صفحات الموقع

سورة المدثر الآية ٦

سورة المدثر الآية ٦

وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ﴿٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولا تعط العطية, كي تلتمس أكثر منها,

التفسير الميسر

يا أيها المتغطي بثيابه، قم مِن مضجعك، فحذِّر الناس من عذاب الله، وخُصَّ ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة، وَطَهِّر ثيابك من النجاسات؛ فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن، ودُمْ على هَجْر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها، فلا تقربها، ولا تُعط العطيَّة؛ كي تلتمس أكثر منها، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.

تفسير الجلالين

"وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر" بِالرَّفْعِ حَال أَيْ لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَطْلُب أَكْثَر مِنْهُ وَهَذَا خَاصّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَأْمُور بِأَجْمَل الْأَخْلَاق وَأَشْرَف الْآدَاب

تفسير ابن كثير

قَالَ اِبْن عَبَّاس لَا تُعْطِ الْعَطِيَّة تَلْتَمِس أَكْثَر مِنْهَا وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَطَاوُس وَأَبُو الْأَحْوَص وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمْ وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ " وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِر " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِك عَلَى رَبّك تَسْتَكْثِرهُ وَكَذَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ خُصَيْف عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر " قَالَ لَا تَضْعُف أَنْ تَسْتَكْثِر مِنْ الْخَيْر قَالَ تَمْنُنْ فِي كَلَام الْعَرَب تَضْعُف وَقَالَ اِبْن زَيْد : لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاس تَسْتَكْثِرهُمْ بِهَا تَأْخُذ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الدُّنْيَا فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقْوَال وَالْأَظْهَر الْقَوْل الْأَوَّل وَاَللَّه أَعْلَم.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تُعْطِ يَا مُحَمَّد عَطِيَّة لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27387 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ عَطِيَّة تَلْتَمِس بِهَا أَفْضَل مِنْهَا . 27388 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثني أَبُو حَيْوَة شُرَيْح بْن يَزِيد الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : ثني أَرْطَاة عَنْ ضَمْرَة بْن حَبِيب وَأَبِي الْأَحْوَص فِي قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ شَيْئًا , لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهُ . 27389 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ الْعَطِيَّة لِتُرِيدَ أَنْ تَأْخُذ أَكْثَر مِنْهَا . 27390 -حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ كَيْمَا تَزْدَاد . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذ أَكْثَر مِنْهُ . 27391 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سَلَمَة , عَنِ الضَّحَّاك { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهُ . * - قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهُ. * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَزْدَادَ . 27392 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنِ ابْن أَبِي رَوَّاد , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : هُوَ الرِّبَا الْحَلَال , كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة . 27393 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ أَبِي حُجَيْرَة , عَنِ الضَّحَّاك , هُمَا رِبَوانِ : حَلَال , وَحَرَام ; فَأَمَّا الْحَلَال : فَالْهَدَايَا , وَالْحَرَام : فَالرِّبَا . 27394 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } يَقُول : لَا تُعْطِ شَيْئًا , إِنَّمَا بِك مُجَازَاة الدُّنْيَا وَمَعَارِضهَا . 26395 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتُثَابَ أَفْضَل مِنْهُ , وَقَالَهُ أَيْضًا طَاوُس . 27396 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : تُعْطِي مَالًا مُصَانَعَة رَجَاء أَفْضَل مِنْهُ مِنْ الثَّوَاب فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : لَا تُعْطِ لِتُعْطَى أَكْثَر مِنْهُ . * -قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تُعْطِ لِتَزْدَادَ . * - قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : هِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة , وَلِلنَّاسِ عَامَّة مُوَسَّع عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَمْنُنْ عَمَلك عَلَى رَبّك تَسْتَكْثِر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27397 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تَمْنُنْ عَمَلك تَسْتَكْثِرهُ عَلَى رَبّك . * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر عَمَلك . * -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا يُونُس بْن نَافِع أَبُو غَانِم , عَنْ أَبِي سَهْل , كَثِير بْن زِيَاد , عَنْ الْحَسَن { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } يَقُول : لَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر عَمَلك الصَّالِح . 27398 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا يَكْثُر عَمَلك فِي عَيْنك , فَإِنَّهُ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْك وَأَعْطَاك قَلِيل. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَضْعُف أَنْ تَسْتَكْثِر مِنَ الْخَيْر , وَوَجَّهُوا مَعْنَى قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ } أَيْ لَا تَضْعُف , مِنْ قَوْلهمْ : حَبْل مَنِين : إِذَا كَانَ ضَعِيفًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27399 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سَلَمَة , عَنْ خُصَيْف عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تَضْعُف أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنْ الْخَيْر , قَالَ : تَمْنُنْ فِي كَلَام الْعَرَب : تَضْعُف . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاس , تَأْخُذ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَجْرًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27400 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } قَالَ : لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ وَالْقُرْآن الَّذِي أَرْسَلْنَاك بِهِ تَسْتَكْثِرهُمْ بِهِ , تَأْخُذ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الدُّنْيَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَمْنُنْ عَلَى رَبّك مِنْ أَنْ تَسْتَكْثِر عَمَلك الصَّالِح . وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاق آيَات تَقَدَّمَ فِيهِنَّ أَمْر اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِدِّ فِي الدُّعَاء إِلَيْهِ , وَالصَّبْر عَلَى مَا يَلْقَى مِنَ الْأَذَى فِيهِ , فَهَذِهِ بِأَنْ تَكُون مِنْ أَنْوَاع تِلْكَ , أَشْبَه مِنْهَا بِأَنْ تَكُون مِنْ غَيْرهَا , وَذُكِرَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَته : " وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِر " .

تفسير القرطبي

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ " فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ تَأْوِيلًا ; الْأَوَّل : لَا تَمْنُنْ عَلَى رَبّك بِمَا تَتَحَمَّلهُ مِنْ أَثْقَال النُّبُوَّة , كَاَلَّذِي يَسْتَكْثِر مَا يَتَحَمَّلهُ بِسَبَبِ الْغَيْر . الثَّانِي : لَا تُعْطِ عَطِيَّة تَلْتَمِس بِهَا أَفْضَل مِنْهَا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة . قَالَ الضَّحَّاك : هَذَا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ مَأْمُور بِأَشْرَف الْآدَاب وَأَجَلّ الْأَخْلَاق , وَأَبَاحَهُ لِأُمَّتِهِ ; وَقَالَهُ مُجَاهِد . الثَّالِث : عَنْ مُجَاهِد أَيْضًا لَا تَضْعُف أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنْ الْخَيْر ; مِنْ قَوْلِك حَبْل مَنِين إِذَا كَانَ ضَعِيفًا ; وَدَلِيله قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ مِنْ الْخَيْر " . الرَّابِع : عَنْ مُجَاهِد أَيْضًا وَالرَّبِيع : لَا تُعْظِم عَمَلَك فِي عَيْنِك أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنْ الْخَيْر , فَإِنَّهُ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْك . قَالَ اِبْن كَيْسَان : لَا تَسْتَكْثِر عَمَلَك فَتَرَاهُ مِنْ نَفْسِك , إِنَّمَا عَمَلُك مِنَّة مِنْ اللَّه عَلَيْك ; إِذْ جَعَلَ اللَّه لَك سَبِيلًا إِلَى عِبَادَته . الْخَامِس : قَالَ الْحَسَن : لَا تَمْنُنْ عَلَى اللَّه بِعَمَلِك فَتَسْتَكْثِرهُ . السَّادِس : لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ وَالْقُرْآن عَلَى النَّاس فَتَأْخُذ مِنْهُمْ أَجْرًا تَسْتَكْثِر بِهِ . ‎السَّابِع : قَالَ الْقُرَظِيّ : لَا تُعْطِ مَالَك مُصَانَعَةً. الثَّامِن : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : إِذَا أَعْطَيْت عَطِيَّة فَأَعْطِهَا لِرَبِّك . التَّاسِع : لَا تَقُلْ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي . الْعَاشِر : لَا تَعْمَل طَاعَة وَتَطْلُب ثَوَابَهَا , وَلَكِنْ اِصْبِرْ حَتَّى يَكُونَ اللَّه هُوَ الَّذِي يُثِيبك عَلَيْهَا . الْحَادِي عَشَرَ : لَا تَفْعَل الْخَيْرَ لِتُرَائِيَ بِهِ النَّاسَ . الثَّانِيَة : هَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ كَانَتْ مُرَادَة فَأَظْهَرهَا قَوْل اِبْن عَبَّاس : لَا تُعْطِ لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْت مِنْ الْمَال ; يُقَال : مَنَنْت فُلَانًا كَذَا أَيْ أَعْطَيْته . وَيُقَال لِلْعَطِيَّةِ الْمِنَّة ; فَكَأَنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ تَكُونَ عَطَايَاهُ لِلَّهِ , لَا لِارْتِقَابِ ثَوَاب مِنْ الْخَلْق عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام مَا كَانَ يَجْمَع الدُّنْيَا , وَلِهَذَا قَالَ : ( مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُس وَالْخُمُس مَرْدُود عَلَيْكُمْ ) . وَكَانَ مَا يَفْضُل مِنْ نَفَقَة عِيَاله مَصْرُوفًا إِلَى مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ ; وَلِهَذَا لَمْ يُوَرَّث ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ الِادِّخَارَ وَالِاقْتِنَاءَ , وَقَدْ عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ الرَّغْبَة فِي شَيْء مِنْ الدُّنْيَا ; وَلِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَأُبِيحَتْ لَهُ الْهَدِيَّة , فَكَانَ يَقْبَلهَا وَيُثِيب عَلَيْهَا . وَقَالَ : ( لَوْ دُعِيت إِلَى كُرَاع لَأَجَبْت وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاع لَقَبِلْت ) اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَانَ يَقْبَلهَا سُنَّة وَلَا يَسْتَكْثِرهَا شِرْعَةً , وَإِذَا كَانَ لَا يُعْطِي عَطِيَّة يَسْتَكْثِر بِهَا فَالْأَغْنِيَاء أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ ; لِأَنَّهَا بَاب مِنْ أَبْوَاب الْمَذَلَّة , وَكَذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَاهَا لَا تُعْطِي عَطِيَّةً تَنْتَظِر ثَوَابَهَا , فَإِنَّ الِانْتِظَارَ تَعَلُّق بِالْأَطْمَاعِ , وَذَلِكَ فِي حَيِّزه بِحُكْمِ الِامْتِنَاع , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاة الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى " [ طَه : 131 ] . وَذَلِكَ جَائِز لِسَائِرِ الْخَلْق ; لِأَنَّهُ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا , وَطَلَب الْكَسْب وَالتَّكَاثُر بِهَا . وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَرَادَ بِهِ الْعَمَل أَيْ لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِك عَلَى اللَّه فَتَسْتَكْثِرهُ فَهُوَ صَحِيح ; فَإِنَّ اِبْن آدَم لَوْ أَطَاعَ اللَّهَ عُمُره مِنْ غَيْر فُتُور لَمَا بَلَغَ لِنِعَمِ اللَّه بَعْض الشُّكْر الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَمْنُنْ " قِرَاءَة الْعَامَّة بِإِظْهَارِ التَّضْعِيف . وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال الْعَدَوِيّ وَأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ وَالْحَسَن " وَلَا تَمُنّ " مُدْغَمَة مَفْتُوحَة . " تَسْتَكْثِرُ " : قِرَاءَة الْعَامَّة بِالرَّفْعِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَال , تَقُول : جَاءَ زَيْد يَرْكُض أَيْ رَاكِضًا ; أَيْ لَا تُعْطِ شَيْئًا مُقَدَّرًا أَنْ تَأْخُذَ بَدَله مَا هُوَ أَكْثَر مِنْهُ . وَقَرَأَ الْحَسَن بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَاب النَّهْي وَهُوَ رَدِيء ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ . وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ " تَمْنُنْ " كَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَسْتَكْثِر . وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم وَقَالَ : لِأَنَّ الْمَنّ لَيْسَ بِالِاسْتِكْثَارِ فَيُبْدَل مِنْهُ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ سَكَّنَ تَخْفِيفًا كَعَضْد . أَوْ أَنْ يَعْتَبِر حَال الْوَقْف . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى " تَسْتَكْثِرَ " بِالنَّصْبِ , تَوَهَّمَ لَامَ كَيْ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا تَمْنُنْ لِتَسْتَكْثِرَ . وَقِيلَ : هُوَ بِإِضْمَارِ " أَنْ " كَقَوْلِهِ : ( أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِيّ أَحْضُرَ الْوَغَى ) وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ " . قَالَ الْكِسَائِيّ : فَإِذَا حُذِفَ " أَنْ " رَفَعَ وَكَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا . وَقَدْ يَكُون الْمَنّ بِمَعْنَى التَّعْدَاد عَلَى الْمُنْعِم عَلَيْهِ بِالنِّعَمِ , فَيَرْجِع إِلَى الْقَوْل [ الثَّانِي ] , وَيُعَضِّدهُ قَوْله تَعَالَى : " لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى " [ الْبَقَرَة : 264 ] وَقَدْ يَكُون مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

غريب الآية
وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ﴿٦﴾
وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُوَلَا تُعْطِ العَطِيَّةَ؛ كَي تَلْتَمِسَ أَكْثَرَ مِنْها.
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَمْنُنْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(تَسْتَكْثِرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.