سورة الطور تفسير السعدي
وَٱلطُّورِ ﴿١﴾
أقسم الله بالطور, وهو الجبل الذي كلم الله سبحانه وتعالى موسى عليه,
وَكِتَـٰبࣲ مَّسۡطُورࣲ ﴿٢﴾
وبكتاب مكتوب, وهو القرآن
فِی رَقࣲّ مَّنشُورࣲ ﴿٣﴾
في صحف منشورة ,
وَٱلۡبَیۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ﴿٤﴾
وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفن به دائما,
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ﴿٥﴾
وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا,
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ﴿٦﴾
والبحر المسجور المملوء
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَ ٰقِعࣱ ﴿٧﴾
إن عذاب ربك - يا محمد- بالكفار لواقع ,
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعࣲ ﴿٨﴾
ليس له من مانع يمنعه حين وقوعه,
یَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاۤءُ مَوۡرࣰا ﴿٩﴾
يوم تتحرك السماء فيختل نظامها وتضطرب أجزاؤها, وذلك عند نهاية الحياة الدنيا,
وَتَسِیرُ ٱلۡجِبَالُ سَیۡرࣰا ﴿١٠﴾
وتزول الجبال عن أماكنها, وتسير كسير السحاب.
فَوَیۡلࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ ﴿١١﴾
فالهلاك في هذا اليوم واقع بالمكذبين
ٱلَّذِینَ هُمۡ فِی خَوۡضࣲ یَلۡعَبُونَ ﴿١٢﴾
الذين هم في خوض بالباطل يلعبون به, ويتخذون دينهم هزوا ولعبا.
یَوۡمَ یُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣﴾
يوم تدفع هؤلاء المكذبون دفعا بعنف ومهانة إلى نار جهنم ,
هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِی كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤﴾
ويقال توبيخا لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون.
أَفَسِحۡرٌ هَـٰذَاۤ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ﴿١٥﴾
أفسحر ما تشاهدونه من العذاب أم أنتم لا تنظرون؟
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوۤاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَاۤءٌ عَلَیۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿١٦﴾
ذوقوا حر هذه النار, فاصبروا على ألمها وشدتها, أولا تصبروا على ذلك , فلن يخفف عنكم العذاب , ولن تخرجوا منها, سواء عليكم صبرتم أم لم تصبروا, إنما تجزون ما كنتم تعملون في الدنيا.
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِینَ فِی جَنَّـٰتࣲ وَنَعِیمࣲ ﴿١٧﴾
إن المتقين في جنات ونعيم عظيم,
فَـٰكِهِینَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ ﴿١٨﴾
يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم من أصناف الملاذ المختلفة, ونحاهم الله من عذاب النار.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِیۤـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴿١٩﴾
كلوا طعاما هنيئا, واشربوا شرابا سائغا, جزاء بما عملتم من أعمال صالحة في الدنيا
مُتَّكِـِٔینَ عَلَىٰ سُرُرࣲ مَّصۡفُوفَةࣲۖ وَزَوَّجۡنَـٰهُم بِحُورٍ عِینࣲ ﴿٢٠﴾
وهم متكئون على سرر متقابلة, وزوجناهم بنساء بيض واسعات العيون حسانهن.
وَٱلَّذِینَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّیَّتُهُم بِإِیمَـٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَمَاۤ أَلَتۡنَـٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَیۡءࣲۚ كُلُّ ٱمۡرِىِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِینࣱ ﴿٢١﴾
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم في الإيمان, وألحقنا بهم ذريتهم في منزلتهم في الجنة, وإن لم يبلغوا عمل آبائهم; لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم , فيجمع بينهم على أحسن الوجوه, وما نقصناهم شيئا من ثواب أعمالهم.
كل إنسان مرهون بعمله, لا يحمل ذنب غيره من الناس.
كل إنسان مرهون بعمله, لا يحمل ذنب غيره من الناس.
وَأَمۡدَدۡنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةࣲ وَلَحۡمࣲ مِّمَّا یَشۡتَهُونَ ﴿٢٢﴾
وزدناهم على ما ذكر من النعيم فواكه ولحوما مما يستطاب ويشتهى ,
یَتَنَـٰزَعُونَ فِیهَا كَأۡسࣰا لَّا لَغۡوࣱ فِیهَا وَلَا تَأۡثِیمࣱ ﴿٢٣﴾
ومن هذا النعيم أنهم يتعاطون في الجنة كأسا من الخمر, يناول أحدهم صاحبه, ليتم بذلك سرورهم , وهذا الشراب مخالف لخمر الدنيا , فلا يزول به عقل صاحبه, ولا يحصل بسببه لغو , ولا كلام فيه إثم أو معصية.
۞ وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ ﴿٢٤﴾
ويطوف عليهم غلمان معدون لخدمتهم, كأنهم في الصفاء والبياض والتناسق لؤلؤ مصون في أصدافه.
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ ﴿٢٥﴾
وأقبل أهل الجنة, يسأل بعضهم بعضا عن عظيم ما هم فيه وسببه,
قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِیۤ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِینَ ﴿٢٦﴾
قالوا: إنا كنا قبل في الدنيا- ونحن بين أهلينا- خائفين ربنا , مشفقين من عذابه وعقابه يوم القيامة.
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ﴿٢٧﴾
فمن الله علينا بالهداية والتوفيق؟ ووقانا عذاب سموم جهنم, وهو نارها وحرارتها.
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِیمُ ﴿٢٨﴾
إنا كنا من قبل نضرع إليه وحده لا نشرك معه غيره أن يقينا عذاب السموم ويوصلنا إلى النعيم , فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا, إنه هو البر الرحيم.
فمن بره ورحمته إيانا أنالنا رضاه والجنة, ووقانا من سخطه والنار.
فمن بره ورحمته إيانا أنالنا رضاه والجنة, ووقانا من سخطه والنار.
فَذَكِّرۡ فَمَاۤ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنࣲ وَلَا مَجۡنُونٍ ﴿٢٩﴾
فذكر- يا محمد- من أرسلت إليهم بالقرآن , فما أنت بنعم الله عليك بالنبوة ورجاحة العقل بكاهن يخبر بالغيب دون علم , ولا مجنون لا يعقل ما يقول كما يدعون.
أَمۡ یَقُولُونَ شَاعِرࣱ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَیۡبَ ٱلۡمَنُونِ ﴿٣٠﴾
أم يقول المشركين لك- يا محمد-: هو شاعر ننتظر به نزول الموت؟
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّی مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِینَ ﴿٣١﴾
قل لهم: انتظروا موتي فإني معكم من المنتظرين بكم العذاب , وسترون لمن تكون العاقبة.
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَـٰمُهُم بِهَـٰذَاۤۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمࣱ طَاغُونَ ﴿٣٢﴾
بل تأمر هؤلاء المكذبين عقولهم بهذا القول المتناقض (فلك أن صفات الكهانة والشعر والجنون لا يمكن اجتماعها في آن واحد) , بل هم قوم متجاوزون الحد في الطغيان.
أَمۡ یَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا یُؤۡمِنُونَ ﴿٣٣﴾
بل أيقول هؤلاء المشركون, اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه؟ بل هم لا يؤمنون, فلو آمنوا لم يقولوا ما قالوه.
فَلۡیَأۡتُواْ بِحَدِیثࣲ مِّثۡلِهِۦۤ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِینَ ﴿٣٤﴾
فليأتوا بكلام مثل القرآن , إن كانوا صادقين- في زعمهم- أن محمدا اختلقه.
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَیۡرِ شَیۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَـٰلِقُونَ ﴿٣٥﴾
أخلق هؤلاه المشركون من غير خالق لهم وموجد, أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وكلا الأمرين باطل ومستحيل وبهذا يتعين أن الله سبحانه هو الذي خلقهم , وهو وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له.
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا یُوقِنُونَ ﴿٣٦﴾
أم خلقوا السموات والأرض على هذا الصنع البديع؟ بل هم لا يوقنون بعذاب الله, فهم مشركون.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَاۤىِٕنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۣیۡطِرُونَ ﴿٣٧﴾
أم عندهم خزائن ربك يتصرفون فيها, أم هم الجبارون المتسلطون على خلق الله بالقهر والغلبة؟ ليس الأمر كذلك , بل هم العاجزون الضعفاء.
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمࣱ یَسۡتَمِعُونَ فِیهِۖ فَلۡیَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَـٰنࣲ مُّبِینٍ ﴿٣٨﴾
أم لهم مصعد إلى السماء يستمعون فيه الوحي بأن الذي هم عليه حق؟ فليأت من يزعم أنه استمع ذلك بحجة بينة تصدق دعواه.
أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ﴿٣٩﴾
ألله سبحانه البنات ولكم البنون كما تزعمون افتراء وكذبا؟
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرࣰا فَهُم مِّن مَّغۡرَمࣲ مُّثۡقَلُونَ ﴿٤٠﴾
بل أتسأل- يا محمد- هؤلاء المشركين أجرا على تبليغ الرسالة, فهم في جهد ومشقة من التزام غرامة تطلبها منهم؟
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَیۡبُ فَهُمۡ یَكۡتُبُونَ ﴿٤١﴾
أم عندهم علم الغيب فهم يكتبونه للناس ويخبرونهم به؟ ليس الأمر كذلك; فإنه لا يعلم الغيب في السموات والأرض إلا الله.
أَمۡ یُرِیدُونَ كَیۡدࣰاۖ فَٱلَّذِینَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِیدُونَ ﴿٤٢﴾
بل يريدون برسول الله وبالمؤمنين مكرا , فالذين كفروا يرجع كيدهم ومكرهم على أنفسهم.
أَمۡ لَهُمۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ﴿٤٣﴾
أم لهم معبود يستحق العبادة غير الله؟ تنزه وتعالى عما يشركون , فليس له شريك فى الملك , ولا شريك في الوحدانية والعبادة.
وَإِن یَرَوۡاْ كِسۡفࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ سَاقِطࣰا یَقُولُواْ سَحَابࣱ مَّرۡكُومࣱ ﴿٤٤﴾
وإن ير هؤلاء المشركين قطعا من السماء ساقطا عليهم عذابا لهم لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب, ولقالوا: هذا سحاب متراكم بعضه فوق بعض.
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ یُلَـٰقُواْ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی فِیهِ یُصۡعَقُونَ ﴿٤٥﴾
فدع- يا محمد- هؤلاء المشركين حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون , وهو يوم القيامة.
یَوۡمَ لَا یُغۡنِی عَنۡهُمۡ كَیۡدُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ ﴿٤٦﴾
وفي ذلك اليوم لا يدفع عنهم كيدهم من عذاب الله شيئا , ولا ينصرهم ناصر من عذاب الله.
وَإِنَّ لِلَّذِینَ ظَلَمُواْ عَذَابࣰا دُونَ ذَ ٰلِكَ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٤٧﴾
وإن لهؤلاء الظلمة عذابا يلقونه في الدنيا قبل عذاب يوم القيامة من القتل والسبي وعذاب البرزخ وغير ذلك , ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.
وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡیُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِینَ تَقُومُ ﴿٤٨﴾
واصبر- يا محمد- لحكم ربك وأمره فيما حملك من الرسالة , وعلى ما يلحقك من أذى قومك , فإنك بمرأى منا وحفظ واعتناء , وسبح بحمد ربك حين تقوم إلى الصلاة , وحين تقوم من نومك ,
وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ ﴿٤٩﴾
ومن الليل فسبح بحمد ربك وعظمه, وصل له , وافعل ذلك عند صلاة الصبح وقت إدبار النجوم.
وفي هذه إلآية إثبات لصفة العينين لله تعالى بما يليق به , دون تشبيه بخلقه أو تكييف لذاته, سبحانه وبحمده, كما ثبت ذلك بالسنة, وأجمع عليه سلف الأمة , واللفظ ورد هنا بصيغة الجمع لتعظيم.
وفي هذه إلآية إثبات لصفة العينين لله تعالى بما يليق به , دون تشبيه بخلقه أو تكييف لذاته, سبحانه وبحمده, كما ثبت ذلك بالسنة, وأجمع عليه سلف الأمة , واللفظ ورد هنا بصيغة الجمع لتعظيم.
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian