صفحات الموقع

سورة المدثر تفسير السعدي

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ﴿١﴾
يا أيها المتغطي بثيابه,
قُمۡ فَأَنذِرۡ ﴿٢﴾
قم من مضجعك, فحذر الناس من عذاب الله,
وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ﴿٣﴾
وخص ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة,
وَثِیَابَكَ فَطَهِّرۡ ﴿٤﴾
وطهر ثيابك من النجاسات,
وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ﴿٥﴾
ودم على هجر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها, فلا تقربها,
وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ﴿٦﴾
ولا تعط العطية, كي تلتمس أكثر منها,
وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ﴿٧﴾
ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.
فَإِذَا نُقِرَ فِی ٱلنَّاقُورِ ﴿٨﴾
فإذا نفخ في " القرن " نفخة البعث والنشور,
فَذَ ٰ⁠لِكَ یَوۡمَىِٕذࣲ یَوۡمٌ عَسِیرٌ ﴿٩﴾
فذلك الوقت يومئذ شديد على الكافرين,
عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ غَیۡرُ یَسِیرࣲ ﴿١٠﴾
غير سهل أن يخلصوا مما هم فيه من مناقشة الحساب وغيره من الأعمال.
ذَرۡنِی وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِیدࣰا ﴿١١﴾
دعني- يا محمد- أنا والذي خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد,
وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالࣰا مَّمۡدُودࣰا ﴿١٢﴾
جعلت له مالا مبسوطا واسعا
وَبَنِینَ شُهُودࣰا ﴿١٣﴾
وأولادا حضورا معه في " مكة " لا يغيبون عنه؟
وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِیدࣰا ﴿١٤﴾
ويسرت له سبل العيش تيسيرا,
ثُمَّ یَطۡمَعُ أَنۡ أَزِیدَ ﴿١٥﴾
ثم يأمل بعد هذا العطاء أن أزيد له في ماله وولده, وقد كفر بي.
كَلَّاۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔایَـٰتِنَا عَنِیدࣰا ﴿١٦﴾
ليس الأمر كما يزعم هذا الفاجر الأثيم, لا أزيده على ذلك.

إنه كان للقرآن وحجج الله على خلقه معاندا مكذبا,
سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ﴿١٧﴾
سأكلفه مشقة من العذاب والإرهاق لا راحة له منها.

(والمراد به الوليد بن المغيرة المعاند للحق المبارز لله ولرسوله بالمحاربة).
إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾
إنه فكر في نفسه, وهيأ ما يقوله من الطعن في محمد والقرآن,
فَقُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾
فقهر وغلب, واستحق بذلك الهلاك, كيف أعد في نفسه هذا الطعن؟
ثُمَّ قُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾
ثم قهر وغلب كذلك, ثم تأمل فيما قدروها من الطعن في القرآن,
ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾
ثم قطب وجهه,
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾
واشتد في العبوس والكلوح لما ضاقت عليه الحيل, ولم يجد مطعنا يطعن به في القرآن,
ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ﴿٢٣﴾
ثم رجع معرضا عن الحق, وتعاظم أن يعترف به,
فَقَالَ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ یُؤۡثَرُ ﴿٢٤﴾
فقال عن القرآن: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقل عن الأولين,
إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ﴿٢٥﴾
ما هذا إلا كلام المخلوقين تعلمه محمد منهم, ثم ادعى أنه من عند الله.
سَأُصۡلِیهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾
سأدخله جهنم كي يصلي حرها ويحترق بنارها
وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾
وما أعلمك أي شيء جهنم؟
لَا تُبۡقِی وَلَا تَذَرُ ﴿٢٨﴾
لا تبقي لحما ولا تترك عظما إلا أحرقته,
لَوَّاحَةࣱ لِّلۡبَشَرِ ﴿٢٩﴾
مغيرة للبشرة, مسودة للجلود, محرقة لها,
عَلَیۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾
يلي أمرها ويتسلط على أهلها بالعذاب تسعة عشر ملكا من الزبانية الأشداء.
وَمَا جَعَلۡنَاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰۤىِٕكَةࣰۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةࣰ لِّلَّذِینَ كَفَرُواْ لِیَسۡتَیۡقِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ وَیَزۡدَادَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤاْ إِیمَـٰنࣰا وَلَا یَرۡتَابَ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِیَقُولَ ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ وَٱلۡكَـٰفِرُونَ مَاذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلࣰاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَمَا یَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِیَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ﴿٣١﴾
وما جعلنا خزنة النار إلا من الملائكة الغلاظ, وما جعلنا ذلك العدد إلا اختبارا للذين كفروا بالله وليحصل اليقين للذين أعطوا الكتاب من اليهود والنصارى بأن ما جاء في القرآن عن خزنة جهنم إنما هو حق من الله تعالى, حيث, وافق ذلك كتبهم, ويزداد المؤمنون تصديقا بالله ورسوله وعملا بشرعه, ولا يشك في ذلك الذين أعطوا الكتاب من اليهود والنصارى ولا المؤمنون بالله ورسوله.

وليقول الذين في فلوبهم نفاق والكافرون: ما الذي أراده الله بهذا العدد المستغرب بمثل ذلك الذي ذكر يضل الله من أراد إضلاله, ويهدي من أراد هدايته, وما يعلم عدد ملائكة ربك الذين خلقهم إلا الله وحده.

وما النار إلا تذكرة وموعظة للناس.
كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ﴿٣٢﴾
ليس الأمر كما ذكروا من التكذيب للرسول فيما جاء به, أقسم الله سبحانه بالقمر,
وَٱلَّیۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ﴿٣٣﴾
وبالليل إذ ولى وذهب,
وَٱلصُّبۡحِ إِذَاۤ أَسۡفَرَ ﴿٣٤﴾
وبالصبح إذا أضاء وانكشف.
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ﴿٣٥﴾
إن النار لإحدى العظائم.
نَذِیرࣰا لِّلۡبَشَرِ ﴿٣٦﴾
إنذارا وتخويفا للناس,
لِمَن شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَتَقَدَّمَ أَوۡ یَتَأَخَّرَ ﴿٣٧﴾
لمن أراد منكم أن يتقرب إلى ربه بفعل الطاعات, أو يتأخر بفعل المعاصي.
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ ﴿٣٨﴾
كل نفس محبوسة بعملها, مرهونة عند الله بكسبها, ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات,
إِلَّاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡیَمِینِ ﴿٣٩﴾
إلا المسلمين المخلصين أصحاب اليمين الذين فكوا رقابهم بالطاعة,
فِی جَنَّـٰتࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ ﴿٤٠﴾
هم في جنات لا يدوك وصفها, يسأل بعضهم بعضا
عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ ﴿٤١﴾
عن الكافرين الذين أجرموا في حق أنفسهم:
مَا سَلَكَكُمۡ فِی سَقَرَ ﴿٤٢﴾
ما الذي أدخلكم جهنم, وجعلكم تذوقون سعيرها؟
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ ﴿٤٣﴾
قال المجرمون: لم نكن من المصلين في الدنيا,
وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِینَ ﴿٤٤﴾
ولم نكن نتصدق ونحن الفقراء والمساكين,
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَاۤىِٕضِینَ ﴿٤٥﴾
وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية والضلالة,
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ ﴿٤٦﴾
وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء,
حَتَّىٰۤ أَتَىٰنَا ٱلۡیَقِینُ ﴿٤٧﴾
حتى جاءنا الموت, ونحن في تلك الضلالات والمنكرات.
فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِینَ ﴿٤٨﴾
فما تنفعهم شفاعة الشافعين جميعا من الملائكة والنبيين وغيرهم; لأن الشفاعة إنما تكون لمن ارتضاه الله, وأذن لشفيعه.
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِینَ ﴿٤٩﴾
فما لهؤلاء المشركين عن القرآن وما فيه من المواعظ منصرفين؟
كَأَنَّهُمۡ حُمُرࣱ مُّسۡتَنفِرَةࣱ ﴿٥٠﴾
كأنهم حمر وحشية شديدة النفار,
فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ﴿٥١﴾
فرت من أسد كاسر.
بَلۡ یُرِیدُ كُلُّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُمۡ أَن یُؤۡتَىٰ صُحُفࣰا مُّنَشَّرَةࣰ ﴿٥٢﴾
بل يطمع كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل الله عليه كتابا من السماء منشورا, كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
كَلَّاۖ بَل لَّا یَخَافُونَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ ﴿٥٣﴾
ليس الأمر كما زعموا, بل الحقيقة أنهم لا يخافون الآخرة, ولا يصدقون بالبعث والجزاء.
كَلَّاۤ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةࣱ ﴿٥٤﴾
حقا أن القرآن موعظة بليغة كافيه لاتعاظهم,
فَمَن شَاۤءَ ذَكَرَهُۥ ﴿٥٥﴾
فمن أراد الاتعاظ اتعظ بما فيه وانتفع بهداه,
وَمَا یَذۡكُرُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ ﴿٥٦﴾
وما يتعظون به إلا أن يشاء الله لهم الهدى.

هو سبحانه آمن لأن يتقي ويطاع, وأهل لأن يغفر لمن آمن به وأطاعه.