Your browser does not support the audio element.
وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعࣰا ﴿٢٥﴾
التفسير
تفسير السعدي لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب, في شأن أهل الكهف - لعدم علمهم بذلك, وكان الله, عالم الغيب والشهادة, العالم بكل شيء - أخبره الله بمدة لبثهم, وأن علم ذلك, عنده وحده, فإنه من غيب السماوات والأرض, وغيبها مختص به.
فما أخبر به عنها على ألسنة رسله, فهو الحق اليقين, الذي لا شك فيه.
وما لا يطلع رسله عليه, فإن أحدا من الخلق, لا يعلمه.
وقوله: " أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ " تعجب من كل سمعه وبصره, وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات, بعدما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.
ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة, فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون, الولي لعباده المؤمنين, يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى, ويجنبهم العسرى, ولهذا قال: " مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ " .
أي: هو الذي تولى أصحاب الكهف, بلطفه وكرمه, ولم يكلهم إلى أحد من الخلق.
" وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا " وهذا يشمل الحكم الكوني القدري, والحكم الشرعي الديني, فإنه الحاكم في خلقه, قضاء وقدرا, وخلقا وتدبيرا والحاكم فيهم, بأمره ونهيه, وثوابه وعقابه.
التفسير الميسر ومكث الشُّبَّان نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين.
تفسير الجلالين "وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة" بِالتَّنْوِينِ "سِنِينَ" عَطْف بَيَان لِثَلَاثِمِائَةٍ وَهَذِهِ السِّنُونَ الثَّلَاثمِائَةِ عِنْد أَهْل الْكَهْف شَمْسِيَّة وَتَزِيد الْقَمَرِيَّة عَلَيْهَا عِنْد الْعَرَب تِسْع سِنِينَ وَقَدْ ذَكَرْت فِي قَوْله "وَازْدَادُوا تِسْعًا" أَيْ تِسْع سِنِينَ فَالثَّلَاثمِائَةِ الشَّمْسِيَّة : ثَلَاثمِائَةِ وَتِسْع قَمَرِيَّة
تفسير ابن كثير هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِقْدَارِ مَا لَبِثَ أَصْحَاب الْكَهْف فِي كَهْفهمْ مُنْذُ أَرْقَدَهُمْ إِلَى أَنْ بَعَثَهُمْ اللَّه وَأَعْثَرَ عَلَيْهِمْ أَهْل الزَّمَان وَأَنَّهُ كَانَ مِقْدَاره ثَلَثمِائَةِ سَنَة تَزِيد تِسْع سِنِينَ بِالْهِلَالِيَّةِ وَهِيَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَة بِالشَّمْسِيَّةِ فَإِنْ تَفَاوَتَ مَا بَيْن كُلّ مِائَة سَنَة بِالْقَمَرِيَّةِ إِلَى الشَّمْسِيَّة ثَلَاث سِنِينَ فَلِهَذَا قَالَ بَعْد الثَّلَثمِائَةِ وَازْدَادُوا تِسْعًا .
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَهْل الْكِتَاب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } وَقَالُوا : لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ قَدْر لُبْثهمْ فِي الْكَهْف , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } وَجْه مَفْهُوم , وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّه خَلْقه مَبْلَغ لُبْثهمْ فِيهِ وَقَدْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17334 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } هَذَا قَوْل أَهْل الْكِتَاب , فَرَدَّهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فَقَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } قَالَ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَقَالُوا وَلَبِثُوا " يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ النَّاس , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . 17335 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا ضَمْرَة بْن رَبِيعَة , عَنْ اِبْن شَوْذَب عَنْ مَطَر الْوَرَّاق , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } قَالَ : إِنَّمَا هُوَ شَيْء قَالَتْهُ الْيَهُود , فَرَدَّهُ اللَّه عَلَيْهِمْ وَقَالَ : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ مَبْلَغ مَا لَبِثُوا فِي كَهْفهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17336 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } قَالَ : عَدَد مَا لَبِثُوا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , وَزَادَ فِيهِ { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } . 17337 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } قَالَ : وَتِسْع سِنِينَ . 17338 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق بِنَحْوِهِ . 17339 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : ثني الْأَجْلَح , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة } فَقَالُوا : أَيَّامًا أَوْ أَشْهُرًا أَوْ سِنِينَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } . 17340 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } قَالَ : بَيْن جَبَلَيْنِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ ذِكْره : وَلَبِثَ أَصْحَاب الْكَهْف فِي كَهْفهمْ رُقُودًا إِلَى أَنْ بَعَثَهُمْ اللَّه , لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ , وَإِلَى أَنْ أَعْثَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَعْثَرَ , ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَتِسْع سِنِينَ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه بِذَلِكَ أَخْبَرَ فِي كِتَابه . وَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ " وَقَالُوا : وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ " وَقَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَهْل الْكِتَاب , وَقَدْ رَدَّ اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ : إِنْ شَاءَ اللَّه كَانَ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا فِيمَا ذُكِرَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لِلْفِتْيَةِ مِنْ لَدُنْ دَخَلُوا الْكَهْف إِلَى يَوْمنَا ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَتِسْع سِنِينَ , فَرَدَّ اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَأَخْبَرَ نَبِيّه أَنَّ ذَلِكَ قَدْر لُبْثهمْ فِي الْكَهْف مِنْ لَدُنْ أَوَوْا إِلَيْهِ أَنْ بَعَثَهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنهمْ ; ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا بَعْد أَنْ قَبَضَ أَرْوَاحهمْ , مِنْ بَعْد أَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتهمْ إِلَى يَوْمهمْ هَذَا , لَا يَعْلَم بِذَلِكَ غَيْر اللَّه , وَغَيْر مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّه ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : الدَّالّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ قَدْر لُبْثهمْ فِي كَهْفهمْ اِبْتِدَاء , فَقَالَ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } وَلَمْ يَضَع دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْهُ عَنْ قَوْل قَوْم قَالُوهُ , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُضَاف خَبَره عَنْ شَيْء إِلَى أَنَّهُ خَبَر عَنْ غَيْره بِغَيْرِ بُرْهَان , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ جَازَ فِي كُلّ أَخْبَاره , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَخْبَاره جَازَ فِي أَخْبَار غَيْره أَنْ يُضَاف إِلَيْهِ أَنَّهَا أَخْبَاره , وَذَلِكَ قَلْب أَعْيَان الْحَقَائِق وَمَا لَا يُخَيَّل فَسَاده . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ قَوْله : { قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا } دَلِيل عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْهُ عَنْ قَوْم قَالُوهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَجِب أَنْ يَكُون كَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَا يَحْتَمِل مِنْ التَّأْوِيل غَيْره ; فَأَمَّا وَهُوَ مُحْتَمِل مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا إِلَى يَوْم أَنْزَلْنَا هَذِهِ السُّورَة , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَغَيْر وَاجِب أَنْ يَكُون ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْم قَالُوهُ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَأْتِ خَبَر بِأَنَّ قَوْله : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ } خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْم قَالُوهُ , وَلَا قَامَتْ بِصِحَّةِ ذَلِكَ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , صَحَّ مَا قُلْنَا , وَفَسَدَ مَا خَالَفَهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ { ثَلَاث مِائَة سِنِينَ } بِتَنْوِينِ : ثَلَاث مِائَة , بِمَعْنَى : وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ سِنِينَ ثَلَاث مِائَة . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : " ثَلَاث مِائَة سِنِينَ " بِإِضَافَةِ ثَلَاث مِائَة إِلَى السِّنِينَ , غَيْر مُنَوَّن . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { ثَلَاث مِائَة } بِالتَّنْوِينِ { سِنِينَ } , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إِنَّمَا تُضِيف الْمِائَة إِلَى مَا يُفَسِّرهَا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرهَا بِلَفْظِ الْوَاحِد , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ثَلَاث مِائَة دِرْهَم , وَعِنْدِي مِائَة دِينَار , لِأَنَّ الْمِائَة وَالْأَلْف عَدَد كَثِير , وَالْعَرَب لَا تُفَسِّر ذَلِكَ إِلَّا بِمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ فِي كَثْرَة الْعَدَد , وَالْوَاحِد يُؤَدِّي عَنْ الْجِنْس , وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ مِنْ الْعَدَد , وَإِنْ كَانَتْ الْعَرَب رُبَّمَا وَضَعَتْ الْجَمْع الْقَلِيل مَوْضِع الْكَثِير , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْكَثِيرِ . وَأَمَّا إِذَا جَاءَ تَفْسِيرهَا بِلَفْظِ الْجَمْع , فَإِنَّهَا تُنَوَّن , فَتَقُول : عِنْدِي أَلْف دَرَاهِم , وَعِنْدِي مِائَة دَنَانِير , عَلَى مَا قَدْ وَصَفْت .
تفسير القرطبي هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ مُدَّة لُبْثهمْ . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَقَالُوا لَبِثُوا " . قَالَ الطَّبَرِيّ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِخْتَلَفُوا فِيمَا مَضَى لَهُمْ مِنْ الْمُدَّة بَعْد الْإِعْثَار عَلَيْهِمْ إِلَى مُدَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُمْ لَبِثُوا ثَلَاثمِائَةِ سَنَة وَتِسْع سِنِينَ , فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة فِي كَوْنهمْ نِيَامًا , وَأَنَّ مَا بَعْد ذَلِكَ مَجْهُول لِلْبَشَرِ . فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرُدّ عِلْم ذَلِكَ إِلَيْهِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَقَوْله عَلَى هَذَا " لَبِثُوا " الْأَوَّل يُرِيد فِي نَوْم الْكَهْف , و " لَبِثُوا " الثَّانِي يُرِيد بَعْد الْإِعْثَار إِلَى مُدَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ إِلَى وَقْت عَدَمهمْ بِالْبَلَاءِ . مُجَاهِد : إِلَى وَقْت نُزُول الْقُرْآن . الضَّحَّاك : إِلَى أَنْ مَاتُوا . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُ لَمَّا قَالَ " وَازْدَادُوا تِسْعًا " لَمْ يَدْرِ النَّاس أَهِيَ سَاعَات أَمْ أَيَّام أَمْ جُمَع أَمْ شُهُور أَمْ أَعْوَام . وَاخْتَلَفَ بَنُو إِسْرَائِيل بِحَسَبِ ذَلِكَ , فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِرَدِّ الْعِلْم إِلَيْهِ فِي التِّسْع , فَهِيَ عَلَى هَذَا مُبْهَمَة . وَظَاهِر كَلَام الْعَرَب الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنَّهَا أَعْوَام , وَالظَّاهِر مِنْ أَمْرهمْ أَنَّهُمْ قَامُوا وَدَخَلُوا الْكَهْف بَعْد عِيسَى بِيَسِيرٍ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ بَقِيَّة . وَقِيلَ غَيْر هَذَا عَلَى مَا يَأْتِي . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : لَا يُفْهَم مِنْ التِّسْع تِسْع لَيَالٍ وَتِسْع سَاعَات لِسَبْقِ ذِكْر السِّنِينَ ; كَمَا تَقُول : عِنْدِي مِائَة دِرْهَم وَخَمْسَة ; وَالْمَفْهُوم مِنْهُ خَمْسَة دَرَاهِم . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ " وَازْدَادُوا تِسْعًا " أَيْ اِزْدَادُوا لُبْث تِسْع ; فَحَذَفَ . وَقَالَ الضَّحَّاك : لَمَّا نَزَلَتْ " وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَثمِائَةٍ " قَالُوا سِنِينَ أَمْ شُهُور أَمْ جُمَع أَمْ أَيَّام ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " سِنِينَ " . وَحَكَى النَّقَّاش مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَبِثُوا ثَلَاثمِائَةِ سَنَة شَمْسِيَّة بِحِسَابِ الْأَيَّام ; فَلَمَّا كَانَ الْإِخْبَار هُنَا لِلنَّبِيِّ الْعَرَبِيّ ذُكِرَتْ التِّسْع ; إِذْ الْمَفْهُوم عِنْده مِنْ السِّنِينَ الْقَمَرِيَّة , وَهَذِهِ الزِّيَادَة هِيَ مَا بَيْن الْحِسَابَيْنِ . وَنَحْوه ذَكَرَ الْغَزْنَوِيّ . أَيْ بِاخْتِلَافِ سِنِي الشَّمْس وَالْقَمَر ; لِأَنَّهُ يَتَفَاوَت فِي كُلّ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثُلُث سَنَة سَنَة فَيَكُون فِي ثَلَثمِائَةٍ تِسْع سِنِينَ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " ثَلَثمِائَةٍ سِنِينَ " بِتَنْوِينِ مِائَة وَنَصْب سِنِينَ , عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ; أَيْ سِنِينَ ثَلَاثمِائَةٍ فَقَدَّمَ الصِّفَة عَلَى الْمَوْصُوف , فَتَكُون " سِنِينَ " عَلَى هَذَا بَدَلًا أَوْ عَطْف بَيَان . وَقِيلَ : عَلَى التَّفْسِير وَالتَّمْيِيز . و " سِنِينَ " فِي مَوْضِع سَنَة . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ بِإِضَافَةِ مِائَة إِلَى سِنِينَ , وَتَرَكَ التَّنْوِين ; كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا سِنِينَ بِمَنْزِلَةِ سَنَة إِذْ الْمَعْنَى بِهِمَا وَاحِد . قَالَ أَبُو عَلِيّ : هَذِهِ الْأَعْدَاد الَّتِي تُضَاف فِي الْمَشْهُور إِلَى الْآحَاد نَحْو ثَلَاثمِائَةِ رَجُل وَثَوْب قَدْ تُضَاف إِلَى الْجُمُوع . وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه " ثَلَثمِائَة سَنَة " . وَقَرَأَ الضَّحَّاك " ثَلَثمِائَة سُنُونَ " بِالْوَاوِ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِخِلَافِ " تَسْعًا " بِفَتْحِ التَّاء وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِكَسْرِهَا . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة : التَّقْدِير وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ سِنِينَ ثَلَثمِائَةٍ .
غريب الآية
وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعࣰا ﴿٢٥﴾
وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ومَكَثَ الفِتْيانُ فيه نِياماً.
الإعراب
(وَلَبِثُوا) "الْوَاوُ " حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَبِثُوا ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَهْفِهِمْ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ثَلَاثَ) نَائِبٌ عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِائَةٍ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سِنِينَ) بَدَلٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ.
(وَازْدَادُوا) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ازْدَادُوا ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(تِسْعًا) تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress