صفحات الموقع

سورة الكهف الآية ٧٩

سورة الكهف الآية ٧٩

أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا ﴿٧٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

" أَمَّا السَّفِينَةُ " التي خرقتها " فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ " يقتضي ذلك الرقة عليهم, والرأفة بهم. " فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا " أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم, فكل سفينة صالحة تمر عليه, ما فيها عيب, غصبها وأخذها ظلما, فأردت أن أخرقها, ليكون فيها عيب, فتسلم من ذلك الظالم.

التفسير الميسر

أما السفينة التي خرقتها فإنها كانت لأناس مساكين يعملون في البحر عليها سعيًا وراء الرزق، فأردت أن أعيبها بذلك الخرق؛ لأن أمامهم ملكًا يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا من أصحابها.

تفسير الجلالين

"أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ" عَشَرَة "يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر" بِهَا مُؤَاجَرَة لَهَا طَلَبًا لِلْكَسْبِ "فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ" إذَا رَجَعُوا أَوْ أَمَامهمْ الْآن "مَلِك" كَافِر "يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة" صَالِحَة "غَصْبًا" نَصْبه عَلَى الْمَصْدَر الْمُبَيِّن لِنَوْعِ الْأَخْذ

تفسير ابن كثير

هَذَا تَفْسِير مَا أَشْكَلَ أَمْره عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَا كَانَ أَنْكَرَ ظَاهِره وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّه الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى حِكْمَة بَاطِنَة فَقَالَ : إِنَّ السَّفِينَة إِنَّمَا خَرَقْتهَا لِأَعِيبَهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلِك مِنْ الظَّلَمَة " يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة " صَالِحَة أَيْ جَيِّدَة " غَصْبًا " فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا لِأَرُدّهُ عَنْهَا لِعَيْبِهَا فَيَنْتَفِع بِهَا أَصْحَابهَا الْمَسَاكِين الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْء يَنْتَفِعُونَ بِهِ غَيْرهَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ أَيْتَام وَرَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ وَهْب بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب الْجُبَّائِيّ أَنَّ اِسْم ذَلِكَ الْمَلِك هدد بْن بدد وَقَدْ تَقَدَّمَا أَيْضًا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ وَهُوَ مَذْكُور فِي التَّوْرَاة فِي ذُرِّيَّة العيص بْن إِسْحَاق وَهُوَ مِنْ الْمُلُوك الْمَنْصُوص عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة وَاَللَّه أَعْلَم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } يَقُول : أَمَّا فِعْلِي مَا فَعَلْت بِالسَّفِينَةِ , فَلِأَنَّهَا كَانَتْ لِقَوْمٍ مَسَاكِين { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْتهَا , كَمَا : 17518 - حَدَّثَنِي اِبْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } قَالَ : أَخْرِقهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , مِثْله . وَقَوْله : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } وَكَانَ أَمَامهمْ وَقُدَّامهمْ مَلِك . كَمَا : 17519 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك } قَالَ قَتَادَة : أَمَامهمْ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم } 45 10 وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ . 17520 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ فِي الْقِرَاءَة : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ جَعَلَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب " وَرَاء " مِنْ حُرُوف الْأَضْدَاد , وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُون لِمَا هُوَ أَمَامه وَلِمَا خَلْفه , وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا بِمَعْنَى أَمَامِي , وَقَدْ أُغْفِلَ وَجْه الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَا بَيْن يَدَيْهِ : هُوَ وَرَائِي , لِأَنَّك مِنْ وَرَائِهِ , فَأَنْتَ مُلَاقِيه كَمَا هُوَ مُلَاقِيك , فَصَارَ : إِذْ كَانَ مُلَاقِيك , كَأَنَّهُ مِنْ وَرَائِك وَأَنْتَ أَمَامه . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة لَا يُجِيز أَنْ يُقَال لِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْك : هُوَ وَرَائِي , وَلَا إِذَا كَانَ وَرَاءَك أَنْ يُقَال : هُوَ أَمَامِي , وَيَقُول : إِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيت مِنْ الْأَيَّام وَالْأَزْمِنَة كَقَوْلِ الْقَائِل : وَرَاءَك بَرْد شَدِيد , وَبَيْن يَدَيْك حَرّ شَدِيد , لِأَنَّك أَنْتَ وَرَاءَهُ , فَجَازَ لِأَنَّهُ شَيْء يَأْتِي , فَكَأَنَّهُ إِذَا لَحِقَك صَارَ مِنْ وَرَائِك , وَكَأَنَّك إِذَا بَلَغْته صَارَ بَيْن يَدَيْك . قَالَ : فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَجْهَانِ . وَقَوْله : { يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَيَقُول الْقَائِل : فَمَا أَغْنَى خَرْق هَذَا الْعَالِم السَّفِينَة الَّتِي رَكِبَهَا عَنْ أَهْلهَا , إِذْ كَانَ مِنْ أَجْل خَرْقهَا يَأْخُذ السُّفُن كُلّهَا , مَعِيبهَا وَغَيْر مَعِيبهَا , وَمَا كَانَ وَجْه اِعْتِلَاله فِي خَرْقهَا بِأَنَّهُ خَرَقَهَا , لِأَنَّ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ , أَنَّهُ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا , وَيَدَع مِنْهَا كُلّ مَعِيبَة , لَا أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ صِحَاحهَا وَغَيْر صِحَاحهَا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَوْله : { فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبهَا } فَأَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَابَهَا , لِأَنَّ الْمَعِيبَة مِنْهَا لَا يَعْرِض لَهَا , فَاكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقَال : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا ; عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْض الْقِرَاءَات كَذَلِكَ . 17521 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : هِيَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . 17522 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني الْحَسَن بْن دِينَار , عَنْ الْحَكَم بْن عُيَيْنَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فِي قِرَاءَة أُبَيّ : " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَالِحَة غَصْبًا " . وَإِنَّمَا عِبْتهَا لِأَرُدّهُ عَنْهَا . 17523 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا } فَإِذَا خَلَّفُوهُ أَصْلَحُوهَا بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعُوا بِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان , عَنْ شُعَيْب الْجَبِئِيّ , أَنَّ اِسْم الرَّجُل الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة غَصْبًا : هُدَد بْن بُدَد .

تفسير القرطبي

اِسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمِسْكِين أَحْسَن حَالًا مِنْ الْفَقِير , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى مِنْ سُورَة " بَرَاءَة " . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُسَافِرُونَ عَنْ قِلَّة فِي لُجَّة بَحْر , وَبِحَالِ ضَعْف عَنْ مُدَافَعَة خَطْب عَبَّرَ عَنْهُمْ بِمَسَاكِين ; إِذْ هُمْ فِي حَالَة يُشْفَق عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهَا , وَهَذَا كَمَا تَقُول لِرَجُلٍ غَنِيّ وَقَعَ فِي وَهْلَة أَوْ خَطْب : مِسْكِين . وَقَالَ كَعْب وَغَيْره : كَانَتْ لِعَشَرَةِ إِخْوَة مِنْ الْمَسَاكِين وَرِثُوهَا مِنْ أَبِيهِمْ خَمْسَة زَمْنَى , وَخَمْسَة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر . وَقِيلَ : كَانُوا سَبْعَة لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ زَمَانَة لَيْسَتْ بِالْآخَرِ . وَقَدْ ذَكَرَ النَّقَّاش أَسْمَاءَهُمْ ; فَأَمَّا الْعُمَّال مِنْهُمْ فَأَحَدهمْ كَانَ مَجْذُومًا ; وَالثَّانِي أَعْوَر , وَالثَّالِث أَعْرَج , وَالرَّابِع آدَرّ , وَالْخَامِس مَحْمُومًا لَا تَنْقَطِع عَنْهُ الْحُمَّى الدَّهْر كُلّه وَهُوَ أَصْغَرهمْ ; وَالْخَمْسَة الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْعَمَل : أَعْمَى وَأَصَمّ وَأَخْرَس وَمُقْعَد وَمَجْنُون , وَكَانَ الْبَحْر الَّذِي يَعْمَلُونَ فِيهِ مَا بَيْن فَارِس وَالرُّوم ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة : " لِمَسَّاكِينَ " بِتَشْدِيدِ السِّين , وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ : هُمْ مَلَّاحُو السَّفِينَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسَّاك هُوَ الَّذِي يَمْسِك رِجْل السَّفِينَة , وَكُلّ الْخَدَمَة تَصْلُح لِإِمْسَاكِهِ فَسُمِّيَ الْجَمِيع مَسَّاكِين . وَقَالَتْ فِرْقَة : أَرَادَ بِالْمَسَّاكِينَ دَبْغَة الْمُسُوك وَهِيَ الْجُلُود وَاحِدهَا مَسْك . وَالْأَظْهَر قِرَاءَة " مَسَاكِين " بِالتَّخْفِيفِ جَمْع مِسْكِين , وَأَنَّ مَعْنَاهَا : إِنَّ السَّفِينَة لِقَوْمٍ ضُعَفَاء يَنْبَغِي أَنْ يُشْفَق عَلَيْهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ أَجْعَلهَا ذَات عَيْب , يُقَال : عِبْت الشَّيْء فَعَابَ إِذَا صَارَ ذَا عَيْب , فَهُوَ مَعِيب وَعَائِب . قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر ( صَحِيحَة ) وَقَرَأَ أَيْضًا اِبْن عَبَّاس وَعُثْمَان بْن عَفَّان ( صَالِحَة ) . و ( وَرَاء ) أَصْلهَا بِمَعْنَى خَلْف ; فَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّهُ كَانَ خَلْفه وَكَانَ رُجُوعهمْ عَلَيْهِ . وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ مَعْنَى ( وَرَاء ) هُنَا أَمَام ; يَعْضُدهُ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر " وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة صَحِيحَة غَصْبًا " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : " وَرَاءَهُمْ " هُوَ عِنْدِي عَلَى بَابه ; وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ إِنَّمَا تَجِيء مُرَاعًى بِهَا الزَّمَان وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَث الْمُقَدَّم الْمَوْجُود هُوَ الْأَمَام , وَاَلَّذِي يَأْتِي بَعْده هُوَ الْوَرَاء وَهُوَ مَا خُلِّفَ , وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَظْهَر بَادِيَ الرَّأْي , وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي مَوَاضِعهَا حَيْثُ وَرَدَتْ تَجِدهَا تَطَّرِد , فَهَذِهِ الْآيَة مَعْنَاهَا : إِنَّ هَؤُلَاءِ وَعَمَلهمْ وَسَعْيهمْ يَأْتِي بَعْده فِي الزَّمَان غَصْب هَذَا الْمَلِك ; وَمَنْ قَرَأَ " أَمَامهمْ " أَرَادَ فِي الْمَكَان , أَيْ كَأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ إِلَى بَلَد , وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( الصَّلَاة أَمَامك ) يُرِيد فِي الْمَكَان , وَإِلَّا فَكَوْنهمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت كَانَ أَمَام الصَّلَاة فِي الزَّمَان ; وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَقَالَة فَإِنَّهَا مُرِيحَة مِنْ شَغَب هَذِهِ الْأَلْفَاظ ; وَوَقَعَ لِقَتَادَةَ فِي كِتَاب الطَّبَرِيّ " وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك " قَالَ قَتَادَة : أَمَامهمْ أَلَا تَرَاهُ يَقُول : مِنْ " وَرَائِهِمْ جَهَنَّم " وَهِيَ بَيْن أَيْدِيهمْ ; وَهَذَا الْقَوْل غَيْر مُسْتَقِيم , وَهَذِهِ هِيَ الْعُجْمَة الَّتِي كَانَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن يَضِجّ مِنْهَا ; قَالَهُ الزَّجَّاج . قُلْت : وَمَا اِخْتَارَهُ هَذَا الْإِمَام قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ اِبْن عَرَفَة ; قَالَ الْهَرَوِيّ قَالَ اِبْن عَرَفَة : يَقُول الْقَائِل كَيْفَ قَالَ " مِنْ وَرَائِهِ " وَهِيَ أَمَامه ؟ فَزَعَمَ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو عَلِيّ قُطْرُب أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَضْدَاد , وَأَنَّ وَرَاء فِي مَعْنَى قُدَّام , وَهَذَا غَيْر مُحَصَّل ; لِأَنَّ أَمَام ضِدّ وَرَاء , وَإِنَّمَا يَصْلُح هَذَا فِي الْأَوْقَات , كَقَوْلِك لِلرَّجُلِ إِذَا وَعَدَ وَعْدًا فِي رَجَب لِرَمَضَان ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ وَرَائِك شَعْبَان لَجَازَ وَإِنْ كَانَ أَمَامه , لِأَنَّهُ يَخْلُفهُ إِلَى وَقْت وَعْده ; وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْقَوْل أَيْضًا الْقُشَيْرِيّ وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الْأَوْقَات , وَلَا يُقَال لِلرَّجُلِ أَمَامك إِنَّهُ وَرَاءَك ; قَالَ الْفَرَّاء : وَجَوَّزَهُ غَيْره ; وَالْقَوْم مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِخَبَرِ الْمَلِك , فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى الْخَضِر حَتَّى عَيْب السَّفِينَة ; وَذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي اِسْتِعْمَال وَرَاء مَوْضِع أَمَام عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : [ أَحَدهَا ] يَجُوز اِسْتِعْمَالهَا بِكُلِّ حَال وَفِي كُلّ مَكَان وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم " [ الْجَاثِيَة : 10 ] أَيْ مِنْ أَمَامهمْ : وَقَالَ الشَّاعِر : أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا يَعْنِي أَمَامِي . [ وَالثَّانِي ] أَنَّ وَرَاء تُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع أَمَام فِي الْمَوَاقِيت وَالْأَزْمَان لِأَنَّ الْإِنْسَان يَجُوزهَا فَتَصِير وَرَاءَهُ وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهَا . [ الثَّالِث ] أَنَّهُ يَجُوز فِي الْأَجْسَام الَّتِي لَا وَجْه لَهَا كَحَجَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا وَرَاء الْآخَر وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهمَا ; وَهَذَا قَوْل عَلِيّ بْن عِيسَى . وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الْمَلِك فَقِيلَ : هُدَد بْن بُدَد . وَقِيلَ : الْجَلَنْدِيّ ; وَقَالَهُ السُّهَيْلِيّ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ اِسْم الْمَلِك الْآخِذ لِكُلِّ سَفِينَة غَصْبًا فَقَالَ : هُوَ ( هُدَد بْن بُدَد وَالْغُلَام الْمَقْتُول ) اِسْمه جيسور , وَهَكَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي الْجَامِع مِنْ رِوَايَة يَزِيد الْمَرْوَزِيّ , وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة حيسور بِالْحَاءِ وَعِنْدِي فِي حَاشِيَة الْكِتَاب رِوَايَة ثَالِثَة : وَهِيَ حيسون وَكَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة جَيِّدَة غَصْبًا فَلِذَلِكَ عَابَهَا الْخَضِر وَخَرَقَهَا ; فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْه الْعَمَل بِالْمَصَالِحِ إِذَا تَحَقَّقَ وَجْههَا , وَجَوَاز إِصْلَاح كُلّ الْمَال بِإِفْسَادِ بَعْضه , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَجْه الْحِكْمَة بِخَرْقِ السَّفِينَة وَذَلِكَ قَوْله : ( فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَة فَتَجَاوَزَهَا , فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ . .. ) الْحَدِيث . وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْحَضّ عَلَى الصَّبْر فِي الشَّدَائِد , فَكَمْ فِي ضِمْن ذَلِكَ الْمَكْرُوه مِنْ الْفَوَائِد , وَهَذَا مَعْنَى قَوْله : " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 216 ] .

غريب الآية
أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا ﴿٧٩﴾
لِمَسَـٰكِینَمحتاجِين لا يملِكُون ما يَكْفيهم ويَسُدُّ حاجتَهم.
أَعِیبَهَاأُحْدِثَ فيها عَيْباً بخَرْقِها.
وَرَاۤءَهُمأمامَهم.
كُلَّ سَفِینَةٍصالحةٍ غيرِ مَعِيبةٍ.
غَصۡبࣰاقَهْراً وظُلْماً.
الإعراب
(أَمَّا)
حَرْفُ شَرْطٍ وَتَفْصِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(السَّفِينَةُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَكَانَتْ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَانَتْ) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ".
(لِمَسَاكِينَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَسَاكِينَ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (السَّفِينَةُ) :.
(يَعْمَلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(مَسَاكِينَ) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْبَحْرِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَأَرَدْتُ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَرَدْتُ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَعِيبَهَا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(أَرَادَ) :.
(وَكَانَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَانَ) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(وَرَاءَهُمْ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ.
(مَلِكٌ)
اسْمُ كَانَ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَأْخُذُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(كُلَّ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سَفِينَةٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(غَصْبًا)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.