّا أَنِّي أَرَاكُمْ فِتْيَانًا حَدِيثَة أَسْنَانكُمْ , وَلَا أُحِبّ أَنْ أُهْلِككُمْ حَتَّى أَسْتَأْنِي بِكُمْ , وَأَنَا جَاعِل لَكُمْ أَجَلًا تَذْكُرُونَ فِيهِ , وَتُرَاجِعُونَ عُقُولكُمْ . ثُمَّ أَمَرَ بِحِلْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَنُزِعَتْ عَنْهُمْ ; ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنْ عِنْده . وَانْطَلَقَ دقينوس مَكَانه إِلَى مَدِينَة سِوَى مَدِينَتهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْهَا لِبَعْضِ مَا يُرِيد مِنْ أَمْره . فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة دقينوس قَدْ خَرَجَ مِنْ مَدِينَتهمْ بَادَرُوا قُدُومه , وَخَافُوا إِذَا قَدِمَ مَدِينَتهمْ أَنْ يَذْكُر بِهِمْ , فَائْتَمَرُوا بَيْنهمْ أَنْ يَأْخُذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ نَفَقَة مِنْ بَيْت أَبِيهِ , فَيَتَصَدَّقُوا مِنْهَا , وَيَتَزَوَّدُوا بِمَا بَقِيَ , ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْف قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة فِي جَبَل يُقَال لَهُ : بنجلوس فَيَمْكُثُوا فِيهِ , وَيَعْبُدُوا اللَّه حَتَّى إِذَا رَجَعَ دقينوس أَتَوْهُ فَقَامُوا بَيْن يَدَيْهِ , فَيَصْنَع بِهِمْ مَا شَاءَ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , عَمَدَ كُلّ فَتًى مِنْهُمْ , فَأَخَذَ مِنْ بَيْت أَبِيهِ نَفَقَة , فَتَصَدَّقَ مِنْهَا , وَانْطَلَقُوا بِمَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ نَفَقَتهمْ , وَاتَّبَعَهُمْ كَلْب لَهُمْ , حَتَّى أَتَوْا ذَلِكَ الْكَهْف الَّذِي فِي ذَلِكَ الْجَبَل , فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ عَمَل إِلَّا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالتَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَالتَّحْمِيد , اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه تَعَالَى , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا تَنْقَطِع , وَجَعَلُوا نَفَقَتهمْ إِلَى فَتًى مِنْهُمْ يُقَال لَهُ يمليخا , فَكَانَ عَلَى طَعَامهمْ , يَبْتَاع لَهُمْ أَرْزَاقهمْ مِنْ الْمَدِينَة سِرًّا مِنْ أَهْلهَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلهمْ وَأَجْلَدهمْ , فَكَانَ يمليخا يَصْنَع ذَلِكَ , فَإِذَا دَخَلَ الْمَدِينَة يَضَع ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ حِسَانًا , وَيَأْخُذ ثِيَابًا كَثِيَابِ الْمَسَاكِين الَّذِينَ يَسْتَطْعِمُونَ فِيهَا , ثُمَّ يَأْخُذ وَرِقه , فَيَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة فَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا , وَيَتَسَمَّع وَيَتَجَسَّس لَهُمْ الْخَبَر , هَلْ ذُكِرَ هُوَ وَأَصْحَابه بِشَيْءٍ فِي مَلَإِ الْمَدِينَة , ثُمَّ يَرْجِع إِلَى أَصْحَابه بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابهمْ , وَيُخْبِرهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَخْبَار النَّاس , فَلَبِثُوا بِذَلِكَ مَا لَبِثُوا . ثُمَّ قَدِمَ دقينوس الْجَبَّار الْمَدِينَة الَّتِي مِنْهَا خَرَجَ إِلَى مَدِينَته , وَهِيَ مَدِينَة أفسوس ; فَأَمَرَ عُظَمَاء أَهْلهَا , فَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , فَفَزِعَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْإِيمَان , فَتَخَبَّئُوا مِنْ كُلّ مَخْبَأ ; وَكَانَ يمليخا بِالْمَدِينَةِ يَشْتَرِي لِأَصْحَابِهِ طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ بِبَعْضِ نَفَقَتهمْ , فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ يَبْكِي وَمَعَهُ طَعَام قَلِيل , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْجَبَّار دقينوس قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَة , وَأَنَّهُمْ قَدْ ذُكِرُوا وَافْتُقِدُوا وَالْتُمِسُوا مَعَ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة لِيَذْبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ; فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ , فَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا , وَوَقَعُوا سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَدْعُونَ اللَّه , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنْ الْفِتْنَة ; ثُمَّ إِنَّ يمليخا قَالَ لَهُمْ : يَا إِخْوَتاه , اِرْفَعُوا رُءُوسكُمْ , فَاطْعَمُوا مِنْ هَذَا الطَّعَام الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ , وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبّكُمْ ; فَرَفَعُوا رُءُوسهمْ , وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع حَذَرًا وَتَخَوُّفًا عَلَى أَنْفُسهمْ , فَطَعِمُوا مِنْهُ , وَذَلِكَ مَعَ غُرُوب الشَّمْس , ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَتَدَارَسُونَ , وَيَذْكُر بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى حُزْن مِنْهُمْ , مُشْفِقِينَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ صَاحِبهمْ مِنْ الْخَبَر . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , إِذْ ضَرَبَ اللَّه عَلَى آذَانهمْ فِي الْكَهْف سِنِينَ عَدَدًا , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُوقِنُونَ , مُصَدِّقُونَ بِالْوَعْدِ , وَنَفَقَتهمْ مَوْضُوعَة عِنْدهمْ ; فَلَمَّا كَانَ الْغَد فَقَدَهُمْ دقينوس , فَالْتَمَسَهُمْ فَلَمْ يَجِدهُمْ , فَقَالَ لِعُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : لَقَدْ سَاءَنِي شَأْن هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ ذَهَبُوا . لَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بِي غَضَبًا عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعُوا فِي أَوَّل شَأْنهمْ , لِجَهْلِهِمْ مَا جَهِلُوا مِنْ أَمْرِي , مَا كُنْت لِأَجْهَل عَلَيْهِمْ فِي نَفْسِي , وَلَا أُؤَاخِذ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِنْ هُمْ تَابُوا وَعَبَدُوا آلِهَتِي , وَلَوْ فَعَلُوا لَتَرَكْتهمْ , وَمَا عَاقَبْتهمْ بِشَيْءٍ سَلَفَ مِنْهُمْ . فَقَالَ لَهُ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : مَا أَنْتَ بِحَقِيقٍ أَنْ تَرْحَم قَوْمًا فَجَرَة مَرَدَة عُصَاة , مُقِيمِينَ عَلَى ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَقَدْ كُنْت أَجَّلْتهمْ أَجَلًا , وَأَخَّرْتهمْ عَنْ الْعُقُوبَة الَّتِي أَصَبْت بِهَا غَيْرهمْ , وَلَوْ شَاءُوا لَرَجَعُوا فِي ذَلِكَ الْأَجَل , وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يَنْدَمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا , وَكَانُوا مُنْذُ اِنْطَلَقْت يُبَذِّرُونَ أَمْوَالهمْ بِالْمَدِينَةِ ; فَلَمَّا عَلِمُوا بِقُدُومِك فَرُّوا فَلَمْ يُرَوْا بَعْد . فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تُؤْتَى بِهِمْ , فَأَرْسِلْ إِلَى آبَائِهِمْ فَامْتَحِنْهُمْ , وَاشْدُدْ عَلَيْهِمْ يَدُلُّوك عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ مُخْتَبِئُونَ مِنْك . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس الْجَبَّار , غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى آبَائِهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُمْ وَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ أَبْنَائِكُمْ الْمَرَدَة الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرِي , وَتَرَكُوا آلِهَتِي ; اِئْتُونِي بِهِمْ , وَأَنْبِئُونِي بِمَكَانِهِمْ ! فَقَالَ لَهُ آبَاؤُهُمْ : أَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَعْصِ أَمْرك وَلَمْ نُخَالِفك . قَدْ عَبَدْنَا آلِهَتك وَذَبَحْنَا لَهُمْ , فَلَمْ تَقْتُلنَا فِي قَوْم مَرَدَة , قَدْ ذَهَبُوا بِأَمْوَالِنَا فَبَذَّرُوهَا وَأَهْلَكُوهَا فِي أَسْوَاق الْمَدِينَة , ثُمَّ اِنْطَلَقُوا , فَارْتَقَوْا فِي جَبَل يُدْعَى بنجلوس , وَبَيْنه وَبَيْن الْمَدِينَة أَرْض بَعِيدَة هَرَبًا مِنْك ؟ ! فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلهمْ , وَجَعَلَ يَأْتَمِر مَاذَا يَصْنَع بِالْفِتْيَةِ , فَأَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسه أَنْ يَأْمُر بِالْكَهْفِ فَيُسَدّ عَلَيْهِمْ كَرَامَة مِنْ اللَّه , أَرَادَ أَنْ يُكْرِمهُمْ , وَيُكْرِم أَجْسَاد الْفِتْيَة , فَلَا يَجُول , وَلَا يَطُوف بِهَا شَيْء , وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيهِمْ , وَيَجْعَلهُمْ آيَة لِأُمَّةٍ تُسْتَخْلَف مِنْ بَعْدهمْ , وَأَنْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنَّ اللَّه يَبْعَث مَنْ فِي الْقُبُور . فَأَمَرَ دقينوس بِالْكَهْفِ أَنْ يُسَدّ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ : دَعُوا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الْمَرَدَة الَّذِينَ تَرَكُوا آلِهَتِي فَلْيَمُوتُوا كَمَا هُمْ فِي الْكَهْف عَطَشًا وَجُوعًا , وَلْيَكُنْ كَهْفهمْ الَّذِي اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ قَبْرًا لَهُمْ ; فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ عَدُوّ اللَّه , وَهُوَ يَظُنّ أَنَّهُمْ أَيْقَاظ يَعْلَمُونَ مَا يَصْنَع بِهِمْ , وَقَدْ تَوَفَّى اللَّه أَرْوَاحهمْ وَفَاة النَّوْم , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , قَدْ غَشَّاهُ اللَّه مَا غَشَّاهُمْ , يُقَلَّبُونَ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال . ثُمَّ إِنَّ رَجُلَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ كَانَا فِي بَيْت الْمَلِك دقينوس يَكْتُمَانِ إِيمَانهمَا : اِسْم أَحَدهمَا بيدروس , وَاسْم الْآخَر : روناس , فَائْتَمَرَا أَنْ يَكْتُبَا شَأْن الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , أَنْسَابهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ , وَقِصَّة خَبَرهمْ فِي لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاص , ثُمَّ يَصْنَعَا لَهُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاس , ثُمَّ يَجْعَلَا اللَّوْحَيْنِ فِيهِ , ثُمَّ يَكْتُبَا عَلَيْهِ فِي فَم الْكَهْف بَيْن ظَهْرَانِيّ الْبُنْيَان , وَيَخْتِمَا عَلَى التَّابُوت بِخَاتَمِهِمَا , وَقَالَا : لَعَلَّ اللَّه أَنْ يُظْهِر عَلَى هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة قَوْمًا مُؤْمِنِينَ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَيَعْلَم مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ حِين يَقْرَأ هَذَا الْكِتَاب خَبَرهمْ , فَفَعَلَا ثُمَّ بَنَيَا عَلَيْهِ فِي الْبُنْيَان , فَبَقِيَ دقينوس وَقَرْنه الَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْقَوْا , ثُمَّ هَلَكَ دقينوس وَالْقَرْن الَّذِي كَانُوا مَعَهُ , وَقُرُون بَعْده كَثِيرَة , وَخَلَفَتْ الْخُلُوف بَعْد الْخُلُوف . 17271 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف أَبْنَاء عُظَمَاء مَدِينَتهمْ , وَأَهْل شَرَفهمْ , فَخَرَجُوا فَاجْتَمَعُوا وَرَاء الْمَدِينَة عَلَى غَيْر مِيعَاد , فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ هُوَ أَسَنّهمْ : إِنِّي لَأَجِد فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا أَظُنّ أَنَّ أَحَدًا يَجِدهُ , قَالُوا : مَاذَا تَجِد ؟ قَالَ : أَجِد فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَقَالُوا : نَحْنُ نَجِد . فَقَامُوا جَمِيعًا , فَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 فَاجْتَمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكَهْف , وَعَلَى مَدِينَتهمْ إِذْ ذَاكَ جَبَّار يُقَال لَهُ دقينوس , فَلَبِثُوا فِي الْكَهْف ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا رَقْدًا . 17272 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف فِتْيَانًا مُلُوكًا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوَائِب , وَكَانَ مَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ , فَخَرَجُوا فِي عِيد لَهُمْ عَظِيم فِي زِيّ وَمَوْكِب , وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ آلِهَتهمْ الَّتِي يَعْبُدُونَ . وَقَذَفَ اللَّه فِي قُلُوب الْفِتْيَة الْإِيمَان فَآمَنُوا , وَأَخْفَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ الْإِيمَان عَنْ صَاحِبه , فَقَالُوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر إِيمَان بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : نَخْرُج مِنْ بَيْن أَظْهُر هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يُصِيبنَا عِقَاب بِجُرْمِهِمْ . فَخَرَجَ شَابّ مِنْهُمْ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى ظِلّ شَجَرَة , فَجَلَسَ فِيهِ , ثُمَّ خَرَجَ آخَر فَرَآهُ جَالِسًا وَحْده , فَرَجَا أَنْ يَكُون عَلَى مِثْل أَمْره مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر مِنْهُ , فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ , ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُونَ , فَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا , فَاجْتَمَعُوا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَقَالَ آخَر : بَلْ مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَكُلّ يَكْتُم إِيمَانه مِنْ صَاحِبه مَخَافَة عَلَى نَفْسه , ثُمَّ قَالُوا : لِيَخْرُج مِنْكُمْ فِتْيَان , فَيَخْلُوا , فَيَتَوَاثَقَا أَنْ لَا يُفْشِي وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , ثُمَّ يُفْشِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَمْره , فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ نَكُون عَلَى أَمْر وَاحِد . فَخَرَجَ فِتْيَان مِنْهُمْ فَتَوَاثَقَا , ثُمَّ تَكَلَّمَا , فَذَكَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَمْره لِصَاحِبِهِ , فَأَقْبَلَا مُسْتَبْشِرِينَ إِلَى أَصْحَابهمَا قَدْ اِتَّفَقَا عَلَى أَمْر وَاحِد , فَإِذَا هُمْ جَمِيعًا عَلَى الْإِيمَان , وَإِذَا كَهْف فِي الْجَبَل قَرِيب مِنْهُمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِئْتُوا إِلَى الْكَهْف { يَنْشُر لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } 18 16 فَدَخَلُوا الْكَهْف وَمَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ فَنَامُوا , فَجَعَلَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ رَقْدَة وَاحِدَة , فَنَامُوا ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . قَالَ : وَفَقَدَهُمْ قَوْمهمْ فَطَلَبُوهُمْ وَبَعَثُوا الْبُرُد , فَعَمَى اللَّه عَلَيْهِمْ آثَارهمْ وَكَهْفهمْ . فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ كَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابهمْ فِي لَوْح : فُلَان اِبْن فُلَان , وَفُلَان اِبْن فُلَان أَبْنَاء مُلُوكنَا , فَقَدْنَاهُمْ فِي عِيد كَذَا وَكَذَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا فِي سَنَة كَذَا وَكَذَا , فِي مَمْلَكَة فُلَان اِبْن فُلَان ; وَرَفَعُوا اللَّوْح فِي الْخِزَانَة . فَمَاتَ ذَلِكَ الْمَلِك وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَلِك مُسْلِم مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَجَاءَ قَرْن بَعْد قَرْن , فَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَصِيرهمْ إِلَى الْكَهْف هَرَبًا مِنْ طَلَب سُلْطَان كَانَ طَلَبَهُمْ بِسَبَبِ دَعْوَى جِنَايَة اُدُّعِيَ عَلَى صَاحِب لَهُمْ أَنَّهُ جَنَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17273 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن شروس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : جَاءَ حَوَارِيّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَى مَدِينَة أَصْحَاب الْكَهْف , فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عَلَى بَابهَا صَنَمًا لَا يَدْخُلهَا أَحَد إِلَّا سَجَدَ لَهُ . فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَأَتَى حَمَّامًا , فَكَانَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَة , فَكَانَ يَعْمَل فِيهِ يُؤَاجِر نَفْسه مِنْ صَاحِب الْحَمَّام . وَرَأَى صَاحِب الْحَمَّام فِي حَمَّامه الْبَرَكَة وَدُرَّ عَلَيْهِ الرِّزْق , فَجَعَلَ يَعْرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَام , وَجَعَلَ يَسْتَرْسِل إِلَيْهِ , وَعَلَّقَهُ فِتْيَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَجَعَلَ يُخْبِرهُمْ خَبَر السَّمَاء وَالْأَرْض وَخَبَر الْآخِرَة , حَتَّى آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ , وَكَانُوا عَلَى مِثْل حَاله فِي حُسْن الْهَيْئَة . وَكَانَ يَشْتَرِط عَلَى صَاحِب الْحَمَّام أَنَّ اللَّيْل لِي لَا تَحُول بَيْنِي وَبَيْن الصَّلَاة إِذَا حَضَرَتْ ; فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ اِبْن الْمَلِك بِامْرَأَةٍ , فَدَخَلَ بِهَا الْحَمَّام , فَعَيَّرَهُ الْحَوَارِيّ , فَقَالَ : أَنْتَ اِبْن الْمَلِك , وَتُدْخِل مَعَك هَذِهِ النَّكْدَاء ؟ ! فَاسْتَحْيَا , فَذَهَبَ فَرَجَعَ مَرَّة أُخْرَى , فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ , فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ وَلَمْ يَلْتَفِت حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلَتْ مَعَهُ الْمَرْأَة , فَمَاتَا فِي الْحَمَّام جَمِيعًا . فَأُتِيَ الْمَلِك , فَقِيلَ لَهُ : قَتَلَ صَاحِب الْحَمَّام اِبْنك ! فَالْتُمِسَ , فَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ هَرَبًا , قَالَ : مَنْ كَانَ يَصْحَبهُ ؟ فَسَمَّوْا الْفِتْيَة , فَالْتُمِسُوا , فَخَرَجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ فِي زَرْع لَهُ , وَهُوَ عَلَى مِثْل أَمْرهمْ , فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ اُلْتُمِسُوا , فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ الْكَلْب , حَتَّى أَوَاهُمْ اللَّيْل إِلَى الْكَهْف , فَدَخَلُوهُ , فَقَالُوا : نَبِيت هَهُنَا اللَّيْلَة , ثُمَّ نُصْبِح إِنْ شَاءَ اللَّه فَتَرَوْنَ رَأْيكُمْ , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ . فَخَرَجَ الْمَلِك فِي أَصْحَابه يَتَّبِعُونَهُمْ حَتَّى وَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْف ; فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُل أَنْ يَدْخُل أُرْعِبَ , فَلَمْ يُطِقْ أَحَد أَنْ يَدْخُلهُ , فَقَالَ قَائِل : أَلَيْسَ لَوْ كُنْت قَدَرْت عَلَيْهِمْ قَتَلْتهمْ ؟ قَالَ : بَلَى ! قَالَ : فَابْن عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف , وَدَعْهُمْ فِيهِ يَمُوتُوا عَطَشًا وَجُوعًا , فَفَعَلَ .
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰۤ ءَاذَانِهِمۡ فِی ٱلۡكَهۡفِ سِنِینَ عَدَدࣰا ﴿١١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ فِي الْكَهْف سِنِينَ عَدَدًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ فِي الْكَهْف } : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ بِالنَّوْمِ فِي الْكَهْف : أَيْ أَلْقَيْنَا عَلَيْهِمْ النَّوْم , كَمَا يَقُول الْقَائِل لِآخَر : ضَرَبَك اللَّه بِالْفَالِجِ , بِمَعْنَى اِبْتَلَاهُ اللَّه بِهِ , وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهِ . وَقَوْله : { سِنِينَ عَدَدًا } يَعْنِي سِنِينَ مَعْدُودَة , وَنَصَبَ الْعَدَد بِقَوْلِهِ { فَضَرَبْنَا } .
ثُمَّ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَیُّ ٱلۡحِزۡبَیۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوۤاْ أَمَدࣰا ﴿١٢﴾
وَقَوْله : { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَم أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى } يَقُول : ثُمَّ بَعَثْنَا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف بَعْد مَا ضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ فِيهِ سِنِينَ عَدَدًا مِنْ رَقَدَتْهُمْ , لِيَنْظُر عِبَادِي فَيَعْلَمُوا بِالْبَحْثِ , أَيّ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اِخْتَلَفَتَا فِي قَدْر مَبْلَغ مُكْث الْفِتْيَة فِي كَهْفهمْ رُقُودًا { أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } يَقُول : أَصْوَب لِقَدْرِ لُبْثهمْ فِيهِ أَمَدًا ; وَيَعْنِي بِالْأَمَدِ : الْغَايَة , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : إِلَّا لِمِثْلِك أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقه سَبْق الْجَوَاد إِذَا اِسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَد وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ , قَوْم مِنْ قَوْم الْفِتْيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ الْحِزْبَانِ جَمِيعًا كَافِرَيْنِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَ أَحَدهمَا مُسْلِمًا , وَالْآخَر كَافِرًا . ذِكْر مَنْ قَالَ : كَانَ الْحِزْبَانِ مِنْ قَوْم الْفِتْيَة : 17274 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَيّ الْحِزْبَيْنِ } مِنْ قَوْم الْفِتْيَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17275 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَم أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } يَقُول : مَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عِلْم , لَا لِكُفَّارِهِمْ وَلَا لِمُؤْمِنِيهِمْ .
وَأَمَّا قَوْله : { أَمَدًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : بَعِيدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17276 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } يَقُول : بَعِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : عَدَدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17277 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَمَدًا } قَالَ : عَدَدًا . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَفِي نَصْب قَوْله { أَمَدًا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِير مِنْ قَوْله { أَحْصَى } كَأَنَّهُ قِيلَ : أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَصْوَب عَدَدًا لِقَدْرِ لُبْثهمْ . وَهَذَا هُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ تَفْسِير أَهْل التَّفْسِير بِذَلِكَ جَاءَ . وَالْآخَر : أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِوُقُوعِ قَوْله { لَبِثُوا } عَلَيْهِ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِلُبْثِهِمْ غَايَة .
وَأَمَّا قَوْله : { أَمَدًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : بَعِيدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17276 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } يَقُول : بَعِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : عَدَدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17277 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَمَدًا } قَالَ : عَدَدًا . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَفِي نَصْب قَوْله { أَمَدًا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِير مِنْ قَوْله { أَحْصَى } كَأَنَّهُ قِيلَ : أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَصْوَب عَدَدًا لِقَدْرِ لُبْثهمْ . وَهَذَا هُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ تَفْسِير أَهْل التَّفْسِير بِذَلِكَ جَاءَ . وَالْآخَر : أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِوُقُوعِ قَوْله { لَبِثُوا } عَلَيْهِ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِلُبْثِهِمْ غَايَة .
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡیَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَـٰهُمۡ هُدࣰى ﴿١٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ يَا مُحَمَّد نَقُصّ عَلَيْك خَبَر هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف بِالْحَقِّ , يَعْنِي : بِالصِّدْقِ وَالْيَقِين الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ { إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } يَقُول : إِنَّ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف الَّذِينَ سَأَلَك عَنْ نَبَئِهِمْ الْمَلَأ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك , فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ , { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول : وَزِدْنَاهُمْ إِلَى إِيمَانهمْ بِرَبِّهِمْ إِيمَانًا , وَبَصِيرَة بِدِينِهِمْ , حَتَّى صَبَرُوا عَلَى هِجْرَان دَار قَوْمهمْ , وَالْهَرَب مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , وَفِرَاق مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْض الْعَيْش وَلِينه , إِلَى خُشُونَة الْمُكْث فِي كَهْف الْجَبَل.
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦۤ إِلَـٰهࣰاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَاۤ إِذࣰا شَطَطًا ﴿١٤﴾
وَقَوْله : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَأَلْهَمْنَاهُمْ الصَّبْر , وَشَدَدْنَا قُلُوبهمْ بِنُورِ الْإِيمَان حَتَّى عَزَفَتْ أَنْفُسهمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خَفْض الْعَيْش , كَمَا : 17278 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد عَنْ قَتَادَة { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهمْ } يَقُول : بِالْإِيمَانِ .
وَقَوْله : { إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : حِين قَامُوا بَيْن يَدَيْ الْجَبَّار دقينوس , فَقَالُوا لَهُ إِذْ عَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكهمْ عِبَادَة آلِهَته : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : قَالُوا رَبّنَا مَلِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْء , وَآلِهَتك مَرْبُوبَة , وَغَيْر جَائِز لَنَا أَنْ نَتْرُك عِبَادَة الرَّبّ وَنَعْبُد الْمَرْبُوب { لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونه إِلَهًا } يَقُول : لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُون رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَهًا , لِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره , وَإِنَّ كُلّ مَا دُونه فَهُوَ خَلْقه .
{ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ دَعَوْنَا إِلَهًا غَيْر إِلَه السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَقَدْ قُلْنَا إِذَنْ بِدُعَائِنَا غَيْره إِلَهًا , شَطَطًا مِنْ الْقَوْل : يَعْنِي غَالِيًا مِنْ الْكَذِب , مُجَاوِزًا مِقْدَاره فِي الْبُطُول وَالْغُلُوّ : كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا يَا لِقَوْمِي قَدْ أَشْطَتْ عَوَاذِلِي وَيَزْعُمْنَ أَنْ أُودَى بِحَقِّي بَاطِلِي يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَشِطَ فُلَان فِي السَّوْم إِذَا جَاوَزَ الْقَدْر وَارْتَفَعَ , يُشِطّ إِشْطَاطًا وَشَطَطًا . فَأَمَّا مِنْ الْبُعْد فَإِنَّمَا يُقَال : شَطَّ مَنْزِل فُلَان يَشِطّ شُطُوطًا ; وَمِنْ الطُّول : شَطَّتْ الْجَارِيَة تَشِطّ شَطَاطًا وَشَطَاطَة : إِذَا طَالَتْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { شَطَطًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17279 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } يَقُول كَذِبًا . 17280 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } قَالَ : لَقَدْ قُلْنَا إِذَنْ خَطَأ , قَالَ : الشَّطَط : الْخَطَأ مِنْ الْقَوْل .
وَقَوْله : { إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : حِين قَامُوا بَيْن يَدَيْ الْجَبَّار دقينوس , فَقَالُوا لَهُ إِذْ عَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكهمْ عِبَادَة آلِهَته : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : قَالُوا رَبّنَا مَلِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْء , وَآلِهَتك مَرْبُوبَة , وَغَيْر جَائِز لَنَا أَنْ نَتْرُك عِبَادَة الرَّبّ وَنَعْبُد الْمَرْبُوب { لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونه إِلَهًا } يَقُول : لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُون رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَهًا , لِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره , وَإِنَّ كُلّ مَا دُونه فَهُوَ خَلْقه .
{ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَئِنْ دَعَوْنَا إِلَهًا غَيْر إِلَه السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَقَدْ قُلْنَا إِذَنْ بِدُعَائِنَا غَيْره إِلَهًا , شَطَطًا مِنْ الْقَوْل : يَعْنِي غَالِيًا مِنْ الْكَذِب , مُجَاوِزًا مِقْدَاره فِي الْبُطُول وَالْغُلُوّ : كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا يَا لِقَوْمِي قَدْ أَشْطَتْ عَوَاذِلِي وَيَزْعُمْنَ أَنْ أُودَى بِحَقِّي بَاطِلِي يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَشِطَ فُلَان فِي السَّوْم إِذَا جَاوَزَ الْقَدْر وَارْتَفَعَ , يُشِطّ إِشْطَاطًا وَشَطَطًا . فَأَمَّا مِنْ الْبُعْد فَإِنَّمَا يُقَال : شَطَّ مَنْزِل فُلَان يَشِطّ شُطُوطًا ; وَمِنْ الطُّول : شَطَّتْ الْجَارِيَة تَشِطّ شَطَاطًا وَشَطَاطَة : إِذَا طَالَتْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { شَطَطًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17279 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } يَقُول كَذِبًا . 17280 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } قَالَ : لَقَدْ قُلْنَا إِذَنْ خَطَأ , قَالَ : الشَّطَط : الْخَطَأ مِنْ الْقَوْل .
هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰۖ لَّوۡلَا یَأۡتُونَ عَلَیۡهِم بِسُلۡطَـٰنِۭ بَیِّنࣲۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا ﴿١٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هَؤُلَاءِ قَوْمنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونه آلِهَة لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّن } يَقُول عَزَّ ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف : هَؤُلَاءِ قَوْمنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه آلِهَة يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونه { لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّن } يَقُول : هَلَّا يَأْتُونَ عَلَى عِبَادَتهمْ إِيَّاهَا بِحُجَّةٍ بَيِّنَة . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف اُجْتُزِئَ بِمَا ظَهَرَ عَمَّا حُذِفَ , وَذَلِكَ فِي قَوْله : { لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّن } فَالْهَاء وَالْمِيم فِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذِكْر الْآلِهَة , وَالْآلِهَة لَا يُؤْتَى عَلَيْهَا بِسُلْطَانٍ , وَلَا يُسْأَل السُّلْطَان عَلَيْهَا , وَإِنَّمَا يُسْأَل عَابِدُوهَا السُّلْطَان عَلَى عِبَادَتِهُمُوهَا , فَمَعْلُوم إِذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ , أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَى عِبَادَتِهُمُوهَا , وَاتِّخاذِهُموهَا آلِهَة مِنْ دُون اللَّه بِسُلْطَانٍ بَيِّن . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى السُّلْطَان , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17281 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّن } يَقُول : بِعُذْرٍ بَيِّن .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْره : { فَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } وَمَنْ أَشَدّ اِعْتِدَاء وَإِشْرَاكًا بِاَللَّهِ , مِمَّنْ اِخْتَلَقَ , فَتَخَرَّصَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , وَأَشْرَكَ مَعَ اللَّه فِي سُلْطَانه شَرِيكًا يَعْبُدهُ دُونه , وَيَتَّخِذهُ إِلَهًا .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْره : { فَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } وَمَنْ أَشَدّ اِعْتِدَاء وَإِشْرَاكًا بِاَللَّهِ , مِمَّنْ اِخْتَلَقَ , فَتَخَرَّصَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , وَأَشْرَكَ مَعَ اللَّه فِي سُلْطَانه شَرِيكًا يَعْبُدهُ دُونه , وَيَتَّخِذهُ إِلَهًا .
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا یَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥۤاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا ﴿١٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل بَعْض الْفِتْيَة لِبَعْضٍ : وَإِذَا اِعْتَزَلْتُمْ أَيّهَا الْفِتْيَة قَوْمكُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه آلِهَة { وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه } يَقُول : وَإِذَا اِعْتَزَلْتُمْ قَوْمكُمْ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ الْآلِهَة سِوَى اللَّه , ف " مَا " إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا لَهَا عَلَى الْهَاء , وَالْمِيم الَّتِي فِي قَوْله { وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17282 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه } وَهِيَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه " هَذَا تَفْسِيرهَا .
وَأَمَّا قَوْله : { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَصِيرُوا إِلَى غَار الْجَبَل الَّذِي يُسَمَّى بنجلوس , { يَنْشُر لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته } يَقُول : يَبْسُط لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته بِتَيْسِيرِهِ لَكُمْ الْمَخْرَج مِنْ الْأَمْر الَّذِي قَدْ رَمَيْتُمْ بِهِ مِنْ الْكَافِر دقينوس وَطَلَبه إِيَّاكُمْ لِعَرْضِكُمْ عَلَى الْفِتْنَة . وَقَوْله : { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف } جَوَاب لَإِذْ , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم قَوْمكُمْ , فَأَوَوْا إِلَى الْكَهْف ; كَمَا يُقَال : إِذْ أَذْنَبْت فَاسْتَغْفِرْ اللَّه وَتُبْ إِلَيْهِ .
وَقَوْله : { وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } يَقُول : وَيُيَسِّر لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَدِينكُمْ مِرْفَقًا , وَيَعْنِي بِالْمِرْفَقِ : مَا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ شَيْء . وَفِي الْمِرْفَق مِنْ الْيَد وَغَيْر الْيَد لُغَتَانِ : كَسْر الْمِيم وَفَتْح الْفَاء , وَفَتْح الْمِيم وَكَسْر الْفَاء . وَكَانَ الْكِسَائِيّ يُنْكِر فِي مِرْفَق الْإِنْسَان الَّذِي فِي الْيَد إِلَّا فَتْح الْفَاء وَكَسْر الْمِيم . وَكَانَ الْفَرَّاء يَحْكِي فِيهِمَا , أَعْنِي فِي مِرْفَق الْأَمْر وَالْيَد اللُّغَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا , وَكَانَ يَنْشُد فِي ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : بِتّ أُجَافِي مِرْفَقًا عَنْ مِرْفَقِي وَيَقُول : كَسْر الْمِيم فِيهِ أَجْوَد . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي قَوْله : { مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } شَيْئًا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِثْل الْمُقَطَّع , وَمَرْفِقًا جَعَلَهُ اِسْمًا كَالْمَسْجِدِ , وَيَكُون لُغَة , يَقُولُونَ : رَفَقَ يَرْفُق مَرْفِقًا , وَإِنْ شِئْت مَرْفِقًا تُرِيد رِفْقًا وَلَمْ يُقْرَأ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مَرْفِقًا " بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْفَاء , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق فِي الْمِصْرَيْنِ { مِرْفَقًا } بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا قُرَّاء مِنْ أَهْل الْقُرْآن , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي أَخْتَار فِي قِرَاءَة ذَلِكَ : { وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَح اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرهمَا فِي الْعَرَب , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا اُرْتُفِقَ بِهِ مِنْ شَيْء .
وَأَمَّا قَوْله : { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَصِيرُوا إِلَى غَار الْجَبَل الَّذِي يُسَمَّى بنجلوس , { يَنْشُر لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته } يَقُول : يَبْسُط لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته بِتَيْسِيرِهِ لَكُمْ الْمَخْرَج مِنْ الْأَمْر الَّذِي قَدْ رَمَيْتُمْ بِهِ مِنْ الْكَافِر دقينوس وَطَلَبه إِيَّاكُمْ لِعَرْضِكُمْ عَلَى الْفِتْنَة . وَقَوْله : { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف } جَوَاب لَإِذْ , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم قَوْمكُمْ , فَأَوَوْا إِلَى الْكَهْف ; كَمَا يُقَال : إِذْ أَذْنَبْت فَاسْتَغْفِرْ اللَّه وَتُبْ إِلَيْهِ .
وَقَوْله : { وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } يَقُول : وَيُيَسِّر لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَدِينكُمْ مِرْفَقًا , وَيَعْنِي بِالْمِرْفَقِ : مَا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ شَيْء . وَفِي الْمِرْفَق مِنْ الْيَد وَغَيْر الْيَد لُغَتَانِ : كَسْر الْمِيم وَفَتْح الْفَاء , وَفَتْح الْمِيم وَكَسْر الْفَاء . وَكَانَ الْكِسَائِيّ يُنْكِر فِي مِرْفَق الْإِنْسَان الَّذِي فِي الْيَد إِلَّا فَتْح الْفَاء وَكَسْر الْمِيم . وَكَانَ الْفَرَّاء يَحْكِي فِيهِمَا , أَعْنِي فِي مِرْفَق الْأَمْر وَالْيَد اللُّغَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا , وَكَانَ يَنْشُد فِي ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : بِتّ أُجَافِي مِرْفَقًا عَنْ مِرْفَقِي وَيَقُول : كَسْر الْمِيم فِيهِ أَجْوَد . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول فِي قَوْله : { مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } شَيْئًا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِثْل الْمُقَطَّع , وَمَرْفِقًا جَعَلَهُ اِسْمًا كَالْمَسْجِدِ , وَيَكُون لُغَة , يَقُولُونَ : رَفَقَ يَرْفُق مَرْفِقًا , وَإِنْ شِئْت مَرْفِقًا تُرِيد رِفْقًا وَلَمْ يُقْرَأ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مَرْفِقًا " بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْفَاء , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق فِي الْمِصْرَيْنِ { مِرْفَقًا } بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا قُرَّاء مِنْ أَهْل الْقُرْآن , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي أَخْتَار فِي قِرَاءَة ذَلِكَ : { وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْفَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَح اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرهمَا فِي الْعَرَب , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا اُرْتُفِقَ بِهِ مِنْ شَيْء .
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَ ٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِی فَجۡوَةࣲ مِّنۡهُۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِۗ مَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِیࣰّا مُّرۡشِدࣰا ﴿١٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره { وَتَرَى الشَّمْس } يَا مُحَمَّد { إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَزَاوَرُ } : تَعْدِل وَتَمِيل , مِنْ الزِّوَر : وَهُوَ الْعِوَج وَالْمَيْل ; يُقَال مِنْهُ : فِي هَذِهِ الْأَرْض زَوَر : إِذَا كَانَ فِيهَا اِعْوِجَاج , وَفِي فُلَان عَنْ فُلَان اِزْوِرَار , إِذَا كَانَ فِيهِ عَنْهُ إِعْرَاض ; وَمِنْهُ قَوْل بِشْر بْن أَبِي خَازِم : يَؤُمّ بِهَا الْحُدَاة مِيَاه نَخْل وَفِيهَا عَنْ أَبَانِينِ اِزْوِرَار يَعْنِي : إِعْرَاضًا وَصَدًّا . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْبَصْرَة : " تَزَّاوَرُ " بِتَشْدِيدِ الزَّاي , بِمَعْنَى : تَتَزَاوَر بِتَاءَيْنِ , ثُمَّ أُدْغِمَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الزَّاي , كَمَا قِيلَ : تَظَّاهَرُونَ عَلَيْهِمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { تَزَاوَرُ } بِتَخْفِيفِ التَّاء وَالزَّاي , كَأَنَّهُ عَنَى بِهِ تَفَاعُل مِنْ الزَّوَر . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضهمْ : " تَزْوَرّ " بِتَخْفِيفِ التَّاء وَتَسْكِين الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاء مِثْل تَحْمَرّ , وَبَعْضهمْ : " تَزْوَارّ " مِثْل تَحْمَارّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي قِرَاءَة ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ , أَعْنِي { تَزَاوَرُ } بِتَخْفِيفِ الزَّاي , و { تَزَّاوَرُ } بِتَشْدِيدِهَا مَعْرُوفَتَانِ , مُسْتَفِيضَة الْقِرَاءَة بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب . وَأَمَّا الْقِرَاءَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فَإِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ لَا أَرَى الْقِرَاءَة بِهِمَا , وَإِنْ كَانَ لَهُمَا فِي الْعَرَبِيَّة وَجْه مَفْهُوم , لِشُذُوذِهِمَا عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17283 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : { وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } قَالَ : تَمِيل . 17284 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } يَقُول : تَمِيل عَنْهُمْ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول : تَمِيل عَنْ كَهْفهمْ يَمِينًا وَشِمَالًا . 17285 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } يَقُول : تَمِيل ذَات الْيَمِين , تَدَعهُمْ ذَات الْيَمِين . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين } قَالَ : تَمِيل عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين . 17286 - حُدِّثْت عَنْ يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَوْ أَنَّ الشَّمْس تَطْلُع عَلَيْهِمْ لَأَحْرَقَتْهُمْ , وَلَوْ أَنَّهُمْ لَا يُقَلَّبُونَ لَأَكَلَتْهُمْ الْأَرْض , قَالَ : وَذَلِكَ قَوْله : { وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ ذَات الْيَمِين وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : { تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفهمْ } تَمِيل .
وَقَوْله : { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْس تَتْرُكهُمْ مِنْ ذَات شِمَالهمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَعْدِل عَنْ كَهْفهمْ , فَتَطْلُع عَلَيْهِ مِنْ ذَات الْيَمِين , لِئَلَّا تُصِيب الْفِتْيَة , لِأَنَّهَا لَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ قُبَالهمْ لَأَحْرَقَتْهُمْ وَثِيَابهمْ , أَوْ أَشْحَبَتْهُمْ . وَإِذَا غَرَبَتْ تَتْرُكهُمْ بِذَاتِ الشِّمَال , فَلَا تُصِيبهُمْ ; يُقَال مِنْهُ : قَرَضْت مَوْضِع كَذَا : إِذَا قَطَعْته فَجَاوَزْته . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمُحَاذَاة , وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ الْعَرَب قَرَضْته قُبُلًا وَدُبُرًا , وَحَذَوْته ذَات الْيَمِين وَالشِّمَال , وَقُبُلًا وَدُبُرًا : أَيْ كُنْت بِحِذَائِهِ ; قَالُوا : وَالْقَرْض وَالْحَذْو بِمَعْنًى وَاحِد . وَأَصْل الْقَرْض : الْقَطْع , يُقَال مِنْهُ : قَرَضْت الثَّوْب : إِذَا قَطَعْته ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمِقْرَاضِ : مِقْرَاض , لِأَنَّهُ يَقْطَع ; وَمِنْهُ قَرَضَ الْفَأْر الثَّوْب ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرِّمَّة : إِلَى ظُعْن يَقْرِضْنَ أَجْوَاز مُشْرِف شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانهنَّ الْفَوَارِس يُعْنَى بِقَوْلِهِ : يَقْرِضْنَ : يَقْطَعْنَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17287 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول : تَذَرهُمْ . 17288 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } تَتْرُكهُمْ ذَات الشِّمَال . 17289 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { تَقْرِضُهُمْ } قَالَ : تَتْرُكهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17290 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول : تَدَعهُمْ ذَات الشِّمَال . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } قَالَ : تَدَعهُمْ ذَات الشِّمَال . * - حَدَّثَنَا اِبْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن أَبِي الْوَضَّاح عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } قَالَ : تَتْرُكهُمْ .
وَقَوْله : { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } يَقُول : وَالْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَيْهِ فِي مُتَّسَع مِنْهُ يُجْمَع : فَجَوَات , وَفِجَاء مَمْدُودًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17291 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } يَقُول : فِي فَضَاء مِنْ الْكَهْف , قَالَ اللَّه : { ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه } . 17292 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : الْمَكَان الدَّاخِل . 17293 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : الْمَكَان الذَّاهِب . * - حَدَّثَنِي اِبْن سِنَان , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَبُو سَعِيد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : فِي مَكَان دَاخِل .
وَقَوْله : { ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَعَلْنَا هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ أَمْرهمْ مِنْ تَصْيِيرِنَاهُمْ , إِذْ أَرَدْنَا أَنْ نَضْرِب عَلَى آذَانهمْ بِحَيْثُ تَزَاوَرُ الشَّمْس عَنْ مَضَاجِعهمْ ذَات الْيَمِين إِذَا هِيَ طَلَعَتْ , وَتَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال إِذَا هِيَ غَرَبَتْ , مَعَ كَوْنهمْ فِي الْمُتَّسَع مِنْ الْمَكَان , بِحَيْثُ لَا تُحْرِقهُمْ الشَّمْس فَتُشْحِبُهُمْ , وَلَا تَبْلَى عَلَى طُول رَقْدَتهمْ ثِيَابهمْ , فَتَعْفَنُ عَلَى أَجْسَادهمْ , مِنْ حُجَج اللَّه وَأَدِلَّته عَلَى خَلْقه , وَالْأَدِلَّة الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا أُولُو الْأَلْبَاب عَلَى عَظِيم قُدْرَته وَسُلْطَانه , وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ .
وَقَوْله { مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَد } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ يُوَفِّقهُ اللَّه لِلِاهْتِدَاءِ بِآيَاتِهِ وَحُجَجه إِلَى الْحَقّ الَّتِي جَعَلَهَا أَدِلَّة عَلَيْهِ , فَهُوَ الْمُهْتَدِي . يَقُول : فَهُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَ سَبِيل الْحَقّ . { وَمَنْ يُضْلِلْ } يَقُول : وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَنْ آيَاته وَأَدِلَّته , فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى سَبِيل الرَّشَاد { فَلَنْ تَجِد لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } يَقُول : فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد خَلِيلًا وَحَلِيفًا يُرْشِدهُ لِإِصَابَتِهَا , لِأَنَّ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان بِيَدِ اللَّه , يُوَفِّق مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , وَيَخْذُل مَنْ أَرَادَ ; يَقُول : فَلَا يَحْزُنك إِدْبَار مَنْ أَدْبَرَ عَنْك مِنْ قَوْمك وَتَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , فَإِنِّي لَوْ شِئْت هَدَيْتهمْ فَآمَنُوا , وَبِيَدِي الْهِدَايَة وَالضَّلَال .
وَقَوْله : { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْس تَتْرُكهُمْ مِنْ ذَات شِمَالهمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَتَرَى الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ تَعْدِل عَنْ كَهْفهمْ , فَتَطْلُع عَلَيْهِ مِنْ ذَات الْيَمِين , لِئَلَّا تُصِيب الْفِتْيَة , لِأَنَّهَا لَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ قُبَالهمْ لَأَحْرَقَتْهُمْ وَثِيَابهمْ , أَوْ أَشْحَبَتْهُمْ . وَإِذَا غَرَبَتْ تَتْرُكهُمْ بِذَاتِ الشِّمَال , فَلَا تُصِيبهُمْ ; يُقَال مِنْهُ : قَرَضْت مَوْضِع كَذَا : إِذَا قَطَعْته فَجَاوَزْته . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمُحَاذَاة , وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ الْعَرَب قَرَضْته قُبُلًا وَدُبُرًا , وَحَذَوْته ذَات الْيَمِين وَالشِّمَال , وَقُبُلًا وَدُبُرًا : أَيْ كُنْت بِحِذَائِهِ ; قَالُوا : وَالْقَرْض وَالْحَذْو بِمَعْنًى وَاحِد . وَأَصْل الْقَرْض : الْقَطْع , يُقَال مِنْهُ : قَرَضْت الثَّوْب : إِذَا قَطَعْته ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمِقْرَاضِ : مِقْرَاض , لِأَنَّهُ يَقْطَع ; وَمِنْهُ قَرَضَ الْفَأْر الثَّوْب ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرِّمَّة : إِلَى ظُعْن يَقْرِضْنَ أَجْوَاز مُشْرِف شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانهنَّ الْفَوَارِس يُعْنَى بِقَوْلِهِ : يَقْرِضْنَ : يَقْطَعْنَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17287 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول : تَذَرهُمْ . 17288 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } تَتْرُكهُمْ ذَات الشِّمَال . 17289 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { تَقْرِضُهُمْ } قَالَ : تَتْرُكهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17290 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } يَقُول : تَدَعهُمْ ذَات الشِّمَال . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { تَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال } قَالَ : تَدَعهُمْ ذَات الشِّمَال . * - حَدَّثَنَا اِبْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن أَبِي الْوَضَّاح عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } قَالَ : تَتْرُكهُمْ .
وَقَوْله : { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } يَقُول : وَالْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَيْهِ فِي مُتَّسَع مِنْهُ يُجْمَع : فَجَوَات , وَفِجَاء مَمْدُودًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17291 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } يَقُول : فِي فَضَاء مِنْ الْكَهْف , قَالَ اللَّه : { ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه } . 17292 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : الْمَكَان الدَّاخِل . 17293 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَهُمْ فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : الْمَكَان الذَّاهِب . * - حَدَّثَنِي اِبْن سِنَان , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَبُو سَعِيد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { فِي فَجْوَة مِنْهُ } قَالَ : فِي مَكَان دَاخِل .
وَقَوْله : { ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَعَلْنَا هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ أَمْرهمْ مِنْ تَصْيِيرِنَاهُمْ , إِذْ أَرَدْنَا أَنْ نَضْرِب عَلَى آذَانهمْ بِحَيْثُ تَزَاوَرُ الشَّمْس عَنْ مَضَاجِعهمْ ذَات الْيَمِين إِذَا هِيَ طَلَعَتْ , وَتَقْرِضُهُمْ ذَات الشِّمَال إِذَا هِيَ غَرَبَتْ , مَعَ كَوْنهمْ فِي الْمُتَّسَع مِنْ الْمَكَان , بِحَيْثُ لَا تُحْرِقهُمْ الشَّمْس فَتُشْحِبُهُمْ , وَلَا تَبْلَى عَلَى طُول رَقْدَتهمْ ثِيَابهمْ , فَتَعْفَنُ عَلَى أَجْسَادهمْ , مِنْ حُجَج اللَّه وَأَدِلَّته عَلَى خَلْقه , وَالْأَدِلَّة الَّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا أُولُو الْأَلْبَاب عَلَى عَظِيم قُدْرَته وَسُلْطَانه , وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ .
وَقَوْله { مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَد } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ يُوَفِّقهُ اللَّه لِلِاهْتِدَاءِ بِآيَاتِهِ وَحُجَجه إِلَى الْحَقّ الَّتِي جَعَلَهَا أَدِلَّة عَلَيْهِ , فَهُوَ الْمُهْتَدِي . يَقُول : فَهُوَ الَّذِي قَدْ أَصَابَ سَبِيل الْحَقّ . { وَمَنْ يُضْلِلْ } يَقُول : وَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَنْ آيَاته وَأَدِلَّته , فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى سَبِيل الرَّشَاد { فَلَنْ تَجِد لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } يَقُول : فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد خَلِيلًا وَحَلِيفًا يُرْشِدهُ لِإِصَابَتِهَا , لِأَنَّ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان بِيَدِ اللَّه , يُوَفِّق مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , وَيَخْذُل مَنْ أَرَادَ ; يَقُول : فَلَا يَحْزُنك إِدْبَار مَنْ أَدْبَرَ عَنْك مِنْ قَوْمك وَتَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , فَإِنِّي لَوْ شِئْت هَدَيْتهمْ فَآمَنُوا , وَبِيَدِي الْهِدَايَة وَالضَّلَال .
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَیۡقَاظࣰا وَهُمۡ رُقُودࣱۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَـٰسِطࣱ ذِرَاعَیۡهِ بِٱلۡوَصِیدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَیۡهِمۡ لَوَلَّیۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارࣰا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبࣰا ﴿١٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَحْسِبهُمْ أَيْقَاظًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَتَحْسَب يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْك قِصَّتهمْ , لَوْ رَأَيْتهمْ فِي حَال ضَرْبنَا عَلَى آذَانهمْ فِي كَهْفهمْ الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ أَيْقَاظًا . وَالْأَيْقَاظ : جَمْع يَقِظ ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : وَوَجَدُوا إِخْوَتهمْ أَيْقَاظًا وَسَيْف غَيَّاظ لَهُمْ غَيَّاظَا
وَقَوْله : { وَهُمْ رُقُود } يَقُول : وَهُمْ نِيَام . وَالرُّقُود : جَمْع رَاقِد , كَالْجُلُوسِ : جَمْع جَالِس , وَالْقُعُود : جَمْع قَاعِد .
وَقَوْله : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَنُقَلِّب هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة فِي رَقْدَتهمْ مَرَّة لِلْجَنْبِ الْأَيْمَن , وَمَرَّة لِلْجَنْبِ الْأَيْسَر , كَمَا : 17294 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } وَهَذَا التَّقْلِيب فِي رَقْدَتهمْ الْأُولَى . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا عِيَاض قَالَ : لَهُمْ فِي كُلّ عَام تَقْلِيبَتَانِ . 17295 - حُدِّثْت عَنْ يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } قَالَ : لَوْ أَنَّهُمْ لَا يُقَلَّبُونَ لَأَكَلَتْهُمْ الْأَرْض .
وَقَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كَلْب مِنْ كِلَابهمْ كَانَ مَعَهُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ إِنْسَانًا مِنْ النَّاس طَبَّاخًا لَهُمْ تَبِعَهُمْ . وَأَمَّا الْوَصِيد , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الْفِنَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17296 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } يَقُول : بِالْفِنَاءِ . 17297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . 17298 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُمْسِك بَاب الْكَهْف . 17299 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يَقُول : بِفِنَاءِ الْكَهْف . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِفِنَاءِ الْكَهْف . 17300 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : يَعْنِي بِالْفِنَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17301 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يَعْنِي فِنَاءَهُمْ , وَيُقَال : الْوَصِيد : الصَّعِيد . 17302 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ هَارُون , عَنْ عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد . 17303 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , عَنْ عَمْرو , فِي قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد , التُّرَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيد الْبَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17304 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ شُبَيْب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْبَابِ , وَقَالُوا بِالْفِنَاءِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْوَصِيد : الْبَاب , أَوْ فِنَاء الْبَاب حَيْثُ يُغْلَق الْبَاب , وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاب يُوصَد , وَإِيصَاده : إِطْبَاقه وَإِغْلَاقه مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَة } 104 8 وَفِيهِ لُغَتَانِ : الْأَصِيد , وَهِيَ لُغَة أَهْل نَجْد , وَالْوَصِيد : وَهِيَ لُغَة أَهْل تِهَامَة . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء , قَالَ : إِنَّهَا لُغَة أَهْل الْيَمَن , وَذَلِكَ نَظِير قَوْلهمْ : وَرَّخْت الْكِتَاب وَأَرَّخْته , وَوَكَّدْت الْأَمْر وَأَكَّدْته ; فَمَنْ قَالَ الْوَصِيد , قَالَ : أَوْصَدْت الْبَاب فَأَنَا أُوصِدهُ , وَهُوَ مُوصَد ; وَمَنْ قَالَ الْأَصِيد , قَالَ : آصَدْت الْبَاب فَهُوَ مُؤْصَد , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِفِنَاءِ كَهْفهمْ عِنْد الْبَاب , يَحْفَظ عَلَيْهِمْ بَابه .
وَقَوْله : { لَوْ اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْت مِنْهُمْ فِرَارًا } يَقُول : لَوْ اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِمْ فِي رَقْدَتهمْ الَّتِي رَقَدُوهَا فِي كَهْفهمْ , لَأَدْبَرْت عَنْهُمْ هَارِبًا مِنْهُمْ فَارًّا , { وَلَمُلِئَتْ مِنْهُمْ رُعْبًا } يَقُول : وَلَمُلِئَتْ نَفْسك مِنْ اِطِّلَاعك عَلَيْهِمْ فَزَعًا , لِمَا كَانَ اللَّه أَلْبَسَهُمْ مِنْ الْهَيْبَة , كَيْ لَا يَعْمَل إِلَيْهِمْ وَاصِل , وَلَا تَلْمِسهُمْ يَد لَامِس حَتَّى يَبْلُغ الْكِتَاب فِيهِمْ أَجَله , وَتُوقِظهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ قُدْرَته وَسُلْطَانه فِي الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَجْعَلهُمْ عِبْرَة لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , وَآيَة لِمَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاج بِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَاده , لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ , وَأَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَمُلِئْت مِنْهُمْ رُعْبًا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة بِتَشْدِيدِ اللَّام مِنْ قَوْله : " وَلَمُلِّئْت " بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَمْتَلِئ مَرَّة بَعْد مَرَّة . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق : { وَلَمُلِئْت } بِالتَّخْفِيفِ , بِمَعْنَى : لَمُلِئْت مَرَّة , وَهُمَا عِنْدنَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي الْقِرَاءَة , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
وَقَوْله : { وَهُمْ رُقُود } يَقُول : وَهُمْ نِيَام . وَالرُّقُود : جَمْع رَاقِد , كَالْجُلُوسِ : جَمْع جَالِس , وَالْقُعُود : جَمْع قَاعِد .
وَقَوْله : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَنُقَلِّب هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة فِي رَقْدَتهمْ مَرَّة لِلْجَنْبِ الْأَيْمَن , وَمَرَّة لِلْجَنْبِ الْأَيْسَر , كَمَا : 17294 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } وَهَذَا التَّقْلِيب فِي رَقْدَتهمْ الْأُولَى . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا عِيَاض قَالَ : لَهُمْ فِي كُلّ عَام تَقْلِيبَتَانِ . 17295 - حُدِّثْت عَنْ يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال } قَالَ : لَوْ أَنَّهُمْ لَا يُقَلَّبُونَ لَأَكَلَتْهُمْ الْأَرْض .
وَقَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كَلْب مِنْ كِلَابهمْ كَانَ مَعَهُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ إِنْسَانًا مِنْ النَّاس طَبَّاخًا لَهُمْ تَبِعَهُمْ . وَأَمَّا الْوَصِيد , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الْفِنَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17296 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } يَقُول : بِالْفِنَاءِ . 17297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْوَضَّاح , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . 17298 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْفِنَاءِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُمْسِك بَاب الْكَهْف . 17299 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يَقُول : بِفِنَاءِ الْكَهْف . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِفِنَاءِ الْكَهْف . 17300 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِالْوَصِيدِ } قَالَ : يَعْنِي بِالْفِنَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17301 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } يَعْنِي فِنَاءَهُمْ , وَيُقَال : الْوَصِيد : الصَّعِيد . 17302 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ هَارُون , عَنْ عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد . 17303 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , عَنْ عَمْرو , فِي قَوْله : { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : الْوَصِيد : الصَّعِيد , التُّرَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَصِيد الْبَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17304 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ شُبَيْب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قَالَ : بِالْبَابِ , وَقَالُوا بِالْفِنَاءِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْوَصِيد : الْبَاب , أَوْ فِنَاء الْبَاب حَيْثُ يُغْلَق الْبَاب , وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاب يُوصَد , وَإِيصَاده : إِطْبَاقه وَإِغْلَاقه مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَة } 104 8 وَفِيهِ لُغَتَانِ : الْأَصِيد , وَهِيَ لُغَة أَهْل نَجْد , وَالْوَصِيد : وَهِيَ لُغَة أَهْل تِهَامَة . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء , قَالَ : إِنَّهَا لُغَة أَهْل الْيَمَن , وَذَلِكَ نَظِير قَوْلهمْ : وَرَّخْت الْكِتَاب وَأَرَّخْته , وَوَكَّدْت الْأَمْر وَأَكَّدْته ; فَمَنْ قَالَ الْوَصِيد , قَالَ : أَوْصَدْت الْبَاب فَأَنَا أُوصِدهُ , وَهُوَ مُوصَد ; وَمَنْ قَالَ الْأَصِيد , قَالَ : آصَدْت الْبَاب فَهُوَ مُؤْصَد , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِفِنَاءِ كَهْفهمْ عِنْد الْبَاب , يَحْفَظ عَلَيْهِمْ بَابه .
وَقَوْله : { لَوْ اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْت مِنْهُمْ فِرَارًا } يَقُول : لَوْ اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِمْ فِي رَقْدَتهمْ الَّتِي رَقَدُوهَا فِي كَهْفهمْ , لَأَدْبَرْت عَنْهُمْ هَارِبًا مِنْهُمْ فَارًّا , { وَلَمُلِئَتْ مِنْهُمْ رُعْبًا } يَقُول : وَلَمُلِئَتْ نَفْسك مِنْ اِطِّلَاعك عَلَيْهِمْ فَزَعًا , لِمَا كَانَ اللَّه أَلْبَسَهُمْ مِنْ الْهَيْبَة , كَيْ لَا يَعْمَل إِلَيْهِمْ وَاصِل , وَلَا تَلْمِسهُمْ يَد لَامِس حَتَّى يَبْلُغ الْكِتَاب فِيهِمْ أَجَله , وَتُوقِظهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ قُدْرَته وَسُلْطَانه فِي الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَجْعَلهُمْ عِبْرَة لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , وَآيَة لِمَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاج بِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَاده , لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ , وَأَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَمُلِئْت مِنْهُمْ رُعْبًا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة بِتَشْدِيدِ اللَّام مِنْ قَوْله : " وَلَمُلِّئْت " بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَمْتَلِئ مَرَّة بَعْد مَرَّة . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق : { وَلَمُلِئْت } بِالتَّخْفِيفِ , بِمَعْنَى : لَمُلِئْت مَرَّة , وَهُمَا عِنْدنَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي الْقِرَاءَة , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
وَكَذَ ٰلِكَ بَعَثۡنَـٰهُمۡ لِیَتَسَاۤءَلُواْ بَیۡنَهُمۡۚ قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوۤاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَـٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ﴿١٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَرْقَدْنَا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة فِي الْكَهْف , فَحَفِظْنَاهُمْ مِنْ وُصُول وَاصِل إِلَيْهِمْ , وَعَيْن نَاظِر أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِمْ , وَحَفِظْنَا أَجْسَامهمْ مِنْ الْبَلَاء عَلَى طُول الزَّمَان , وَثِيَابهمْ مِنْ الْعَفَن عَلَى مَرّ الْأَيَّام بِقُدْرَتِنَا ; فَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ , وَأَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمهمْ , لِنُعَرِّفهُمْ عَظِيم سُلْطَاننَا , وَعَجِيب فِعْلنَا فِي خَلْقنَا , وَلِيَزْدَادُوا بَصِيرَة فِي أَمْرهمْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَرَاءَتهمْ مِنْ عِبَادَة الْآلِهَة , وَإِخْلَاصهمْ لِعِبَادَةِ اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , إِذَا تَبَيَّنُوا طُول الزَّمَان عَلَيْهِمْ , وَهُمْ بِهَيْئَتِهِمْ حِين رَقَدُوا .
وَقَوْله : { لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ } يَقُول : لِيَسْأَل بَعْضهمْ بَعْضًا { قَالَ قَائِل مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَتَسَاءَلُوا فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ لِأَصْحَابِهِ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِسْتَنْكَرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ طُول رَقْدَتهمْ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } يَقُول : فَأَجَابَهُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم . ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ , فَقَالَ الْآخَرُونَ : { رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ } فَسَلَّمُوا الْعِلْم إِلَى اللَّه .
وَقَوْله : { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } يَعْنِي مَدِينَتهمْ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا هُرَّابًا , الَّتِي تُسَمَّى أفسوس { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } ذَكَرَ أَنَّهُمْ هَبُّوا مِنْ رَقْدَتهمْ جِيَاعًا , فَلِذَلِكَ طَلَبُوا الطَّعَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَذُكِرَ السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله ذُكِرَ أَنَّهُمْ بُعِثُوا مِنْ رَقْدَتهمْ حِين بَعَثُوا مِنْهَا : 17305 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن بشروس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : إِنَّهُمْ غَبَّرُوا , يَعْنِي الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف بَعْد مَا بُنِيَ عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف زَمَانًا بَعْد زَمَان , ثُمَّ إِنَّ رَاعِيًا أَدْرَكَهُ الْمَطَر عِنْد الْكَهْف , فَقَالَ : لَوْ فَتَحْت هَذَا الْكَهْف وَأَدْخَلْت غَنَمِي مِنْ الْمَطَر , فَلَمْ يَزَلْ يُعَالِجهُ حَتَّى فُتِحَ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ , وَرَدَّ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَامهمْ مِنْ الْغَد حِين أَصْبَحُوا , فَبَعَثُوا أَحَدهمْ بِوَرِقٍ يَشْتَرِي طَعَامًا ; فَلَمَّا أَتَى بَاب مَدِينَتهمْ , رَأَى شَيْئًا يُنْكِرهُ , حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَجُل فَقَالَ : بِعْنِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِم طَعَامًا , فَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لَك هَذِهِ الدَّرَاهِم ؟ قَالَ : خَرَجَتْ أَنَا وَأَصْحَاب لِي أَمْس , فَآوَانَا اللَّيْل , ثُمَّ أَصْبَحُوا , فَأَرْسَلُونِي , فَقَالَ : هَذِهِ الدَّرَاهِم كَانَتْ عَلَى عَهْد مُلْك فُلَان , فَأَنَّى لَك بِهَا ؟ فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذِهِ الْوَرِق ؟ قَالَ : خَرَجْت أَنَا وَأَصْحَاب لِي أَمْس , حَتَّى أَدْرَكْنَا اللَّيْل فِي كَهْف كَذَا وَكَذَا , ثُمَّ أَمَرُونِي أَنْ أَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا ; قَالَ : وَأَيْنَ أَصْحَابك ؟ قَالَ : فِي الْكَهْف ; قَالَ : فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا بَاب الْكَهْف , فَقَالَ : دَعُونِي أَدْخُل عَلَى أَصْحَابِي قَبْلكُمْ ; فَلَمَّا رَأَوْهُ , وَدَنَا مِنْهُمْ ضُرِبَ عَلَى أُذُنه وَآذَانهمْ , فَجَعَلُوا كُلَّمَا دَخَلَ رَجُل أُرْعِبَ , فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ , فَبَنَوْا عِنْدهمْ كَنِيسَة , اِتَّخَذُوهَا مَسْجِدًا يُصَلُّونَ فِيهِ . 17306 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف أَبْنَاء مُلُوك الرُّوم , رَزَقَهُمْ اللَّه الْإِسْلَام , فَتَعَوَّذُوا بِدِينِهِمْ , وَاعْتَزَلُوا قَوْمهمْ , حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف , فَضَرَبَ اللَّه عَلَى سَمْعهمْ , فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا , حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتهمْ , وَجَاءَتْ أُمَّة مُسْلِمَة , وَكَانَ مَلِكهمْ مُسْلِمًا , فَاخْتَلَفُوا فِي الرُّوح وَالْجَسَد , فَقَالَ قَائِل : يَبْعَث الرُّوح وَالْجَسَد جَمِيعًا ; وَقَالَ قَائِل : يَبْعَث الرُّوح , فَأَمَّا الْجَسَد فَتَأْكُلهُ الْأَرْض , فَلَا يَكُون شَيْئًا ; فَشَقَّ عَلَى مَلِكهمْ اِخْتِلَافهمْ , فَانْطَلَقَ فَلَبِسَ الْمُسُوح , وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَاد , ثُمَّ دَعَا اللَّه تَعَالَى فَقَالَ : أَيْ رَبّ , قَدْ تَرَى اِخْتِلَاف هَؤُلَاءِ , فَابْعَثْ لَهُمْ آيَة تُبَيِّن لَهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه أَصْحَاب الْكَهْف , فَبَعَثُوا أَحَدهمْ يَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا , فَدَخَلَ السُّوق , فَجَعَلَ يُنْكِر الْوُجُوه , وَيَعْرِف الطُّرُق , وَيَرَى الْإِيمَان بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا , فَانْطَلَقَ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ حَتَّى أَتَى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنْهُ طَعَامًا ; فَلَمَّا نَظَرَ الرَّجُل إِلَى الْوَرِق أَنْكَرَهَا , قَالَ : حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ : كَأَنَّهَا أَخْفَاف الرُّبَع , يَعْنِي الْإِبِل الصِّغَار , فَقَالَ لَهُ الْفَتَى : أَلَيْسَ مَلِككُمْ فُلَانًا ؟ قَالَ : بَلْ مَلِكنَا فُلَان ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ بَيْنهمَا حَتَّى رَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , فَسَأَلَهُ , فَأَخْبَرَهُ الْفَتَى خَبَر أَصْحَابه , فَبَعَثَ الْمَلِك فِي النَّاس , فَجَمَعَهُمْ , فَقَالَ : إِنَّكُمْ قَدْ اِخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوح وَالْجَسَد , وَإِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَة , فَهَذَا رَجُل مِنْ قَوْم فُلَان , يَعْنِي مَلِكهمْ الَّذِي مَضَى , فَقَالَ الْفَتَى : اِنْطَلِقُوا بِي إِلَى أَصْحَابِي ; فَرَكِبَ الْمَلِك , وَرَكِبَ مَعَهُ النَّاس حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف ; فَقَالَ الْفَتَى دَعُونِي أَدْخُل إِلَى أَصْحَابِي , فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ ضُرِبَ عَلَى أُذُنه وَعَلَى آذَانهمْ ; فَلَمَّا اِسْتَبْطَئُوهُ دَخَلَ الْمَلِك , وَدَخَلَ النَّاس مَعَهُ , فَإِذَا أَجْسَاد لَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا , غَيْر أَنَّهَا لَا أَرْوَاح فِيهَا , فَقَالَ الْمَلِك : هَذِهِ آيَة بَعَثَهَا اللَّه لَكُمْ . قَالَ قَتَادَة : وَعَنْ اِبْن عَبَّاس , كَانَ قَدْ غَزَا مَعَ حَبِيب بْن مُسْلِمَة , فَمَرُّوا بِالْكَهْفِ , فَإِذَا فِيهِ عِظَام , فَقَالَ رَجُل : هَذِهِ عِظَام أَصْحَاب الْكَهْف , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَقَدْ ذَهَبَتْ عِظَامهمْ مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة . 17307 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِيمَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيث أَصْحَاب الْكَهْف , قَالَ : ثُمَّ مَلَكَ أَهْل تِلْكَ الْبِلَاد رَجُل صَالِح يُقَال لَهُ تيذوسيس ; فَلَمَّا مَلَكَ بَقِيَ مُلْكه ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ سَنَة , فَتَحَزَّبَ النَّاس فِي مُلْكه , فَكَانُوا أَحْزَابًا , فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ , وَيَعْلَم أَنَّ السَّاعَة حَقّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّب , فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِك الصَّالِح تيذوسيس , وَبَكَى إِلَى اللَّه وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ , وَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا لَمَّا رَأَى أَهْل الْبَاطِل يَزِيدُونَ وَيَظْهَرُونَ عَلَى أَهْل الْحَقّ وَيَقُولُونَ : لَا حَيَاة إِلَّا الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا تُبْعَث النُّفُوس , وَلَا تُبْعَث الْأَجْسَاد , وَنَسُوا مَا فِي الْكِتَاب ; فَجَعَلَ تيذوسيس يُرْسِل إِلَى مَنْ يَظُنّ فِيهِ خَيْرًا , وَأَنَّهُمْ أَئِمَّة فِي الْحَقّ , فَجَعَلُوا يُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ , حَتَّى كَادُوا أَنْ يَحُولُوا النَّاس عَنْ الْحَقّ وَمِلَّة الْحَوَارِيِّينَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِك الصَّالِح تيذوسيس , دَخَلَ بَيْته فَأَغْلَقَهُ عَلَيْهِ , وَلَبِسَ مِسْحًا وَجَعَلَ تَحْته رَمَادًا , ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ , فَدَأَبَ ذَلِكَ لَيْله وَنَهَاره زَمَانًا يَتَضَرَّع إِلَى اللَّه , وَيَبْكِي إِلَيْهِ مِمَّا يَرَى فِيهِ النَّاس ; ثُمَّ إِنَّ الرَّحْمَن الرَّحِيم الَّذِي يَكْرَه هَلَكَة الْعِبَاد , أَرَادَ أَنْ يَظْهَر عَلَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , وَيُبَيِّن لِلنَّاسِ شَأْنهمْ , وَيَجْعَلهُمْ آيَة لَهُمْ , وَحُجَّة عَلَيْهِمْ , لِيَعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنْ يَسْتَجِيب لِعَبْدِهِ الصَّالِح تيذوسيس , وَيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْهِ , فَلَا يَنْزِع مِنْهُ مُلْكه , وَلَا الْإِيمَان الَّذِي أَعْطَاهُ , وَأَنْ يَعْبُد اللَّه لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَأَنْ يُجْمَع مَنْ كَانَ تَبَدَّدَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَأَلْقَى اللَّه فِي نَفْس رَجُل مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد الَّذِي بِهِ الْكَهْف , وَكَانَ الْجَبَل بنجلوس الَّذِي فِيهِ الْكَهْف لِذَاكَ الرَّجُل , وَكَانَ اِسْم ذَلِكَ الرَّجُل أولياس , أَنْ يَهْدِم الْبُنْيَان الَّذِي عَلَى فَم الْكَهْف , فَيَبْنِي بِهِ حَظِيرَة لِغَنَمِهِ , فَاسْتَأْجَرَ عَامِلَيْنِ , فَجَعَلَا يَنْزِعَانِ تِلْكَ الْحِجَارَة , وَيَبْنِيَانِ بِهَا تِلْكَ الْحَظِيرَة , حَتَّى نَزَعَا مَا عَلَى فَم الْكَهْف , حَتَّى فَتَحَا عَنْهُمْ بَاب الْكَهْف , وَحَجَبَهُمْ اللَّه مِنْ النَّاس بِالرُّعْبِ ; فَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَشْجَع مَنْ يُرِيد أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِمْ غَايَة مَا يُمْكِنهُ أَنْ يَدْخُل مِنْ بَاب الْكَهْف , ثُمَّ يَتَقَدَّم حَتَّى يَرَى كَلْبهمْ دُونهمْ إِلَى بَاب الْكَهْف نَائِمًا ; فَلَمَّا نَزَعَا الْحِجَارَة , وَفَتَحَا عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف , أَذِنَ اللَّه ذُو الْقُدْرَة وَالْعَظَمَة وَالسُّلْطَان مُحْيِي الْمَوْتَى لِلْفِتْيَةِ أَنْ يَجْلِسُوا بَيْن ظَهْرَيْ الْكَهْف , فَجَلَسُوا فَرِحِينَ مُسْفِرَة وُجُوههمْ طَيِّبَة أَنْفُسهمْ , فَسَلَّمَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , حَتَّى كَأَنَّمَا اِسْتَيْقَظُوا مِنْ سَاعَتهمْ الَّتِي كَانُوا يَسْتَيْقِظُونَ لَهَا إِذَا أَصْبَحُوا مِنْ لَيْلَتهمْ الَّتِي يَبِيتُونَ فِيهَا . ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة فَصَلَّوْا , كَاَلَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ , لَا يَرَوْنَ , وَلَا يُرَى فِي وُجُوههمْ , وَلَا أَبْشَارهمْ , وَلَا أَلْوَانهمْ شَيْء يُنْكِرُونَهُ كَهَيْئَتِهِمْ حِين رَقَدُوا بِعَشِيٍّ أَمْس , وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَلِكهمْ دقينوس الْجَبَّار فِي طَلَبهمْ وَالْتِمَاسهمْ . فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتهمْ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ , قَالُوا ليمليخا , وَكَانَ هُوَ صَاحِب نَفَقَتهمْ , الَّذِي كَانَ يَبْتَاع لَهُمْ طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ مِنْ الْمَدِينَة , وَجَاءَهُمْ بِالْخَبَرِ أَنَّ دقينوس يَلْتَمِسْنَهُمْ , وَيَسْأَل عَنْهُمْ : أَنْبِئْنَا يَا أَخِي مَا الَّذِي قَالَ النَّاس فِي شَأْننَا عَشِيّ أَمْسَى عِنْد هَذَا الْجَبَّار ؟ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ رَقَدُوا كَبَعْضِ مَا كَانُوا يَرْقُدُونَ , وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ نَامُوا كَأَطْوَل مَا كَانُوا يَنَامُونَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَصْبَحُوا فِيهَا , حَتَّى تَسَاءَلُوا بَيْنهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } نِيَامًا ؟ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم قَالُوا رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ } وَكُلّ ذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ يَسِير . فَقَالَ لَهُمْ يمليخا : اِفْتَقَدْتُمْ وَالْتَمَسْتُمْ بِالْمَدِينَةِ , وَهُوَ يُرِيد أَنْ يُؤْتَى بِكُمْ الْيَوْم , فَتَذْبَحُونَ لِلطَّوَاغِيتِ , أَوْ يَقْتُلكُمْ , فَمَا شَاءَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُمْ مكسلمينا : يَا إِخْوَتاه اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقَوْنَ , فَلَا تَكْفُرُوا بَعْد إِيمَانكُمْ إِذَا دَعَاكُمْ عَدُوّ اللَّه , وَلَا تُنْكِرُوا الْحَيَاة الَّتِي لَا تَبِيد بَعْد إِيمَانكُمْ بِاَللَّهِ , وَالْحَيَاة مِنْ بَعْد الْمَوْت ; ثُمَّ قَالُوا ليمليخا : اِنْطَلِقْ إِلَى الْمَدِينَة فَتَسَمَّعْ مَا يُقَال لَنَا بِهَا الْيَوْم , وَمَا الَّذِي نُذْكَر بِهِ عِنْد دقينوس , وَتَلَطَّفْ , وَلَا يَشْعُرَن بِنَا أَحَد , وَابْتَعْ لَنَا طَعَامًا فَأْتِنَا بِهِ , فَإِنَّهُ قَدْ آنَ لَك , وَزِدْنَا عَلَى الطَّعَام الَّذِي قَدْ جِئْتنَا بِهِ , فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ قَلِيلًا , فَقَدْ أَصْبَحْنَا جِيَاعًا ; فَفَعَلَ يمليخا كَمَا كَانَ يَفْعَل , وَوَضَعَ ثِيَابه , وَأَخَذَ الثِّيَاب الَّتِي كَانَ يَتَنَكَّر فِيهَا , وَأَخَذَ وَرِقًا مِنْ نَفَقَتهمْ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُمْ , الَّتِي ضُرِبَتْ بِطَابَعِ دقينوس الْمَلِك , فَانْطَلَقَ يمليخا خَارِجًا ; فَلَمَّا مَرَّ بِبَابِ الْكَهْف , رَأَى الْحِجَارَة مَنْزُوعَة عَنْ بَاب الْكَهْف , فَعَجِبَ مِنْهَا , ثُمَّ مَرَّ فَلَمْ يُبَالِ بِهَا , حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة مُسْتَخْفِيًا يَصُدّ عَنْ الطَّرِيق تَخَوُّفًا أَنْ يَرَاهُ أَحَد مِنْ أَهْلهَا , فَيَعْرِفهُ , فَيَذْهَب بِهِ إِلَى دقينوس , وَلَا يَشْعُر الْعَبْد الصَّالِح أَنَّ دقينوس وَأَهْل زَمَانه قَدْ هَلَكُوا قَبْل ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِائَة وَتِسْع سِنِينَ , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ ; إِذْ كَانَ مَا بَيْن أَنْ نَامُوا إِلَى أَنْ اِسْتَيْقَظُوا ثَلَاث مِائَة وَتِسْع سِنِينَ . فَلَمَّا رَأَى يمليخا بَاب الْمَدِينَة رَفَعَ بَصَره , فَرَأَى فَوْق ظَهْر الْبَاب عَلَامَة تَكُون لِأَهْلِ الْإِيمَان , إِذَا كَانَ ظَاهِرًا فِيهَا ; فَلَمَّا رَآهَا عَجِبَ وَجَعَلَ يَنْظُر مُسْتَخْفِيًا إِلَيْهَا ; فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا , فَتَعَجَّبَ بَيْنه وَبَيْن نَفْسه , ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ الْبَاب , فَتَحَوَّلَ إِلَى بَاب آخَر مِنْ أَبْوَابهَا , فَنَظَرَ فَرَأَى مِنْ ذَلِكَ مَا يُحِيط بِالْمَدِينَةِ كُلّهَا , وَرَأَى عَلَى كُلّ بَاب مِثْل ذَلِكَ ; فَجَعَلَ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّ الْمَدِينَة لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ يَعْرِف , وَرَأَى نَاسًا كَثِيرِينَ مُحْدَثِينَ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُمْ قَبْل ذَلِكَ , فَجَعَلَ يَمْشِي وَيَعْجَب وَيُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ حَيْرَان ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَاب الَّذِي أَتَى مِنْهُ , فَجَعَلَ يَعْجَب بَيْنه وَبَيْن نَفْسه وَيَقُول : يَا لَيْتَ شِعْرِي , أَمَّا هَذِهِ عَشِيَّة أَمْس , فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُخْفُونَ هَذِهِ الْعَلَامَة وَيَسْتَخْفُونَ بِهَا , وَأَمَّا الْيَوْم فَإِنَّهَا ظَاهِرَة ! لَعَلِّي حَالِم ؟ ! ثُمَّ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِمٍ ; فَأَخَذَ كِسَاءَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسه , ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَة , فَجَعَلَ يَمْشِي بَيْن ظَهْرَيْ سُوقهَا , فَيَسْمَع أُنَاسًا كَثِيرًا يَحْلِفُونَ بِاسْمِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَزَادَهُ فَرَقًا , وَرَأَى أَنَّهُ حَيْرَان , فَقَامَ مُسْنَدًا ظَهْره إِلَى جِدَار مِنْ جُدُر الْمَدِينَة وَيَقُول فِي نَفْسه : وَاَللَّه مَا أَدْرِي مَا هَذَا ! أَمَّا عَشِيَّة أَمْس فَلَيْسَ عَلَى الْأَرْض إِنْسَان يَذْكُر عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قُتِلَ ; وَأَمَّا الْغَدَاة فَأَسْمَعهُمْ , وَكُلّ إِنْسَان يَذْكُر أَمْر عِيسَى لَا يَخَاف ! ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسه : لَعَلَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَعْرِف أَسْمَع كَلَام أَهْلهَا وَلَا أَعْرِف أَحَدًا مِنْهُمْ , وَاَللَّه مَا أَعْلَم مَدِينَة قُرْب مَدِينَتنَا ! فَقَامَ كَالْحَيْرَانِ لَا يَتَوَجَّه وَجْهًا ; ثُمَّ لَقِيَ فَتًى مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , فَقَالَ لَهُ : مَا اِسْم هَذِهِ الْمَدِينَة يَا فَتَى ؟ قَالَ : اِسْمهَا أفسوس , فَقَالَ فِي نَفْسه : لَعَلَّ بِي مَسًّا , أَوْ بِي أَمْر أَذْهَبَ عَقْلِي ؟ ! وَاَللَّه يَحِقّ لِي أَنْ أُسْرِع الْخُرُوج مِنْهَا قَبْل أَنْ أُخْزَى فِيهَا أَوْ يُصِيبنِي شَرّ فَأَهْلك . هَذَا الَّذِي يُحَدِّث بِهِ يمليخا أَصْحَابه حِين تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا بِهِ . ثُمَّ إِنَّهُ أَفَاقَ فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ عَجَّلْت الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة قَبْل أَنْ يُفْطَن بِي لَكَانَ أَكْيَس لِي ; فَدَنَا مِنْ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطَّعَام , فَأَخْرَجَ الْوَرِق الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ , فَأَعْطَاهَا رَجُلًا مِنْهُمْ , فَقَالَ : بِعْنِي بِهَذِهِ الْوَرِق يَا عَبْد اللَّه طَعَامًا . فَأَخَذَهَا الرَّجُل , فَنَظَرَ إِلَى ضَرْب الْوَرِق وَنَقْشهَا , فَعَجِبَ مِنْهَا , ثُمَّ طَرَحَهَا إِلَى رَجُل مِنْ أَصْحَابه , فَنَظَرَ إِلَيْهَا , ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَارَحُونَهَا بَيْنهمْ مِنْ رَجُل إِلَى رَجُل , وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا , ثُمَّ جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ بَيْنهمْ وَيَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل قَدْ أَصَابَ كَنْزًا خَبِيئًا فِي الْأَرْض مُنْذُ زَمَان وَدَهْر طَوِيل ; فَلَمَّا رَآهُمْ يَتَشَاوَرُونَ مِنْ أَجْله فَرَقَ فَرَقًا شَدِيدًا , وَجَعَلَ يَرْتَعِد وَيَظُنّ أَنَّهُمْ قَدْ فَطِنُوا بِهِ وَعَرَفُوهُ , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكهمْ دقينوس يُسَلِّمُونَهُ إِلَيْهِ . وَجَعَلَ أُنَاس آخَرُونَ يَأْتُونَهُ فَيَتَعَرَّفُونَهُ , فَقَالَ لَهُمْ وَهُوَ شَدِيد الْفَرَق مِنْهُمْ : أَفْضِلُوا عَلَيَّ , فَقَدْ أَخَذْتُمْ وَرِقِي فَأَمْسِكُوا , وَأَمَّا طَعَامكُمْ فَلَا حَاجَة لِي بِهِ . قَالُوا لَهُ : مَنْ أَنْتَ يَا فَتَى , وَمَا شَأْنك ؟ وَاَللَّه لَقَدْ وَجَدْت كَنْزًا مِنْ كُنُوز الْأَوَّلِينَ , فَأَنْتَ تُرِيد أَنْ تُخْفِيه مِنَّا , فَانْطَلِقْ مَعَنَا فَأَرِنَاهُ وَشَارِكْنَا فِيهِ , نُخْفِ عَلَيْك مَا وَجَدْت , فَإِنَّك إِنْ لَا تَفْعَل نَأْتِ بِك السُّلْطَان , فَنُسَلِّمك إِلَيْهِ فَيَقْتُلك . فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلهمْ , عَجِبَ فِي نَفْسه فَقَالَ : قَدْ وَقَعْت فِي كُلّ شَيْء كُنْت أَحْذَر مِنْهُ ! ثُمَّ قَالُوا : يَا فَتَى إِنَّك وَاَللَّه مَا تَسْتَطِيع أَنْ تَكْتُم مَا وَجَدْت , وَلَا تَظُنّ فِي نَفْسك أَنَّهُ سَيَخْفَى حَالك . فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُول لَهُمْ وَمَا يَرْجِع إِلَيْهِمْ , وَفَرِقَ حَتَّى مَا يَحِيرُ إِلَيْهِمْ جَوَابًا ; فَلَمَّا رَأَوْهُ لَا يَتَكَلَّم أَخَذُوا كِسَاءَهُ فَطَوَّقُوهُ فِي عُنُقه , ثُمَّ جَعَلُوا يَقُودُونَهُ فِي سِكَك الْمَدِينَة مُلَبَّبًا , حَتَّى سَمِعَ بِهِ مَنْ فِيهَا , فَقِيلَ : أُخِذَ رَجُل عِنْده كَنْز ! . وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْمَدِينَة صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ , فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ : وَاَللَّه مَا هَذَا الْفَتَى مِنْ أَهْل هَذِهِ الْمَدِينَة , وَمَا رَأَيْنَاهُ فِيهَا قَطُّ , وَمَا نَعْرِفهُ ; فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُول لَهُمْ , مَعَ مَا يَسْمَع مِنْهُمْ ; فَلَمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْمَدِينَة , فَرِقَ , فَسَكَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّم ; وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة لَمْ يُصَدَّق . وَكَانَ مُسْتَيْقِنًا أَنَّ أَبَاهُ وَإِخْوَته بِالْمَدِينَةِ , وَأَنَّ حَسْبه مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِنْ عُظَمَاء أَهْلهَا , وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَهُ إِذَا سَمِعُوا , وَقَدْ اِسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ عَشِيَّة أَمْس يَعْرِف كَثِيرًا مِنْ أَهْلهَا , وَأَنَّهُ لَا يَعْرِف الْيَوْم مِنْ أَهْلهَا أَحَدًا . فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم كَالْحَيْرَانِ يَنْتَظِر مَتَى يَأْتِهِ بَعْض أَهْله , أَبُوهُ أَوْ بَعْض إِخْوَته فَيُخَلِّصهُ مِنْ أَيْدِيهمْ , إِذْ اِخْتَطَفُوهُ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى رَئِيسَيْ الْمَدِينَة وَمُدَبِّرَيْهَا اللَّذَيْنِ يُدَبِّرَانِ أَمْرهَا , وَهُمَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ , كَانَ اِسْم أَحَدهمَا أريوس , وَاسْم الْآخَر أسطيوس ; فَلَمَّا اِنْطَلَقَ بِهِ إِلَيْهِمَا , ظَنَّ يمليخا أَنَّهُ يَنْطَلِق بِهِ إِلَى دقينوس الْجَبَّار مَلِكهمْ الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ , فَجَعَلَ يَلْتَفِت يَمِينًا وَشِمَالًا , وَجَعَلَ النَّاس يَسْخَرُونَ مِنْهُ , كَمَا يُسْخَر مِنْ الْمَجْنُون وَالْحَيْرَان , فَجَعَلَ يمليخا يَبْكِي . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء وَإِلَى اللَّه , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِلَه السَّمَاوَات وَالْأَرْض , أَوْلِجْ مَعِي رُوحًا مِنْك الْيَوْم تُؤَيِّدنِي بِهِ عِنْد هَذَا الْجَبَّار . وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُول فِي نَفْسه : فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْن إِخْوَتِي ! يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا لَقِيت , وَأَنِّي يُذْهَب بِي إِلَى دقينوس الْجَبَّار ; فَلَوْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ , فَيَأْتُونَ , فَنَقُوم جَمِيعًا بَيْن يَدَيْ دقينوس ; فَإِنَّا كُنَّا تَوَاثَقْنَا لَنَكُونَنَّ مَعًا , لَا نَكْفُر بِاَللَّهِ وَلَا نُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَلَا نَعْبُد الطَّوَاغِيت مِنْ دُون اللَّه . فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ , فَلَنْ يَرَوْنِي وَلَنْ أَرَاهُمْ أَبَدًا ; وَقَدْ كُنَّا تَوَاثَقْنَا أَنْ لَا نَفْتَرِق فِي حَيَاة وَلَا مَوْت أَبَدًا . يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ فَاعِل بِي ؟ أَقَاتِلِي هُوَ أَمْ لَا ؟ ذَلِكَ الَّذِي يُحَدِّث بِهِ يمليخا نَفْسه فِيمَا أَخْبَرَ أَصْحَابه حِين رَجَعَ إِلَيْهِمْ . فَلَمَّا اِنْتَهَى إِلَى الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ أريوس وأسطيوس , فَلَمَّا رَأَى يمليخا أَنَّهُ لَمْ يُذْهَب بِهِ إِلَى دقينوس , أَفَاقَ وَسَكَنَ عَنْهُ الْبُكَاء ; فَأَخَذَ أريوس وأسطيوس الْوَرِق فَنَظَرَا إِلَيْهَا وَعَجِبَا مِنْهَا , ثُمَّ قَالَ أَحَدهمَا : أَيْنَ الْكَنْز الَّذِي وَجَدْت يَا فَتَى ؟ هَذَا الْوَرِق يَشْهَد عَلَيْك أَنَّك قَدْ وَجَدْت كَنْزًا ! فَقَالَ لَهُمَا يمليخا : مَا وَجَدْت كَنْزًا وَلَكِنَّ هَذِهِ الْوَرِق وَرِق آبَائِي , وَنَقْش هَذِهِ الْمَدِينَة وَضَرْبهَا , وَلَكِنْ وَاَللَّه مَا أَدْرِي مَا شَأْنِي , وَمَا أَدْرِي مَا أَقُول لَكُمْ ! فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ لَهُ يمليخا : مَا أَدْرِي , فَكُنْت أَرَى أَنِّي مِنْ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة , قَالُوا : فَمَنْ أَبُوك وَمَنْ يَعْرِفك بِهَا ؟ فَأَنْبَأَهُمْ بِاسْمِ أَبِيهِ , فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا يَعْرِفهُ وَلَا أَبَاهُ ; فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا : أَنْتَ رَجُل كَذَّاب لَا تُنَبِّئنَا بِالْحَقِّ ; فَلَمْ يَدْرِ يمليخا مَا يَقُول لَهُمْ , غَيْر أَنَّهُ نَكَّسَ بَصَره إِلَى الْأَرْض . فَقَالَ لَهُ بَعْض مَنْ حَوْله : هَذَا رَجُل مَجْنُون ! فَقَالَ بَعْضهمْ : لَيْسَ بِمَجْنُونٍ , وَلَكِنَّهُ يُحَمِّق نَفْسه عَمْدًا لِكَيْ يَنْفَلِت مِنْكُمْ ; فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا , وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا شَدِيدًا : أَتَظُنُّ أَنَّك إِذْ تَتَجَانَن نُرْسِلك وَنُصَدِّقك بِأَنَّ هَذَا مَال أَبِيك , وَضَرْب هَذِهِ الْوَرِق وَنَقْشهَا مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة ؟ ! وَإِنَّمَا أَنْتَ غُلَام شَابّ تَظُنّ أَنَّك تَأْفِكنَا , وَنَحْنُ شُمْط كَمَا تَرَى , وَحَوْلك سَرَاة أَهْل الْمَدِينَة , وَوُلَاة أَمْرهَا , إِنِّي لَأَظُنّنِي سَآمُرُ بِك فَتُعَذَّب عَذَابًا شَدِيدًا , ثُمَّ أُوثِقك حَتَّى تَعْتَرِف بِهَذَا الْكَنْز الَّذِي وَجَدْت . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ , قَالَ يمليخا : أَنْبِئُونِي عَنْ شَيْء أَسْأَلكُمْ عَنْهُ , فَإِنْ فَعَلْتُمْ صَدَقْتُكُمْ عَمَّا عِنْدِي ; أَرَأَيْتُمْ دقينوس الْمَلِك الَّذِي كَانَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَة عَشِيَّة أَمْس مَا فَعَلَ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل : لَيْسَ عَلَى وَجْه الْأَرْض رَجُل اِسْمه دقينوس , وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مَلِك قَدْ هَلَكَ مُنْذُ زَمَان وَدَهْر طَوِيل , وَهَلَكَتْ بَعْده قُرُون كَثِيرَة ! فَقَالَ لَهُ يمليخا : فَوَاَللَّهِ إِنِّي إِذًا لَحَيْرَان , وَمَا هُوَ بِمُصَدِّقٍ أَحَد مِنْ النَّاس بِمَا أَقُول ; وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت , لَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الْجَبَّار دقينوس , وَإِنِّي قَدْ رَأَيْته عَشِيَّة أَمْس حِين دَخَلَ مَدِينَة أفسوس , وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَمَدِينَة أفسوس هَذِهِ أَمْ لَا ؟ فَانْطَلِقَا مَعِي إِلَى الْكَهْف الَّذِي فِي جَبَل بنجلوس أُرِيكُمْ أَصْحَابِي . فَلَمَّا سَمِعَ أريوس مَا يَقُول يمليخا قَالَ : يَا قَوْم لَعَلَّ هَذِهِ آيَة مِنْ آيَات اللَّه جَعَلَهَا لَكُمْ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْفَتَى , فَانْطَلِقُوا بِنَا مَعَهُ يُرِنَا أَصْحَابه , كَمَا قَالَ . فَانْطَلَقَ مَعَهُ أريوس وأسطيوس , وَانْطَلَقَ مَعَهُمْ أَهْل الْمَدِينَة كَبِيرهمْ وَصَغِيرهمْ , نَحْو أَصْحَاب الْكَهْف لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ . وَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف يمليخا قَدْ اُحْتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابهمْ عَنْ الْقَدْر الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ , ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكهمْ دقينوس الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ . فَبَيْنَمَا هُمْ يَظُنُّونَ ذَلِكَ وَيَتَخَوَّفُونَهُ , إِذْ سَمِعُوا الْأَصْوَات وَجَلَبَة الْخَيْل مُصَعَّدَة نَحْوهمْ , فَظَنُّوا أَنَّهُمْ رُسُل الْجَبَّار دقينوس بَعَثَ إِلَيْهِمْ لِيُؤْتِيَ بِهِمْ , فَقَامُوا حِين سَمِعُوا ذَلِكَ إِلَى الصَّلَاة , وَسَلَّمَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَأَوْصَى بَعْضهمْ بَعْضًا , وَقَالُوا : اِنْطَلِقُوا بِنَا نَأْتِ أَخَانَا يمليخا , فَإِنَّهُ الْآن بَيْن يَدَيْ الْجَبَّار دقينوس يَنْتَظِر مَتَى نَأْتِهِ . فَبَيْنَمَا هُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ , وَهُمْ جُلُوس بَيْن ظَهْرَيْ الْكَهْف , فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا أريوس وَأَصْحَابه وُقُوفًا عَلَى بَاب الْكَهْف . وَسَبَقَهُمْ يمليخا , فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَبْكِي . فَلَمَّا رَأَوْهُ يَبْكِي بَكَوْا مَعَهُ ; ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ شَأْنه , فَأَخْبَرَهُمْ خَبَره وَقَصَّ عَلَيْهِمْ النَّبَأ كُلّه , فَعَرَفُوا عِنْد ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا بِأَمْرِ اللَّه ذَلِكَ الزَّمَان كُلّه , وَإِنَّمَا أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آيَة لِلنَّاسِ , وَتَصْدِيقًا لِلْبَعْثِ , وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا . ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَر يمليخا أريوس , فَرَأَى تَابُوتًا مِنْ نُحَاس مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّة , فَقَامَ بِبَابِ الْكَهْف ; ثُمَّ دَعَا رِجَالًا مِنْ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة , فَفَتَحَ التَّابُوت عِنْدهمْ , فَوَجَدُوا فِيهِ لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاص , مَكْتُوبًا فِيهِمَا كِتَاب , فَقَرَأَهُمَا فَوَجَدَ فِيهِمَا : أَنَّ مكسلمينا , ومحسلمينا , ويمليخا , ومرطونس , وكسطونس , ويبورس , ويكرنوس , ويطبيونس , وقالوش , كَانُوا فِتْيَة هَرَبُوا مِنْ مَلِكهمْ دقينوس الْجَبَّار , مَخَافَة أَنْ يَفْتِنهُمْ عَنْ دِينهمْ , فَدَخَلُوا هَذَا الْكَهْف ; فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَكَانِهِمْ أَمَرَ بِالْكَهْفِ فَسُدَّ عَلَيْهِمْ بِالْحِجَارَةِ , وَإِنَّا كَتَبْنَا شَأْنهمْ وَقِصَّة خَبَرهمْ , لِيَعْلَمهُ مَنْ بَعْدهمْ إِنْ عُثِرَ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا قَرَءُوهُ , عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللَّه الَّذِي أَرَاهُمْ آيَة لِلْبَعْثِ فِيهِمْ , ثُمَّ رَفَعُوا أَصْوَاتهمْ بِحَمْدِ اللَّه وَتَسْبِيحه . ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى الْفِتْيَة الْكَهْف , فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا بَيْن ظَهْرَيْهِ , مُشْرِقَة وُجُوههمْ , لَمْ تَبْلَ ثِيَابهمْ . فَخَرَّ أريوس وَأَصْحَابه سُجُودًا , وَحَمِدُوا اللَّه الَّذِي أَرَاهُمْ آيَة مِنْ آيَاته . ثُمَّ كَلَّمَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَأَنْبَأَهُمْ الْفِتْيَة عَنْ الَّذِينَ لَقُوا مِنْ مَلِكهمْ دقينوس ذَلِكَ الْجَبَّار الَّذِي كَانُوا هَرَبُوا مِنْهُ . ثُمَّ إِنَّ أريوس وَأَصْحَابه بَعَثُوا بَرِيدًا إِلَى مَلِكهمْ الصَّالِح تيذوسيس , أَنْ عَجِّلْ لَعَلَّك تَنْظُر إِلَى آيَة مِنْ آيَات اللَّه , جَعَلَهَا اللَّه عَلَى مَلِكك , وَجَعَلَهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ , لِتَكُونَ لَهُمْ نُورًا وَضِيَاء , وَتَصْدِيقًا بِالْبَعْثِ , فَاعْجَلْ عَلَى فِتْيَة بَعَثَهُمْ اللَّه , وَقَدْ كَانَ تَوَفَّاهُمْ مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة . فَلَمَّا أَتَى الْمَلِك تيذوسيس الْخَبَر , قَامَ مِنْ الْمُسْنَدَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا , وَرَجَعَ إِلَيْهِ رَأْيه وَعَقْله , وَذَهَبَ عَنْهُ هَمّه , وَرَجَعَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَقَالَ : أَحْمَدك اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , أَعْبُدك , وَأَحْمَدك , وَأُسَبِّح لَك ; تَطَوَّلْت عَلَيَّ , وَرَحِمْتنِي بِرَحْمَتِك , فَلَمْ تُطْفِئ النُّور الَّذِي كُنْت جَعَلْته لِآبَائِي , وَلِلْعَبْدِ الصَّالِح قسطيطينوس الْمَلِك , فَلَمَّا نَبَّأَ بِهِ أَهْل الْمَدِينَة رَكِبُوا إِلَيْهِ , وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا مَدِينَة أفسوس , فَتَلَقَّاهُمْ أَهْل الْمَدِينَة , وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى صَعِدُوا نَحْو الْكَهْف حَتَّى أَتَوْهُ ; فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة تيذوسيس , فَرِحُوا بِهِ , وَخَرُّوا سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ ; وَقَامَ تيذوسيس قُدَّامهمْ , ثُمَّ اِعْتَنَقَهُمْ وَبَكَى , وَهُمْ جُلُوس بَيْن يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض يُسَبِّحُونَ اللَّه وَيَحْمَدُونَهُ , وَيَقُول : وَاَللَّه مَا أَشْبَه بِكُمْ إِلَّا الْحَوَارِيُّونَ حِين رَأَوْا الْمَسِيح . وَقَالَ : فَرَّجَ اللَّه عَنْكُمْ , كَأَنَّكُمْ الَّذِي تُدْعَوْنَ فَتُحْشَرُونَ مِنْ الْقُبُور ! فَقَالَ الْفِتْيَة لتيذوسيس : إِنَّا نُوَدِّعك السَّلَام , وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه , حَفِظَك اللَّه , وَحَفِظَ لَك مَلِكك بِالسَّلَامِ , وَنُعِيذك بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ الْجِنّ وَالْإِنْس ; فَأَمَرَ بِعَيْشٍ مِنْ خُلَّر وَنَشِيل . إِنَّ أَسْوَأ مَا سَلَكَ فِي بَطْن الْإِنْسَان أَنْ لَا يَعْلَم شَيْئًا إِلَّا كَرَامَة إِنْ أُكْرِمَ بِهَا , وَلَا هَوَان إِنْ أُهِينَ بِهِ . فَبَيْنَمَا الْمَلِك قَائِم , إِذْ رَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعهمْ , فَنَامُوا , وَتَوَفَّى اللَّه أَنْفُسهمْ بِأَمْرِهِ . وَقَامَ الْمَلِك إِلَيْهِمْ , فَجَعَلَ ثِيَابه عَلَيْهِمْ , وَأَمَرَ أَنْ يَجْعَل لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ تَابُوت مِنْ ذَهَب ; فَلَمَّا أَمْسَوْا وَنَامَ , أَتَوْهُ فِي الْمَنَام , فَقَالُوا : إِنَّا لَمْ نُخْلَق مِنْ ذَهَب وَلَا فِضَّة , وَلَكِنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَاب وَإِلَى التُّرَاب نَصِير , فَاتْرُكْنَا كَمَا كُنَّا فِي الْكَهْف عَلَى التُّرَاب حَتَّى يَبْعَثنَا اللَّه مِنْهُ ; فَأَمَرَ الْمَلِك حِينَئِذٍ بِتَابُوتٍ مِنْ سَاج , فَجَعَلُوهُمْ فِيهِ , وَحَجَبَهُمْ اللَّه حِين خَرَجُوا مِنْ عِنْدهمْ بِالرُّعْبِ , فَلَمْ يَقْدِر أَحَد عَلَى أَنْ يَدْخُل عَلَيْهِمْ . وَأَمَرَ الْمَلِك فَجَعَلَ كَهْفهمْ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ , وَجَعَلَ لَهُمْ عِيدًا عَظِيمًا , وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى كُلّ سَنَة . فَهَذَا حَدِيث أَصْحَاب الْكَهْف . 17308 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : بَعَثَهُمْ اللَّه - يَعْنِي الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف - وَقَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِك مُسْلِم , يَعْنِي عَلَى أَهْل مَدِينَتهمْ ; وَسَلَّطَ اللَّه عَلَى الْفِتْيَة الْجُوع , فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ : { كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } قَالَ : فَرَدُّوا عِلْم ذَلِكَ إِلَى اللَّه , { قَالُوا رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } وَإِذَا مَعَهُمْ وَرِق مِنْ ضَرْب الْمَلِك الَّذِي كَانُوا فِي زَمَانه { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } : أَيْ بِطَعَامٍ { وَلَا يُشْعِرَن بِكُمْ أَحَدًا } . فَخَرَجَ أَحَدهمْ فَرَأَى الْمَعَالِم مُتَنَكِّرَة حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى الْمَدِينَة , فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاس لَا يَعْرِف مِنْهُمْ أَحَدًا ; فَخَرَجَ وَلَا يَعْرِفُونَهُ , حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى صَاحِب الطَّعَام , فَسَامَهُ بِطَعَامِهِ , فَقَالَ صَاحِب الطَّعَام : هَاتِ وَرِقك ; فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْوَرِق , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْوَرِق ؟ قَالَ : هَذِهِ وَرِقنَا وَوَرِق أَهْل بِلَادنَا ! فَقَالَ : هَيْهَاتَ هَذِهِ الْوَرِق مِنْ ضَرْب فُلَان بْن فُلَان مُنْذُ ثَلَاث مِائَة وَتِسْع سِنِينَ ! أَنْتَ أَصَبْت كَنْزًا ; وَلَسْت بِتَارِكِك حَتَّى أَرْفَعك إِلَى الْمَلِك . فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , وَإِذَا الْمَلِك مُسْلِم وَأَصْحَابه مُسْلِمُونَ , فَفَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ , وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَمْره , وَأَخْبَرَهُمْ خَبَر أَصْحَابه ; فَبَعَثُوا إِلَى اللَّوْح فِي الْخِزَانَة , فَأَتَوْا بِهِ , فَوَافَقَ مَا وَصَفَ مِنْ أَمْرهمْ , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ هَؤُلَاءِ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مُسْلِمُونَ مِنَّا . فَانْطَلَقُوا مَعَهُ إِلَى الْكَهْف ; فَلَمَّا أَتَوْا بَاب الْكَهْف قَالَ : دَعُونِي حَتَّى أَدْخُل عَلَى أَصْحَابِي حَتَّى أُبَشِّرهُمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْكُمْ مَعِي أَرْعَبْتُمُوهُمْ ; فَدَخَلَ فَبَشَّرَهُمْ , وَقَبَضَ اللَّه أَرْوَاحهمْ . قَالَ : وَعَمَّى اللَّه عَلَيْهِمْ مَكَانهمْ , فَلَمْ يَهْتَدُوا , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا , فَإِنَّهُمْ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَنَعْبُد اللَّه فِيهَا . وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مِنَّا , نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ , وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ كَمَا بَيَّنَّا قَبْل , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره , كَذَلِكَ أَخْبَرَ عِبَاده فِي كِتَابه , وَإِنَّ اللَّه أَعْثَرَ عَلَيْهِمْ الْقَوْم الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَيْهِمْ , لِيَتَحَقَّق عِنْدهمْ بِبَعْثِ اللَّه هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة مِنْ رَقْدَتهمْ بَعْد طُول مُدَّتهَا بِهَيْئَتِهِمْ يَوْم رَقَدُوا , وَلَمْ يَشِيبُوا عَلَى مَرّ الْأَيَّام وَاللَّيَالِي عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَهْرَمُوا عَلَى كَرّ الدُّهُور وَالْأَزْمَان فِيهِمْ قُدْرَته عَلَى بَعْث مَنْ أَمَاتَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْره إِلَى مَوْقِف الْقِيَامَة يَوْم الْقِيَامَة , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره بِذَلِكَ أَخْبَرَنَا , فَقَالَ : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ وَأَنَّ السَّاعَة لَا رَيْب فِيهَا } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض الْعِرَاقِيِّينَ { بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الرَّاء وَالْقَاف . وَقَرَأَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : " بِوَرْقِكُمْ " بِسُكُونِ الرَّاء , وَكَسْر الْقَاف . وَقَرَأَهُ بَعْض الْمَكِّيِّينَ بِكَسْرِ الرَّاء , وَإِدْغَام الْقَاف فِي الْكَاف , وَكُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مُتَّفِقَات الْمَعَانِي , وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظ مِنْهَا , وَهُنَّ لُغَات مَعْرُوفَات مِنْ كَلَام الْعَرَب , غَيْر أَنَّ الْأَصْل فِي ذَلِكَ فَتْح الْوَاو وَكَسْر الرَّاء وَالْقَاف , لِأَنَّهُ الْوَرِق , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَاخِل عَلَيْهِ طَلَب التَّخْفِيف . وَفِيهِ أَيْضًا لُغَة أُخْرَى وَهُوَ " الْوَرْق " , كَمَا يُقَال لِلْكَبِدِ كَبْد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْل , فَالْقِرَاءَة بِهِ إِلَيَّ أَعْجَب , مِنْ غَيْر أَنْ تَكُون الْأُخْرَيَانِ مَدْفُوعَة صِحَّتهمَا , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِأَنَّ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ بِالْوَرِقِ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ اِسْمه يمليخا . وَقَدْ : 17309 - حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُقَاتِل { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } اِسْمه يمليخ .
وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ فَلْيَنْظُرْ أَيّ أَهْل الْمَدِينَة أَكْثَر طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17310 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : أَكْثَر . * - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَيّه أَكْثَر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَيّهَا أَحَلّ طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17311 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : أَحَلّ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَيّهَا خَيْر طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17312 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : خَيْر طَعَامًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَحَلّ وَأَطْهَر , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي اِخْتِيَار الْأَكْثَر طَعَامًا لِلشِّرَاءِ مِنْهُ إِلَّا بِمَعْنَى إِذَا كَانَ أَكْثَرهمْ طَعَامًا , كَانَ خَلِيقًا أَنْ يَكُون الْأَفْضَل مِنْهُ عِنْده أَوْجَد , وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الْمَأْمُور الشِّرَاء مِنْ صَاحِب الْأَفْضَل , فَقَدْ أُمِرَ بِشِرَاء الْجَيِّد , كَانَ مَا عِنْد الْمُشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ قَلِيلًا الْجَيِّد أَوْ كَثِيرًا , وَإِنَّمَا وَجْه مِنْ وَجْه تَأْوِيل أَزْكَى إِلَى الْأَكْثَر , لِأَنَّهُ وَجَدَ الْعَرَب تَقُول : قَدْ زَكَا مَال فُلَان : إِذَا كَثُرَ , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَبَائِلنَا سَبْع وَأَنْتُمْ ثَلَاثَة وَلِلسَّبْعِ أَزْكَى مِنْ ثَلَاث وَأَطْيَب بِمَعْنَى : أَكْثَر , وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْحَلَال الْجَيِّد وَإِنْ قَلَّ , أَكْثَر مِنْ الْحَرَام الْخَبِيث وَإِنْ كَثُرَ . وَقِيلَ : { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا } فَأُضِيفَ إِلَى كِنَايَة الْمَدِينَة , وَالْمُرَاد بِهَا أَهْلهَا , لِأَنَّ تَأْوِيل الْكَلَام : فَلْيَنْظُرْ أَيّ أَهْلهَا أَزْكَى طَعَامًا لِمَعْرِفَةِ السَّامِع بِالْمُرَادِ مِنْ الْكَلَام . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } : أَيّهَا أَحَلّ , مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ كَانُوا فَارَقُوا قَوْمهمْ وَهُمْ أَهْل أَوْثَان , فَلَمْ يَسْتَجِيزُوا أَكْل ذَبِيحَتهمْ.
وَقَوْله : { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } يَقُول : فَلْيَأْتِكُمْ بِقُوتٍ مِنْهُ تَقْتَاتُونَهُ , وَطَعَام تَأْكُلُونَهُ , كَمَا : 17313 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } قَالَ : بِطَعَامٍ . وَقَوْله : { وَلْيَتَلَطَّفْ } يَقُول : وَلْيَتَرَفَّقْ فِي شِرَائِهِ مَا يَشْتَرِي , وَفِي طَرِيقه وَدُخُوله الْمَدِينَة . { وَلَا يُشْعِرَن بِكُمْ أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يُعْلِمَن بِكُمْ أَحَدًا مِنْ النَّاس .
وَقَوْله : { لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ } يَقُول : لِيَسْأَل بَعْضهمْ بَعْضًا { قَالَ قَائِل مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَتَسَاءَلُوا فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ لِأَصْحَابِهِ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِسْتَنْكَرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ طُول رَقْدَتهمْ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } يَقُول : فَأَجَابَهُ الْآخَرُونَ فَقَالُوا : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم . ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ , فَقَالَ الْآخَرُونَ : { رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ } فَسَلَّمُوا الْعِلْم إِلَى اللَّه .
وَقَوْله : { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } يَعْنِي مَدِينَتهمْ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا هُرَّابًا , الَّتِي تُسَمَّى أفسوس { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } ذَكَرَ أَنَّهُمْ هَبُّوا مِنْ رَقْدَتهمْ جِيَاعًا , فَلِذَلِكَ طَلَبُوا الطَّعَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَذُكِرَ السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله ذُكِرَ أَنَّهُمْ بُعِثُوا مِنْ رَقْدَتهمْ حِين بَعَثُوا مِنْهَا : 17305 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن بشروس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : إِنَّهُمْ غَبَّرُوا , يَعْنِي الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف بَعْد مَا بُنِيَ عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف زَمَانًا بَعْد زَمَان , ثُمَّ إِنَّ رَاعِيًا أَدْرَكَهُ الْمَطَر عِنْد الْكَهْف , فَقَالَ : لَوْ فَتَحْت هَذَا الْكَهْف وَأَدْخَلْت غَنَمِي مِنْ الْمَطَر , فَلَمْ يَزَلْ يُعَالِجهُ حَتَّى فُتِحَ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ , وَرَدَّ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَامهمْ مِنْ الْغَد حِين أَصْبَحُوا , فَبَعَثُوا أَحَدهمْ بِوَرِقٍ يَشْتَرِي طَعَامًا ; فَلَمَّا أَتَى بَاب مَدِينَتهمْ , رَأَى شَيْئًا يُنْكِرهُ , حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَجُل فَقَالَ : بِعْنِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِم طَعَامًا , فَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لَك هَذِهِ الدَّرَاهِم ؟ قَالَ : خَرَجَتْ أَنَا وَأَصْحَاب لِي أَمْس , فَآوَانَا اللَّيْل , ثُمَّ أَصْبَحُوا , فَأَرْسَلُونِي , فَقَالَ : هَذِهِ الدَّرَاهِم كَانَتْ عَلَى عَهْد مُلْك فُلَان , فَأَنَّى لَك بِهَا ؟ فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذِهِ الْوَرِق ؟ قَالَ : خَرَجْت أَنَا وَأَصْحَاب لِي أَمْس , حَتَّى أَدْرَكْنَا اللَّيْل فِي كَهْف كَذَا وَكَذَا , ثُمَّ أَمَرُونِي أَنْ أَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا ; قَالَ : وَأَيْنَ أَصْحَابك ؟ قَالَ : فِي الْكَهْف ; قَالَ : فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا بَاب الْكَهْف , فَقَالَ : دَعُونِي أَدْخُل عَلَى أَصْحَابِي قَبْلكُمْ ; فَلَمَّا رَأَوْهُ , وَدَنَا مِنْهُمْ ضُرِبَ عَلَى أُذُنه وَآذَانهمْ , فَجَعَلُوا كُلَّمَا دَخَلَ رَجُل أُرْعِبَ , فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ , فَبَنَوْا عِنْدهمْ كَنِيسَة , اِتَّخَذُوهَا مَسْجِدًا يُصَلُّونَ فِيهِ . 17306 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف أَبْنَاء مُلُوك الرُّوم , رَزَقَهُمْ اللَّه الْإِسْلَام , فَتَعَوَّذُوا بِدِينِهِمْ , وَاعْتَزَلُوا قَوْمهمْ , حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف , فَضَرَبَ اللَّه عَلَى سَمْعهمْ , فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا , حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتهمْ , وَجَاءَتْ أُمَّة مُسْلِمَة , وَكَانَ مَلِكهمْ مُسْلِمًا , فَاخْتَلَفُوا فِي الرُّوح وَالْجَسَد , فَقَالَ قَائِل : يَبْعَث الرُّوح وَالْجَسَد جَمِيعًا ; وَقَالَ قَائِل : يَبْعَث الرُّوح , فَأَمَّا الْجَسَد فَتَأْكُلهُ الْأَرْض , فَلَا يَكُون شَيْئًا ; فَشَقَّ عَلَى مَلِكهمْ اِخْتِلَافهمْ , فَانْطَلَقَ فَلَبِسَ الْمُسُوح , وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَاد , ثُمَّ دَعَا اللَّه تَعَالَى فَقَالَ : أَيْ رَبّ , قَدْ تَرَى اِخْتِلَاف هَؤُلَاءِ , فَابْعَثْ لَهُمْ آيَة تُبَيِّن لَهُمْ , فَبَعَثَ اللَّه أَصْحَاب الْكَهْف , فَبَعَثُوا أَحَدهمْ يَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا , فَدَخَلَ السُّوق , فَجَعَلَ يُنْكِر الْوُجُوه , وَيَعْرِف الطُّرُق , وَيَرَى الْإِيمَان بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا , فَانْطَلَقَ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ حَتَّى أَتَى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنْهُ طَعَامًا ; فَلَمَّا نَظَرَ الرَّجُل إِلَى الْوَرِق أَنْكَرَهَا , قَالَ : حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ : كَأَنَّهَا أَخْفَاف الرُّبَع , يَعْنِي الْإِبِل الصِّغَار , فَقَالَ لَهُ الْفَتَى : أَلَيْسَ مَلِككُمْ فُلَانًا ؟ قَالَ : بَلْ مَلِكنَا فُلَان ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ بَيْنهمَا حَتَّى رَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , فَسَأَلَهُ , فَأَخْبَرَهُ الْفَتَى خَبَر أَصْحَابه , فَبَعَثَ الْمَلِك فِي النَّاس , فَجَمَعَهُمْ , فَقَالَ : إِنَّكُمْ قَدْ اِخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوح وَالْجَسَد , وَإِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَة , فَهَذَا رَجُل مِنْ قَوْم فُلَان , يَعْنِي مَلِكهمْ الَّذِي مَضَى , فَقَالَ الْفَتَى : اِنْطَلِقُوا بِي إِلَى أَصْحَابِي ; فَرَكِبَ الْمَلِك , وَرَكِبَ مَعَهُ النَّاس حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف ; فَقَالَ الْفَتَى دَعُونِي أَدْخُل إِلَى أَصْحَابِي , فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ ضُرِبَ عَلَى أُذُنه وَعَلَى آذَانهمْ ; فَلَمَّا اِسْتَبْطَئُوهُ دَخَلَ الْمَلِك , وَدَخَلَ النَّاس مَعَهُ , فَإِذَا أَجْسَاد لَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا , غَيْر أَنَّهَا لَا أَرْوَاح فِيهَا , فَقَالَ الْمَلِك : هَذِهِ آيَة بَعَثَهَا اللَّه لَكُمْ . قَالَ قَتَادَة : وَعَنْ اِبْن عَبَّاس , كَانَ قَدْ غَزَا مَعَ حَبِيب بْن مُسْلِمَة , فَمَرُّوا بِالْكَهْفِ , فَإِذَا فِيهِ عِظَام , فَقَالَ رَجُل : هَذِهِ عِظَام أَصْحَاب الْكَهْف , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَقَدْ ذَهَبَتْ عِظَامهمْ مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة . 17307 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِيمَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيث أَصْحَاب الْكَهْف , قَالَ : ثُمَّ مَلَكَ أَهْل تِلْكَ الْبِلَاد رَجُل صَالِح يُقَال لَهُ تيذوسيس ; فَلَمَّا مَلَكَ بَقِيَ مُلْكه ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ سَنَة , فَتَحَزَّبَ النَّاس فِي مُلْكه , فَكَانُوا أَحْزَابًا , فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ , وَيَعْلَم أَنَّ السَّاعَة حَقّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّب , فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِك الصَّالِح تيذوسيس , وَبَكَى إِلَى اللَّه وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ , وَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا لَمَّا رَأَى أَهْل الْبَاطِل يَزِيدُونَ وَيَظْهَرُونَ عَلَى أَهْل الْحَقّ وَيَقُولُونَ : لَا حَيَاة إِلَّا الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا تُبْعَث النُّفُوس , وَلَا تُبْعَث الْأَجْسَاد , وَنَسُوا مَا فِي الْكِتَاب ; فَجَعَلَ تيذوسيس يُرْسِل إِلَى مَنْ يَظُنّ فِيهِ خَيْرًا , وَأَنَّهُمْ أَئِمَّة فِي الْحَقّ , فَجَعَلُوا يُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ , حَتَّى كَادُوا أَنْ يَحُولُوا النَّاس عَنْ الْحَقّ وَمِلَّة الْحَوَارِيِّينَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِك الصَّالِح تيذوسيس , دَخَلَ بَيْته فَأَغْلَقَهُ عَلَيْهِ , وَلَبِسَ مِسْحًا وَجَعَلَ تَحْته رَمَادًا , ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ , فَدَأَبَ ذَلِكَ لَيْله وَنَهَاره زَمَانًا يَتَضَرَّع إِلَى اللَّه , وَيَبْكِي إِلَيْهِ مِمَّا يَرَى فِيهِ النَّاس ; ثُمَّ إِنَّ الرَّحْمَن الرَّحِيم الَّذِي يَكْرَه هَلَكَة الْعِبَاد , أَرَادَ أَنْ يَظْهَر عَلَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , وَيُبَيِّن لِلنَّاسِ شَأْنهمْ , وَيَجْعَلهُمْ آيَة لَهُمْ , وَحُجَّة عَلَيْهِمْ , لِيَعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنْ يَسْتَجِيب لِعَبْدِهِ الصَّالِح تيذوسيس , وَيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْهِ , فَلَا يَنْزِع مِنْهُ مُلْكه , وَلَا الْإِيمَان الَّذِي أَعْطَاهُ , وَأَنْ يَعْبُد اللَّه لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَأَنْ يُجْمَع مَنْ كَانَ تَبَدَّدَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , فَأَلْقَى اللَّه فِي نَفْس رَجُل مِنْ أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد الَّذِي بِهِ الْكَهْف , وَكَانَ الْجَبَل بنجلوس الَّذِي فِيهِ الْكَهْف لِذَاكَ الرَّجُل , وَكَانَ اِسْم ذَلِكَ الرَّجُل أولياس , أَنْ يَهْدِم الْبُنْيَان الَّذِي عَلَى فَم الْكَهْف , فَيَبْنِي بِهِ حَظِيرَة لِغَنَمِهِ , فَاسْتَأْجَرَ عَامِلَيْنِ , فَجَعَلَا يَنْزِعَانِ تِلْكَ الْحِجَارَة , وَيَبْنِيَانِ بِهَا تِلْكَ الْحَظِيرَة , حَتَّى نَزَعَا مَا عَلَى فَم الْكَهْف , حَتَّى فَتَحَا عَنْهُمْ بَاب الْكَهْف , وَحَجَبَهُمْ اللَّه مِنْ النَّاس بِالرُّعْبِ ; فَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَشْجَع مَنْ يُرِيد أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِمْ غَايَة مَا يُمْكِنهُ أَنْ يَدْخُل مِنْ بَاب الْكَهْف , ثُمَّ يَتَقَدَّم حَتَّى يَرَى كَلْبهمْ دُونهمْ إِلَى بَاب الْكَهْف نَائِمًا ; فَلَمَّا نَزَعَا الْحِجَارَة , وَفَتَحَا عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف , أَذِنَ اللَّه ذُو الْقُدْرَة وَالْعَظَمَة وَالسُّلْطَان مُحْيِي الْمَوْتَى لِلْفِتْيَةِ أَنْ يَجْلِسُوا بَيْن ظَهْرَيْ الْكَهْف , فَجَلَسُوا فَرِحِينَ مُسْفِرَة وُجُوههمْ طَيِّبَة أَنْفُسهمْ , فَسَلَّمَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , حَتَّى كَأَنَّمَا اِسْتَيْقَظُوا مِنْ سَاعَتهمْ الَّتِي كَانُوا يَسْتَيْقِظُونَ لَهَا إِذَا أَصْبَحُوا مِنْ لَيْلَتهمْ الَّتِي يَبِيتُونَ فِيهَا . ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة فَصَلَّوْا , كَاَلَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ , لَا يَرَوْنَ , وَلَا يُرَى فِي وُجُوههمْ , وَلَا أَبْشَارهمْ , وَلَا أَلْوَانهمْ شَيْء يُنْكِرُونَهُ كَهَيْئَتِهِمْ حِين رَقَدُوا بِعَشِيٍّ أَمْس , وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَلِكهمْ دقينوس الْجَبَّار فِي طَلَبهمْ وَالْتِمَاسهمْ . فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتهمْ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ , قَالُوا ليمليخا , وَكَانَ هُوَ صَاحِب نَفَقَتهمْ , الَّذِي كَانَ يَبْتَاع لَهُمْ طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ مِنْ الْمَدِينَة , وَجَاءَهُمْ بِالْخَبَرِ أَنَّ دقينوس يَلْتَمِسْنَهُمْ , وَيَسْأَل عَنْهُمْ : أَنْبِئْنَا يَا أَخِي مَا الَّذِي قَالَ النَّاس فِي شَأْننَا عَشِيّ أَمْسَى عِنْد هَذَا الْجَبَّار ؟ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ رَقَدُوا كَبَعْضِ مَا كَانُوا يَرْقُدُونَ , وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ نَامُوا كَأَطْوَل مَا كَانُوا يَنَامُونَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَصْبَحُوا فِيهَا , حَتَّى تَسَاءَلُوا بَيْنهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } نِيَامًا ؟ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم قَالُوا رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ } وَكُلّ ذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ يَسِير . فَقَالَ لَهُمْ يمليخا : اِفْتَقَدْتُمْ وَالْتَمَسْتُمْ بِالْمَدِينَةِ , وَهُوَ يُرِيد أَنْ يُؤْتَى بِكُمْ الْيَوْم , فَتَذْبَحُونَ لِلطَّوَاغِيتِ , أَوْ يَقْتُلكُمْ , فَمَا شَاءَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ . فَقَالَ لَهُمْ مكسلمينا : يَا إِخْوَتاه اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقَوْنَ , فَلَا تَكْفُرُوا بَعْد إِيمَانكُمْ إِذَا دَعَاكُمْ عَدُوّ اللَّه , وَلَا تُنْكِرُوا الْحَيَاة الَّتِي لَا تَبِيد بَعْد إِيمَانكُمْ بِاَللَّهِ , وَالْحَيَاة مِنْ بَعْد الْمَوْت ; ثُمَّ قَالُوا ليمليخا : اِنْطَلِقْ إِلَى الْمَدِينَة فَتَسَمَّعْ مَا يُقَال لَنَا بِهَا الْيَوْم , وَمَا الَّذِي نُذْكَر بِهِ عِنْد دقينوس , وَتَلَطَّفْ , وَلَا يَشْعُرَن بِنَا أَحَد , وَابْتَعْ لَنَا طَعَامًا فَأْتِنَا بِهِ , فَإِنَّهُ قَدْ آنَ لَك , وَزِدْنَا عَلَى الطَّعَام الَّذِي قَدْ جِئْتنَا بِهِ , فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ قَلِيلًا , فَقَدْ أَصْبَحْنَا جِيَاعًا ; فَفَعَلَ يمليخا كَمَا كَانَ يَفْعَل , وَوَضَعَ ثِيَابه , وَأَخَذَ الثِّيَاب الَّتِي كَانَ يَتَنَكَّر فِيهَا , وَأَخَذَ وَرِقًا مِنْ نَفَقَتهمْ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُمْ , الَّتِي ضُرِبَتْ بِطَابَعِ دقينوس الْمَلِك , فَانْطَلَقَ يمليخا خَارِجًا ; فَلَمَّا مَرَّ بِبَابِ الْكَهْف , رَأَى الْحِجَارَة مَنْزُوعَة عَنْ بَاب الْكَهْف , فَعَجِبَ مِنْهَا , ثُمَّ مَرَّ فَلَمْ يُبَالِ بِهَا , حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة مُسْتَخْفِيًا يَصُدّ عَنْ الطَّرِيق تَخَوُّفًا أَنْ يَرَاهُ أَحَد مِنْ أَهْلهَا , فَيَعْرِفهُ , فَيَذْهَب بِهِ إِلَى دقينوس , وَلَا يَشْعُر الْعَبْد الصَّالِح أَنَّ دقينوس وَأَهْل زَمَانه قَدْ هَلَكُوا قَبْل ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِائَة وَتِسْع سِنِينَ , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ ; إِذْ كَانَ مَا بَيْن أَنْ نَامُوا إِلَى أَنْ اِسْتَيْقَظُوا ثَلَاث مِائَة وَتِسْع سِنِينَ . فَلَمَّا رَأَى يمليخا بَاب الْمَدِينَة رَفَعَ بَصَره , فَرَأَى فَوْق ظَهْر الْبَاب عَلَامَة تَكُون لِأَهْلِ الْإِيمَان , إِذَا كَانَ ظَاهِرًا فِيهَا ; فَلَمَّا رَآهَا عَجِبَ وَجَعَلَ يَنْظُر مُسْتَخْفِيًا إِلَيْهَا ; فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا , فَتَعَجَّبَ بَيْنه وَبَيْن نَفْسه , ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ الْبَاب , فَتَحَوَّلَ إِلَى بَاب آخَر مِنْ أَبْوَابهَا , فَنَظَرَ فَرَأَى مِنْ ذَلِكَ مَا يُحِيط بِالْمَدِينَةِ كُلّهَا , وَرَأَى عَلَى كُلّ بَاب مِثْل ذَلِكَ ; فَجَعَلَ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّ الْمَدِينَة لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ يَعْرِف , وَرَأَى نَاسًا كَثِيرِينَ مُحْدَثِينَ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُمْ قَبْل ذَلِكَ , فَجَعَلَ يَمْشِي وَيَعْجَب وَيُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ حَيْرَان ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَاب الَّذِي أَتَى مِنْهُ , فَجَعَلَ يَعْجَب بَيْنه وَبَيْن نَفْسه وَيَقُول : يَا لَيْتَ شِعْرِي , أَمَّا هَذِهِ عَشِيَّة أَمْس , فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُخْفُونَ هَذِهِ الْعَلَامَة وَيَسْتَخْفُونَ بِهَا , وَأَمَّا الْيَوْم فَإِنَّهَا ظَاهِرَة ! لَعَلِّي حَالِم ؟ ! ثُمَّ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِمٍ ; فَأَخَذَ كِسَاءَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسه , ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَة , فَجَعَلَ يَمْشِي بَيْن ظَهْرَيْ سُوقهَا , فَيَسْمَع أُنَاسًا كَثِيرًا يَحْلِفُونَ بِاسْمِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَزَادَهُ فَرَقًا , وَرَأَى أَنَّهُ حَيْرَان , فَقَامَ مُسْنَدًا ظَهْره إِلَى جِدَار مِنْ جُدُر الْمَدِينَة وَيَقُول فِي نَفْسه : وَاَللَّه مَا أَدْرِي مَا هَذَا ! أَمَّا عَشِيَّة أَمْس فَلَيْسَ عَلَى الْأَرْض إِنْسَان يَذْكُر عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قُتِلَ ; وَأَمَّا الْغَدَاة فَأَسْمَعهُمْ , وَكُلّ إِنْسَان يَذْكُر أَمْر عِيسَى لَا يَخَاف ! ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسه : لَعَلَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَعْرِف أَسْمَع كَلَام أَهْلهَا وَلَا أَعْرِف أَحَدًا مِنْهُمْ , وَاَللَّه مَا أَعْلَم مَدِينَة قُرْب مَدِينَتنَا ! فَقَامَ كَالْحَيْرَانِ لَا يَتَوَجَّه وَجْهًا ; ثُمَّ لَقِيَ فَتًى مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , فَقَالَ لَهُ : مَا اِسْم هَذِهِ الْمَدِينَة يَا فَتَى ؟ قَالَ : اِسْمهَا أفسوس , فَقَالَ فِي نَفْسه : لَعَلَّ بِي مَسًّا , أَوْ بِي أَمْر أَذْهَبَ عَقْلِي ؟ ! وَاَللَّه يَحِقّ لِي أَنْ أُسْرِع الْخُرُوج مِنْهَا قَبْل أَنْ أُخْزَى فِيهَا أَوْ يُصِيبنِي شَرّ فَأَهْلك . هَذَا الَّذِي يُحَدِّث بِهِ يمليخا أَصْحَابه حِين تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا بِهِ . ثُمَّ إِنَّهُ أَفَاقَ فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ عَجَّلْت الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة قَبْل أَنْ يُفْطَن بِي لَكَانَ أَكْيَس لِي ; فَدَنَا مِنْ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطَّعَام , فَأَخْرَجَ الْوَرِق الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ , فَأَعْطَاهَا رَجُلًا مِنْهُمْ , فَقَالَ : بِعْنِي بِهَذِهِ الْوَرِق يَا عَبْد اللَّه طَعَامًا . فَأَخَذَهَا الرَّجُل , فَنَظَرَ إِلَى ضَرْب الْوَرِق وَنَقْشهَا , فَعَجِبَ مِنْهَا , ثُمَّ طَرَحَهَا إِلَى رَجُل مِنْ أَصْحَابه , فَنَظَرَ إِلَيْهَا , ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَارَحُونَهَا بَيْنهمْ مِنْ رَجُل إِلَى رَجُل , وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا , ثُمَّ جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ بَيْنهمْ وَيَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل قَدْ أَصَابَ كَنْزًا خَبِيئًا فِي الْأَرْض مُنْذُ زَمَان وَدَهْر طَوِيل ; فَلَمَّا رَآهُمْ يَتَشَاوَرُونَ مِنْ أَجْله فَرَقَ فَرَقًا شَدِيدًا , وَجَعَلَ يَرْتَعِد وَيَظُنّ أَنَّهُمْ قَدْ فَطِنُوا بِهِ وَعَرَفُوهُ , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكهمْ دقينوس يُسَلِّمُونَهُ إِلَيْهِ . وَجَعَلَ أُنَاس آخَرُونَ يَأْتُونَهُ فَيَتَعَرَّفُونَهُ , فَقَالَ لَهُمْ وَهُوَ شَدِيد الْفَرَق مِنْهُمْ : أَفْضِلُوا عَلَيَّ , فَقَدْ أَخَذْتُمْ وَرِقِي فَأَمْسِكُوا , وَأَمَّا طَعَامكُمْ فَلَا حَاجَة لِي بِهِ . قَالُوا لَهُ : مَنْ أَنْتَ يَا فَتَى , وَمَا شَأْنك ؟ وَاَللَّه لَقَدْ وَجَدْت كَنْزًا مِنْ كُنُوز الْأَوَّلِينَ , فَأَنْتَ تُرِيد أَنْ تُخْفِيه مِنَّا , فَانْطَلِقْ مَعَنَا فَأَرِنَاهُ وَشَارِكْنَا فِيهِ , نُخْفِ عَلَيْك مَا وَجَدْت , فَإِنَّك إِنْ لَا تَفْعَل نَأْتِ بِك السُّلْطَان , فَنُسَلِّمك إِلَيْهِ فَيَقْتُلك . فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلهمْ , عَجِبَ فِي نَفْسه فَقَالَ : قَدْ وَقَعْت فِي كُلّ شَيْء كُنْت أَحْذَر مِنْهُ ! ثُمَّ قَالُوا : يَا فَتَى إِنَّك وَاَللَّه مَا تَسْتَطِيع أَنْ تَكْتُم مَا وَجَدْت , وَلَا تَظُنّ فِي نَفْسك أَنَّهُ سَيَخْفَى حَالك . فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُول لَهُمْ وَمَا يَرْجِع إِلَيْهِمْ , وَفَرِقَ حَتَّى مَا يَحِيرُ إِلَيْهِمْ جَوَابًا ; فَلَمَّا رَأَوْهُ لَا يَتَكَلَّم أَخَذُوا كِسَاءَهُ فَطَوَّقُوهُ فِي عُنُقه , ثُمَّ جَعَلُوا يَقُودُونَهُ فِي سِكَك الْمَدِينَة مُلَبَّبًا , حَتَّى سَمِعَ بِهِ مَنْ فِيهَا , فَقِيلَ : أُخِذَ رَجُل عِنْده كَنْز ! . وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْمَدِينَة صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ , فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ : وَاَللَّه مَا هَذَا الْفَتَى مِنْ أَهْل هَذِهِ الْمَدِينَة , وَمَا رَأَيْنَاهُ فِيهَا قَطُّ , وَمَا نَعْرِفهُ ; فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُول لَهُمْ , مَعَ مَا يَسْمَع مِنْهُمْ ; فَلَمَّا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْل الْمَدِينَة , فَرِقَ , فَسَكَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّم ; وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة لَمْ يُصَدَّق . وَكَانَ مُسْتَيْقِنًا أَنَّ أَبَاهُ وَإِخْوَته بِالْمَدِينَةِ , وَأَنَّ حَسْبه مِنْ أَهْل الْمَدِينَة مِنْ عُظَمَاء أَهْلهَا , وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَهُ إِذَا سَمِعُوا , وَقَدْ اِسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ عَشِيَّة أَمْس يَعْرِف كَثِيرًا مِنْ أَهْلهَا , وَأَنَّهُ لَا يَعْرِف الْيَوْم مِنْ أَهْلهَا أَحَدًا . فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم كَالْحَيْرَانِ يَنْتَظِر مَتَى يَأْتِهِ بَعْض أَهْله , أَبُوهُ أَوْ بَعْض إِخْوَته فَيُخَلِّصهُ مِنْ أَيْدِيهمْ , إِذْ اِخْتَطَفُوهُ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى رَئِيسَيْ الْمَدِينَة وَمُدَبِّرَيْهَا اللَّذَيْنِ يُدَبِّرَانِ أَمْرهَا , وَهُمَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ , كَانَ اِسْم أَحَدهمَا أريوس , وَاسْم الْآخَر أسطيوس ; فَلَمَّا اِنْطَلَقَ بِهِ إِلَيْهِمَا , ظَنَّ يمليخا أَنَّهُ يَنْطَلِق بِهِ إِلَى دقينوس الْجَبَّار مَلِكهمْ الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ , فَجَعَلَ يَلْتَفِت يَمِينًا وَشِمَالًا , وَجَعَلَ النَّاس يَسْخَرُونَ مِنْهُ , كَمَا يُسْخَر مِنْ الْمَجْنُون وَالْحَيْرَان , فَجَعَلَ يمليخا يَبْكِي . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء وَإِلَى اللَّه , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِلَه السَّمَاوَات وَالْأَرْض , أَوْلِجْ مَعِي رُوحًا مِنْك الْيَوْم تُؤَيِّدنِي بِهِ عِنْد هَذَا الْجَبَّار . وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُول فِي نَفْسه : فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْن إِخْوَتِي ! يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا لَقِيت , وَأَنِّي يُذْهَب بِي إِلَى دقينوس الْجَبَّار ; فَلَوْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ , فَيَأْتُونَ , فَنَقُوم جَمِيعًا بَيْن يَدَيْ دقينوس ; فَإِنَّا كُنَّا تَوَاثَقْنَا لَنَكُونَنَّ مَعًا , لَا نَكْفُر بِاَللَّهِ وَلَا نُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَلَا نَعْبُد الطَّوَاغِيت مِنْ دُون اللَّه . فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ , فَلَنْ يَرَوْنِي وَلَنْ أَرَاهُمْ أَبَدًا ; وَقَدْ كُنَّا تَوَاثَقْنَا أَنْ لَا نَفْتَرِق فِي حَيَاة وَلَا مَوْت أَبَدًا . يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ فَاعِل بِي ؟ أَقَاتِلِي هُوَ أَمْ لَا ؟ ذَلِكَ الَّذِي يُحَدِّث بِهِ يمليخا نَفْسه فِيمَا أَخْبَرَ أَصْحَابه حِين رَجَعَ إِلَيْهِمْ . فَلَمَّا اِنْتَهَى إِلَى الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ أريوس وأسطيوس , فَلَمَّا رَأَى يمليخا أَنَّهُ لَمْ يُذْهَب بِهِ إِلَى دقينوس , أَفَاقَ وَسَكَنَ عَنْهُ الْبُكَاء ; فَأَخَذَ أريوس وأسطيوس الْوَرِق فَنَظَرَا إِلَيْهَا وَعَجِبَا مِنْهَا , ثُمَّ قَالَ أَحَدهمَا : أَيْنَ الْكَنْز الَّذِي وَجَدْت يَا فَتَى ؟ هَذَا الْوَرِق يَشْهَد عَلَيْك أَنَّك قَدْ وَجَدْت كَنْزًا ! فَقَالَ لَهُمَا يمليخا : مَا وَجَدْت كَنْزًا وَلَكِنَّ هَذِهِ الْوَرِق وَرِق آبَائِي , وَنَقْش هَذِهِ الْمَدِينَة وَضَرْبهَا , وَلَكِنْ وَاَللَّه مَا أَدْرِي مَا شَأْنِي , وَمَا أَدْرِي مَا أَقُول لَكُمْ ! فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ لَهُ يمليخا : مَا أَدْرِي , فَكُنْت أَرَى أَنِّي مِنْ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة , قَالُوا : فَمَنْ أَبُوك وَمَنْ يَعْرِفك بِهَا ؟ فَأَنْبَأَهُمْ بِاسْمِ أَبِيهِ , فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا يَعْرِفهُ وَلَا أَبَاهُ ; فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا : أَنْتَ رَجُل كَذَّاب لَا تُنَبِّئنَا بِالْحَقِّ ; فَلَمْ يَدْرِ يمليخا مَا يَقُول لَهُمْ , غَيْر أَنَّهُ نَكَّسَ بَصَره إِلَى الْأَرْض . فَقَالَ لَهُ بَعْض مَنْ حَوْله : هَذَا رَجُل مَجْنُون ! فَقَالَ بَعْضهمْ : لَيْسَ بِمَجْنُونٍ , وَلَكِنَّهُ يُحَمِّق نَفْسه عَمْدًا لِكَيْ يَنْفَلِت مِنْكُمْ ; فَقَالَ لَهُ أَحَدهمَا , وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا شَدِيدًا : أَتَظُنُّ أَنَّك إِذْ تَتَجَانَن نُرْسِلك وَنُصَدِّقك بِأَنَّ هَذَا مَال أَبِيك , وَضَرْب هَذِهِ الْوَرِق وَنَقْشهَا مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة ؟ ! وَإِنَّمَا أَنْتَ غُلَام شَابّ تَظُنّ أَنَّك تَأْفِكنَا , وَنَحْنُ شُمْط كَمَا تَرَى , وَحَوْلك سَرَاة أَهْل الْمَدِينَة , وَوُلَاة أَمْرهَا , إِنِّي لَأَظُنّنِي سَآمُرُ بِك فَتُعَذَّب عَذَابًا شَدِيدًا , ثُمَّ أُوثِقك حَتَّى تَعْتَرِف بِهَذَا الْكَنْز الَّذِي وَجَدْت . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ , قَالَ يمليخا : أَنْبِئُونِي عَنْ شَيْء أَسْأَلكُمْ عَنْهُ , فَإِنْ فَعَلْتُمْ صَدَقْتُكُمْ عَمَّا عِنْدِي ; أَرَأَيْتُمْ دقينوس الْمَلِك الَّذِي كَانَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَة عَشِيَّة أَمْس مَا فَعَلَ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل : لَيْسَ عَلَى وَجْه الْأَرْض رَجُل اِسْمه دقينوس , وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مَلِك قَدْ هَلَكَ مُنْذُ زَمَان وَدَهْر طَوِيل , وَهَلَكَتْ بَعْده قُرُون كَثِيرَة ! فَقَالَ لَهُ يمليخا : فَوَاَللَّهِ إِنِّي إِذًا لَحَيْرَان , وَمَا هُوَ بِمُصَدِّقٍ أَحَد مِنْ النَّاس بِمَا أَقُول ; وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت , لَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الْجَبَّار دقينوس , وَإِنِّي قَدْ رَأَيْته عَشِيَّة أَمْس حِين دَخَلَ مَدِينَة أفسوس , وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَمَدِينَة أفسوس هَذِهِ أَمْ لَا ؟ فَانْطَلِقَا مَعِي إِلَى الْكَهْف الَّذِي فِي جَبَل بنجلوس أُرِيكُمْ أَصْحَابِي . فَلَمَّا سَمِعَ أريوس مَا يَقُول يمليخا قَالَ : يَا قَوْم لَعَلَّ هَذِهِ آيَة مِنْ آيَات اللَّه جَعَلَهَا لَكُمْ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْفَتَى , فَانْطَلِقُوا بِنَا مَعَهُ يُرِنَا أَصْحَابه , كَمَا قَالَ . فَانْطَلَقَ مَعَهُ أريوس وأسطيوس , وَانْطَلَقَ مَعَهُمْ أَهْل الْمَدِينَة كَبِيرهمْ وَصَغِيرهمْ , نَحْو أَصْحَاب الْكَهْف لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ . وَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف يمليخا قَدْ اُحْتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابهمْ عَنْ الْقَدْر الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ , ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكهمْ دقينوس الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ . فَبَيْنَمَا هُمْ يَظُنُّونَ ذَلِكَ وَيَتَخَوَّفُونَهُ , إِذْ سَمِعُوا الْأَصْوَات وَجَلَبَة الْخَيْل مُصَعَّدَة نَحْوهمْ , فَظَنُّوا أَنَّهُمْ رُسُل الْجَبَّار دقينوس بَعَثَ إِلَيْهِمْ لِيُؤْتِيَ بِهِمْ , فَقَامُوا حِين سَمِعُوا ذَلِكَ إِلَى الصَّلَاة , وَسَلَّمَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَأَوْصَى بَعْضهمْ بَعْضًا , وَقَالُوا : اِنْطَلِقُوا بِنَا نَأْتِ أَخَانَا يمليخا , فَإِنَّهُ الْآن بَيْن يَدَيْ الْجَبَّار دقينوس يَنْتَظِر مَتَى نَأْتِهِ . فَبَيْنَمَا هُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ , وَهُمْ جُلُوس بَيْن ظَهْرَيْ الْكَهْف , فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا أريوس وَأَصْحَابه وُقُوفًا عَلَى بَاب الْكَهْف . وَسَبَقَهُمْ يمليخا , فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَبْكِي . فَلَمَّا رَأَوْهُ يَبْكِي بَكَوْا مَعَهُ ; ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ شَأْنه , فَأَخْبَرَهُمْ خَبَره وَقَصَّ عَلَيْهِمْ النَّبَأ كُلّه , فَعَرَفُوا عِنْد ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا بِأَمْرِ اللَّه ذَلِكَ الزَّمَان كُلّه , وَإِنَّمَا أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آيَة لِلنَّاسِ , وَتَصْدِيقًا لِلْبَعْثِ , وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا . ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَر يمليخا أريوس , فَرَأَى تَابُوتًا مِنْ نُحَاس مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّة , فَقَامَ بِبَابِ الْكَهْف ; ثُمَّ دَعَا رِجَالًا مِنْ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة , فَفَتَحَ التَّابُوت عِنْدهمْ , فَوَجَدُوا فِيهِ لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاص , مَكْتُوبًا فِيهِمَا كِتَاب , فَقَرَأَهُمَا فَوَجَدَ فِيهِمَا : أَنَّ مكسلمينا , ومحسلمينا , ويمليخا , ومرطونس , وكسطونس , ويبورس , ويكرنوس , ويطبيونس , وقالوش , كَانُوا فِتْيَة هَرَبُوا مِنْ مَلِكهمْ دقينوس الْجَبَّار , مَخَافَة أَنْ يَفْتِنهُمْ عَنْ دِينهمْ , فَدَخَلُوا هَذَا الْكَهْف ; فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَكَانِهِمْ أَمَرَ بِالْكَهْفِ فَسُدَّ عَلَيْهِمْ بِالْحِجَارَةِ , وَإِنَّا كَتَبْنَا شَأْنهمْ وَقِصَّة خَبَرهمْ , لِيَعْلَمهُ مَنْ بَعْدهمْ إِنْ عُثِرَ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا قَرَءُوهُ , عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللَّه الَّذِي أَرَاهُمْ آيَة لِلْبَعْثِ فِيهِمْ , ثُمَّ رَفَعُوا أَصْوَاتهمْ بِحَمْدِ اللَّه وَتَسْبِيحه . ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى الْفِتْيَة الْكَهْف , فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا بَيْن ظَهْرَيْهِ , مُشْرِقَة وُجُوههمْ , لَمْ تَبْلَ ثِيَابهمْ . فَخَرَّ أريوس وَأَصْحَابه سُجُودًا , وَحَمِدُوا اللَّه الَّذِي أَرَاهُمْ آيَة مِنْ آيَاته . ثُمَّ كَلَّمَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَأَنْبَأَهُمْ الْفِتْيَة عَنْ الَّذِينَ لَقُوا مِنْ مَلِكهمْ دقينوس ذَلِكَ الْجَبَّار الَّذِي كَانُوا هَرَبُوا مِنْهُ . ثُمَّ إِنَّ أريوس وَأَصْحَابه بَعَثُوا بَرِيدًا إِلَى مَلِكهمْ الصَّالِح تيذوسيس , أَنْ عَجِّلْ لَعَلَّك تَنْظُر إِلَى آيَة مِنْ آيَات اللَّه , جَعَلَهَا اللَّه عَلَى مَلِكك , وَجَعَلَهَا آيَة لِلْعَالَمِينَ , لِتَكُونَ لَهُمْ نُورًا وَضِيَاء , وَتَصْدِيقًا بِالْبَعْثِ , فَاعْجَلْ عَلَى فِتْيَة بَعَثَهُمْ اللَّه , وَقَدْ كَانَ تَوَفَّاهُمْ مُنْذُ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث مِائَة سَنَة . فَلَمَّا أَتَى الْمَلِك تيذوسيس الْخَبَر , قَامَ مِنْ الْمُسْنَدَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا , وَرَجَعَ إِلَيْهِ رَأْيه وَعَقْله , وَذَهَبَ عَنْهُ هَمّه , وَرَجَعَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَقَالَ : أَحْمَدك اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , أَعْبُدك , وَأَحْمَدك , وَأُسَبِّح لَك ; تَطَوَّلْت عَلَيَّ , وَرَحِمْتنِي بِرَحْمَتِك , فَلَمْ تُطْفِئ النُّور الَّذِي كُنْت جَعَلْته لِآبَائِي , وَلِلْعَبْدِ الصَّالِح قسطيطينوس الْمَلِك , فَلَمَّا نَبَّأَ بِهِ أَهْل الْمَدِينَة رَكِبُوا إِلَيْهِ , وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا مَدِينَة أفسوس , فَتَلَقَّاهُمْ أَهْل الْمَدِينَة , وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى صَعِدُوا نَحْو الْكَهْف حَتَّى أَتَوْهُ ; فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة تيذوسيس , فَرِحُوا بِهِ , وَخَرُّوا سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ ; وَقَامَ تيذوسيس قُدَّامهمْ , ثُمَّ اِعْتَنَقَهُمْ وَبَكَى , وَهُمْ جُلُوس بَيْن يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض يُسَبِّحُونَ اللَّه وَيَحْمَدُونَهُ , وَيَقُول : وَاَللَّه مَا أَشْبَه بِكُمْ إِلَّا الْحَوَارِيُّونَ حِين رَأَوْا الْمَسِيح . وَقَالَ : فَرَّجَ اللَّه عَنْكُمْ , كَأَنَّكُمْ الَّذِي تُدْعَوْنَ فَتُحْشَرُونَ مِنْ الْقُبُور ! فَقَالَ الْفِتْيَة لتيذوسيس : إِنَّا نُوَدِّعك السَّلَام , وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه , حَفِظَك اللَّه , وَحَفِظَ لَك مَلِكك بِالسَّلَامِ , وَنُعِيذك بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ الْجِنّ وَالْإِنْس ; فَأَمَرَ بِعَيْشٍ مِنْ خُلَّر وَنَشِيل . إِنَّ أَسْوَأ مَا سَلَكَ فِي بَطْن الْإِنْسَان أَنْ لَا يَعْلَم شَيْئًا إِلَّا كَرَامَة إِنْ أُكْرِمَ بِهَا , وَلَا هَوَان إِنْ أُهِينَ بِهِ . فَبَيْنَمَا الْمَلِك قَائِم , إِذْ رَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعهمْ , فَنَامُوا , وَتَوَفَّى اللَّه أَنْفُسهمْ بِأَمْرِهِ . وَقَامَ الْمَلِك إِلَيْهِمْ , فَجَعَلَ ثِيَابه عَلَيْهِمْ , وَأَمَرَ أَنْ يَجْعَل لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ تَابُوت مِنْ ذَهَب ; فَلَمَّا أَمْسَوْا وَنَامَ , أَتَوْهُ فِي الْمَنَام , فَقَالُوا : إِنَّا لَمْ نُخْلَق مِنْ ذَهَب وَلَا فِضَّة , وَلَكِنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَاب وَإِلَى التُّرَاب نَصِير , فَاتْرُكْنَا كَمَا كُنَّا فِي الْكَهْف عَلَى التُّرَاب حَتَّى يَبْعَثنَا اللَّه مِنْهُ ; فَأَمَرَ الْمَلِك حِينَئِذٍ بِتَابُوتٍ مِنْ سَاج , فَجَعَلُوهُمْ فِيهِ , وَحَجَبَهُمْ اللَّه حِين خَرَجُوا مِنْ عِنْدهمْ بِالرُّعْبِ , فَلَمْ يَقْدِر أَحَد عَلَى أَنْ يَدْخُل عَلَيْهِمْ . وَأَمَرَ الْمَلِك فَجَعَلَ كَهْفهمْ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ , وَجَعَلَ لَهُمْ عِيدًا عَظِيمًا , وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى كُلّ سَنَة . فَهَذَا حَدِيث أَصْحَاب الْكَهْف . 17308 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : بَعَثَهُمْ اللَّه - يَعْنِي الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف - وَقَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِك مُسْلِم , يَعْنِي عَلَى أَهْل مَدِينَتهمْ ; وَسَلَّطَ اللَّه عَلَى الْفِتْيَة الْجُوع , فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ : { كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } قَالَ : فَرَدُّوا عِلْم ذَلِكَ إِلَى اللَّه , { قَالُوا رَبّكُمْ أَعْلَم بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } وَإِذَا مَعَهُمْ وَرِق مِنْ ضَرْب الْمَلِك الَّذِي كَانُوا فِي زَمَانه { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } : أَيْ بِطَعَامٍ { وَلَا يُشْعِرَن بِكُمْ أَحَدًا } . فَخَرَجَ أَحَدهمْ فَرَأَى الْمَعَالِم مُتَنَكِّرَة حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى الْمَدِينَة , فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاس لَا يَعْرِف مِنْهُمْ أَحَدًا ; فَخَرَجَ وَلَا يَعْرِفُونَهُ , حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى صَاحِب الطَّعَام , فَسَامَهُ بِطَعَامِهِ , فَقَالَ صَاحِب الطَّعَام : هَاتِ وَرِقك ; فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْوَرِق , فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْوَرِق ؟ قَالَ : هَذِهِ وَرِقنَا وَوَرِق أَهْل بِلَادنَا ! فَقَالَ : هَيْهَاتَ هَذِهِ الْوَرِق مِنْ ضَرْب فُلَان بْن فُلَان مُنْذُ ثَلَاث مِائَة وَتِسْع سِنِينَ ! أَنْتَ أَصَبْت كَنْزًا ; وَلَسْت بِتَارِكِك حَتَّى أَرْفَعك إِلَى الْمَلِك . فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِك , وَإِذَا الْمَلِك مُسْلِم وَأَصْحَابه مُسْلِمُونَ , فَفَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ , وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَمْره , وَأَخْبَرَهُمْ خَبَر أَصْحَابه ; فَبَعَثُوا إِلَى اللَّوْح فِي الْخِزَانَة , فَأَتَوْا بِهِ , فَوَافَقَ مَا وَصَفَ مِنْ أَمْرهمْ , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ هَؤُلَاءِ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مُسْلِمُونَ مِنَّا . فَانْطَلَقُوا مَعَهُ إِلَى الْكَهْف ; فَلَمَّا أَتَوْا بَاب الْكَهْف قَالَ : دَعُونِي حَتَّى أَدْخُل عَلَى أَصْحَابِي حَتَّى أُبَشِّرهُمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْكُمْ مَعِي أَرْعَبْتُمُوهُمْ ; فَدَخَلَ فَبَشَّرَهُمْ , وَقَبَضَ اللَّه أَرْوَاحهمْ . قَالَ : وَعَمَّى اللَّه عَلَيْهِمْ مَكَانهمْ , فَلَمْ يَهْتَدُوا , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا , فَإِنَّهُمْ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَنَعْبُد اللَّه فِيهَا . وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مِنَّا , نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ , وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ كَمَا بَيَّنَّا قَبْل , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره , كَذَلِكَ أَخْبَرَ عِبَاده فِي كِتَابه , وَإِنَّ اللَّه أَعْثَرَ عَلَيْهِمْ الْقَوْم الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَيْهِمْ , لِيَتَحَقَّق عِنْدهمْ بِبَعْثِ اللَّه هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة مِنْ رَقْدَتهمْ بَعْد طُول مُدَّتهَا بِهَيْئَتِهِمْ يَوْم رَقَدُوا , وَلَمْ يَشِيبُوا عَلَى مَرّ الْأَيَّام وَاللَّيَالِي عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَهْرَمُوا عَلَى كَرّ الدُّهُور وَالْأَزْمَان فِيهِمْ قُدْرَته عَلَى بَعْث مَنْ أَمَاتَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْره إِلَى مَوْقِف الْقِيَامَة يَوْم الْقِيَامَة , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره بِذَلِكَ أَخْبَرَنَا , فَقَالَ : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ وَأَنَّ السَّاعَة لَا رَيْب فِيهَا } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض الْعِرَاقِيِّينَ { بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الرَّاء وَالْقَاف . وَقَرَأَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : " بِوَرْقِكُمْ " بِسُكُونِ الرَّاء , وَكَسْر الْقَاف . وَقَرَأَهُ بَعْض الْمَكِّيِّينَ بِكَسْرِ الرَّاء , وَإِدْغَام الْقَاف فِي الْكَاف , وَكُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مُتَّفِقَات الْمَعَانِي , وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظ مِنْهَا , وَهُنَّ لُغَات مَعْرُوفَات مِنْ كَلَام الْعَرَب , غَيْر أَنَّ الْأَصْل فِي ذَلِكَ فَتْح الْوَاو وَكَسْر الرَّاء وَالْقَاف , لِأَنَّهُ الْوَرِق , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَاخِل عَلَيْهِ طَلَب التَّخْفِيف . وَفِيهِ أَيْضًا لُغَة أُخْرَى وَهُوَ " الْوَرْق " , كَمَا يُقَال لِلْكَبِدِ كَبْد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْل , فَالْقِرَاءَة بِهِ إِلَيَّ أَعْجَب , مِنْ غَيْر أَنْ تَكُون الْأُخْرَيَانِ مَدْفُوعَة صِحَّتهمَا , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِأَنَّ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ بِالْوَرِقِ إِلَى الْمَدِينَة كَانَ اِسْمه يمليخا . وَقَدْ : 17309 - حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُقَاتِل { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } اِسْمه يمليخ .
وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ فَلْيَنْظُرْ أَيّ أَهْل الْمَدِينَة أَكْثَر طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17310 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : أَكْثَر . * - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَيّه أَكْثَر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَيّهَا أَحَلّ طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17311 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : أَحَلّ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : أَيّهَا خَيْر طَعَامًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17312 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَزْكَى طَعَامًا } قَالَ : خَيْر طَعَامًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَحَلّ وَأَطْهَر , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي اِخْتِيَار الْأَكْثَر طَعَامًا لِلشِّرَاءِ مِنْهُ إِلَّا بِمَعْنَى إِذَا كَانَ أَكْثَرهمْ طَعَامًا , كَانَ خَلِيقًا أَنْ يَكُون الْأَفْضَل مِنْهُ عِنْده أَوْجَد , وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الْمَأْمُور الشِّرَاء مِنْ صَاحِب الْأَفْضَل , فَقَدْ أُمِرَ بِشِرَاء الْجَيِّد , كَانَ مَا عِنْد الْمُشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ قَلِيلًا الْجَيِّد أَوْ كَثِيرًا , وَإِنَّمَا وَجْه مِنْ وَجْه تَأْوِيل أَزْكَى إِلَى الْأَكْثَر , لِأَنَّهُ وَجَدَ الْعَرَب تَقُول : قَدْ زَكَا مَال فُلَان : إِذَا كَثُرَ , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَبَائِلنَا سَبْع وَأَنْتُمْ ثَلَاثَة وَلِلسَّبْعِ أَزْكَى مِنْ ثَلَاث وَأَطْيَب بِمَعْنَى : أَكْثَر , وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْحَلَال الْجَيِّد وَإِنْ قَلَّ , أَكْثَر مِنْ الْحَرَام الْخَبِيث وَإِنْ كَثُرَ . وَقِيلَ : { فَلْيَنْظُرْ أَيّهَا } فَأُضِيفَ إِلَى كِنَايَة الْمَدِينَة , وَالْمُرَاد بِهَا أَهْلهَا , لِأَنَّ تَأْوِيل الْكَلَام : فَلْيَنْظُرْ أَيّ أَهْلهَا أَزْكَى طَعَامًا لِمَعْرِفَةِ السَّامِع بِالْمُرَادِ مِنْ الْكَلَام . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ { أَيّهَا أَزْكَى طَعَامًا } : أَيّهَا أَحَلّ , مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ كَانُوا فَارَقُوا قَوْمهمْ وَهُمْ أَهْل أَوْثَان , فَلَمْ يَسْتَجِيزُوا أَكْل ذَبِيحَتهمْ.
وَقَوْله : { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } يَقُول : فَلْيَأْتِكُمْ بِقُوتٍ مِنْهُ تَقْتَاتُونَهُ , وَطَعَام تَأْكُلُونَهُ , كَمَا : 17313 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } قَالَ : بِطَعَامٍ . وَقَوْله : { وَلْيَتَلَطَّفْ } يَقُول : وَلْيَتَرَفَّقْ فِي شِرَائِهِ مَا يَشْتَرِي , وَفِي طَرِيقه وَدُخُوله الْمَدِينَة . { وَلَا يُشْعِرَن بِكُمْ أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يُعْلِمَن بِكُمْ أَحَدًا مِنْ النَّاس .
إِنَّهُمۡ إِن یَظۡهَرُواْ عَلَیۡكُمۡ یَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ یُعِیدُوكُمۡ فِی مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوۤاْ إِذًا أَبَدࣰا ﴿٢٠﴾
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } يَعْنُونَ بِذَلِكَ : دقينوس وَأَصْحَابه ; قَالُوا : إِنَّ دقينوس وَأَصْحَابه إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ , فَيَعْلَمُوا مَكَانكُمْ , يَرْجُمُوكُمْ شَتْمًا بِالْقَوْلِ , كَمَا : 17314 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } قَالَ : يَشْتُمُوكُمْ بِالْقَوْلِ , يُؤْذُوكُمْ .
وَقَوْله : { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتهمْ } يَقُول : أَوْ يَرُدُّوكُمْ فِي دِينهمْ , فَتَصِيرُوا كُفَّارًا بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان.
{ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } يَقُول : وَلَنْ تُدْرِكُوا الْفَلَاح , وَهُوَ الْبَقَاء الدَّائِم وَالْخُلُود فِي الْجِنَان , إِذَنْ : أَيْ إِنْ أَنْتُمْ عُدْتُمْ فِي مِلَّتهمْ . أَبَدًا : أَيَّام حَيَاتكُمْ .
وَقَوْله : { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتهمْ } يَقُول : أَوْ يَرُدُّوكُمْ فِي دِينهمْ , فَتَصِيرُوا كُفَّارًا بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان.
{ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } يَقُول : وَلَنْ تُدْرِكُوا الْفَلَاح , وَهُوَ الْبَقَاء الدَّائِم وَالْخُلُود فِي الْجِنَان , إِذَنْ : أَيْ إِنْ أَنْتُمْ عُدْتُمْ فِي مِلَّتهمْ . أَبَدًا : أَيَّام حَيَاتكُمْ .
وَكَذَ ٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ لِیَعۡلَمُوۤاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَیۡبَ فِیهَاۤ إِذۡ یَتَنَـٰزَعُونَ بَیۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَیۡهِم بُنۡیَـٰنࣰاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِینَ غَلَبُواْ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیۡهِم مَّسۡجِدࣰا ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ وَأَنَّ السَّاعَة لَا رَيْب فِيهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمَا بَعَثْنَاهُمْ بَعْد طُول رَقْدَتهمْ كَهَيْئَتِهِمْ سَاعَة رَقَدُوا , لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ , فَيَزْدَادُوا بِعَظِيمِ سُلْطَان اللَّه بَصِيرَة , وَبِحُسْنِ دِفَاع اللَّه عَنْ أَوْلِيَائِهِ مَعْرِفَة { كَذَلِكَ أَعَثَرْنَا عَلَيْهِمْ } يَقُول : كَذَلِكَ أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ الْفَرِيق الْآخَر الَّذِينَ كَانُوا فِي شَكّ مِنْ قُدْرَة اللَّه عَلَى إِحْيَاء الْمَوْتَى , وَفِي مِرْيَة مِنْ إِنْشَاء أَجْسَام خَلْقه , كَهَيْئَتِهِمْ يَوْم قَبْضهمْ بَعْد الْبِلَى , فَيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ , وَيُوقِنُوا أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17315 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } يَقُول : أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَم مَنْ كَذَّبَ بِهَذَا الْحَدِيث , أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ , وَأَنَّ السَّاعَة لَا رَيْب فِيهَا .
وَقَوْله : { إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنهمْ أَمْرهمْ } . يَعْنِي : الَّذِينَ أَعْثَرُوا عَلَى الْفِتْيَة . يَقُول تَعَالَى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي قِيَام السَّاعَة , وَإِحْيَاء اللَّه الْمَوْتَى بَعْد مَمَاتهمْ مِنْ قَوْم تيذوسيس , حِين يَتَنَازَعُونَ بَيْنهمْ أَمْرهمْ فِيمَا اللَّه فَاعِل بِمَنْ أَفْنَاهُ مِنْ عِبَاده , فَأَبْلَاهُ فِي قَبْره بَعْد مَمَاته , أَمُنْشِئُهُمْ هُوَ أَمْ غَيْر مُنْشَئِهِمْ .
وَقَوْله : { فَقَالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا } يَقُول : فَقَالَ الَّذِينَ أَعْثَرْنَاهُمْ عَلَى أَصْحَاب الْكَهْف : اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا { رَبّهمْ أَعْلَم بِهِمْ } يَقُول : رَبّ الْفِتْيَة أَعْلَم بِالْفِتْيَةِ وَشَأْنهمْ .
وَقَوْله : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ الْقَوْم الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } . وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة , أَهُمْ الرَّهْط الْمُسْلِمُونَ , أَمْ هُمْ الْكُفَّار ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه مَا لَمْ يَمْضِ مِنْهُ . 17316 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } قَالَ : يَعْنِي عَدُوّهُمْ . 17317 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : عَمَّى اللَّه عَلَى الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَى أَصْحَاب الْكَهْف مَكَانهمْ , فَلَمْ يَهْتَدُوا , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا , فَإِنَّهُمْ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَنَعْبُد اللَّه فِيهَا , وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : بَلْ نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مِنَّا , نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ , وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ.
وَقَوْله : { إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنهمْ أَمْرهمْ } . يَعْنِي : الَّذِينَ أَعْثَرُوا عَلَى الْفِتْيَة . يَقُول تَعَالَى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي قِيَام السَّاعَة , وَإِحْيَاء اللَّه الْمَوْتَى بَعْد مَمَاتهمْ مِنْ قَوْم تيذوسيس , حِين يَتَنَازَعُونَ بَيْنهمْ أَمْرهمْ فِيمَا اللَّه فَاعِل بِمَنْ أَفْنَاهُ مِنْ عِبَاده , فَأَبْلَاهُ فِي قَبْره بَعْد مَمَاته , أَمُنْشِئُهُمْ هُوَ أَمْ غَيْر مُنْشَئِهِمْ .
وَقَوْله : { فَقَالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا } يَقُول : فَقَالَ الَّذِينَ أَعْثَرْنَاهُمْ عَلَى أَصْحَاب الْكَهْف : اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا { رَبّهمْ أَعْلَم بِهِمْ } يَقُول : رَبّ الْفِتْيَة أَعْلَم بِالْفِتْيَةِ وَشَأْنهمْ .
وَقَوْله : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ الْقَوْم الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } . وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة , أَهُمْ الرَّهْط الْمُسْلِمُونَ , أَمْ هُمْ الْكُفَّار ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه مَا لَمْ يَمْضِ مِنْهُ . 17316 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } قَالَ : يَعْنِي عَدُوّهُمْ . 17317 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : عَمَّى اللَّه عَلَى الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَى أَصْحَاب الْكَهْف مَكَانهمْ , فَلَمْ يَهْتَدُوا , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا , فَإِنَّهُمْ أَبْنَاء آبَائِنَا , وَنَعْبُد اللَّه فِيهَا , وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : بَلْ نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ , هُمْ مِنَّا , نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ , وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ.
سَیَقُولُونَ ثَلَـٰثَةࣱ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَیَقُولُونَ خَمۡسَةࣱ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَیۡبِۖ وَیَقُولُونَ سَبۡعَةࣱ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّیۤ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا یَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣱۗ فَلَا تُمَارِ فِیهِمۡ إِلَّا مِرَاۤءࣰ ظَـٰهِرࣰا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِیهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدࣰا ﴿٢٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَة سَادِسهمْ كَلْبهمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : سَيَقُولُ بَعْض الْخَائِضِينَ فِي أَمْر الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف , هُمْ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ , وَيَقُول بَعْضهمْ : هُمْ خَمْسَة سَادِسهمْ كَلْبهمْ { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } : يَقُول : قَذْفًا بِالظَّنِّ غَيْر يَقِين عِلْم , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَأَجْعَل مِنِّي الْحَقّ غَيْبًا مُرَجَّمًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17318 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَة سَادِسهمْ كَلْبهمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ } : أَيْ قَذْفًا بِالْغَيْبِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } قَالَ : قَذْفًا بِالظَّنِّ .
وَقَوْله : { وَيَقُولُونَ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ } يَقُول : وَيَقُول بَعْضهمْ : هُمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ . { قُلْ رَبِّي أَعْلَم بِعِدَّتِهِمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِقَائِلِي هَذِهِ الْأَقْوَال فِي عَدَد الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف رَجْمًا مِنْهُمْ بِالْغَيْبِ : { رَبِّي أَعْلَم بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمهُمْ } يَقُول : مَا يَعْلَم عَدَدهمْ { إِلَّا قَلِيل } مِنْ خَلْقه , كَمَا : * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } يَقُول : قَلِيل مِنْ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِالْقَلِيلِ : أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17319 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : يَعْنِي أَهْل الْكِتَاب . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : أَنَا مِمَّنْ اِسْتَثْنَاهُ اللَّه , وَيَقُول : عِدَّتهمْ سَبْعَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : أَنَا مِنْ الْقَلِيل , كَانُوا سَبْعَة . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيل الَّذِينَ اِسْتَثْنَى اللَّه , كَانُوا سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ اِبْن عَبَّاس : عِدَّتهمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ , وَأَنَا مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّه . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : أَنَا مِنْ الْقَلِيل , هُمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ .
وَقَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تُمَارِ يَا مُحَمَّد : يَقُول : لَا تُجَادِل أَهْل الْكِتَاب فِيهِمْ , يَعْنِي فِي عِدَّة أَهْل الْكَهْف , وَحُذِفَتْ الْعِدَّة اِكْتِفَاء بِذِكْرِهِمْ فِيهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِالْمُرَادِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17320 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ } قَالَ : لَا تُمَارِ فِي عِدَّتهمْ . وَقَوْله : { إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْمِرَاء الظَّاهِر الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ اللَّه , وَرَخَّصَ فِيهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ , وَلَا يُمَارِيهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17321 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : حَسْبك مَا قَصَصْت عَلَيْك فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ . 17322 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : إِلَّا بِمَا قَدْ أَظْهَرْنَا لَك مِنْ أَمْرهمْ . 17323 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } : أَيْ حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك مِنْ شَأْنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ } قَالَ : حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك مِنْ شَأْنهمْ . 17324 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِرَاء الظَّاهِر هُوَ أَنْ يَقُول لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , وَنَحْو هَذَا مِنْ الْقَوْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17325 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } قَالَ : أَنْ يَقُول لَهُمْ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , لَيْسَ تَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ إِنْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا فَقُلْ لَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ , وَقَرَأَ : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ } حَتَّى بَلَغَ { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } .
وَقَوْله : { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَسْتَفْتِ فِي عِدَّة الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب , أَحَدًا , لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِيهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ , لَا يَقِينًا مِنْ الْقَوْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17326 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب . 17327 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } مِنْ يَهُود . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } : مِنْ يَهُود , قَالَ : وَلَا تَسْأَل يَهُود عَنْ أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف , إِلَّا مَا قَدْ أَخْبَرْتُك مِنْ أَمْرهمْ . 17328 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } : مِنْ أَهْل الْكِتَاب . كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُمْ كَانُوا بَنِي الرُّكْنَا . وَالرُّكْنَا : مُلُوك الرُّوم , رَزَقَهُمْ اللَّه الْإِسْلَام , فَتَفَرَّدُوا بِدِينِهِمْ , وَاعْتَزَلُوا قَوْمهمْ , حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف , فَضَرَبَ اللَّه عَلَى أَصْمِخَتهمْ , فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتهمْ وَجَاءَتْ أُمَّة مُسْلِمَة بَعْدهمْ , وَكَانَ مَلِكهمْ مُسْلِمًا .
وَقَوْله : { وَيَقُولُونَ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ } يَقُول : وَيَقُول بَعْضهمْ : هُمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ . { قُلْ رَبِّي أَعْلَم بِعِدَّتِهِمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِقَائِلِي هَذِهِ الْأَقْوَال فِي عَدَد الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف رَجْمًا مِنْهُمْ بِالْغَيْبِ : { رَبِّي أَعْلَم بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمهُمْ } يَقُول : مَا يَعْلَم عَدَدهمْ { إِلَّا قَلِيل } مِنْ خَلْقه , كَمَا : * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } يَقُول : قَلِيل مِنْ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِالْقَلِيلِ : أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17319 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : يَعْنِي أَهْل الْكِتَاب . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : أَنَا مِمَّنْ اِسْتَثْنَاهُ اللَّه , وَيَقُول : عِدَّتهمْ سَبْعَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : أَنَا مِنْ الْقَلِيل , كَانُوا سَبْعَة . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيل الَّذِينَ اِسْتَثْنَى اللَّه , كَانُوا سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ اِبْن عَبَّاس : عِدَّتهمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ , وَأَنَا مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّه . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا قَلِيل } قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : أَنَا مِنْ الْقَلِيل , هُمْ سَبْعَة وَثَامِنهمْ كَلْبهمْ .
وَقَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تُمَارِ يَا مُحَمَّد : يَقُول : لَا تُجَادِل أَهْل الْكِتَاب فِيهِمْ , يَعْنِي فِي عِدَّة أَهْل الْكَهْف , وَحُذِفَتْ الْعِدَّة اِكْتِفَاء بِذِكْرِهِمْ فِيهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِالْمُرَادِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17320 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ } قَالَ : لَا تُمَارِ فِي عِدَّتهمْ . وَقَوْله : { إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْمِرَاء الظَّاهِر الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ اللَّه , وَرَخَّصَ فِيهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ , وَلَا يُمَارِيهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17321 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : حَسْبك مَا قَصَصْت عَلَيْك فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ . 17322 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : إِلَّا بِمَا قَدْ أَظْهَرْنَا لَك مِنْ أَمْرهمْ . 17323 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } : أَيْ حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك مِنْ شَأْنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ } قَالَ : حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك مِنْ شَأْنهمْ . 17324 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } يَقُول : حَسْبك مَا قَصَصْنَا عَلَيْك . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِرَاء الظَّاهِر هُوَ أَنْ يَقُول لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , وَنَحْو هَذَا مِنْ الْقَوْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17325 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا } قَالَ : أَنْ يَقُول لَهُمْ : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , لَيْسَ تَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ إِنْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا فَقُلْ لَيْسَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ , وَقَرَأَ : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ } حَتَّى بَلَغَ { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } .
وَقَوْله : { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَسْتَفْتِ فِي عِدَّة الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ أَهْل الْكِتَاب , أَحَدًا , لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ عِدَّتهمْ , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِيهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ , لَا يَقِينًا مِنْ الْقَوْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17326 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب . 17327 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } مِنْ يَهُود . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } : مِنْ يَهُود , قَالَ : وَلَا تَسْأَل يَهُود عَنْ أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف , إِلَّا مَا قَدْ أَخْبَرْتُك مِنْ أَمْرهمْ . 17328 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } : مِنْ أَهْل الْكِتَاب . كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُمْ كَانُوا بَنِي الرُّكْنَا . وَالرُّكْنَا : مُلُوك الرُّوم , رَزَقَهُمْ اللَّه الْإِسْلَام , فَتَفَرَّدُوا بِدِينِهِمْ , وَاعْتَزَلُوا قَوْمهمْ , حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى الْكَهْف , فَضَرَبَ اللَّه عَلَى أَصْمِخَتهمْ , فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتهمْ وَجَاءَتْ أُمَّة مُسْلِمَة بَعْدهمْ , وَكَانَ مَلِكهمْ مُسْلِمًا .
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْیۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا } وَهَذَا تَأْدِيب مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَجْزِم عَلَى مَا يَحْدُث مِنْ الْأُمُور أَنَّهُ كَائِن لَا مَحَالَة , إِلَّا أَنْ يَصِلهُ بِمَشِيئَةِ اللَّه , لِأَنَّهُ لَا يَكُون شَيْء إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه . وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا مِنْ أَجْل أَنَّهُ وَعَدَ سَائِلِيهِ عَنْ الْمَسَائِل الثَّلَاث اللَّوَاتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى , اللَّوَاتِي إِحْدَاهُنَّ الْمَسْأَلَة عَنْ أَمْر الْفِتْيَة مِنْ أَصْحَاب الْكَهْف أَنْ يُجِيبهُمْ عَنْهُنَّ غَد يَوْمهمْ , وَلَمْ يَسْتَثْنِ , فَاحْتَبَسَ الْوَحْي عَنْهُ فِيمَا قِيلَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ خَمْس عَشْرَة , حَتَّى حَزَنَهُ إِبْطَاؤُهُ , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَوَاب عَنْهُنَّ , وَعَرَفَ نَبِيّه سَبَب اِحْتِبَاس الْوَحْي عَنْهُ , وَعَلَّمَهُ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِل فِي عِدَاته وَخَبَره عَمَّا يَحْدُث مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَمْ يَأْتِهِ مِنْ اللَّه بِهَا تَنْزِيل , فَقَالَ : { وَلَا تَقُولَن } يَا مُحَمَّد { لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا } كَمَا قُلْت لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوك عَنْ أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف , وَالْمَسَائِل الَّتِي سَأَلُوك عَنْهَا , سَأُخْبِرُكُمْ عَنْهَا غَدًا .
إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِیتَ وَقُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَهۡدِیَنِ رَبِّی لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَـٰذَا رَشَدࣰا ﴿٢٤﴾
{ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } وَمَعْنَى الْكَلَام : إِلَّا أَنْ تَقُول مَعَهُ : إِنْ شَاءَ اللَّه , فَتَرَكَ ذِكْر تَقُول اِكْتِفَاء بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ , إِذْ كَانَ فِي الْكَلَام دَلَالَة عَلَيْهِ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : جَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } اِسْتِثْنَاء مِنْ الْقَوْل , لَا مِنْ الْفِعْل كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْده : لَا تَقُولَن قَوْلًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ذَلِكَ الْقَوْل , وَهَذَا وَجْه بَعِيد مِنْ الْمَفْهُوم بِالظَّاهِرِ مِنْ التَّنْزِيل مَعَ خِلَافه تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل .
وَقَوْله : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَاسْتَثْنِ فِي يَمِينك إِذَا ذَكَرْت أَنَّك نَسِيت ذَلِكَ فِي حَال الْيَمِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17329 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هَارُون الْحَرْبِيّ , قَالَ : ثنا نُعَيْم بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي الرَّجُل يَحْلِف , قَالَ لَهُ : أَنْ يَسْتَثْنِي وَلَوْ إِلَى سَنَة , وَكَانَ يَقُول : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } فِي ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَشِ سَمِعْته مِنْ مُجَاهِد , فَقَالَ : ثني بِهِ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , يَرَى ذَهَبَ كِسَائِي هَذَا . 17330 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله { وَلَا تَقُولَن لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } الِاسْتِثْنَاء , ثُمَّ ذَكَرْت فَاسْتَثْنِ . 17331 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه , فَلْيَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا عَصَيْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17332 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيَتْ } قَالَ : اُذْكُرْ رَبّك إِذَا عَصَيْت . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا تَرَكْت ذِكْره , لِأَنَّ أَحَد مَعَانِي النِّسْيَان فِي كَلَام الْعَرَب التَّرْك , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفَجَائِز لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَثْنِي فِي يَمِينه إِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْت بَعْد مُدَّة مِنْ حَال حَلِفه ؟ قِيلَ : بَلْ الصَّوَاب أَنْ يَسْتَثْنِي وَلَوْ بَعْد حِنْثه فِي يَمِينه , فَيَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه لِيَخْرُج بِقِيلِهِ ذَلِكَ مِمَّا أَلْزَمَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَيَسْقُط عَنْهُ الْحَرَج بِتَرْكِهِ مَا أَمَرَهُ بِقِيلِهِ مِنْ ذَلِكَ ; فَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَا تَسْقُط عَنْهُ بِحَالٍ , إِلَّا أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا وَجْه قَوْل مَنْ قَالَ لَهُ : ثُنْيَاهُ وَلَوْ بَعْد سَنَة , وَمَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْد شَهْر , وَقَوْل مَنْ قَالَ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُمْ فِي ذَلِكَ نَحْو مَعْنَانَا فِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ , وَلَوْ بَعْد عَشْر سِنِينَ , وَأَنَّهُ بِاسْتِثْنَائِهِ وَقِيله إِنْ شَاءَ اللَّه بَعْد حِين مِنْ حَال حَلِفه , يَسْقُط عَنْهُ الْحَرَج الَّذِي لَوْ لَمْ يَقُلْهُ كَانَ لَهُ لَازِمًا ; فَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَهُ لَازِمَة بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَال , إِلَّا أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاؤُهُ كَانَ مَوْصُولًا بِالْحَلِفِ , وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَم قَائِلًا قَالَ مِمَّنْ قَالَ لَهُ الثُّنْيَا بَعْد حِين يَزْعُم أَنَّ ذَلِكَ يَضَع عَنْهُ الْكَفَّارَة إِذَا حَنِثَ , فَفِي ذَلِكَ أَوْضَح الدَّلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَى الْقَوْل فِيهِ , كَانَ نَحْو مَعْنَانَا فِيهِ .
وَقَوْله : { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يَهْدِينِي فَيُسَدِّدنِي لِأَسُدّ مِمَّا وَعَدْتُكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ , إِنْ هُوَ شَاءَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ إِذَا نَسِيَ الِاسْتِثْنَاء فِي كَلَامه , الَّذِي هُوَ عِنْده فِي أَمْر مُسْتَقْبَل مَعَ قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه , إِذَا ذُكِرَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17333 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّد , رَجُل مِنْ أَهْل الْكُوفَة , كَانَ يُفَسِّر الْقُرْآن , وَكَانَ يَجْلِس إِلَيْهِ يَحْيَى بْن عَبَّاد , قَالَ : { وَلَا تَقُولَن لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } قَالَ فَقَالَ : وَإِذَا نَسِيَ الْإِنْسَان أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه , قَالَ : فَتَوْبَته مِنْ ذَلِكَ , أَوْ كَفَّارَة ذَلِكَ أَنْ يَقُول : { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } .
وَقَوْله : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَاسْتَثْنِ فِي يَمِينك إِذَا ذَكَرْت أَنَّك نَسِيت ذَلِكَ فِي حَال الْيَمِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17329 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هَارُون الْحَرْبِيّ , قَالَ : ثنا نُعَيْم بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي الرَّجُل يَحْلِف , قَالَ لَهُ : أَنْ يَسْتَثْنِي وَلَوْ إِلَى سَنَة , وَكَانَ يَقُول : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } فِي ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَشِ سَمِعْته مِنْ مُجَاهِد , فَقَالَ : ثني بِهِ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , يَرَى ذَهَبَ كِسَائِي هَذَا . 17330 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله { وَلَا تَقُولَن لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } الِاسْتِثْنَاء , ثُمَّ ذَكَرْت فَاسْتَثْنِ . 17331 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه , فَلْيَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا عَصَيْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17332 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيَتْ } قَالَ : اُذْكُرْ رَبّك إِذَا عَصَيْت . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا تَرَكْت ذِكْره , لِأَنَّ أَحَد مَعَانِي النِّسْيَان فِي كَلَام الْعَرَب التَّرْك , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفَجَائِز لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَثْنِي فِي يَمِينه إِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْت بَعْد مُدَّة مِنْ حَال حَلِفه ؟ قِيلَ : بَلْ الصَّوَاب أَنْ يَسْتَثْنِي وَلَوْ بَعْد حِنْثه فِي يَمِينه , فَيَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه لِيَخْرُج بِقِيلِهِ ذَلِكَ مِمَّا أَلْزَمَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَيَسْقُط عَنْهُ الْحَرَج بِتَرْكِهِ مَا أَمَرَهُ بِقِيلِهِ مِنْ ذَلِكَ ; فَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَا تَسْقُط عَنْهُ بِحَالٍ , إِلَّا أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا وَجْه قَوْل مَنْ قَالَ لَهُ : ثُنْيَاهُ وَلَوْ بَعْد سَنَة , وَمَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْد شَهْر , وَقَوْل مَنْ قَالَ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُمْ فِي ذَلِكَ نَحْو مَعْنَانَا فِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ , وَلَوْ بَعْد عَشْر سِنِينَ , وَأَنَّهُ بِاسْتِثْنَائِهِ وَقِيله إِنْ شَاءَ اللَّه بَعْد حِين مِنْ حَال حَلِفه , يَسْقُط عَنْهُ الْحَرَج الَّذِي لَوْ لَمْ يَقُلْهُ كَانَ لَهُ لَازِمًا ; فَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَهُ لَازِمَة بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَال , إِلَّا أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاؤُهُ كَانَ مَوْصُولًا بِالْحَلِفِ , وَذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَم قَائِلًا قَالَ مِمَّنْ قَالَ لَهُ الثُّنْيَا بَعْد حِين يَزْعُم أَنَّ ذَلِكَ يَضَع عَنْهُ الْكَفَّارَة إِذَا حَنِثَ , فَفِي ذَلِكَ أَوْضَح الدَّلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَى الْقَوْل فِيهِ , كَانَ نَحْو مَعْنَانَا فِيهِ .
وَقَوْله : { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يَهْدِينِي فَيُسَدِّدنِي لِأَسُدّ مِمَّا وَعَدْتُكُمْ وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ سَيَكُونُ , إِنْ هُوَ شَاءَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ إِذَا نَسِيَ الِاسْتِثْنَاء فِي كَلَامه , الَّذِي هُوَ عِنْده فِي أَمْر مُسْتَقْبَل مَعَ قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه , إِذَا ذُكِرَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17333 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّد , رَجُل مِنْ أَهْل الْكُوفَة , كَانَ يُفَسِّر الْقُرْآن , وَكَانَ يَجْلِس إِلَيْهِ يَحْيَى بْن عَبَّاد , قَالَ : { وَلَا تَقُولَن لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } قَالَ فَقَالَ : وَإِذَا نَسِيَ الْإِنْسَان أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه , قَالَ : فَتَوْبَته مِنْ ذَلِكَ , أَوْ كَفَّارَة ذَلِكَ أَنْ يَقُول : { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا } .
وَلَبِثُواْ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَـٰثَ مِاْئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعࣰا ﴿٢٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } وَقَالُوا : لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ قَدْر لُبْثهمْ فِي الْكَهْف , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } وَجْه مَفْهُوم , وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّه خَلْقه مَبْلَغ لُبْثهمْ فِيهِ وَقَدْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17334 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } هَذَا قَوْل أَهْل الْكِتَاب , فَرَدَّهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فَقَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } قَالَ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَقَالُوا وَلَبِثُوا " يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ النَّاس , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . 17335 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا ضَمْرَة بْن رَبِيعَة , عَنْ اِبْن شَوْذَب عَنْ مَطَر الْوَرَّاق , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } قَالَ : إِنَّمَا هُوَ شَيْء قَالَتْهُ الْيَهُود , فَرَدَّهُ اللَّه عَلَيْهِمْ وَقَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ مَبْلَغ مَا لَبِثُوا فِي كَهْفهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17336 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } قَالَ : عَدَد مَا لَبِثُوا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , وَزَادَ فِيهِ { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . 17337 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } قَالَ : وَتِسْع سِنِينَ . 17338 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق بِنَحْوِهِ . 17339 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : ثني الْأَجْلَح , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة } فَقَالُوا : أَيَّامًا أَوْ أَشْهُرًا أَوْ سِنِينَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } . 17340 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } قَالَ : بَيْن جَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ ذِكْره : وَلَبِثَ أَصْحَاب الْكَهْف فِي كَهْفهمْ رُقُودًا إِلَى أَنْ بَعَثَهُمْ اللَّه , لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ , وَإِلَى أَنْ أَعْثَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَعْثَرَ , ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَتِسْع سِنِينَ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه بِذَلِكَ أَخْبَرَ فِي كِتَابه . وَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ " وَقَالُوا : وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ " وَقَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَهْل الْكِتَاب , وَقَدْ رَدَّ اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ : إِنْ شَاءَ اللَّه كَانَ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا فِيمَا ذُكِرَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لِلْفِتْيَةِ مِنْ لَدُنْ دَخَلُوا الْكَهْف إِلَى يَوْمنَا ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَتِسْع سِنِينَ , فَرَدَّ اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَأَخْبَرَ نَبِيّه أَنَّ ذَلِكَ قَدْر لُبْثهمْ فِي الْكَهْف مِنْ لَدُنْ أَوَوْا إِلَيْهِ أَنْ بَعَثَهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ ; ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا بَعْد أَنْ قَبَضَ أَرْوَاحهمْ , مِنْ بَعْد أَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ إِلَى يَوْمهمْ هَذَا , لَا يَعْلَم بِذَلِكَ غَيْر اللَّه , وَغَيْر مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّه ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : الدَّالّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ قَدْر لُبْثهمْ فِي كَهْفهمْ اِبْتِدَاء , فَقَالَ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } وَلَمْ يَضَع دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْهُ عَنْ قَوْل قَوْم قَالُوهُ , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُضَاف خَبَره عَنْ شَيْء إِلَى أَنَّهُ خَبَر عَنْ غَيْره بِغَيْرِ بُرْهَان , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ جَازَ فِي كُلّ أَخْبَاره , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَخْبَاره جَازَ فِي أَخْبَار غَيْره أَنْ يُضَاف إِلَيْهِ أَنَّهَا أَخْبَاره , وَذَلِكَ قَلْب أَعْيَان الْحَقَائِق وَمَا لَا يُخَيَّل فَسَاده . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ قَوْله : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } دَلِيل عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْهُ عَنْ قَوْم قَالُوهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَجِب أَنْ يَكُون كَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَا يَحْتَمِل مِنْ التَّأْوِيل غَيْره ; فَأَمَّا وَهُوَ مُحْتَمِل مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا إِلَى يَوْم أَنْزَلْنَا هَذِهِ السُّورَة , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَغَيْر وَاجِب أَنْ يَكُون ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْم قَالُوهُ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَأْتِ خَبَر بِأَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْم قَالُوهُ , وَلَا قَامَتْ بِصِحَّةِ ذَلِكَ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , صَحَّ مَا قُلْنَا , وَفَسَدَ مَا خَالَفَهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ { ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } بِتَنْوِينِ : ثَلَاث مِائَة , بِمَعْنَى : وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ سِنِينَ ثَلَاث مِائَة . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : " ثَلَاث مِائَة سِنِينَ " بِإِضَافَةِ ثَلَاث مِائَة إِلَى السِّنِينَ , غَيْر مُنَوَّن . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { ثَلَاث مِائَة } بِالتَّنْوِينِ { سِنِينَ } , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إِنَّمَا تُضِيف الْمِائَة إِلَى مَا يُفَسِّرهَا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرهَا بِلَفْظِ الْوَاحِد , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ثَلَاث مِائَة دِرْهَم , وَعِنْدِي مِائَة دِينَار , لِأَنَّ الْمِائَة وَالْأَلْف عَدَد كَثِير , وَالْعَرَب لَا تُفَسِّر ذَلِكَ إِلَّا بِمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ فِي كَثْرَة الْعَدَد , وَالْوَاحِد يُؤَدِّي عَنْ الْجِنْس , وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ مِنْ الْعَدَد , وَإِنْ كَانَتْ الْعَرَب رُبَّمَا وَضَعَتْ الْجَمْع الْقَلِيل مَوْضِع الْكَثِير , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْكَثِيرِ . وَأَمَّا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرهَا بِلَفْظِ الْجَمْع , فَإِنَّهَا تُنَوَّن , فَتَقُول : عِنْدِي أَلْف دَرَاهِم , وَعِنْدِي مِائَة دَنَانِير , عَلَى مَا قَدْ وَصَفْت .
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا ﴿٢٦﴾
وَقَوْله : { لَهُ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِلَّهِ عِلْم غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَا يَعْزُب عَنْهُ عِلْم شَيْء مِنْهُ , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , يَقُول : فَسَلَّمُوا لَهُ عِلْم مَبْلَغ مَا لَبِثَتْ الْفِتْيَة فِي الْكَهْف إِلَى يَوْمكُمْ هَذَا , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمهُ سِوَى الَّذِي يَعْلَم غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار .
وَقَوْله : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يَقُول : أُبْصِر بِاَللَّهِ وَأَسْمَع , وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح , كَأَنَّهُ قِيلَ : مَا أُبْصِرهُ وَأَسْمَعهُ . وَتَأْوِيل الْكَلَام : مَا أَبْصَرَ اللَّه لِكُلِّ مَوْجُود , وَأَسْمَعهُ لِكُلِّ مَسْمُوع , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , كَمَا : 17341 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } فَلَا أَحَد أَبْصَرَ مِنْ اللَّه وَلَا أَسْمَع , تَبَارَكَ وَتَعَالَى 17342 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ } قَالَ : يَرَى أَعْمَالهمْ , وَيَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُمْ سَمِيعًا بَصِيرًا .
وَقَوْله : { مَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا لِخَلْقِهِ دُون رَبّهمْ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَلِيّ , يَلِي أَمْرهمْ وَتَدْبِيرهمْ , وَصَرْفهمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مُصَرَّفُونَ .
{ وَلَا يُشْرِك فِي حُكْمه أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يَجْعَل اللَّه فِي قَضَائِهِ , وَحُكْمه فِي خَلْقه أَحَدًا سِوَاهُ شَرِيكًا , بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاء فِيهِمْ , وَتَدْبِيرهمْ وَتَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ .
وَقَوْله : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يَقُول : أُبْصِر بِاَللَّهِ وَأَسْمَع , وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح , كَأَنَّهُ قِيلَ : مَا أُبْصِرهُ وَأَسْمَعهُ . وَتَأْوِيل الْكَلَام : مَا أَبْصَرَ اللَّه لِكُلِّ مَوْجُود , وَأَسْمَعهُ لِكُلِّ مَسْمُوع , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , كَمَا : 17341 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } فَلَا أَحَد أَبْصَرَ مِنْ اللَّه وَلَا أَسْمَع , تَبَارَكَ وَتَعَالَى 17342 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ } قَالَ : يَرَى أَعْمَالهمْ , وَيَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُمْ سَمِيعًا بَصِيرًا .
وَقَوْله : { مَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا لِخَلْقِهِ دُون رَبّهمْ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَلِيّ , يَلِي أَمْرهمْ وَتَدْبِيرهمْ , وَصَرْفهمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مُصَرَّفُونَ .
{ وَلَا يُشْرِك فِي حُكْمه أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يَجْعَل اللَّه فِي قَضَائِهِ , وَحُكْمه فِي خَلْقه أَحَدًا سِوَاهُ شَرِيكًا , بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْحُكْمِ وَالْقَضَاء فِيهِمْ , وَتَدْبِيرهمْ وَتَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ .
وَٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدࣰا ﴿٢٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتَّبِعْ يَا مُحَمَّد مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك هَذَا , وَلَا تَتْرُكَن تِلَاوَته , وَاتِّبَاع مَا فِيهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَالْعَمَل بِحَلَالِهِ وَحَرَامه , فَتَكُون مِنْ الْهَالِكِينَ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَصِير مَنْ خَالَفَهُ , وَتَرَكَ اِتِّبَاعه يَوْم الْقِيَامَة إِلَى جَهَنَّم { لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ } يَقُول : لَا مُغَيِّر لِمَا أَوْعَدَ بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَيْك أَهْل مَعَاصِيه , وَالْعَامِلِينَ بِخِلَافِ هَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْك .
وَقَوْله : { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } يَقُول : وَإِنْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد لَمْ تَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك فَتَتَّبِعهُ وَتَأْتَمّ بِهِ , فَنَالَك وَعِيد اللَّه الَّذِي أَوْعَدَ فِيهِ الْمُخَالِفِينَ حُدُوده , لَنْ تَجِد مِنْ دُون اللَّه مَوْئِلًا تَئِل إِلَيْهِ وَمَعْدِلًا تَعْدِل عَنْهُ إِلَيْهِ , لِأَنَّ قُدْرَة اللَّه مُحِيطَة بِك وَبِجَمِيعِ خَلْقه , لَا يَقْدِر أَحَد مِنْهُمْ عَلَى الْهَرَب مِنْ أَمْر أَرَادَ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ فِي الْبَيَان عَنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17344 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَوْئِلًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ وَلَا مَوْئِلًا . 17345 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } قَالَ : لَا يَجِدُونَ مُلْتَحَدًا يَلْتَحِدُونَهُ , وَلَا يَجِدُونَ مِنْ دُونه مَلْجَأ وَلَا أَحَدًا يَمْنَعهُمْ . وَالْمُلْتَحَد : إِنَّمَا هُوَ الْمُفْتَعَل مِنْ اللَّحْد , يُقَال مِنْهُ : لَحَدْت إِلَى كَذَا : إِذَا مِلْت إِلَيْهِ ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّحْدِ : لَحْد , لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَة مِنْ الْقَبْر , وَلَيْسَ بِالشِّقِّ الَّذِي فِي وَسَطه , وَمِنْهُ الْإِلْحَاد فِي الدِّين , وَهُوَ الْمُعَانَدَة بِالْعُدُولِ عَنْهُ , وَالتَّرْك لَهُ .
وَقَوْله : { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } يَقُول : وَإِنْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد لَمْ تَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك فَتَتَّبِعهُ وَتَأْتَمّ بِهِ , فَنَالَك وَعِيد اللَّه الَّذِي أَوْعَدَ فِيهِ الْمُخَالِفِينَ حُدُوده , لَنْ تَجِد مِنْ دُون اللَّه مَوْئِلًا تَئِل إِلَيْهِ وَمَعْدِلًا تَعْدِل عَنْهُ إِلَيْهِ , لِأَنَّ قُدْرَة اللَّه مُحِيطَة بِك وَبِجَمِيعِ خَلْقه , لَا يَقْدِر أَحَد مِنْهُمْ عَلَى الْهَرَب مِنْ أَمْر أَرَادَ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ فِي الْبَيَان عَنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17344 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَوْئِلًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مُلْتَحَدًا } قَالَ : مَلْجَأ وَلَا مَوْئِلًا . 17345 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } قَالَ : لَا يَجِدُونَ مُلْتَحَدًا يَلْتَحِدُونَهُ , وَلَا يَجِدُونَ مِنْ دُونه مَلْجَأ وَلَا أَحَدًا يَمْنَعهُمْ . وَالْمُلْتَحَد : إِنَّمَا هُوَ الْمُفْتَعَل مِنْ اللَّحْد , يُقَال مِنْهُ : لَحَدْت إِلَى كَذَا : إِذَا مِلْت إِلَيْهِ ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّحْدِ : لَحْد , لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَة مِنْ الْقَبْر , وَلَيْسَ بِالشِّقِّ الَّذِي فِي وَسَطه , وَمِنْهُ الْإِلْحَاد فِي الدِّين , وَهُوَ الْمُعَانَدَة بِالْعُدُولِ عَنْهُ , وَالتَّرْك لَهُ .
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطࣰا ﴿٢٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاصْبِرْ } يَا مُحَمَّد { نَفْسك مَعَ } أَصْحَابك { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } بِذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيد وَالتَّهْلِيل وَالدُّعَاء وَالْأَعْمَال الصَّالِحَة مِنْ الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة وَغَيْرهَا { يُرِيدُونَ } بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ { وَجْهه } لَا يُرِيدُونَ عَرَضًا مِنْ عَرَض الدُّنْيَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي قَوْله { يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } فِي سُورَة الْأَنْعَام , وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَالْقُرَّاء عَلَى قِرَاءَة ذَلِكَ : { بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } , وَقَدْ ذَكَرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهِ : " بِالْغَدْوَةِ وَالْعَشِيّ " , وَذَلِكَ قِرَاءَة عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ مَكْرُوهَة , لِأَنَّ غَدْوَة مَعْرِفَة , وَلَا أَلِف وَلَا لَام فِيهَا , وَإِنَّمَا يُعَرَّف بِالْأَلِفِ وَاللَّام مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرِفَة ; فَأَمَّا الْمَعَارِف فَلَا تُعَرَّف بِهِمَا . وَبَعْد , فَإِنَّ غَدْوَة لَا تُضَاف إِلَى شَيْء , وَامْتِنَاعهَا مِنْ الْإِضَافَة دَلِيل وَاضِح عَلَى اِمْتِنَاع الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الدُّخُول عَلَيْهَا , لِأَنَّ مَا دَخَلَتْهُ الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الْأَسْمَاء صَلُحَتْ فِيهِ الْإِضَافَة ; وَإِنَّمَا تَقُول الْعَرَب : أَتَيْتُك غَدَاة الْجُمْعَة , وَلَا تَقُول : أَتَيْتُك غَدْوَة الْجُمْعَة , وَالْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْقُرَّاء فِي الْأَمْصَار لَا نَسْتَجِيزُ غَيْرهَا لِإِجْمَاعِهَا عَلَى ذَلِكَ , وَلِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنَّا مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة .
وَقَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَصْرِف عَيْنَاك عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُك يَا مُحَمَّد أَنْ تَصْبِر نَفْسك مَعَهُمْ إِلَى غَيْرهمْ مِنْ الْكُفَّار , وَلَا تُجَاوِزهُمْ إِلَيْهِ ; وَأَصْله مِنْ قَوْلهمْ : عَدَوْت ذَلِكَ , فَأَنَا أَعْدُوهُ : إِذَا جَاوَزْته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17346 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } قَالَ : لَا تُجَاوِزهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } يَقُول : لَا تَتَعَدَّهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . 17347 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسك } . .. الْآيَة , قَالَ : قَالَ الْقَوْم لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نُجَالِس فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا , فَجَانِبْهُمْ يَا مُحَمَّد , وَجَالِسْ أَشْرَاف الْعَرَب , فَنَزَلَ الْقُرْآن { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } وَلَا تُحَقِّرهُمْ , قَالَ : قَدْ أَمَرُونِي بِذَلِكَ , قَالَ : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } . 17348 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَة بْن زَيْد , عَنْ أَبِي حَازِم , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل بْن حُنَيْف , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَعْض أَبْيَاته { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } فَخَرَجَ يَلْتَمِس , فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّه , مِنْهُمْ ثَائِر الرَّأْس , وَجَافِ الْجِلْد , وَذُو الثَّوْب الْوَاحِد , فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ , فَقَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِيَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَهُ " وَرُفِعَتْ الْعَيْنَانِ بِالْفِعْلِ , وَهُوَ لَا تَعْدُ .
وَقَوْله : { تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ إِلَى أَشْرَاف الْمُشْرِكِينَ , تَبْغِي بِمُجَالَسَتِهِمْ الشَّرَف وَالْفَخْر ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فِيمَا ذِكْر قَوْم مِنْ عُظَمَاء أَهْل الشِّرْك , وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مِنْ عُظَمَاء قَبَائِل الْعَرَب مِمَّنْ لَا بَصِيرَة لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ , فَرَأَوْهُ جَالِسًا مَعَ خَبَّاب وَصُهَيْب وَبِلَال , فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمهُمْ عَنْهُ إِذَا حَضَرُوا , قَالُوا : فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } 6 52 ثُمَّ كَانَ يَقُوم إِذَا أَرَادَ الْقِيَام , وَيَتْرُكهُمْ قُعُودًا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ . . . الْآيَة } { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } يُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا : مُجَالَسَة أُولَئِكَ الْعُظَمَاء الْأَشْرَاف , وَفْد ذَكَرْت الرِّوَايَة بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل فِي سُورَة الْأَنْعَام . 17349 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , وَكَانَ قَارِئ الْأَزْد عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب فِي قِصَّة ذَكَرَهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْكَلَام مُدْرَجًا فِي الْخَبَر { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : تُجَالِس الْأَشْرَاف . 17350 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أُخْبِرْت أَنَّ عُيَيْنَة بْن حِصْن قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُسْلِم : لَقَدْ آذَانِي رِيح سَلْمَان الْفَارِسِيّ , فَاجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا مِنْك لَا يُجَامِعُونَنَا فِيهِ , وَاجْعَلْ لَهُمْ مَجْلِسًا لَا نُجَامِعهُمْ فِيهِ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . 17351 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أُمِرْت أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَهُ " . 17352 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : تُرِيد أَشْرَاف الدُّنْيَا . 17353 - حَدَّثَنَا صَالِح بْن مِسْمَار , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك , قَالَ : سُلَيْمَان بْن عَطَاء , عَنْ مَسْلَمَة بْن عَبْد اللَّه الْجُهَنِيّ , عَنْ عَمّه أَبِي مَشْجَعَة بْن رِبْعِيّ , عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ , قَالَ : جَاءَتْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَالْأَقْرَع بْن حَابِس وَذَوُوهمْ , فَقَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , إِنَّك لَوْ جَلَسْت فِي صَدْر الْمَسْجِد , وَنَفَيْت عَنَّا هَؤُلَاءِ وَأَرْوَاح جِبَابهمْ - يَعْنُونَ سَلْمَان وَأَبَا ذَرّ وَفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ جِبَاب الصُّوف , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرهَا - جَلَسْنَا إِلَيْك وَحَادَثْنَاك , وَأَخَذْنَا عَنْك ; فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } , حَتَّى بَلَغَ { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَتَهَدَّدهُمْ بِالنَّارِ ; فَقَامَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَمِسهُمْ حَتَّى أَصَابَهُمْ فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد يَذْكُرُونَ اللَّه , فَقَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَ رِجَال مِنْ أُمَّتِي , مَعَكُمْ الْمَحْيَا وَمَعَكُمْ الْمَمَات " .
وَقَوْله : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تُطِعْ يَا مُحَمَّد مَنْ شَغَلْنَا قَلْبه مِنْ الْكُفَّار الَّذِينَ سَأَلُوك طَرْد الرَّهْط الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ عَنْك , عَنْ ذِكْرنَا , بِالْكُفْرِ وَغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِ , وَاتَّبَعَ هَوَاهُ , وَتَرَكَ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَآثَرَ هَوَى نَفْسه عَلَى طَاعَة رَبّه , وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ : عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَالْأَقْرَع بْن حَابِس وَذَوُوهمْ . 17354 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا } قَالَ : عُيَيْنَة , وَالْأَقْرَع .
وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْره ضَيَاعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17355 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ اِبْن عَمْرو فِي حَدِيثه قَالَ : ضَائِعًا . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : ضَيَاعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : ضَيَاعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْره نَدَمًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17356 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا بَدَل بْن الْمُحَبَّر , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن رَاشِد , عَنْ دَاوُدَ { فُرُطًا } قَالَ : نَدَامَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : هَلَاكًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17357 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا مَنْ قَالَ : هَلَاكًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : خِلَافًا لِلْحَقِّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17358 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ : مُخَالِفًا لِلْحَقِّ , ذَلِكَ الْفَرْط . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : ضَيَاعًا وَهَلَاكًا , مِنْ قَوْلهمْ : أَفْرَطَ فُلَان فِي هَذَا الْأَمْر إِفْرَاطًا : إِذَا أَسْرَفَ فِيهِ وَتَجَاوَزَ قَدْره , وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْر هَذَا الَّذِي أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا فِي الرِّيَاء وَالْكِبْر , وَاحْتِقَار أَهْل الْإِيمَان , سَرَفًا قَدْ تَجَاوَزَ حَدّه , فَضَيَّعَ بِذَلِكَ الْحَقّ وَهَلَكَ . وَقَدْ : 17359 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : قِيلَ لَهُ : كَيْف قَرَأَ عَاصِم ؟ فَقَالَ { كَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قَالَ أَبُو بَكْر : كَانَ عُيَيْنَة بْن حِصْن يَفْخَر بِقَوْلِ أَنَا وَأَنَا .
وَقَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَصْرِف عَيْنَاك عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُك يَا مُحَمَّد أَنْ تَصْبِر نَفْسك مَعَهُمْ إِلَى غَيْرهمْ مِنْ الْكُفَّار , وَلَا تُجَاوِزهُمْ إِلَيْهِ ; وَأَصْله مِنْ قَوْلهمْ : عَدَوْت ذَلِكَ , فَأَنَا أَعْدُوهُ : إِذَا جَاوَزْته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17346 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } قَالَ : لَا تُجَاوِزهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } يَقُول : لَا تَتَعَدَّهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . 17347 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسك } . .. الْآيَة , قَالَ : قَالَ الْقَوْم لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نُجَالِس فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا , فَجَانِبْهُمْ يَا مُحَمَّد , وَجَالِسْ أَشْرَاف الْعَرَب , فَنَزَلَ الْقُرْآن { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ } وَلَا تُحَقِّرهُمْ , قَالَ : قَدْ أَمَرُونِي بِذَلِكَ , قَالَ : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } . 17348 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَة بْن زَيْد , عَنْ أَبِي حَازِم , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَهْل بْن حُنَيْف , أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَعْض أَبْيَاته { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } فَخَرَجَ يَلْتَمِس , فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّه , مِنْهُمْ ثَائِر الرَّأْس , وَجَافِ الْجِلْد , وَذُو الثَّوْب الْوَاحِد , فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ , فَقَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِيَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَهُ " وَرُفِعَتْ الْعَيْنَانِ بِالْفِعْلِ , وَهُوَ لَا تَعْدُ .
وَقَوْله : { تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ إِلَى أَشْرَاف الْمُشْرِكِينَ , تَبْغِي بِمُجَالَسَتِهِمْ الشَّرَف وَالْفَخْر ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فِيمَا ذِكْر قَوْم مِنْ عُظَمَاء أَهْل الشِّرْك , وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مِنْ عُظَمَاء قَبَائِل الْعَرَب مِمَّنْ لَا بَصِيرَة لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ , فَرَأَوْهُ جَالِسًا مَعَ خَبَّاب وَصُهَيْب وَبِلَال , فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمهُمْ عَنْهُ إِذَا حَضَرُوا , قَالُوا : فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } 6 52 ثُمَّ كَانَ يَقُوم إِذَا أَرَادَ الْقِيَام , وَيَتْرُكهُمْ قُعُودًا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ . . . الْآيَة } { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } يُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا : مُجَالَسَة أُولَئِكَ الْعُظَمَاء الْأَشْرَاف , وَفْد ذَكَرْت الرِّوَايَة بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل فِي سُورَة الْأَنْعَام . 17349 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , وَكَانَ قَارِئ الْأَزْد عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب فِي قِصَّة ذَكَرَهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْكَلَام مُدْرَجًا فِي الْخَبَر { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : تُجَالِس الْأَشْرَاف . 17350 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أُخْبِرْت أَنَّ عُيَيْنَة بْن حِصْن قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُسْلِم : لَقَدْ آذَانِي رِيح سَلْمَان الْفَارِسِيّ , فَاجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا مِنْك لَا يُجَامِعُونَنَا فِيهِ , وَاجْعَلْ لَهُمْ مَجْلِسًا لَا نُجَامِعهُمْ فِيهِ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . 17351 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أُمِرْت أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَهُ " . 17352 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } قَالَ : تُرِيد أَشْرَاف الدُّنْيَا . 17353 - حَدَّثَنَا صَالِح بْن مِسْمَار , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك , قَالَ : سُلَيْمَان بْن عَطَاء , عَنْ مَسْلَمَة بْن عَبْد اللَّه الْجُهَنِيّ , عَنْ عَمّه أَبِي مَشْجَعَة بْن رِبْعِيّ , عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ , قَالَ : جَاءَتْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَالْأَقْرَع بْن حَابِس وَذَوُوهمْ , فَقَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , إِنَّك لَوْ جَلَسْت فِي صَدْر الْمَسْجِد , وَنَفَيْت عَنَّا هَؤُلَاءِ وَأَرْوَاح جِبَابهمْ - يَعْنُونَ سَلْمَان وَأَبَا ذَرّ وَفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ جِبَاب الصُّوف , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرهَا - جَلَسْنَا إِلَيْك وَحَادَثْنَاك , وَأَخَذْنَا عَنْك ; فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا } , حَتَّى بَلَغَ { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَتَهَدَّدهُمْ بِالنَّارِ ; فَقَامَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَمِسهُمْ حَتَّى أَصَابَهُمْ فِي مُؤَخَّر الْمَسْجِد يَذْكُرُونَ اللَّه , فَقَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِر نَفْسِي مَعَ رِجَال مِنْ أُمَّتِي , مَعَكُمْ الْمَحْيَا وَمَعَكُمْ الْمَمَات " .
وَقَوْله : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تُطِعْ يَا مُحَمَّد مَنْ شَغَلْنَا قَلْبه مِنْ الْكُفَّار الَّذِينَ سَأَلُوك طَرْد الرَّهْط الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ عَنْك , عَنْ ذِكْرنَا , بِالْكُفْرِ وَغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِ , وَاتَّبَعَ هَوَاهُ , وَتَرَكَ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَآثَرَ هَوَى نَفْسه عَلَى طَاعَة رَبّه , وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ : عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَالْأَقْرَع بْن حَابِس وَذَوُوهمْ . 17354 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا } قَالَ : عُيَيْنَة , وَالْأَقْرَع .
وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْره ضَيَاعًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17355 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ اِبْن عَمْرو فِي حَدِيثه قَالَ : ضَائِعًا . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : ضَيَاعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : ضَيَاعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْره نَدَمًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17356 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا بَدَل بْن الْمُحَبَّر , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن رَاشِد , عَنْ دَاوُدَ { فُرُطًا } قَالَ : نَدَامَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : هَلَاكًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17357 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا مَنْ قَالَ : هَلَاكًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : خِلَافًا لِلْحَقِّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17358 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ : مُخَالِفًا لِلْحَقِّ , ذَلِكَ الْفَرْط . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : ضَيَاعًا وَهَلَاكًا , مِنْ قَوْلهمْ : أَفْرَطَ فُلَان فِي هَذَا الْأَمْر إِفْرَاطًا : إِذَا أَسْرَفَ فِيهِ وَتَجَاوَزَ قَدْره , وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَكَانَ أَمْره فُرُطًا } مَعْنَاهُ : وَكَانَ أَمْر هَذَا الَّذِي أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا فِي الرِّيَاء وَالْكِبْر , وَاحْتِقَار أَهْل الْإِيمَان , سَرَفًا قَدْ تَجَاوَزَ حَدّه , فَضَيَّعَ بِذَلِكَ الْحَقّ وَهَلَكَ . وَقَدْ : 17359 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : قِيلَ لَهُ : كَيْف قَرَأَ عَاصِم ؟ فَقَالَ { كَانَ أَمْره فُرُطًا } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قَالَ أَبُو بَكْر : كَانَ عُيَيْنَة بْن حِصْن يَفْخَر بِقَوْلِ أَنَا وَأَنَا .
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن یَسۡتَغِیثُواْ یُغَاثُواْ بِمَاۤءࣲ كَٱلۡمُهۡلِ یَشۡوِی ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَاۤءَتۡ مُرۡتَفَقًا ﴿٢٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبهمْ عَنْ ذِكْرنَا , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ : الْحَقّ أَيّهَا النَّاس مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , وَإِلَيْهِ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان , وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَال يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْكُمْ لِلرَّشَادِ , فَيُؤْمِن , وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء عَنْ الْهُدَى فَيَكْفُر , لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَلَسْت بِطَارِدٍ لِهَوَاكُمْ مَنْ كَانَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعًا , وَبِاَللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ عَلَيَّ مُؤْمِنًا , فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا , وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ رَبّكُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِهِ نَارًا أَحَاطَ بِكُمْ سُرَادِقهَا , وَإِنْ آمَنْتُمْ بِهِ وَعَمِلْتُمْ بِطَاعَتِهِ , فَإِنَّ لَكُمْ مَا وَصَفَ اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ مَا : 17360 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } يَقُول : مَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْإِيمَان آمَنَ , وَمَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْكُفْر كَفَرَ , وَهُوَ قَوْله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } 81 29 وَلَيْسَ هَذَا بِإِطْلَاقٍ مِنْ اللَّه الْكُفْر لِمَنْ شَاءَ , وَالْإِيمَان لِمَنْ أَرَادَ , وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيد وَوَعِيد . وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } وَالْآيَات بَعْدهَا . كَمَا : 17361 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ عُمَر بْن حَبِيب , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } . قَالَ : وَعِيد مِنْ اللَّه , فَلَيْسَ بِمُعْجِزِي . 17362 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } وَقَوْله { اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } 41 40 قَالَ : هَذَا كُلّه وَعِيد لَيْسَ مُصَانَعَة وَلَا مُرَاشَاة وَلَا تَفْوِيضًا . وَقَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا أَعْدَدْنَا , وَهُوَ مِنْ الْعُدَّة . لِلظَّالِمَيْنِ : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . كَمَا : 17363 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : لِلْكَافِرِينَ .
وَقَوْله : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } يَقُول : أَحَاطَ سُرَادِق النَّار الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ , وَذَلِكَ فِيمَا قِيلَ : حَائِط مِنْ نَار يُطِيف بِهِمْ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاط , وَهِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تُطِيف بِالْفُسْطَاطِ , كَمَا قَالَهُ رُؤْبَة : يَا حَكَمَ بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود سُرَادِق الْفَضْل عَلَيْك مَمْدُود وَكَمَا قَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل : هُوَ الْمُولِج النُّعْمَان بَيْتًا سَمَاؤُهُ صُدُور الْفُيُول بَعْد بَيْت مُسَرْدَق يَعْنِي : بَيْتًا لَهُ سُرَادِق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17364 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : هِيَ حَائِط مِنْ نَار . 17365 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَمَّنْ أَخْبَرَهُ , قَالَ { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : دُخَان يُحِيط بِالْكُفَّارِ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : { ظِلّ ذِي ثَلَاث شُعَب } . 77 30 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } أَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا , وَأَنَّ ذَلِكَ السُّرَادِق هُوَ الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17366 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد وَالْحُسَيْن بْن نَصْر , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُمَيَّة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن حُيَيّ بْن يَعْلَى , عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم " قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْف ذَلِكَ , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة , أَوْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه لَا أَدْخُلهَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْت حَيًّا , وَلَا تُصِيبنِي مِنْهَا قَطْرَة . 17367 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمُر بْن بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِين بْن سَعْد , قَالَ : ثني عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سُرَادِق النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِد مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِدَة مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . 17368 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَاء كَالْمَهْلِ " , قَالَ : " كَعَكَرِ الزَّيْت , فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَ فَرْوَة وَجْهه فِيهِ " .
وَقَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ يَسْتَغِثْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار مِنْ شِدَّة مَا بِهِمْ مِنْ الْعَطَش , فَيَطْلُبُونَ الْمَاء يُغَاثُوا بِمَاءِ الْمُهْل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُهْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كُلّ شَيْء أُذِيبَ وَانْمَاعَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17369 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن مَسْعُود أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ سِقَايَة مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّ فِي الْأَرْض , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ مِنْ جَزْل حَطَب , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ تِلْكَ السِّقَايَة , حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : اُدْعُ مَنْ يَحْضُرنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَدَعَا رَهْطًا , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ , قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَب وَالْفِضَّة , حِين أَزْبَدَ وَانْمَاعَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17370 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد , كَعَكَرِ الزَّيْت . قَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : يَعْنِي دُرْدِيّه . 17371 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : يَقُول : أَسْوَد كَهَيْئَةِ الزَّيْت . 17372 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } مَاء جَهَنَّم أَسْوَد , وَهِيَ سَوْدَاء , وَشَجَرهَا أَسْوَد , وَأَهْلهَا سُود . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : هُوَ مَاء غَلِيظ مِثْل دُرْدِيّ الزَّيْت . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّيْء الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17373 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الْمُهْل : هُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظ قَائِلِيهَا , فَمُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا أُذِيبَ مِنْ رَصَاص أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة فَقَدْ اِنْتَهَى حَرّه , وَأَنَّ مَا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّار حَتَّى صَارَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْت , فَقَدْ اِنْتَهَى أَيْضًا حَرّه . وَقَدْ : 17374 - حُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثْنِي , أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت الْمُنْتَجَع بْن نَبْهَان يَقُول : وَاَللَّه لَفُلَان أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ الطَّلْيَاء وَالْمُهْل , قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا هُمَا ؟ فَقَالَ : الْجَرْبَاء , وَالْمُلَّة الَّتِي تَنْحَدِر عَنْ جَوَانِب الْخُبْزَة إِذَا مَلَّتْ فِي النَّار مِنْ النَّار , كَأَنَّهَا سَهْلَة حَمْرَاء مُدَقَّقَة , فَهِيَ أَحْمَره , فَالْمُهْل إِذَا هُوَ كُلّ مَائِع قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ غَايَة حَرّه , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِعًا , فَانْمَاعَ بِالْوَقُودِ عَلَيْهِ , وَبَلَغَ أَقْصَى الْغَايَة فِي شِدَّة الْحَرّ .
وَقَوْله : { يَشْوِي الْوُجُوه } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاء الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوههمْ . كَمَا : 17375 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا حَيْوَة بْن شُرَيْح , قَالَ : ثنا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر - هَكَذَا قَالَ اِبْن خَلَف - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 : 17 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ , شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ " , يَقُول اللَّه : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ وَيَعْمُر بْن بِشْر , قَالَا : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ صَفْوَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . 17376 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ هَارُون : إِذَا جَاعَ أَهْل النَّار . وَقَالَ جَعْفَر : إِذَا جَاءَ أَهْل النَّار اِسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّوم , فَأَكَلُوا مِنْهَا , فَاخْتَلَسَتْ جُلُود وُجُوههمْ , فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارَّ بِهِمْ يَعْرِفهُمْ , لَعَرَفَ جُلُود وُجُوههمْ فِيهَا , ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِمْ الْعَطَش , فَيَسْتَغِيثُونَ , فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ , وَهُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه , فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاههمْ اِنْشَوَى مِنْ حَرّه لُحُوم وُجُوههمْ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُود .
وَقَوْله : { بِئْسَ الشَّرَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الشَّرَاب , هَذَا الْمَاء الَّذِي يُغَاث بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّم الَّذِي صِفَته مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة .
وَقَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّار الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفَقًا ; وَالْمُرْتَفَق فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُتَّكَأ , يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت إِذَا اِتَّكَأْت , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى أَرَادَ : وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقهَا ; وَقَدْ اِرْتَفَقَ الرَّجُل : إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقه لَا يَأْتِيه نَوْم , وَهُوَ مُرْتَفِق , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقًا كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّاب مَذْبُوح وَأَمَّا مِنْ الرِّفْق فَإِنَّهُ يُقَال : قَدْ اِرْتَفَقْت بِك مُرْتَفَقًا , وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل قَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَعْنِي الْمُجْتَمَع . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُرْتَفَقًا } : أَيْ مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } قَالَ : مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . وَلَسْت أَعْرِف الِارْتِفَاق بِمَعْنَى الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْعَرَب , وَإِنَّمَا الِارْتِفَاق . اِفْتِعَال , إِمَّا مِنْ الْمِرْفَق , وَإِمَّا مِنْ الرِّفْق .
وَقَوْله : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } يَقُول : أَحَاطَ سُرَادِق النَّار الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ , وَذَلِكَ فِيمَا قِيلَ : حَائِط مِنْ نَار يُطِيف بِهِمْ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاط , وَهِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تُطِيف بِالْفُسْطَاطِ , كَمَا قَالَهُ رُؤْبَة : يَا حَكَمَ بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود سُرَادِق الْفَضْل عَلَيْك مَمْدُود وَكَمَا قَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل : هُوَ الْمُولِج النُّعْمَان بَيْتًا سَمَاؤُهُ صُدُور الْفُيُول بَعْد بَيْت مُسَرْدَق يَعْنِي : بَيْتًا لَهُ سُرَادِق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17364 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : هِيَ حَائِط مِنْ نَار . 17365 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَمَّنْ أَخْبَرَهُ , قَالَ { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : دُخَان يُحِيط بِالْكُفَّارِ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : { ظِلّ ذِي ثَلَاث شُعَب } . 77 30 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } أَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا , وَأَنَّ ذَلِكَ السُّرَادِق هُوَ الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17366 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد وَالْحُسَيْن بْن نَصْر , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُمَيَّة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن حُيَيّ بْن يَعْلَى , عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم " قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْف ذَلِكَ , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة , أَوْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه لَا أَدْخُلهَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْت حَيًّا , وَلَا تُصِيبنِي مِنْهَا قَطْرَة . 17367 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمُر بْن بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِين بْن سَعْد , قَالَ : ثني عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سُرَادِق النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِد مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِدَة مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . 17368 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَاء كَالْمَهْلِ " , قَالَ : " كَعَكَرِ الزَّيْت , فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَ فَرْوَة وَجْهه فِيهِ " .
وَقَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ يَسْتَغِثْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار مِنْ شِدَّة مَا بِهِمْ مِنْ الْعَطَش , فَيَطْلُبُونَ الْمَاء يُغَاثُوا بِمَاءِ الْمُهْل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُهْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كُلّ شَيْء أُذِيبَ وَانْمَاعَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17369 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن مَسْعُود أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ سِقَايَة مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّ فِي الْأَرْض , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ مِنْ جَزْل حَطَب , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ تِلْكَ السِّقَايَة , حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : اُدْعُ مَنْ يَحْضُرنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَدَعَا رَهْطًا , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ , قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَب وَالْفِضَّة , حِين أَزْبَدَ وَانْمَاعَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17370 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد , كَعَكَرِ الزَّيْت . قَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : يَعْنِي دُرْدِيّه . 17371 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : يَقُول : أَسْوَد كَهَيْئَةِ الزَّيْت . 17372 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } مَاء جَهَنَّم أَسْوَد , وَهِيَ سَوْدَاء , وَشَجَرهَا أَسْوَد , وَأَهْلهَا سُود . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : هُوَ مَاء غَلِيظ مِثْل دُرْدِيّ الزَّيْت . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّيْء الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17373 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الْمُهْل : هُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظ قَائِلِيهَا , فَمُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا أُذِيبَ مِنْ رَصَاص أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة فَقَدْ اِنْتَهَى حَرّه , وَأَنَّ مَا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّار حَتَّى صَارَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْت , فَقَدْ اِنْتَهَى أَيْضًا حَرّه . وَقَدْ : 17374 - حُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثْنِي , أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت الْمُنْتَجَع بْن نَبْهَان يَقُول : وَاَللَّه لَفُلَان أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ الطَّلْيَاء وَالْمُهْل , قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا هُمَا ؟ فَقَالَ : الْجَرْبَاء , وَالْمُلَّة الَّتِي تَنْحَدِر عَنْ جَوَانِب الْخُبْزَة إِذَا مَلَّتْ فِي النَّار مِنْ النَّار , كَأَنَّهَا سَهْلَة حَمْرَاء مُدَقَّقَة , فَهِيَ أَحْمَره , فَالْمُهْل إِذَا هُوَ كُلّ مَائِع قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ غَايَة حَرّه , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِعًا , فَانْمَاعَ بِالْوَقُودِ عَلَيْهِ , وَبَلَغَ أَقْصَى الْغَايَة فِي شِدَّة الْحَرّ .
وَقَوْله : { يَشْوِي الْوُجُوه } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاء الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوههمْ . كَمَا : 17375 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا حَيْوَة بْن شُرَيْح , قَالَ : ثنا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر - هَكَذَا قَالَ اِبْن خَلَف - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 : 17 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ , شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ " , يَقُول اللَّه : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ وَيَعْمُر بْن بِشْر , قَالَا : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ صَفْوَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . 17376 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ هَارُون : إِذَا جَاعَ أَهْل النَّار . وَقَالَ جَعْفَر : إِذَا جَاءَ أَهْل النَّار اِسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّوم , فَأَكَلُوا مِنْهَا , فَاخْتَلَسَتْ جُلُود وُجُوههمْ , فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارَّ بِهِمْ يَعْرِفهُمْ , لَعَرَفَ جُلُود وُجُوههمْ فِيهَا , ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِمْ الْعَطَش , فَيَسْتَغِيثُونَ , فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ , وَهُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه , فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاههمْ اِنْشَوَى مِنْ حَرّه لُحُوم وُجُوههمْ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُود .
وَقَوْله : { بِئْسَ الشَّرَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الشَّرَاب , هَذَا الْمَاء الَّذِي يُغَاث بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّم الَّذِي صِفَته مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة .
وَقَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّار الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفَقًا ; وَالْمُرْتَفَق فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُتَّكَأ , يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت إِذَا اِتَّكَأْت , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى أَرَادَ : وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقهَا ; وَقَدْ اِرْتَفَقَ الرَّجُل : إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقه لَا يَأْتِيه نَوْم , وَهُوَ مُرْتَفِق , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقًا كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّاب مَذْبُوح وَأَمَّا مِنْ الرِّفْق فَإِنَّهُ يُقَال : قَدْ اِرْتَفَقْت بِك مُرْتَفَقًا , وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل قَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَعْنِي الْمُجْتَمَع . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُرْتَفَقًا } : أَيْ مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } قَالَ : مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . وَلَسْت أَعْرِف الِارْتِفَاق بِمَعْنَى الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْعَرَب , وَإِنَّمَا الِارْتِفَاق . اِفْتِعَال , إِمَّا مِنْ الْمِرْفَق , وَإِمَّا مِنْ الرِّفْق .
إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ﴿٣٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَعَمِلُوا بِطَاعَةِ اللَّه , وَانْتَهَوْا إِلَى أَمْره وَنَهْيه , إِنَّا لَا نُضِيع ثَوَاب مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا , فَأَطَاعَ اللَّه , وَاتَّبَعَ أَمْره وَنَهْيه , بَلْ نُجَازِيه بِطَاعَتِهِ وَعَمَله الْحَسَن جَنَّات عَدْن تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيْنَ خَبَر " إِنَّ " الْأُولَى ؟ قِيلَ : جَائِز أَنْ يَكُون خَبَرهَا قَوْله : { إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ عَمِلَ صَالِحًا , فَتَرَكَ الْكَلَام الْأَوَّل , وَاعْتَمَدَ عَلَى الثَّانِي بِنِيَّةِ التَّكْرِير , كَمَا قِيلَ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ } 2 217 بِمَعْنَى : عَنْ قِتَال فِيهِ عَلَى التَّكْرِير , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِنَّ الْخَلِيفَة إِنَّ اللَّه سَرْبَلَهُ سِرْبَال مُلْك بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيم وَيُرْوَى : تُرْخَى ; وَجَائِز أَنْ يَكُون : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } جَزَاء , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : إِنَّ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّا لَا نُضِيع أَجْره , فَتُضْمَر الْفَاء فِي قَوْله " إِنَّا " ; وَجَائِز أَنْ يَكُون خَبَرهَا : أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّات عَدْن , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّات عَدْن .
أُوْلَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرُ یُحَلَّوۡنَ فِیهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبࣲ وَیَلۡبَسُونَ ثِیَابًا خُضۡرࣰا مِّن سُندُسࣲ وَإِسۡتَبۡرَقࣲ مُّتَّكِـِٔینَ فِیهَا عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقࣰا ﴿٣١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّات عَدْن تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ الْأَنْهَار يُحَلُّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جَنَّات عَدْن , يَعْنِي بَسَاتِين إِقَامَة فِي الْآخِرَة . { تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي مِنْ دُونهمْ وَمِنْ أَيْدِيهمْ الْأَنْهَار . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مِنْ تَحْتهمْ } , وَمَعْنَاهُ : مِنْ دُونهمْ وَبَيْن أَيْدِيهمْ , { يُحَلُّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر } يَقُول : يَلْبَسُونَ فِيهَا مِنْ الْحُلِيّ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب , وَالْأَسَاوِر : جَمَعَ إِسْوَار .
وَقَوْله : { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُس } وَالسُّنْدُس : جَمْع وَاحِدهَا سُنْدُسَة , وَهِيَ مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاج . وَالْإِسْتَبْرَق : مَا غَلُظَ مِنْهُ وَثَخُنَ ; وَقِيلَ : إِنَّ الْإِسْتَبْرَق : هُوَ الْحَرِير ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُرَقَّش : تَرَاهُنَّ يَلْبَسْنَ الْمَشَاعِر مَرَّة وَإِسْتَبْرَق الدِّيبَاج طَوْرًا لِبَاسهَا يَعْنِي : وَغَلِيظ الدِّيبَاج .
وَقَوْله : { مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِك } يَقُول : مُتَّكِئِينَ فِي جَنَّات عَدْن عَلَى الْأَرَائِك , وَهِيَ السُّرَر فِي الْحِجَال , وَاحِدَتهَا : أَرِيكَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : خُدُودًا جَفَّتْ فِي السَّيْر حَتَّى كَأَنَّمَا يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِك وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : بَيْن الرِّوَاق وَجَانِب مِنْ سِتْرهَا مِنْهَا وَبَيْن أَرِيكَة الْأَنْضَاد وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17378 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { عَلَى الْأَرَائِك } قَالَ : هِيَ الْحِجَال . قَالَ مَعْمَر , وَقَالَ غَيْره : السُّرَر فِي الْحِجَال .
وَقَوْله : { نِعْمَ الثَّوَاب } يَقُول : نِعْمَ الثَّوَاب جَنَّات عَدْن , وَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلِمُوا الصَّالِحَات . { وَحَسُنْت مُرْتَفَقًا } يَقُول : وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِك فِي هَذِهِ الْجِنَان الَّتِي وَصَفَ تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة مُتَّكَأ . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } فَأَنَّثَ الْفِعْل بِمَعْنَى : وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِك مُرْتَفَقًا , وَلَوْ ذُكِرَ لِتَذْكِيرِ الْمُرْتَفَق كَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ نِعْمَ وَبِئْسَ إِنَّمَا تُدْخِلهُمَا الْعَرَب فِي الْكَلَام لِتَدُلَّا عَلَى الْمَدْح وَالذَّمّ لَا لِلْفِعْلِ , فَلِذَلِكَ تُذَكِّرهُمَا مَعَ الْمُؤَنَّث , وَتُوَحِّدهُمَا مَعَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَة .
وَقَوْله : { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُس } وَالسُّنْدُس : جَمْع وَاحِدهَا سُنْدُسَة , وَهِيَ مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاج . وَالْإِسْتَبْرَق : مَا غَلُظَ مِنْهُ وَثَخُنَ ; وَقِيلَ : إِنَّ الْإِسْتَبْرَق : هُوَ الْحَرِير ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُرَقَّش : تَرَاهُنَّ يَلْبَسْنَ الْمَشَاعِر مَرَّة وَإِسْتَبْرَق الدِّيبَاج طَوْرًا لِبَاسهَا يَعْنِي : وَغَلِيظ الدِّيبَاج .
وَقَوْله : { مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِك } يَقُول : مُتَّكِئِينَ فِي جَنَّات عَدْن عَلَى الْأَرَائِك , وَهِيَ السُّرَر فِي الْحِجَال , وَاحِدَتهَا : أَرِيكَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : خُدُودًا جَفَّتْ فِي السَّيْر حَتَّى كَأَنَّمَا يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِك وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : بَيْن الرِّوَاق وَجَانِب مِنْ سِتْرهَا مِنْهَا وَبَيْن أَرِيكَة الْأَنْضَاد وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17378 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { عَلَى الْأَرَائِك } قَالَ : هِيَ الْحِجَال . قَالَ مَعْمَر , وَقَالَ غَيْره : السُّرَر فِي الْحِجَال .
وَقَوْله : { نِعْمَ الثَّوَاب } يَقُول : نِعْمَ الثَّوَاب جَنَّات عَدْن , وَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلِمُوا الصَّالِحَات . { وَحَسُنْت مُرْتَفَقًا } يَقُول : وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِك فِي هَذِهِ الْجِنَان الَّتِي وَصَفَ تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْآيَة مُتَّكَأ . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } فَأَنَّثَ الْفِعْل بِمَعْنَى : وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِك مُرْتَفَقًا , وَلَوْ ذُكِرَ لِتَذْكِيرِ الْمُرْتَفَق كَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ نِعْمَ وَبِئْسَ إِنَّمَا تُدْخِلهُمَا الْعَرَب فِي الْكَلَام لِتَدُلَّا عَلَى الْمَدْح وَالذَّمّ لَا لِلْفِعْلِ , فَلِذَلِكَ تُذَكِّرهُمَا مَعَ الْمُؤَنَّث , وَتُوَحِّدهُمَا مَعَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَة .
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلࣰا رَّجُلَیۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَیۡنِ مِنۡ أَعۡنَـٰبࣲ وَحَفَفۡنَـٰهُمَا بِنَخۡلࣲ وَجَعَلۡنَا بَیۡنَهُمَا زَرۡعࣰا ﴿٣٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنهمَا زَرْعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ , الَّذِينَ سَأَلُوك أَنْ تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه , { مَثَلًا } مَثَل { رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } أَيْ جَعَلْنَا لَهُ بَسَاتِين مِنْ كُرُوم { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } يَقُول : وَأَطَفْنَا هَذَيْنِ الْبَسَاتِين بِنَخْلٍ . وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمَا زَرْعًا } يَقُول : وَجَعَلْنَا وَسَط هَذَيْنِ الْبَسَاتِين زَرْعًا .
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَیۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَیۡـࣰٔاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرࣰا ﴿٣٣﴾
وَقَوْله : { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلهَا } يَقُول : كِلَا الْبُسْتَانَيْنِ أَطْعَمَ ثَمَره وَمَا فِيهِ مِنْ الْغُرُوس مِنْ النَّخْل وَالْكَرْم وَصُنُوف الزَّرْع . وَقَالَ : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ , ثُمَّ قَالَ : آتَتْ , فَوَحَّدَ الْخَبَر , لِأَنَّ كِلْتَا لَا يُفْرَد وَاحِدَتهَا , وَأَصْله كُلّ , وَقَدْ تُفْرِد الْعَرَب كِلْتَا أَحْيَانًا , وَيَذْهَبُونَ بِهَا وَهِيَ مُفْرَدَة إِلَى التَّثْنِيَة ; قَالَ بَعْض الرُّجَّاز فِي ذَلِكَ : فِي كِلْت رِجْلَيْهَا سُلَامَى وَاحِدَهْ كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَة بِزَائِدَهْ يُرِيد بِكِلْت : كِلْتَا , وَكَذَلِكَ تَفْعَل بِكِلْتَا وَكِلَا وَكُلّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَة , وَجَاءَ الْفِعْل بَعْدهنَّ وَيُجْمَع وَيُوَحَّد .
وَقَوْله : { وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا } يَقُول : وَلَمْ تَنْقُص مِنْ الْأَكْل شَيْئًا , بَلْ آتَتْ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : ظَلَمَ فُلَان فُلَانًا حَقّه : إِذَا بَخَسَهُ وَنَقَصَهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَظَلَّمَنِي مَا لِي كَذَا وَلَوَى يَدِي لَوَى يَده اللَّه الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17379 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا } : أَيْ لَمْ تَنْقُص , مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَوْله : { وَفَجَّرْنَا خِلَالهمَا نَهَرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَيَّلْنَا خِلَال هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ نَهَرًا , يَعْنِي بَيْنهَا وَبَيْن أَشْجَارهمَا نَهَرًا . وَقِيلَ : { وَفَجَّرْنَا } فَثَقَّلَ الْجِيم مِنْهُ , لِأَنَّ التَّفْجِير فِي النَّهَر كُلّه , وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمِيد مَاء فَيَسِيل بَعْضه بَعْضًا .
وَقَوْله : { وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا } يَقُول : وَلَمْ تَنْقُص مِنْ الْأَكْل شَيْئًا , بَلْ آتَتْ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : ظَلَمَ فُلَان فُلَانًا حَقّه : إِذَا بَخَسَهُ وَنَقَصَهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَظَلَّمَنِي مَا لِي كَذَا وَلَوَى يَدِي لَوَى يَده اللَّه الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17379 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا } : أَيْ لَمْ تَنْقُص , مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَوْله : { وَفَجَّرْنَا خِلَالهمَا نَهَرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَيَّلْنَا خِلَال هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ نَهَرًا , يَعْنِي بَيْنهَا وَبَيْن أَشْجَارهمَا نَهَرًا . وَقِيلَ : { وَفَجَّرْنَا } فَثَقَّلَ الْجِيم مِنْهُ , لِأَنَّ التَّفْجِير فِي النَّهَر كُلّه , وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمِيد مَاء فَيَسِيل بَعْضه بَعْضًا .
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا ﴿٣٤﴾
وَقَوْله : { وَكَانَ لَهُ ثَمَر } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : " وَكَانَ لَهُ ثُمُر " بِضَمِّ الثَّاء وَالْمِيم . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ لَهُ ذَهَب وَفِضَّة , وَقَالُوا : ذَلِكَ هُوَ الثَّمَر , لِأَنَّهَا أَمْوَال مُثَمَّرَة , يَعْنِي مُكَثَّرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17380 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَكَانَ لَهُ ثَمَر } قَالَ : ذَهَب وَفِضَّة , وَفِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { بِثُمُرِهِ } قَالَ : هِيَ أَيْضًا ذَهَب وَفِضَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { ثَمَر } قَالَ : ذَهَبَ وَفِضَّة . قَالَ : وَقَوْله : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } 18 42 هِيَ هِيَ أَيْضًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ : الْمَال الْكَثِير مِنْ صُنُوف الْأَمْوَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17381 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَرَأَهَا اِبْن عَبَّاس : " وَكَانَ لَهُ ثُمُر " بِالضَّمِّ , وَقَالَ : يَعْنِي أَنْوَاع الْمَال . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَكَانَ لَهُ ثَمَر " يَقُول : مَال . 17382 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد . قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " وَكَانَ لَهُ ثَمَر " يَقُول : مِنْ كُلّ الْمَال . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } قَالَ : الثَّمَر مِنْ الْمَال كُلّه يَعْنِي الثَّمَر , وَغَيْره مِنْ الْمَال كُلّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : " الثَّمَر " الْمَال كُلّه , قَالَ : وَكُلّ مَال إِذَا اِجْتَمَعَ فَهُوَ ثَمَر إِذَا كَانَ مِنْ لَوْن الثَّمَرَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمَال كُلّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ الْأَصْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17383 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : " وَكَانَ لَهُ ثَمَر " الثَّمَر الْأَصْل . قَالَ { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } قَالَ : بِأَصْلِهِ . وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهَا أَنْوَاع مِنْ الْمَال , أَرَادُوا أَنَّهَا جَمْع ثِمَار جَمْع ثَمَر , كَمَا يُجْمَع الْكِتَاب كُتُبًا , وَالْحِمَار حُمُرًا . وَقَدْ قَرَأَ بَعْض مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة " ثُمْر " بِضَمِّ الثَّاء وَسُكُون الْمِيم , وَهُوَ يُرِيد الضَّمّ فِيهَا غَيْر أَنَّهُ سَكَّنَهَا طَلَبَ التَّخْفِيف . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِهَا جَمْع ثَمَرَة , كَمَا تُجْمَع الْخَشَبَة خَشَبًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمَدَنِيِّينَ : { وَكَانَ لَهُ ثَمَر } بِفَتْحِ الثَّاء وَالْمِيم , بِمَعْنَى جَمْع الثَّمَرَة , كَمَا تُجْمَع الْخَشَبَة خَشَبًا . وَالْقَصَبَة قَصَبًا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَات فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ { وَكَانَ لَهُ ثَمَر } بِضَمِّ الثَّاء وَالْمِيم لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ جَمْع ثِمَار , كَمَا الْكُتُب جَمْع كِتَاب . وَمَعْنَى الْكَلَام : { وَفَجَّرْنَا خِلَالهمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ } مِنْهُمَا { ثَمَر } بِمَعْنَى مِنْ جَنَّتَيْهِ أَنْوَاع مِنْ الثِّمَار . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ , قَوْله : { جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنهمَا زَرْعًا } ثُمَّ قَالَ : وَكَانَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكُرُوم وَالنَّخْل وَالزَّرْع ثَمَر .
وَقَوْله : { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرهُ } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب , لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَال لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبهُ : { أَنَا أَكْثَر مِنْك مَالًا وَأَعَزّ نَفَرًا } يَقُول : وَأَعَزّ عَشِيرَة وَرَهْطًا , كَمَا قَالَ عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ سَادَات الْعَرَب , وَأَرْبَاب الْأَمْوَال , فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَان وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا , اِحْتِقَارًا لَهُمْ , وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ , كَمَا : 17384 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرهُ أَنَا أَكْثَر مِنْك مَالًا وَأَعَزّ نَفَرًا } وَتِلْكَ وَاَللَّه أُمْنِيَة الْفَاجِر : كَثْرَة الْمَال , وَعِزَّة النَّفَر .
وَقَوْله : { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرهُ } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب , لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَال لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبهُ : { أَنَا أَكْثَر مِنْك مَالًا وَأَعَزّ نَفَرًا } يَقُول : وَأَعَزّ عَشِيرَة وَرَهْطًا , كَمَا قَالَ عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ سَادَات الْعَرَب , وَأَرْبَاب الْأَمْوَال , فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَان وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا , اِحْتِقَارًا لَهُمْ , وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ , كَمَا : 17384 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرهُ أَنَا أَكْثَر مِنْك مَالًا وَأَعَزّ نَفَرًا } وَتِلْكَ وَاَللَّه أُمْنِيَة الْفَاجِر : كَثْرَة الْمَال , وَعِزَّة النَّفَر .
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَاۤ أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَـٰذِهِۦۤ أَبَدࣰا ﴿٣٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَدَخَلَ جَنَّته وَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب { دَخَلَ جَنَّته } وَهِيَ بُسْتَانه { وَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ } وَظُلْمه نَفْسه : كُفْره بِالْبَعْثِ , وَشَكّه فِي قِيَام السَّاعَة , وَنِسْيَانه الْمَعَاد إِلَى اللَّه تَعَالَى , فَأَوْجَبَ لَهَا بِذَلِكَ سَخَط اللَّه وَأَلِيم عِقَابه . وَقَوْله : { قَالَ مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ لَمَّا عَايَنَ جَنَّته , وَرَآهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَشْجَار وَالثِّمَار وَالزُّرُوع وَالْأَنْهَار الْمُطَّرِدَة شَكًّا فِي الْمَعَاد إِلَى اللَّه : مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ الْجَنَّة أَبَدًا , وَلَا تَفْنَى وَلَا تَخْرَب .
وَمَاۤ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَاۤىِٕمَةࣰ وَلَىِٕن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا مُنقَلَبࣰا ﴿٣٦﴾
وَمَا أَظُنّ السَّاعَة الَّتِي وَعَدَ اللَّه خَلْقه الْحَشْر فِيهَا تَقُوم فَتَحْدُث , ثُمَّ تَمَنَّى أَمْنِيَّة أُخْرَى عَلَى شَكّ مِنْهُ , فَقَالَ : { وَلَئِنْ رُدِدْت إِلَى رَبِّي } فَرَجَعْت إِلَيْهِ , وَهُوَ غَيْر مُوقِن أَنَّهُ رَاجِع إِلَيَّ { لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } يَقُول : لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِي هَذِهِ عِنْد اللَّه إِنْ رُدِدْت إِلَيْهِ مَرْجِعًا وَمَرَدًّا , يَقُول : لَمْ يُعْطِنِي هَذِهِ الْجَنَّة فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلِي عِنْده أَفْضَل مِنْهَا فِي الْمَعَاد إِنْ رُدِدْت إِلَيْهِ . كَمَا : 17385 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } قَالَ : شَكَّ , ثُمَّ قَالَ : { وَلَئِنْ } كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ { رُدِدْت إِلَى رَبِّي لَأَجِدَن خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } مَا أَعْطَانِي هَذِهِ إِلَّا وَلِي عِنْده خَيْر مِنْ ذَلِكَ . 17386 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَدَخَلَ جَنَّته وَهُوَ ظَالِم لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } كَفُور لِنِعَمِ رَبّه , مُكَذِّب بِلِقَائِهِ , مُتَمَنٍّ عَلَى اللَّه .
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِی خَلَقَكَ مِن تُرَابࣲ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةࣲ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلࣰا ﴿٣٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ لَهُ صَاحِبه وَهُوَ يُحَاوِرهُ أَكَفَرْت بِاَلَّذِي خَلَقَك مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاك رَجُلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ لِصَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ صَاحِبه الَّذِي هُوَ أَقَلّ مِنْهُ مَالًا وَوَلَدًا , { وَهُوَ يُحَاوِرهُ } : يَقُول : وَهُوَ يُخَاطِبهُ وَيُكَلِّمهُ : { أَكَفَرْت بِاَلَّذِي خَلَقَك مِنْ تُرَاب } يَعْنِي خَلَقَ أَبَاك آدَم مِنْ تُرَاب { ثُمَّ مِنْ نُطْفَة } يَقُول : ثُمَّ أَنْشَأَك مِنْ نُطْفَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة , { ثُمَّ سَوَّاك رَجُلًا } يَقُول : ثُمَّ عَدَلَك بَشَرًا سَوِيًّا رَجُلًا , ذَكَرًا لَا أُنْثَى , يَقُول : أَكَفَرْت بِمَنْ فَعَلَ بِك هَذَا أَنْ يُعِيدك خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد مَا تَصِير رُفَاتًا .
لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّی وَلَاۤ أُشۡرِكُ بِرَبِّیۤ أَحَدࣰا ﴿٣٨﴾
{ لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي } يَقُول : أَمَّا أَنَا فَلَا أَكْفُر بِرَبِّي , وَلَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّه رَبِّي , مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُول : وَلَكِنْ أَنَا أَقُول : هُوَ اللَّه رَبِّي { وَلَا أُشْرِك بِرَبِّي أَحَدًا } . وَفِي قِرَاءَة ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لَكِنَّ هُوَ اللَّه رَبِّي بِتَشْدِيدِ النُّون وَحَذْف الْأَلِف فِي حَال الْوَصْل , كَمَا يُقَال : أَنَا قَائِم فَتُحْذَف الْأَلِف مِنْ أَنَا , وَذَلِكَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْعِرَاق . وَأَمَّا فِي الْوَقْف فَإِنَّ الْقِرَاءَة كُلّهَا تَثْبُت فِيهَا الْأَلِف , لِأَنَّ النُّون إِنَّمَا شُدِّدَتْ لِانْدِغَام النُّون مِنْ لَكِنَّ , وَهِيَ سَاكِنَة فِي النُّون الَّتِي مِنْ أَنَا , إِذْ سَقَطَتْ الْهَمْزَة الَّتِي فِي أَنَا , فَإِذَا وَقَفَ عَلَيْهَا ظَهَرَتْ الْأَلِف الَّتِي فِي أَنَا , فَقِيلَ : لَكِنَّا , لِأَنَّهُ يُقَال فِي الْوَقْف عَلَى أَنَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِف لَا بِإِسْقَاطِهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز : { لَكِنَّا } بِإِثْبَاتِ الْأَلِف فِي الْوَصْل وَالْوَقْف , وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْطَق بِهِ فِي ضَرُورَة الشِّعْر , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَنَا سَيْف الْعَشِيرَة فَاعْرِفُونِي حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْت السَّنَامَا فَأَثْبَتَ الْأَلِف فِي أَنَا , فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفَصِيحِ مِنْ الْكَلَام , وَالْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة عِنْدنَا مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ , وَهُوَ حَذْف الْأَلِف مِنْ " لَكِنَّ " فِي الْوَصْل , وَإِثْبَاتهَا فِي الْوَقْف .
وَلَوۡلَاۤ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَاۤءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالࣰا وَوَلَدࣰا ﴿٣٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْت جَنَّتك قُلْت مَا شَاءَ اللَّه لَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَهَلَّا إِذْ دَخَلْت بُسْتَانك , فَأَعْجَبَك مَا رَأَيْت مِنْهُ , قُلْت مَا شَاءَ اللَّه كَانَ ; وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ , وَهُوَ جَوَاب الْجَزَاء , وَذَلِكَ كَانَ . وَإِذَا وَجْه الْكَلَام إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا كَانَتْ " مَا " نَصْبًا بِوُقُوعِ فِعْل اللَّه عَلَيْهِ , وَهُوَ شَاءَ ; وَجَازَ طَرْح الْجَوَاب , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَعْرُوف , كَمَا قِيلَ : فَإِنْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَبْتَغِي نَفَقًا فِي الْأَرْض , وَتَرْك الْجَوَاب , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول " مَا " مِنْ قَوْله : { مَا شَاءَ اللَّه } فِي مَوْضِع رَفْع بِإِضْمَارِ هُوَ , كَأَنَّهُ قِيلَ : قُلْت هُوَ مَا شَاءَ اللَّه { لَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ } يَقُول : لَا قُوَّة عَلَى مَا نُحَاوِل مِنْ طَاعَته إِلَّا بِهِ .
وَقَوْله : { إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا } وَهُوَ قَوْل الْمُؤْمِن الَّذِي لَا مَال لَهُ , وَلَا عَشِيرَة , مِثْل صَاحِب الْجَنَّتَيْنِ وَعَشِيرَته , وَهُوَ مِثْل سَلْمَان وَصُهَيْب وَخَبَّاب , يَقُول : قَالَ الْمُؤْمِن لِلْكَافِرِ : إِنْ تَرَنِ أَيّهَا الرَّجُل أَنَا أَقَلّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا ; فَإِذَا جَعَلْت أَنَا عِمَادًا نَصَبْت أَقَلّ , وَبِهِ الْقِرَاءَة عِنْدنَا , لِأَنَّ عَلَيْهِ قِرَاءَة الْأَمْصَار , وَإِذَا جَعَلْته اِسْمًا رَفَعْت أَقَلّ .
وَقَوْله : { إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا } وَهُوَ قَوْل الْمُؤْمِن الَّذِي لَا مَال لَهُ , وَلَا عَشِيرَة , مِثْل صَاحِب الْجَنَّتَيْنِ وَعَشِيرَته , وَهُوَ مِثْل سَلْمَان وَصُهَيْب وَخَبَّاب , يَقُول : قَالَ الْمُؤْمِن لِلْكَافِرِ : إِنْ تَرَنِ أَيّهَا الرَّجُل أَنَا أَقَلّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا ; فَإِذَا جَعَلْت أَنَا عِمَادًا نَصَبْت أَقَلّ , وَبِهِ الْقِرَاءَة عِنْدنَا , لِأَنَّ عَلَيْهِ قِرَاءَة الْأَمْصَار , وَإِذَا جَعَلْته اِسْمًا رَفَعْت أَقَلّ .
فَعَسَىٰ رَبِّیۤ أَن یُؤۡتِیَنِ خَیۡرࣰا مِّن جَنَّتِكَ وَیُرۡسِلَ عَلَیۡهَا حُسۡبَانࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَتُصۡبِحَ صَعِیدࣰا زَلَقًا ﴿٤٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتك وَيُرْسِل عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الْمُؤْمِن الْمُوقِن لِلْمَعَادِ إِلَى اللَّه لِلْكَافِرِ الْمُرْتَاب فِي قِيَام السَّاعَة : إِنْ تَرَنِ أَيّهَا الرَّجُل أَنَا أَقَلّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا فِي الدُّنْيَا , فَعَسَى رَبِّي أَنْ يَرْزُقنِي خَيْرًا مِنْ بُسْتَانك هَذَا { وَيُرْسِل عَلَيْهَا } يَعْنِي عَلَى جَنَّة الْكَافِر الَّتِي قَالَ لَهَا : مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا { حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } يَقُول : عَذَابًا مِنْ السَّمَاء تَرْمِي بِهِ رَمْيًا , وَتَقْذِف . وَالْحُسْبَان : جَمْع حُسْبَانَةٍ , وَهِيَ الْمَرَامِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17387 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوْ يُرْسِل عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } عَذَابًا . 17388 - حُدِّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : عَذَابًا . 17389 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ يُرْسِل عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } . قَالَ : عَذَابًا , قَالَ : الْحُسْبَان : قَضَاء مِنْ اللَّه يَقْضِيه . 17390 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْحُسْبَان : الْعَذَاب . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } قَالَ : عَذَابًا .
وَقَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَتُصْبِح جَنَّتك هَذِهِ أَيّهَا الرَّجُل أَرْضًا مَلْسَاء لَا شَيْء فِيهَا , قَدْ ذَهَبَ كُلّ مَا فِيهَا مِنْ غَرْس وَنَبْت , وَعَادَتْ خَرَابًا بَلَاقِع , زَلَقًا , لَا يَثْبُت فِي أَرْضهَا قَدَم لَا مَلْسَاسهَا , وَدُرُوس مَا كَانَ نَابِتًا فِيهَا . 17391 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } : أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَك فِيهَا شَيْء . 17392 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } قَالَ : مِثْل الْجُرُز . 17393 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } قَالَ : صَعِيدًا زَلَقًا وَصَعِيدًا جُرُزًا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا شَيْء مِنْ النَّبَات .
وَقَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَتُصْبِح جَنَّتك هَذِهِ أَيّهَا الرَّجُل أَرْضًا مَلْسَاء لَا شَيْء فِيهَا , قَدْ ذَهَبَ كُلّ مَا فِيهَا مِنْ غَرْس وَنَبْت , وَعَادَتْ خَرَابًا بَلَاقِع , زَلَقًا , لَا يَثْبُت فِي أَرْضهَا قَدَم لَا مَلْسَاسهَا , وَدُرُوس مَا كَانَ نَابِتًا فِيهَا . 17391 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } : أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَك فِيهَا شَيْء . 17392 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } قَالَ : مِثْل الْجُرُز . 17393 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا } قَالَ : صَعِيدًا زَلَقًا وَصَعِيدًا جُرُزًا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا شَيْء مِنْ النَّبَات .
أَوۡ یُصۡبِحَ مَاۤؤُهَا غَوۡرࣰا فَلَن تَسۡتَطِیعَ لَهُۥ طَلَبࣰا ﴿٤١﴾
وَقَوْله : { أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا } يَقُول : أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَائِرًا ; فَوَضَعَ الْغَوْر وَهُوَ مَصْدَر مَكَان الْغَائِر , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تَظَلّ جِيَاده نَوْحًا عَلَيْهِ مُقَلَّدَة أَعِنَّتهَا صُفُونَا بِمَعْنَى نَائِحَة ; وَكَمَا قَالَ الْآخَر : هَرِيقِي مِنْ دُمُوعهمَا سَجَامًا ضُبَاع وَجَاوِبِي نَوْحًا قِيَامَا وَالْعَرَب تُوَحِّد الْغَوْر مَعَ الْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ , وَتُذَكِّر مَعَ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث , تَقُول : مَاء غَوْر , وَمَاءَانِ غَوْر وَمِيَاه غَوْر . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { غَوْرًا } ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْض , فَذَهَبَ فَلَا تَلْحَقهُ الرِّشَاء , كَمَا : 17394 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوْ يُصْبِح مَاؤُهَا غَوْرًا } أَيْ ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْض .
وَقَوْله : { فَلَنْ تَسْتَطِيع لَهُ طَلَبًا } يَقُول : فَلَنْ تُطِيق أَنْ تُدْرِك الْمَاء الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتك بَعْد غَوْره , بِطَلَبِك إِيَّاهُ .
وَقَوْله : { فَلَنْ تَسْتَطِيع لَهُ طَلَبًا } يَقُول : فَلَنْ تُطِيق أَنْ تُدْرِك الْمَاء الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتك بَعْد غَوْره , بِطَلَبِك إِيَّاهُ .
وَأُحِیطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ یُقَلِّبُ كَفَّیۡهِ عَلَىٰ مَاۤ أَنفَقَ فِیهَا وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَیَقُولُ یَـٰلَیۡتَنِی لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّیۤ أَحَدࣰا ﴿٤٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا وَيَقُول يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِك بِرَبِّي أَحَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحَاطَ الْهَلَاك وَالْجَوَائِح بِثَمَرِهِ , وَهِيَ صُنُوف ثِمَار جَنَّته الَّتِي كَانَ يَقُول لَهَا : { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا } فَأَصْبَحَ هَذَا الْكَافِر صَاحِب هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ , يُقَلِّب كَفَّيْهِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ , تَلَهُّفًا وَأَسَفًا عَلَى ذَهَاب نَفَقَته الَّتِي أَنْفَقَ فِي جَنَّته { وَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا } يَقُول : وَهِيَ خَالِيَة عَلَى نَبَاتهَا وَبُيُوتهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17395 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَصْبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ } : أَيْ يُصَفِّق { كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } مُتَلَهِّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ . { و } هُوَ { يَقُول يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِك بِرَبِّي أَحَدًا } وَيَقُول : يَا لَيْتَنِي , يَقُول : يَتَمَنَّى هَذَا الْكَافِر بَعْد مَا أُصِيبَ بِجَنَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَانَ أَشْرَكَ بِرَبِّهِ أَحَدًا , يَعْنِي بِذَلِكَ : هَذَا الْكَافِر إِذَا هَلَكَ وَزَالَتْ عَنْهُ دُنْيَاهُ وَانْفَرَدَ بِعَمَلِهِ , وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَلَا أُشْرِك بِهِ شَيْئًا .
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةࣱ یَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿٤٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فِئَة , وَهُمْ الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ الْعَجَّاج : كَمَا يَحُوز الْفِئَة الْكَمِيّ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنْ خَالَفَ بَعْضهمْ فِي الْعِبَارَة عَنْهُ عِبَارَتنَا , فَإِنَّ مَعْنَاهُمْ نَظِير مَعْنَانَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّه } قَالَ : عَشِيرَته . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17397 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّه } : أَيْ جُنْد يَنْصُرُونَهُ . وَقَوْله : { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : يَمْنَعُونَهُ مِنْ عِقَاب اللَّه وَعَذَاب اللَّه إِذَا عَاقَبَهُ وَعَذَّبَهُ .
وَقَوْله { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْ عَذَاب اللَّه إِذَا عَذَّبَهُ , كَمَا : 17398 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } : أَيْ مُمْتَنِعًا .
وَقَوْله { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْ عَذَاب اللَّه إِذَا عَذَّبَهُ , كَمَا : 17398 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } : أَيْ مُمْتَنِعًا .
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَـٰیَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَیۡرࣱ ثَوَابࣰا وَخَیۡرٌ عُقۡبࣰا ﴿٤٤﴾
وَقَوْله : { هُنَالِكَ الْوَلَايَة لِلَّهِ الْحَقّ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : ثُمَّ وَذَلِكَ حِين حَلَّ عَذَاب اللَّه بِصَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ فِي الْقِيَامَة . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : الْوِلَايَة , فَقَرَأَ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة { هُنَالِكَ الْوَلَايَة } بِفَتْحِ الْوَاو مِنْ الْوِلَايَة , يَعْنُونَ بِذَلِكَ هُنَالِكَ الْمُوَالَاة لِلَّهِ , كَقَوْلِ اللَّه : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا } 2 257 وَكَقَوْلِهِ : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا } 47 11 يَذْهَبُونَ بِهَا إِلَى الْوِلَايَة فِي الدِّين . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " هُنَالِكَ الْوِلَايَة " بِكَسْرِ الْوَاو : مِنْ الْمُلْك وَالسُّلْطَان , مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَلِيت عَمَل كَذَا , أَوْ بَلْدَة كَذَا أَلِيه وِلَايَة . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْوَاو , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَقَّبَ ذَلِكَ خَبَره عَنْ مُلْكه وَسُلْطَانه , وَأَنَّ مَنْ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَته يَوْم الْقِيَامَة فَلَا نَاصِر لَهُ يَوْمئِذٍ , فَاتِّبَاع ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ اِنْفِرَاده بِالْمَمْلَكَةِ وَالسُّلْطَان أَوْلَى مِنْ الْخَبَر عَنْ الْمُوَالَاة الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر وَلَا مَعْنَى , لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يُسَمَّى سُلْطَان اللَّه وِلَايَة , وَإِنَّمَا يُسَمَّى ذَلِكَ سُلْطَان الْبَشَر , لِأَنَّ الْوِلَايَة مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَلِي أَمْر خَلْقه مُنْفَرِدًا بِهِ دُون جَمِيع خَلْقه , لَا أَنَّهُ يَكُون أَمِيرًا عَلَيْهِمْ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَة قَوْله { الْحَقّ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْعِرَاق خَفْضًا , عَلَى تَوْجِيهه إِلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت اللَّه , وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : هُنَالِكَ الْوِلَايَة لِلَّهِ الْحَقّ أُلُوهِيَّته , لَا الْبَاطِل بِطُولِ أُلُوهِيَّته الَّتِي يَدْعُونَهَا الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ آلِهَة . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة وَبَعْض مُتَأَخِّرِي الْكُوفِيِّينَ : " لِلَّهِ الْحَقّ " بِرَفْعِ الْحَقّ تَوْجِيهًا مِنْهُمَا إِلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت الْوِلَايَة , وَمَعْنَاهُ : هُنَالِكَ الْوِلَايَة الْحَقّ , لَا الْبَاطِل لِلَّهِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت اللَّه , وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْت عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ .
وَقَوْله : { هُوَ خَيْر ثَوَابًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : خَيْر لِلْمُنِيبِينَ فِي الْعَاجِل وَالْآجِل ثَوَابًا { وَخَيْر عُقْبًا } يَقُول : وَخَيْرهمْ عَاقِبَة فِي الْآجِل إِذَا صَارَ إِلَيْهِ الْمُطِيع لَهُ , الْعَامِل بِمَا أَمَرَهُ اللَّه , وَالْمُنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ . وَالْعَقِب هُوَ الْعَاقِبَة , يُقَال : عَاقِبَة أَمْر كَذَا وَعُقْبَاهُ وَعُقُبُهُ , وَذَلِكَ آخِره وَمَا يَصِير إِلَيْهِ مُنْتَهَاهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { عُقْبًا } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَسْكِين الْقَاف . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا . أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
وَقَوْله : { هُوَ خَيْر ثَوَابًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : خَيْر لِلْمُنِيبِينَ فِي الْعَاجِل وَالْآجِل ثَوَابًا { وَخَيْر عُقْبًا } يَقُول : وَخَيْرهمْ عَاقِبَة فِي الْآجِل إِذَا صَارَ إِلَيْهِ الْمُطِيع لَهُ , الْعَامِل بِمَا أَمَرَهُ اللَّه , وَالْمُنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ . وَالْعَقِب هُوَ الْعَاقِبَة , يُقَال : عَاقِبَة أَمْر كَذَا وَعُقْبَاهُ وَعُقُبُهُ , وَذَلِكَ آخِره وَمَا يَصِير إِلَيْهِ مُنْتَهَاهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { عُقْبًا } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَسْكِين الْقَاف . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا . أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِیمࣰا تَذۡرُوهُ ٱلرِّیَـٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ مُّقۡتَدِرًا ﴿٤٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ لِحَيَاةِ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَك : اُطْرُدْ عَنْك هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , إِذَا نَحْنُ جِئْنَاك الدُّنْيَا مِنْهُمْ مَثَلًا ; يَقُول : شَبَهًا { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء } يَقُول : كَمَطَرٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض } يَقُول : فَاخْتَلَطَ بِالْمَاءِ نَبَات الْأَرْض { فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا } يَقُول : فَأَصْبَحَ نَبَات الْأَرْض يَابِسًا مُتَفَتِّتًا { تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول تُطَيِّرهُ الرِّيَاح وَتُفَرِّقهُ ; يُقَال مِنْهُ : ذَرَتْهُ الرِّيح تَذْرُوهُ ذَرْوًا , وَذَرَتْهُ ذَرْيًا , وَأَذْرَتْهُ تُذْرِيه إِذْرَاء ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهُ صَوِّبْ وَلَا تُجْهِدَنهُ فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاة فَتَزْلَق يُقَال : أَذْرَيْت الرَّجُل عَنْ الدَّابَّة وَالْبَعِير : إِذَا أَلْقَيْته عَنْهُ .
وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقْتَدِرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى تَخْرِيب جَنَّة هَذَا الْقَائِل حِين دَخَلَ جَنَّته : { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } وَإِهْلَاك أَمْوَال ذِي الْأَمْوَال الْبَاخِلِينَ بِهَا عَنْ حُقُوقهَا , وَإِزَالَة دُنْيَا الْكَافِرِينَ بِهِ عَنْهُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَشَاء قَادِر , لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يُعْيِيه أَمْر أَرَادَهُ , يَقُول : فَلَا يَفْخَر ذُو الْأَمْوَال بِكَثْرَةِ أَمْوَاله , وَلَا يَسْتَكْبِر عَلَى غَيْره بِهَا , وَلَا يَغْتَرَّن أَهْل الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ , فَإِنَّمَا مَثَلهَا مَثَل هَذَا النَّبَات الَّذِي حَسُنَ اِسْتِوَاؤُهُ بِالْمَطَرِ , فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا رَيْث أَنْ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الْمَاء , فَتَنَاهَى نِهَايَته , عَادَ يَابِسًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح , فَاسِدًا , تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُن النَّاظِرِينَ , وَلَكِنْ لِيَعْمَل لِلْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى , وَالدَّائِم الَّذِي لَا يَبِيد وَلَا يَتَغَيَّر .
وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقْتَدِرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى تَخْرِيب جَنَّة هَذَا الْقَائِل حِين دَخَلَ جَنَّته : { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } وَإِهْلَاك أَمْوَال ذِي الْأَمْوَال الْبَاخِلِينَ بِهَا عَنْ حُقُوقهَا , وَإِزَالَة دُنْيَا الْكَافِرِينَ بِهِ عَنْهُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَشَاء قَادِر , لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يُعْيِيه أَمْر أَرَادَهُ , يَقُول : فَلَا يَفْخَر ذُو الْأَمْوَال بِكَثْرَةِ أَمْوَاله , وَلَا يَسْتَكْبِر عَلَى غَيْره بِهَا , وَلَا يَغْتَرَّن أَهْل الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ , فَإِنَّمَا مَثَلهَا مَثَل هَذَا النَّبَات الَّذِي حَسُنَ اِسْتِوَاؤُهُ بِالْمَطَرِ , فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا رَيْث أَنْ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الْمَاء , فَتَنَاهَى نِهَايَته , عَادَ يَابِسًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح , فَاسِدًا , تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُن النَّاظِرِينَ , وَلَكِنْ لِيَعْمَل لِلْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى , وَالدَّائِم الَّذِي لَا يَبِيد وَلَا يَتَغَيَّر .
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِینَةُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱلۡبَـٰقِیَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرٌ أَمَلࣰا ﴿٤٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا وَخَيْر أَمَلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْمَال وَالْبَنُونَ أَيّهَا النَّاس الَّتِي يَفْخَر بِهَا عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع , وَيَتَكَبَّرَانِ بِهَا عَلَى سَلْمَان وَخَبَّاب وَصُهَيْب , مِمَّا يُتَزَيَّن بِهِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَلَيْسَا مِنْ عِدَاد الْآخِرَة { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا } يَقُول : وَمَا يَعْمَل سَلْمَان وَخَبَّاب وَصُهَيْب مِنْ طَاعَة اللَّه , وَدُعَائِهِمْ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه , الْبَاقِي لَهُمْ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة بَعْد فَنَاء الْحَيَاة الدُّنْيَا , خَيْر يَا مُحَمَّد عِنْد رَبّك ثَوَابًا مِنْ الْمَال وَالْبَنِينَ الَّتِي يَفْتَخِر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهَا , الَّتِي تَفْنَى , فَلَا تَبْقَى لِأَهْلِهَا { وَخَيْر أَمَلًا } يَقُول : وَمَا يُؤْمَل مِنْ ذَلِكَ سَلْمَان وَصُهَيْب وَخَبَّاب , خَيْر مِمَّا يُؤَمِّل عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع مِنْ أَمْوَالهمَا وَأَوْلَادهمَا . وَهَذِهِ الْآيَات مِنْ لَدُنْ قَوْله : { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَاب رَبّك } إِلَى هَذَا الْمَوْضِع , ذُكِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17399 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , وَكَانَ قَارِئ الْأَزْد , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب فِي قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 6 52 ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي سُورَة الْأَنْعَام فِي قِصَّة عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع , إِلَى قَوْله : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبه عَنْ ذِكْرنَا } 18 28 قَالَ : عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } قَالَ : قَالَ : ثُمَّ قَالَ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ , وَمَثَل الْحَيَاة الدُّنْيَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَات , اِخْتِلَافهمْ فِي الْمَعْنَى بِالدُّعَاءِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ الَّذِينَ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ طَرْدهمْ , وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ مَعَهُمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس . وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ ذِكْر اللَّه بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيس وَالتَّهْلِيل , وَنَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْكَلَام الطَّيِّب . ذِكْر مَنْ قَالَ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس : 17400 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْأَنْمَاطِيّ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن كَاسِب , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه الْأُمَوِيّ قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بْن هُرْمُز , يُحَدِّث عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُتْبَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْبَاقِيَات الصَّالِحَات : الصَّلَوَات الْخَمْس . 17401 - حَدَّثَنِي زُرَيْق بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا قَبِيصَة عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : الصَّلَوَات الْخَمْس . 17402 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل فِي هَذِهِ الْآيَة { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : هِيَ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَات . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْبَاقِيَات الصَّالِحَات : الصَّلَوَات الْخَمْس . 17403 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان عَنْ الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ { الْبَاقِيَات الصَّالِحَات } الصَّلَوَات الْخَمْس . 17404 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي مَيْسَرَة { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : الصَّلَوَات الْخَمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ : هُنَّ ذِكْر اللَّه بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيد وَنَحْو ذَلِكَ : 17405 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد وَمُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالُوا : ثنا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عُقَيْل زَهْرَة بْن مَعْبَد الْقُرَشِيّ مِنْ بَنِي تَيْم مِنْ رَهْط أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِث مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان , يَقُول : قِيلَ لِعُثْمَان : مَا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات ؟ قَالَ : هُنَّ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَاَللَّه أَكْبَر , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . * - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا أَبُو زُرْعَة , قَالَ : ثنا حَيْوَة , قَالَ : ثنا أَبُو عُقَيْل زَهْرَة بْن مَعْبَد , أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِث مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان يَقُول : قِيلَ لِعُثْمَان بْن عَفَّان : مَا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات ؟ قَالَ : هِيَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَسُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ , وَاَللَّه أَكْبَر , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . * - حَدَّثَنِي اِبْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : ثنا نَافِع بْن يَزِيد وَرِشْدِين بْن سَعْد , قَالَا : ثنا زَهْرَة بْن مَعْبَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَارِث مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان يَقُول : قَالُوا لِعُثْمَان : مَا الْبَاقِيَات الصَّالِحَات ؟ فَذَكَرَ مِثْله . 17406 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن هُرْمُز , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا طَلْق بْن غَنَّام , عَنْ زَائِدَة , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . 17407 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مَالِك , عَنْ عُمَارَة بْن عَبْد اللَّه بْن صَيَّاد , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب , قَالَ : { الْبَاقِيَات الصَّالِحَات } : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . 17408 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , عَنْ نَافِع بْن سَرْجِسَ , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات , قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَسُبْحَان اللَّه , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح مِثْل ذَلِكَ . 17409 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْبَاقِيَات الصَّالِحَات : 0 سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر . 17410 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني أَبُو صَخْر : أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن , مَوْلَى سَالِم بْن عَبْد اللَّه , حَدَّثَهُ قَالَ : أَرْسَلَنِي سَالِم بْن مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , فَقَالَ : قُلْ لَهُ اِلْقَنِي عِنْد زَاوِيَة الْقَبْر , فَإِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة , قَالَ : فَالْتَقَيَا , فَسَلَّمَ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر , ثُمَّ قَالَ سَالِم : مَا تَعُدّ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات ؟ فَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَسُبْحَان اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , فَقَالَ لَهُ سَالِم : مَتَى جَعَلْت فِيهَا لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ ؟ فَقَالَ : مَا زِلْت أَجْعَلهَا , قَالَ : فَرَاجَعَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَمْ يَنْزِع . قَالَ : فَأَثْبَتَ , قَالَ سَالِم : أَجَلْ , فَأَثْبَتَ فَإِنَّ أَبَا أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول : " عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاء فَأُرِيت إِبْرَاهِيم , فَقَالَ : يَا جِبْرِيل مَنْ هَذَا مَعَك ؟ فَقَالَ : مُحَمَّد , فَرَحَّبَ بِي وَسَهَّلَ , ثُمَّ قَالَ : مُرْ أُمَّتك فَلْتُكْثِرْ مِنْ غِرَاس الْجَنَّة , فَإِنَّ تُرْبَتهَا طَيِّبَة , وَأَرْضهَا وَاسِعًا , فَقُلْت : وَمَا غِرَاس الْجَنَّة ؟ قَالَ : لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ " . 17411 - وَجَدْت فِي كِتَابِي عَنْ الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الْبَرَّار , عَنْ أَبِي نَصْر التَّمَّار , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن مُسْلِم , عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان , عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر مِنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات " . 17412 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن وقَتَادَة , فِي قَوْله : { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر } قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَسُبْحَان اللَّه , هُنَّ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات . 17413 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن الْحَارِث , أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْح حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِسْتَكْثِرُوا مِنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات " , قِيلَ : وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " الْمِلَّة " , قِيلَ : وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " التَّكْبِير وَالتَّهْلِيل وَالتَّسْبِيح , وَالْحَمْد , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ " . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِك , عَنْ عُمَارَة بْن صَيَّاد , أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب يَقُول فِي الْبَاقِيَات الصَّالِحَات : إِنَّهَا قَوْل الْعَبْد : اللَّه أَكْبَر , وَسُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . * - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب , قَالَ : ثني اِبْن عَجْلَان , عَنْ عُمَارَة بْن صَيَّاد , قَالَ : سَأَلَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيَّب , عَنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات , فَقُلْت : الصَّلَاة وَالصِّيَام , قَالَ : لَمْ تُصِبْ ; فَقُلْت : الزَّكَاة وَالْحَجّ , فَقَالَ : لَمْ تُصِبْ , وَلَكِنَّهُنَّ الْكَلِمَات الْخَمْس : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَسُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ : هِيَ الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 17414 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا وَخَيْر أَمَلًا } قَالَ : الْأَعْمَال الصَّالِحَة : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : هِيَ ذِكْر اللَّه قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , وَسُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَتَبَارَكَ اللَّه , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , وَاسْتَغْفِرْ اللَّه , وَصَلَّى اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه وَالصِّيَام وَالصَّلَاة وَالْحَجّ وَالصَّدَقَة وَالْعِتْق وَالْجِهَاد وَالصِّلَة , وَجَمِيع أَعْمَال الْحَسَنَات , وَهُنَّ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات , الَّتِي تَبْقَى لِأَهْلِهَا فِي الْجَنَّة مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . 17415 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا وَأَكْثَر أَمَلًا } قَالَ : الْأَعْمَال الصَّالِحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ : هِيَ الْكَلِم الطَّيِّب : 17416 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات } قَالَ : الْكَلَام الطَّيِّب . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : هُنَّ جَمِيع أَعْمَال الْخَيْر , كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , لِأَنَّ ذَلِكَ كُلّه مِنْ الصَّالِحَات الَّتِي تَبْقَى لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَة , وَعَلَيْهَا يُجَازَى وَيُثَاب , وَإِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره لَمْ يَخْصُصْ مِنْ قَوْله { وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات خَيْر عِنْد رَبّك ثَوَابًا } بَعْضًا دُون بَعْض فِي كِتَاب , وَلَا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَرَدَ بِأَنَّ قَوْل : سُبْحَان اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَاَللَّه أَكْبَر , هُنَّ مِنْ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات , وَلَمْ يَقُلْ : هُنَّ جَمِيع الْبَاقِيَات الصَّالِحَات , وَلَا كُلّ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات ; وَجَائِز أَنْ تَكُون هَذِهِ بَاقِيَات صَالِحَات , وَغَيْرهَا مِنْ أَعْمَال الْبِرّ أَيْضًا بَاقِيَات صَالِحَات .
وَیَوۡمَ نُسَیِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةࣰ وَحَشَرۡنَـٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدࣰا ﴿٤٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل تَعَالَى : { وَيَوْم نُسَيِّر الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَيَوْم نُسَيِّر الْجِبَال } عَنْ الْأَرْض , فَنَبُسّهَا بَسًّا , وَنَجْعَلهَا هَبَاء مُنْبَثًّا { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } ظَاهِرَة , وَظُهُورهَا لِرَأْيِ أَعْيُن النَّاظِرِينَ مِنْ غَيْر شَيْء يَسْتُرهَا مِنْ جَبَل وَلَا شَجَر هُوَ بُرُوزهَا . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ جِمَاع مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17417 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } قَالَ : لَا خَمْر فِيهَا وَلَا غَيَابَة وَلَا بِنَاء , وَلَا حَجَر فِيهَا . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17418 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا شَجَر . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَرَى الْأَرْض بَارِزًا أَهْلهَا الَّذِينَ كَانُوا فِي بَطْنهَا , فَصَارُوا عَلَى ظَهْرهَا.
وَقَوْله { وَحَشَرْنَاهُمْ } يَقُول : جَمَعْنَاهُمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب { فَلَمْ نُغَادِر مِنْهُمْ أَحَدًا } , يَقُول : فَلَمْ نَتْرُك , وَلَمْ نُبْقِ مِنْهُمْ تَحْت الْأَرْض أَحَدًا , يُقَال مِنْهُ : مَا غَادَرْت مِنْ الْقَوْم أَحَدًا , وَمَا أَغْدَرْت مِنْهُمْ أَحَدًا , وَمِنْ أَغْدَرْت قَوْل الرَّاجِز : هَلْ لَك وَالْعَارِض مِنْك عَائِض فِي هَجْمَة يُغْدِر مِنْهَا الْقَابِض
وَقَوْله { وَحَشَرْنَاهُمْ } يَقُول : جَمَعْنَاهُمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب { فَلَمْ نُغَادِر مِنْهُمْ أَحَدًا } , يَقُول : فَلَمْ نَتْرُك , وَلَمْ نُبْقِ مِنْهُمْ تَحْت الْأَرْض أَحَدًا , يُقَال مِنْهُ : مَا غَادَرْت مِنْ الْقَوْم أَحَدًا , وَمَا أَغْدَرْت مِنْهُمْ أَحَدًا , وَمِنْ أَغْدَرْت قَوْل الرَّاجِز : هَلْ لَك وَالْعَارِض مِنْك عَائِض فِي هَجْمَة يُغْدِر مِنْهَا الْقَابِض
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفࣰّا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدࣰا ﴿٤٨﴾
وَقَوْله : { وَعُرِضُوا عَلَى رَبّك صَفًّا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَعُرِضَ الْخَلْق عَلَى رَبّك يَا مُحَمَّد صَفًّا . { لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة } يَقُول عَزَّ ذِكْره : يُقَال لَهُمْ إِذْ عُرِضُوا عَلَى اللَّه : لَقَدْ جِئْتُمُونَا أَيّهَا النَّاس أَحْيَاء كَهَيْئَتِكُهُمْ حِين خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة ; وَحَذَفَ يُقَال مِنْ الْكَلَام لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَنَّهُ مُرَاد فِي الْكَلَام .
وَقَوْله : { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَل لَكُمْ مَوْعِدًا } وَهَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر عَنْ خِطَاب اللَّه بِهِ الْجَمِيع , وَالْمُرَاد مِنْهُ الْخُصُوص , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرِد الْقِيَامَة خَلْق مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَالْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرُسُله وَبِالْبَعْثِ . وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يُقَال يَوْمئِذٍ لِمَنْ وَرَدَهَا مِنْ أَهْل التَّصْدِيق بِوَعْدِ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَأَهْل الْيَقِين فِيهَا بِقِيَامِ السَّاعَة , بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَل لَكُمْ الْبَعْث بَعْد الْمَمَات , وَالْحَشْر إِلَى الْقِيَامَة مَوْعِدًا , وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَال لِمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبًا بِالْبَعْثِ وَقِيَام السَّاعَة .
وَقَوْله : { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَل لَكُمْ مَوْعِدًا } وَهَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر عَنْ خِطَاب اللَّه بِهِ الْجَمِيع , وَالْمُرَاد مِنْهُ الْخُصُوص , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرِد الْقِيَامَة خَلْق مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَالْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرُسُله وَبِالْبَعْثِ . وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يُقَال يَوْمئِذٍ لِمَنْ وَرَدَهَا مِنْ أَهْل التَّصْدِيق بِوَعْدِ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَأَهْل الْيَقِين فِيهَا بِقِيَامِ السَّاعَة , بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَل لَكُمْ الْبَعْث بَعْد الْمَمَات , وَالْحَشْر إِلَى الْقِيَامَة مَوْعِدًا , وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَال لِمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبًا بِالْبَعْثِ وَقِيَام السَّاعَة .
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُشۡفِقِینَ مِمَّا فِیهِ وَیَقُولُونَ یَـٰوَیۡلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلۡكِتَـٰبِ لَا یُغَادِرُ صَغِیرَةࣰ وَلَا كَبِیرَةً إِلَّاۤ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرࣰاۗ وَلَا یَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدࣰا ﴿٤٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوُضِعَ الْكِتَاب فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلنَا مَالِ هَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَحْصَاهَا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَوَضَعَ اللَّه يَوْمئِذٍ كِتَاب أَعْمَال عِبَاده فِي أَيْدِيهمْ , فَأَخَذَ وَاحِد بِيَمِينِهِ وَأَخَذَ وَاحِد بِشِمَالِهِ { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ مُشْفِقِينَ , يَقُول : خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِمَّا فِيهِ مَكْتُوب مِنْ أَعْمَالهمْ السَّيِّئَة الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا أَنْ يُؤَاخَذُوا بِهَا { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتنَا مَا لِهَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَحْصَاهَا } يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا قَرَءُوا كِتَابهمْ , وَرَأَوْا مَا قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ صَغَائِر ذُنُوبهمْ وَكَبَائِرهَا , نَادَوْا بِالْوَيْلِ حِين أَيْقَنُوا بِعَذَابِ اللَّه , وَضَجُّوا مِمَّا قَدْ عَرَفُوا مِنْ أَفْعَالهمْ الْخَبِيثَة الَّتِي قَدْ أَحْصَاهَا كِتَابهمْ , وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُنْكِرُوا صِحَّتهَا ; كَمَا : 17419 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَا لِهَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَحْصَاهَا } اِشْتَكَى الْقَوْم كَمَا تَسْمَعُونَ الْإِحْصَاء , وَلَمْ يَشْتَكِ أَحَد ظُلْمًا , " فَإِيَّاكُمْ وَالْمُحَقَّرَات مِنْ الذُّنُوب , فَإِنَّهَا تَجْتَمِع عَلَى صَاحِبهَا حَتَّى تُهْلِكهُ " . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضْرِب لَهَا مَثَلًا , يَقُول كَمَثَلِ قَوْم اِنْطَلَقُوا يَسِيرُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْض , وَحَضَرَ صَنِيع الْقَوْم , فَانْطَلَقَ كُلّ رَجُل يَحْتَطِب , فَجَعَلَ الرَّجُل يَجِيء بِالْعُودِ , وَيَجِيء الْآخَر بِالْعُودِ , حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا كَثِيرًا وَأَجَّجُوا نَارًا , فَإِنَّ الذَّنْب الصَّغِير يَجْتَمِع عَلَى صَاحِبه حَتَّى يُهْلِكهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِالصَّغِيرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوع : الضَّحِك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17420 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُوسَى , عَنْ الزَّيَّال بْن عَمْرو , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة } قَالَ : الضَّحِك . 17421 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : حَدَّثَتْنِي أُمِّي حَمَادَة اِبْنَة مُحَمَّد , قَالَ : سَمِعْت أَبِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا لِهَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَحْصَاهَا } قَالَ : الصَّغِيرَة : الضَّحِك . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَا لِهَذَا الْكِتَاب } : مَا شَأْن هَذَا الْكِتَاب { لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة } يَقُول : لَا يَبْقَى صَغِيرَة مِنْ ذُنُوبنَا وَأَعْمَالنَا وَلَا كَبِيرَة مِنْهَا { إِلَّا أَحْصَاهَا } يَقُول : إِلَّا حَفِظَهَا . { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا } فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَل { حَاضِرًا } فِي كِتَابهمْ ذَلِكَ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا , فَجُوزُوا بِالسَّيِّئَةِ مِثْلهَا , وَالْحَسَنَة مَا اللَّه جَازِيهمْ بِهَا { وَلَا يَظْلِم رَبّك أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يُجَازِي رَبّك أَحَدًا يَا مُحَمَّد بِغَيْرِ مَا هُوَ أَهْله , لَا يُجَازِي بِالْإِحْسَانِ إِلَّا أَهْل الْإِحْسَان , وَلَا بِالسَّيِّئَةِ إِلَّا أَهْل السَّيِّئَة , وَذَلِكَ هُوَ الْعَدْل .
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا ﴿٥٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُذَكِّرًا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَسَدَ إِبْلِيس أَبَاهُمْ وَمُعَلِّمهمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ كِبْره وَاسْتِكْبَاره عَلَيْهِ حِين أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ , وَأَنَّهُ مِنْ الْعَدَاوَة وَالْحَسَد لَهُمْ عَلَى مِثْل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ لِأَبِيهِمْ : { و } اُذْكُرْ يَا مُحَمَّد { إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس } الَّذِي يُطِيعهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَيَتَّبِعُونَ أَمْره , وَيُخَالِفُونَ أَمْر اللَّه , فَإِنَّهُ لَمْ يَسْجُد لَهُ اِسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّه , وَحَسَدًا لِآدَم { كَانَ مِنْ الْجِنّ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { كَانَ مِنْ الْجِنّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ قَبِيلَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة , فَنُسِبَ إِلَى الْجَنَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ مِنْ الْجِنّ , لِأَنَّهُ مِنْ الْجِنّ الَّذِينَ اِسْتَجْنَوْا عَنْ أَعْيُن بَنِي آدَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17422 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ خَلَّاد بْن عَطَاء , عَنْ طَاوُس , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ اِسْمه قَبْل أَنْ يَرْكَب الْمَعْصِيَة عَزَازِيل , وَكَانَ مِنْ سُكَّان الْأَرْض , وَكَانَ مِنْ أَشَدّ الْمَلَائِكَة اِجْتِهَادًا وَأَكْثَرهمْ عِلْمًا , فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْكِبْر , وَكَانَ مِنْ حَيّ يُسَمَّى جِنًّا . 17423 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ إِبْلِيس مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ , خُلِقُوا مِنْ نَار السَّمُوم مِنْ بَيْن الْمَلَائِكَة , وَكَانَ اِسْمه الْحَارِث . قَالَ : وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة . قَالَ : وَخُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور غَيْر هَذَا الْحَيّ . قَالَ : وَخُلِقَتْ الْجِنّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآن مِنْ مَارِج مِنْ نَار , وَهُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يَكُون فِي طَرَفهَا إِذَا اِلْتَهَبَتْ . 17424 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني شَيْبَان , قَالَ : ثنا سَلَّام بْن مِسْكِين , عَنْ قَتَادَة , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب , قَالَ : كَانَ إِبْلِيس رَئِيس مَلَائِكَة سَمَاء الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ } قَالَ : كَانَ إِبْلِيس مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة , وَكَانَ يُدَبِّر أَمْر سَمَاء الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ إِبْلِيس مِنْ أَشْرَاف الْمَلَائِكَة وَأَكْرَمهمْ قَبِيلَة . وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَان , وَكَانَ لَهُ سُلْطَان السَّمَاء الدُّنْيَا , وَكَانَ لَهُ سُلْطَان الْأَرْض , وَكَانَ فِيمَا قَضَى اللَّه أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا وَعَظَمَة عَلَى أَهْل السَّمَاء , فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبه كِبْر لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه ; فَمَا كَانَ عِنْد السُّجُود حِين أَمَرَهُ أَنْ يَسْجُد لِآدَم اِسْتَخْرَجَ اللَّه كِبْره عِنْد السُّجُود , فَلَعَنَهُ وَأَخَّرَهُ إِلَى يَوْم الدِّين . قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَقَوْله : { كَانَ مِنْ الْجِنّ } إِنَّمَا سُمِّيَ بِالْجِنَانِ أَنَّهُ كَانَ خَازِنًا عَلَيْهَا , كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ : مَكِّيّ , وَمَدَنِيّ , وَكُوفِيّ , وَبَصْرِيّ , قَالَهُ اِبْن جُرَيْج . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ سِبْط مِنْ الْمَلَائِكَة قَبِيلَة , وَكَانَ اِسْم قَبِيلَته الْجِنّ : 17425 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة , وَشَرِيك بْن أَبِي نَمِر أَحَدهمَا أَوْ كِلَاهُمَا , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِنَّ مِنْ الْمَلَائِكَة قَبِيلَة مِنْ الْجِنّ , وَكَانَ إِبْلِيس مِنْهَا , وَكَانَ يَسُوس مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , فَعَصَى , فَسَخِطَ اللَّه عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا , لَعَنَهُ اللَّه مَمْسُوخًا . قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَة الرَّجُل فِي كِبْر فَلَا تَرْجُهُ , وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَته فِي مَعْصِيَة فَارْجُهُ , وَكَانَتْ خَطِيئَة آدَم فِي مَعْصِيَة , وَخَطِيئَة إِبْلِيس فِي كِبْر . 17426 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ } قَبِيل مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَلَائِكَة لَمْ يُؤْمَر بِالسُّجُودِ , وَكَانَ عَلَى خِزَانَة السَّمَاء الدُّنْيَا . قَالَ : وَكَانَ قَتَادَة يَقُول : جِنّ عَنْ طَاعَة رَبّه . وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : أَلْجَأَهُ اللَّه إِلَى نَسَبه . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ } قَالَ : كَانَ مِنْ قَبِيل مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ . 17427 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَا كَانَ إِبْلِيس مِنْ الْمَلَائِكَة طُرْفَة عَيْن قَطُّ , وَإِنَّهُ لِأَصْلِ الْجِنّ , كَمَا أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَصْل الْإِنْس . 17428 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : كَانَ إِبْلِيس عَلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَعَلَى الْأَرْض وَخَازِن الْجِنَان . * - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ } : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : إِنَّ إِبْلِيس كَانَ مِنْ أَشْرَاف الْمَلَائِكَة وَأَكْرَمهمْ قَبِيلَة , وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَان , وَكَانَ لَهُ سُلْطَان السَّمَاء الدُّنْيَا وَسُلْطَان الْأَرْض , وَكَانَ مِمَّا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسه مِنْ قَضَاء اللَّه أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا عَلَى أَهْل السَّمَاء , فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبه كِبْر لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , فَاسْتَخْرَجَ اللَّه ذَلِكَ الْكِبْر مِنْهُ حِين أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَم , فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ , فَذَلِكَ قَوْله لِلْمَلَائِكَةِ : { إِنِّي أَعْلَم غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } 2 33 يَعْنِي : مَا أَسَرَّ إِبْلِيس فِي نَفْسه مِنْ الْكِبْر . وَقَوْله : { كَانَ مِنْ الْجِنّ } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : قَالَ اللَّه { كَانَ مِنْ الْجِنّ } لِأَنَّهُ كَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَان , كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ : مَكِّيّ , وَمَدَنِيّ , وَبَصْرِيّ , وَكُوفِيّ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ اِسْم قَبِيلَة إِبْلِيس الْجِنّ , وَهُمْ سِبْط مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ , فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { كَانَ مِنْ الْجِنّ } فَنَسَبَهُ إِلَى قَبِيلَته . 17429 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , فِي قَوْله { كَانَ مِنْ الْجِنّ } قَالَ : مِنْ الْجَنَانَيْنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجِنَان . 17430 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا أَبُو سَعِيد الْيَحْمَدِيّ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثني سَوَّار بْن الْجَعْد الْيَحْمَدِيّ , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَوْله : { مِنْ الْجِنّ } قَالَ : كَانَ إِبْلِيس مِنْ الْجِنّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمْ الْمَلَائِكَة , فَأَسَرَهُ بَعْض الْمَلَائِكَة , فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاء . 17431 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } قَالَ : كَانَ خَازِن الْجِنَان فَسُمِّيَ بِالْجِنَانِ . 17432 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن بَشِير , عَنْ سُفْيَان بْن أَبِي الْمِقْدَام , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ إِبْلِيس مِنْ خَزَنَة الْجَنَّة . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا وَذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
وَقَوْله : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } يَقُول : فَخَرَجَ عَنْ أَمْر رَبّه , وَعَدَلَ عَنْهُ وَمَالَ , كَمَا قَالَ رُؤْبَة : يَهْوِينَ فِي نَجْد وَغَوْرًا غَائِرًا فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدهَا جَوَائِرَا يَعْنِي بِالْفَوَاسِقِ : الْإِبِل الْمُنْعَدِلَة عَنْ قَصْد نَجْد , وَكَذَلِكَ الْفِسْق فِي الدِّين إِنَّمَا هُوَ الِانْعِدَال عَنْ الْقَصْد , وَالْمَيْل عَنْ الِاسْتِقَامَة . وَيُحْكَى عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : فَسَقَتْ الرُّطَبَة مِنْ قِشْرهَا : إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ , وَفَسَقَتْ الْفَأْرَة : إِذَا خَرَجَتْ مِنْ جُحْرهَا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : إِنَّمَا قِيلَ : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } لِأَنَّهُ مُرَاد بِهِ : فَفَسَقَ عَنْ رَدّه أَمْر اللَّه , كَمَا تَقُول الْعَرَب : اِتَّخَمْت عَنْ الطَّعَام , بِمَعْنَى : اِتَّخَمْت لَمَّا أَكَلْته . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : عَدَلَ وَجَارَ عَنْ أَمْر اللَّه , وَخَرَجَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب : مَعْنَى الْفِسْق : الِاتِّسَاع . وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : فَسَقَ فِي النَّفَقَة : بِمَعْنَى اِتَّسَعَ فِيهَا . قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَاسِق فَاسِقًا , لِاتِّسَاعِهِ فِي مَحَارِم اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17433 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } قَالَ : فِي السُّجُود لِآدَم . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } قَالَ : عَصَى فِي السُّجُود لِآدَم .
وَقَوْله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَتُوَالُونَ يَا بَنِي آدَم مَنْ اِسْتَكْبَرَ عَلَى أَبِيكُمْ وَحَسَدَهُ , وَكَفَرَ نِعْمَتِي عَلَيْهِ , وَغَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة وَنَعِيم عَيْشه فِيهَا إِلَى الْأَرْض وَضِيق الْعَيْش فِيهَا , وَتُطِيعُونَهُ وَذُرِّيَّته مِنْ دُون اللَّه مَعَ عَدُوَّاته لَكُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا , وَتَتْرُكُونَ طَاعَة رَبّكُمْ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَأَكْرَمكُمْ , بِأَنْ أَسْجَدَ لِوَالِدِكُمْ مَلَائِكَته , وَأَسْكَنَهُ جَنَّاته , وَآتَاكُمْ مِنْ فَوَاضِل نِعَمه مَا لَا يُحْصَى عَدَده , وَذُرِّيَّة إِبْلِيس : الشَّيَاطِين الَّذِينَ يَغُرُّونَ بَنِي آدَم . كَمَا : 17434 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي } قَالَ : ذُرِّيَّته : هُمْ الشَّيَاطِين , وَكَانَ يَعِدهُمْ " زلنبور " صَاحِب الْأَسْوَاق وَيَضَع رَايَته فِي كُلّ سُوق مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , و " ثبر " صَاحِب الْمَصَائِب , و " الْأَعْوَر " صَاحِب الزِّنَا و " مسوط " صَاحِب الْأَخْبَار , يَأْتِي بِهَا فَيُلْقِيهَا فِي أَفْوَاه النَّاس , وَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصْلًا , و " داسم " الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُل بَيْته وَلَمْ يُسَلِّم وَلَمْ يَذْكُر اللَّه بَصَره مِنْ الْمَتَاع مَا لَمْ يَرْفَع , وَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَذْكُر اِسْم اللَّه أَكَلَ مَعَهُ . 17435 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت الْأَعْمَش يَقُول : إِذَا دَخَلْت الْبَيْت وَلَمْ أُسَلِّم , رَأَيْت مَطْهَرَة , فَقُلْت : اِرْفَعُوا اِرْفَعُوا , وَخَاصَمْتهمْ , ثُمَّ أَذْكُر فَأَقُول : داسم داسم . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هُمْ أَرْبَعَة ثبر , وداسم , وزلنبور , وَالْأَعْوَر , ومسوط : أَحَدهَا . 17436 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي } . ... الْآيَة , وَهُمْ يَتَوَالَدُونَ كَمَا تَتَوَالَد بَنُو آدَم , وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ . 17437 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ } وَهُوَ أَبُو الْجِنّ كَمَا آدَم أَبُو الْإِنْس . وَقَالَ : قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس : إِنِّي لَا أَذْرَأ لِآدَم ذُرِّيَّة إِلَّا ذَرَأْت لَك مِثْلهَا , فَلَيْسَ مِنْ وَلَد آدَم أَحَد إِلَّا لَهُ شَيْطَان قَدْ قُرِنَ بِهِ .
وَقَوْله : { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : بِئْسَ الْبَدَل لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ اِتِّخَاذ إِبْلِيس وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُون اللَّه , وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ مِنْ تَرْكهمْ اِتِّخَاذ اللَّه وَلِيًّا بِاتِّبَاعِهِمْ أَمْره وَنَهْيه , وَهُوَ الْمُنْعِم عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِمْ آدَم مِنْ قَبْلهمْ , الْمُتَفَضِّل عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَوَاضِل مَا لَا يُحْصَى بَدَلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17438 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } بِئْسَمَا اِسْتَبْدَلُوا بِعِبَادَةِ رَبّهمْ إِذْ أَطَاعُوا إِبْلِيس .
وَقَوْله : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } يَقُول : فَخَرَجَ عَنْ أَمْر رَبّه , وَعَدَلَ عَنْهُ وَمَالَ , كَمَا قَالَ رُؤْبَة : يَهْوِينَ فِي نَجْد وَغَوْرًا غَائِرًا فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدهَا جَوَائِرَا يَعْنِي بِالْفَوَاسِقِ : الْإِبِل الْمُنْعَدِلَة عَنْ قَصْد نَجْد , وَكَذَلِكَ الْفِسْق فِي الدِّين إِنَّمَا هُوَ الِانْعِدَال عَنْ الْقَصْد , وَالْمَيْل عَنْ الِاسْتِقَامَة . وَيُحْكَى عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : فَسَقَتْ الرُّطَبَة مِنْ قِشْرهَا : إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ , وَفَسَقَتْ الْفَأْرَة : إِذَا خَرَجَتْ مِنْ جُحْرهَا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : إِنَّمَا قِيلَ : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } لِأَنَّهُ مُرَاد بِهِ : فَفَسَقَ عَنْ رَدّه أَمْر اللَّه , كَمَا تَقُول الْعَرَب : اِتَّخَمْت عَنْ الطَّعَام , بِمَعْنَى : اِتَّخَمْت لَمَّا أَكَلْته . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : عَدَلَ وَجَارَ عَنْ أَمْر اللَّه , وَخَرَجَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب : مَعْنَى الْفِسْق : الِاتِّسَاع . وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : فَسَقَ فِي النَّفَقَة : بِمَعْنَى اِتَّسَعَ فِيهَا . قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَاسِق فَاسِقًا , لِاتِّسَاعِهِ فِي مَحَارِم اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17433 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } قَالَ : فِي السُّجُود لِآدَم . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه } قَالَ : عَصَى فِي السُّجُود لِآدَم .
وَقَوْله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَتُوَالُونَ يَا بَنِي آدَم مَنْ اِسْتَكْبَرَ عَلَى أَبِيكُمْ وَحَسَدَهُ , وَكَفَرَ نِعْمَتِي عَلَيْهِ , وَغَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة وَنَعِيم عَيْشه فِيهَا إِلَى الْأَرْض وَضِيق الْعَيْش فِيهَا , وَتُطِيعُونَهُ وَذُرِّيَّته مِنْ دُون اللَّه مَعَ عَدُوَّاته لَكُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا , وَتَتْرُكُونَ طَاعَة رَبّكُمْ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَأَكْرَمكُمْ , بِأَنْ أَسْجَدَ لِوَالِدِكُمْ مَلَائِكَته , وَأَسْكَنَهُ جَنَّاته , وَآتَاكُمْ مِنْ فَوَاضِل نِعَمه مَا لَا يُحْصَى عَدَده , وَذُرِّيَّة إِبْلِيس : الشَّيَاطِين الَّذِينَ يَغُرُّونَ بَنِي آدَم . كَمَا : 17434 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي } قَالَ : ذُرِّيَّته : هُمْ الشَّيَاطِين , وَكَانَ يَعِدهُمْ " زلنبور " صَاحِب الْأَسْوَاق وَيَضَع رَايَته فِي كُلّ سُوق مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , و " ثبر " صَاحِب الْمَصَائِب , و " الْأَعْوَر " صَاحِب الزِّنَا و " مسوط " صَاحِب الْأَخْبَار , يَأْتِي بِهَا فَيُلْقِيهَا فِي أَفْوَاه النَّاس , وَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصْلًا , و " داسم " الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُل بَيْته وَلَمْ يُسَلِّم وَلَمْ يَذْكُر اللَّه بَصَره مِنْ الْمَتَاع مَا لَمْ يَرْفَع , وَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَذْكُر اِسْم اللَّه أَكَلَ مَعَهُ . 17435 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , قَالَ : سَمِعْت الْأَعْمَش يَقُول : إِذَا دَخَلْت الْبَيْت وَلَمْ أُسَلِّم , رَأَيْت مَطْهَرَة , فَقُلْت : اِرْفَعُوا اِرْفَعُوا , وَخَاصَمْتهمْ , ثُمَّ أَذْكُر فَأَقُول : داسم داسم . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هُمْ أَرْبَعَة ثبر , وداسم , وزلنبور , وَالْأَعْوَر , ومسوط : أَحَدهَا . 17436 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي } . ... الْآيَة , وَهُمْ يَتَوَالَدُونَ كَمَا تَتَوَالَد بَنُو آدَم , وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ . 17437 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ } وَهُوَ أَبُو الْجِنّ كَمَا آدَم أَبُو الْإِنْس . وَقَالَ : قَالَ اللَّه لِإِبْلِيس : إِنِّي لَا أَذْرَأ لِآدَم ذُرِّيَّة إِلَّا ذَرَأْت لَك مِثْلهَا , فَلَيْسَ مِنْ وَلَد آدَم أَحَد إِلَّا لَهُ شَيْطَان قَدْ قُرِنَ بِهِ .
وَقَوْله : { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : بِئْسَ الْبَدَل لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ اِتِّخَاذ إِبْلِيس وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُون اللَّه , وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ مِنْ تَرْكهمْ اِتِّخَاذ اللَّه وَلِيًّا بِاتِّبَاعِهِمْ أَمْره وَنَهْيه , وَهُوَ الْمُنْعِم عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِمْ آدَم مِنْ قَبْلهمْ , الْمُتَفَضِّل عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَوَاضِل مَا لَا يُحْصَى بَدَلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17438 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } بِئْسَمَا اِسْتَبْدَلُوا بِعِبَادَةِ رَبّهمْ إِذْ أَطَاعُوا إِبْلِيس .
۞ مَّاۤ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّینَ عَضُدࣰا ﴿٥١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا أَشْهَدْتهمْ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خَلْق أَنْفُسهمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : مَا أَشْهَدْت إِبْلِيس وَذُرِّيَّته { خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : مَا أَحْضَرْتهمْ ذَلِكَ فَأَسْتَعِين بِهِمْ عَلَى خَلْقهَا { وَلَا خَلْق أَنْفُسهمْ } يَقُول : وَلَا أَشْهَدْت بَعْضهمْ أَيْضًا خَلْق بَعْض مِنْهُمْ , فَأَسْتَعِين بِهِ عَلَى خَلْقه , بَلْ تَفَرَّدْت بِخَلْقِ جَمِيع ذَلِكَ بِغَيْرِ مُعِين وَلَا ظَهِير , يَقُول : فَكَيْف اِتَّخَذُوا عَدُوّهُمْ أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي , وَهُمْ خَلْق مِنْ خَلْق أَمْثَالهمْ , وَتَرَكُوا عِبَادَتِي وَأَنَا الْمُنْعِم عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافهمْ , وَخَالِقهمْ وَخَالِق مَنْ يُوَالُونَهُ مِنْ دُونِي مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ مِنْ غَيْر مُعِين وَلَا ظَهِير .
وَقَوْله : { وَمَا كُنْت مُتَّخِذ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } يَقُول : وَمَا كُنْت مُتَّخِذ مَنْ لَا يَهْدِي إِلَى الْحَقّ , وَلَكِنَّهُ يُضِلّ , فَمَنْ تَبِعَهُ يَجُور بِهِ عَنْ قَصْد السَّبِيل أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا ; وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : فُلَان يُعْضَد فُلَانًا إِذَا كَانَ يُقَوِّيه وَيُعِينهُ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17439 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت مُتَّخِذ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } : أَيْ أَعْوَانًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيس وَذُرِّيَّته يُضِلُّونَ بَنِي آدَم عَنْ الْحَقّ , وَلَا يُهْدُونَهُمْ لِلرَّشَدِ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى بِالْمُضِلِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَتْبَاع عَلَى الضَّلَالَة , وَأَصْحَاب عَلَى غَيْر هُدًى .
وَقَوْله : { وَمَا كُنْت مُتَّخِذ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } يَقُول : وَمَا كُنْت مُتَّخِذ مَنْ لَا يَهْدِي إِلَى الْحَقّ , وَلَكِنَّهُ يُضِلّ , فَمَنْ تَبِعَهُ يَجُور بِهِ عَنْ قَصْد السَّبِيل أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا ; وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : فُلَان يُعْضَد فُلَانًا إِذَا كَانَ يُقَوِّيه وَيُعِينهُ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17439 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت مُتَّخِذ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } : أَيْ أَعْوَانًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيس وَذُرِّيَّته يُضِلُّونَ بَنِي آدَم عَنْ الْحَقّ , وَلَا يُهْدُونَهُمْ لِلرَّشَدِ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى بِالْمُضِلِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَتْبَاع عَلَى الضَّلَالَة , وَأَصْحَاب عَلَى غَيْر هُدًى .
وَیَوۡمَ یَقُولُ نَادُواْ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ یَسۡتَجِیبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَیۡنَهُم مَّوۡبِقࣰا ﴿٥٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم يَقُول نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره ; { وَيَوْم يَقُول } اللَّه عَزَّ ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد { نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } يَقُول لَهُمْ : اُدْعُوا الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ شُرَكَائِي فِي الْعِبَادَة لِيَنْصُرُوكُمْ وَيَمْنَعُوكُمْ مِنِّي { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } يَقُول : فَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغِيثُوهُمْ { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } فَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه شُرَكَاء فِي الدُّنْيَا يَوْمئِذٍ عَدَاوَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17440 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : جَعَلَ بَيْنهمْ عَدَاوَة يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن عُمَر , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : عَدَاوَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا فِعْلهمْ ذَلِكَ لَهُمْ مُهْلِكًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17441 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : مَهْلِكًا . 17442 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مَوْبِقًا } قَالَ : هَلَاكًا . 17443 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : الْمَوْبِق : الْمُهْلِك , الَّذِي أَهْلَكَ بَعْضهمْ بَعْضًا فِيهِ , أَوْبَقَ بَعْضهمْ بَعْضًا . وَقَرَأَ { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } 17444 - حُدِّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك { مَوْبِقًا } قَالَ : هَلَاكًا . 17445 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَرْفَجَة , فِي قَوْله { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : مَهْلِكًا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْم وَادٍ فِي جَهَنَّم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17446 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي أَيُّوب , عَنْ عَمْرو الْبِكَالِيّ : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : وَادٍ عَمِيق فُصِلَ بِهِ بَيْن أَهْل الضَّلَالَة وَأَهْل الْهُدَى , وَأَهْل الْجَنَّة , وَأَهْل النَّار . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَمْرًا الْبِكَالِيّ حَدَّثَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : هُوَ وَادٍ عَمِيق فُرِقَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة بَيْن أَهْل الْهُدَى وَأَهْل الضَّلَالَة . 17447 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عُمَر بْن عُبَيْد , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : وَادِيًا فِي النَّار . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : وَادِيًا فِي جَهَنَّم . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17448 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن دِرْهَم , قَالَ : سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا } قَالَ : وَادٍ فِي جَهَنَّم مِنْ قَيْح وَدَم . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَمَنْ وَافَقَهُ فِي تَأْوِيل الْمَوْبِق : أَنَّهُ الْمَهْلِك , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول فِي كَلَامهَا : قَدْ أَوْبَقْت فُلَانًا : إِذَا أَهْلَكْته . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَوْ يُوبِقهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } 42 34 بِمَعْنَى : يُهْلِكهُنَّ . وَيُقَال لِلْمُهْلِكِ نَفْسه : قَدْ وَبَقَ فُلَان فَهُوَ يُوبَق وَبْقًا . وَلُغَة بَنِي عَامِر : يَابَق بِغَيْرِ هَمْز . وَحُكِيَ عَنْ تَمِيم أَنَّهَا تَقُول : يَبِيق . وَقَدْ حُكِيَ وَبَقَ يَبِق وُبُوقًا , حَكَاهَا الْكِسَائِيّ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : الْمَوْبِق : الْوَعْد , وَيَسْتَشْهِد لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : وَحَادَ شَرَوْرَى فَالسِّتَار فَلَمْ يَدَعْ تِعَارًا لَهُ وَالْوَادِيَيْنِ بِمَوْبِقِ وَيَتَأَوَّلهُ بِمَوْعِدِ . وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْمَهْلِك الَّذِي جَعَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , هُوَ الْوَادِي الَّذِي ذُكِرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَجَائِز أَنْ يَكُون الْعَدَاوَة الَّتِي قَالَهَا الْحَسَن .
وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ یَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفࣰا ﴿٥٣﴾
وَقَوْله : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّار } يَقُول : وَعَايَنَ الْمُشْرِكُونَ النَّار يَوْمئِذٍ { فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } يَقُول : فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ دَاخِلُوهَا , كَمَا : 17449 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } قَالَ : عَلِمُوا . 17450 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ الْكَافِر يَرَى جَهَنَّم فَيَظُنّ أَنَّهَا مُوَاقِعَته مِنْ مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " .
وَقَوْله : { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } يَقُول : وَلَمْ يَجِدُوا عَنْ النَّار الَّتِي رَأَوْا مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ عَنْهَا إِلَيْهِ . يَقُول : لَمْ يَجِدُوا مِنْ مُوَاقَعَتهَا بُدًّا , لِأَنَّ اللَّه قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ . وَمِنْ الْمَصْرِف بِمَعْنَى الْمَعْدِل قَوْل أَبِي كَبِير الْهُذَلِيّ : أَزُهَيْر هَلْ عَنْ شَيْبَة مِنْ مَصْرِف أَمْ لَا خُلُود لِبَاذِلٍ مُتَكَلِّف
وَقَوْله : { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } يَقُول : وَلَمْ يَجِدُوا عَنْ النَّار الَّتِي رَأَوْا مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ عَنْهَا إِلَيْهِ . يَقُول : لَمْ يَجِدُوا مِنْ مُوَاقَعَتهَا بُدًّا , لِأَنَّ اللَّه قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ . وَمِنْ الْمَصْرِف بِمَعْنَى الْمَعْدِل قَوْل أَبِي كَبِير الْهُذَلِيّ : أَزُهَيْر هَلْ عَنْ شَيْبَة مِنْ مَصْرِف أَمْ لَا خُلُود لِبَاذِلٍ مُتَكَلِّف
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلࣲۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَكۡثَرَ شَیۡءࣲ جَدَلࣰا ﴿٥٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَلَقَدْ مَثَّلْنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ مِنْ كُلّ مَثَل , وَوَعَظْنَاهُمْ فِيهِ مِنْ كُلّ عِظَة , وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ بِكُلِّ حُجَّة لِيَتَذَكَّرُوا فَيُنِيبُوا , وَيَعْتَبِرُوا فَيَتَّعِظُوا , وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } يَقُول : وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء مِرَاء وَخُصُومَة , لَا يُنِيب لِحَقٍّ , وَلَا يَنْزَجِر لِمَوْعِظَةٍ , كَمَا : 17451 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } قَالَ : الْجَدَل : الْخُصُومَة , خُصُومَة الْقَوْم لِأَنْبِيَائِهِمْ , وَرَدّهُمْ عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ . وَقَرَأَ : { مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ يَأْكُل مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَب مِمَّا تَشْرَبُونَ } . 23 33 وَقَرَأَ : { يُرِيد أَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْكُمْ } . 23 24 وَقَرَأَ : { حَتَّى تُوَفَّى } . ... الْآيَة : { وَلَوْ نْزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس } . ... 6 7 الْآيَة . وَقَرَأَ : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ } 15 14 قَالَ : هُمْ لَيْسَ أَنْتَ { لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارنَا بَلْ نَحْنُ قَوْم مَسْحُورُونَ } 15 15
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن یُؤۡمِنُوۤاْ إِذۡ جَاۤءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَیَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّاۤ أَن تَأۡتِیَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِینَ أَوۡ یَأۡتِیَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلࣰا ﴿٥٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا مَنَعَ النَّاس أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبّهمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَمَا مَنَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد الْإِيمَان بِاَللَّهِ إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى بَيَان اللَّه , وَعَلِمُوا صِحَّة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَحَقِيقَته , وَالِاسْتِغْفَار مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ شِرْكهمْ , إِلَّا مَجِيئُهُمْ سُنَّتنَا فِي أَمْثَالهمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا قَبْلهمْ , أَوْ إِتْيَانهمْ الْعَذَاب قُبُلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب فَجْأَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17452 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } قَالَ فَجْأَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب عِيَانًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17453 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } قَالَ : قُبُلًا مُعَايَنَة ذَلِكَ الْقُبُل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة ذَات عَدَد { أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا } بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء , بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ الْعَذَاب أَلْوَان وَضُرُوب , وَوَجَّهُوا الْقُبُل إِلَى جَمْع قَبِيل , كَمَا يُجْمَع الْقَتِيل الْقُتُل , وَالْجَدِيد الْجُدُد . وَقَرَأَ جَمَاعَة أُخْرَى : " أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قِبَلًا " بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْبَاء , بِمَعْنَى أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب عِيَانًا مِنْ قَوْلهمْ : كَلَّمْته قِبَلًا . وَقَدْ بَيَّنْت الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي سُورَة الْأَنْعَام بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّا مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَۚ وَیُجَـٰدِلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَـٰطِلِ لِیُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَایَـٰتِی وَمَاۤ أُنذِرُواْ هُزُوࣰا ﴿٥٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا نُرْسِل الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِل الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَمَا نُرْسِل إِلَّا لِيُبَشِّرُوا أَهْل الْإِيمَان وَالتَّصْدِيق بِإِلَلِهِ بِجَزِيلِ ثَوَابه فِي الْآخِرَة , وَلِيُنْذِرُوا أَهْل الْكُفْر بِهِ وَالتَّكْذِيب عَظِيم عِقَابه , وَأَلِيم عَذَابه , فَيَنْتَهُوا عَنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ , وَيَنْزَجِرُوا عَنْ الْكُفْر بِهِ وَمَعَاصِيه { وَيُجَادِل الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ } يَقُول : وَيُخَاصِم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله بِالْبَاطِلِ , ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرْنَا عَنْ حَدِيث فِتْيَة ذَهَبُوا فِي أَوَّل الدَّهْر لَمْ يُدْرَ مَا شَأْنهمْ , وَعَنْ الرَّجُل الَّذِي بَلَغَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , وَعَنْ الرُّوح , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا كَانُوا يُخَاصِمُونَهُ بِهِ , يَبْتَغُونَ إِسْقَاطه , تَعْنِيتًا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إِنَّا لَسْنَا نَبْعَث إِلَيْكُمْ رُسُلنَا لِلْجِدَالِ وَالْخُصُومَات , وَإِنَّمَا نَبْعَثهُمْ مُبَشِّرِينَ أَهْل الْإِيمَان بِالْجَنَّةِ , وَمُنْذِرِينَ أَهْل الْكُفْر بِالنَّارِ , وَأَنْتُمْ تُجَادِلُونَهُمْ بِالْبَاطِلِ طَلَبًا مِنْكُمْ بِذَلِكَ أَنْ تُبْطِلُوا الْحَقّ الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ رَسُولِي .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ } لِيُبْطِلُوا بِهِ الْحَقّ وَيُزِيلُوهُ وَيَذْهَبُوا بِهِ . يُقَال مِنْهُ : دَحَضَ الشَّيْء : إِذَا زَالَ وَذَهَبَ , وَيُقَال : هَذَا مَكَان دَحْض : أَيْ مُزِلّ مُزْلِق لَا يَثْبُت فِيهِ خُفّ وَلَا حَافِر وَلَا قَدَم ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : رَدِيت وَنَجَّى الْيَشْكُرِيَّ حِذَارُه وَحَادَ كَمَا حَادَ الْبَعِير عَنْ الدَّحْض وَيُرْوَى : وَنَحَّى , وَأَدْحَضْته أَنَا : إِذَا أَذْهَبْته وَأَبْطَلْته .
وَقَوْله : { وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } يَقُول : وَاتَّخَذُوا الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ حُجَجه الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ , وَكِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ , وَالنُّذُر الَّتِي أَنْذَرَهُمْ بِهَا سِخْرِيًّا يَسْخَرُونَ بِهَا , يَقُولُونَ : { أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَة وَأَصِيلًا } 25 5 و { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْل هَذَا } 8 31
وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ } لِيُبْطِلُوا بِهِ الْحَقّ وَيُزِيلُوهُ وَيَذْهَبُوا بِهِ . يُقَال مِنْهُ : دَحَضَ الشَّيْء : إِذَا زَالَ وَذَهَبَ , وَيُقَال : هَذَا مَكَان دَحْض : أَيْ مُزِلّ مُزْلِق لَا يَثْبُت فِيهِ خُفّ وَلَا حَافِر وَلَا قَدَم ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : رَدِيت وَنَجَّى الْيَشْكُرِيَّ حِذَارُه وَحَادَ كَمَا حَادَ الْبَعِير عَنْ الدَّحْض وَيُرْوَى : وَنَحَّى , وَأَدْحَضْته أَنَا : إِذَا أَذْهَبْته وَأَبْطَلْته .
وَقَوْله : { وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } يَقُول : وَاتَّخَذُوا الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ حُجَجه الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ , وَكِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ , وَالنُّذُر الَّتِي أَنْذَرَهُمْ بِهَا سِخْرِيًّا يَسْخَرُونَ بِهَا , يَقُولُونَ : { أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَة وَأَصِيلًا } 25 5 و { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْل هَذَا } 8 31
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِیَ مَا قَدَّمَتۡ یَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن یَفۡقَهُوهُ وَفِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣰاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن یَهۡتَدُوۤاْ إِذًا أَبَدࣰا ﴿٥٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبّه فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَأَيّ النَّاس أَوْضَع لِلْإِعْرَاضِ وَالصَّدّ فِي غَيْر مَوْضِعهمَا مِمَّنْ ذَكَّرَهُ بِآيَاتِهِ وَحُجَجه , فَدَلَّهُ بِهَا عَلَى سَبِيل الرَّشَاد , وَهَدَاهُ بِهَا إِلَى طَرِيق النَّجَاة , فَأَعْرَضَ عَنْ آيَاته وَأَدِلَّته الَّتِي فِي اِسْتِدْلَاله بِهَا الْوُصُول إِلَى الْخَلَاص مِنْ الْهَلَاك { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } يَقُول : وَنَسِيَ مَا أَسْلَفَ مِنْ الذُّنُوب الْمُهْلِكَة فَلَمْ يَتُبْ , وَلَمْ يُنِبْ ; كَمَا : 17454 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } : أَيْ نَسِيَ مَا سَلَفَ مِنْ الذُّنُوب .
وَقَوْله : { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهمْ أَكِنَّة أَنْ يَفْقَهُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ آيَات اللَّه إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا أَغْطِيَة لِئَلَّا يَفْقَهُوهُ , لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَفْقَهُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ .
وَقَوْله : { وَفِي آذَانهمْ وَقْرًا } يَقُول : فِي آذَانهمْ ثِقَلًا لِئَلَّا يَسْمَعُوهُ { وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ تَدْعُ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَات اللَّه عِنْد التَّذْكِير بِهَا إِلَى الِاسْتِقَامَة عَلَى مَحَجَّة الْحَقّ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك { فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } يَقُول : فَلَنْ يَسْتَقِيمُوا إِذًا أَبَدًا عَلَى الْحَقّ , وَلَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا دَعَوْتهمْ إِلَيْهِ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ , وَسَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ .
وَقَوْله : { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهمْ أَكِنَّة أَنْ يَفْقَهُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ آيَات اللَّه إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا أَغْطِيَة لِئَلَّا يَفْقَهُوهُ , لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَفْقَهُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ .
وَقَوْله : { وَفِي آذَانهمْ وَقْرًا } يَقُول : فِي آذَانهمْ ثِقَلًا لِئَلَّا يَسْمَعُوهُ { وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ تَدْعُ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَات اللَّه عِنْد التَّذْكِير بِهَا إِلَى الِاسْتِقَامَة عَلَى مَحَجَّة الْحَقّ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك { فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } يَقُول : فَلَنْ يَسْتَقِيمُوا إِذًا أَبَدًا عَلَى الْحَقّ , وَلَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا دَعَوْتهمْ إِلَيْهِ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ , وَسَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ .
وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ یُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدࣱ لَّن یَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡىِٕلࣰا ﴿٥٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك الْغَفُور ذُو الرَّحْمَة لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب بَلْ لَهُمْ مَوْعِد لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَرَبّك السَّاتِر يَا مُحَمَّد عَلَى ذُنُوب عِبَاده بِعَفْوِهِ عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْهُمْ { ذُو الرَّحْمَة بِهِمْ لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا } هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاته إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا بِمَا كَسَبُوا مِنْ الذُّنُوب وَالْآثَام , { لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب } وَلَكِنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ غَيْر فَاعِل ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى مِيقَاتهمْ وَآجَالهمْ , { بَلْ لَهُمْ مَوْعِد } يَقُول : لَكِنْ لَهُمْ مَوْعِد , وَذَلِكَ مِيقَات مَحَلّ عَذَابهمْ , وَهُوَ يَوْم بَدْر { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } يَقُول تَعَالَى : ذِكْره : لَنْ يَجِد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , وَإِنْ لَمْ يُعَجَّل لَهُمْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا مِنْ دُون الْمَوْعِد الَّذِي جَعَلْته مِيقَاتًا لِعَذَابِهِمْ , مِمَّا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ , وَمَنْجًى يَنْجُونَ مَعَهُ , يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَعْقِلًا يَعْتَقِلُونَ بِهِ مِنْ عَذَاب اللَّه ; يُقَال مِنْهُ : وَأَلْت مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا , أَئِل وُؤُولًا , مِثْل وُعُولًا ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : لَا وَاءَلَتْ نَفْسك خَلَّيْتهَا لِلْعَامِرِيَّيْنِ وَلَمْ تُكْلَم يَقُول : لَا نَجَتْ ; وَقَوْل الْأَعْشَى : وَقَدْ أُخَالِس رَبّ الْبَيْت غَفْلَته وَقَدْ يُحَاذِر مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِل وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17455 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَوْئِلًا } قَالَ : مُحْرَزًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17456 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : يَقُول : مَلْجَأ . 17457 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } : أَيْ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه وَلِيًّا وَلَا مَلْجَأ . 17458 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } قَالَ : لَيْسَ مِنْ دُونه مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ .
وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰۤ أَهۡلَكۡنَـٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدࣰا ﴿٥٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتِلْكَ الْقُرَى مِنْ عَادٍ وَثَمُود وَأَصْحَاب الْأَيْكَة أَهْلَكْنَا أَهْلهَا لَمَّا ظَلَمُوا , فَكَفَرُوا بِاَللَّهِ وَآيَاته , { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } يَعْنِي مِيقَاتًا وَأَجَلًا , حِين بَلَغُوهُ جَاءَهُمْ عَذَاب فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِهِ , يَقُول : فَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِك أَبَدًا مَوْعِدًا , إِذَا جَاءَهُمْ ذَلِكَ الْمَوْعِد أَهْلَكْنَاهُمْ سُنَّتنَا فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلهمْ مِنْ ضُرَبَائِهِمْ ; كَمَا : 17459 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } قَالَ : أَجَلًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { لِمَهْلِكِهِمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : " لِمُهْلَكِهِمْ " بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح اللَّام عَلَى تَوْجِيه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ أُهْلِكُوا إِهْلَاكًا . وَقَرَأَهُ عَاصِم : " لِمَهْلَكِهِمْ " بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام إِلَى تَوْجِيهه إِلَى الْمَصْدَر مِنْ هَلَكُوا هَلَاكًا وَمَهْلَكًا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " لِمُهْلَكِهِمْ " بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح اللَّام لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ , وَاسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ : { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ } فَأَنْ يَكُون الْمَصْدَر مِنْ أَهْلَكْنَا , إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْله أَوْلَى . وَقِيلَ : أَهْلَكْنَاهُمْ , وَقَدْ قَالَ قَبْل : { وَتِلْكَ الْقُرَى } , لِأَنَّ الْهَلَاك إِنَّمَا حَلَّ بِأَهْلِ الْقُرَى , فَعَادَ إِلَى الْمَعْنَى , وَأَجْرَى الْكَلَام عَلَيْهِ دُون اللَّفْظ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : قَالَ : { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } يَعْنِي أَهْلهَا , كَمَا قَالَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة } 12 82 وَلَمْ يَجِيء بِلَفْظِ الْقُرَى , وَلَكِنْ أَجْرَى اللَّفْظ عَلَى الْقَوْم , وَأَجْرَى اللَّفْظ فِي الْقَرْيَة عَلَيْهَا إِلَى قَوْله { الَّتِي كُنَّا فِيهَا } , وَقَالَ : { أَهْلَكْنَاهُمْ } وَلَمْ يَقُلْ : أَهْلَكْنَاهَا , حَمَلَهُ عَلَى الْقَوْم , كَمَا قَالَ : جَاءَتْ تَمِيم , وَجَعَلَ الْفِعْل لِبَنِي تَمِيم , وَلَمْ يَجْعَلهُ لِتَمِيمٍ , وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَقَالَ : جَاءَ تَمِيم , وَهَذَا لَا يَحْسُن فِي نَحْو هَذَا , لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْر تَمِيم فِي نَحْو هَذَا الْمَوْضِع , فَجَعَلَهُ اِسْمًا , وَلَمْ يَحْتَمِل إِذَا اِعْتَلَّ أَنْ يُحْذَف مَا قَبْله كُلّه مَعْنَى التَّاء مِنْ جَاءَتْ مَعَ بَنِي تَمِيم , وَتُرِكَ الْفِعْل عَلَى مَا كَانَ لِيُعْلَم أَنَّهُ قَدْ حَذَفَ شَيْئًا قَبْل تَمِيم . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَال : تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ , لِأَنَّ الْقَرْيَة قَامَتْ مَقَام الْأَهْل , فَجَازَ أَنْ تَرِد عَلَى الْأَهْل مَرَّة وَعَلَيْهَا مَرَّة , وَلَا يَجُوز ذَلِكَ فِي تَمِيم , لِأَنَّ الْقَبِيلَة تُعْرَف بِهِ وَلَيْسَ تَمِيم هُوَ الْقَبِيلَة , وَإِنَّمَا عُرِفَتْ الْقَبِيلَة بِهِ , وَلَوْ كَانَتْ الْقَبِيلَة قَدْ سُمِّيَتْ بِالرَّجُلِ لَجَرَتْ عَلَيْهِ , كَمَا تَقُول : وَقَعْت فِي هُود , تُرِيد فِي سُورَة هُود وَلَيْسَ هُود اِسْمًا لِلسُّورَةِ وَإِنَّمَا عُرِفَتْ السُّورَة بِهِ , فَلَوْ سُمِّيَتْ السُّورَة بِهُودٍ لَمْ يَجْرِ , فَقُتِلَ : وَقَعَتْ فِي هُود يَا هَذَا , فَلَمْ يَجْرِ , وَكَذَلِكَ لَوْ سَمَّى بَنِي تَمِيم تَمِيمًا لَقِيلَ : هَذِهِ تَمِيم قَدْ أَقْبَلَتْ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَتَلِك الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا , وَجَعَلْنَا لِإِهْلَاكِهِمْ مَوْعِدًا .
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَاۤ أَبۡرَحُ حَتَّىٰۤ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ أَوۡ أَمۡضِیَ حُقُبࣰا ﴿٦٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إِذْ قَالَ مُوسَى بْن عِمْرَان لِفَتَاهُ يُوشَع : { لَا أَبْرَح } يَقُول : لَا أَزَالَ أَسِير { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } , كَمَا : 17460 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح } قَالَ : لَا أَنْتَهِي . وَقِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } اِجْتِمَاع بَحْر فَارِس وَالرُّوم , وَالْمَجْمَع : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : جَمَعَ يَجْمَع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17461 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } وَالْبَحْرَانِ : بَحْر فَارِس وَبَحْر الرُّوم , وَبَحْر الرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَغْرِب , وَبَحْر فَارِس مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر فَارِس , وَبَحْر الرُّوم . 17462 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : بَحْر الرُّوم , وَبَحْر فَارِس , أَحَدهمَا قِبَل الْمَشْرِق , وَالْآخَر قِبَل الْمَغْرِب . 17463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : { مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } 17464 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الضَّرِيس , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , فِي قَوْله : { لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ } قَالَ : طَنْجَة .
وَقَوْله : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } يَقُول : أَوْ أَسِير زَمَانًا وَدَهْرًا , وَهُوَ وَاحِد , وَيُجْمَع كَثِيره وَقَلِيله : أَحْقَاب . وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : كُنْت عِنْده حُقْبَة مِنْ الدَّهْر : وَيَجْمَعُونَهَا حُقُبًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله { لَا أَبْرَح } : أَيْ لَا أَزُول , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَق : فَمَا بَرِحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نِسَاؤُهُمْ بِبَطْحَاء ذِي قَار عِيَاب اللَّطَائِم يَقُول : مَا زَالُوا . وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب , أَنَّ الْحُقُب فِي لُغَة قَيْس : سَنَة . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِره , وَهُوَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ ثَمَانُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17465 - حَدَّثَنَا عَنْ هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو بَلَج , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : الْحُقُب : ثَمَانُونَ سَنَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبْعُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17466 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : سَبْعِينَ خَرِيفًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : دَهْرًا . 17468 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : زَمَان . 17468 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : الزَّمَان .
وَقَوْله : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } يَقُول : أَوْ أَسِير زَمَانًا وَدَهْرًا , وَهُوَ وَاحِد , وَيُجْمَع كَثِيره وَقَلِيله : أَحْقَاب . وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : كُنْت عِنْده حُقْبَة مِنْ الدَّهْر : وَيَجْمَعُونَهَا حُقُبًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله { لَا أَبْرَح } : أَيْ لَا أَزُول , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَرَزْدَق : فَمَا بَرِحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نِسَاؤُهُمْ بِبَطْحَاء ذِي قَار عِيَاب اللَّطَائِم يَقُول : مَا زَالُوا . وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب , أَنَّ الْحُقُب فِي لُغَة قَيْس : سَنَة . فَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِره , وَهُوَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ ثَمَانُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17465 - حَدَّثَنَا عَنْ هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو بَلَج , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : الْحُقُب : ثَمَانُونَ سَنَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبْعُونَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17466 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : سَبْعِينَ خَرِيفًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : دَهْرًا . 17468 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : زَمَان . 17468 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : الْحُقُب : الزَّمَان .
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَیۡنِهِمَا نَسِیَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِیلَهُۥ فِی ٱلۡبَحۡرِ سَرَبࣰا ﴿٦١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَع بَيْنهمَا نَسِيَا حُوتهمَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى وَفَتَاهُ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ , كَمَا : 17470 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { مَجْمَع بَيْنهمَا } قَالَ : بَيْن الْبَحْرَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَوْله : { نَسِيَا حُوتهمَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : نَسِيَا : تَرَكَا , كَمَا : 17471 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { نَسِيَا حُوتهمَا } قَالَ : أَضَلَّاهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أَضَلَّاهُ . قَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : إِنَّ الْحُوت كَانَ مَعَ يُوشَع , وَهُوَ الَّذِي نَسِيَهُ , فَأُضِيفَ النِّسْيَان إِلَيْهِمَا , كَمَا قَالَ : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 وَإِنَّمَا يَخْرُج مِنْ الْمِلْح دُون الْعَذْب . وَإِنَّمَا جَازَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : { نَسِيَا } لِأَنَّهُمَا كَانَا جَمِيعًا تَزَوَّدَاهُ لِسَفَرِهِمَا , فَكَانَ حَمْل أَحَدهمَا ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى أَنَّهُ حَمْل مِنْهُمَا , كَمَا يُقَال : خَرَجَ الْقَوْم مِنْ مَوْضِع كَذَا , وَحَمَلُوا مَعَهُمْ كَذَا مِنْ الزَّاد , وَإِنَّمَا حَمَلَهُ أَحَدهمَا وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيهمْ وَأَمْرهمْ أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعهمْ , فَكَذَلِكَ إِذَا نَسِيَهُ حَامِله فِي مَوْضِع قِيلَ : نَسِيَ الْقَوْم زَادَهُمْ , فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى الْجَمِيع بِنِسْيَانِ حَامِله ذَلِكَ , فَيُجْرَى الْكَلَام عَلَى الْجَمِيع , وَالْفِعْل مِنْ وَاحِد , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { نَسِيَا حُوتهمَا } لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره خَاطَبَ الْعَرَب بِلُغَتِهَا , وَمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ مِنْ الْكَلَام . وَأَمَّا قَوْله : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } فَإِنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِخِلَافِ مَا قَالَ فِيهِ , وَسَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى إِذَا اِنْتَهَيْنَا إِلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْله : { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْحُوت اِتَّخَذَ طَرِيقه الَّذِي سَلَكَهُ فِي الْبَحْر سَرَبًا , كَمَا : 17472 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : الْحُوت اِتَّخَذَ . وَيَعْنِي بِالسَّرَبِ : الْمَسْلَك وَالْمَذْهَب , يَسْرُب فِيهِ : يَذْهَب فِيهِ وَيَسْلُكهُ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي صِفَة اِتِّخَاذه سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : صَارَ طَرِيقه الَّذِي يَسْلُك فِيهِ كَالْحَجَرِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17473 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { سَرَبًا } قَالَ : أَثَره كَأَنَّهُ حَجَر . 17474 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثَنْي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين ذَكَرَ حَدِيث ذَلِكَ : " مَا اِنْجَابَ مَاء مُنْذُ كَانَ النَّاس غَيْره ثَبَتَ مَكَان الْحُوت الَّذِي فِيهِ فَانْجَابَ كَالْكُوَّةِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ مُوسَى , فَرَأَى مَسْلَكه , فَقَالَ : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي " . 17475 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { فَاِتَّخَذَ سَبِيلًا فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : جَاءَ فَرَأَى أَثَر جَنَاحَيْهِ فِي الطِّين حِين وَقَعَ فِي الْمَاء , قَالَ اِبْن عَبَّاس { فَاِتَّخَذَ سَبِيلًا فِي الْبَحْر سَرَبًا } وَحَلَّقَ بِيَدِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ صَارَ طَرِيقه فِي الْبَحْر مَاء جَامِدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17476 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : سَرَب مِنْ الْجُرّ حَتَّى أَفْضَى إِلَى الْبَحْر , ثُمَّ سَلَكَ , فَجَعَلَ لَا يَسْلُك فِيهِ طَرِيقًا إِلَّا صَارَ مَاء جَامِدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ صَارَ طَرِيقه فِي الْبَحْر حَجَرًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَعَلَ الْحُوت لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُون صَخْرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِنَّمَا اِتَّخَذَ سَبِيله سَرَبًا فِي الْبِرّ إِلَى الْمَاء , حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ لَا فِي الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17478 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : قَالَ : حُشِرَ الْحُوت فِي الْبَطْحَاء بَعْد مَوْته حِين أَحْيَاهُ اللَّه . قَالَ اِبْن زَيْد , وَأَخْبَرَنِي أَبُو شُجَاع أَنَّهُ رَآهُ قَالَ : أَتَيْت بِهِ فَإِذَا هُوَ شُقَّة حُوت وَعَيْن وَاحِدَة , وَشِقّ آخَر لَيْسَ فِيهِ شَيْء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَاِتَّخَذَ الْحُوت طَرِيقه فِي الْبَحْر سَرَبًا . وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ السَّرَب كَانَ بِانْجِيَابِ عَنْ الْأَرْض ; وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِجُمُودِ الْمَاء ; وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِتَحَوُّلِهِ حَجَرًا . وَأَصَحّ الْأَقْوَال فِيهِ مَا رُوِيَ الْخَبَر بِهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أُبَيّ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْله : { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْحُوت اِتَّخَذَ طَرِيقه الَّذِي سَلَكَهُ فِي الْبَحْر سَرَبًا , كَمَا : 17472 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : الْحُوت اِتَّخَذَ . وَيَعْنِي بِالسَّرَبِ : الْمَسْلَك وَالْمَذْهَب , يَسْرُب فِيهِ : يَذْهَب فِيهِ وَيَسْلُكهُ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي صِفَة اِتِّخَاذه سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : صَارَ طَرِيقه الَّذِي يَسْلُك فِيهِ كَالْحَجَرِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17473 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { سَرَبًا } قَالَ : أَثَره كَأَنَّهُ حَجَر . 17474 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثَنْي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين ذَكَرَ حَدِيث ذَلِكَ : " مَا اِنْجَابَ مَاء مُنْذُ كَانَ النَّاس غَيْره ثَبَتَ مَكَان الْحُوت الَّذِي فِيهِ فَانْجَابَ كَالْكُوَّةِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ مُوسَى , فَرَأَى مَسْلَكه , فَقَالَ : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي " . 17475 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { فَاِتَّخَذَ سَبِيلًا فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : جَاءَ فَرَأَى أَثَر جَنَاحَيْهِ فِي الطِّين حِين وَقَعَ فِي الْمَاء , قَالَ اِبْن عَبَّاس { فَاِتَّخَذَ سَبِيلًا فِي الْبَحْر سَرَبًا } وَحَلَّقَ بِيَدِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ صَارَ طَرِيقه فِي الْبَحْر مَاء جَامِدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17476 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : سَرَب مِنْ الْجُرّ حَتَّى أَفْضَى إِلَى الْبَحْر , ثُمَّ سَلَكَ , فَجَعَلَ لَا يَسْلُك فِيهِ طَرِيقًا إِلَّا صَارَ مَاء جَامِدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ صَارَ طَرِيقه فِي الْبَحْر حَجَرًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَعَلَ الْحُوت لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُون صَخْرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِنَّمَا اِتَّخَذَ سَبِيله سَرَبًا فِي الْبِرّ إِلَى الْمَاء , حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ لَا فِي الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17478 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا } قَالَ : قَالَ : حُشِرَ الْحُوت فِي الْبَطْحَاء بَعْد مَوْته حِين أَحْيَاهُ اللَّه . قَالَ اِبْن زَيْد , وَأَخْبَرَنِي أَبُو شُجَاع أَنَّهُ رَآهُ قَالَ : أَتَيْت بِهِ فَإِذَا هُوَ شُقَّة حُوت وَعَيْن وَاحِدَة , وَشِقّ آخَر لَيْسَ فِيهِ شَيْء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَاِتَّخَذَ الْحُوت طَرِيقه فِي الْبَحْر سَرَبًا . وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ السَّرَب كَانَ بِانْجِيَابِ عَنْ الْأَرْض ; وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِجُمُودِ الْمَاء ; وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِتَحَوُّلِهِ حَجَرًا . وَأَصَحّ الْأَقْوَال فِيهِ مَا رُوِيَ الْخَبَر بِهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أُبَيّ عَنْهُ .
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَاۤءَنَا لَقَدۡ لَقِینَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبࣰا ﴿٦٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَلَمَّا جَاوَزَ } مُوسَى وَفَتَاهُ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ , { قَالَ } مُوسَى { لِفَتَاهُ } يُوشَع { آتِنَا غَدَاءَنَا } يَقُول : جِئْنَا بِغَدَائِنَا وَأَعْطِنَاهُ , وَقَالَ : آتِنَا غَدَاءَنَا , كَمَا يُقَال : أَتَى الْغَدَاء وَأَتَيْته , مِثْل ذَهَبَ وَأَذْهَبْته , { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا } يَقُول : لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا عَنَاء وَتَعَبًا ; وَقَالَ ذَلِكَ مُوسَى , فِيمَا ذَكَرَ , بَعْد مَا جَاوَزَ الصَّخْرَة , حِين أُلْقِيَ عَلَيْهِ الْجُوع لِيَتَذَكَّر الْحُوت , وَيَرْجِع إِلَى مَوْضِع مَطْلَبه .
قَالَ أَرَءَیۡتَ إِذۡ أَوَیۡنَاۤ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّی نَسِیتُ ٱلۡحُوتَ وَمَاۤ أَنسَىٰنِیهُ إِلَّا ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِیلَهُۥ فِی ٱلۡبَحۡرِ عَجَبࣰا ﴿٦٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى حِين قَالَ لَهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لِنَطْعَم : أَرَأَيْت إِذَا أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيَتْ الْحُوت هُنَالِكَ { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان } يَقُول : وَمَا أَنْسَانِي الْحُوت إِلَّا الشَّيْطَان { أَنْ أَذْكُرهُ } فَأَنْ فِي مَوْضِع نَصْب رَدًّا عَلَى الْحُوت , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا أَنْسَانِي أَنْ أَذْكُر الْحُوت إِلَّا الشَّيْطَان سَبَقَ الْحُوت إِلَى الْفِعْل , وَرَدَّ عَلَيْهِ قَوْله { أَنْ أَذْكُرهُ } وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " وَمَا أَنْسَانِيهُ أَنْ أَذْكُرهُ إِلَّا الشَّيْطَان " . 17479 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة ; حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن مَعْقِل , يُحَدِّث عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ الصَّخْرَة الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى هِيَ الصَّخْرَة الَّتِي دُون نَهَر الذِّئْب عَلَى الطَّرِيق .
{ وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } يَعْجَب مِنْهُ . كَمَا : 17480 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : مُوسَى يَعْجَب مِنْ أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر وَدَوْرَاته الَّتِي غَابَ فِيهَا , فَوَجَدَ عِنْدهَا خَضِرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17481 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } فَكَانَ مُوسَى لَمَّا اِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا , يَعْجَب مِنْ سَرَب الْحُوت . 17482 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : عَجِبَ وَاَللَّه حُوت كَانَ يُوكَل مِنْهُ أَدْهُرًا , أَيّ شَيْء أَعْجَب مِنْ حُوت كَانَ دَهْرًا مِنْ الدُّهُور يُؤْكَل مِنْهُ , ثُمَّ صَارَ حَيًّا حَتَّى حُشِرَ فِي الْبَحْر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَعَلَ الْحُوت لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُون صَخْرَة , فَجَعَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَب مِنْ ذَلِكَ . 17483 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : يَعْنِي كَانَ سَرَب الْحُوت فِي الْبَحْر لِمُوسَى عَجَبًا .
{ وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } يَعْجَب مِنْهُ . كَمَا : 17480 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : مُوسَى يَعْجَب مِنْ أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر وَدَوْرَاته الَّتِي غَابَ فِيهَا , فَوَجَدَ عِنْدهَا خَضِرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17481 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } فَكَانَ مُوسَى لَمَّا اِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا , يَعْجَب مِنْ سَرَب الْحُوت . 17482 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : عَجِبَ وَاَللَّه حُوت كَانَ يُوكَل مِنْهُ أَدْهُرًا , أَيّ شَيْء أَعْجَب مِنْ حُوت كَانَ دَهْرًا مِنْ الدُّهُور يُؤْكَل مِنْهُ , ثُمَّ صَارَ حَيًّا حَتَّى حُشِرَ فِي الْبَحْر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَعَلَ الْحُوت لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُون صَخْرَة , فَجَعَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَب مِنْ ذَلِكَ . 17483 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن ثَابِت , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } قَالَ : يَعْنِي كَانَ سَرَب الْحُوت فِي الْبَحْر لِمُوسَى عَجَبًا .
قَالَ ذَ ٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰۤ ءَاثَارِهِمَا قَصَصࣰا ﴿٦٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل تَعَالَى : { قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ف { قَالَ } مُوسَى لِفَتَاهُ { ذَلِكَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : نِسْيَانك الْحُوت { مَا كُنَّا نَبْغِ } يَقُول : الَّذِي كُنَّا نَلْتَمِس وَنَطْلُب , لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قِيلَ لَهُ صَاحِبك الَّذِي تُرِيدهُ حَيْثُ تَنْسَى الْحُوت , كَمَا : 17484 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } قَالَ مُوسَى : فَذَلِكَ حِين أُخْبِرْت أَنِّي وَاجِد خَضِرًا حَيْثُ يَفُوتنِي الْحُوت . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَيْثُ يُفَارِقنِي الْحُوت .
وَقَوْله : { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } يَقُول : فَرَجَعَا فِي الطَّرِيق الَّذِي كَانَا قَطَعَاهُ نَاكِصَيْنِ عَلَى أَدْبَارهمَا يَمُصَّانِ آثَارهمَا الَّتِي كَانَا سَلَكَاهُمَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17485 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { قَصَصًا } قَالَ : اِتَّبَعَ مُوسَى وَفَتَاهُ أَثَر الْحُوت , فَشَقَّا الْبَحْر رَاجِعَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } قَالَ : اِتِّبَاع مُوسَى وَفَتَاهُ أَثَر الْحُوت بِشِقِّ الْبَحْر , وَمُوسَى وَفَتَاهُ رَاجِعَانِ وَمُوسَى يَعْجَب مِنْ أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر , وَدَوْرَاته الَّتِي غَابَ فِيهَا . 17486 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : رَجَعَا عَوْدهمَا عَلَى بَدْئِهِمَا { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } 17487 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } : " أَيْ يَقُصَّانِ آثَارهمَا حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى مَدْخَل الْحُوت " .
وَقَوْله : { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } يَقُول : فَرَجَعَا فِي الطَّرِيق الَّذِي كَانَا قَطَعَاهُ نَاكِصَيْنِ عَلَى أَدْبَارهمَا يَمُصَّانِ آثَارهمَا الَّتِي كَانَا سَلَكَاهُمَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17485 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { قَصَصًا } قَالَ : اِتَّبَعَ مُوسَى وَفَتَاهُ أَثَر الْحُوت , فَشَقَّا الْبَحْر رَاجِعَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } قَالَ : اِتِّبَاع مُوسَى وَفَتَاهُ أَثَر الْحُوت بِشِقِّ الْبَحْر , وَمُوسَى وَفَتَاهُ رَاجِعَانِ وَمُوسَى يَعْجَب مِنْ أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر , وَدَوْرَاته الَّتِي غَابَ فِيهَا . 17486 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : رَجَعَا عَوْدهمَا عَلَى بَدْئِهِمَا { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } 17487 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا } : " أَيْ يَقُصَّانِ آثَارهمَا حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى مَدْخَل الْحُوت " .
فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا ﴿٦٥﴾
وَقَوْله : { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَة مِنْ عِنْدنَا } يَقُول : وَهَبْنَا لَهُ رَحْمَة مِنْ عِنْدنَا { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } يَقُول : وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ عِنْدنَا أَيْضًا عِلْمًا . كَمَا : 17488 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } : أَيْ مِنْ عِنْدنَا عِلْمًا . وَكَانَ سَبَب سَفَر مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَتَاهُ , وَلِقَائِهِ هَذَا الْعَالِم الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع فِيمَا ذَكَرَ . أَنَّ مُوسَى سُئِلَ : هَلْ فِي الْأَرْض أَحَد أَعْلَم مِنْك ؟ فَقَالَ : لَا , أَوْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه بِذَلِكَ , فَكُرِهَ ذَلِكَ لَهُ , فَأَرَادَ اللَّه تَعْرِيفه أَنَّ مِنْ عِبَاده فِي الْأَرْض مَنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ , وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَتِّم عَلَى مَا لَا عِلْم لَهُ بِهِ , وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكِل ذَلِكَ إِلَى عَالِمه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ سَبَب ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدُلّهُ عَلَى عَالِم يَزْدَاد مِنْ عِلْمه إِلَى عِلْم نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17489 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : سَأَلَ مُوسَى رَبّه وَقَالَ : رَبّ أَيّ عِبَادك أَحَبّ إِلَيْك ؟ قَالَ : الَّذِي يَذْكُرنِي وَلَا يَنْسَانِي ; قَالَ : فَأَيّ عِبَادك أَقْضَى ؟ قَالَ : الَّذِي يَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يَتَّبِع الْهَوَى ; قَالَ : أَيْ رَبّ أَيّ عِبَادك أَعْلَم ؟ قَالَ : الَّذِي يَبْتَغِي عِلْم النَّاس إِلَى عِلْم نَفْسه , عَسَى أَنْ يُصِيب كَلِمَة تَهْدِيه إِلَى هُدًى , أَوْ تَرُدّهُ عَنْ رَدًى ; قَالَ : رَبّ فَهَلْ فِي الْأَرْض أَحَد ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ : رَبّ , فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ : الْخَضِر ; قَالَ : وَأَيْنَ أَطْلُبهُ ؟ قَالَ : عَلَى السَّاحِل عِنْد الصَّخْرَة الَّتِي يَنْفَلِت عِنْدهَا الْحُوت ; قَالَ : فَخَرَجَ مُوسَى يَطْلُبهُ , حَتَّى كَانَ مَا ذَكَرَ اللَّه , وَانْتَهَى إِلَيْهِ مُوسَى عِنْد الصَّخْرَة , فَسَلَّمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : إِنِّي أُرِيد أَنْ تَسْتَصْحِبنِي , قَالَ : إِنَّك لَنْ تُطِيق صُحْبَتِي , قَالَ : بَلَى , قَالَ : فَإِنْ صَحِبْتنِي " فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا " . .. إِلَى قَوْله : { لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } قَالَ : فَكَانَ قَوْل مُوسَى فِي الْجِدَار لِنَفْسِهِ , وَلِطَلَبِ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا , وَكَانَ قَوْله فِي السَّفِينَة وَفِي الْغُلَام لِلَّهِ , { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أَمَّا السَّفِينَة وَأَمَّا الْغُلَام وَأَمَّا الْجِدَار , قَالَ : فَسَارَ بِهِ فِي الْبَحْر حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَجْمَع الْبُحُور , وَلَيْسَ فِي الْأَرْض مَكَان أَكْثَر مَاء مِنْهُ , قَالَ : وَبَعَثَ رَبّك الْخُطَّاف فَجَعَلَ يَسْتَقِي مِنْهُ بِمِنْقَارِهِ , فَقِيلَ لِمُوسَى : كَمْ تَرَى هَذَا الْخُطَّاف مِنْ هَذَا الْمَاء ؟ قَالَ : مَا أَقَلّ مَا رَزَأَ ! قَالَ : يَا مُوسَى فَإِنَّ عِلْمِي وَعِلْمك فِي عِلْم اللَّه كَقَدْرِ مَا اِسْتَقَى هَذَا الْخُطَّاف مِنْ هَذَا الْمَاء ; وَكَانَ مُوسَى قَدْ حَدَّثَ نَفْسه أَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَعْلَم مِنْهُ , أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ , فَمِنْ ثَمَّ أُمِرَ أَنْ يَأْتِي الْخَضِر . 17490 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : خَطَبَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل , فَقَالَ : مَا أَحَد أَعْلَم بِاَللَّهِ وَبِأَمْرِهِ مِنِّي , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِي هَذَا الرَّجُل . 17491 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ آيَة لُقِيّك إِيَّاهُ أَنْ تَنْسَى بَعْض مَتَاعك , فَخَرَجَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَع بْن نُون , وَتَزَوَّدَا حُوتًا مَمْلُوحًا , حَتَّى إِذَا كَانَا حَيْثُ شَاءَ اللَّه , رَدَّ اللَّه إِلَى الْحُوت رُوحه , فَسَرَبَ فِي الْبَحْر , فَاِتَّخَذَ الْحُوت طَرِيقه سَرَبًا فِي الْبَحْر , فَسَرَبَ فِيهِ { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا } . .. حَتَّى بَلَغَ { وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا } فَكَانَ مُوسَى اِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا , فَكَانَ يَعْجَب مِنْ سَرَب الْحُوت . 17492 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا اِقْتَصَّ مُوسَى أَثَر الْحُوت اِنْتَهَى إِلَى رَجُل , رَاقِد قَدْ سُجِّيَ عَلَيْهِ ثَوْبه فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَكَشَفَ الرَّجُل عَنْ وَجْهه الثَّوْب وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : مُوسَى , قَالَ : صَاحِب بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : أَوَمَا كَانَ لَك فِي بَنِي إِسْرَائِيل شُغْل ؟ قَالَ : بَلَى , وَلَكِنْ أُمِرْت أَنْ آتِيك وَأَصْحَبك , قَالَ : إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا , كَمَا قَصَّ اللَّه , { حَتَّى } بَلَغَ فَلَمَّا { رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا } صَاحِب مُوسَى { قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : نُكُرًا { قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ , قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة بِغَيْرِ نَفْس } 17493 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس : إِنَّ نَوْفًا يَزْعُم أَنَّ الْخَضِر لَيْسَ بِصَاحِبِ مُوسَى , فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوّ اللَّه . حَدَّثَنَا أُبَيّ بْن كَعْب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ مُوسَى قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل خَطِيبًا فَقِيلَ : أَيّ النَّاس أَعْلَم ؟ فَقَالَ : أَنَا , فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ حِين لَمْ يَرُدّ الْعِلْم إِلَيْهِ , فَقَالَ : بَلَى عَبْد لِي عِنْد مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ , فَقَالَ : يَا رَبّ كَيْف بِهِ ؟ فَقِيلَ : تَأْخُذ حُوتًا , فَتَجْعَلهُ فِي مِكْتَل , ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ : إِذَا فَقَدْت هَذَا الْحُوت فَأَخْبِرْنِي , فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل الْبَحْر حَتَّى أَتَيَا صَخْرَة , فَرَقَدَ مُوسَى , فَاضْطَرَبَ الْحُوت فِي الْمِكْتَل , فَخَرَجَ فَوَقَعَ فِي الْبَحْر , فَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جَرْيه الْمَاء , فَصَارَ مِثْل الطَّاق , فَصَارَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَكَانَ لَهُمَا عَجَبًا . ثُمَّ اِنْطَلَقَا , فَلَمَّا كَانَ حِين الْغَد , قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا , قَالَ : وَلَمْ يَجِد مُوسَى النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّه قَالَ : فَقَالَ : أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت , وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ , وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا , قَالَ : فَقَالَ : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ , فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا , قَالَ : يَقُصَّانِ آثَارهمَا , قَالَ : فَأَتَيَا الصَّخْرَة , فَإِذَا رَجُل نَائِم مُسَجًّى بِثَوْبِهِ , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى , فَقَالَ : وَأَنَّى بِأَرْضِنَا السَّلَام ؟ فَقَالَ : أَنَا مُوسَى , قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَا : يَا مُوسَى , إِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه , عَلَّمَنِيهِ اللَّه لَا تَعْلَمهُ , وَأَنْتَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْمه عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمهُ , قَالَ : فَإِنِّي أَتَّبِعك عَلَى أَنْ تُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا , قَالَ : فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا . فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِل , فَعَرَفَ الْخَضِر , فَحُمِلَ بِغَيْرِ نَوْل , فَجَاءَ عُصْفُور , فَوَقَعَ عَلَى حَرْفهَا فَنَقَرَ , أَوْ فَنَقَدَ فِي الْمَاء , فَقَالَ الْخَضِر لِمُوسَى : مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه إِلَّا مِقْدَار مَا نَقَرَ أَوْ نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُور مِنْ الْبَحْر " . أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ يَشُكّ , وَهُوَ فِي كِتَابه نَقَرَ , قَالَ : " فَبَيْنَمَا هُوَ إِذْ لَمْ يَفْجَأهُ مُوسَى إِلَّا وَهُوَ يَتِد وَتَدًا أَوْ يَنْزِع تَحْتًا مِنْهَا , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : حُمِلْنَا بِغَيْرِ نَوْل وَتَخْرِقهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا ؟ ! لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا , قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا , قَالَ : لَا تُؤَاخِذنِي فَمَا نَسِيت , قَالَ : وَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا ; قَالَ : ثُمَّ خَرَجَا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ , فَأَبْصَرَا غُلَامًا يَلْعَب مَعَ الْغِلْمَان , فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَقَتَلْت نَفْسًا زَاكِيَة بِغَيْرِ نَفْس , لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا , قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ : إِنْ سَأَلَتْك عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا . قَالَ : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة اِسْتَطْعَمَا أَهْلهَا , فَلَمْ يَجِدَا أَحَدًا يُطْعِمهُمْ وَلَا يَسْقِيهِمْ , فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ , فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ , قَالَ : مَسَحَهُ بِيَدِهِ ; فَقَالَ لَهُ مُوسَى : لَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُنْزِلُونَا , لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا , قَالَ : هَذَا فِرَق بَيْنِي وَبَيْنك " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوَدِدْت أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصّ عَلَيْنَا قَصَصهمْ " . 17494 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : جَلَسْت فَأَسْنَدَ اِبْن عَبَّاس وَعِنْده نَفَر مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَا أَبَا الْعَبَّاس , إِنَّ نَوْفًا اِبْن اِمْرَأَة كَعْب يَزْعُم عَنْ كَعْب , أَنَّ مُوسَى النَّبِيّ الَّذِي طَلَبَ الْعَالِم , إِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْن مِيشَا . قَالَ سَعِيد : قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنَوْف يَقُول هَذَا ؟ قَالَ سَعِيد : فَقُلْت لَهُ نَعَمْ , أَنَا سَمِعْت نَوْفًا يَقُول ذَلِكَ , قَالَ : أَنْتَ سَمِعْته يَا سَعِيد ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ , قَالَ : كَذَبَ نَوْف ! ثُمَّ قَالَ اِبْن عَبَّاس : حَدَّثَنِي أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ مُوسَى هُوَ نَبِيّ بَنِي إِسْرَائِيل سَأَلَ رَبّه فَقَالَ : أَيْ رَبّ إِنْ كَانَ فِي عِبَادك أَحَد هُوَ أَعْلَم مِنِّي فَادْلُلْنِي عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ : نَعَمْ فِي عِبَادِي مَنْ هُوَ أَعْلَم مِنْك , ثُمَّ نَعَتَ لَهُ مَكَانه , وَأَذِنَ لَهُ فِي لُقِيّه ; فَخَرَجَ مُوسَى مَعَهُ فَتَاهُ وَمَعَهُ حُوت مَلِيح , وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِذَا حَيِيَ هَذَا الْحُوت فِي مَكَان فَصَاحِبك هُنَالِكَ وَقَدْ أَدْرَكْت حَاجَتك ; فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ , وَمَعَهُ ذَلِكَ الْحُوت يَحْمِلَانِهِ , فَسَارَ حَتَّى جَهَدَهُ السَّيْر , وَانْتَهَى إِلَى الصَّخْرَة وَإِلَى ذَلِكَ الْمَاء , مَاء الْحَيَاة , مَنْ شَرِبَ مِنْهُ خَلَدَ , وَلَا يُقَارِبهُ شَيْء مَيِّت إِلَّا حَيِيَ ; فَلَمَّا نَزَلَا , وَمَسَّ الْحُوت الْمَاء حَيِيَ , فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا ; فَانْطَلَقَا , فَلَمَّا جَاوَزَا مُنْقَلَبه قَالَ مُوسَى : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا . قَالَ الْفَتَى وَذَكَرَ : أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ . وَاِتَّخَذَ سَبِيلًا فِي الْبَحْر عَجَبًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَظَهَرَ مُوسَى عَلَى الصَّخْرَة حِين اِنْتَهَيَا إِلَيْهَا , فَإِذَا رَجُل مُتَلَفِّف فِي كِسَاء لَهُ , فَسَلَّمَ مُوسَى , فَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَالِم , ثُمَّ قَالَ لَهُ : وَمَا جَاءَ بِك ؟ إِنْ كَانَ لَك فِي قَوْمك لَشُغْل ؟ قَالَ لَهُ مُوسَى : جِئْتُك لِتُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا , { قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } , وَكَانَ رَجُلًا يُعَلِّم عِلْم الْغَيْب قَدْ عُلِّمَ ذَلِكَ , فَقَالَ مُوسَى : بَلَى { قَالَ وَكَيْف تَصْبِر عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } : أَيْ إِنَّمَا تَعْرِف ظَاهِر مَا تَرَى مِنْ الْعَدْل , وَلَمْ تُحِطْ مِنْ عِلْم الْغَيْب بِمَا أَعْلَم { قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا } وَإِنْ رَأَيْت مَا يُخَالِفنِي , { قَالَ فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء } وَإِنْ أَنْكَرْته { حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل الْبَحْر , يَتَعَرَّضَانِ النَّاس , يَلْتَمِسَانِ مَنْ يَحْمِلهُمَا , حَتَّى مَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَة جَدِيدَة وَثِيقَة لَمْ يَمُرّ بِهِمَا مِنْ السُّفُن شَيْء أَحْسَن وَلَا أَجْمَل وَلَا أَوْثَق مِنْهَا , فَسَأَلَا أَهْلهَا أَنْ يَحْمِلُوهُمَا , فَحَمَلُوهُمَا , فَلَمَّا اِطْمَأَنَّا فِيهَا , وَلَجَتْ بِهِمَا مَعَ أَهْلهَا , أَخْرَجَ مِنْقَارًا لَهُ وَمِطْرَقَة , ثُمَّ عَمَدَ إِلَى نَاحِيَة مِنْهَا فَضَرَبَ فِيهَا بِالْمِنْقَارِ حَتَّى خَرَقَهَا , ثُمَّ أَخَذَ لَوْحًا فَطَبَّقَهُ عَلَيْهَا , ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهَا يُرَقِّعهَا . قَالَ لَهُ مُوسَى وَرَأَى أَمْرًا فَظِعَ بِهِ : { أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت } : أَيْ مَا تَرَكْت مِنْ عَهْدك { وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَة , فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة فَإِذَا غِلْمَان يَلْعَبُونَ خَلْفهَا , فِيهِمْ غُلَام لَيْسَ فِي الْغِلْمَان أَظْرَف مِنْهُ , وَلَا أَثْرَى وَلَا أَوْضَأ مِنْهُ , فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ , وَأَخَذَ حَجَرًا , قَالَ : فَضَرَبَ بِهِ رَأْسه حَتَّى دَمَغَهُ فَقَتَلَهُ , قَالَ : فَرَأَى مُوسَى أَمْرًا فَظِيعًا لَا صَبْر عَلَيْهِ , صَبِيّ صَغِير لَا ذَنْب لَهُ { قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَاكِيَة بِغَيْرِ نَفْس } أَيْ صَغِيرَة بِغَيْرِ نَفْس { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } : أَيْ قَدْ أُعْذِرْت فِي شَأْنِي { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة اِسْتَطْعَمَا أَهْلهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } فَهَدَمَهُ , ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيه , فَضَجِرَ مُوسَى مِمَّا رَآهُ يَصْنَع مِنْ التَّكْلِيف لِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ صَبْر , فَقَالَ : { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } أَيْ قَدْ اِسْتَطْعَمْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا , وَضِفْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا , ثُمَّ قَعَدْت فِي غَيْر صَنِيعَة , وَلَوْ شِئْت لَأُعْطِيت عَلَيْهِ أَجْرًا فِي عَمَله { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِين يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا , وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } , وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " كُلّ سَفِينَة صَالِحَة " , وَإِنَّمَا عِبْتهَا لِأَرُدّهُ عَنْهَا , فَسَلِمَتْ حِين رَأَى الْعَيْب الَّذِي صَنَعْت بِهَا . { وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة وَأَقْرَب رُحْمًا وَأَمَّا الْجِدَار فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبّك أَنْ يَبْلُغَا أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزهمَا رَحْمَة مِنْ رَبّك وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } : أَيْ مَا فَعَلْته عَنْ نَفْسِي { ذَلِكَ تَأْوِيل مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } فَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : مَا كَانَ الْكَنْز إِلَّا عِلْمًا . 17495 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاس : لَمْ نَسْمَع لِفَتَى مُوسَى بِذِكْرٍ مِنْ حَدِيث , وَقَدْ كَانَ مَعَهُ , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِيمَا يَذْكُر مِنْ حَدِيث الْفَتَى قَالَ : شَرِبَ الْفَتَى مِنْ الْمَاء فَخَلَدَ , فَأَخَذَهُ الْعَالِم فَطَابَقَ بِهِ سَفِينَة , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْبَحْر , فَإِنَّهَا لَتَمُوج بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَب مِنْهُ فَشَرِبَ . 17496 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَح حَتَّى أَبْلُغ مَجْمَع الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِي حُقُبًا } قَالَ : لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى وَقَوْمه عَلَى مِصْر أَنْزَلَ قَوْمه مِصْر ; فَلَمَّا اِسْتَقَرَّتْ بِهِمْ الدَّار أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ أَنْ { ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه } 14 5 فَخَطَبَ قَوْمه , فَذَكَرَ مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ الْخَيْر وَالنِّعْمَة , وَذَكَّرَهُمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ اللَّه مِنْ آل فِرْعَوْن , وَذَكَّرَهُمْ هَلَاك عَدُوّهُمْ , وَمَا اِسْتَخْلَفَهُمْ اللَّه فِي الْأَرْض , وَقَالَ : كَلَّمَ اللَّه نَبِيّكُمْ تَكْلِيمًا , وَاصْطَفَانِي لِنَفْسِهِ , وَأَنْزَلَ عَلَيَّ مَحَبَّة مِنْهُ , وَآتَاكُمْ اللَّه مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ , فَنَبِيّكُمْ أَفْضَل أَهْل الْأَرْض , وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَ التَّوْرَاة , فَلَمْ يَتْرُك نِعْمَة أَنْعَمَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ إِلَّا ذَكَرَهَا , وَعَرَّفَهَا إِيَّاهُمْ , فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل : هُمْ كَذَلِكَ يَا نَبِيّ اللَّه , قَدْ عَرَفْنَا الَّذِي تَقُول , فَهَلْ عَلَى الْأَرْض أَحَد أَعْلَم مِنْك يَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا ! فَبَعَثَ اللَّه جَبْرَائِيل إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَقُول : وَمَا يُدْرِيك أَيْنَ أَضَع عِلْمِي ؟ بَلَى إِنَّ عَلَى شَطّ الْبَحْر رَجُلًا أَعْلَم مِنْك ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ الْخَضِر , فَسَأَلَ مُوسَى رَبّه أَنْ يُرِيه إِيَّاهُ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِئْتِ الْبَحْر , فَإِنَّك تَجِد عَلَى شَطّ الْبَحْر حُوتًا , فَخُذْهُ فَادْفَعْهُ إِلَى فَتَاك , ثُمَّ اِلْزَمْ شَطّ الْبَحْر , فَإِذَا نَسِيت الْحُوت وَهَلَكَ مِنْك , فَثَمَّ تَجِد الْعَبْد الصَّالِح الَّذِي تَطْلُب ; فَلَمَّا طَالَ سَفَر مُوسَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَبَ فِيهِ , سَأَلَ فَتَاهُ عَنْ الْحُوت , فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ وَهُوَ غُلَامه { أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ } قَالَ الْفَتَى : لَقَدْ رَأَيْت الْحُوت حِين اِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا , فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مُوسَى فَرَجَعَ حَتَّى أَتَى الصَّخْرَة , فَوَجَدَ الْحُوت يَضْرِب فِي الْبَحْر , وَيَتْبَعهُ مُوسَى , وَجَعَلَ مُوسَى يُقَدِّم عَصَاهُ يُفَرِّج بِهَا عَنْ الْمَاء يَتْبَع الْحُوت , وَجَعَلَ الْحُوت لَا تَمَسّ شَيْئًا مِنْ الْبَحْر إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُون صَخْرَة , فَجَعَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَب مِنْ ذَلِكَ حَتَّى اِنْتَهَى بِهِ الْحُوت إِلَى جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر , فَلَقِيَ الْخَضِر بِهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ الْخَضِر : وَعَلَيْك السَّلَام , وَأَنَّى يَكُون هَذَا السَّلَام بِهَذِهِ الْأَرْض , وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى , فَقَالَ لَهُ الْخَضِر : أَصَاحِب بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ فَرَحَّبَ بِهِ , وَقَالَ : مَا جَاءَ بِك ؟ قَالَ : جِئْتُك عَلَى أَنْ تُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا { قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } قَالَ : لَا تُطِيق ذَلِكَ , قَالَ مُوسَى : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا } قَالَ : فَانْطَلَقَ بِهِ وَقَالَ لَهُ : لَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء أَصْنَعهُ حَتَّى أُبَيِّن لَك شَأْنه , فَذَلِكَ قَوْله : { أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } فَرَكِبَا فِي السَّفِينَة يُرِيدَانِ الْبَرّ , فَقَامَ الْخَضِر فَخَرَقَ السَّفِينَة , فَقَالَ لَهُ مُوسَى { أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } 17497 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَع بَيْنهمَا نَسِيَا حُوتهمَا } ذُكِرَ أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَطَعَ الْبَحْر وَأَنْجَاهُ اللَّه مِنْ آل فِرْعَوْن , جَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيل , فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ : أَنْتُمْ خَيْر أَهْل الْأَرْض وَأَعْلَمهُ , قَدْ أَهْلَكَ اللَّه عَدُوّكُمْ , وَأَقْطَعَكُمْ الْبَحْر , وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ التَّوْرَاة ; قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا هُوَ أَعْلَم مِنْك . قَالَ : فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَع بْن نُون يَطْلُبَانِهِ , وَتَزَوَّدَا سَمَكَة مَمْلُوحَة فِي مِكْتَل لَهُمَا , وَقِيلَ لَهُمَا : إِذَا نَسِيتُمَا مَا مَعَكُمَا لَقِيتُمَا رَجُلًا عَالِمًا يُقَال لَهُ الْخَضِر ; فَلَمَّا أَتَيَا ذَلِكَ الْمَكَان , رَدَّ اللَّه إِلَى الْحُوت رُوحه , فَسَرَبَ لَهُ مِنْ الْجِسْر حَتَّى أَفْضَى إِلَى الْبَحْر , ثُمَّ سَلَكَ فَجَعَلَ لَا يَسْلُك فِيهِ طَرِيقًا إِلَّا صَارَ مَاء جَامِدًا . قَالَ : وَمَضَى مُوسَى وَفَتَاهُ ; يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت } . ... ثُمَّ تَلَا إِلَى قَوْله : { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } فَلَقِيَا رَجُلًا عَالِمًا يُقَال لَهُ الْخَضِر , فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر خَضِرًا لِأَنَّهُ قَعَدَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء , فَاهْتَزَّتْ بِهِ خَضْرَاء " . 17498 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا الْأَوْزَاعِيّ , قَالَ : ثنا الزُّهْرِيّ , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرّ بْن قَيْس بْن حِصْن الْفَزَارِيّ فِي صَاحِب مُوسَى , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ خَضِر , فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيّ بْن كَعْب , فَدَعَاهُ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنِّي تَمَارَيْت أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِب مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيل إِلَى لُقِيّه , فَقَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر شَأْنه ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ! جَاءَ رَجُل فَقَالَ : تَعْلَم مَكَان أَحَد أَعْلَم مِنْك ؟ قَالَ مُوسَى : لَا , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى : بَلَى عَبْدنَا خَضِر , فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لُقِيّه , فَجَعَلَ اللَّه لَهُ الْحُوت آيَة , وَقِيلَ لَهُ : إِذَا فَقَدْت الْحُوت فَارْجِعْ فَإِنَّك سَتَلْقَاهُ , فَكَانَ مُوسَى يَتْبَع أَثَر الْحُوت فِي الْبَحْر , فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى : أَرَأَيْت إِذْ آوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة , فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت , قَالَ مُوسَى : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ , فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا , فَوَجَدَا عَبْدنَا خَضِرًا , وَكَانَ مِنْ شَأْنهمَا مَا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه " . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَرْزُوق , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عُمَر النُّمَيْرِيّ , عَنْ يُونُس بْن يَزِيد , قَالَ : سَمِعْت الزُّهْرِيّ يُحَدِّث , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرّ بْن قَيْس بْن حِصْن الْفَزَارِيّ فِي صَاحِب مُوسَى , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث الْعَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰۤ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدࣰا ﴿٦٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَن مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى لِلْعَالِمِ : { هَلْ أَتَّبِعك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَن } مِنْ الْعِلْم الَّذِي عَلَّمَك اللَّه مَا هُوَ رَشَاد إِلَى الْحَقّ , وَدَلِيل عَلَى هُدًى ؟
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا ﴿٦٧﴾
{ قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْعَالِم : إِنَّك لَنْ تُطِيق الصَّبْر مَعِيَ , وَذَلِكَ أَنِّي أَعْمَل بِبَاطِنِ عِلْم عَلَّمَنِيهِ اللَّه , وَلَا عِلْم لَك إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْ الْأُمُور , فَلَا تَصْبِر عَلَى مَا تَرَى مِنْ الْأَفْعَال , كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَبْل مِنْ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَعْمَل عَلَى الْغَيْب قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ .
وَكَیۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرࣰا ﴿٦٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَيْف تَصْبِر عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قَوْل الْعَالِم لِمُوسَى : وَكَيْف تَصْبِر يَا مُوسَى عَلَى مَا تَرَى مِنِّي مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي لَا عِلْم لَك بِوُجُوهِ صَوَابهَا , وَتُقِيم مَعِيَ عَلَيْهَا , وَأَنْتَ إِنَّمَا تَحْكُم عَلَى صَوَاب الْمُصِيب وَخَطَأ الْمُخْطِئ بِالظَّاهِرِ الَّذِي عِنْدك , وَبِمَبْلَغِ عِلْمك , وَأَفْعَالِي تَقَع بِغَيْرِ دَلِيل ظَاهِر لِرَأْيِ عَيْنك عَلَى صَوَابهَا , لِأَنَّهَا تُبْتَدَأ لِأَسْبَابٍ تَحْدُث آجِلَة غَيْر عَاجِلَة , لَا عِلْم لَك بِالْحَادِثِ عَنْهَا , لِأَنَّهَا غَيْب , وَلَا تُحِيط بِعِلْمِ الْغَيْب خُبْرًا يَقُول عِلْمًا .
قَالَ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ صَابِرࣰا وَلَاۤ أَعۡصِی لَكَ أَمۡرࣰا ﴿٦٩﴾
قَالَ : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا } عَلَى مَا أَرَى مِنْك وَإِنْ كَانَ خِلَافًا لِمَا هُوَ عِنْدِي صَوَاب { وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا } يَقُول : وَأَنْتَهِي إِلَى مَا تَأْمُرنِي , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا هَوَايَ .
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِی فَلَا تَسۡـَٔلۡنِی عَن شَیۡءٍ حَتَّىٰۤ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرࣰا ﴿٧٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَالَ الْعَالِم لِمُوسَى : فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي الْآن فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء أَعْمَلهُ مِمَّا تَسْتَنْكِرهُ , فَإِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُك أَنِّي أَعْمَل الْعَمَل عَلَى الْغَيْب الَّذِي لَا تُحِيط بِهِ عِلْمًا { حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } يَقُول : حَتَّى أُحْدِث أَنَا لَك مِمَّا تَرَى مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي أَفْعَلهَا الَّتِي تَسْتَنْكِرهَا أَذْكُرهَا لَك وَأُبَيِّن لَك شَأْنهَا , وَأَبْتَدِئك الْخَبَر عَنْهَا , كَمَا : 17499 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } يَعْنِي عَنْ شَيْء أَصْنَعهُ حَتَّى أُبَيِّن لَك شَأْنه .
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَا رَكِبَا فِی ٱلسَّفِینَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَیۡـًٔا إِمۡرࣰا ﴿٧١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْطَلَقَ مُوسَى وَالْعَالِم يَسِيرَانِ يَطْلُبَانِ سَفِينَة يَرْكَبَانِهَا , حَتَّى إِذَا أَصَابَاهَا رَكِبَا فِي السَّفِينَة , فَلَمَّا رَكِبَاهَا , خَرَقَ الْعَالِم السَّفِينَة , قَالَ لَهُ مُوسَى : أَخَرَقْتهَا بَعْد مَا لَجِجْنَا فِي الْبَحْر { لِتُغْرِق أَهْلهَا لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : لَقَدْ جِئْت شَيْئًا عَظِيمًا , وَفَعَلْت فِعْلًا مُنْكَرًا . 17500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } : أَيْ عَجَبًا , إِنَّ قَوْمًا لَجَّجُوا سَفِينَتهمْ فَخَرَقْتهَا , كَأَحْوَج مَا نَكُون إِلَيْهَا , وَلَكِنْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَم نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوسَى ذَلِكَ مِنْ عِلْم اللَّه الَّذِي آتَاهُ , وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : { فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } يَقُول : نُكْرًا . 17501 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا } قَالَ : مُنْكَرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَالْإِمْر : فِي كَلَام الْعَرَب : الدَّاهِيَة ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَان مِنِّي نُكْرًا دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرًا وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : أَصْله : كُلّ شَيْء شَدِيد كَثِير , وَيَقُول مِنْهُ : قِيلَ لِلْقَوْمِ : قَدْ أَمِرُوا : إِذَا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ أَمْرهمْ . قَالَ : وَالْمَصْدَر مِنْهُ : الْآمِر , وَالِاسْم : الْإِمْر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لِتُغْرِق أَهْلهَا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ { لِتُغْرِق أَهْلهَا } بِالتَّاءِ فِي لِتُغْرِق , وَنَصَبَ الْأَهْل , بِمَعْنَى : لِتُغْرِق أَنْتَ أَيّهَا الرَّجُل أَهْل هَذِهِ السَّفِينَة بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْت فِيهَا . وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِيَغْرَق " بِالْيَاءِ أَهْلهَا بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنَّ الْأَهْل هُمْ الَّذِينَ يَغْرَقُونَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمَا , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ إِنْكَار مُوسَى عَلَى الْعَالِم خَرْق السَّفِينَة إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْده أَنَّ ذَلِكَ سَبَب لِغَرَقِ أَهْلهَا إِذَا أُحْدِثَ مِثْل ذَلِكَ الْحَدَث فِيهَا فَلَا خَفَاء عَلَى أَحَد مَعْنَى ذَلِكَ قُرِئَ بِالتَّاءِ وَنَصَبَ الْأَهْل , أَوْ بِالْيَاءِ وَرَفَعَ الْأَهْل .
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا ﴿٧٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل تَعَالَى : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : { قَالَ } الْعَالِم لِمُوسَى إِذْ قَالَ لَهُ مَا قَالَ { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } عَلَى مَا تَرَى مِنْ أَفْعَالِي , لِأَنَّك تَرَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا .
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِی بِمَا نَسِیتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِی مِنۡ أَمۡرِی عُسۡرࣰا ﴿٧٣﴾
قَالَ لَهُ مُوسَى : { لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت } فَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِلْعَالِمِ مُعَارَضَة , لَا أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ عَهْده , وَمَا كَانَ تَقَدَّمَ فِيهِ حِين اِسْتَصْحَبَهُ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ اِتَّبَعْتنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 17502 - حَدَّثَنَا عَنْ يَحْيَى بْن زِيَاد , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن الْمُهَلَّب , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب الْأَنْصَارِيّ فِي قَوْله : { لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت } قَالَ : لَمْ يَنْسَ , وَلَكِنَّهَا مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُؤَاخِذنِي بِتَرْكِي عَهْدك , وَوَجْه أَنَّ مَعْنَى النِّسْيَان : التَّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17503 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت } : أَيْ بِمَا تَرَكْت مِنْ عَهْدك . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ مُوسَى سَأَلَ صَاحِبه أَنْ لَا يُؤَاخِذهُ بِمَا نَسِيَ فِيهِ عَهْده مِنْ سُؤَاله إِيَّاهُ عَلَى وَجْه مَا فَعَلَ وَسَبَبه لَا بِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ , وَهُوَ لِعَهْدِهِ ذَاكِر لِلصَّحِيحِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ مِنْ الْخَبَر , وَذَلِكَ مَا : 17504 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت } قَالَ : " كَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا " .
وَقَوْله : { وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } يَقُول : لَا تَغْشَنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا , يَقُول : لَا تُضَيِّق عَلَيَّ أَمْرِي مَعَك , وَصُحْبَتِي إِيَّاكَ .
وَقَوْله : { وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } يَقُول : لَا تَغْشَنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا , يَقُول : لَا تُضَيِّق عَلَيَّ أَمْرِي مَعَك , وَصُحْبَتِي إِيَّاكَ .
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَا لَقِیَا غُلَـٰمࣰا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسࣰا زَكِیَّةَۢ بِغَیۡرِ نَفۡسࣲ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَیۡـࣰٔا نُّكۡرࣰا ﴿٧٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ } الْعَالِم , ف { قَالَ } لَهُ مُوسَى : { أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " أَقَتَلْت نَفْسًا زَاكِيَة " وَقَالُوا مَعْنَى ذَلِكَ : الْمُطَهَّرَة الَّتِي لَا ذَنْب لَهَا , وَلَمْ تُذْنِب قَطُّ لِصِغَرِهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { نَفْسًا زَكِيَّة } بِمَعْنَى : التَّائِبَة الْمَغْفُور لَهَا ذُنُوبهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17505 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة } وَالزَّكِيَّة : التَّائِبَة . 17506 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة } قَالَ : الزَّكِيَّة : التَّائِبَة . 17507 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر { أَقَتَلْت نَفْسًا زَاكِيَة } قَالَ : قَالَ الْحَسَن : تَائِبَة , هَكَذَا فِي حَدِيث الْحَسَن وَشَهْر زَاكِيَة . 17508 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { نَفْسًا زَكِيَّة } قَالَ : تَائِبَة . ذِكْر مَنْ قَالَ : مَعْنَاهَا الْمُسْلِمَة الَّتِي لَا ذَنْب لَهَا : 17509 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْن مُسْلِم , أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : وَجَدَ خَضِر غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ , فَأَخَذَ غُلَامًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب الْجَبِئِيّ قَالَ : اِسْم الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر : جَيْسُور " قَالَ أَقَتَلْت نَفْسًا زَاكِيَة " قَالَ : مُسْلِمَة . قَالَ : وَقَرَأَهَا اِبْن عَبَّاس : { زَكِيَّة } كَقَوْلِك : زَكِيًّا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْكُوفَة يَقُول : مَعْنَى الزَّكِيَّة وَالزَّاكِيَة وَاحِد , كَالْقَاسِيَةِ وَالْقَسِيَّة , وَيَقُول : هِيَ الَّتِي لَمْ تَجْنِ شَيْئًا , وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب عِنْدِي لِأَنِّي لَمْ أَجِد فَرْقًا بَيْنهمَا فِي شَيْء مِنْ كَلَام الْعَرَب . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِأَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار بِمَعْنًى وَاحِد .
وَقَوْله : { بِغَيْرِ نَفْس } يَقُول : بِغَيْرِ قِصَاص بِنَفْسٍ قُتِلَتْ , فَلَزِمَهَا الْقَتْل قَوَدًا بِهَا .
وَقَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا } يَقُول : لَقَدْ جِئْت بِشَيْءٍ مُنْكَر , وَفَعَلْت فِعْلًا غَيْر مَعْرُوف . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17510 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا } وَالنُّكْر أَشَدّ مِنْ الْإِمْر .
وَقَوْله : { بِغَيْرِ نَفْس } يَقُول : بِغَيْرِ قِصَاص بِنَفْسٍ قُتِلَتْ , فَلَزِمَهَا الْقَتْل قَوَدًا بِهَا .
وَقَوْله : { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا } يَقُول : لَقَدْ جِئْت بِشَيْءٍ مُنْكَر , وَفَعَلْت فِعْلًا غَيْر مَعْرُوف . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17510 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا } وَالنُّكْر أَشَدّ مِنْ الْإِمْر .
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا ﴿٧٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْعَالِم لِمُوسَى { أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا } عَلَى مَا تَرَى مِنْ أَفْعَالِي الَّتِي لَمْ تُحِطْ بِهَا خُبْرًا .
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَیۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبۡنِیۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّی عُذۡرࣰا ﴿٧٦﴾
قَالَ مُوسَى لَهُ : { إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْء بَعْدهَا } يَقُول : بَعْد هَذِهِ الْمَرَّة { فَلَا تُصَاحِبنِي } يَقُول : فَفَارَقَنِي , فَلَا تَكُنْ لِي مُصَاحِبًا { قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } يَقُول : قَدْ بَلَغْت الْعُذْر فِي شَأْنِي . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " مِنْ لَدُنِي عُذْرًا " بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّ الدَّال وَتَخْفِيف النُّون . وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّ الدَّال وَتَشْدِيد النُّون . وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة بِإِشْمَامِ اللَّام الضَّمّ وَتَسْكِين الدَّال وَتَخْفِيف النُّون , وَكَأَنَّ الَّذِينَ شَدَّدُوا النُّون طَلَبُوا لِلنُّونِ الَّتِي فِي لَدُنْ السَّلَامَة مِنْ الْحَرَكَة , إِذْ كَانَتْ فِي الْأَصْل سَاكِنَة , وَلَوْ لَمْ تُشَدَّد لَتَحَرَّكَتْ , فَشَدَّدُوهَا كَرَاهَة مِنْهُمْ تَحْرِيكهَا , كَمَا فَعَلُوا فِي " مِنْ , وَعَنْ " إِذْ أَضَافُوهُمَا إِلَى مَكْنِيّ الْمُخْبِر عَنْ نَفْسه , فَشَدَّدُوهُمَا , فَقَالُوا مِنِّي وَعَنِّي . وَأَمَّا الَّذِينَ خَفَّفُوهَا , فَإِنَّهُمْ وَجَدُوا مَكْنِيّ الْمُخْبِر عَنْ نَفْسه فِي حَال الْخَفْض يَاء وَحْدهَا لَا نُون مَعَهَا , فَأَجْرَوْا ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ عَلَى حَسْب مَا جَرَى بِهِ كَلَامهمْ فِي ذَلِكَ مَعَ سَائِر الْأَشْيَاء غَيْرهَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء بِالْقُرْآنِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ فَتَحَ اللَّام وَضَمَّ الدَّال وَشَدَّدَ النُّون . لِعِلَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا أَشْهَر اللُّغَتَيْنِ , وَالْأُخْرَى أَنَّ مُحَمَّد بْن نَافِع الْبَصْرِيّ : 17511 - حَدَّثَنَا , قَالَ : ثنا أُمَيَّة بْن خَالِد , قَالَ : ثنا أَبُو الْجَارِيَة الْعَبْدِيّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ { قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } مُثَقَّلَة . 17512 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد , قَالَ : ثنا حَجَّاج بْن مُحَمَّد , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله , وَذُكِرَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : " اِسْتَحْيَا فِي اللَّه مُوسَى " . 17513 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثْنِي , قَالَ : ثنا بَدَل بْن الْمُحَبَّر , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن رَاشِد , قَالَ : ثنا دَاوُدَ , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِسْتَحْيَا فِي اللَّه مُوسَى عِنْدهَا " . * - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد , قَالَ : ثنا حَجَّاج بْن مُحَمَّد , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ , فَقَالَ ذَات يَوْم : " رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى , لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبه لَأَبْصَرَ الْعَجَب وَلَكِنَّهُ قَالَ : إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا " مُثَقَّلَة .
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَتَیَاۤ أَهۡلَ قَرۡیَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَاۤ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن یُضَیِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِیهَا جِدَارࣰا یُرِیدُ أَن یَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَیۡهِ أَجۡرࣰا ﴿٧٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة اِسْتَطْعَمَا أَهْلهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْطَلَقَ مُوسَى وَالْعَالِم { حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة اِسْتَطْعَمَا أَهْلهمَا } مِنْ الطَّعَام فَلَمْ يُطْعِمُوهُمَا وَاسْتَضَافَاهُمْ { فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } يَقُول : وَجَدَا فِي الْقَرْيَة حَائِطًا يُرِيد أَنْ يَسْقُط وَيَقَع ; يُقَال مِنْهُ : اِنْقَضَتْ الدَّار : إِذَا اِنْهَدَمَتْ وَسَقَطَتْ ; وَمِنْهُ اِنْقِضَاض الْكَوْكَب , وَذَلِكَ سُقُوطه وَزَوَاله عَنْ مَكَانه ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : فَانْقَضَّ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيّ مُنْصَلِتَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " يُرِيد أَنْ يَنْقَاض " . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة مِنْهُمْ : مَجَاز يَنْقَاض : أَيْ يَنْقَلِع مِنْ أَصْله , وَيَتَصَدَّع , بِمَنْزِلَةِ قَوْلهمْ : قَدْ اِنْقَاضَتْ السِّنّ : أَيْ تَصَدَّعَتْ , وَتَصَدَّعَتْ مِنْ أَصْلهَا , يُقَال : فِرَاق كَقَيْضِ السِّنّ : أَيْ لَا يَجْتَمِع أَهْله . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْكُوفَة مِنْهُمْ : الِانْقِيَاض : الشِّقّ فِي طُول الْحَائِط فِي طَيّ الْبِئْر وَفِي سِنّ الرَّجُل , يُقَال : قَدْ اِنْقَاضَتْ سِنّه : إِذَا اِنْشَقَّتْ طُولًا . وَقِيلَ : إِنَّ الْقَرْيَة الَّتِي اِسْتَطْعَمَ أَهْلهَا مُوسَى وَصَاحِبه , فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا : الْأَيْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17514 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الزَّارِع , قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن الْمُعْتَمِر صَاحِب الْكَرَابِيسِيّ , قَالَ : ثنا حَمَّاد أَبُو صَالِح , عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , قَالَ : اِنْتَابُوا الْأَيْلَة , فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ يَأْتِيهَا فَيَرْجِع مِنْهَا خَائِبًا , وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا , وَهِيَ أَبْعَد أَرْض اللَّه مِنْ السَّمَاء . 17515 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذْ أَتَيَا أَهْل قَرْيَة } وَتَلَا إِلَى قَوْله { لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } شَرّ الْقُرَى الَّتِي لَا تُضِيف الضَّيْف , وَلَا تَعْرِف لِابْنِ السَّبِيل حَقّه . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب فِي مَعْنَى قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } فَقَالَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة : لَيْسَ لِلْحَائِطِ إِرَادَة وَلَا لِلْمَوَاتِ , وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَال مِنْ رَثَّة فَهُوَ إِرَادَته . وَهَذَا كَقَوْلِ الْعَرَب فِي غَيْره : يُرِيد الرُّمْح صَدْر أَبِي بَرَاء وَيَرْغَب عَنْ دِمَائِهِ بَنِي عُقَيْل وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : إِنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْم بِمَا يَعْقِلُونَ , قَالَ : وَذَلِكَ لَمَّا دَنَا مِنْ الِانْقِضَاض , جَازَ أَنْ يَقُول : يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ , قَالَ : وَمِثْله { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ } وَقَوْلهمْ : إِنِّي لَأَكَاد أَطِير مِنْ الْفَرَح , وَأَنْتَ لَمْ تَقْرَب مِنْ ذَلِكَ , وَلَمْ تَهُمّ بِهِ , وَلَكِنْ لِعَظِيمِ الْأَمْر عِنْدك . وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ مِنْهُمْ : مِنْ كَلَام الْعَرَب أَنْ يَقُولُوا : الْجِدَار يُرِيد أَنْ يَسْقُط ; قَالَ : وَمِثْله مِنْ قَوْل الْعَرَب قَوْل الشَّاعِر : إِنَّ دَهْرًا يَلُفّ شَمِلِي بِجُمْلٍ لَزَمَان يَهُمّ بِالْإِحْسَانِ وَقَوْل الْآخَر : يَشْكُو إِلَيَّ جَمَلِي طُول السُّرَى صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى قَالَ : وَالْجَمَل لَمْ يَشْكُ , إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ لَقَالَ ذَلِكَ ; قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْل عَنْتَرَة : وَازْوَرَّ مِنْ وَقْع اِلْقَنَا بِلِبَانِهِ وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُم قَالَ : وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَب } 7 154 وَالْغَضَب لَا يَسْكُت , وَإِنَّمَا يَسْكُت صَاحِبه . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : سَكَنَ . وَقَوْله : { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } 47 21 إِنَّمَا يَعْزِم أَهْله . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : هَذَا مِنْ أَفْصَح كَلَام الْعَرَب , وَقَالَ : إِنَّمَا إِرَادَة الْجِدَار : مَيْله , كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا " وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُون نَارَانِ كُلّ وَاحِدَة مِنْ صَاحِبَتهَا بِمَوْضِعٍ لَوْ قَامَ فِيهِ إِنْسَان رَأَى الْأُخْرَى فِي الْقُرْب ; قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَصْنَام : { وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } 7 198 قَالَ : وَالْعَرَب تَقُول : دَارِي تَنْظُر إِلَى دَار فُلَان , تَعْنِي : قُرْب مَا بَيْنهمَا ; وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّة فِي وَصْفه حَوْضًا أَوْ مَنْزِلًا دَارِسًا : قَدْ كَادَ أَوْ قَدْ هَمَّ بِالْبُيُودِ قَالَ : فَجَعَلَهُ يَهُمّ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ لِلْبِلَى . وَاَلَّذِي نَقُول بِهِ فِي ذَلِكَ إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره بِلُطْفِهِ , جَعَلَ الْكَلَام بَيْن خَلْقه رَحْمَة مِنْهُ بِهِمْ , لِيُبَيِّن بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَمَّا فِي ضَمَائِرهمْ . مِمَّا لَا تُحِسّهُ أَبْصَارهمْ , وَقَدْ عَقَلَتْ الْعَرَب مَعْنَى الْقَائِل : فِي مَهْمَة قَلِقَتْ بِهِ هَامَاتهَا قَلَقَ الْفُؤُوس إِذَا أَرَدْنَ نُصُولَا وَفَهِمْت أَنَّ الْفُؤُوس لَا تُوصَف بِمَا يُوصَف بِهِ بَنُو آدَم مِنْ ضَمَائِر الصُّدُور مَعَ وَصْفهَا إِيَّاهُمَا بِأَنَّهَا تُرِيد . وَعَلِمْت مَا يُرِيد الْقَائِل بِقَوْلِهِ : كَمِثْلِ هَيْل النَّقَا طَافَ الْمُشَاة بِهِ يَنْهَال حِينًا وَيَنْهَاهُ الثَّرَى حِينَا وَإِنَّمَا لَمْ يُرِدْ أَنَّ الثَّرَى نَطَقَ , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَلَبَّدَ بِالنَّدَى , فَمَنَعَهُ مِنْ الِانْهِيَال , فَكَانَ مَنْعه إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ كَالنَّهْيِ مِنْ ذَوِي الْمَنْطِق فَلَا يَنْهَال . وَكَذَلِكَ قَوْله : { جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَعْنَاهُ : قَدْ قَارَبَ مِنْ أَنْ يَقَع أَوْ يَسْقُط , وَإِنَّمَا خَاطَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْقُرْآنِ مَنْ أُنْزِلَ الْوَحْي بِلِسَانِهِ , وَقَدْ عَقَلُوا مَا عَنَى بِهِ وَإِنْ اِسْتَعْجَمَ عَنْ فَهْمه ذَوُو الْبَلَادَة وَالْعَمَى , وَضَلَّ فِيهِ ذَوُو الْجَهَالَة وَالْغَبَا .
وَقَوْله : { فَأَقَامَهُ } ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيه . 17516 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : 17517 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } قَالَ : رَفَعَ الْجِدَار بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّ صَاحِب مُوسَى وَمُوسَى وَجَدَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ فَأَقَامَهُ صَاحِب مُوسَى , بِمَعْنَى : عَدَّلَ مَيْله حَتَّى عَادَ مُسْتَوِيًا . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ ذَلِكَ بِإِصْلَاحِ بَعْد هَدْم . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِرَفْعٍ مِنْهُ لَهُ بِيَدِهِ , فَاسْتَوَى بِقُدْرَةِ اللَّه , وَزَالَ عَنْهُ مَيْله بِلُطْفِهِ , وَلَا دَلَالَة مِنْ كِتَاب اللَّه وَلَا خَبَر لِلْعُذْرِ قَاطِع بِأَيِّ , ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيّ .
وَقَوْله : { قَالَ لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } يَقُول : قَالَ مُوسَى لِصَاحِبِهِ : لَوْ شِئْت لَمْ تُقِمْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْم جِدَارهمْ حَتَّى يُعْطُوك عَلَى إِقَامَتك أَجْرًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّا عَنَى مُوسَى بِالْأَجْرِ الَّذِي قَالَ لَهُ { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } الْقِرَى : أَيْ حَتَّى يَقْرُونَا , فَإِنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْعِوَض وَالْجَزَاء عَلَى إِقَامَته الْحَائِط الْمَائِل . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } عَلَى التَّوْجِيه مِنْهُمْ لَهُ إِلَى أَنَّهُ لَافْتَعَلْت مِنْ الْأَخْذ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة " لَوْ شِئْت لَتَخِذْت " بِتَخْفِيفِ التَّاء وَكَسْر الْخَاء , وَأَصْله : لَافْتَعَلْت , غَيْر أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّاء كَأَنَّهُمْ مِنْ أَصْل الْكَلِمَة , وَلِأَنَّ الْكَلَام عِنْدهمْ فِي فَعَلَ وَيَفْعَل مِنْ ذَلِكَ : تَخِذَ فُلَان كَذَا يَتْخَذهُ تَخْذًا , وَهِيَ لُغَة فِيمَا ذَكَرَ لِهُذَيْلٍ . وَقَالَ بَعْض الشُّعَرَاء : وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْب غَرْزهَا نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاة الْمُطَرَّق وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مِنْ لُغَات الْعَرَب بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنِّي أَخْتَار قِرَاءَته بِتَشْدِيدِ التَّاء عَلَى لَافْتَعَلْت , لِأَنَّهَا أَفْصَح اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرهمَا , وَأَكْثَرهمَا عَلَى أَلْسُن الْعَرَب .
وَقَوْله : { فَأَقَامَهُ } ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيه . 17516 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : 17517 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ } قَالَ : رَفَعَ الْجِدَار بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّ صَاحِب مُوسَى وَمُوسَى وَجَدَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ فَأَقَامَهُ صَاحِب مُوسَى , بِمَعْنَى : عَدَّلَ مَيْله حَتَّى عَادَ مُسْتَوِيًا . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ ذَلِكَ بِإِصْلَاحِ بَعْد هَدْم . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ بِرَفْعٍ مِنْهُ لَهُ بِيَدِهِ , فَاسْتَوَى بِقُدْرَةِ اللَّه , وَزَالَ عَنْهُ مَيْله بِلُطْفِهِ , وَلَا دَلَالَة مِنْ كِتَاب اللَّه وَلَا خَبَر لِلْعُذْرِ قَاطِع بِأَيِّ , ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيّ .
وَقَوْله : { قَالَ لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } يَقُول : قَالَ مُوسَى لِصَاحِبِهِ : لَوْ شِئْت لَمْ تُقِمْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْم جِدَارهمْ حَتَّى يُعْطُوك عَلَى إِقَامَتك أَجْرًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّا عَنَى مُوسَى بِالْأَجْرِ الَّذِي قَالَ لَهُ { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } الْقِرَى : أَيْ حَتَّى يَقْرُونَا , فَإِنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْعِوَض وَالْجَزَاء عَلَى إِقَامَته الْحَائِط الْمَائِل . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } عَلَى التَّوْجِيه مِنْهُمْ لَهُ إِلَى أَنَّهُ لَافْتَعَلْت مِنْ الْأَخْذ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة " لَوْ شِئْت لَتَخِذْت " بِتَخْفِيفِ التَّاء وَكَسْر الْخَاء , وَأَصْله : لَافْتَعَلْت , غَيْر أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّاء كَأَنَّهُمْ مِنْ أَصْل الْكَلِمَة , وَلِأَنَّ الْكَلَام عِنْدهمْ فِي فَعَلَ وَيَفْعَل مِنْ ذَلِكَ : تَخِذَ فُلَان كَذَا يَتْخَذهُ تَخْذًا , وَهِيَ لُغَة فِيمَا ذَكَرَ لِهُذَيْلٍ . وَقَالَ بَعْض الشُّعَرَاء : وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْب غَرْزهَا نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاة الْمُطَرَّق وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مِنْ لُغَات الْعَرَب بِمَعْنًى وَاحِد , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , غَيْر أَنِّي أَخْتَار قِرَاءَته بِتَشْدِيدِ التَّاء عَلَى لَافْتَعَلْت , لِأَنَّهَا أَفْصَح اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرهمَا , وَأَكْثَرهمَا عَلَى أَلْسُن الْعَرَب .
قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَیۡنِی وَبَیۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِیلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَیۡهِ صَبۡرًا ﴿٧٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ صَاحِب مُوسَى لِمُوسَى : هَذَا الَّذِي قُلْته وَهُوَ قَوْله { لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا } { فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك } يَقُول : فِرْقَة مَا بَيْنِي وَبَيْنك : أَيْ مَفْرِق بَيْنِي وَبَيْنك.
{ سَأُنَبِّئُك } يَقُول : سَأُخْبِرُك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِيع عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : بِمَا يَئُول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتهَا , فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْك الْمَسْأَلَة عَنْهَا , وَعَنْ النَّكِير عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا , وَاَللَّه أَعْلَم.
{ سَأُنَبِّئُك } يَقُول : سَأُخْبِرُك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِيع عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : بِمَا يَئُول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتهَا , فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْك الْمَسْأَلَة عَنْهَا , وَعَنْ النَّكِير عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا , وَاَللَّه أَعْلَم.
أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا ﴿٧٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } يَقُول : أَمَّا فِعْلِي مَا فَعَلْت بِالسَّفِينَةِ , فَلِأَنَّهَا كَانَتْ لِقَوْمٍ مَسَاكِين { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْتهَا , كَمَا : 17518 - حَدَّثَنِي اِبْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } قَالَ : أَخْرِقهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , مِثْله .
وَقَوْله : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } وَكَانَ أَمَامهمْ وَقُدَّامهمْ مَلِك . كَمَا : 17519 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } قَالَ قَتَادَة : أَمَامهمْ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم } 45 10 وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ . 17520 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ فِي الْقِرَاءَة : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ جَعَلَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب " وَرَاء " مِنْ حُرُوف الْأَضْدَاد , وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُون لِمَا هُوَ أَمَامه وَلِمَا خَلْفه , وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا بِمَعْنَى أَمَامِي , وَقَدْ أُغْفِلَ وَجْه الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَا بَيْن يَدَيْهِ : هُوَ وَرَائِي , لِأَنَّك مِنْ وَرَائِهِ , فَأَنْتَ مُلَاقِيه كَمَا هُوَ مُلَاقِيك , فَصَارَ : إِذْ كَانَ مُلَاقِيك , كَأَنَّهُ مِنْ وَرَائِك وَأَنْتَ أَمَامه . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة لَا يُجِيز أَنْ يُقَال لِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْك : هُوَ وَرَائِي , وَلَا إِذَا كَانَ وَرَاءَك أَنْ يُقَال : هُوَ أَمَامِي , وَيَقُول : إِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيت مِنْ الْأَيَّام وَالْأَزْمِنَة كَقَوْلِ الْقَائِل : وَرَاءَك بَرْد شَدِيد , وَبَيْن يَدَيْك حَرّ شَدِيد , لِأَنَّك أَنْتَ وَرَاءَهُ , فَجَازَ لِأَنَّهُ شَيْء يَأْتِي , فَكَأَنَّهُ إِذَا لَحِقَك صَارَ مِنْ وَرَائِك , وَكَأَنَّك إِذَا بَلَغْته صَارَ بَيْن يَدَيْك . قَالَ : فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَجْهَانِ .
وَقَوْله : { يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَيَقُول الْقَائِل : فَمَا أَغْنَى خَرْق هَذَا الْعَالِم السَّفِينَة الَّتِي رَكِبَهَا عَنْ أَهْلهَا , إِذْ كَانَ مِنْ أَجْل خَرْقهَا يَأْخُذ السُّفُن كُلّهَا , مَعِيبهَا وَغَيْر مَعِيبهَا , وَمَا كَانَ وَجْه اِعْتِلَاله فِي خَرْقهَا بِأَنَّهُ خَرَقَهَا , لِأَنَّ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ , أَنَّهُ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا , وَيَدَع مِنْهَا كُلّ مَعِيبَة , لَا أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ صِحَاحهَا وَغَيْر صِحَاحهَا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَوْله : { فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } فَأَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَابَهَا , لِأَنَّ الْمَعِيبَة مِنْهَا لَا يَعْرِض لَهَا , فَاكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقَال : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا ; عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْض الْقِرَاءَات كَذَلِكَ . 17521 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : هِيَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . 17522 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني الْحَسَن بْن دِينَار , عَنْ الْحَكَم بْن عُيَيْنَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فِي قِرَاءَة أُبَيّ : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . وَإِنَّمَا عِبْتهَا لِأَرُدّهُ عَنْهَا . 17523 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَإِذَا خَلَّفُوهُ أَصْلَحُوهَا بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعُوا بِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان , عَنْ شُعَيْب الْجَبِئِيّ , أَنَّ اِسْم الرَّجُل الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا : هُدَد بْن بُدَد .
وَقَوْله : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } وَكَانَ أَمَامهمْ وَقُدَّامهمْ مَلِك . كَمَا : 17519 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } قَالَ قَتَادَة : أَمَامهمْ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم } 45 10 وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ . 17520 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ فِي الْقِرَاءَة : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ جَعَلَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب " وَرَاء " مِنْ حُرُوف الْأَضْدَاد , وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُون لِمَا هُوَ أَمَامه وَلِمَا خَلْفه , وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا بِمَعْنَى أَمَامِي , وَقَدْ أُغْفِلَ وَجْه الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَا بَيْن يَدَيْهِ : هُوَ وَرَائِي , لِأَنَّك مِنْ وَرَائِهِ , فَأَنْتَ مُلَاقِيه كَمَا هُوَ مُلَاقِيك , فَصَارَ : إِذْ كَانَ مُلَاقِيك , كَأَنَّهُ مِنْ وَرَائِك وَأَنْتَ أَمَامه . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة لَا يُجِيز أَنْ يُقَال لِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْك : هُوَ وَرَائِي , وَلَا إِذَا كَانَ وَرَاءَك أَنْ يُقَال : هُوَ أَمَامِي , وَيَقُول : إِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيت مِنْ الْأَيَّام وَالْأَزْمِنَة كَقَوْلِ الْقَائِل : وَرَاءَك بَرْد شَدِيد , وَبَيْن يَدَيْك حَرّ شَدِيد , لِأَنَّك أَنْتَ وَرَاءَهُ , فَجَازَ لِأَنَّهُ شَيْء يَأْتِي , فَكَأَنَّهُ إِذَا لَحِقَك صَارَ مِنْ وَرَائِك , وَكَأَنَّك إِذَا بَلَغْته صَارَ بَيْن يَدَيْك . قَالَ : فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَجْهَانِ .
وَقَوْله : { يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَيَقُول الْقَائِل : فَمَا أَغْنَى خَرْق هَذَا الْعَالِم السَّفِينَة الَّتِي رَكِبَهَا عَنْ أَهْلهَا , إِذْ كَانَ مِنْ أَجْل خَرْقهَا يَأْخُذ السُّفُن كُلّهَا , مَعِيبهَا وَغَيْر مَعِيبهَا , وَمَا كَانَ وَجْه اِعْتِلَاله فِي خَرْقهَا بِأَنَّهُ خَرَقَهَا , لِأَنَّ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ , أَنَّهُ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا , وَيَدَع مِنْهَا كُلّ مَعِيبَة , لَا أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ صِحَاحهَا وَغَيْر صِحَاحهَا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَوْله : { فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } فَأَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَابَهَا , لِأَنَّ الْمَعِيبَة مِنْهَا لَا يَعْرِض لَهَا , فَاكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقَال : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا ; عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْض الْقِرَاءَات كَذَلِكَ . 17521 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : هِيَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . 17522 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني الْحَسَن بْن دِينَار , عَنْ الْحَكَم بْن عُيَيْنَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فِي قِرَاءَة أُبَيّ : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . وَإِنَّمَا عِبْتهَا لِأَرُدّهُ عَنْهَا . 17523 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَإِذَا خَلَّفُوهُ أَصْلَحُوهَا بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعُوا بِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان , عَنْ شُعَيْب الْجَبِئِيّ , أَنَّ اِسْم الرَّجُل الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا : هُدَد بْن بُدَد .
وَأَمَّا ٱلۡغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَیۡنِ فَخَشِینَاۤ أَن یُرۡهِقَهُمَا طُغۡیَـٰنࣰا وَكُفۡرࣰا ﴿٨٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَمَّا الْغُلَام , فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا , وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ , فَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُرْهِقهُمَا . يَقُول : يُغْشِيهِمَا طُغْيَانًا , وَهُوَ الِاسْتِكْبَار عَلَى اللَّه , وَكُفْرًا بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي بَعْض الْحُرُوف . وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ كَافِرًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17524 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : " وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ كَافِرًا " فِي حَرْف أُبَيّ , وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة وَأَقْرَب رُحْمًا } 17525 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } وَكَانَ كَافِرًا فِي بَعْض الْقِرَاءَة . وَقَوْله : فَخَشِينَا } وَهِيَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " فَخَافَ رَبّك أَنْ يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " . 17526 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , قَالَ : ثنا عَبْد الْجَبَّار بْن عَبَّاس الْهَمْدَانِيّ , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر طُبِعَ يَوْم طُبِعَ كَافِرًا " . وَالْخَشْيَة وَالْخَوْف تُوَجِّههُمَا الْعَرَب إِلَى مَعْنَى الظَّنّ , وَتُوَجِّه هَذِهِ الْحُرُوف إِلَى مَعْنَى الْعِلْم بِالشَّيْءِ الَّذِي يُدْرَك مِنْ غَيْر جِهَة الْحِسّ وَالْعِيَان . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله { خَشِينَا } فِي هَذَا الْمَوْضِع : كَرِهْنَا , لِأَنَّ اللَّه لَا يَخْشَى . وَقَالَ فِي بَعْض الْقِرَاءَات : فَخَافَ رَبّك , قَالَ : وَهُوَ مِثْل خِفْت الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَعُولَا , وَهُوَ لَا يَخَاف مِنْ ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ أَنَّهُ يَكْرَههُ لَهُمَا .
فَأَرَدۡنَاۤ أَن یُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَیۡرࣰا مِّنۡهُ زَكَوٰةࣰ وَأَقۡرَبَ رُحۡمࣰا ﴿٨١﴾
وَقَوْله : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا } : اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : " فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا " . وَكَانَ بَعْضهمْ يَعْتَلّ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَجَدَ ذَلِكَ مُشَدَّدًا فِي عَامَّة الْقُرْآن , كَقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } 2 59 وَقَوْله : { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَة مَكَان آيَة } 16 101 فَأَلْحَقَ قَوْله : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا بِهِ } وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا } بِتَخْفِيفِ الدَّال . وَكَانَ بَعْض مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : أَبْدَلَ يُبْدِل بِالتَّخْفِيفِ وَبَدَّلَ يُبَدِّل بِالتَّشْدِيدِ : بِمَعْنًى وَاحِد . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا جَمَاعَة مِنْ الْقُرَّاء , فَبِآيَتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَبْدَلَ أَبَوَيْ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ صَاحِب مُوسَى مِنْهُ بِجَارِيَةٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17527 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْمُبَارَك بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس فِي قَوْله : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة وَأَقْرَب رُحْمًا } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهَا جَارِيَة . 17528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ . ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج . أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن أُمَيَّة أَنَّهُ سَمِعَ يَعْقُوب بْن عَاصِم يَقُول : أُبْدِلَا مَكَان الْغُلَام جَارِيَة . 17529 - قَالَ : اِبْن جُرَيْج . وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : أُبْدِلَا مَكَان الْغُلَام جَارِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : أَبْدَلَهُمَا رَبّهمَا بِغُلَامٍ مُسْلِم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17530 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ أَبِي جُرَيْج { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة وَأَقْرَب رُحْمًا } قَالَ : كَانَتْ أُمّه حُبْلَى يَوْمئِذٍ بِغُلَامٍ مُسْلِم . 17531 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ ذَكَرَ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر , فَقَالَ : قَدْ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِين وُلِدَ وَحَزَنَا عَلَيْهِ حِين قُتِلَ , وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلَاكهمَا . فَلْيَرْضَ اِمْرُؤٌ بِقَضَاءِ اللَّه , فَإِنَّ قَضَاء اللَّه لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَه خَيْر لَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِيمَا يُحِبّ .
وَقَوْله : { خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة } يَقُول : خَيْرًا مِنْ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ صَلَاحًا وَدِينًا , كَمَا : 17532 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , ثنا : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة } قَالَ : الْإِسْلَام .
وَقَوْله : { وَأَقْرَب رُحْمًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب رَحْمَة بِوَالِدَيْهِ وَأَبَرّ بِهِمَا مِنْ الْمَقْتُول . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17533 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة { وَأَقْرَب رُحْمًا } : أَبَرّ بِوَالِدَيْهِ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَقْرَب رُحْمًا } ; أَيْ أَقْرَب خَيْرًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمهُ أَبَوَاهُ مِنْهُمَا لِلْمَقْتُولِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17534 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَأَقْرَب رُحْمًا } أَرْحَم بِهِ مِنْهُمَا بِاَلَّذِي قَتَلَ الْخَضِر . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَتَأَوَّل ذَلِكَ : وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمَاهُ ; وَالرُّحْم : مَصْدَر رَحِمْت , يُقَال : رَحِمْته رَحْمَة وَرُحْمًا . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : مِنْ الرَّحِم وَالْقَرَابَة . وَقَدْ يُقَال : رُحْم وَرُحُم مِثْل عُسْر وَعُسُر , وَهُلْك وَهُلُك , وَاسْتُشْهِدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاج : وَلَمْ تُعَوَّج رُحْم مَنْ تَعَوَّجَا وَلَا وَجْه لِلرَّحِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِع . لِأَنَّ الْمَقْتُول كَانَ الَّذِي أَبْدَلَ اللَّه مِنْهُ وَالِدَيْهِ وَلَدًا لِأَبَوَيْ الْمَقْتُول , فَقَرَابَتهمَا مِنْ وَالِدَيْهِ , وَقُرْبهمَا مِنْهُ فِي الرَّحِم سَوَاء . وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب مِنْ الْمَقْتُول أَنْ يَرْحَم وَالِدَيْهِ فَيَبَرّهُمَا كَمَا قَالَ قَتَادَة . وَقَدْ يَتَوَجَّه الْكَلَام إِلَى أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ . وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمَاهُ , غَيْر أَنَّهُ لَا قَائِل مِنْ أَهْل تَأْوِيل تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ . فَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَائِل , فَالصَّوَاب فِيهِ مَا قُلْنَا لِمَا بَيَّنَّا .
وَقَوْله : { خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة } يَقُول : خَيْرًا مِنْ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ صَلَاحًا وَدِينًا , كَمَا : 17532 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , ثنا : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلهُمَا رَبّهمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاة } قَالَ : الْإِسْلَام .
وَقَوْله : { وَأَقْرَب رُحْمًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب رَحْمَة بِوَالِدَيْهِ وَأَبَرّ بِهِمَا مِنْ الْمَقْتُول . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17533 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة { وَأَقْرَب رُحْمًا } : أَبَرّ بِوَالِدَيْهِ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَقْرَب رُحْمًا } ; أَيْ أَقْرَب خَيْرًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمهُ أَبَوَاهُ مِنْهُمَا لِلْمَقْتُولِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17534 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَأَقْرَب رُحْمًا } أَرْحَم بِهِ مِنْهُمَا بِاَلَّذِي قَتَلَ الْخَضِر . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَتَأَوَّل ذَلِكَ : وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمَاهُ ; وَالرُّحْم : مَصْدَر رَحِمْت , يُقَال : رَحِمْته رَحْمَة وَرُحْمًا . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : مِنْ الرَّحِم وَالْقَرَابَة . وَقَدْ يُقَال : رُحْم وَرُحُم مِثْل عُسْر وَعُسُر , وَهُلْك وَهُلُك , وَاسْتُشْهِدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاج : وَلَمْ تُعَوَّج رُحْم مَنْ تَعَوَّجَا وَلَا وَجْه لِلرَّحِمِ فِي هَذَا الْمَوْضِع . لِأَنَّ الْمَقْتُول كَانَ الَّذِي أَبْدَلَ اللَّه مِنْهُ وَالِدَيْهِ وَلَدًا لِأَبَوَيْ الْمَقْتُول , فَقَرَابَتهمَا مِنْ وَالِدَيْهِ , وَقُرْبهمَا مِنْهُ فِي الرَّحِم سَوَاء . وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَقْرَب مِنْ الْمَقْتُول أَنْ يَرْحَم وَالِدَيْهِ فَيَبَرّهُمَا كَمَا قَالَ قَتَادَة . وَقَدْ يَتَوَجَّه الْكَلَام إِلَى أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ . وَأَقْرَب أَنْ يَرْحَمَاهُ , غَيْر أَنَّهُ لَا قَائِل مِنْ أَهْل تَأْوِيل تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ . فَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَائِل , فَالصَّوَاب فِيهِ مَا قُلْنَا لِمَا بَيَّنَّا .
وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَیۡنِ یَتِیمَیۡنِ فِی ٱلۡمَدِینَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزࣱ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحࣰا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن یَبۡلُغَاۤ أَشُدَّهُمَا وَیَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِیۚ ذَ ٰلِكَ تَأۡوِیلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَیۡهِ صَبۡرࣰا ﴿٨٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا الْجِدَار فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَة وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قَوْل صَاحِب مُوسَى : وَأَمَّا الْحَائِط الَّذِي أَقَمْته , فَإِنَّهُ كَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَة , وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ الْكَنْز , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ صُحُفًا فِيهَا عِلْم مَدْفُونَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17535 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : كَانَ تَحْته كَنْز عِلْم . 17536 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : كَانَ كَنْز عِلْم . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : عِلْم . 17537 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : صُحُف لِغُلَامَيْنِ فِيهَا عِلْم . حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن : قَالَ حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : صُحُف عِلْم . 17538 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ ثنا هَنَّادَة اِبْنَة مَالِك الشَّيْبَانِيَّة , قَالَتْ : سَمِعْت صَاحِبِي حَمَّاد بْن الْوَلِيد الثَّقَفِيّ يَقُول : سَمِعْت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ سَطْرَانِ وَنِصْف , لَمْ يَتِمّ الثَّالِث : " عَجِبْت لِلْمُوقِنِ بِالرِّزْقِ كَيْف يَتْعَب , عَجِبْت لِلْمُوقِنِ بِالْحِسَابِ كَيْف يَغْفُل , وَعَجِبْت لِلْمُوقِنِ بِالْمَوْتِ كَيْف يَفْرَح " وَقَدْ قَالَ : { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } 21 47 قَالَتْ : وَذُكِرَ أَنَّهُمَا حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا , وَلَمْ يُذْكَر مِنْهُمَا صَلَاح , وَكَانَ بَيْنهمَا وَبَيْن الْأَب الَّذِي حُفِظَا بِهِ سَبْعَة آبَاء , كَانَ نَسَّاجًا . 17539 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن حَبِيب بْن نُدْبَة , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن مُحَمَّد , عَنْ نُعَيْم الْعَنْبَرِيّ , وَكَانَ مِنْ جُلَسَاء الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول فِي قَوْله : { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : لَوْح مِنْ ذَهَب مَكْتُوب فِيهِ : " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم : عَجِبْت لِمَنْ يُؤْمِن كَيْف يَحْزَن ! وَعَجِبْت لِمَنْ يُؤْمِن بِالْمَوْتِ كَيْف يَفْرَح ! وَعَجِبْت لِمَنْ يَعْرِف الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا بِأَهْلِهَا , كَيْف يَطْمَئِنّ إِلَيْهَا ! لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , مُحَمَّد رَسُول اللَّه " . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن عُمَارَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا كَانَ الْكَنْز إِلَّا عِلْمًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : صُحُف مِنْ عِلْم . 17540 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش , عَنْ عُمَر مَوْلَى غُفْرَة , قَالَ : إِنَّ الْكَنْز الَّذِي قَالَ اللَّه فِي السُّورَة الَّتِي يَذْكُر فِيهَا الْكَهْف { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَب مُصْمَت , مَكْتُوبًا فِيهِ : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم . عَجَب مِمَّنْ عَرَفَ الْمَوْت ثُمَّ ضَحِكَ , عَجَب مِمَّنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ نَصَبَ , عَجَب مِمَّنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ أَمِنَ , أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَالًا مَكْنُوزًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17541 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هِشَام , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : كَنْز مَال . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثْنِي , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُدَ , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله , قَالَ شُعْبَة : وَلَمْ نَسْمَعهُ مِنْهُ . 17542 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَكَانَ تَحْته كَنْز لَهُمَا } قَالَ : مَال لَهُمَا , قَالَ قَتَادَة : أُحِلَّ الْكَنْز لِمَنْ كَانَ قَبْلنَا , وَحُرِّمَ عَلَيْنَا , فَإِنَّ اللَّه يُحِلّ مِنْ أَمْره مَا يَشَاء , وَيُحَرِّم , وَهِيَ السُّنَن وَالْفَرَائِض , وَيُحِلّ لِأُمَّةٍ , وَيُحَرِّم عَلَى أُخْرَى , لَكِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد مَضَى إِلَّا الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد لَهُ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَة , لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب أَنَّ الْكَنْز اِسْم لِمَا يُكْنَز مِنْ مَال , وَإِنَّ كُلّ مَا كُنِزَ فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْم كَنْز , فَإِنَّ التَّأْوِيل مَصْرُوف إِلَى الْأَغْلَب مِنْ اِسْتِعْمَال الْمُخَاطَبِينَ بِالتَّنْزِيلِ , مَا لَمْ يَأْتِ دَلِيل يَجِب مِنْ أَجْله صَرْفه إِلَى غَيْر ذَلِكَ , لِعِلَلٍ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي غَيْر مَوْضِع .
وَقَوْله : { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبّك أَنْ يَبْلُغَا أَشُدّهُمَا } يَقُول : فَأَرَادَ رَبّك أَنْ يُدْرِكَا وَيَبْلُغَا قُوَّتهمَا وَشِدَّتهمَا , وَيَسْتَخْرِجَا حِينَئِذٍ كَنْزهمَا الْمَكْنُوز تَحْت الْجِدَار الَّذِي أَقَمْته , رَحْمَة مِنْ رَبّك بِهِمَا , يَقُول : فَعَلْت فِعْل هَذَا بِالْجِدَارِ , رَحْمَة مِنْ رَبّك لِلْيَتِيمَيْنِ . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 17543 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } قَالَ : حِفْظًا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا , وَمَا ذُكِرَ مِنْهُمَا صَلَاح . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِمِثْلِهِ .
وَقَوْله : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } يَقُول : وَمَا فَعَلْت يَا مُوسَى جَمِيع الَّذِي رَأَيْتنِي فَعَلْته عَنْ رَأْيِي , وَمِنْ تِلْقَاء نَفْسِي , وَإِنَّمَا فَعَلْته عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّايَ بِهِ , كَمَا : 17544 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } : كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا , فَمَضَى لِأَمْرِ اللَّه . 17545 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } مَا رَأَيْت أَجْمَعَ مَا فَعَلْته عَنْ نَفْسِي .
وَقَوْله : { ذَلِكَ تَأْوِيل مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : هَذَا الَّذِي ذَكَرْت لَك مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي مِنْ أَجْلهَا فَعَلْت الْأَفْعَال الَّتِي اِسْتَنْكَرْتهَا مِنِّي , تَأْوِيل . يَقُول : مَا تَئُول إِلَيْهِ وَتَرْجِع الْأَفْعَال الَّتِي لَمْ تَسْطِعْ عَلَى تَرْك مَسْأَلَتك إِيَّايَ عَنْهَا , وَإِنْكَارك لَهَا صَبْرًا . وَهَذِهِ الْقَصَص الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَنْ مُوسَى وَصَاحِبه , تَأْدِيب مِنْهُ لَهُ , وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الِاسْتِعْجَال بِعُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ وَبِكِتَابِهِ , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُ أَنَّ أَفْعَاله بِهِمْ وَإِنْ جَرَتْ فِيمَا تَرَى الْأَعْيُن بِمَا قَدْ يَجْرِي مِثْله أَحْيَانًا لِأَوْلِيَائِهِ , فَإِنَّ تَأْوِيله صَائِر بِهِمْ إِلَى أَحْوَال أَعْدَائِهِ فِيهَا , كَمَا كَانَتْ أَفْعَال صَاحِب مُوسَى وَاقِعَة بِخِلَافِ الصِّحَّة فِي الظَّاهِر عِنْد مُوسَى , إِذْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعَوَاقِبِهَا , وَهِيَ مَاضِيَة عَلَى الصِّحَّة فِي الْحَقِيقَة وَآيِلَة إِلَى الصَّوَاب فِي الْعَاقِبَة , يُنْبِئ عَنْ صِحَّة ذَلِكَ قَوْله : { وَرَبّك الْغَفُور ذُو الرَّحْمَة لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب بَلْ لَهُمْ مَوْعِد لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } 18 58 ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسَى وَصَاحِبه , يُعَلِّم نَبِيّه أَنَّ تَرْكه جَلَّ جَلَاله تَعْجِيل الْعَذَاب لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , بِغَيْرِ نَظَر مِنْهُ لَهُمْ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَحْسَب مَنْ لَا عِلْم لَهُ بِمَا اللَّه مُدَبِّر فِيهِمْ , نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ , لِأَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ صَائِر إِلَى هَلَاكهمْ وَبَوَارهمْ بِالسَّيْفِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِحْقَاقهمْ مِنْ اللَّه فِي الْآخِرَة الْخِزْي الدَّائِم .
وَقَوْله : { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبّك أَنْ يَبْلُغَا أَشُدّهُمَا } يَقُول : فَأَرَادَ رَبّك أَنْ يُدْرِكَا وَيَبْلُغَا قُوَّتهمَا وَشِدَّتهمَا , وَيَسْتَخْرِجَا حِينَئِذٍ كَنْزهمَا الْمَكْنُوز تَحْت الْجِدَار الَّذِي أَقَمْته , رَحْمَة مِنْ رَبّك بِهِمَا , يَقُول : فَعَلْت فِعْل هَذَا بِالْجِدَارِ , رَحْمَة مِنْ رَبّك لِلْيَتِيمَيْنِ . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 17543 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } قَالَ : حِفْظًا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا , وَمَا ذُكِرَ مِنْهُمَا صَلَاح . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِمِثْلِهِ .
وَقَوْله : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } يَقُول : وَمَا فَعَلْت يَا مُوسَى جَمِيع الَّذِي رَأَيْتنِي فَعَلْته عَنْ رَأْيِي , وَمِنْ تِلْقَاء نَفْسِي , وَإِنَّمَا فَعَلْته عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّايَ بِهِ , كَمَا : 17544 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } : كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا , فَمَضَى لِأَمْرِ اللَّه . 17545 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } مَا رَأَيْت أَجْمَعَ مَا فَعَلْته عَنْ نَفْسِي .
وَقَوْله : { ذَلِكَ تَأْوِيل مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } يَقُول : هَذَا الَّذِي ذَكَرْت لَك مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي مِنْ أَجْلهَا فَعَلْت الْأَفْعَال الَّتِي اِسْتَنْكَرْتهَا مِنِّي , تَأْوِيل . يَقُول : مَا تَئُول إِلَيْهِ وَتَرْجِع الْأَفْعَال الَّتِي لَمْ تَسْطِعْ عَلَى تَرْك مَسْأَلَتك إِيَّايَ عَنْهَا , وَإِنْكَارك لَهَا صَبْرًا . وَهَذِهِ الْقَصَص الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا عَنْ مُوسَى وَصَاحِبه , تَأْدِيب مِنْهُ لَهُ , وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الِاسْتِعْجَال بِعُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ وَبِكِتَابِهِ , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُ أَنَّ أَفْعَاله بِهِمْ وَإِنْ جَرَتْ فِيمَا تَرَى الْأَعْيُن بِمَا قَدْ يَجْرِي مِثْله أَحْيَانًا لِأَوْلِيَائِهِ , فَإِنَّ تَأْوِيله صَائِر بِهِمْ إِلَى أَحْوَال أَعْدَائِهِ فِيهَا , كَمَا كَانَتْ أَفْعَال صَاحِب مُوسَى وَاقِعَة بِخِلَافِ الصِّحَّة فِي الظَّاهِر عِنْد مُوسَى , إِذْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعَوَاقِبِهَا , وَهِيَ مَاضِيَة عَلَى الصِّحَّة فِي الْحَقِيقَة وَآيِلَة إِلَى الصَّوَاب فِي الْعَاقِبَة , يُنْبِئ عَنْ صِحَّة ذَلِكَ قَوْله : { وَرَبّك الْغَفُور ذُو الرَّحْمَة لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب بَلْ لَهُمْ مَوْعِد لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونه مَوْئِلًا } 18 58 ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسَى وَصَاحِبه , يُعَلِّم نَبِيّه أَنَّ تَرْكه جَلَّ جَلَاله تَعْجِيل الْعَذَاب لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ , بِغَيْرِ نَظَر مِنْهُ لَهُمْ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَحْسَب مَنْ لَا عِلْم لَهُ بِمَا اللَّه مُدَبِّر فِيهِمْ , نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ , لِأَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ صَائِر إِلَى هَلَاكهمْ وَبَوَارهمْ بِالسَّيْفِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِحْقَاقهمْ مِنْ اللَّه فِي الْآخِرَة الْخِزْي الدَّائِم .
وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَیۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ﴿٨٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا كَانَ شَأْنه , وَمَا كَانَتْ قِصَّته , فَقُلْ لَهُمْ : سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْ خَبَره ذِكْرًا يَقُول : سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ خَبَرًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْر ذِي الْقَرْنَيْنِ , كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب . فَأَمَّا الْخَبَر بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ كَانُوا مُشْرِكِي قَوْمه فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْل . وَأَمَّا الْخَبَر بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ , كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 17546 - فَحَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا زَيْد بْن حُبَاب عَنْ اِبْن لَهِيعَة , قَالَ : ثَنْي عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد بْن أَنْعَمَ , عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ نَجِيب , قَالَ : أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى عُقْبَة بْن عَامِر نَتَحَدَّث , قَالَا : فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : جِئْنَا لِتُحَدِّثنَا , فَقَالَ : كُنْت يَوْمًا أَخْدُم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَرَجْت مِنْ عِنْده , فَلَقِيَنِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالُوا : نُرِيد أَنْ نَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَأْذَنَ لَنَا عَلَيْهِ , فَدَخَلْت عَلَيْهِ , فَأَخْبَرْته , فَقَالَ : " مَا لِي وَمَا لَهُمْ , مَا لِي عِلْم إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّه " , ثُمَّ قَالَ : " اُسْكُبْ لِي مَاء " , فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى , قَالَ : فَمَا فَرَغَ حَتَّى عَرَفْت السُّرُور فِي وَجْهه , ثُمَّ قَالَ : " أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ , وَمَنْ رَأَيْت مِنْ أَصْحَابِي " فَدَخَلُوا فَقَامُوا بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ : " إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُمْ فَأَخْبَرْتُكُمْ عَمَّا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ مَكْتُوبًا , وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ " , قَالُوا : بَلَى أَخْبَرَنَا , قَالَ : " جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , وَمَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ : كَانَ شَابًّا مِنْ الرُّوم , فَجَاءَ فَبَنَى مَدِينَة مِصْر الْإِسْكَنْدَرِيَّة ; فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَهُ مَلَك فَعَلَا بِهِ فِي السَّمَاء , فَقَالَ لَهُ مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى مَدِينَتِي وَمَدَائِن , ثُمَّ عَلَا بِهِ , فَقَالَ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى مَدِينَتِي , ثُمَّ عَلَا بِهِ فَقَالَ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى الْأَرْض , قَالَ : فَهَذَا الْيَمّ مُحِيط بِالدُّنْيَا , إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيْك تُعَلِّم الْجَاهِل , وَتُثَبِّت الْعَالِم , فَأَتَى بِهِ السَّدّ , وَهُوَ جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلَق عَنْهُمَا كُلّ شَيْء , ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى جَاوَزَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , ثُمَّ مَضَى بِهِ إِلَى أُمَّة أُخْرَى , وُجُوههمْ وُجُوه الْكِلَاب يُقَاتِلُونَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِ أُمَّة أُخْرَى يُقَاتِلُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُجُوههمْ وُجُوه الْكِلَاب , ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَطَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّة أُخْرَى قَدْ سَمَّاهُمْ " . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ : ذُو الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِيلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى قَرْنه فَهَلَكَ , ثُمَّ أُحْيِيَ فَضُرِبَ عَلَى الْقَرْن الْآخَر فَهَلَكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17547 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ عُبَيْد الْمُكْتِب , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سَأَلَ اِبْن الْكَوَّاء عَلِيًّا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : هُوَ عَبْد أَحَبَّ اللَّه فَأَحَبَّهُ , وَنَاصَحَ اللَّه فَنَصَحَهُ , فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّه فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سُئِلَ عَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : كَانَ عَبْدًا نَاصَحَ اللَّه فَنَاصَحَهُ , فَدَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ , فَأَحْيَاهُ اللَّه , فَدَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ , فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبَى بَزَّة , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا وَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ ؟ قَالَ : كَانَ عَبْدًا صَالِحًا , فَأَحَبَّهُ اللَّه فَنَصَحَهُ , فَبَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه , فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ فِي رَأْسه , فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ . وَفِيكُمْ الْيَوْم مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 17548 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَهْل الْبُخَارِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , قَالَ : قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكًا , فَقِيلَ لَهُ : فَلِمَ سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ ؟ قَالَ : اِخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَلِك الرُّوم وَفَارِس . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ فِي رَأْسه شِبْه الْقَرْنَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ لِأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا نُحَاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17549 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثَنَى اِبْن أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : ثني مَنْ لَا أَتَّهِم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا مِنْ نُحَاس .
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَیۡنَـٰهُ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ سَبَبࣰا ﴿٨٤﴾
وَقَوْله : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول : إِنَّا وَطَّأْنَا لَهُ فِي الْأَرْض , { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء : يَعْنِي مَا يَتَسَبَّب إِلَيْهِ وَهُوَ الْعِلْم بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17550 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول عِلْمًا . 17551 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } : أَيْ عِلْمًا . 17552 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء عِلْمًا . 17553 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } قَالَ : عِلْم كُلّ شَيْء . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } عِلْمًا . 17554 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْء سَبَبًا } يَقُول : عِلْمًا .
فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥﴾
وَقَوْله : { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة . " فَاتَّبَعَ " بِوَصْلِ الْأَلِف , وَتَشْدِيد التَّاء , بِمَعْنَى : سَلَكَ وَسَارَ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : اِتَّبَعْت أَثَر فُلَان : إِذَا قَفَوْته ; وَسِرْت وَرَاءَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { فَأَتْبَعَ } بِهَمْزٍ , وَتَخْفِيف التَّاء , بِمَعْنَى لَحِقَ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " فَاتَّبَعَ " بِوَصْلِ الْأَلِف , وَتَشْدِيد التَّاء , لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ مَسِير ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي الْأَرْض الَّتِي مُكِّنَ لَهُ فِيهَا , لَا عَنْ لَحَاقه السَّبَب , وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17555 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " يَعْنِي بِالسَّبَبِ : الْمَنْزِل . 17556 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَبَبًا } قَالَ : مَنْزِلًا وَطَرِيقًا مَا بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " قَالَ : طَرِيقًا فِي الْأَرْض . 17557 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " : اِتَّبَعَ مَنَازِل الْأَرْض وَمَعَالِمهَا . 17558 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " قَالَ : هَذِهِ الْآن سَبَب الطُّرُق كَمَا قَالَ فِرْعَوْن { يَا هَامَان اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب أَسْبَاب السَّمَاوَات } 40 36 : 37 قَالَ : طُرُق السَّمَاوَات . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " قَالَ : مَنَازِل الْأَرْض . 17559 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " قَالَ : الْمَنَازِل .
حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِی عَیۡنٍ حَمِئَةࣲ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمࣰاۖ قُلۡنَا یَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَیۡنِ إِمَّاۤ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّاۤ أَن تَتَّخِذَ فِیهِمۡ حُسۡنࣰا ﴿٨٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِب الشَّمْس وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ } ذُو الْقَرْنَيْنِ { مَغْرِب الشَّمْس وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } , فَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : { فِي عَيْن حَمِئَة } بِمَعْنَى : أَنَّهَا تَغْرُب فِي عَيْن مَاء ذَات حَمْأَة , وَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْمَدِينَة , وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " فِي عَيْن حَامِيَة " يَعْنِي أَنَّهَا تَغْرُب فِي عَيْن مَاء حَارَّة . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيلهمْ ذَلِكَ عَلَى نَحْو اِخْتِلَاف الْقُرَّاء فِي قِرَاءَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : { تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } : 17560 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبَى عَدِيّ , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } قَالَ : فِي طِين أَسْوَد . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثْنِي , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُدَ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ { فِي عَيْن حَمِئَة } قَالَ : ذَات حَمَاة . 17561 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْجُنَيْد , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن سَلَمَة , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة , عَنْ عُثْمَان بْن حَاضِر , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس يَقُول : قَرَأَ مُعَاوِيَة هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ : " عَيْن حَامِيَة " فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهَا عَيْن حَمِئَة , قَالَ : فَجَعَلَا كَعْبًا بَيْنهمَا , قَالَ : فَأَرْسَلَا إِلَى كَعْب الْأَحْبَار , فَسَأَلَاهُ , فَقَالَ كَعْب : أَمَّا الشَّمْس فَإِنَّهَا تَغِيب فِي ثَأْط , فَكَانَتْ عَلَى مَا قَالَ اِبْن عَبَّاس , وَالثَّأْط : الطِّين . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني نَافِع بْن أَبِي نُعَيْم , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج يَقُول : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول { فِي عَيْن حَمِئَة } ثُمَّ فَسَّرَهَا ذَات حَمْأَة , قَالَ نَافِع : وَسُئِلَ عَنْهَا كَعْب , فَقَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَم بِالْقُرْآنِ مِنِّي , وَلَكِنِّي أَجِدهَا فِي الْكِتَاب تَغِيب فِي طِينَة سَوْدَاء . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } قَالَ : هِيَ الْحَمْأَة . 17562 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فِي عَيْن حَمِئَة } قَالَ : ثَأْط . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ ذِكْره { تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } قَالَ : ثَأْطَة . * - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَرَأْت { فِي عَيْن حَمِئَة } وَقَرَأَ عَمْرو بْن الْعَاص { فِي عَيْن حَامِيَة } فَأَرْسَلْنَا إِلَى كَعْب , فَقَالَ : إِنَّهَا تَغْرُب فِي حَمْأَة طِينَة سَوْدَاء . 17563 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { تَغْرُب فِي عَيْن حَمِئَة } وَالْحَمِئَة : الْحَمْأَة السَّوْدَاء . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ وَرْقَاء , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأ هَذَا الْحَرْف { فِي عَيْن حَمِئَة } وَيَقُول : حَمْأَة سَوْدَاء تَغْرُب فِيهَا الشَّمْس . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ تَغِيب فِي عَيْن حَارَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17564 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْن حَامِيَة " يَقُول : فِي عَيْن حَارَّة . 17565 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : " فِي عَيْن حَامِيَة " قَالَ : حَارَّة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : " فِي عَيْن حَامِيَة " قَالَ : حَارَّة , وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا وَجْه صَحِيح وَمَعْنًى مَفْهُوم , وَكِلَا وَجْهَيْهِ غَيْر مُفْسِد أَحَدهمَا صَاحِبه , وَذَلِكَ أَنَّهُ جَائِز أَنْ تَكُون الشَّمْس تَغْرُب فِي عَيْن حَارَّة ذَات حَمْأَة وَطِين , فَيَكُون الْقَارِئ فِي عَيْن حَامِيَة بِصِفَتِهَا الَّتِي هِيَ لَهَا , وَهِيَ الْحَرَارَة , وَيَكُون الْقَارِئ فِي عَيْن حَمِئَة وَاصِفهَا بِصِفَتِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا وَهِيَ أَنَّهَا ذَات حَمْأَة وَطِين . وَقَدْ رُوِيَ بِكِلَا صِيغَتَيْهَا اللَّتَيْنِ قُلْت إِنَّهُمَا مِنْ صِفَتَيْهَا أَخْبَار . 17566 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , قَالَ : ثَنْي مَوْلَى لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشَّمْس حِين غَابَتْ , فَقَالَ : " فِي نَار اللَّه الْحَامِيَة , فِي نَار اللَّه الْحَامِيَة , لَوْلَا مَا يَزَعهَا مِنْ أَمْر اللَّه لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْض " . 17567 - حَدَّثَنِي الْفَضْل بْن دَاوُدَ الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن دِينَار , عَنْ سَعْد بْن أَوْس , عَنْ مِصْدَع , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ : { حَمِئَة }
وَقَوْله : { وَوَجَدَ عِنْدهَا قَوْمًا } ذُكِرَ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْم يُقَال لَهُمْ : ناسك .
وَقَوْله : { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّب } يَقُول : إِمَّا أَنْ تَقْتُلهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِقْرَار بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَيُذْعِنُوا لَك بِمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَة رَبّهمْ { وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذ فِيهِمْ حُسْنًا } يَقُول : وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرهُمْ فَتُعَلِّمهُمْ الْهُدَى وَتُبَصِّرهُمْ الرَّشَاد.
وَقَوْله : { وَوَجَدَ عِنْدهَا قَوْمًا } ذُكِرَ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْم يُقَال لَهُمْ : ناسك .
وَقَوْله : { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّب } يَقُول : إِمَّا أَنْ تَقْتُلهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِقْرَار بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَيُذْعِنُوا لَك بِمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَة رَبّهمْ { وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذ فِيهِمْ حُسْنًا } يَقُول : وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرهُمْ فَتُعَلِّمهُمْ الْهُدَى وَتُبَصِّرهُمْ الرَّشَاد.
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ یُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَیُعَذِّبُهُۥ عَذَابࣰا نُّكۡرࣰا ﴿٨٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ } يَقُول : أَمَّا مَنْ كَفَرَ فَسَوْفَ نَقْتُلهُ , 17568 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ } قَالَ : هُوَ الْقَتْل .
وَقَوْله : { ثُمَّ يُرَدّ إِلَى رَبّه فَيُعَذِّبهُ عَذَابًا نُكُرًا } يَقُول : ثُمَّ يَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى بَعْد قَتْله , فَيُعَذِّبهُ عَذَابًا عَظِيمًا , وَهُوَ النُّكُر , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .
وَقَوْله : { ثُمَّ يُرَدّ إِلَى رَبّه فَيُعَذِّبهُ عَذَابًا نُكُرًا } يَقُول : ثُمَّ يَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى بَعْد قَتْله , فَيُعَذِّبهُ عَذَابًا عَظِيمًا , وَهُوَ النُّكُر , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .
وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَهُۥ جَزَاۤءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا یُسۡرࣰا ﴿٨٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى } يَقُول : وَأَمَّا مَنْ صَدَّقَ اللَّه مِنْهُمْ وَوَحَّدَهُ , وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ , فَلَهُ عِنْد اللَّه الْحُسْنَى , وَهِيَ الْجَنَّة , { جَزَاء } يَعْنِي ثَوَابًا عَلَى إِيمَانه , وَطَاعَته رَبّه . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة وَالْكُوفَة : " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " بِرَفْعِ الْجَزَاء وَإِضَافَته إِلَى الْحُسْنَى . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَهُ وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا : أَنْ يَجْعَل الْحُسْنَى مُرَادًا بِهَا إِيمَانه وَأَعْمَاله الصَّالِحَة , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام إِذَا أُرِيدَ بِهَا ذَلِكَ : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاؤُهَا , يَعْنِي جَزَاء هَذِهِ الْأَفْعَال الْحَسَنَة . وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِالْحُسْنَى : الْجَنَّة , وَأُضِيفَ الْجَزَاء إِلَيْهَا , كَمَا قِيلَ { وَلَدَار الْآخِرَة خَيْر } 16 30 وَالدَّار : هِيَ الْآخِرَة , وَكَمَا قَالَ : { وَذَلِكَ دِين الْقَيِّمَة } 98 5 وَالدِّين : هُوَ الْقَيِّم . وَقَرَأَ آخَرُونَ : { فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى } بِمَعْنَى : فَلَهُ الْجَنَّة جَزَاء فَيَكُون الْجَزَاء مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَر , بِمَعْنَى : يُجَازِيهِمْ جَزَاء الْجَنَّة . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى } بِنَصْبِ الْجَزَاء وَتَنْوِينه عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت , مِنْ أَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة جَزَاء , فَيَكُون الْجَزَاء نَصْبًا عَلَى التَّفْسِير .
وَقَوْله : { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرنَا يُسْرًا } يَقُول : وَسَنُعَلِّمُهُ نَحْنُ فِي الدُّنْيَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا تَعْلِيمه مَا يُقِرّ بِهِ إِلَى اللَّه وَيَلِين لَهُ مِنْ الْقَوْل . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . 17569 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مِنْ أَمْرنَا يُسْرًا } قَالَ مَعْرُوفًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .
وَقَوْله : { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرنَا يُسْرًا } يَقُول : وَسَنُعَلِّمُهُ نَحْنُ فِي الدُّنْيَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا تَعْلِيمه مَا يُقِرّ بِهِ إِلَى اللَّه وَيَلِين لَهُ مِنْ الْقَوْل . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . 17569 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مِنْ أَمْرنَا يُسْرًا } قَالَ مَعْرُوفًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ﴿٨٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ سَارَ وَسَلَكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ طُرُقًا وَمَنَازِل , كَمَا : 17570 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } يَعْنِي مَنْزِلًا . 17571 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } : مَنَازِل الْأَرْض وَمَعَالِمهَا .
حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمࣲ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرࣰا ﴿٩٠﴾
{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِع الشَّمْس وَجَدَهَا تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَوَجَدَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الشَّمْس تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا , وَذَلِكَ أَنَّ أَرْضهمْ لَا جَبَل فِيهَا وَلَا شَجَر , وَلَا تَحْتَمِل بِنَاء , فَيَسْكُنُوا الْبُيُوت , وَإِنَّمَا يَغُورُونَ فِي الْمِيَاه , أَوْ يَسْرُبُونَ فِي الْأَسْرَاب . كَمَا : 17572 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم ين الْمُسْتَمِرّ , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ وَأَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا سَهْل بْن أَبِي الصَّلْت السَّرَّاج , عَنْ الْحَسَن { تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } قَالَ : كَانَتْ أَرْضًا لَا تَحْتَمِل الْبِنَاء , وَكَانُوا إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْس تَغَوَّرُوا فِي الْمَاء , فَإِذَا غَرَبَتْ خَرَجُوا يَتَرَاعَوْنَ , كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِم , قَالَ : ثُمَّ قَالَ الْحَسَن : هَذَا حَدِيث سَمُرَة . 17573 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِع الشَّمْس وَجَدَهَا تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَان لَا يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ الْبِنَاء , وَإِنَّمَا يَكُونُونَ فِي أَسْرَاب لَهُمْ , حَتَّى إِذَا زَالَتْ عَنْهُمْ الشَّمْس خَرَجُوا إِلَى مَعَايِشهمْ وَحُرُوثِهِمْ , قَالَ : كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا . 17574 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج فِي قَوْله : { وَجَدَهَا تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } قَالَ : لَمْ يَبْنُوا فِيهَا بِنَاء قَطُّ , وَلَمْ يَبْنِ عَلَيْهِمْ فِيهَا بِنَاء قَطُّ , وَكَانُوا إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْس دَخَلُوا أَسْرَابًا لَهُمْ حَتَّى تَزُول الشَّمْس , أَوْ دَخَلُوا الْبَحْر , وَذَلِكَ أَنَّ أَرْضهمْ لَيْسَ فِيهَا جَبَل , وَجَاءَهُمْ جَيْش مَرَّة , فَقَالَ لَهُمْ أَهْلهَا : لَا تَطْلُعَن عَلَيْكُمْ الشَّمْس وَأَنْتُمْ بِهَا , فَقَالُوا : لَا نَبْرَح حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس , مَا هَذِهِ الْعِظَام ؟ قَالُوا : هَذِهِ جِيَف جَيْش طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْس هَا هُنَا فَمَاتُوا , قَالَ : فَذَهَبُوا هَارِبِينَ فِي الْأَرْض . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَان لَا يَثْبُت عَلَيْهِمْ بِنَاء , فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِي أَسْرَاب لَهُمْ إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس , حَتَّى تَزُول عَنْهُمْ , ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِلَى مَعَايِشهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ الزِّنْج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17575 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { تَطْلُع عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونهَا سِتْرًا } قَالَ : يُقَال : هُمْ الزِّنْج .
كَذَ ٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَیۡهِ خُبۡرࣰا ﴿٩١﴾
وَأَمَّا قَوْله : { كَذَلِكَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ اِتَّبَعَ سَبَبًا كَذَلِكَ , حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلَع الشَّمْس ; وَكَذَلِكَ : مِنْ صِلَة أَتْبَعَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا , حَتَّى بَلَغَ مَطْلَع الشَّمْس , كَمَا أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبهَا.
وَقَوْله : { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خَبَرًا } يَقُول : وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا عِنْد مَطْلَع الشَّمْس عِلْمًا , لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَا هُنَا لَك مِنْ الْخَلْق وَأَحْوَالهمْ وَأَسْبَابهمْ , وَلَا مِنْ غَيْرهمْ , شَيْء . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْخَبَر , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { خُبْرًا } قَالَ : عِلْمًا . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17577 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا } قَالَ : عِلْمًا .
وَقَوْله : { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خَبَرًا } يَقُول : وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا عِنْد مَطْلَع الشَّمْس عِلْمًا , لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَا هُنَا لَك مِنْ الْخَلْق وَأَحْوَالهمْ وَأَسْبَابهمْ , وَلَا مِنْ غَيْرهمْ , شَيْء . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْخَبَر , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17576 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { خُبْرًا } قَالَ : عِلْمًا . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17577 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا } قَالَ : عِلْمًا .
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ﴿٩٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ سَارَ طُرُقًا وَمَنَازِل , وَسَلَكَ سُبُلًا .
حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ بَیۡنَ ٱلسَّدَّیۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمࣰا لَّا یَكَادُونَ یَفۡقَهُونَ قَوۡلࣰا ﴿٩٣﴾
{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السَّدَّيْنِ } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السُّدَّيْنِ " بِضَمِّ السِّين وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن مِنْ ذَلِكَ بِضَمِّ السِّين . وَكَانَ بَعْض قُرَّاء الْمَكِّيِّينَ يَقْرَؤُهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلّه . وَكَانَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء يَفْتَح السِّين فِي هَذِهِ السُّورَة , وَيَضُمّ السِّين فِي يس , وَيَقُول : السَّدّ بِالْفَتْحِ : هُوَ الْحَاجِز بَيْنك وَبَيْن الشَّيْء ; وَالسُّدّ بِالضَّمِّ : مَا كَانَ مِنْ غِشَاوَة فِي الْعَيْن . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّ قِرَاءَة عَامَّتهمْ فِي جَمِيع الْقُرْآن بِفَتْحِ السِّين غَيْر قَوْله : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السُّدَّيْنِ } فَإِنَّهُمْ ضَمُّوا السِّين فِي ذَلِكَ خَاصَّة . وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة فِي ذَلِكَ مَا : 17578 - حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : مَا كَانَ مِنْ صَنْعَة بَنِي آدَم فَهُوَ السَّدّ , يَعْنِي بِالْفَتْحِ , وَمَا كَانَ مِنْ صُنْع اللَّه فَهُوَ السُّدّ . وَكَانَ الْكِسَائِيّ يَقُول : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , وَلُغَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْر مُخْتَلِفَة , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء , وَعِكْرِمَة بَيْن السَّدّ وَالسُّدّ , لِأَنَّا لَمْ نَجِد لِذَلِكَ شَاهِدًا يُبَيِّن عَنْ فُرْقَان مَا بَيْن ذَلِكَ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُمَا . وَمَا يُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل الَّذِي رُوِيَ لَنَا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْل , لَمْ يَحْكِ لَنَا عَنْ أَحَد مِنْهُمْ تَفْصِيل بَيْن فَتْح ذَلِكَ وَضَمّه , وَلَوْ كَانَا مُخْتَلِفِي الْمَعْنَى لَنُقِلَ الْفَصْل مَعَ التَّأْوِيل إِنْ شَاءَ اللَّه , وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ عِنْدهمْ غَيْر مُفْتَرِق , فَيُفَسَّر الْحَرْف بِغَيْرِ تَفْصِيل مِنْهُمْ بَيْن ذَلِكَ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَة فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَيُّوب وَهَارُون , وَفِي نَقْله نَظَر , وَلَا نَعْرِف ذَلِكَ عَنْ أَيُّوب مِنْ رِوَايَة ثِقَات أَصْحَابه . وَالسَّدّ وَالسُّدّ جَمِيعًا : الْحَاجِز بَيْن الشَّيْئَيْنِ , وَهُمَا هَهُنَا فِيمَا ذُكِرَ جَبَلَانِ سُدَّ مَا بَيْنهمَا , فَرَدَمَ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَاجِزًا بَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَمِنْ وَرَاءَهُمْ , لِيَقْطَع مَادّ غَوَائِلهمْ وَعَيْثهمْ عَنْهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17579 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السَّدَّيْنِ " قَالَ : الْجَبَلَيْنِ الرَّدْم الَّذِي بَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج , أُمَّتَيْنِ مِنْ وَرَاء رَدْم ذِي الْقَرْنَيْنِ , قَالَ : الْجَبَلَانِ : أَرْمِينِيَّة وَأَذْرَبِيجَان . 17580 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السَّدَّيْنِ " وَهُمَا جَبَلَانِ . 17581 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : " بَيْن السَّدَّيْنِ " يَعْنِي بَيْن جَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " بَيْن السَّدَّيْنِ " قَالَ : هُمَا جَبَلَانِ .
وَقَوْله { وَجَدَ مِنْ دُونهمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَجَدَ مِنْ دُون السَّدَّيْنِ قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْل قَائِل سِوَى كَلَامهمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { يَفْقَهُونَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة { يَفْقَهُونَ قَوْلًا } بِفَتْحِ الْقَاف وَالْيَاء , مِنْ فَقِهَ الرَّجُل يَفْقَه فِقْهًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة " يُفْقِهُونَ قَوْلًا " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْقَاف : مِنْ أَفْقَهْت فُلَانًا كَذَا أُفَقِّههُ إِفْقَاهًا : إِذَا فَهَّمْته ذَلِكَ . وَالصَّوَاب عِنْدِي مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , غَيْر دَافِعَة إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَر جَائِز أَنْ يَكُونُوا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لِغَيْرِهِمْ عَنْهُمْ , فَيَكُون صَوَابًا الْقِرَاءَة بِذَلِكَ . وَجَائِز أَنْ يَكُونُوا مَعَ كَوْنهمْ كَذَلِكَ كَانُوا لَا يَكَادُونَ أَنْ يَفْقَهُوا غَيْرهمْ لِعِلَلٍ : إِمَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَإِمَّا بِمَنْطِقِهِمْ , فَتَكُون الْقِرَاءَة بِذَلِكَ أَيْضًا صَوَابًا.
وَقَوْله { وَجَدَ مِنْ دُونهمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَجَدَ مِنْ دُون السَّدَّيْنِ قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْل قَائِل سِوَى كَلَامهمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { يَفْقَهُونَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة { يَفْقَهُونَ قَوْلًا } بِفَتْحِ الْقَاف وَالْيَاء , مِنْ فَقِهَ الرَّجُل يَفْقَه فِقْهًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة " يُفْقِهُونَ قَوْلًا " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْقَاف : مِنْ أَفْقَهْت فُلَانًا كَذَا أُفَقِّههُ إِفْقَاهًا : إِذَا فَهَّمْته ذَلِكَ . وَالصَّوَاب عِنْدِي مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , غَيْر دَافِعَة إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَر جَائِز أَنْ يَكُونُوا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لِغَيْرِهِمْ عَنْهُمْ , فَيَكُون صَوَابًا الْقِرَاءَة بِذَلِكَ . وَجَائِز أَنْ يَكُونُوا مَعَ كَوْنهمْ كَذَلِكَ كَانُوا لَا يَكَادُونَ أَنْ يَفْقَهُوا غَيْرهمْ لِعِلَلٍ : إِمَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَإِمَّا بِمَنْطِقِهِمْ , فَتَكُون الْقِرَاءَة بِذَلِكَ أَيْضًا صَوَابًا.
قَالُواْ یَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَیۡنِ إِنَّ یَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰۤ أَن تَجۡعَلَ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَهُمۡ سَدࣰّا ﴿٩٤﴾
وَقَوْله : { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج } فَقَرَأَتْ الْقُرَّاء مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَغَيْرهمْ : " إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج " بِغَيْرِ هَمْز عَلَى فَاعُول مِنْ يَجَجْت وَمَجَجْت , وَجَعَلُوا الْأَلِفَيْنِ فِيهِمَا زَائِدَتَيْنِ , غَيْر عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود وَالْأَعْرَج , فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا جَمِيعًا , وَجَعَلَا الْهَمْز فِيهِمَا مِنْ أَصْل الْكَلَام , وَكَأَنَّهُمَا جَعَلَا يَأْجُوج : يَفْعُول مِنْ أَجَّجْت , وَمَأْجُوج : مَفْعُول . وَالْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة عِنْدنَا , أَنَّ { يَاجُوج وَمَاجُوج } بِأَلِفٍ بِغَيْرِ هَمْز لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ الْكَلَام الْمَعْرُوف عَلَى أَلْسُن الْعَرَب ; وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج . لَوْ أَنَّ يَاجُوج وَمَاجُوج مَعًا وَعَادَ عَادُوا وَاِسْتَجَاشُوا تُبَّعَا وَهُمْ أُمَّتَانِ مِنْ وَرَاء السَّدّ .
وَقَوْله : { مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِفْسَاد الَّذِي وَصَفَ اللَّه بِهِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17582 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن أَيُّوب الْخُوزَانِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول فِي قَوْله { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض , لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمئِذٍ يُفْسِدُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَذَكَرَ صِفَة اِتِّبَاع ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَسْبَاب الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , وَذَكَرَ سَبَب بِنَائِهِ لِلرَّدْمِ : 17583 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض مَنْ يَسُوق أَحَادِيث الْأَعَاجِم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , مِمَّنْ قَدْ أَسْلَمَ , مِمَّا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْم ذِي الْقَرْنَيْنِ , أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْل مِصْر اِسْمه مرزبا بْن مردبة الْيُونَانِيّ , مِنْ وَلَد يونن بْن يافث بْن نُوح . 17584 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ ثَوْر بْن يَزِيد , عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان الْكُلَاعِيّ , وَكَانَ خَالِد رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ النَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ : " مَلِك مَسَحَ الْأَرْض مِنْ تَحْتهَا بِالْأَسْبَابِ " قَالَ خَالِد : وَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَجُلًا يَقُول : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ غَفْرًا , أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء , حَتَّى تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَة ؟ فَإِنْ كَانَ رَسُول اللَّه قَالَ ذَلِكَ , فَالْحَقّ مَا قَالَ , وَالْبَاطِل مَا خَالَفَهُ . 17585 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , وَكَانَ لَهُ عِلْم بِالْأَحَادِيثِ الْأَوَّل , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ذُو الْقَرْنَيْنِ رَجُل مِنْ الرُّوم . اِبْن عَجُوز مِنْ عَجَائِزهمْ , لَيْسَ لَهَا وَلَد غَيْره , وَكَانَ اِسْمه الْإِسْكَنْدَر . وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا مِنْ نُحَاس , فَلَمَّا بَلَغَ وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنِّي بَاعِثك إِلَى أُمَم الْأَرْض , وَهِيَ أُمَم مُخْتَلِفَة أَلْسِنَتهمْ , وَهُمْ جَمِيع أَهْل الْأَرْض ; وَمِنْهُمْ أُمَّتَانِ بَيْنهمَا طُول الْأَرْض كُلّه , وَمِنْهُمْ أُمَّتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض كُلّه , وَأُمَم فِي وَسَط الْأَرْض مِنْهُمْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج . فَأَمَّا الْأُمَّتَانِ اللَّتَانِ بَيْنهمَا طُول الْأَرْض : فَأُمَّة عِنْد مَغْرِب الشَّمْس , يُقَال لَهَا : ناسك . وَأَمَّا الْأُخْرَى : فَعِنْد مَطْلَعهَا يُقَال لَهَا : مَنْسَك . وَأَمَّا اللَّتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض , فَأُمَّة فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْمَن , يُقَال لَهَا : هاويل . وَأَمَّا الْأُخْرَى الَّتِي فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْسَر , فَأُمَّة يُقَال لَهَا : تاويل ; فَلَمَّا قَالَ اللَّه لَهُ ذَلِكَ , قَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ : إِلَهِي إِنَّك قَدْ نَدَبْتنِي لِأَمْرٍ عَظِيم لَا يُقَدِّر قَدْره إِلَّا أَنْتَ , فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي بَعَثْتنِي إِلَيْهَا , بِأَيِّ قُوَّة أُكَابِرهُمْ , وَبِأَيِّ جَمْع أُكَاثِرُهُمْ , وَبِأَيِّ حِيلَة أُكَايِدهُمْ , وَبِأَيِّ صَبْر أُقَاسِيهِمْ , وَبِأَيِّ لِسَان أُنَاطِقُهُمْ , وَكَيْف لِي بِأَنْ أَفْقَه لُغَاتهمْ , وَبِأَيِّ سَمْع أَعِي قَوْلهمْ , وَبِأَيِّ بَصَر أَنْفُذهُمْ , وَبِأَيِّ حُجَّة أُخَاصِمهُمْ , وَبِأَيِّ قَلْب أَعْقِل عَنْهُمْ , وَبِأَيِّ حِكْمَة أُدَبِّر أَمْرهمْ , وَبِأَيِّ قِسْط أَعْدِل بَيْنهمْ , وَبِأَيِّ حِلْم أُصَابِرهُمْ , وَبِأَيِّ مَعْرِفَة أَفْصِل بَيْنهمْ , وَبِأَيِّ عِلْم أُتْقِن أُمُورهمْ , وَبِأَيِّ يَد أَسْطُو عَلَيْهِمْ , وَبِأَيِّ رِجْل أَطَؤُهُمْ , وَبِأَيِّ طَاقَة أَخْصَمهمْ , وَبِأَيِّ جُنْد أُقَاتِلهُمْ , وَبِأَيِّ رِفْق أَسْتَأْلِفُهُمْ , فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي يَا إِلَهِي شَيْء مِمَّا ذَكَرْت يَقُوم لَهُمْ , وَلَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ وَلَا يُطِيقُهُمْ , وَأَنْتَ الرَّبّ الرَّحِيم , الَّذِي لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا , وَلَا يُحَمِّلهَا إِلَّا طَاقَتهَا , وَلَا يُعَنِّتهَا وَلَا يَفْدَحهَا , بَلْ أَنْتَ تَرْأَفهَا وَتَرْحَمهَا . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي سَأُطَوِّقُك مَا حَمَّلْتُك , أَشْرَح لَك صَدْرك , فَيَسَع كُلّ شَيْء وَأَشْرَح لَك فَهْمك فَتَفْقَه كُلّ شَيْء , وَأَبْسُط لَك لِسَانك , فَتَنْطِق بِكُلِّ شَيْء , وَأَفْتَح لَك سَمْعك فَتَعِي كُلّ شَيْء , وَأَمُدّ لَك بَصَرك , فَتَنْفُذ كُلّ شَيْء , وَأُدَبِّر لَك أَمْرك فَتُتْقِن كُلّ شَيْء , وَأُحْصِي لَك فَلَا يَفُوتك شَيْء , وَأَحْفَظ عَلَيْك فَلَا يَعْزُب عَنْك شَيْء , وَأَشُدّ لَك ظَهْرك , فَلَا يَهُدّك شَيْء , وَأَشُدّ لَك رُكْنك فَلَا يَغْلِبك شَيْء , وَأَشُدّ لَك قَلْبك فَلَا يُرَوِّعك شَيْء , وَأُسَخِّر لَك النُّور وَالظُّلْمَة , فَأَجْعَلهُمَا جُنْدًا مِنْ جُنُودك , يَهْدِيك النُّور أَمَامك , وَتَحُوطك الظُّلْمَة مِنْ وَرَائِك , وَأَشُدّ لَك عَقْلك فَلَا يَهُولك شَيْء , وَأَبْسُط لَك مِنْ بَيْن يَدَيْك , فَتَسْطُو فَوْق كُلّ شَيْء , وَأَشُدّ لَك وَطْأَتك , فَتَهُدّ كُلّ شَيْء , وَأُلْبِسك الْهَيْبَة فَلَا يَرُومُك شَيْء . وَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ , اِنْطَلَقَ يَؤُمّ الْأُمَّة الَّتِي عِنْد مَغْرِب الشَّمْس , فَلَمَّا بَلَغَهُمْ , وَجَدَ جَمْعًا وَعَدَدًا لَا يُحْصِيه إِلَّا اللَّه , وَقُوَّة وَبَأْسًا لَا يُطِيقهُ إِلَّا اللَّه , وَأَلْسِنَة مُخْتَلِفَة وَأَهْوَاء مُتَشَتِّتَة , وَقُلُوبًا مُتَفَرِّقَة ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كَاثَرَهُمْ بِالظُّلْمَةِ , فَضَرَبَ حَوْلهمْ ثَلَاثَة عَسَاكِر مِنْهَا , فَأَحَاطَتْهُمْ مِنْ كُلّ مَكَان , وَحَاشَتْهُمْ حَتَّى جَمَعَتْهُمْ فِي مَكَان وَاحِد , ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالنُّورِ , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه وَإِلَى عِبَادَته , فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ لَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ , فَعَمَدَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا عَنْهُ , فَأَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الظُّلْمَة . فَدَخَلَتْ فِي أَفْوَاههمْ وَأُنُوفهمْ وَآذَانهمْ وَأَجْوَافهمْ , وَدَخَلَتْ فِي بُيُوتهمْ وَدُورهمْ , وَغَشِيَتْهُمْ مِنْ فَوْقهمْ , وَمِنْ تَحْتهمْ وَمِنْ كُلّ جَانِب مِنْهُمْ , فَمَاجُوا فِيهَا وَتَحَيَّرُوا ; فَلَمَّا أَشْفَقُوا أَنْ يَهْلَكُوا فِيهَا عَجُّوا إِلَيْهِ بِصَوْتٍ وَاحِد , فَكَشَفَهَا عَنْهُمْ وَأَخَذَهُمْ عَنْوَة , فَدَخَلُوا فِي دَعْوَته , فَجُنْد مِنْ أَهْل الْمَغْرِب أُمَمًا عَظِيمَة , فَجَعَلَهُمْ جُنْدًا وَاحِدًا , ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ يَقُودهُمْ , وَالظُّلْمَة تَسُوقهُمْ مِنْ خَلْفهمْ وَتَحْرُسهُمْ مِنْ حَوْلهمْ , وَالنُّور أَمَامهمْ يَقُودهُمْ وَيَدُلّهُمْ , وَهُوَ يَسِير فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُمْنَى , وَهُوَ يُرِيد الْأُمَّة الَّتِي فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْمَن الَّتِي يُقَال لَهَا هاويل , وَسَخَّرَ اللَّه لَهُ يَده وَقَلْبه وَرَأْيه وَعَقْله وَنَظَره وَائْتِمَاره , فَلَا يُخْطِئ إِذَا اِئْتَمَرَ , وَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَتْقَنَهُ . فَانْطَلَقَ يَقُود تِلْكَ الْأُمَم وَهِيَ تَتْبَعهُ , فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى بَحْر أَوْ مَخَاضَة بَنَى سُفُنًا مِنْ أَلْوَاح صِغَار أَمْثَال النِّعَال , فَنَظَّمَهَا فِي سَاعَة , ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا جَمِيع مَنْ مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْأُمَم وَتَلِك الْجُنُود , فَإِذَا قَطَعَ الْأَنْهَار وَالْبِحَار فَتَقَهَا , ثُمَّ دَفَعَ إِلَى كُلّ إِنْسَان لَوْحًا فَلَا يَكْرُثهُ حَمْله , فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ دَأْبه حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى هاويل , فَعَمِلَ فِيهَا كَعَمَلِهِ فِي ناسك . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا مَضَى عَلَى وَجْهه فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُمْنَى حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَنْسَك عِنْد مَطْلَع الشَّمْس , فَعَمِلَ فِيهَا وَجَنَّدَ مِنْهَا جُنُودًا , كَفِعْلِهِ فِي الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلهَا , ثُمَّ كَرَّ مُقْبِلًا فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُسْرَى , وَهُوَ يُرِيد تَأْوِيل وَهِيَ الْأُمَّة الَّتِي بِحِيَالِ هاويل , وَهُمَا مُتَقَابِلَتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض كُلّه ; فَلَمَّا بَلَغَهَا عَمِلَ فِيهَا , وَجَنَّدَ مِنْهَا كَفِعْلِهِ فِيمَا قَبْلهَا ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا عَطَفَ مِنْهَا إِلَى الْأُمَم الَّتِي وَسَط الْأَرْض مِنْ الْجِنّ وَسَائِر النَّاس , وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج ; فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض الطَّرِيق مَا يَلِي مُنْقَطِع التَّرْك نَحْو الْمَشْرِق , قَالَتْ لَهُ أُمَّة مِنْ الْإِنْس صَالِحَة : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , إِنَّ بَيْن هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ خَلْقًا مِنْ خَلْق اللَّه , وَكَثِير مِنْهُمْ مُشَابِه لِلْإِنْسِ , وَهُمْ أَشْبَاه الْبَهَائِم , يَأْكُلُونَ الْعُشْب , وَيَفْتَرِسُونَ الدَّوَابّ وَالْوُحُوش كَمَا تَفْتَرِسهَا السِّبَاع , وَيَأْكُلُونَ خَشَاش الْأَرْض كُلّهَا مِنْ الْحَيَّات وَالْعَقَارِب , وَكُلّ ذِي رُوح مَا خَلْق اللَّه فِي الْأَرْض , وَلَيْسَ لِلَّهِ خَلْق يَنْمُو نَمَاءَهُمْ فِي الْعَام الْوَاحِد , وَلَا يَزْدَاد كَزِيَادَتِهِمْ , وَلَا يَكْثُر كَكَثْرَتِهِمْ , فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّة عَلَى مَا نَرَى مِنْ نَمَائِهِمْ وَزِيَادَتهمْ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ سَيَمْلَئُونَ الْأَرْض , وَيُجْلُونَ أَهْلهَا عَنْهَا وَيَظْهَرُونَ عَلَيْهَا فَيُفْسِدُونَ فِيهَا , وَلَيْسَتْ تَمْر بِنَا سَنَة مُنْذُ جَاوَرْنَاهُمْ إِلَّا وَنَحْنُ نَتَوَقَّعُهُمْ , وَنَنْتَظِر أَنْ يَطْلُع عَلَيْنَا أَوَائِلهمْ مِنْ بَيْن هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } أَعِدُّوا إِلَيَّ الصُّخُور وَالْحَدِيد وَالنُّحَاس حَتَّى أَرْتَاد بِلَادهمْ , وَأَعْلَم عِلْمهمْ , وَأَقِيس مَا بَيْن جَبَلَيْهِمْ . ثُمَّ اِنْطَلَقَ يَؤُمّهُمْ حَتَّى دَفَعَ إِلَيْهِمْ وَتَوَسَّطَ بِلَادهمْ , فَوَجَدَهُمْ عَلَى مِقْدَار وَاحِد , ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , مَبْلَغ طُول الْوَاحِد مِنْهُمْ مِثْل نِصْف الرَّجُل الْمَرْبُوع مِنَّا , لَهُمْ مَخَالِب فِي مَوْضِع الْأَظْفَار مِنْ أَيْدِينَا , وَأَضْرَاس وَأَنْيَاب كَأَضْرَاسِ السِّبَاع وَأَنْيَابهَا , وَأَحْنَاك كَأَحْنَاك الْإِبِل قُوَّة تَسْمَع لَهَا حَرَكَة إِذَا أَكَلُوا كَحَرَكَةِ الْجَرَّة مِنْ الْإِبِل , أَوْ كَقَضْمِ الْفَحْل الْمُسِنّ , أَوْ الْفَرَس الْقَوِيّ , وَهُمْ هُلْب , عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّعْر فِي أَجْسَادهمْ مَا يُوَارِيهِمْ , وَمَا يَتَّقُونَ بِهِ الْحَرّ وَالْبَرْد إِذَا أَصَابَهُمْ ; وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ أُذُنَانِ عَظِيمَتَانِ : إِحْدَاهُمَا وَبَرَة ظَهْرهَا وَبَطْنهَا , وَالْأُخْرَى زَغَبَة ظَهْرهَا وَبَطْنهَا , تَسَعَانِهِ إِذَا لَبِسَهُمَا , يَلْتَحِف إِحْدَاهُمَا , وَيَفْتَرِش الْأُخْرَى , وَيُصَيِّف فِي إِحْدَاهُمَا , وَيُشَتِّي فِي الْأُخْرَى , وَلَيْسَ مِنْهُمْ ذِكْر وَلَا أُنْثَى إِلَّا وَقَدْ عَرَفَ أَجَله الَّذِي يَمُوت فِيهِ , وَمُنْقَطَع عُمْره , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمُوت مَيِّت مِنْ ذُكُورهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ صُلْبه أَلْف وَلَد , وَلَا تَمُوت الْأُنْثَى حَتَّى يَخْرُج مِنْ رَحِمهَا أَلْف وَلَد , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ , وَهُمْ يُرْزَقُونَ التِّنِّين أَيَّام الرَّبِيع , وَيَسْتَمْطِرُونَه إِذَا تَحَيَّنُوهُ كَمَا نَسْتَمْطِرُ الْغَيْث لِحِينِهِ , فَيَقْذِفُونَ مِنْهُ كُلّ سَنَة بِوَاحِدٍ , فَيَأْكُلُونَهُ عَامهمْ كُلّه إِلَى مِثْله مِنْ الْعَام الْقَابِل , فَيُغْنِيهِمْ عَلَى كَثْرَتهمْ وَنَمَائِهِمْ , فَإِذَا أُمْطِرُوا وَأَخْصَبُوا وَعَاشُوا وَسَمِنُوا , وَرُئِيَ أَثَره عَلَيْهِمْ , فَدَرَّتْ عَلَيْهِمْ الْإِنَاث , وَشَبِقَتْ مِنْهُمْ الرِّجَال الذُّكُور , وَإِذَا أَخْطَأَهُمْ هَزَلُوا وَأَجْدَبُوا , وَجَفَرَتْ الذُّكُور , وَحَالَتْ الْإِنَاث , وَتَبَيَّنَ أَثَر ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَهُمْ يَتَدَاعَوْنَ تَدَاعِي الْحَمَام , وَيَعْوُونَ عُوَاء الْكِلَاب , وَيَتَسَافَدُونَ حَيْثُ اِلْتَقَوْا تَسَافُد الْبَهَائِم . فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ اِنْصَرَفَ إِلَى مَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ , فَقَاسَ مَا بَيْنهمَا وَهُوَ فِي مُنْقَطَع أَرْض التُّرْك مَا يَلِي مَشْرِق الشَّمْس , فَوَجَدَ بَعْد مَا بَيْنهمَا مِائَة فَرْسَخ ; فَلَمَّا أَنْشَأَ فِي عَمَله , حَفَرَ لَهُ أَسَاسًا حَتَّى بَلَغَ الْمَاء , ثُمَّ جَعَلَ عَرْضه خَمْسِينَ فَرْسَخًا , وَجَعَلَ حَشْوه الصُّخُور , وَطِينه النُّحَاس , يُذَاب ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِ , فَصَارَ كَأَنَّهُ عِرْق مِنْ جَبَل تَحْت الْأَرْض , ثُمَّ عَلَاهُ وَشَرَّفَهُ بِزُبَرِ الْحَدِيد وَالنُّحَاس الْمُذَاب , وَجَعَلَ خِلَاله عِرْقًا مِنْ نُحَاس أَصْفَر , فَصَارَ كَأَنَّهُ بُرْد مُحَبَّر مِنْ صُفْرَة النُّحَاس وَحُمْرَته وَسَوَاد الْحَدِيد ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ وَأَحْكَمَهُ . اِنْطَلَقَ عَامِدًا إِلَى جَمَاعَة الْإِنْس وَالْجِنّ ; فَبَيْنَا هُوَ يَسِير , دُفِعَ إِلَى أُمَّة صَالِحَة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ , فَوَجَدَ أُمَّة مُقْسِطَة مُقْتَصِدَة , يَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ , وَيَحْكُمُونَ بِالْعَدْلِ , وَيَتَآسَوْنَ وَيَتَرَاحَمُونَ , حَالهمْ وَاحِدَة , وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة , وَأَخْلَاقهمْ مُشْتَبِهَة , وَطَرِيقَتهمْ مُسْتَقِيمَة , وَقُلُوبهمْ مُتَأَلِّفَة , وَسِيرَتهمْ حَسَنَة , وَقُبُورهمْ بِأَبْوَابِ بُيُوتهمْ , وَلَيْسَ عَلَى بُيُوتهمْ أَبْوَاب , وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أُمَرَاء , وَلَيْسَ بَيْنهمْ قُضَاة , وَلَيْسَ بَيْنهمْ أَغْنِيَاء , وَلَا مُلُوك , وَلَا أَشْرَاف , وَلَا يَتَفَاوَتُونَ , وَلَا يَتَفَاضَلُونَ , وَلَا يَخْتَلِفُونَ , وَلَا يَتَنَازَعُونَ , وَلَا يَسْتَبُّونَ , وَلَا يَقْتَتِلُونَ , وَلَا يَقْحَطُونَ , وَلَا يَحْرِدُونَ , وَلَا تُصِيبهُمْ الْآفَات الَّتِي تُصِيب النَّاس , وَهُمْ أَطْوَل النَّاس أَعْمَارًا , وَلَيْسَ فِيهِمْ مِسْكِين , وَلَا فَقِير , وَلَا فَظّ , وَلَا غَلِيظ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ أَمْرهمْ , عَجِبَ مِنْهُ ! وَقَالَ : أَخْبِرُونِي , أَيّهَا الْقَوْم خَبَركُمْ , فَإِنِّي قَدْ أَحْصَيْت الْأَرْض كُلّهَا بَرّهَا وَبَحْرهَا , وَشَرْقهَا وَغَرْبهَا , وَنُورهَا وَظُلْمَتهَا , فَلَمْ أَجِد مِثْلكُمْ , فَأَخْبِرُونِي خَبَركُمْ ; قَالُوا : نَعَمْ , فَسَلْنَا عَمَّا تُرِيد , قَالَ : أَخْبِرُونِي , مَا بَال قُبُور مَوْتَاكُمْ عَلَى أَبْوَاب بُيُوتكُمْ ؟ قَالُوا : عَمْدًا فَعَلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا نَنْسَى الْمَوْت , وَلَا يَخْرُج ذِكْره مِنْ قُلُوبنَا ; قَالَ : فَمَا بَال بُيُوتكُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا أَبْوَاب ؟ قَالُوا : لَيْسَ فِينَا مُتَّهَم , وَلَيْسَ مِنَّا إِلَّا أَمِين مُؤْتَمَن ; قَالَ : فَمَا لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء ؟ قَالُوا : لَا نَتَظَالَم ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ حُكَّام ؟ قَالُوا : لَا نَخْتَصِم ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ أَغْنِيَاء ؟ قَالُوا : لَا نَتَكَاثَر ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ مُلُوك ؟ قَالُوا : لَا نَتَكَابَر ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَتَنَازَعُونَ وَلَا تَخْتَلِفُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أُلْفَة قُلُوبنَا وَصَلَاح ذَات بَيْننَا ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَسْتَبُّونَ . وَلَا تَقْتَتِلُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَا غَلَبْنَا طَبَائِعنَا بِالْعَزْمِ , وَسُسْنَا أَنْفُسنَا بِالْأَحْلَامِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ كَلِمَتكُمْ وَاحِدَة , وَطَرِيقَتكُمْ مُسْتَقِيمَة مُسْتَوِيَة ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا لَا نَتَكَاذَب , وَلَا نَتَخَادَع , وَلَا يَنْتَاب بَعْضنَا بَعْضًا ; قَالَ : فَأَخْبِرُونِي مِنْ أَيْنَ تَشَابَهَتْ قُلُوبكُمْ , وَاعْتَدَلَتْ سِيرَتكُمْ ؟ قَالُوا : صَحَّتْ صُدُورنَا , فَنُزِعَ بِذَلِكَ الْغِلّ وَالْحَسَد مِنْ قُلُوبنَا ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ مِسْكِين وَلَا فَقِير ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا نَقْتَسِم بِالسَّوِيَّةِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ فَظّ وَلَا غَلِيظ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل الذُّلّ وَالتَّوَاضُع ; قَالَ : فَمَا جَعَلَكُمْ أَطْوَل النَّاس أَعْمَارًا ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا نَتَعَاطَى الْحَقّ وَنَحْكُم بِالْعَدْلِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَقْحَطُونَ ؟ قَالُوا : لَا نَغْفُل عَنْ الِاسْتِغْفَار ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَحْرِدُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا وَطَّأْنَا أَنْفُسنَا لِلْبَلَاءِ مُنْذُ كُنَّا , وَأَحْبَبْنَاهُ وَحَرَصْنَا عَلَيْهِ , فَعَرِينَا مِنْهُ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تُصِيبكُمْ الْآفَات كَمَا تُصِيب النَّاس ؟ قَالُوا : لَا نَتَوَكَّل عَلَى غَيْر اللَّه , وَلَا نَعْمَل بِالْأَنْوَاءِ وَالنُّجُوم ; قَالَ : حَدَّثُونِي أَهَكَذَا وَجَدْتُمْ آبَاءَكُمْ يَفْعَلُونَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا يَرْحَمُونَ مَسَاكِينهمْ , وَيُوَاسُونَ فُقَرَاءَهُمْ , وَيَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ , وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ , وَيَحْلُمُونَ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ , وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ سَبَّهُمْ , وَيَصِلُونَ أَرْحَامهمْ , وَيُؤَدُّونَ أَمَانَاتهمْ , وَيَحْفَظُونَ وَقْتهمْ لِصَلَاتِهِمْ , وَيُوفُونَ بِعُهُودِهِمْ , وَيَصْدُقُونَ فِي مَوَاعِيدهمْ , وَلَا يَرْغَبُونَ عَنْ أَكْفَائِهِمْ , وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أَقَارِبهمْ , فَأَصْلَحَ اللَّه لَهُمْ بِذَلِكَ أَمْرهمْ , وَحَفِظَهُمْ مَا كَانُوا أَحْيَاء , وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّه أَنْ يَحْفَظهُمْ فِي تَرِكَتهمْ . 17586 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي رَافِع , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يَحْفِرُونَ السَّدّ كُلّ يَوْم , حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَتَحْفِرُونَهُ غَدًا , فَيُعِيدهُ اللَّه وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم تَرَكُوهُ , حَتَّى إِذَا جَاءَ الْوَقْت قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه , فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس , فَيُنْشِفُونَ الْمِيَاه , وَيَتَحَصَّن النَّاس فِي حُصُونهمْ , فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاء , فَيَرْجِع فِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاء , فَيَقُولُونَ : قَهَرْنَا أَهْل الْأَرْض , وَعَلَوْنَا أَهْل السَّمَاء , فَيَبْعَث اللَّه عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَتَقْتُلهُمْ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابّ الْأَرْض لَتَسْمَن وَتَشْكُر مِنْ لُحُومهمْ " . 17587 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ الظَّفَرِيّ , عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد أَخِي بَنِي عَبْد الْأَشْهَل , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يُفْتَح يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ } 21 96 فَيَغْشَوْنَ الْأَرْض , وَيَنْحَاز الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ إِلَى مَدَائِنهمْ وَحُصُونهمْ , وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِمْ مَوَاشِيهمْ , فَيَشْرَبُونَ مِيَاه الْأَرْض , حَتَّى إِنَّ بَعْضهمْ لِيَمُرّ بِالنَّهَرِ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهِ , حَتَّى يَتْرُكُوهُ يَابِسًا , حَتَّى إِنَّ مَنْ بَعْدهمْ لَيَمُرّ بِذَلِكَ النَّهَر , فَيَقُول : لَقَدْ كَانَ هَا هُنَا مَاء مَرَّة , حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ النَّاس أَحَد إِلَّا اِنْحَازَ إِلَى حِصْن أَوْ مَدِينَة , قَالَ قَائِلهمْ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْأَرْض قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ , بَقِيَ أَهْل السَّمَاء , قَالَ : ثُمَّ يَهُزّ أَحَدهمْ حَرْبَته , ثُمَّ يَرْمِي بِهَا إِلَى السَّمَاء , فَتَرْجِع إِلَيْهِ مُخَضَّبَة دَمًا لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَة . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ دُودًا فِي أَعْنَاقهمْ كَالنَّغَفِ , فَتَخْرُج فِي أَعْنَاقهمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتَى , لَا يُسْمَع لَهُمْ حِسّ , فَيَقُول الْمُسْلِمُونَ : أَلَا رَجُل يَشْرِي لَنَا نَفْسه , فَيَنْظُر مَا فَعَلَ الْعَدُوّ , قَالَ : فَيَتَجَرَّد رَجُل مِنْهُمْ لِذَلِكَ مُحْتَسِبًا لِنَفْسِهِ , قَدْ وَطَّنَهَا عَلَى أَنَّهُ مَقْتُول , فَيَنْزِل فَيَجِدهُمْ مَوْتَى , بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , فَيُنَادِي : يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ , أَلَا أَبْشِرُوا , فَإِنَّ اللَّه قَدْ كَفَاكُمْ عَدُوّكُمْ , فَيَخْرُجُونَ مِنْ مَدَائِنهمْ وَحُصُونهمْ , وَيُسَرِّحُونَ مَوَاشِيهمْ , فَمَا يَكُون لَهَا رَعْي إِلَّا لُحُومهمْ , فَتَشْكُر عَنْهُمْ أَحْسَن مَا شَكَرَتْ عَنْ شَيْء مِنْ النَّبَات أَصَابَتْ قَطُّ " . 17588 - حَدَّثَنِي بَحْر بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة وَشُرَيْح بْن عُبَيْد : أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثَلَاثَة أَصْنَاف : صِنْف طُولهمْ كَطُولِ الْأَرُزّ , وَصِنْف طُوله وَعَرْضه سَوَاء , وَصِنْف يَفْتَرِش أَحَدهمْ أُذُنه وَيَلْتَحِف بِالْأُخْرَى فَتُغَطِّي سَائِر جَسَده . 17589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَى أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ يَقُول : إِنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَمُوت رَجُل مِنْهُمْ حَتَّى يُولَد لِصُلْبِهِ أَلْف رَجُل " قَالَ : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَعْجَب مِنْ كَثْرَتهمْ وَيَقُول : لَا يَمُوت مِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَحَد حَتَّى يُولَد لَهُ أَلْف رَجُل مِنْ صُلْبه . فَالْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي قِصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج , يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِذِي الْقَرْنَيْنِ { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } إِنَّمَا أَعْلَمُوهُ خَوْفهمْ مَا يَحْدُث مِنْهُمْ مِنْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض , لَا أَنَّهُمْ شَكَوْا مِنْهُمْ فَسَادًا كَانَ مِنْهُمْ فِيهِمْ أَوْ فِي غَيْرهمْ , وَالْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُ مِنْهُمْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض , وَلَا دَلَالَة فِيهَا أَنَّهُمْ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ قَبْل إِحْدَاث ذِي الْقَرْنَيْنِ السَّدّ الَّذِي أَحْدَثَهُ بَيْنهمْ وَبَيْن مِنْ دُونهمْ مِنْ النَّاس فِي النَّاس غَيْرهمْ إِفْسَاد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِاَلَّذِي بَيَّنَّا , فَالصَّحِيح مِنْ تَأْوِيل قَوْله { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض .
وَقَوْله { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرْجًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَجَا } كَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِهِ نَحْو الْمَصْدَر مِنْ خَرْج الرَّأْس . وَذَلِكَ جَعْله . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " بِالْأَلِفِ , وَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِهِ نَحْو الِاسْم , وَعَنَوْا بِهِ أُجْرَة عَلَى بِنَائِك لَنَا سَدًّا بَيْننَا وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " بِالْأَلِفِ , لِأَنَّ الْقَوْم فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمَا , إِنَّمَا عَرَضُوا عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالهمْ مَا يَسْتَعِين بِهِ عَلَى بِنَاء السَّدّ , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } وَلَمْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِ جِزْيَة رُءُوسهمْ . وَالْخَرَاج عِنْد الْعَرَب : هُوَ الْغَلَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17590 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا { عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا } 17591 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا .
وَقَوْله : { عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا } يَقُول : قَالُوا لَهُ : هَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا حَتَّى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج حَاجِزًا يَحْجِز بَيْننَا وَبَيْنهمْ , وَيَمْنَعهُمْ مِنْ الْخُرُوج إِلَيْنَا . وَهُوَ السَّدّ .
وَقَوْله : { مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِفْسَاد الَّذِي وَصَفَ اللَّه بِهِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17582 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن أَيُّوب الْخُوزَانِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول فِي قَوْله { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض , لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمئِذٍ يُفْسِدُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَذَكَرَ صِفَة اِتِّبَاع ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَسْبَاب الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , وَذَكَرَ سَبَب بِنَائِهِ لِلرَّدْمِ : 17583 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض مَنْ يَسُوق أَحَادِيث الْأَعَاجِم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , مِمَّنْ قَدْ أَسْلَمَ , مِمَّا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْم ذِي الْقَرْنَيْنِ , أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْل مِصْر اِسْمه مرزبا بْن مردبة الْيُونَانِيّ , مِنْ وَلَد يونن بْن يافث بْن نُوح . 17584 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ ثَوْر بْن يَزِيد , عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان الْكُلَاعِيّ , وَكَانَ خَالِد رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ النَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ : " مَلِك مَسَحَ الْأَرْض مِنْ تَحْتهَا بِالْأَسْبَابِ " قَالَ خَالِد : وَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَجُلًا يَقُول : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ غَفْرًا , أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء , حَتَّى تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَة ؟ فَإِنْ كَانَ رَسُول اللَّه قَالَ ذَلِكَ , فَالْحَقّ مَا قَالَ , وَالْبَاطِل مَا خَالَفَهُ . 17585 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , وَكَانَ لَهُ عِلْم بِالْأَحَادِيثِ الْأَوَّل , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ذُو الْقَرْنَيْنِ رَجُل مِنْ الرُّوم . اِبْن عَجُوز مِنْ عَجَائِزهمْ , لَيْسَ لَهَا وَلَد غَيْره , وَكَانَ اِسْمه الْإِسْكَنْدَر . وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا مِنْ نُحَاس , فَلَمَّا بَلَغَ وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنِّي بَاعِثك إِلَى أُمَم الْأَرْض , وَهِيَ أُمَم مُخْتَلِفَة أَلْسِنَتهمْ , وَهُمْ جَمِيع أَهْل الْأَرْض ; وَمِنْهُمْ أُمَّتَانِ بَيْنهمَا طُول الْأَرْض كُلّه , وَمِنْهُمْ أُمَّتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض كُلّه , وَأُمَم فِي وَسَط الْأَرْض مِنْهُمْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج . فَأَمَّا الْأُمَّتَانِ اللَّتَانِ بَيْنهمَا طُول الْأَرْض : فَأُمَّة عِنْد مَغْرِب الشَّمْس , يُقَال لَهَا : ناسك . وَأَمَّا الْأُخْرَى : فَعِنْد مَطْلَعهَا يُقَال لَهَا : مَنْسَك . وَأَمَّا اللَّتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض , فَأُمَّة فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْمَن , يُقَال لَهَا : هاويل . وَأَمَّا الْأُخْرَى الَّتِي فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْسَر , فَأُمَّة يُقَال لَهَا : تاويل ; فَلَمَّا قَالَ اللَّه لَهُ ذَلِكَ , قَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ : إِلَهِي إِنَّك قَدْ نَدَبْتنِي لِأَمْرٍ عَظِيم لَا يُقَدِّر قَدْره إِلَّا أَنْتَ , فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْأُمَم الَّتِي بَعَثْتنِي إِلَيْهَا , بِأَيِّ قُوَّة أُكَابِرهُمْ , وَبِأَيِّ جَمْع أُكَاثِرُهُمْ , وَبِأَيِّ حِيلَة أُكَايِدهُمْ , وَبِأَيِّ صَبْر أُقَاسِيهِمْ , وَبِأَيِّ لِسَان أُنَاطِقُهُمْ , وَكَيْف لِي بِأَنْ أَفْقَه لُغَاتهمْ , وَبِأَيِّ سَمْع أَعِي قَوْلهمْ , وَبِأَيِّ بَصَر أَنْفُذهُمْ , وَبِأَيِّ حُجَّة أُخَاصِمهُمْ , وَبِأَيِّ قَلْب أَعْقِل عَنْهُمْ , وَبِأَيِّ حِكْمَة أُدَبِّر أَمْرهمْ , وَبِأَيِّ قِسْط أَعْدِل بَيْنهمْ , وَبِأَيِّ حِلْم أُصَابِرهُمْ , وَبِأَيِّ مَعْرِفَة أَفْصِل بَيْنهمْ , وَبِأَيِّ عِلْم أُتْقِن أُمُورهمْ , وَبِأَيِّ يَد أَسْطُو عَلَيْهِمْ , وَبِأَيِّ رِجْل أَطَؤُهُمْ , وَبِأَيِّ طَاقَة أَخْصَمهمْ , وَبِأَيِّ جُنْد أُقَاتِلهُمْ , وَبِأَيِّ رِفْق أَسْتَأْلِفُهُمْ , فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي يَا إِلَهِي شَيْء مِمَّا ذَكَرْت يَقُوم لَهُمْ , وَلَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ وَلَا يُطِيقُهُمْ , وَأَنْتَ الرَّبّ الرَّحِيم , الَّذِي لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا , وَلَا يُحَمِّلهَا إِلَّا طَاقَتهَا , وَلَا يُعَنِّتهَا وَلَا يَفْدَحهَا , بَلْ أَنْتَ تَرْأَفهَا وَتَرْحَمهَا . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي سَأُطَوِّقُك مَا حَمَّلْتُك , أَشْرَح لَك صَدْرك , فَيَسَع كُلّ شَيْء وَأَشْرَح لَك فَهْمك فَتَفْقَه كُلّ شَيْء , وَأَبْسُط لَك لِسَانك , فَتَنْطِق بِكُلِّ شَيْء , وَأَفْتَح لَك سَمْعك فَتَعِي كُلّ شَيْء , وَأَمُدّ لَك بَصَرك , فَتَنْفُذ كُلّ شَيْء , وَأُدَبِّر لَك أَمْرك فَتُتْقِن كُلّ شَيْء , وَأُحْصِي لَك فَلَا يَفُوتك شَيْء , وَأَحْفَظ عَلَيْك فَلَا يَعْزُب عَنْك شَيْء , وَأَشُدّ لَك ظَهْرك , فَلَا يَهُدّك شَيْء , وَأَشُدّ لَك رُكْنك فَلَا يَغْلِبك شَيْء , وَأَشُدّ لَك قَلْبك فَلَا يُرَوِّعك شَيْء , وَأُسَخِّر لَك النُّور وَالظُّلْمَة , فَأَجْعَلهُمَا جُنْدًا مِنْ جُنُودك , يَهْدِيك النُّور أَمَامك , وَتَحُوطك الظُّلْمَة مِنْ وَرَائِك , وَأَشُدّ لَك عَقْلك فَلَا يَهُولك شَيْء , وَأَبْسُط لَك مِنْ بَيْن يَدَيْك , فَتَسْطُو فَوْق كُلّ شَيْء , وَأَشُدّ لَك وَطْأَتك , فَتَهُدّ كُلّ شَيْء , وَأُلْبِسك الْهَيْبَة فَلَا يَرُومُك شَيْء . وَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ , اِنْطَلَقَ يَؤُمّ الْأُمَّة الَّتِي عِنْد مَغْرِب الشَّمْس , فَلَمَّا بَلَغَهُمْ , وَجَدَ جَمْعًا وَعَدَدًا لَا يُحْصِيه إِلَّا اللَّه , وَقُوَّة وَبَأْسًا لَا يُطِيقهُ إِلَّا اللَّه , وَأَلْسِنَة مُخْتَلِفَة وَأَهْوَاء مُتَشَتِّتَة , وَقُلُوبًا مُتَفَرِّقَة ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كَاثَرَهُمْ بِالظُّلْمَةِ , فَضَرَبَ حَوْلهمْ ثَلَاثَة عَسَاكِر مِنْهَا , فَأَحَاطَتْهُمْ مِنْ كُلّ مَكَان , وَحَاشَتْهُمْ حَتَّى جَمَعَتْهُمْ فِي مَكَان وَاحِد , ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالنُّورِ , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه وَإِلَى عِبَادَته , فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ لَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ , فَعَمَدَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا عَنْهُ , فَأَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الظُّلْمَة . فَدَخَلَتْ فِي أَفْوَاههمْ وَأُنُوفهمْ وَآذَانهمْ وَأَجْوَافهمْ , وَدَخَلَتْ فِي بُيُوتهمْ وَدُورهمْ , وَغَشِيَتْهُمْ مِنْ فَوْقهمْ , وَمِنْ تَحْتهمْ وَمِنْ كُلّ جَانِب مِنْهُمْ , فَمَاجُوا فِيهَا وَتَحَيَّرُوا ; فَلَمَّا أَشْفَقُوا أَنْ يَهْلَكُوا فِيهَا عَجُّوا إِلَيْهِ بِصَوْتٍ وَاحِد , فَكَشَفَهَا عَنْهُمْ وَأَخَذَهُمْ عَنْوَة , فَدَخَلُوا فِي دَعْوَته , فَجُنْد مِنْ أَهْل الْمَغْرِب أُمَمًا عَظِيمَة , فَجَعَلَهُمْ جُنْدًا وَاحِدًا , ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ يَقُودهُمْ , وَالظُّلْمَة تَسُوقهُمْ مِنْ خَلْفهمْ وَتَحْرُسهُمْ مِنْ حَوْلهمْ , وَالنُّور أَمَامهمْ يَقُودهُمْ وَيَدُلّهُمْ , وَهُوَ يَسِير فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُمْنَى , وَهُوَ يُرِيد الْأُمَّة الَّتِي فِي قُطْر الْأَرْض الْأَيْمَن الَّتِي يُقَال لَهَا هاويل , وَسَخَّرَ اللَّه لَهُ يَده وَقَلْبه وَرَأْيه وَعَقْله وَنَظَره وَائْتِمَاره , فَلَا يُخْطِئ إِذَا اِئْتَمَرَ , وَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَتْقَنَهُ . فَانْطَلَقَ يَقُود تِلْكَ الْأُمَم وَهِيَ تَتْبَعهُ , فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى بَحْر أَوْ مَخَاضَة بَنَى سُفُنًا مِنْ أَلْوَاح صِغَار أَمْثَال النِّعَال , فَنَظَّمَهَا فِي سَاعَة , ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا جَمِيع مَنْ مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْأُمَم وَتَلِك الْجُنُود , فَإِذَا قَطَعَ الْأَنْهَار وَالْبِحَار فَتَقَهَا , ثُمَّ دَفَعَ إِلَى كُلّ إِنْسَان لَوْحًا فَلَا يَكْرُثهُ حَمْله , فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ دَأْبه حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى هاويل , فَعَمِلَ فِيهَا كَعَمَلِهِ فِي ناسك . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا مَضَى عَلَى وَجْهه فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُمْنَى حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَنْسَك عِنْد مَطْلَع الشَّمْس , فَعَمِلَ فِيهَا وَجَنَّدَ مِنْهَا جُنُودًا , كَفِعْلِهِ فِي الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلهَا , ثُمَّ كَرَّ مُقْبِلًا فِي نَاحِيَة الْأَرْض الْيُسْرَى , وَهُوَ يُرِيد تَأْوِيل وَهِيَ الْأُمَّة الَّتِي بِحِيَالِ هاويل , وَهُمَا مُتَقَابِلَتَانِ بَيْنهمَا عَرْض الْأَرْض كُلّه ; فَلَمَّا بَلَغَهَا عَمِلَ فِيهَا , وَجَنَّدَ مِنْهَا كَفِعْلِهِ فِيمَا قَبْلهَا ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا عَطَفَ مِنْهَا إِلَى الْأُمَم الَّتِي وَسَط الْأَرْض مِنْ الْجِنّ وَسَائِر النَّاس , وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج ; فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض الطَّرِيق مَا يَلِي مُنْقَطِع التَّرْك نَحْو الْمَشْرِق , قَالَتْ لَهُ أُمَّة مِنْ الْإِنْس صَالِحَة : يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , إِنَّ بَيْن هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ خَلْقًا مِنْ خَلْق اللَّه , وَكَثِير مِنْهُمْ مُشَابِه لِلْإِنْسِ , وَهُمْ أَشْبَاه الْبَهَائِم , يَأْكُلُونَ الْعُشْب , وَيَفْتَرِسُونَ الدَّوَابّ وَالْوُحُوش كَمَا تَفْتَرِسهَا السِّبَاع , وَيَأْكُلُونَ خَشَاش الْأَرْض كُلّهَا مِنْ الْحَيَّات وَالْعَقَارِب , وَكُلّ ذِي رُوح مَا خَلْق اللَّه فِي الْأَرْض , وَلَيْسَ لِلَّهِ خَلْق يَنْمُو نَمَاءَهُمْ فِي الْعَام الْوَاحِد , وَلَا يَزْدَاد كَزِيَادَتِهِمْ , وَلَا يَكْثُر كَكَثْرَتِهِمْ , فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّة عَلَى مَا نَرَى مِنْ نَمَائِهِمْ وَزِيَادَتهمْ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ سَيَمْلَئُونَ الْأَرْض , وَيُجْلُونَ أَهْلهَا عَنْهَا وَيَظْهَرُونَ عَلَيْهَا فَيُفْسِدُونَ فِيهَا , وَلَيْسَتْ تَمْر بِنَا سَنَة مُنْذُ جَاوَرْنَاهُمْ إِلَّا وَنَحْنُ نَتَوَقَّعُهُمْ , وَنَنْتَظِر أَنْ يَطْلُع عَلَيْنَا أَوَائِلهمْ مِنْ بَيْن هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } أَعِدُّوا إِلَيَّ الصُّخُور وَالْحَدِيد وَالنُّحَاس حَتَّى أَرْتَاد بِلَادهمْ , وَأَعْلَم عِلْمهمْ , وَأَقِيس مَا بَيْن جَبَلَيْهِمْ . ثُمَّ اِنْطَلَقَ يَؤُمّهُمْ حَتَّى دَفَعَ إِلَيْهِمْ وَتَوَسَّطَ بِلَادهمْ , فَوَجَدَهُمْ عَلَى مِقْدَار وَاحِد , ذَكَرهمْ وَأُنْثَاهُمْ , مَبْلَغ طُول الْوَاحِد مِنْهُمْ مِثْل نِصْف الرَّجُل الْمَرْبُوع مِنَّا , لَهُمْ مَخَالِب فِي مَوْضِع الْأَظْفَار مِنْ أَيْدِينَا , وَأَضْرَاس وَأَنْيَاب كَأَضْرَاسِ السِّبَاع وَأَنْيَابهَا , وَأَحْنَاك كَأَحْنَاك الْإِبِل قُوَّة تَسْمَع لَهَا حَرَكَة إِذَا أَكَلُوا كَحَرَكَةِ الْجَرَّة مِنْ الْإِبِل , أَوْ كَقَضْمِ الْفَحْل الْمُسِنّ , أَوْ الْفَرَس الْقَوِيّ , وَهُمْ هُلْب , عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّعْر فِي أَجْسَادهمْ مَا يُوَارِيهِمْ , وَمَا يَتَّقُونَ بِهِ الْحَرّ وَالْبَرْد إِذَا أَصَابَهُمْ ; وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ أُذُنَانِ عَظِيمَتَانِ : إِحْدَاهُمَا وَبَرَة ظَهْرهَا وَبَطْنهَا , وَالْأُخْرَى زَغَبَة ظَهْرهَا وَبَطْنهَا , تَسَعَانِهِ إِذَا لَبِسَهُمَا , يَلْتَحِف إِحْدَاهُمَا , وَيَفْتَرِش الْأُخْرَى , وَيُصَيِّف فِي إِحْدَاهُمَا , وَيُشَتِّي فِي الْأُخْرَى , وَلَيْسَ مِنْهُمْ ذِكْر وَلَا أُنْثَى إِلَّا وَقَدْ عَرَفَ أَجَله الَّذِي يَمُوت فِيهِ , وَمُنْقَطَع عُمْره , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمُوت مَيِّت مِنْ ذُكُورهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ صُلْبه أَلْف وَلَد , وَلَا تَمُوت الْأُنْثَى حَتَّى يَخْرُج مِنْ رَحِمهَا أَلْف وَلَد , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ , وَهُمْ يُرْزَقُونَ التِّنِّين أَيَّام الرَّبِيع , وَيَسْتَمْطِرُونَه إِذَا تَحَيَّنُوهُ كَمَا نَسْتَمْطِرُ الْغَيْث لِحِينِهِ , فَيَقْذِفُونَ مِنْهُ كُلّ سَنَة بِوَاحِدٍ , فَيَأْكُلُونَهُ عَامهمْ كُلّه إِلَى مِثْله مِنْ الْعَام الْقَابِل , فَيُغْنِيهِمْ عَلَى كَثْرَتهمْ وَنَمَائِهِمْ , فَإِذَا أُمْطِرُوا وَأَخْصَبُوا وَعَاشُوا وَسَمِنُوا , وَرُئِيَ أَثَره عَلَيْهِمْ , فَدَرَّتْ عَلَيْهِمْ الْإِنَاث , وَشَبِقَتْ مِنْهُمْ الرِّجَال الذُّكُور , وَإِذَا أَخْطَأَهُمْ هَزَلُوا وَأَجْدَبُوا , وَجَفَرَتْ الذُّكُور , وَحَالَتْ الْإِنَاث , وَتَبَيَّنَ أَثَر ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَهُمْ يَتَدَاعَوْنَ تَدَاعِي الْحَمَام , وَيَعْوُونَ عُوَاء الْكِلَاب , وَيَتَسَافَدُونَ حَيْثُ اِلْتَقَوْا تَسَافُد الْبَهَائِم . فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ اِنْصَرَفَ إِلَى مَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ , فَقَاسَ مَا بَيْنهمَا وَهُوَ فِي مُنْقَطَع أَرْض التُّرْك مَا يَلِي مَشْرِق الشَّمْس , فَوَجَدَ بَعْد مَا بَيْنهمَا مِائَة فَرْسَخ ; فَلَمَّا أَنْشَأَ فِي عَمَله , حَفَرَ لَهُ أَسَاسًا حَتَّى بَلَغَ الْمَاء , ثُمَّ جَعَلَ عَرْضه خَمْسِينَ فَرْسَخًا , وَجَعَلَ حَشْوه الصُّخُور , وَطِينه النُّحَاس , يُذَاب ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِ , فَصَارَ كَأَنَّهُ عِرْق مِنْ جَبَل تَحْت الْأَرْض , ثُمَّ عَلَاهُ وَشَرَّفَهُ بِزُبَرِ الْحَدِيد وَالنُّحَاس الْمُذَاب , وَجَعَلَ خِلَاله عِرْقًا مِنْ نُحَاس أَصْفَر , فَصَارَ كَأَنَّهُ بُرْد مُحَبَّر مِنْ صُفْرَة النُّحَاس وَحُمْرَته وَسَوَاد الْحَدِيد ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ وَأَحْكَمَهُ . اِنْطَلَقَ عَامِدًا إِلَى جَمَاعَة الْإِنْس وَالْجِنّ ; فَبَيْنَا هُوَ يَسِير , دُفِعَ إِلَى أُمَّة صَالِحَة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ , فَوَجَدَ أُمَّة مُقْسِطَة مُقْتَصِدَة , يَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ , وَيَحْكُمُونَ بِالْعَدْلِ , وَيَتَآسَوْنَ وَيَتَرَاحَمُونَ , حَالهمْ وَاحِدَة , وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة , وَأَخْلَاقهمْ مُشْتَبِهَة , وَطَرِيقَتهمْ مُسْتَقِيمَة , وَقُلُوبهمْ مُتَأَلِّفَة , وَسِيرَتهمْ حَسَنَة , وَقُبُورهمْ بِأَبْوَابِ بُيُوتهمْ , وَلَيْسَ عَلَى بُيُوتهمْ أَبْوَاب , وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أُمَرَاء , وَلَيْسَ بَيْنهمْ قُضَاة , وَلَيْسَ بَيْنهمْ أَغْنِيَاء , وَلَا مُلُوك , وَلَا أَشْرَاف , وَلَا يَتَفَاوَتُونَ , وَلَا يَتَفَاضَلُونَ , وَلَا يَخْتَلِفُونَ , وَلَا يَتَنَازَعُونَ , وَلَا يَسْتَبُّونَ , وَلَا يَقْتَتِلُونَ , وَلَا يَقْحَطُونَ , وَلَا يَحْرِدُونَ , وَلَا تُصِيبهُمْ الْآفَات الَّتِي تُصِيب النَّاس , وَهُمْ أَطْوَل النَّاس أَعْمَارًا , وَلَيْسَ فِيهِمْ مِسْكِين , وَلَا فَقِير , وَلَا فَظّ , وَلَا غَلِيظ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ أَمْرهمْ , عَجِبَ مِنْهُ ! وَقَالَ : أَخْبِرُونِي , أَيّهَا الْقَوْم خَبَركُمْ , فَإِنِّي قَدْ أَحْصَيْت الْأَرْض كُلّهَا بَرّهَا وَبَحْرهَا , وَشَرْقهَا وَغَرْبهَا , وَنُورهَا وَظُلْمَتهَا , فَلَمْ أَجِد مِثْلكُمْ , فَأَخْبِرُونِي خَبَركُمْ ; قَالُوا : نَعَمْ , فَسَلْنَا عَمَّا تُرِيد , قَالَ : أَخْبِرُونِي , مَا بَال قُبُور مَوْتَاكُمْ عَلَى أَبْوَاب بُيُوتكُمْ ؟ قَالُوا : عَمْدًا فَعَلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا نَنْسَى الْمَوْت , وَلَا يَخْرُج ذِكْره مِنْ قُلُوبنَا ; قَالَ : فَمَا بَال بُيُوتكُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا أَبْوَاب ؟ قَالُوا : لَيْسَ فِينَا مُتَّهَم , وَلَيْسَ مِنَّا إِلَّا أَمِين مُؤْتَمَن ; قَالَ : فَمَا لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء ؟ قَالُوا : لَا نَتَظَالَم ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ حُكَّام ؟ قَالُوا : لَا نَخْتَصِم ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ أَغْنِيَاء ؟ قَالُوا : لَا نَتَكَاثَر ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ مُلُوك ؟ قَالُوا : لَا نَتَكَابَر ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَتَنَازَعُونَ وَلَا تَخْتَلِفُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أُلْفَة قُلُوبنَا وَصَلَاح ذَات بَيْننَا ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَسْتَبُّونَ . وَلَا تَقْتَتِلُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَا غَلَبْنَا طَبَائِعنَا بِالْعَزْمِ , وَسُسْنَا أَنْفُسنَا بِالْأَحْلَامِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ كَلِمَتكُمْ وَاحِدَة , وَطَرِيقَتكُمْ مُسْتَقِيمَة مُسْتَوِيَة ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا لَا نَتَكَاذَب , وَلَا نَتَخَادَع , وَلَا يَنْتَاب بَعْضنَا بَعْضًا ; قَالَ : فَأَخْبِرُونِي مِنْ أَيْنَ تَشَابَهَتْ قُلُوبكُمْ , وَاعْتَدَلَتْ سِيرَتكُمْ ؟ قَالُوا : صَحَّتْ صُدُورنَا , فَنُزِعَ بِذَلِكَ الْغِلّ وَالْحَسَد مِنْ قُلُوبنَا ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ مِسْكِين وَلَا فَقِير ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا نَقْتَسِم بِالسَّوِيَّةِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ فَظّ وَلَا غَلِيظ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل الذُّلّ وَالتَّوَاضُع ; قَالَ : فَمَا جَعَلَكُمْ أَطْوَل النَّاس أَعْمَارًا ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا نَتَعَاطَى الْحَقّ وَنَحْكُم بِالْعَدْلِ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَقْحَطُونَ ؟ قَالُوا : لَا نَغْفُل عَنْ الِاسْتِغْفَار ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تَحْرِدُونَ ؟ قَالُوا : مِنْ قِبَل أَنَّا وَطَّأْنَا أَنْفُسنَا لِلْبَلَاءِ مُنْذُ كُنَّا , وَأَحْبَبْنَاهُ وَحَرَصْنَا عَلَيْهِ , فَعَرِينَا مِنْهُ ; قَالَ : فَمَا بَالكُمْ لَا تُصِيبكُمْ الْآفَات كَمَا تُصِيب النَّاس ؟ قَالُوا : لَا نَتَوَكَّل عَلَى غَيْر اللَّه , وَلَا نَعْمَل بِالْأَنْوَاءِ وَالنُّجُوم ; قَالَ : حَدَّثُونِي أَهَكَذَا وَجَدْتُمْ آبَاءَكُمْ يَفْعَلُونَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا يَرْحَمُونَ مَسَاكِينهمْ , وَيُوَاسُونَ فُقَرَاءَهُمْ , وَيَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ , وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ , وَيَحْلُمُونَ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ , وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ سَبَّهُمْ , وَيَصِلُونَ أَرْحَامهمْ , وَيُؤَدُّونَ أَمَانَاتهمْ , وَيَحْفَظُونَ وَقْتهمْ لِصَلَاتِهِمْ , وَيُوفُونَ بِعُهُودِهِمْ , وَيَصْدُقُونَ فِي مَوَاعِيدهمْ , وَلَا يَرْغَبُونَ عَنْ أَكْفَائِهِمْ , وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أَقَارِبهمْ , فَأَصْلَحَ اللَّه لَهُمْ بِذَلِكَ أَمْرهمْ , وَحَفِظَهُمْ مَا كَانُوا أَحْيَاء , وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّه أَنْ يَحْفَظهُمْ فِي تَرِكَتهمْ . 17586 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي رَافِع , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يَحْفِرُونَ السَّدّ كُلّ يَوْم , حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَتَحْفِرُونَهُ غَدًا , فَيُعِيدهُ اللَّه وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم تَرَكُوهُ , حَتَّى إِذَا جَاءَ الْوَقْت قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه , فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس , فَيُنْشِفُونَ الْمِيَاه , وَيَتَحَصَّن النَّاس فِي حُصُونهمْ , فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاء , فَيَرْجِع فِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاء , فَيَقُولُونَ : قَهَرْنَا أَهْل الْأَرْض , وَعَلَوْنَا أَهْل السَّمَاء , فَيَبْعَث اللَّه عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَتَقْتُلهُمْ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابّ الْأَرْض لَتَسْمَن وَتَشْكُر مِنْ لُحُومهمْ " . 17587 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ الظَّفَرِيّ , عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد أَخِي بَنِي عَبْد الْأَشْهَل , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يُفْتَح يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ } 21 96 فَيَغْشَوْنَ الْأَرْض , وَيَنْحَاز الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ إِلَى مَدَائِنهمْ وَحُصُونهمْ , وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِمْ مَوَاشِيهمْ , فَيَشْرَبُونَ مِيَاه الْأَرْض , حَتَّى إِنَّ بَعْضهمْ لِيَمُرّ بِالنَّهَرِ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهِ , حَتَّى يَتْرُكُوهُ يَابِسًا , حَتَّى إِنَّ مَنْ بَعْدهمْ لَيَمُرّ بِذَلِكَ النَّهَر , فَيَقُول : لَقَدْ كَانَ هَا هُنَا مَاء مَرَّة , حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ النَّاس أَحَد إِلَّا اِنْحَازَ إِلَى حِصْن أَوْ مَدِينَة , قَالَ قَائِلهمْ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْأَرْض قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ , بَقِيَ أَهْل السَّمَاء , قَالَ : ثُمَّ يَهُزّ أَحَدهمْ حَرْبَته , ثُمَّ يَرْمِي بِهَا إِلَى السَّمَاء , فَتَرْجِع إِلَيْهِ مُخَضَّبَة دَمًا لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَة . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ دُودًا فِي أَعْنَاقهمْ كَالنَّغَفِ , فَتَخْرُج فِي أَعْنَاقهمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتَى , لَا يُسْمَع لَهُمْ حِسّ , فَيَقُول الْمُسْلِمُونَ : أَلَا رَجُل يَشْرِي لَنَا نَفْسه , فَيَنْظُر مَا فَعَلَ الْعَدُوّ , قَالَ : فَيَتَجَرَّد رَجُل مِنْهُمْ لِذَلِكَ مُحْتَسِبًا لِنَفْسِهِ , قَدْ وَطَّنَهَا عَلَى أَنَّهُ مَقْتُول , فَيَنْزِل فَيَجِدهُمْ مَوْتَى , بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , فَيُنَادِي : يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ , أَلَا أَبْشِرُوا , فَإِنَّ اللَّه قَدْ كَفَاكُمْ عَدُوّكُمْ , فَيَخْرُجُونَ مِنْ مَدَائِنهمْ وَحُصُونهمْ , وَيُسَرِّحُونَ مَوَاشِيهمْ , فَمَا يَكُون لَهَا رَعْي إِلَّا لُحُومهمْ , فَتَشْكُر عَنْهُمْ أَحْسَن مَا شَكَرَتْ عَنْ شَيْء مِنْ النَّبَات أَصَابَتْ قَطُّ " . 17588 - حَدَّثَنِي بَحْر بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة وَشُرَيْح بْن عُبَيْد : أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج ثَلَاثَة أَصْنَاف : صِنْف طُولهمْ كَطُولِ الْأَرُزّ , وَصِنْف طُوله وَعَرْضه سَوَاء , وَصِنْف يَفْتَرِش أَحَدهمْ أُذُنه وَيَلْتَحِف بِالْأُخْرَى فَتُغَطِّي سَائِر جَسَده . 17589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَى أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : كَانَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ يَقُول : إِنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَمُوت رَجُل مِنْهُمْ حَتَّى يُولَد لِصُلْبِهِ أَلْف رَجُل " قَالَ : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَعْجَب مِنْ كَثْرَتهمْ وَيَقُول : لَا يَمُوت مِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَحَد حَتَّى يُولَد لَهُ أَلْف رَجُل مِنْ صُلْبه . فَالْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي قِصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج , يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِذِي الْقَرْنَيْنِ { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } إِنَّمَا أَعْلَمُوهُ خَوْفهمْ مَا يَحْدُث مِنْهُمْ مِنْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض , لَا أَنَّهُمْ شَكَوْا مِنْهُمْ فَسَادًا كَانَ مِنْهُمْ فِيهِمْ أَوْ فِي غَيْرهمْ , وَالْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُ مِنْهُمْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض , وَلَا دَلَالَة فِيهَا أَنَّهُمْ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ قَبْل إِحْدَاث ذِي الْقَرْنَيْنِ السَّدّ الَّذِي أَحْدَثَهُ بَيْنهمْ وَبَيْن مِنْ دُونهمْ مِنْ النَّاس فِي النَّاس غَيْرهمْ إِفْسَاد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِاَلَّذِي بَيَّنَّا , فَالصَّحِيح مِنْ تَأْوِيل قَوْله { إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض .
وَقَوْله { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرْجًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَجَا } كَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِهِ نَحْو الْمَصْدَر مِنْ خَرْج الرَّأْس . وَذَلِكَ جَعْله . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " بِالْأَلِفِ , وَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِهِ نَحْو الِاسْم , وَعَنَوْا بِهِ أُجْرَة عَلَى بِنَائِك لَنَا سَدًّا بَيْننَا وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " بِالْأَلِفِ , لِأَنَّ الْقَوْم فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمَا , إِنَّمَا عَرَضُوا عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالهمْ مَا يَسْتَعِين بِهِ عَلَى بِنَاء السَّدّ , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } وَلَمْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِ جِزْيَة رُءُوسهمْ . وَالْخَرَاج عِنْد الْعَرَب : هُوَ الْغَلَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17590 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا { عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا } 17591 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " فَهَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا " قَالَ : أَجْرًا .
وَقَوْله : { عَلَى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْنهمْ سَدًّا } يَقُول : قَالُوا لَهُ : هَلْ نَجْعَل لَك خَرَاجًا حَتَّى أَنْ تَجْعَل بَيْننَا وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج حَاجِزًا يَحْجِز بَيْننَا وَبَيْنهمْ , وَيَمْنَعهُمْ مِنْ الْخُرُوج إِلَيْنَا . وَهُوَ السَّدّ .
قَالَ مَا مَكَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیۡرࣱ فَأَعِینُونِی بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُمۡ رَدۡمًا ﴿٩٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } يَقُولهُ تَعَالَى ذِكْره : قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : الَّذِي مَكَّنَنِي فِي عَمَل مَا سَأَلْتُمُونِي مِنْ السَّدّ بَيْنكُمْ وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم رَبِّي وَوَطَّأَهُ لِي , وَقَوَّانِي عَلَيْهِ , خَيْر مِنْ جَعْلكُمْ , وَالْأُجْرَة الَّتِي تَعْرِضُونَهَا عَلَيَّ لِبِنَاءِ ذَلِكَ , وَأَكْثَر وَأَطْيَب , وَلَكِنْ أَعِينُونِي مِنْكُمْ بِقُوَّةٍ , أَعِينُونِي بِفَعَلَةٍ وَصُنَّاع يُحْسِنُونَ الْبِنَاء وَالْعَمَل . كَمَا : 17592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } قَالَ : بِرِجَالٍ { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } وَقَالَ مَا مَكَّنِّي , فَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى , وَإِنَّمَا هُوَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ . وَقَوْله : { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } يَقُول : أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج رَدْمًا . وَالرَّدْم : حَاجِز الْحَائِط وَالسَّدّ , إِلَّا أَنَّهُ أَمْنَع مِنْهُ وَأَشَدّ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ رَدَمَ فُلَان مَوْضِع كَذَا يَرْدِمهُ رَدْمًا وَرُدَامًا وَيُقَال أَيْضًا : رَدَّمَ ثَوْبه يُرَدِّمهُ , وَهُوَ ثَوْب مُرَدَّم : إِذَا كَانَ كَثِير الرِّقَاع ; وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاء مِنْ مُتَرَدَّم أَمْ هَلْ عَرَفْت الدَّار بَعْد تَوَهُّم وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17593 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } قَالَ : هُوَ كَأَشَدّ الْحِجَاب . 17594 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه قَدْ رَأَيْت سَدَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , قَالَ : " اِنْعَتْهُ لِي " , قَالَ : كَأَنَّهُ الْبُرْد الْمُحَبَّر , طَرِيقَة سَوْدَاء , وَطَرِيقَة حَمْرَاء , قَالَ : " قَدْ رَأَيْته " .
ءَاتُونِی زُبَرَ ٱلۡحَدِیدِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا سَاوَىٰ بَیۡنَ ٱلصَّدَفَیۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارࣰا قَالَ ءَاتُونِیۤ أُفۡرِغۡ عَلَیۡهِ قِطۡرࣰا ﴿٩٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } يَقُول عَزَّ ذِكْره : قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ لِلَّذِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَل بَيْنهمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج سَدًّا { آتُونِي } أَيْ جِيئُونِي بِزُبَرِ الْحَدِيد , وَهِيَ جَمْع زُبْرَة , وَالزُّبْرَة : الْقِطْعَة مِنْ الْحَدِيد . كَمَا : 17595 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { زُبَر الْحَدِيد } يَقُول : قِطَع الْحَدِيد . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } قَالَ : قِطَع الْحَدِيد . 17596 - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن سَيْف , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَوْله : { زُبَر الْحَدِيد } قَالَ : قِطَع الْحَدِيد . 17597 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } قَالَ : قِطَع الْحَدِيد . 17598 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } : أَيْ فَلَق الْحَدِيد . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } قَالَ : قِطَع الْحَدِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { آتُونِي زُبَر الْحَدِيد } قَالَ : قِطَع الْحَدِيد .
وَقَوْله : { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَآتَوْهُ زُبَر الْحَدِيد , فَجَعَلَهَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الْجَبَلَيْنِ بِمَا جَعَلَ بَيْنهمَا مِنْ زُبَر الْحَدِيد , وَيُقَال : سَوَّى . وَالصَّدَفَانِ : مَا بَيْن نَاحِيَتِي الْجَبَلَيْنِ وَرُءُوسهمَا ; وَمِنْهُ قَوْله الرَّاجِز : قَدْ أَخَذَتْ مَا بَيْن عَرْض الصُّدُفَيْنِ نَاحِيَتَيْهَا وَأَعَالِي الرُّكْنَيْنِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17599 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَقُول : بَيْن الْجَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السَّدَّيْنِ } قَالَ : هُوَ سَدّ كَانَ بَيْن صَدَفَيْنِ , وَالصَّدَفَانِ : الْجَبَلَانِ . 17600 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الصَّدَفَيْنِ } رُءُوس الْجَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17601 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَعْنِي الْجَبَلَيْنِ , وَهُمَا مِنْ قِبَل أَرْمِينِيَّة وَأَذْرَبِيجَان . 17602 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الصَّدَفَيْنِ } وَهُمَا الْجَبَلَانِ . 17603 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَرَأَهَا : { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } مَنْصُوبَة الصَّاد وَالدَّال , وَقَالَ : بَيْن الْجَبَلَيْنِ . وَلِلْعَرَبِ فِي الصَّدَفَيْنِ : لُغَات ثَلَاث , وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهَا جَمَاعَة مِنْ الْقُرَّاء : الْفَتْح فِي الصَّاد وَالدَّال , وَذَلِكَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة . وَالضَّمّ فِيهِمَا , وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْبَصْرَة . وَالضَّمّ فِي الصَّاد وَتَسْكِين الدَّال , وَذَلِكَ قِرَاءَة بَعْض أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة . وَالْفَتْح فِي الصَّاد وَالدَّال أَشْهَر هَذِهِ اللُّغَات , وَالْقِرَاءَة بِهَا أَعْجَب إِلَيَّ , وَإِنْ كُنْت مُسْتَجِيزًا الْقِرَاءَة بِجَمِيعِهَا , لِاتِّفَاقِ مَعَانِيهَا . وَإِنَّمَا اِخْتَرْت الْفَتْح فِيهِمَا لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَّة .
وَقَوْله : { قَالَ اُنْفُخُوا } يَقُول عَزَّ ذِكْره , قَالَ لِلْفَعَلَةِ : اُنْفُخُوا النَّار عَلَى هَذِهِ الزُّبُر مِنْ الْحَدِيد . وَقَوْله : { حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا } وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك , وَهُوَ فَنَفَخُوا , حَتَّى إِذَا جَعَلَ مَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ مِنْ الْحَدِيد نَارًا { قَالَ آتُونِي أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } فَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة , وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { قَالَ آتُونِي } بِمَدِّ الْأَلِف مِنْ { آتُونِي } بِمَعْنَى : أَعْطُونِي قِطْرًا أُفْرِغ عَلَيْهِ . وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة , قَالَ : " اِئْتُونِي " بِوَصْلِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : جِيئُونِي قِطْرًا أُفْرِغ عَلَيْهِ , كَمَا عَلَيْهِ : أَخَذْت الْخِطَام , وَأَخَذْت بِالْخِطَامِ , وَجِئْتُك زَيْدًا , وَجِئْتُك بِزَيْدٍ . وَقَدْ يَتَوَجَّه مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَى مَعْنَى أَعْطُونِي , فَيَكُون كَأَنَّ قَارِئَهُ أَرَادَ مَدَّ الْأَلِف مِنْ آتُونِي , فَتَرَكَ الْهَمْزَة الْأُولَى مِنْ آتُونِي , وَإِذَا سَقَطَتْ الْأُولَى هَمَزَ الثَّانِيَة .
وَقَوْله : { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } يَقُول : أَصُبّ عَلَيْهِ قِطْرًا , وَالْقِطْر : النُّحَاس . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17604 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } قَالَ : الْقِطْر : النُّحَاس . 17605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 17606 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } : يَعْنِي النُّحَاس . 17607 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } أَيْ النُّحَاس لِيَلْزَمهُ بِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } قَالَ : نُحَاسًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : الْقِطْر : الْحَدِيد الْمُذَاب , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : حُسَامًا كَلَوْنِ الْمِلْح صَافٍ حَدِيده جَزَّارًا مِنْ أَقْطَار الْحَدِيد الْمُنَعَّتِ
وَقَوْله : { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَآتَوْهُ زُبَر الْحَدِيد , فَجَعَلَهَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الْجَبَلَيْنِ بِمَا جَعَلَ بَيْنهمَا مِنْ زُبَر الْحَدِيد , وَيُقَال : سَوَّى . وَالصَّدَفَانِ : مَا بَيْن نَاحِيَتِي الْجَبَلَيْنِ وَرُءُوسهمَا ; وَمِنْهُ قَوْله الرَّاجِز : قَدْ أَخَذَتْ مَا بَيْن عَرْض الصُّدُفَيْنِ نَاحِيَتَيْهَا وَأَعَالِي الرُّكْنَيْنِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17599 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَقُول : بَيْن الْجَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْن السَّدَّيْنِ } قَالَ : هُوَ سَدّ كَانَ بَيْن صَدَفَيْنِ , وَالصَّدَفَانِ : الْجَبَلَانِ . 17600 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الصَّدَفَيْنِ } رُءُوس الْجَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17601 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } يَعْنِي الْجَبَلَيْنِ , وَهُمَا مِنْ قِبَل أَرْمِينِيَّة وَأَذْرَبِيجَان . 17602 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْن الصَّدَفَيْنِ } وَهُمَا الْجَبَلَانِ . 17603 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَرَأَهَا : { بَيْن الصَّدَفَيْنِ } مَنْصُوبَة الصَّاد وَالدَّال , وَقَالَ : بَيْن الْجَبَلَيْنِ . وَلِلْعَرَبِ فِي الصَّدَفَيْنِ : لُغَات ثَلَاث , وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهَا جَمَاعَة مِنْ الْقُرَّاء : الْفَتْح فِي الصَّاد وَالدَّال , وَذَلِكَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة . وَالضَّمّ فِيهِمَا , وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْبَصْرَة . وَالضَّمّ فِي الصَّاد وَتَسْكِين الدَّال , وَذَلِكَ قِرَاءَة بَعْض أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة . وَالْفَتْح فِي الصَّاد وَالدَّال أَشْهَر هَذِهِ اللُّغَات , وَالْقِرَاءَة بِهَا أَعْجَب إِلَيَّ , وَإِنْ كُنْت مُسْتَجِيزًا الْقِرَاءَة بِجَمِيعِهَا , لِاتِّفَاقِ مَعَانِيهَا . وَإِنَّمَا اِخْتَرْت الْفَتْح فِيهِمَا لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَّة .
وَقَوْله : { قَالَ اُنْفُخُوا } يَقُول عَزَّ ذِكْره , قَالَ لِلْفَعَلَةِ : اُنْفُخُوا النَّار عَلَى هَذِهِ الزُّبُر مِنْ الْحَدِيد . وَقَوْله : { حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا } وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك , وَهُوَ فَنَفَخُوا , حَتَّى إِذَا جَعَلَ مَا بَيْن الصَّدَفَيْنِ مِنْ الْحَدِيد نَارًا { قَالَ آتُونِي أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } فَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة , وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { قَالَ آتُونِي } بِمَدِّ الْأَلِف مِنْ { آتُونِي } بِمَعْنَى : أَعْطُونِي قِطْرًا أُفْرِغ عَلَيْهِ . وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة , قَالَ : " اِئْتُونِي " بِوَصْلِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : جِيئُونِي قِطْرًا أُفْرِغ عَلَيْهِ , كَمَا عَلَيْهِ : أَخَذْت الْخِطَام , وَأَخَذْت بِالْخِطَامِ , وَجِئْتُك زَيْدًا , وَجِئْتُك بِزَيْدٍ . وَقَدْ يَتَوَجَّه مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَى مَعْنَى أَعْطُونِي , فَيَكُون كَأَنَّ قَارِئَهُ أَرَادَ مَدَّ الْأَلِف مِنْ آتُونِي , فَتَرَكَ الْهَمْزَة الْأُولَى مِنْ آتُونِي , وَإِذَا سَقَطَتْ الْأُولَى هَمَزَ الثَّانِيَة .
وَقَوْله : { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } يَقُول : أَصُبّ عَلَيْهِ قِطْرًا , وَالْقِطْر : النُّحَاس . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17604 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } قَالَ : الْقِطْر : النُّحَاس . 17605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 17606 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } : يَعْنِي النُّحَاس . 17607 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } أَيْ النُّحَاس لِيَلْزَمهُ بِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } قَالَ : نُحَاسًا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : الْقِطْر : الْحَدِيد الْمُذَاب , وَيُسْتَشْهَد لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : حُسَامًا كَلَوْنِ الْمِلْح صَافٍ حَدِيده جَزَّارًا مِنْ أَقْطَار الْحَدِيد الْمُنَعَّتِ
فَمَا ٱسۡطَـٰعُوۤاْ أَن یَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَـٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبࣰا ﴿٩٧﴾
وَقَوْله : { فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَمَا اِسْطَاعَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَنْ يَعْلُوَا الرَّدْم الَّذِي جَعَلَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَاجِزًا بَيْنهمْ , وَبَيْن مِنْ دُونهمْ مِنْ النَّاس , فَيَصِيرُوا فَوْقه وَيَنْزِلُوا مِنْهُ إِلَى النَّاس . يُقَال مِنْهُ : ظَهَرَ فُلَان فَوْق الْبَيْت : إِذَا عَلَاهُ ; وَمِنْهُ قَوْل النَّاس : ظَهَرَ فُلَان عَلَى فُلَان : إِذَا قَهَرَهُ وَعَلَاهُ . { وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } يَقُول : وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْقُبُوهُ مِنْ أَسْفَله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17608 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } مِنْ قَوْله : { وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَا نَقْبًا } : أَيْ مِنْ أَسْفَله . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } قَالَ : مَا اِسْتَطَاعُوا أَنْ يَنْزِعُوهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَمَا اِسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } قَالَ : أَنْ يَرْتَقُوهُ { وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } 17609 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَى حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { فَمَا اِسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } قَالَ : أَنْ يَرْتَقُوهُ { وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { فَمَا اِسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } قَالَ : يَعْلُوهُ { وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } : أَيْ يَنْقُبُوهُ مِنْ أَسْفَله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه حَذْف التَّاء مِنْ قَوْله : { فَمَا اِسْطَاعُوا } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ لُغَة الْعَرَب أَنْ تَقُول : اِسْطَاعَ يَسْطِيع , يُرِيدُونَ بِهَا : اِسْتَطَاعَ يَسْتَطِيع , وَلَكِنْ حَذَفُوا التَّاء إِذَا جُمِعَتْ مَعَ الطَّاء وَمَخْرَجهمَا وَاحِد . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْتَاع , فَحَذَفَ الطَّاء لِذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَسْطَاعَ يَسْطِيع , فَجَعَلَهَا مِنْ الْقَطْع كَأَنَّهَا أَطَاعَ يُطِيع , فَجَعَلَ السِّين عِوَضًا مِنْ إِسْكَان الْوَاو . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : هَذَا حَرْف اُسْتُعْمِلَ فَكَثُرَ حَتَّى حُذِفَ .
قَالَ هَـٰذَا رَحۡمَةࣱ مِّن رَّبِّیۖ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ رَبِّی جَعَلَهُۥ دَكَّاۤءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّی حَقࣰّا ﴿٩٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَلَمَّا رَأَى ذُو الْقَرْنَيْنِ أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَظْهَرُوا مَا بَنَى مِنْ الرَّدْم , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَقْبه , قَالَ : هَذَا الَّذِي بَنَيْته وَسَوَّيْته حَاجِزًا بَيْن هَذِهِ الْأُمَّة , وَمِنْ دُون الرَّدْم رَحْمَة مِنْ رَبِّي رَحِمَ بِهَا مِنْ دُون الرَّدْم مِنْ النَّاس , فَأَعَانَنِي بِرَحْمَتِهِ لَهُمْ حَتَّى بَنَيْته وَسَوَّيْته لِيَكُفّ بِذَلِكَ غَائِلَة هَذِهِ الْأُمَّة عَنْهُمْ .
وَقَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء } يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي الَّذِي جَعَلَهُ مِيقَاتًا لِظُهُورِ هَذِهِ الْأُمَّة وَخُرُوجهَا مِنْ وَرَاء هَذَا الرَّدْم لَهُمْ , جَعَلَهُ دَكَّاء , يَقُول : سَوَّاهُ بِالْأَرْضِ , فَأَلْزَقَهُ بِهَا , مِنْ قَوْلهمْ : نَاقَة دَكَّاء : مُسْتَوِيَة الظَّهْر لَا سَنَام لَهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : جَعَلَهُ مَدْكُوكًا , فَقِيلَ : دَكَّاء . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 17610 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء } قَالَ : لَا أَدْرِي الْجَبَلَيْنِ يَعْنِي بِهِ , أَوْ مَا بَيْنهمَا . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُون كَذَلِكَ بَعْد قَتْل عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام الدَّجَّال . ذُكِرَ الْخَبَر بِذَلِكَ . 17611 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم بْن بَشِير , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ جَبَلَة بْن سُحَيْم , عَنْ مُؤْثِر , وَهُوَ اِبْن عَفَازَة الْعَبْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقِيت لَيْلَة الْإِسْرَاء إِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى فَتَذَاكَرُوا أَمْر السَّاعَة , وَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِبْرَاهِيم : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى مُوسَى , فَقَالَ مُوسَى : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى عِيسَى ; قَالَ عِيسَى : أَمَّا قِيَام السَّاعَة لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , وَلَكِنَّ رَبِّي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِمَا هُوَ كَائِن دُون وَقْتهَا , عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ الدَّجَّال خَارِج , وَأَنَّهُ مُهْبِطِي إِلَيْهِ , فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ قَصَبَتَيْنِ , فَإِذَا رَآنِي أَهْلَكَهُ اللَّه , قَالَ : فَيَذُوب كَمَا يَذُوب الرَّصَاص , حَتَّى إِنَّ الْحَجَر وَالشَّجَر لِيَقُولَ : يَا مُسْلِم هَذَا كَافِر فَاقْتُلْهُ , فَيُهْلِكهُمْ اللَّه , وَيَرْجِع النَّاس إِلَى بِلَادهمْ وَأَوْطَانهمْ فَيَسْتَقْبِلهُمْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ , لَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْء إِلَّا أَكَلُوهُ , وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاء إِلَّا شَرِبُوهُ , فَيَرْجِع النَّاس إِلَيَّ , فَيَشْكُونَهُمْ , فَأَدْعُو اللَّه عَلَيْهِمْ فَيُمِيتهُمْ حَتَّى تَجْوَى الْأَرْض مِنْ نَتِن رِيحهمْ , فَيَنْزِل الْمَطَر , فَيَجُرّ أَجْسَادهمْ , فَيُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْر , ثُمَّ يَنْسِف الْجِبَال حَتَّى تَكُون الْأَرْض كَالْأَدِيمِ , فَعَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ السَّاعَة مِنْهُمْ كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ الَّتِي لَا يَدْرِي أَهْلهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا , لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " . 17612 - حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ أَصْبَع بْن زَيْد , عَنْ الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ جَبَلَة بْن سُحَيْم , عَنْ مُؤْثِر بْن عَفَازَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْتَقَى هُوَ وَإِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمْ السَّلَام . فَتَذَاكَرُوا أَمْر السَّاعَة . فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ عَنْ هُشَيْم , وَزَادَ فِيهِ : قَالَ الْعَوَّام بْن حَوْشَب : فَوَجَدْت تَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْد الْحَقّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أَبْصَار الَّذِينَ كَفَرُوا } 21 96 : 97 وَقَالَ : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْد رَبِّي حَقًّا } يَقُول : وَكَانَ وَعْد رَبِّي الَّذِي وَعَدَ خَلْقه فِي دَكّ هَذَا الرَّدْم , وَخُرُوج هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَى النَّاس , وَعَيْثهمْ فِيهِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وَعْده حَقًّا , لِأَنَّهُ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد فَلَا يَقَع غَيْر مَا وَعَدَ أَنَّهُ كَائِن.
وَقَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء } يَقُول : فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي الَّذِي جَعَلَهُ مِيقَاتًا لِظُهُورِ هَذِهِ الْأُمَّة وَخُرُوجهَا مِنْ وَرَاء هَذَا الرَّدْم لَهُمْ , جَعَلَهُ دَكَّاء , يَقُول : سَوَّاهُ بِالْأَرْضِ , فَأَلْزَقَهُ بِهَا , مِنْ قَوْلهمْ : نَاقَة دَكَّاء : مُسْتَوِيَة الظَّهْر لَا سَنَام لَهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : جَعَلَهُ مَدْكُوكًا , فَقِيلَ : دَكَّاء . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 17610 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء } قَالَ : لَا أَدْرِي الْجَبَلَيْنِ يَعْنِي بِهِ , أَوْ مَا بَيْنهمَا . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُون كَذَلِكَ بَعْد قَتْل عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام الدَّجَّال . ذُكِرَ الْخَبَر بِذَلِكَ . 17611 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم بْن بَشِير , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ جَبَلَة بْن سُحَيْم , عَنْ مُؤْثِر , وَهُوَ اِبْن عَفَازَة الْعَبْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقِيت لَيْلَة الْإِسْرَاء إِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى فَتَذَاكَرُوا أَمْر السَّاعَة , وَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِبْرَاهِيم : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى مُوسَى , فَقَالَ مُوسَى : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَرَدُّوا الْأَمْر إِلَى عِيسَى ; قَالَ عِيسَى : أَمَّا قِيَام السَّاعَة لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , وَلَكِنَّ رَبِّي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِمَا هُوَ كَائِن دُون وَقْتهَا , عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ الدَّجَّال خَارِج , وَأَنَّهُ مُهْبِطِي إِلَيْهِ , فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ قَصَبَتَيْنِ , فَإِذَا رَآنِي أَهْلَكَهُ اللَّه , قَالَ : فَيَذُوب كَمَا يَذُوب الرَّصَاص , حَتَّى إِنَّ الْحَجَر وَالشَّجَر لِيَقُولَ : يَا مُسْلِم هَذَا كَافِر فَاقْتُلْهُ , فَيُهْلِكهُمْ اللَّه , وَيَرْجِع النَّاس إِلَى بِلَادهمْ وَأَوْطَانهمْ فَيَسْتَقْبِلهُمْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ , لَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْء إِلَّا أَكَلُوهُ , وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاء إِلَّا شَرِبُوهُ , فَيَرْجِع النَّاس إِلَيَّ , فَيَشْكُونَهُمْ , فَأَدْعُو اللَّه عَلَيْهِمْ فَيُمِيتهُمْ حَتَّى تَجْوَى الْأَرْض مِنْ نَتِن رِيحهمْ , فَيَنْزِل الْمَطَر , فَيَجُرّ أَجْسَادهمْ , فَيُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْر , ثُمَّ يَنْسِف الْجِبَال حَتَّى تَكُون الْأَرْض كَالْأَدِيمِ , فَعَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ السَّاعَة مِنْهُمْ كَالْحَامِلِ الْمُتِمّ الَّتِي لَا يَدْرِي أَهْلهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا , لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " . 17612 - حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ أَصْبَع بْن زَيْد , عَنْ الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ جَبَلَة بْن سُحَيْم , عَنْ مُؤْثِر بْن عَفَازَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْتَقَى هُوَ وَإِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمْ السَّلَام . فَتَذَاكَرُوا أَمْر السَّاعَة . فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ عَنْ هُشَيْم , وَزَادَ فِيهِ : قَالَ الْعَوَّام بْن حَوْشَب : فَوَجَدْت تَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْد الْحَقّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أَبْصَار الَّذِينَ كَفَرُوا } 21 96 : 97 وَقَالَ : { فَإِذَا جَاءَ وَعْد رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْد رَبِّي حَقًّا } يَقُول : وَكَانَ وَعْد رَبِّي الَّذِي وَعَدَ خَلْقه فِي دَكّ هَذَا الرَّدْم , وَخُرُوج هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَى النَّاس , وَعَيْثهمْ فِيهِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وَعْده حَقًّا , لِأَنَّهُ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد فَلَا يَقَع غَيْر مَا وَعَدَ أَنَّهُ كَائِن.
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ یَمُوجُ فِی بَعۡضࣲۖ وَنُفِخَ فِی ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَـٰهُمۡ جَمۡعࣰا ﴿٩٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَكْنَا بَعْضهمْ يَوْمئِذٍ يَمُوج فِي بَعْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَكْنَا عِبَادنَا يَوْم يَأْتِيهِمْ وَعْدنَا الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ , بِأَنَّا نَدُكّ الْجِبَال وَنَنْسِفهَا عَنْ الْأَرْض نَسْفًا , فَنَذَرهَا قَاعًا صَفْصَفًا , بَعْضهمْ يَمُوج فِي بَعْض , يَقُول : يَخْتَلِط جِنّهمْ بِإِنْسِهِمْ . كَمَا : 17613 - ثنا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي فَزَارَة , فِي قَوْله : { وَتَرَكْنَا بَعْضهمْ يَوْمئِذٍ يَمُوج فِي بَعْض } قَالَ : إِذَا مَاجَ الْجِنّ وَالْإِنْس , قَالَ إِبْلِيس : فَأَنَا أَعْلَم لَكُمْ عِلْم هَذَا الْأَمْر , فَيَظْعَن إِلَى الْمَشْرِق , فَيَجِد الْمَلَائِكَة قَدْ قَطَعُوا الْأَرْض , ثُمَّ يَظْعَن إِلَى الْمَغْرِب , فَيَجِد الْمَلَائِكَة قَدْ قَطَعُوا الْأَرْض , ثُمَّ يَصْعَد يَمِينًا وَشِمَالًا إِلَى أَقْصَى الْأَرْض , فَيَجِد الْمَلَائِكَة قَطَعُوا الْأَرْض , فَيَقُول : مَا مِنْ مَحِيص , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ , إِذْ عُرِضَ لَهُ طَرِيق كَالشِّرَاكِ , فَأَخَذَ عَلَيْهِ هُوَ وَذُرِّيَّته , فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَيْهِ , إِذْ هَجَمُوا عَلَى النَّار , فَأَخْرَجَ اللَّه خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ النَّار , قَالَ : يَا إِبْلِيس أَلَمْ تَكُنْ لَك الْمَنْزِلَة عِنْد رَبّك , أَلَمْ تَكُنْ فِي الْجِنَان ؟ فَيَقُول : لَيْسَ هَذَا يَوْم عِتَاب , لَوْ أَنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَيَّ فَرِيضَة لَعَبَدْته فِيهَا عِبَادَة لَمْ يَعْبُدهُ مِثْلهَا أَحَد مِنْ خَلْقه , فَيَقُول : فَإِنَّ اللَّه قَدْ فَرَضَ عَلَيْك فَرِيضَة , فَيَقُول : مَا هِيَ ؟ فَيَقُول : يَأْمُرك أَنْ تَدْخُل النَّار , فَيَتَلَكَّأ عَلَيْهِ , فَيَقُول بِهِ وَبِذُرِّيَّتِهِ بِجَنَاحَيْهِ , فَيَقْذِفهُمْ فِي النَّار , فَتَزْفِر النَّار زَفْرَة فَلَا يَبْقَى مَلَك مُقَرَّب , وَلَا نَبِيّ مُرْسَل إِلَّا جَثَى لِرُكْبَتَيْهِ . 17614 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَرَكْنَا بَعْضهمْ يَوْمئِذٍ يَمُوج فِي بَعْض } قَالَ : هَذَا أَوَّل الْقِيَامَة , ثُمَّ نُفِخَ فِي الصُّور عَلَى أَثَر ذَلِكَ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا .
{ وَنُفِخَ فِي الصُّور } قَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا مَضَى فِي الصُّور , وَمَا هُوَ , وَمَا عُنِيَ بِهِ . وَاخْتَرْنَا الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , غَيْر أَنَّا نَذْكُر فِي هَذَا الْمَوْضِع بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ الْأَخْبَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17615 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : ثنا أَسْلَمَ , عَنْ بِشْر بْن شَغَاف , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَهُ عَنْ الصُّور , قَالَ : " قَرْن يُنْفَخ فِيهِ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن هِشَام , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ الْعِجْلِيّ , عَنْ بِشْر بْن شَغَاف , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . 17616 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَارِث الْقَنْطَرِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر , قَالَ : كُنْت فِي جِنَازَة عُمَر بْن ذَرّ فَلَقِيت مَالِك بْن مِغْوَل , فَحَدَّثْنَا عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ وَحَنَى الْجَبْهَة , وَأَصْغَى بِالْأُذُنِ مَتَى يُؤْمَر " فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " قُولُوا حَسْبنَا اللَّه وَعَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا , وَلَوْ اِجْتَمَعَ أَهْل مِنًى مَا أَقَالُوا ذَلِكَ الْقَرْن " كَذَا قَالَ , وَإِنَّمَا هُوَ مَا أَقَلُّوا . * - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن , وَحَنَى ظَهْره وَجَحَظَ بِعَيْنَيْهِ " , قَالُوا : مَا نَقُول يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " قُولُوا : حَسْبنَا اللَّه , تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّه " . 17617 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن , وَحَنَى جَبْهَته يَسْتَمِع مَتَى يُؤْمَر يَنْفُخ فِيهِ " , فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَيْف نَقُول ؟ قَالَ : " تَقُولُونَ : حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل , تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّه " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَالْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَا : ثنا أَسْبَاط , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا شُعَيْب بْن حَرْب , قَالَ : ثنا خَالِد أَبُو الْعَلَاء , قَالَ : ثنا عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن وَحَنَى الْجَبْهَة , وَأَصْغَى بِالْأُذُنِ مَتَى يُؤْمَر أَنْ يَنْفُخ , وَلَوْ أَنَّ أَهْل مِنًى اِجْتَمَعُوا عَلَى الْقَرْن عَلَى أَنْ يُقِلُّوهُ مِنْ الْأَرْض , مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ " قَالَ : فَأُبْلِسَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَقَّ عَلَيْهِمْ , قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُولُوا : حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل , عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " . 17618 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَافِع الْمَدَنِيّ , عَنْ يَزِيد بْن فُلَان , عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا فَرَغَ اللَّه مِنْ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , خَلَقَ الصُّور , فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيل , فَهُوَ وَضَعَهُ عَلَى فِيهِ شَاخِص بَصَره إِلَى الْعَرْش يَنْتَظِر مَتَى يُؤْمَر " . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يَا رَسُول اللَّه , مَا الصُّور ؟ قَالَ : " قَرْن " . قَالَ : وَكَيْف هُوَ ؟ قَالَ : " قَرْن عَظِيم يَنْفُخ فِيهِ ثَلَاث نَفَخَات : الْأُولَى : نَفْخَة الْفَزَع , وَالثَّانِيَة : نَفْخَة الصَّعْق , وَالثَّالِثَة : نَفْخَة الْقِيَام لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " . وَقَوْله : { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } يَقُول : فَجَمَعْنَا جَمِيع الْخَلْق حِينَئِذٍ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب جَمِيعًا .
{ وَنُفِخَ فِي الصُّور } قَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا مَضَى فِي الصُّور , وَمَا هُوَ , وَمَا عُنِيَ بِهِ . وَاخْتَرْنَا الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , غَيْر أَنَّا نَذْكُر فِي هَذَا الْمَوْضِع بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ الْأَخْبَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17615 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : ثنا أَسْلَمَ , عَنْ بِشْر بْن شَغَاف , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَهُ عَنْ الصُّور , قَالَ : " قَرْن يُنْفَخ فِيهِ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن هِشَام , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ الْعِجْلِيّ , عَنْ بِشْر بْن شَغَاف , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . 17616 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَارِث الْقَنْطَرِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر , قَالَ : كُنْت فِي جِنَازَة عُمَر بْن ذَرّ فَلَقِيت مَالِك بْن مِغْوَل , فَحَدَّثْنَا عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ وَحَنَى الْجَبْهَة , وَأَصْغَى بِالْأُذُنِ مَتَى يُؤْمَر " فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " قُولُوا حَسْبنَا اللَّه وَعَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا , وَلَوْ اِجْتَمَعَ أَهْل مِنًى مَا أَقَالُوا ذَلِكَ الْقَرْن " كَذَا قَالَ , وَإِنَّمَا هُوَ مَا أَقَلُّوا . * - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن , وَحَنَى ظَهْره وَجَحَظَ بِعَيْنَيْهِ " , قَالُوا : مَا نَقُول يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " قُولُوا : حَسْبنَا اللَّه , تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّه " . 17617 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن , وَحَنَى جَبْهَته يَسْتَمِع مَتَى يُؤْمَر يَنْفُخ فِيهِ " , فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَيْف نَقُول ؟ قَالَ : " تَقُولُونَ : حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل , تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّه " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَالْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَا : ثنا أَسْبَاط , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا شُعَيْب بْن حَرْب , قَالَ : ثنا خَالِد أَبُو الْعَلَاء , قَالَ : ثنا عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْف أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن وَحَنَى الْجَبْهَة , وَأَصْغَى بِالْأُذُنِ مَتَى يُؤْمَر أَنْ يَنْفُخ , وَلَوْ أَنَّ أَهْل مِنًى اِجْتَمَعُوا عَلَى الْقَرْن عَلَى أَنْ يُقِلُّوهُ مِنْ الْأَرْض , مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ " قَالَ : فَأُبْلِسَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَقَّ عَلَيْهِمْ , قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُولُوا : حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل , عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " . 17618 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَافِع الْمَدَنِيّ , عَنْ يَزِيد بْن فُلَان , عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا فَرَغَ اللَّه مِنْ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , خَلَقَ الصُّور , فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيل , فَهُوَ وَضَعَهُ عَلَى فِيهِ شَاخِص بَصَره إِلَى الْعَرْش يَنْتَظِر مَتَى يُؤْمَر " . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يَا رَسُول اللَّه , مَا الصُّور ؟ قَالَ : " قَرْن " . قَالَ : وَكَيْف هُوَ ؟ قَالَ : " قَرْن عَظِيم يَنْفُخ فِيهِ ثَلَاث نَفَخَات : الْأُولَى : نَفْخَة الْفَزَع , وَالثَّانِيَة : نَفْخَة الصَّعْق , وَالثَّالِثَة : نَفْخَة الْقِيَام لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " . وَقَوْله : { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } يَقُول : فَجَمَعْنَا جَمِيع الْخَلْق حِينَئِذٍ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب جَمِيعًا .
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡكَـٰفِرِینَ عَرۡضًا ﴿١٠٠﴾
وَقَوْله : { وَعَرَضْنَا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا } يَقُول : وَأَبْرَزْنَا جَهَنَّم يَوْم يُنْفَخ فِي الصُّور , فَأَظْهَرْنَاهَا لِلْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ , حَتَّى يَرَوْهَا وَيُعَايِنُوهَا كَهَيْئَةِ السَّرَاب ; وَلَوْ جُعِلَ الْفِعْل لَهَا قِيلَ : أَعْرَضَتْ إِذَا اِسْتَبَانَتْ , كَمَا قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : وَأَعْرَضَتْ الْيَمَامَة وَاشْمَخَرَّتْ كَأَسْيَافِ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17619 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : يَقُوم الْخَلْق لِلَّهِ إِذَا نُفِخَ فِي الصُّور , قِيَام رَجُل وَاحِد , ثُمَّ يَتَمَثَّل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلْخَلْقِ فَمَا يَلْقَاهُ أَحَد مِنْ الْخَلَائِق كَانَ يَعْبُد مِنْ دُون اللَّه شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ مَرْفُوع لَهُ يَتْبَعهُ , قَالَ : فَيَلْقَى الْيَهُود فَيَقُول : مَنْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : نَعْبُد عُزَيْرًا , قَالَ : فَيَقُول : هَلْ يَسُرّكُمْ الْمَاء ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ , فَيُرِيهِمْ جَهَنَّم وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَاب , ثُمَّ قَرَأَ { وَعَرَضْنَا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا } ثُمَّ يَلْقَى النَّصَارَى فَيَقُول : مَنْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعْبُد الْمَسِيح , فَيَقُول : هَلْ يَسُرّكُمْ الْمَاء , فَيَقُولُونَ نَعَمْ , قَالَ : فَيُرِيهِمْ جَهَنَّم وَهِيَ كَهَيْئَةِ السَّرَاب , ثُمَّ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ يَعْبُد مِنْ دُون اللَّه شَيْئًا , ثُمَّ قَرَأَ عَبْد اللَّه { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } 37 24
ٱلَّذِینَ كَانَتۡ أَعۡیُنُهُمۡ فِی غِطَاۤءٍ عَن ذِكۡرِی وَكَانُواْ لَا یَسۡتَطِیعُونَ سَمۡعًا ﴿١٠١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنهمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } يَقُول تَعَالَى : وَعَرَضْنَا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يَنْظُرُونَ فِي آيَات اللَّه , فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَتَأَمَّلُونَ حُجَجه , فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا , فَيَتَذَكَّرُونَ وَيُنِيبُونَ إِلَى تَوْحِيد اللَّه , وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيه , { وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } يَقُول . وَكَانُوا لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَسْمَعُوا ذِكْر اللَّه الَّذِي ذَكَرَهُمْ بِهِ , وَبَيَانه الَّذِي بَيَّنَهُ لَهُمْ فِي آي كِتَابه , بِخِذْلَانِ اللَّه إِيَّاهُمْ , وَغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِمْ , وَشَغَلَهُمْ بِالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَطَاعَة الشَّيْطَان , فَيَتَّعِظُونَ بِهِ , وَيَتَدَبَّرُونَ , فَيَعْرِفُونَ الْهُدَى مِنْ الضَّلَالَة , وَالْكُفْر مِنْ الْإِيمَان . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 17620 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا زَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } قَالَ : لَا يَعْقِلُونَ . 17621 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } قَالَ : لَا يَعْلَمُونَ . 17622 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنهمْ فِي غِطَاء عَنْ ذِكْرَى } الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْكُفْر .
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤاْ أَن یَتَّخِذُواْ عِبَادِی مِن دُونِیۤ أَوۡلِیَاۤءَۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَـٰفِرِینَ نُزُلࣰا ﴿١٠٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء } يَقُول عَزَّ ذِكْره : أَفَطِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَبَدَة الْمَلَائِكَة وَالْمَسِيح , أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء , يَقُول كَلَّا بَلْ هُمْ لَهُمْ أَعْدَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17623 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء } قَالَ : يَعْنِي مَنْ يَعْبُد الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم وَالْمَلَائِكَة , وَهُمْ عِبَاد اللَّه , وَلَمْ يَكُونُوا لِلْكُفَّارِ أَوْلِيَاء . وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَة , أَعْنِي بِكَسْرِ السِّين مِنْ { أَفَحَسِبَ } بِمَعْنَى الظَّنّ قَرَأَتْ هَذَا الْحَرْف قُرَّاء الْأَمْصَار . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد أَنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ { أَفَحَسْب الَّذِينَ كَفَرُوا } بِتَسْكِينِ السِّين , وَرَفْع الْحَرْف بَعْدهَا , بِمَعْنَى : أَفَحَسْبهمْ ذَلِكَ : أَيْ أَفَكَأَنَّهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء مِنْ عِبَادَاتِي وَمُوَالَاتِي . كَمَا : 17624 - حُدِّثْت عَنْ إِسْحَاق بْن يُوسُف الْأَزْرَق , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ عِكْرِمَة { أَفَحَسْب الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : أَفَحَسْبهمْ ذَلِكَ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي نَقْرَؤُهَا هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ } بِكَسْرِ السِّين , بِمَعْنَى أَفَظَنَّ , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا .
وَقَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا } يَقُول : أَعْدَدْنَا لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ جَهَنَّم مَنْزِلًا .
وَقَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا } يَقُول : أَعْدَدْنَا لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ جَهَنَّم مَنْزِلًا .
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِینَ أَعۡمَـٰلًا ﴿١٠٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَنَتك وَيُجَادِلُونَك بِالْبَاطِلِ , وَيُحَاوِرُونَك بِالْمَسَائِلِ مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ : الْيَهُود , وَالنَّصَارَى { هَلْ نُنَبِّئكُمْ } أَيّهَا الْقَوْم { بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } يَعْنِي بِاَلَّذِينَ أَتْعَبُوا أَنْفُسهمْ فِي عَمَل يَبْغُونَ بِهِ رِبْحًا وَفَضْلًا , فَنَالُوا بِهِ عَطَبًا وَهَلَاكًا وَلَمْ يُدْرِكُوا طَلَبًا , كَالْمُشْتَرِي سِلْعَة يَرْجُو بِهَا فَضْلًا وَرِبْحًا , فَخَابَ رَجَاؤُهُ . وَخَسِرَ بَيْعه , وَوُكِسَ فِي الَّذِي رَجَا فَضْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ الرُّهْبَان وَالْقُسُوس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 17625 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْمَقْبُرِيّ , قَالَ : ثنا حَيْوَة بْن شُرَيْح , قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّكَن بْن أَبِي كَرِيمَة , أَنَّ أُمّه أَخْبَرْته أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَا خَمِيصَة عَبْد اللَّه بْن قَيْس يَقُول : سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } : هُمْ الرُّهْبَان الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسهمْ فِي الصَّوَامِع . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت حَيْوَة يَقُول : ثني السَّكَن بْن أَبِي كَرِيمَة , عَنْ أُمّه أَخْبَرْته أَنَّهَا سَمِعَتْ عَبْد اللَّه بْن قَيْس يَقُول : سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . 17626 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قُلْت لِأَبِي : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } أَهُمْ الْحَرُورِيَّة ؟ قَالَ : هُمْ أَصْحَاب الصَّوَامِع . 17627 - حَدَّثَنَا فَضَالَة بْن الْفَضْل , قَالَ : قَالَ بَزِيع : سَأَلَ رَجُل الضَّحَّاك عَنْ هَذِهِ الْآيَة { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } قَالَ : هُمْ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَان . 17628 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ سَعْد : هُمْ أَصْحَاب الصَّوَامِع . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ اِبْن سَعْد , قَالَ : قُلْت لِسَعْدٍ : يَا أَبَتِ { هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } أَهُمْ الْحَرُورِيَّة , فَقَالَ : لَا , وَلَكِنَّهُمْ أَصْحَاب الصَّوَامِع , وَلَكِنَّ الْحَرُورِيَّة قَوْم زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ جَمِيع أَهْل الْكِتَابَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17629 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثْنِي , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ ثنا شُعْبَة , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ هَذِهِ الْآيَة { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } أَهُمْ الْحَرُورِيَّة ؟ قَالَ : لَا , هُمْ أَهْل الْكِتَاب , الْيَهُود وَالنَّصَارَى . أَمَّا الْيَهُود فَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ . وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا : لَيْسَ فِيهَا طَعَام وَلَا شَرَاب , وَلَكِنَّ الْحَرُورِيَّة { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } 2 27 فَكَانَ سَعْد يُسَمِّيهِمْ الْفَاسِقِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي حَرَّة عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . 17630 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِي حَرْب بْن أَبِي الْأَسْوَد عَنْ زَاذَان , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْله : { قُلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } قَالَ : هُمْ كَفَرَة أَهْل الْكِتَاب ; كَانَ أَوَائِلهمْ عَلَى حَقّ , فَأَشْرَكُوا بِرَبِّهِمْ , وَابْتَدَعُوا فِي دِينهمْ , الَّذِي يَجْتَهِدُونَ فِي الْبَاطِل , وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقّ , وَيَجْتَهِدُونَ فِي الضَّلَالَة , وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى , فَضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ; ثُمَّ رَفَعَ صَوْته , فَقَالَ : وَمَا أَهْل النَّار مِنْهُمْ بِبَعِيدٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ الْخَوَارِج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16731 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان بْن سَلَمَة , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سَأَلَ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّاء عَلِيًّا عَنْ قَوْله : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } قَالَ : أَنْتُمْ يَا أَهْل حَرُورَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ أَبِي صَخْر , عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة الْبَجَلِيّ , عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء الْبَكْرِيّ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , أَنَّ اِبْن الْكَوَّاء سَأَلَهُ , عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } فَقَالَ عَلِيّ : أَنْتَ وَأَصْحَابك . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : قَامَ اِبْن الْكَوَّاء إِلَى عَلِيّ , فَقَالَ : مَنْ الْأَخْسَرِينَ . أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا , قَالَ : وَيْلك أَهْل حَرُورَاء مِنْهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن خَالِد بْن عَثْمَة , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن يَعْقُوب بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَى أَبُو الْحُوَيْرِث , عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم , قَالَ : قَالَ اِبْن الْكَوَّاء لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب : مَا الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ؟ قَالَ : أَنْتَ وَأَصْحَابك . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَوْلِهِ : { هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } كُلّ عَامِل عَمَلًا يَحْسَبهُ فِيهِ مُصِيبًا , وَأَنَّهُ لِلَّهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مُطِيع مَرَض , وَهُوَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لِلَّهِ مُسْخِط , وَعَنْ طَرِيق أَهْل الْإِيمَان بِهِ جَائِر كَالرَّهَابِنَةِ وَالشَّمَامِسَة وَأَمْثَالهمْ مِنْ أَهْل الِاجْتِهَاد فِي ضَلَالَتهمْ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ وَاجْتِهَادهمْ بِاَللَّهِ كَفَرَة , مِنْ أَهْل أَيّ دِين كَانُوا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب قَوْله { أَعْمَالًا } , فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : نُصِبَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أُدْخِلَ الْأَلِف وَاللَّام وَالنُّون فِي الْأَخْسَرِينَ لَمْ يُوصَل إِلَى الْإِضَافَة , وَكَانَتْ الْأَعْمَال مِنْ الْأَخْسَرِينَ فَلِذَلِكَ نُصِبَ . وَقَالَ غَيْره : هَذَا بَاب الْأَفْعَل وَالْفُعْلَى , مِثْل الْأَفْضَل وَالْفُضْلَى , وَالْأَخْسَر وَالْخُسْرَى , وَلَا تَدْخُل فِيهِ الْوَاو , وَلَا يَكُون فِيهِ مُفَسَّر , لِأَنَّهُ قَدْ اِنْفَصَلَ بِمَنْ هُوَ كَقَوْلِهِ الْأَفْضَل وَالْفُضْلَى , وَإِذَا جَاءَ مَعَهُ مُفَسَّر كَانَ لِلْأَوَّلِ وَالْآخِر , وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ حَسَن وَجْهًا , فَيَكُون الْحُسْن لِلرَّجُلِ وَالْوَجْه , وَكَذَلِكَ كَبِير عَقْلًا , وَمَا أَشْبَهَهُ قَالَ : وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْأَخْسَرِينَ , لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الْأَفْعَل وَالْأَفْعَلَة . قَالَ : وَسَمِعْت الْعَرَب تَقُول : الْأُولَات دُخُولًا , وَالْآخِرَات خُرُوجًا , فَصَارَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَسَائِرِ الْبَاب قَالَ : وَعَلَى هَذَا يُقَاس .
ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ﴿١٠٤﴾
وَقَوْله : { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : هُمْ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة , بَلْ كَانَ عَلَى جَوْر وَضَلَالَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ بَلْ عَلَى كُفْر مِنْهُمْ بِهِ , { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } يَقُول : وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ , وَفِيمَا نَدَبَ عِبَاده إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ , وَهَذَا مِنْ أَدِلَّة الدَّلَائِل عَلَى خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَقْصِد إِلَى الْكُفْر بَعْد الْعِلْم بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , أَنَّ سَعْيهمْ الَّذِي سَعَوْا فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ضَلَالًا , وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعهمْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ . وَلَوْ كَانَ الْقَوْل كَمَا قَالَ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِاَللَّهِ أَحَد إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَم , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي عَمَلهمْ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعه , كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهَا , وَلَكِنَّ الْقَوْل بِخِلَافِ مَا قَالُوا , فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاَللَّهِ كَفَرَة , وَأَنَّ أَعْمَالهمْ حَابِطَة . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } عَمَلًا , وَالصُّنْع وَالصَّنْعَة وَالصَّنِيع وَاحِد , يُقَال : فَرَس صَنِيع بِمَعْنَى مَصْنُوع .
أُوْلَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ كَفَرُواْ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَاۤىِٕهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَلَا نُقِیمُ لَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَزۡنࣰا ﴿١٠٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَلِقَائِهِ فَحَبَطَتْ أَعْمَالهمْ فَلَا نُقِيم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْنًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتهمْ , الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا , الَّذِينَ كَفَرُوا بِحُجَجِ رَبّهمْ وَأَدِلَّته , وَأَنْكَرُوا لِقَاءَهُ { فَحَبَطَتْ أَعْمَالهمْ } يَقُول : فَبَطَلَتْ أَعْمَالهمْ , فَلَمْ يَكُنْ لَهَا ثَوَاب يَنْفَع أَصْحَابهَا فِي الْآخِرَة , بَلْ لَهُمْ مِنْهَا عَذَاب وَخِزْي طَوِيل { فَلَا نُقِيم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْنًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَا نَجْعَل لَهُمْ ثِقَلًا . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ لَا تَثْقُل بِهِمْ مَوَازِينهمْ , لِأَنَّ الْمَوَازِين إِنَّمَا تُعْقَل بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ شَيْء مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة , فَتُثَقَّل بِهِ مَوَازِينهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17632 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ شِمْر , عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ كَعْب , قَالَ : يُؤْتَى يَوْم الْقِيَامَة بِرَجُلٍ عَظِيم طَوِيل , فَلَا يَزِن عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة , اِقْرَءُوا : { فَلَا نُقِيم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْنًا } 17633 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن الصَّلْت , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُؤْتِي بِالْأَكُولِ الشَّرُوب الطَّوِيل , فَيُوزَن فَلَا يَزِن جَنَاح بَعُوضَة " ثُمَّ قَرَأَ { فَلَا نُقِيم لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة وَزْنًا }
ذَ ٰلِكَ جَزَاۤؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَایَـٰتِی وَرُسُلِی هُزُوًا ﴿١٠٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّم بِمَا كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُولَئِكَ ثَوَابهمْ جَهَنَّم بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ , وَاِتِّخَاذهمْ آيَات كِتَابه , وَحُجَج رُسُله سِخْرِيًّا , وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ .
إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ﴿١٠٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّات الْفِرْدَوْس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِتَوْحِيدِ اللَّه وَمَا أَنْزَلَ مِنْ كُتُبه وَعَمِلُوا بِطَاعَتِهِ , كَانَتْ لَهُمْ بَسَاتِين الْفِرْدَوْس , وَالْفِرْدَوْس : مُعْظَم الْجَنَّة , كَمَا قَالَ أُمَيَّة : كَانَتْ مَنَازِلهمْ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرَة فِيهَا الْفَرَادِيس وَالْفُومَانِ وَالْبَصَل وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْفِرْدَوْس ; فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ أَفْضَل الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْفِرْدَوْس : رَبْوَة الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا وَأَفْضَلهَا . 17635 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج الرَّازِيّ , قَالَ : ثنا الْهَيْثَم أَبُو بِشْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْفَرَج بْن فَضَالَة , عَنْ لُقْمَان , عَنْ عَامِر , قَالَ : سُئِلَ أَبُو أُسَامَة عَنْ الْفِرْدَوْس , فَقَالَ : هِيَ سُرَّة الْجَنَّة . 17636 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن عَمْرو النَّصِيبِيّ , عَنْ أَبِي عَلِيّ , عَنْ كَعْب , قَالَ : لَيْسَ فِي الْجِنَان جَنَّة أَعْلَى مِنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس , وَفِيهَا الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ , وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَر . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْبُسْتَان بِالرُّومِيَّةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17637 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْفِرْدَوْس : بُسْتَان بِالرُّومِيَّةِ . * - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْبُسْتَان الَّذِي فِيهِ الْأَعْنَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17638 - حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , عَنْ كَعْب , قَالَ : جَنَّات الْفِرْدَوْس الَّتِي فِيهَا الْأَعْنَاب . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ مَا : 17639 - حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا هَمَّام بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة , مَا بَيْن كُلّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَة عَام وَالْفِرْدَوْس أَعْلَاهَا دَرَجَة , وَمِنْهَا الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة , وَالْفِرْدَوْس مِنْ فَوْقهَا , فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْس " . * - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا هَمَّام بْن يَحْيَى , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة مَا بَيْن كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , أَعْلَاهَا الْفِرْدَوْس , وَمِنْهَا تُفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة الْأَرْبَعَة , فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْس " . 17640 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني أَبُو يَحْيَى بْن سُلَيْمَان , عَنْ هِلَال بْن أُسَامَة , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَوْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْس , فَإِنَّهَا أَوْسَط الْجَنَّة وَأَعْلَى الْجَنَّة , وَفَوْقهَا عَرْش الرَّحْمَن تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَمِنْهُ تُفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة " . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا فُلَيْح , عَنْ هِلَال , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " وَسَط الْجَنَّة " وَقَالَ أَيْضًا : " وَمِنْهُ تُفَجَّر أَوْ تَتَفَجَّر " . 17641 - حَدَّثَنِي عَمَّار بْن بَكَّار الْكُلَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن صَالِح , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة , مَا بَيْن كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , وَالْفِرْدَوْس أَعْلَى الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا , وَفَوْقهَا عَرْش الرَّحْمَن , وَمِنْهَا تُفَجَّر أَنْهَار الْجَنَّة , فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْس " . 17642 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا الْحَارِث بْن عُمَيْر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَنَّات الْفِرْدَوْس أَرْبَعًا , اِثْنَتَانِ مِنْ ذَهَب حِلْيَتهمَا وَآنِيَتهمَا , وَمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْء , وَاثْنَتَانِ مِنْ فِضَّة حِلْيَتهمَا وَآنِيَتهمَا , وَمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْء " . 17643 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سُرَيْج , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو قُدَامَة , عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَنَّات الْفِرْدَوْس أَرْبَع : ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَب حُلِيّهمَا وَآنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا , وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّة حِلْيَتهمَا وَآنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا " . 17644 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ حَفْص , عَنْ شِمْر , قَالَ : خَلَقَ اللَّه جَنَّة الْفِرْدَوْس بِيَدِهِ , فَهُوَ يَفْتَحهَا فِي كُلّ يَوْم خَمِيس , فَيَقُول : اِزْدَادِي طِيبًا لِأَوْلِيَائِي , اِزْدَادِي حُسْنًا لِأَوْلِيَائِي . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَابْن الدَّرَاوَرْدِيّ , قَالَا : ثنا زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلْجَنَّةِ مِائَة دَرَجَة , كُلّ دَرَجَة مِنْهَا كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , أَعْلَى دَرَجَة مِنْهَا الْفِرْدَوْس " . 17645 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى الصُّوفِيّ , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْفَرَج الطَّافِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن بَشِير , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْفِرْدَوْس مِنْ رَبْوَة الْجَنَّة , هِيَ أَوْسَطهَا وَأَحْسَنهَا " . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم , عَنْ الْحَسَن , عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب , قَالَ : أَخْبَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَّ الْفِرْدَوْس هِيَ أَعْلَى الْجَنَّة وَأَحْسَنهَا وَأَرْفَعهَا " . 17646 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَرْزُوق , قَالَ : ثنا رَوْح بْن عُبَادَة , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ لِلرُّبَيِّعِ اِبْنَة النَّضْر : " يَا أُمّ حَارِثَة , إِنَّهَا جِنَان , وَإِنَّ اِبْنك أَصَابَ الْفِرْدَوْس الْأَعْلَى " . وَالْفِرْدَوْس : رَبْوَة الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا وَأَفْضَلهَا .
وَقَوْله : { نُزُلًا } يَقُول : مَنَازِل وَمَسَاكِن , وَالْمَنْزِل : مِنْ النُّزُول , وَهُوَ مِنْ نُزُول بَعْض النَّاس عَلَى بَعْض . وَأَمَّا النُّزُل : فَهُوَ الرِّيع , يُقَال : مَا لِطَعَامِكُمْ هَذَا نُزُل , يُرَاد بِهِ الرِّيع , وَمَا وَجَدْنَا عِنْدكُمْ نُزُلًا : أَيْ نُزُولًا .
وَقَوْله : { نُزُلًا } يَقُول : مَنَازِل وَمَسَاكِن , وَالْمَنْزِل : مِنْ النُّزُول , وَهُوَ مِنْ نُزُول بَعْض النَّاس عَلَى بَعْض . وَأَمَّا النُّزُل : فَهُوَ الرِّيع , يُقَال : مَا لِطَعَامِكُمْ هَذَا نُزُل , يُرَاد بِهِ الرِّيع , وَمَا وَجَدْنَا عِنْدكُمْ نُزُلًا : أَيْ نُزُولًا .
خَـٰلِدِینَ فِیهَا لَا یَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلࣰا ﴿١٠٨﴾
وَقَوْله : { خَالِدِينَ } يَقُول : لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } يَقُول : لَا يُرِيدُونَ عَنْهَا تَحَوُّلًا , وَهُوَ مَصْدَر تَحَوَّلْت , أُخْرِجَ إِلَى أَصْله , كَمَا يُقَال : صَغُرَ يَصْغُر صِغَرًا , وَعَاج يَعُوج عِوَجًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } قَالَ : مُتَحَوَّلًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 17648 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت مَخْلَد بْن الْحُسَيْن يَقُول : وَسُئِلَ عَنْهَا , قَالَ : سَمِعْت بَعْض أَصْحَاب أَنَس يَقُول : قَالَ : " يَقُول أَوَّلهمْ دُخُولًا إِنَّمَا أَدْخَلَنِي اللَّه أَوَّلهمْ , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَفْضَل مِنِّي , وَيَقُول آخِرهمْ دُخُولًا : إِنَّمَا أَخَّرَنِي اللَّه , لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَد أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل الَّذِي أَعْطَانِي " .
قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادࣰا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّی لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّی وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدࣰا ﴿١٠٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا ل } لِقَلَمِ الَّذِي يَكْتُب بِهِ { كَلِمَات رَبِّي لَنَفِدَ } مَاء { الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } يَقُول : وَلَوْ مَدَدْنَا الْبَحْر بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاء مَدَدًا , مِنْ قَوْل الْقَائِل : جِئْتُك مَدَدًا لَك , وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الزِّيَادَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا , كَأَنَّ قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي , وَلَوْ زِدْنَا بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمِدَاد الَّذِي يُكْتَب بِهِ مِدَادًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17649 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " وَحَدَّثَنِي الْحَارِث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } لِلْقَلَمِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 17650 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } يَقُول : إِذَا لَنَفِدَ مَاء الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات اللَّه وَحُكْمه .
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهࣱ وَ ٰحِدࣱۖ فَمَن كَانَ یَرۡجُواْ لِقَاۤءَ رَبِّهِۦ فَلۡیَعۡمَلۡ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا وَلَا یُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦۤ أَحَدَۢا ﴿١١٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهكُمْ إِلَه وَاحِد فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّد : إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلكُمْ مِنْ بَنِي آدَم لَا عِلْم لِي إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّه وَإِنَّ اللَّه يُوحِي إِلَيَّ أَنَّ مَعْبُودكُمْ الَّذِي يَجِب عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , مَعْبُود وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ , وَلَا شَرِيك { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه } يَقُول : فَمَنْ يَخَاف رَبّه يَوْم لِقَائِهِ , وَيُرَاقِبهُ عَلَى مَعَاصِيه , وَيَرْجُو ثَوَابه عَلَى طَاعَته { فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا } يَقُول : فَلْيُخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَة , وَلْيُفْرِدْ لَهُ الرُّبُوبِيَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17651 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الرَّبِيع بْن أَبِي رَاشِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه } قَالَ : ثَوَاب رَبّه .
وَقَوْله : { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يَجْعَل لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَته إِيَّاهُ , وَإِنَّمَا يَكُون جَاعِلًا لَهُ شَرِيكًا بِعِبَادَتِهِ إِذَا رَاءَى بِعَمَلِهِ الَّذِي ظَاهِره أَنَّهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُرِيد بِهِ غَيْره . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17652 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } 17653 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } قَالَ : لَا يُرَائِي . 17654 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ طَاوُس , قَالَ : جَاءَ رَجُل , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَأُحِبّ أَنْ يُرَى مَوْطِنِي وَيُرَى مَكَانِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } 17655 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد وَمُسْلِم بْن خَالِد الزِّنْجِيّ عَنْ صَدَقَة بْن يَسَار , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , وَزَادَ فِيهِ : وَإِنِّي أَعْمَل الْعَمَل وَأَتَصَدَّق وَأُحِبّ أَنْ يَرَاهُ النَّاس وَسَائِر الْحَدِيث نَحْوه . 17656 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ الْأَعْمَش , قَالَ : ثنا حَمْزَة أَبُو عُمَارَة مَوْلَى بَنِي هَاشِم , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عُبَادَة بْن الصَّامِت , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَنْبِئْنِي عَمَّا أَسْأَلك عَنْهُ , أَرَأَيْت رَجُلًا يُصَلِّي يَبْتَغِي وَجْه اللَّه وَيُحِبّ أَنْ يُحْمَد وَيَصُوم وَيَبْتَغِي وَجْه اللَّه وَيُحِبّ أَنْ يُحْمَد , فَقَالَ عُبَادَة : لَيْسَ لَهُ شَيْء , أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : أَنَا خَيْر شَرِيك , فَمَنْ كَانَ لَهُ مَعِيَ شَرِيك فَهُوَ لَهُ كُلّه , لَا حَاجَة لِي فِيهِ . 17657 - حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس الْكِنْدِيّ , أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } وَقَالَ : إِنَّهَا آخِر آيَة أُنْزِلَتْ مِنْ الْقُرْآن . آخِر تَفْسِير سُورَة الْكَهْف
وَقَوْله : { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } يَقُول : وَلَا يَجْعَل لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَته إِيَّاهُ , وَإِنَّمَا يَكُون جَاعِلًا لَهُ شَرِيكًا بِعِبَادَتِهِ إِذَا رَاءَى بِعَمَلِهِ الَّذِي ظَاهِره أَنَّهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُرِيد بِهِ غَيْره . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17652 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } 17653 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان { وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } قَالَ : لَا يُرَائِي . 17654 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ طَاوُس , قَالَ : جَاءَ رَجُل , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَأُحِبّ أَنْ يُرَى مَوْطِنِي وَيُرَى مَكَانِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } 17655 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد وَمُسْلِم بْن خَالِد الزِّنْجِيّ عَنْ صَدَقَة بْن يَسَار , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , وَزَادَ فِيهِ : وَإِنِّي أَعْمَل الْعَمَل وَأَتَصَدَّق وَأُحِبّ أَنْ يَرَاهُ النَّاس وَسَائِر الْحَدِيث نَحْوه . 17656 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ الْأَعْمَش , قَالَ : ثنا حَمْزَة أَبُو عُمَارَة مَوْلَى بَنِي هَاشِم , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عُبَادَة بْن الصَّامِت , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَنْبِئْنِي عَمَّا أَسْأَلك عَنْهُ , أَرَأَيْت رَجُلًا يُصَلِّي يَبْتَغِي وَجْه اللَّه وَيُحِبّ أَنْ يُحْمَد وَيَصُوم وَيَبْتَغِي وَجْه اللَّه وَيُحِبّ أَنْ يُحْمَد , فَقَالَ عُبَادَة : لَيْسَ لَهُ شَيْء , أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : أَنَا خَيْر شَرِيك , فَمَنْ كَانَ لَهُ مَعِيَ شَرِيك فَهُوَ لَهُ كُلّه , لَا حَاجَة لِي فِيهِ . 17657 - حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس الْكِنْدِيّ , أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا } وَقَالَ : إِنَّهَا آخِر آيَة أُنْزِلَتْ مِنْ الْقُرْآن . آخِر تَفْسِير سُورَة الْكَهْف
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian