صفحات الموقع

سورة القصص تفسير الطبري

طسۤمۤ ﴿١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { طسم } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا فِيمَا كَانَ مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم فِي فَوَاتِح السُّوَر , فَقَوْله : { طس } مِنْ ذَلِكَ. 20423 - حَدَّثني عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { طس } قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه هُوَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه .
تِلۡكَ ءَایَـٰتُ ٱلۡكِتَـٰبِ ٱلۡمُبِینِ ﴿٢﴾
وَأَمَّا قَوْله : { تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين } فَإِنَّهُ يَعْنِي هَذِهِ آيَات الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك يَا مُحَمَّد , الْمُبَيَّن أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَأَنَّك لَمْ تَتَقَوَّلهُ وَلَمْ تَتَخَرَّصهُ. وَكَانَ قَتَادَة فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 20668 - حَدَّثني بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { طسم . تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين } يَعْنِي مُبِين وَاَللَّه بَرَكَته وَرُشْده وَهُدَاهُ .
نَتۡلُواْ عَلَیۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { نَتْلُو عَلَيْك } يَقُول : نَقْرَأ عَلَيْك وَنَقُصّ فِي هَذَا الْقُرْآن مِنْ خَبَر مُوسَى { وَفِرْعَوْن بِالْحَقِّ } . كَمَا : 20669 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { نَتْلُو عَلَيْك مِنْ نَبَإ مُوسَى وَفِرْعَوْن بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يَقُول : فِي هَذَا الْقُرْآن نَبَؤُهُمْ .



وَقَوْله : { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يَقُول : لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الْكِتَاب , لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا نَتْلُو عَلَيْك مِنْ نَبَئِهِمْ فِيهِ نَبَؤُهُمْ , وَتَطْمَئِنّ نُفُوسهمْ , بِأَنَّ سُنَّتنَا فِيمَنْ خَالَفَك وَعَادَاك مِنْ الْمُشْرِكِينَ سُنَّتنَا فِيمَنْ عَادَى مُوسَى , وَمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , أَنْ نُهْلِكهُمْ كَمَا أَهْلَكْنَاهُمْ , وَنُنْجِيهِمْ مِنْهُمْ كَمَا أَنْجَيْنَاهُمْ.
إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤىِٕفَةࣰ مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِرْعَوْن تَجَبَّرَ فِي أَرْض مِصْر وَتَكَبَّرَ , وَعَلَا أَهْلهَا وَقَهَرَهُمْ , حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ . كَمَا : 20670 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض } يَقُول : تَجَبَّرَ فِي الْأَرْض. 20671 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض } أَيْ بَغَى فِي الْأَرْض.



وَقَوْله : { وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } يَعْنِي بِالشِّيَعِ : الْفِرَق , يَقُول : وَجَعَلَ أَهْلهَا فِرَقًا مُتَفَرِّقِينَ . كَمَا : 20672 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } : أَيْ فِرَقًا يُذَبِّح طَائِفَة مِنْهُمْ , وَيَسْتَحْيِي طَائِفَة , وَيُعَذِّب طَائِفَة , وَيَسْتَعْبِد طَائِفَة . قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يُذَبِّح أَبْنَاءَهُمْ , وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ , إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ } . 20673 - حَدَّثني مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْن فِرْعَوْن أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِي مَنَامه , أَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس حَتَّى اِشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوت مِصْر , فَأَحْرَقَتْ الْقِبْط , وَتَرَكَتْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَحْرَقَتْ بُيُوت مِصْر , فَدَعَا السَّحَرَة وَالْكَهَنَة وَالْقَافَة والحازة , فَسَأَلَهُمْ عَنْ رُؤْيَاهُ , فَقَالُوا لَهُ : يَخْرُج مِنْ هَذَا الْبَلَد الَّذِي جَاءَ بَنُو إِسْرَائِيل مِنْهُ , يَعْنُونَ بَيْت الْمَقْدِس , رَجُل يَكُون عَلَى وَجْهه هَلَاك مِصْر , فَأَمَرَ بِبَنِي إِسْرَائِيل أَنْ لَا يُولَد لَهُمْ غُلَام إِلَّا ذَبَحُوهُ , وَلَا تُولَد لَهُمْ جَارِيَة إِلَّا تُرِكَتْ , وَقَالَ لِلْقِبْطِ : اُنْظُرُوا مَمْلُوكِيكُمْ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَارِجًا , فَأَدْخِلُوهُمْ , وَاجْعَلُوا بَنِي إِسْرَائِيل يَلُونَ تِلْكَ الْأَعْمَال الْقَذِرَة , فَجَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَعْمَال غِلْمَانهمْ , وَأَدْخَلُوا غِلْمَانهمْ , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { إِنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيل حِين جَعَلَهُمْ فِي الْأَعْمَال الْقَذِرَة . 20674 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } قَالَ : فَرَّقَ بَيْنهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } قَالَ : فِرَقًا . 20675 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَجَعَلَ أَهْلهَا شِيَعًا } قَالَ : الشِّيَع : الْفِرَق .



وَقَوْله : { يَسْتَضْعِف طَائِفَة مِنْهُمْ } ذُكِرَ أَنَّ اِسْتِضْعَافه إِيَّاهَا كَانَ اِسْتِعْبَاده . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20676 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : يَسْتَعْبِد طَائِفَة مِنْهُمْ , وَيُذَبِّح طَائِفَة , وَيَقْتُل طَائِفَة , وَيَسْتَحْيِي طَائِفَة .



وَقَوْله : { إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ } يَقُول : إِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُفْسِد فِي الْأَرْض بِقَتْلِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقّ مِنْهُ الْقَتْل , وَاسْتِعْبَاده مَنْ لَيْسَ لَهُ اِسْتِعْبَاده وَتَجَبُّره فِي الْأَرْض عَلَى أَهْلهَا , وَتَكَبُّره عَلَى عِبَادَة رَبّه .
وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَ ٰ⁠رِثِینَ ﴿٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنُرِيد أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض } . قَوْله : { وَنُرِيد } عُطِفَ عَلَى قَوْله { يَسْتَضْعِف طَائِفَة مِنْهُمْ } وَمَعْنَى الْكَلَام : أَنَّ فِرْعَوْن عَلَا فِي الْأَرْض وَجَعَلَ أَهْلهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فِرَقًا يَسْتَضْعِف طَائِفَة مِنْهُمْ { و } نَحْنُ { نُرِيد أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ } اِسْتَضْعَفَهُمْ فِرْعَوْن مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل { وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20677 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنُرِيد أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض } قَالَ : بَنُو إِسْرَائِيل .



قَوْله : { وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة } أَيْ وُلَاة وَمُلُوكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20678 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّة } أَيْ وُلَاة الْأَمْر :



وَقَوْله : { وَنَجْعَلهُمْ الْوَارِثِينَ } يَقُول : وَنَجْعَلهُمْ وُرَّاث آل فِرْعَوْن يَرِثُونَ الْأَرْض مِنْ بَلَد مَهْلِكهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20679 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنَجْعَلهُمْ الْوَارِثِينَ } : أَيْ يَرِثُونَ الْأَرْض بَعْد فِرْعَوْن وَقَوْمه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَنَجْعَلهُمْ الْوَارِثِينَ } يَقُول : يَرِثُونَ الْأَرْض بَعْد فِرْعَوْن .
وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِیَ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ یَحۡذَرُونَ ﴿٦﴾
وَقَوْله : { وَنُمَكِّن لَهُمْ فِي الْأَرْض } يَقُول : وَنُوَطِّئ لَهُمْ فِي أَرْض الشَّام وَمِصْر .



{ وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا } كَانُوا قَدْ أَخْبَرُوا أَنَّ هَلَاكهمْ عَلَى يَد رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَكَانُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجَل مِنْهُمْ , وَلِذَلِكَ كَانَ فِرْعَوْن يُذَبِّح أَبْنَاءَهُمْ , وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ , فَأَرَى اللَّه فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى يَد مُوسَى بْن عِمْرَان نَبِيّه مَا كَانُوا يَحْذَرُونَهُ مِنْهُمْ مِنْ هَلَاكهمْ وَخَرَاب مَنَازِلهمْ وَدُورهمْ . كَمَا : 20680 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنُمَكِّن لَهُمْ فِي الْأَرْض وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } شَيْئًا مَا حَذَّرَ الْقَوْم , قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ حَازِيًا حَزَا لِعَدُوِّ اللَّه فِرْعَوْن , فَقَالَ : يُولَد فِي هَذَا الْعَام غُلَام مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يَسْلُبك مُلْكك , فَتَتَبَّعَ أَبْنَاءَهُمْ ذَلِكَ الْعَام , يَقْتُل أَبْنَاءَهُمْ , وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ حَذَرًا مِمَّا قَالَ لَهُ الْحَازِي . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْن رَجُل يَنْظُر لَهُ وَيُخْبِرهُ , يَعْنِي أَنَّهُ كَاهِن , فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ يُولَد فِي هَذَا الْعَام غُلَام يَذْهَب بِمُلْكِكُمْ , فَكَانَ فِرْعَوْن يُذَبِّح أَبْنَاءَهُمْ , وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ حَذَرًا , فَذَلِكَ قَوْله { وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان } بِمَعْنَى : وَنُرِي نَحْنُ بِالنُّونِ عَطْفًا بِذَلِكَ عَلَى قَوْله : { وَنُمَكِّن لَهُمْ } . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " وَيَرَى فِرْعَوْن " عَلَى أَنَّ الْفِعْل لِفِرْعَوْن , بِمَعْنَى : وَيُعَايِن فِرْعَوْن , بِالْيَاءِ مِنْ يَرَى , وَرَفْع فِرْعَوْن وَهَامَان وَالْجُنُود . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ مُصِيب , لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ فِرْعَوْن لَمْ يَكُنْ لِيَرَى مِنْ مُوسَى مَا رَأَى , إِلَّا بِأَنْ يُرِيَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ , وَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا رَآهُ .
وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ }. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى } حِين وَلَدَتْ مُوسَى { أَنْ أَرْضِعِيهِ } . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول , فِي مَعْنَى ذَلِكَ { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى } : قَذَفْنَا فِي قَلْبهَا . 20681 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى } وَحْيًا جَاءَهَا مِنْ اللَّه , فَقُذِفَ فِي قَلْبهَا , وَلَيْسَ بِوَحْيِ نُبُوَّة , أَنْ أَرْضِعِي مُوسَى { فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ , وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى } قَالَ : قُذِفَ فِي نَفْسهَا . 20682 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَمَرَ فِرْعَوْن أَنْ يُذَبَّح مَنْ وُلِدَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل سَنَة , وَيُتْرَكُوا سَنَة ; فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَة الَّتِي يُذَبَّحُونَ فِيهَا حَمَلَتْ بِمُوسَى ; فَلَمَّا أَرَادَتْ وَضْعه , حَزِنَتْ مِنْ شَأْنه , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهَا { أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَال الَّتِي أُمِرَتْ أُمّ مُوسَى أَنْ تُلْقِيَ مُوسَى فِي الْيَمّ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُمِرَتْ أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمّ بَعْد مِيلَاده بِأَرْبَعَةِ أَشْهُر , وَذَلِكَ حَال طَلَبه مِنْ الرَّضَاع أَكْثَر مِمَّا يَطْلُب الصَّبِيّ بَعْد حَال سُقُوطه مِنْ بَطْن أُمّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20683 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ } قَالَ : إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَصَاحَ وَابْتَغَى مِنْ الرَّضَاع أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ { فَأَلْقِيهِ } حِينَئِذٍ { فِي الْيَمّ } فَذَلِكَ قَوْله : { فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ } . 20684 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : لَمْ يَقُلْ لَهَا : إِذَا وَلَدْتِيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ , إِنَّمَا قَالَ لَهَا { أَنْ أَرْضِعِيهِ , فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ } بِذَلِكَ أُمِرَتْ , قَالَ : جَعَلَتْهُ فِي بُسْتَان , فَكَانَتْ تَأْتِيه كُلّ يَوْم فَتُرْضِعهُ , وَتَأْتِيه كُلّ لَيْلَة فَتُرْضِعهُ , فَيَكْفِيه ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُمِرَتْ أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمّ بَعْد وِلَادهَا إِيَّاهُ , وَبَعْد رَضَاعهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20685 - حَدَّثني مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا وَضَعَتْهُ أَرْضَعَتْهُ ثُمَّ دَعَتْ لَهُ نَجَّارًا , فَجَعَلَ لَهُ تَابُوتًا , وَجَعَلَ مِفْتَاح التَّابُوت مِنْ دَاخِل , وَجَعَلَتْهُ فِيهِ , فَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ . وَأَوْلَى قَوْل قِيلَ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَمَرَ أُمّ مُوسَى أَنْ تُرْضِعهُ , فَإِذَا خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَدُوّ اللَّه فِرْعَوْن وَجُنْده أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمّ . وَجَائِز أَنْ تَكُون خَافَتْهُمْ عَلَيْهِ بَعْد أَشْهُر مِنْ وِلَادهَا إِيَّاهُ ; وَأَيّ ذَلِكَ كَانَ , فَقَدْ فَعَلَتْ مَا أَوْحَى اللَّه إِلَيْهَا فِيهِ , وَلَا خَبَر قَامَتْ بِهِ حُجَّة , وَلَا فِطْرَة فِي الْعَقْل لِبَيَانِ أَيّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيّ , فَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَالْيَمّ الَّذِي أُمِرَتْ أَنْ تُلْقِيَهُ فِيهِ هُوَ النِّيل . كَمَا : 20686 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ } قَالَ : هُوَ الْبَحْر , وَهُوَ النِّيل . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ , وَذِكْر الرِّوَايَة فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .



وَقَوْله : { وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي } يَقُول : لَا تَخَافِي عَلَى وَلَدك مِنْ فِرْعَوْن وَجُنْده أَنْ يَقْتُلُوهُ , وَلَا تَحْزَنِي لِفِرَاقِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20687 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي } قَالَ : لَا تَخَافِي عَلَيْهِ الْبَحْر , وَلَا تَحْزَنِي لِفِرَاقِهِ { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك } .



وَقَوْله : { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ } يَقُول : إِنَّا رَادُّو وَلَدك إِلَيْك لِلرَّضَاعِ لِتَكُونِي أَنْتِ تُرْضِعِيهِ , وَبَاعِثُوهُ رَسُولًا إِلَى مَنْ تَخَافِينَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلهُ , وَفَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهَا وَبِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20688 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك } وَبَاعِثُوهُ رَسُولًا إِلَى هَذَا الطَّاغِيَة , وَجَاعِلُو هَلَاكه وَنَجَاة بَنِي إِسْرَائِيل مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاء عَلَى يَدَيْهِ .
فَٱلۡتَقَطَهُۥۤ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِیَكُونَ لَهُمۡ عَدُوࣰّا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِـِٔینَ ﴿٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن فَأَصَابُوهُ وَأَخَذُوهُ ; وَأَصْله مِنْ اللُّقَطَة , وَهُوَ مَا وُجِدَ ضَالًّا فَأُخِذَ . وَالْعَرَب تَقُول لِمَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ فَجْأَة مِنْ غَيْر طَلَب لَهُ وَلَا إِرَادَة : أَصَبْته اِلْتِقَاطًا , وَلَقِيت فُلَانًا اِلْتِقَاطًا ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : وَمَنْهَل وَرَدْته اِلْتِقَاطًا لَمْ أَلْقَ إِذْ وَرَدْته فُرَّاطًا يَعْنِي فَجْأَة. وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { آل فِرْعَوْن } فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ : جِوَارِي اِمْرَأَة فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20689 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَقْبَلَ الْمَوْج بِالتَّابُوتِ يَرْفَعهُ مَرَّة وَيَخْفِضهُ أُخْرَى , حَتَّى أَدْخَلَهُ بَيْن أَشْجَار عِنْد بَيْت فِرْعَوْن , فَخَرَجَ جِوَارِي آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن يَغْسِلْنَ , فَوَجَدْنَ التَّابُوت , فَأَدْخَلْنَهُ إِلَى آسِيَة , وَظَنَنَّ أَنَّ فِيهِ مَالًا ; فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ آسِيَة , وَقَعَتْ عَلَيْهَا رَحْمَته فَأَحَبَّتْهُ ; فَلَمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ فِرْعَوْن أَرَادَ أَنْ يَذْبَحهُ , فَلَمْ تَزَلْ آسِيَة تُكَلِّمهُ حَتَّى تَرَكَهُ لَهَا , قَالَ : إِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَنْ يَكُون هَذَا الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ هَلَاكنَا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ اِبْنَة فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20690 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس , قَالَ : كَانَتْ بِنْت فِرْعَوْن بَرْصَاء , فَجَاءَتْ إِلَى النِّيل , فَإِذَا التَّابُوت فِي النِّيل تَخْفِقهُ الْأَمْوَاج , فَأَخَذَتْهُ بِنْت فِرْعَوْن , فَلَمَّا فَتَحَتْ التَّابُوت , فَإِذَا هِيَ بِصَبِيٍّ , فَلَمَّا اِطَّلَعَتْ فِي وَجْهه بَرِئَتْ مِنْ الْبَرَص , فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أُمّهَا , فَقَالَتْ : إِنَّ هَذَا الصَّبِيّ مُبَارَك لَمَّا نَظَرْت إِلَيْهِ بَرِئْت , فَقَالَ فِرْعَوْن : هَذَا مِنْ صِبْيَان بَنِي إِسْرَائِيل , هَلُمَّ حَتَّى أَقْتُلهُ , فَقَالَتْ : { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك , لَا تَقْتُلُوهُ } . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهِ أَعْوَان فِرْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20691 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَصْبَحَ فِرْعَوْن فِي مَجْلِس لَهُ كَانَ يَجْلِسهُ عَلَى شَفِير النِّيل كُلّ غَدَاة : فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِس , إِذْ مَرَّ النِّيل بِالتَّابُوتِ يَقْذِف بِهِ , وَآسِيَة بِنْت مُزَاحِم اِمْرَأَته جَالِسَة إِلَى جَنْبه , فَقَالَتْ : إِنَّ هَذَا لَشَيْء فِي الْبَحْر , فَأْتُونِي بِهِ , فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَعْوَانه , حَتَّى جَاءُوا بِهِ , فَفُتِحَ التَّابُوت فَإِذَا فِيهِ صَبِيّ فِي مَهْده , فَأَلْقَى اللَّه عَلَيْهِ مَحَبَّته , وَعَطَفَ عَلَيْهِ نَفْسه , قَالَتْ اِمْرَأَته آسِيَة : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } . وَلَا قَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن } وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْآل فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مِنْ إِعَادَته هَهُنَا .



وَقَوْله : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } فَيَقُول الْقَائِل : لِيَكُونَ مُوسَى لِآلِ فِرْعَوْن عَدُوًّا وَحَزَنًا فَالْتَقَطُوهُ , فَيُقَال { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قِيلَ : إِنَّهُمْ حِين اِلْتَقَطُوهُ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ , بَلْ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره . وَلَكِنَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّه كَمَا . 20692 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق , فِي قَوْله : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } قَالَ : لِيَكُونَ فِي عَاقِبَة أَمْره عَدُوًّا وَحَزَنًا لِمَا أَرَادَ اللَّه بِهِ , وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَخَذُوهُ , وَلَكِنَّ اِمْرَأَة فِرْعَوْن قَالَتْ : { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك } فَكَانَ قَوْل اللَّه : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } لِمَا هُوَ كَائِن فِي عَاقِبَة أَمْره لَهُمْ , وَهُوَ كَقَوْلِ الْآخَر إِذَا قَرَّعَهُ لِفِعْلٍ كَانَ فَعَلَهُ وَهُوَ يَحْسَب مُحْسِنًا فِي فِعْله , فَأَدَّاهُ فِعْله ذَلِكَ إِلَى مَسَاءَة مُنَدِّمًا لَهُ عَلَى فِعْله : فَعَلْت هَذَا لِضُرِّ نَفْسك , وَلِتَضُرّ بِهِ نَفْسك فَعَلْت . وَقَدْ كَانَ الْفَاعِل فِي حَال فِعْله ذَلِكَ عِنْد نَفْسه يَفْعَلهُ رَاجِيًا نَفْعه , غَيْر أَنَّ الْعَاقِبَة جَاءَتْ بِخِلَافِ مَا كَانَ يَرْجُو . فَكَذَلِكَ قَوْله : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } إِنَّمَا هُوَ : فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ إِلَى أَنْفُسهمْ , لِيَكُونَ قُرَّة عَيْن لَهُمْ , فَكَانَتْ عَاقِبَة اِلْتِقَاطهمْ إِيَّاهُ مِنْهُ هَلَاكهمْ عَلَى يَدَيْهِ . وَقَوْله : { عَدُوًّا وَحَزَنًا } يَقُول : يَكُون لَهُمْ عَدُوًّا فِي دِينهمْ , وَحَزَنًا عَلَى مَا يَنَالهُمْ مِنْهُ مِنْ الْمَكْرُوه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20693 - حَدَّثني بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } عَدُوًّا لَهُمْ فِي دِينهمْ , وَحَزَنًا لِمَا يَأْتِيهِمْ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { وَحَزَنًا } بِفَتْحِ الْحَاء وَالزَّاي . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " وَحُزْنًا " بِضَمِّ الْحَاء وَتَسْكِين الزَّاي . وَالْحَزَن بِفَتْحِ الْحَاء وَالزَّاي مَصْدَر مِنْ حَزِنْت حَزَنًا , وَالْحُزْن بِضَمِّ الْحَاء وَتَسْكِين الزَّاي الِاسْم : كَالْعَدَمِ وَالْعُدْم وَنَحْوه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , وَهُمَا عَلَى اِخْتِلَاف اللَّفْظ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَدَم , وَالْعُدْم , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .



وَقَوْله : { إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا كَانُوا بِرَبِّهِمْ آثِمِينَ , فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُمْ مُوسَى عَدُوًّا وَحَزَنًا .
وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَیۡنࣲ لِّی وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن قُرَّة عَيْن لِي وَلَك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن } لَهُ هَذَا { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك } يَا فِرْعَوْن ; فَقُرَّة عَيْن مَرْفُوعَة بِمُضْمَرٍ هُوَ هَذَا , أَوْ هُوَ. وَقَوْله : { لَا تَقْتُلُوهُ } مَسْأَلَة مِنْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن أَنْ لَا يَقْتُلهُ . وَذُكِرَ أَنَّ الْمَرْأَة لَمَّا قَالَتْ هَذَا الْقَوْل لِفِرْعَوْن , قَالَ فِرْعَوْن : أَمَّا لَك فَنَعَمْ , وَأَمَّا لِي فَلَا , فَكَانَ كَذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20694 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس , قَالَ : قَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن : { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك , لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } قَالَ فِرْعَوْن : قُرَّة عَيْن لَك , أَمَّا لِي فَلَا . قَالَ مُحَمَّد بْن قَيْس : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ قَالَ فِرْعَوْن : قُرَّة عَيْن لِي وَلَك , لَكَانَ لَهُمَا جَمِيعًا ". 20695 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : اِتَّخَذَهُ فِرْعَوْن وَلَدًا , وَدُعِيَ عَلَى أَنَّهُ اِبْن فِرْعَوْن ; فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْغُلَام أَرَتْهُ أُمّه آسِيَة صَبِيًّا , فَبَيْنَمَا هِيَ تُرَقِّصهُ وَتَلْعَب بِهِ , إِذْ نَاوَلَتْهُ فِرْعَوْن , وَقَالَتْ : خُذْهُ قُرَّة عَيْن لِي وَلَك , قَالَ فِرْعَوْن : هُوَ قُرَّة عَيْن لَك , لَا لِي . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : لَوْ أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ لِي قُرَّة عَيْن إِذَنْ لَآمَنَ بِهِ , وَلَكِنَّهُ أَبَى . 20696 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن : { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك } تَعْنِي بِذَلِكَ مُوسَى . 20697 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن يَزِيد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا أَتَتْ بِمُوسَى اِمْرَأَة فِرْعَوْن فِرْعَوْن قَالَتْ : { قُرَّة عَيْن لِي وَلَك } قَالَ فِرْعَوْن : يَكُون لَك , فَأَمَّا لِي فَلَا حَاجَة لِي فِيهِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاَلَّذِي يُحْلَف بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْن أَنْ يَكُون لَهُ قُرَّة عَيْن كَمَا أَقَرَّتْ , لَهَدَاهُ اللَّه بِهِ كَمَا هَدَى بِهِ اِمْرَأَته , وَلَكِنَّ اللَّه حَرَمَهُ ذَلِكَ ".



وَقَوْله : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } ذُكِرَ أَنَّ اِمْرَأَة فِرْعَوْن قَالَتْ هَذَا الْقَوْل حِين هَمَّ بِقَتْلِهِ . قَالَ بَعْضهمْ : حِين أُتِيَ بِهِ يَوْم اِلْتَقَطَهُ مِنْ الْيَمّ. وَقَالَ بَعْضهمْ : يَوْم نَتَفَ مِنْ لِحْيَته أَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ فِي يَده . ذِكْر مَنْ قَالَ : قَالَتْ ذَلِكَ يَوْم نَتَفَ لِحْيَته : 20698 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا أُتِيَ فِرْعَوْن بِهِ صَبِيًّا أَخَذَهُ إِلَيْهِ , فَأَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا , قَالَ فِرْعَوْن : عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِينَ , هُوَ هَذَا ! قَالَتْ آسِيَة : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } إِنَّمَا هُوَ صَبِيّ لَا يَعْقِل , وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا مِنْ صِبَاهُ . 20699 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } قَالَ : أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحْمَتهَا حِين أَبْصَرَتْهُ .

وَقَوْله : { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ هَلَاكهمْ عَلَى يَده . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20700 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ هَلَكَتهمْ عَلَى يَدَيْهِ , وَفِي زَمَانه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : إِنَّ هَلَاكهمْ عَلَى يَدَيْهِ . 20701 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : آل فِرْعَوْن إِنَّهُ لَهُمْ عَدُوّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } بِمَا هُوَ كَائِن مِنْ أَمْرهمْ وَأَمْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20702 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن آسِيَة : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول اللَّه : وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ بِمَا هُوَ كَائِن بِمَا أَرَادَ اللَّه بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى قَوْله { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } بَنُو إِسْرَائِيل لَا يَشْعُرُونَ أَنَّا اِلْتَقَطْنَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20703 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : يَقُول : لَا تَدْرِي بَنُو إِسْرَائِيل أَنَّا اِلْتَقَطْنَاهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِرْعَوْن وَآله لَا يَشْعُرُونَ بِمَا هُوَ كَائِن مِنْ هَلَاكهمْ عَلَى يَدَيْهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَات بِهِ لِأَنَّهُ عَقِيب قَوْله : { وَقَالَتْ اِمْرَأَة فِرْعَوْن قُرَّة عَيْن لِي وَلَك , لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَقِبه , فَهُوَ بِأَنْ يَكُون بَيَانًا عَنْ الْقَوْل الَّذِي هُوَ عَقِبه أَحَقّ مِنْ أَنْ يَكُون بَيَانًا عَنْ غَيْره .
وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِی بِهِۦ لَوۡلَاۤ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿١٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَنَى اللَّه أَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْهُ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : الَّذِي عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْهُ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا : كُلّ شَيْء سِوَى ذِكْر اِبْنهَا مُوسَى. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20704 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , وَحَسَّان أَبِي الْأَشْرَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَرَغَ مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ ذِكْر مُوسَى . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ حَسَّان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَارِغًا مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ ذِكْر مُوسَى. * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ رَجُل , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَارِغًا مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ هَمّ مُوسَى. * - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : يَقُول : لَا تَذْكُرُوا إِلَّا مُوسَى. 20705 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء غَيْر ذِكْر مُوسَى . * -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَرَغَ مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ ذِكْر مُوسَى . 20706 -حَدَّثَنَا عَبْد الْجَبَّار بْن يَحْيَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثَنَا ضَمْرَة بْن رَبِيعَة , عَنْ اِبْن شَوْذَب , عَنْ مَطَر , فِي قَوْله { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَارِغًا مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ هَمّ مُوسَى . 20707 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } : أَيْ لَاغِيًا مِنْ كُلّ شَيْء , إِلَّا مِنْ ذِكْر مُوسَى . 20708 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَرَغَ مِنْ كُلّ شَيْء غَيْر ذِكْر مُوسَى. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى أَنَّ فُؤَادهَا أَصْبَحَ فَارِغًا مِنْ الْوَحْي الَّذِي كَانَ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيْهَا , إِذْ أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمّ فَقَالَ { وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي , إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك , وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ } قَالَ : فَحَزِنَتْ وَنَسِيَتْ عَهْد اللَّه إِلَيْهَا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } مِنْ وَحْينَا الَّذِي أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20709 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } قَالَ : فَارِغًا مِنْ الْوَحْي الَّذِي أَوْحَى اللَّه إِلَيْهَا حِين أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْبَحْر , وَلَا تَخَاف وَلَا تَحْزَن . قَالَ : فَجَاءَهَا الشَّيْطَان , فَقَالَ : يَا أُمّ مُوسَى , كَرِهْت أَنْ يَقْتُل فِرْعَوْن مُوسَى , فَيَكُون لَك أَجْره وَثَوَابه وَتَوَلَّيْت قَتْله , فَأَلْقَيْتِيهِ فِي الْبَحْر وَغَرَّقْتِيهِ , فَقَالَ اللَّه : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } مِنْ الْوَحْي الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهَا . 20710 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني الْحَسَن , قَالَ : أَصْبَحَ فَارِغًا مِنْ الْعَهْد الَّذِي عَهِدْنَا إِلَيْهَا , وَالْوَعْد الَّذِي وَعَدْنَاهَا أَنْ نَرُدّ عَلَيْهَا اِبْنهَا , فَنَسِيَتْ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى كَادَتْ أَنْ تُبْدِيَ بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا. 20711 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : قَدْ كَانَتْ أُمّ مُوسَى تَرْفَع لَهُ حِين قَذَفَتْهُ فِي الْبَحْر , هَلْ تَسْمَع لَهُ بِذِكْرٍ , حَتَّى أَتَاهَا الْخَبَر بِأَنَّ فِرْعَوْن أَصَابَ الْغَدَاة صَبِيًّا فِي النِّيل فِي التَّابُوت , فَعَرَفَتْ الصِّفَة , وَرَأَتْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدَيْ عَدُوّهُ الَّذِي فَرَّتْ بِهِ مِنْهُ , وَأَصْبَحَ فُؤَادهَا فَارِغًا مِنْ عَهْد اللَّه إِلَيْهَا فِيهِ قَدْ أَنْسَاهَا عَظِيم الْبَلَاء مَا كَانَ مِنْ الْعَهْد عِنْدهَا مِنْ اللَّه فِيهِ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب : مَعْنَى ذَلِكَ : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } مِنْ الْحُزْن , لِعِلْمِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَق . قَالَ : وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : دَم فَرْغ : أَيْ لَا قَوَد وَلَا دِيَة ; وَهَذَا قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ لِخِلَافِهِ قَوْل جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ هَمّ مُوسَى . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِيهِ بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْله : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا } وَلَوْ كَانَ عَنَى بِذَلِكَ : فَرَاغ قَلْبهَا مِنْ الْوَحْي لَمْ يُعَقِّب بِقَوْلِهِ : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ قَارَبَتْ أَنْ تُبْدِيَ الْوَحْي , فَلَمْ تَكَدْ أَنْ تُبْدِيهِ إِلَّا لِكَثْرَةِ ذِكْرهَا إِيَّاهُ , وَوُلُوعهَا بِهِ . وَمُحَال أَنْ تَكُون بِهِ وَلِعَة إِلَّا وَهِيَ ذَاكِرَة . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطَلَ الْقَوْل بِأَنَّهَا كَانَتْ فَارِغَة الْقَلْب مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهَا . وَأُخْرَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ فَارِغَة الْقَلْب , وَلَمْ يُخَصِّص فَرَاغ قَلْبهَا مِنْ شَيْء دُون شَيْء , فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُوم إِلَّا مَا قَامَتْ حُجَّته أَنَّ قَلْبهَا لَمْ يَفْرُغ مِنْهُ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ فَضَالَة بْن عُبَيْد أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَازِعًا " مِنْ الْفَزَع .



وَقَوْله : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاء فِي قَوْله : { بِهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ مِنْ ذِكْر مُوسَى , وَعَلَيْهِ عَادَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20712 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد وَحَسَّان أَبِي الْأَشْرَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أَنْ تَقُول : يَا اِبْنَاهُ . * - قَالَ : ثني يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ حَسَّان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أَنْ تَقُول : يَا اِبْنَاهُ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ حَسَّان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أَنْ تَقُول : يَا اِبْنَاهُ . 20713 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أَيْ لَتُبْدِي بِهِ أَنَّهُ اِبْنهَا مِنْ شِدَّة وَجْدهَا . 20714 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا جَاءَتْ أُمّه أُخِذَ مِنْهَا , يَعْنِي الرَّضَاع , فَكَادَتْ أَنْ تَقُول : هُوَ اِبْنِي , فَعَصَمَهَا اللَّه , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا } . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا : أَيْ تَظْفَر . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلهمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ كَادَتْ لَتَقُول : يَا بُنَيَّاهُ , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ عَقِيب قَوْله : { وَأَصْبَحَ فُؤَاد أُمّ مُوسَى فَارِغًا } فَلَأَنْ يَكُون لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ إِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذِكْر مُوسَى , لِقُرْبِهِ مِنْهُ , أَشْبَه مِنْ أَنْ يَكُون مِنْ ذِكْر الْوَحْي . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي } بِمُوسَى فَتَقُول : هُوَ اِبْنِي . قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ صَدْرهَا ضَاقَ إِذْ نُسِبَ إِلَى فِرْعَوْن , وَقِيلَ اِبْن فِرْعَوْن . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ { لَتُبْدِي بِهِ } لِتُظْهِرهُ وَتُخْبِر بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20715 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } : لِتُشْعِر بِهِ. 20716 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } قَالَ : لَتُعْلِن بِأَمْرِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .



وَقَوْله : { لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا } يَقُول : لَوْلَا أَنْ عَصَمْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ بِتَثْبِيتنَاهَا وَتَوْفِيقنَاهَا لِلسُّكُوتِ عَنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20717 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ اللَّه { لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا } : أَيْ بِالْإِيمَانِ { لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } . 20718 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَادَتْ تَقُول : هُوَ اِبْنِي , فَعَصَمَهَا اللَّه , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا } .



وَقَوْله : { لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : عَصَمْنَاهَا مِنْ إِظْهَار ذَلِكَ وَقِيله بِلِسَانِهَا , وَثَبَّتْنَاهَا لِلْعَهْدِ الَّذِي عَهِدْنَا إِلَيْهَا { لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } بِوَعْدِ اللَّه , الْمُوقِنِينَ بِهِ .
وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّیهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبࣲ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿١١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَتْ } أُمّ مُوسَى لِأُخْتِ مُوسَى حِين أَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ { قُصِّيهِ } يَقُول : قُصِّي أَثَر مُوسَى , اِتَّبِعِي أَثَره , تَقُول : قَصَصْت آثَار الْقَوْم : إِذَا اِتَّبَعْت آثَارهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20719 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } قَالَ : اِتَّبِعِي أَثَره كَيْفَ يُصْنَع بِهِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { قُصِّيهِ } أَيْ قُصِّي أَثَره . 20720 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } قَالَ : اِتَّبِعِي أَثَره . 20721 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أَيْ اُنْظُرِي مَاذَا يَفْعَلُونَ بِهِ . 20722 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } يَعْنِي : قُصِّي أَثَره. 20723 - حَدَّثني الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أَيْ قُصِّي أَثَره وَاطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا , أَحَيّ اِبْنِي أَوْ قَدْ أَكَلَتْهُ دَوَابّ الْبَحْر وَحِيتَانه ؟ وَنَسِيَتْ الَّذِي كَانَ اللَّه وَعَدَهَا .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَتْ } أُمّ مُوسَى لِأُخْتِ مُوسَى حِين أَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ { قُصِّيهِ } يَقُول : قُصِّي أَثَر مُوسَى , اِتَّبِعِي أَثَره , تَقُول : قَصَصْت آثَار الْقَوْم : إِذَا اِتَّبَعْت آثَارهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20719 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } قَالَ : اِتَّبِعِي أَثَره كَيْفَ يُصْنَع بِهِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { قُصِّيهِ } أَيْ قُصِّي أَثَره . 20720 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } قَالَ : اِتَّبِعِي أَثَره . 20721 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أَيْ اُنْظُرِي مَاذَا يَفْعَلُونَ بِهِ . 20722 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } يَعْنِي : قُصِّي أَثَره. 20723 - حَدَّثني الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أَيْ قُصِّي أَثَره وَاطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا , أَحَيّ اِبْنِي أَوْ قَدْ أَكَلَتْهُ دَوَابّ الْبَحْر وَحِيتَانه ؟ وَنَسِيَتْ الَّذِي كَانَ اللَّه وَعَدَهَا .



وَقَوْله : { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقَصَّتْ أُخْت مُوسَى أَثَره , فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب : يَقُول فَبَصُرَتْ بِمُوسَى عَنْ بُعْد لَمْ تَدْنُ مِنْهُ وَلَمْ تَقْرَب , لِئَلَّا يَعْلَم أَنَّهَا مِنْهُ بِسَبِيلٍ. يُقَال مِنْهُ : بَصُرْت بِهِ وَأَبْصَرْته , لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , وَأَبْصَرْت عَنْ جُنُب , وَعَنْ جَنَابَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَتَيْت حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَة فَكَانَ حُرَيْث عَنْ عَطَائِي جَاحِدًا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : عَنْ جَنَابَة : عَنْ بُعْد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20724 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عَنْ جُنُب } قَالَ : بُعْد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { عَنْ جُنُب } قَالَ : عَنْ بُعْد . قَالَ اِبْن جُرَيْج { عَنْ جُنُب } قَالَ : هِيَ عَلَى الْحَدّ فِي الْأَرْض , وَمُوسَى يَجْرِي بِهِ النِّيل وَهُمَا مُتَحَاذِيَانِ كَذَلِكَ تَنْظُر إِلَيْهِ نَظْرَة , وَإِلَى النَّاس نَظْرَة , وَقَدْ جُعِلَ فِي تَابُوت مُقَيَّر ظَهْره وَبَطْنه , وَأَقْفَلَتْهُ عَلَيْهِ. 20725 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب } يَقُول : بَصُرَتْ بِهِ وَهِيَ مُحَاذِيَته لَمْ تَأْتِهِ . 20726 - حَدَّثني الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثني الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب } وَالْجُنُب : أَنْ يَسْمُوَ بَصَر الْإِنْسَان إِلَى الشَّيْء الْبَعِيد , وَهُوَ إِلَى جَنْبه لَا يَشْعُر بِهِ.



وَقَوْله : { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول : وَقَوْم فِرْعَوْن لَا يَشْعُرُونَ بِأُخْتِ مُوسَى أَنَّهَا أُخْته. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20727 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : آل فِرْعَوْن . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20728 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُب وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أَنَّهَا أُخْته , قَالَ : جَعَلَتْ تَنْظُر إِلَيْهِ كَأَنَّهَا لَا تُرِيدهُ. 20729 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أَنَّهَا أُخْته . 20730 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أَيْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهَا مِنْهُ بِسَبِيلٍ.
۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ ﴿١٢﴾
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل فَقَالَتْ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنَعْنَا مُوسَى الْمَرَاضِع أَنْ يَرْتَضِع مِنْهُنَّ مِنْ قَبْل أُمّه . ذُكِرَ أَنَّ أُخْتًا لِمُوسَى هِيَ الَّتِي قَالَتْ لِآلِ فِرْعَوْن : { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20731 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَرَادُوا لَهُ الْمُرْضِعَات , فَلَمْ يَأْخُذ مِنْ أَحَد مِنْ النِّسَاء , وَجَعَلَ النِّسَاء يَطْلُبْنَ ذَلِكَ لِيَنْزِلْنَ عِنْد فِرْعَوْن فِي الرَّضَاع , فَأَبَى أَنْ يَأْخُذ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل فَقَالَتْ } أُخْته { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } فَلَمَّا جَاءَتْ أُمّه أَخَذَ مِنْهَا. 20732 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل } قَالَ : لَا يَقْبَل ثَدْي اِمْرَأَة حَتَّى يَرْجِع إِلَى أُمّه . 20733 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ حَسَّان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل } قَالَ : كَانَ لَا يُؤْتَى بِمُرْضِعٍ فَيَقْبَلهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل } قَالَ : لَا يَرْضِع ثَدْي اِمْرَأَة حَتَّى يَرْجِع إِلَى أُمّه . 20734 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع مِنْ قَبْل } قَالَ : جَعَلَ لَا يُؤْتَى بِامْرَأَةٍ إِلَّا لَمْ يَأْخُذ ثَدْيهَا , قَالَ : { فَقَالَتْ } أُخْته { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } . 20735 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : جَمَعُوا الْمَرَاضِع حِين أَلْقَى اللَّه مَحَبَّتهمْ عَلَيْهِ , فَلَا يُؤْتَى بِامْرَأَةٍ فَيَقْبَل ثَدْيهَا فَيَرْمِضهُمْ ذَلِكَ , فَيُؤْتَى بِمُرْضِعٍ بَعْد مُرْضِع , فَلَا يَقْبَل شَيْئًا مِنْهُنَّ { فَقَالَتْ } لَهُمْ أُخْته حِين رَأَتْ مِنْ وَجْدهمْ بِهِ , وَحِرْصهمْ عَلَيْهِ { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ { يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } : يَضُمُّونَهُ لَكُمْ . وَقَوْله : { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } ذُكِرَ أَنَّهَا أُخِذَتْ , فَقِيلَ : قَدْ عَرَفْته , فَقَالَتْ : إِنَّمَا عَنَيْت أَنَّهُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20736 - حَدَّثني مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ أُخْته { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } أَخَذُوهَا , وَقَالُوا : إِنَّك قَدْ عَرَفْت هَذَا الْغُلَام , فَدُلِّينَا عَلَى أَهْله , فَقَالَتْ : مَا أَعْرِفهُ , وَلَكِنِّي إِنَّمَا قُلْت : هُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ . 20737 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } قَالَ : فَعِلْقُوهَا حِين قَالَتْ : وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ , قَالُوا : قَدْ عَرَفْتِيهِ , قَالَتْ : إِنَّمَا أَرَدْت هُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ . 20738 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } أَيْ لِمَنْزِلَتِهِ عِنْدكُمْ , وَحِرْصكُمْ عَلَى مَسَرَّة الْمَلِك , قَالُوا : هَاتِي .
فَرَدَدۡنَـٰهُ إِلَىٰۤ أُمِّهِۦ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿١٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمّه كَيْ تَقَرّ عَيْنهَا وَلَا تَحْزَن وَلِتَعْلَم أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَرَدَدْنَا } مُوسَى { إِلَى أُمّه } بَعْد أَنْ اِلْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْن , لِتَقَرّ عَيْنهَا بِابْنِهَا , إِذْ رَجَعَ إِلَيْهَا سَلِيمًا مِنْ قَتْل فِرْعَوْن { وَلَا تَحْزَن } عَلَى فِرَاقه إِيَّاهَا { وَلِتَعْلَم أَنَّ وَعْد اللَّه } الَّذِي وَعَدَهَا إِذْ قَالَ لَهَا { فَإِذَا خِفْت عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي } الْآيَة , حَقّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20739 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمّه } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ { لَا يَعْلَمُونَ } وَوَعَدَهَا أَنَّهُ رَادّه إِلَيْهَا وَجَاعِله مِنْ الْمُرْسَلِينَ , فَفَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهَا .



وَقَوْله : { وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَعْد اللَّه حَقّ , لَا يُصَدِّقُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ .
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ حُكۡمࣰا وَعِلۡمࣰاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿١٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَمَّا بَلَغَ } مُوسَى { أَشُدّهُ } , يَعْنِي حَانَ شِدَّة بَدَنه وَقُوَاهُ , وَانْتَهَى ذَلِكَ مِنْهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَشُدّ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { وَاسْتَوَى } يَقُول : تَنَاهَى شَبَابه , وَتَمَّ خَلْقه وَاسْتَحْكَمَ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَبْلَغ عَدَد سِنِي الِاسْتِوَاء , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَكُون ذَلِكَ فِي أَرْبَعِينَ سَنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20740 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَاسْتَوَى } قَالَ : أَرْبَعِينَ سَنَة . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ } قَالَ : ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَة . قَوْله : { وَاسْتَوَى } قَالَ : بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَة . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20741 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ } قَالَ : بِضْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَة . * - قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ } قَالَ : ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَة . 20742 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَشُدّهُ وَاسْتَوَى } قَالَ : أَرْبَعِينَ سَنَة , وَأَشُدّهُ : ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَة . 20743 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى } قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول : الْأَشُدّ : الْجَلَد , وَالِاسْتِوَاء : أَرْبَعُونَ سَنَة . وَقَالَ بَعْضهمْ : يَكُون ذَلِكَ فِي ثَلَاثِينَ سَنَة.



وَقَوْله : { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } يَعْنِي بِالْحُكْمِ : الْفَهْم بِالدِّينِ وَالْمَعْرِفَة. كَمَا : 20744 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } قَالَ : الْفِقْه وَالْعَقْل وَالْعَمَل قَبْل النُّبُوَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } قَالَ : الْفِقْه وَالْعَمَل قَبْل النُّبُوَّة . 20745 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى } آتَاهُ اللَّه حُكْمًا وَعِلْمًا وَفِقْهًا فِي دِينه وَدِين آبَائِهِ , وَعِلْمًا بِمَا فِي دِينه وَشَرَائِعه وَحُدُوده .



وَقَوْله : { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا جَزَيْنَا مُوسَى عَلَى طَاعَته إِيَّانَا وَإِحْسَانه بِصَبْرِهِ عَلَى أَمْرنَا , كَذَلِكَ نَجْزِي كُلّ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ رُسُلنَا وَعِبَادنَا , فَصَبَرَ عَلَى أَمْرنَا وَأَطَاعَنَا , وَانْتَهَى عَمَّا نَهَيْنَاهُ عَنْهُ .
وَدَخَلَ ٱلۡمَدِینَةَ عَلَىٰ حِینِ غَفۡلَةࣲ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِیهَا رَجُلَیۡنِ یَقۡتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِیعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِی مِن شِیعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِی مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَیۡهِۖ قَالَ هَـٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوࣱّ مُّضِلࣱّ مُّبِینࣱ ﴿١٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { دَخَلَ } مُوسَى { الْمَدِينَة } مَدِينَة مَنْف مِنْ مِصْر { عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } وَذَلِكَ عِنْد الْقَائِلَة نِصْف النَّهَار. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله دَخَلَ مُوسَى هَذِهِ الْمَدِينَة فِي هَذَا الْوَقْت , فَقَالَ بَعْضهمْ : دَخَلَهَا مُتَّبِعًا أَثَر فِرْعَوْن , لِأَنَّ فِرْعَوْن رَكِبَ وَمُوسَى غَيْر شَاهِد ; فَلَمَّا حَضَرَ عَلِمَ بِرُكُوبِهِ فَرَكِبَ وَاتَّبَعَ أَثَره , وَأَدْرَكَهُ الْمَقِيل فِي هَذِهِ الْمَدِينَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20746 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ مُوسَى حِين كَبِرَ يَرْكَب مَرَاكِب فِرْعَوْن , وَيَلْبَس مِثْل مَا يَلْبَس , وَكَانَ إِنَّمَا يُدْعَى مُوسَى بْن فِرْعَوْن , ثُمَّ إِنَّ فِرْعَوْن رَكِبَ مَرْكَبًا وَلَيْسَ عِنْده مُوسَى ; فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ : إِنَّ فِرْعَوْن قَدْ رَكِبَ , فَرَكِبَ فِي أَثَره فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيل بِأَرْضٍ يُقَال لَهَا مَنْف , فَدَخَلَهَا نِصْف النَّهَار , وَقَدْ تَغَلَّقَتْ أَسْوَاقهَا , وَلَيْسَ فِي طُرُقهَا أَحَد , وَهِيَ الَّتِي يَقُول اللَّه : { وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ دَخَلَهَا مُسْتَخْفِيًا مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَالَفَهُمْ فِي دِينهمْ , وَعَابَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20747 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا بَلَغَ مُوسَى أَشُدّهُ وَاسْتَوَى , آتَاهُ اللَّه حُكْمًا وَعِلْمًا , فَكَانَتْ لَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل شِيعَة يَسْمَعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ , فَلَمَّا اِسْتَدَّ رَأْيه , وَعَرَفَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ , رَأَى فِرَاق فِرْعَوْن وَقَوْمه عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَقًّا فِي دِينه , فَتَكَلَّمَ وَعَادَى وَأَنْكَرَ , حَتَّى ذُكِرَ مِنْهُ , وَحَتَّى أَخَافُوهُ وَخَافَهُمْ , حَتَّى كَانَ لَا يَدْخُل قَرْيَة فِرْعَوْن إِلَّا خَائِفًا مُسْتَخْفِيًا , فَدَخَلَهَا يَوْمًا عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ فِرْعَوْن قَدْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدِينَته حِين عَلَاهُ بِالْعَصَا , فَلَمْ يَدْخُلهَا إِلَّا بَعْد أَنْ كَبِرَ وَبَلَعَ أَشُدّهُ. قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا لِذِكْرِ مُوسَى ; أَيْ مِنْ بَعْد نِسْيَانهمْ خَبَره وَأَمْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20748 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } قَالَ : لَيْسَ غَفْلَة مِنْ سَاعَة , وَلَكِنْ غَفْلَة مِنْ ذِكْر مُوسَى وَأَمْره . وَقَالَ فِرْعَوْن لِامْرَأَتِهِ : أَخْرِجِيهِ عَنِّي , حِين ضَرَبَ رَأْسه بِالْعَصَا , هَذَا الَّذِي قُلْت فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيل , فَقَالَتْ : هُوَ صَغِير , وَهُوَ كَذَا , هَاتِ جَمْرًا , فَأُتِيَ بِجَمْرٍ , فَأَخَذَ جَمْرَة فَطَرَحَهَا فِي فِيهِ فَصَارَتْ عُقْدَة فِي لِسَانه , فَكَانَتْ تِلْكَ الْعُقْدَة الَّتِي قَالَ اللَّه { وَاحُلَل عُقْدَة مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي } 20 27 : 28 قَالَ : أَخْرِجِيهِ عَنِّي , فَأُخْرِجَ , فَلَمْ يَدْخُل عَلَيْهِمْ حَتَّى كَبِرَ , فَدَخَلَ عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ ذِكْره . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي الصِّحَّة بِذَلِكَ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْت الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ نِصْف النَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20749 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة } قَالَ : نِصْف النَّهَار . قَالَ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : يَقُولُونَ فِي الْقَائِلَة , قَالَ : وَبَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . 20750 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَدَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى حِين غَفْلَة مِنْ أَهْلهَا } قَالَ : دَخَلَهَا بَعْد مَا بَلَغَ أَشُدّهُ عِنْد الْقَائِلَة نِصْف النَّهَار . 20751 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : دَخَلَ نِصْف النَّهَار.



وَقَوْله : { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَته } يَقُول : هَذَا مِنْ أَهْل دِين مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل { وَهَذَا مِنْ عَدُوّهُ } مِنْ الْقِبْط مِنْ قَوْم فِرْعَوْن { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته } يَقُول : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْل دِين مُوسَى عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوّهُ مِنْ الْقِبْط { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } يَقُول : فَلَكَزَهُ وَلَهَزَهُ فِي صَدْره بِجَمْعِ كَفّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20752 - حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَسَاءَ مُوسَى مِنْ حَيْثُ أَسَاءَ , وَهُوَ شَدِيد الْغَضَب شَدِيد الْقُوَّة , فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ الْقِبْط قَدْ تَسَخَّرَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , قَالَ : فَلَمَّا رَأَى مُوسَى اِسْتَغَاثَ بِهِ , قَالَ : يَا مُوسَى , فَقَالَ مُوسَى : خَلّ سَبِيله , فَقَالَ : قَدْ هَمَمْت أَنْ أَحْمِلهُ عَلَيْك { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } قَالَ : حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَد نِصْف النَّهَار خَرَجَ يَنْظُر الْخَبَر قَالَ : فَإِذَا ذَاكَ الرَّجُل قَدْ أَخَذَهُ آخَر فِي مِثْل حَدّه ; قَالَ : فَقَالَ : يَا مُوسَى , قَالَ : فَاشْتَدَّ غَضَب مُوسَى , قَالَ : فَأَهْوَى , قَالَ : فَخَافَ أَنْ يَكُون إِيَّاهُ يُرِيد , قَالَ : فَقَالَ : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ ؟ } قَالَ : فَقَالَ الرَّجُل : أَلَا أُرَاك يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي قَتَلْت ؟. * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا عَثَّام بْن عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ } قَالَ : رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يُقَاتِل جَبَّارًا لِفِرْعَوْن فَاسْتَغَاثَهُ { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد , اِسْتَصْرَخَ بِهِ فَوَجَدَ . يُقَاتِل آخَر , فَأَغَاثَهُ , فَقَالَ { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } فَعَرَفُوا أَنَّهُ مُوسَى , فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب , قَالَ عَثَّام : أَوْ نَحْو هَذَا . 20753 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ , هَذَا مِنْ شِيعَته , وَهَذَا مِنْ عَدُوّهُ } أَمَّا الَّذِي مِنْ شِيعَته فَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَمَّا الَّذِي مِنْ عَدُوّهُ فَقِبْطِيّ مِنْ آل فِرْعَوْن . 20754 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ , هَذَا مِنْ شِيعَته وَهَذَا مِنْ عَدُوّهُ } يَقُول : مِنْ الْقِبْط { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوّهُ } . 20755 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا بَلَغَ مُوسَى أَشُدّهُ , وَكَانَ مِنْ الرِّجَال , لَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ آل فِرْعَوْن يَخْلُص إِلَى أَحَد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مَعَهُ بِظُلْمٍ وَلَا سُخْرَة , حَتَّى اِمْتَنَعُوا كُلّ الِامْتِنَاع , فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي ذَات يَوْم فِي نَاحِيَة الْمَدِينَة , إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ : أَحَدهمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَالْآخَر مِنْ آل فِرْعَوْن , فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ , فَغَضِبَ مُوسَى وَاشْتَدَّ غَضَبه , لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَم مَنْزِلَة مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَحِفْظه لَهُمْ , وَلَا يَعْلَم النَّاس إِلَّا أَنَّمَا ذَلِكَ مِنْ قَبْل الرَّضَاعَة مِنْ أُمّ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَكُون اللَّه أَطْلَع مُوسَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْم مَا لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ غَيْره , فَوَكَزَ مُوسَى الْفِرْعَوْنِيّ فَقَتَلَهُ , وَلَمْ يَرَهُمَا أَحَد إِلَّا اللَّه وَالْإِسْرَائِيلِيّ , ف { قَالَ } مُوسَى حِين قَتَلَ الرَّجُل { هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان } الْآيَة . 20756 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ , هَذَا مِنْ شِيعَته } مُسْلِم , وَهَذَا مِنْ أَهْل دِين فِرْعَوْن كَافِر { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوّهُ } وَكَانَ مُوسَى قَدْ أُوتِيَ بَسْطَة فِي الْخَلْق , وَشِدَّة فِي الْبَطْش فَغَضِبَ بِعَدُوِّهِمَا فَنَازَعَهُ { فَوَكَزَهُ مُوسَى } وَكْزَة قَتَلَهُ مِنْهَا وَهُوَ لَا يُرِيد قَتْله , ف { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِين } . 20757 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هَذَا مِنْ شِيعَته } قَالَ : مِنْ قَوْمه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ فِرْعَوْن مِنْ فَارِس مِنْ إِصْطَخْر . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ. 20758 - قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَصْحَابه { هَذَا مِنْ شِيعَته } إِسْرَائِيلِيّ { وَهَذَا مِنْ عَدُوّهُ } قِبْطِيّ { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوّهُ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا أَيْضًا قَالُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { فَوَكَزَهُ مُوسَى } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20759 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَوَكَزَهُ مُوسَى } قَالَ : بِجَمْعِ كَفّه . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20760 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَوَكَزَهُ مُوسَى } نَبِيّ اللَّه , وَلَمْ يَتَعَمَّد قَتْله . 20761 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : قَتَلَهُ وَهُوَ لَا يُرِيد قَتْله . وَقَوْله : { فَقَضَى عَلَيْهِ } يَقُول : فَفَرَغَ مِنْ قَتْله . وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْقَضَاء : الْفَرَاغ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَا هُنَا . ذُكِرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ ثُمَّ دَفَنَهُ فِي الرَّمْل , كَمَا : 20762 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَصْحَابه { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ثُمَّ دَفَنَهُ فِي الرَّمْل .



وَقَوْله : { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى حِين قَتَلَ الْقَتِيل : هَذَا الْقَتْل مِنْ تَسَبُّب الشَّيْطَان لِي بِأَنْ هَيَّجَ غَضَبِي حَتَّى ضَرَبْت هَذَا فَهَلَكَ مِنْ ضَرْبَتِي .



{ إِنَّهُ عَدُوّ } يَقُول : إِنَّ الشَّيْطَان عَدُوّ لِابْنِ آدَم { مُضِلّ } لَهُ عَنْ سَبِيل الرَّشَاد بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْقَبِيح مِنْ الْأَعْمَال , وَتَحْسِينه ذَلِكَ لَهُ { مُبِين } يَعْنِي أَنَّهُ يُبَيِّن عَدَاوَته لَهُمْ قَدِيمًا , وَإِضْلَاله إِيَّاهُمْ .
قَالَ رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی فَٱغۡفِرۡ لِی فَغَفَرَ لَهُۥۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ ﴿١٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ نَدَم مُوسَى عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَتْله النَّفْس الَّتِي قَتَلَهَا , وَتَوْبَته إِلَيْهِ مِنْهُ وَمَسْأَلَته غُفْرَانه مِنْ ذَلِكَ { رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي } بِقَتْلِ النَّفْس الَّتِي لَمْ تَأْمُرنِي بِقَتْلِهَا , فَاعْفُ عَنْ ذَنْبِي ذَلِكَ , وَاسْتُرْهُ عَلَيَّ , وَلَا تُؤَاخِذنِي بِهِ فَتُعَاقِبنِي عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20763 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { رَبّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي } قَالَ : بِقَتْلِي مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُل حَتَّى يُؤْمَر , وَلَمْ يُؤْمَر . 20764 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : عَرَفَ الْمَخْرَج , فَقَالَ : { ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي , فَغَفَرَ لَهُ } .



وَقَوْله : { فَغَفَرَ لَهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَعَفَا اللَّه لِمُوسَى عَنْ ذَنْبه وَلَمْ يُعَاقِبهُ بِهِ .



يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّاتِر عَلَى الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبهمْ عَلَى ذُنُوبهمْ , الْمُتَفَضِّل عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْهَا , الرَّحِيم لِلنَّاسِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى ذُنُوبهمْ بَعْد مَا تَابُوا مِنْهَا.
قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِیرࣰا لِّلۡمُجۡرِمِینَ ﴿١٧﴾
وَقَوْله : { قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى رَبّ بِإِنْعَامِك عَلَيَّ بِعَفْوِك عَنْ قَتْل هَذِهِ النَّفْس .



يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , كَأَنَّهُ أَقْسَمَ بِذَلِكَ , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " فَلَا تَجْعَلنِي ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " كَأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة دَعَا رَبّه , فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَنْ أَكُون ظَهِيرًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ السَّلَام حِين قَالَ { فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } فَابْتُلِيَ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول

فِي ذَلِكَ مَا : 20765 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ } يَقُول : فَلَنْ أُعِين بَعْدهَا ظَالِمًا عَلَى فُجْره , قَالَ : وَقَلَّمَا قَالَهَا رَجُل إِلَّا اُبْتُلِيَ , قَالَ : فَابْتُلِيَ كَمَا تَسْمَعُونَ .
فَأَصۡبَحَ فِی ٱلۡمَدِینَةِ خَاۤىِٕفࣰا یَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِی ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ یَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰۤ إِنَّكَ لَغَوِیࣱّ مُّبِینࣱ ﴿١٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَة خَائِفًا يَتَرَقَّب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَصْبَحَ مُوسَى فِي مَدِينَة فِرْعَوْن خَائِفًا مِنْ جِنَايَته الَّتِي جَنَاهَا , وَقَتْله النَّفْس الَّتِي قَتَلَهَا أَنْ يُؤْخَذ فَيُقْتَل بِهَا { يَتَرَقَّب } يَقُول : يَتَرَقَّب الْأَخْبَار : أَيْ يَنْتَظِر مَا الَّذِي يَتَحَدَّث بِهِ النَّاس , مِمَّا هُمْ صَانِعُونَ فِي أَمْره وَأَمْر قَتِيله. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20766 - حَدَّثني الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم عَنْ أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَة خَائِفًا يَتَرَقَّب } قَالَ : خَائِفًا مِنْ قَتْله النَّفْس , يَتَرَقَّب أَنْ يُؤْخَذ . 20767 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَة خَائِفًا يَتَرَقَّب } قَالَ : خَائِفًا أَنْ يُؤْخَذ .
فَلَمَّاۤ أَنۡ أَرَادَ أَن یَبۡطِشَ بِٱلَّذِی هُوَ عَدُوࣱّ لَّهُمَا قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ أَتُرِیدُ أَن تَقۡتُلَنِی كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِیدُ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ جَبَّارࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِیدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِینَ ﴿١٩﴾
وَقَوْله : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَرَأَى مُوسَى لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَة عَلَى خَوْف مُتَرَقِّبًا الْأَخْبَار عَنْ أَمْره وَأَمْر الْقَتِيل , فَإِذَا الْإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ يُقَاتِلهُ فِرْعُونِيّ آخَر , فَرَآهُ الْإِسْرَائِيلِيّ فَاسْتَصْرَخَهُ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ . يَقُول : فَاسْتَغَاثَهُ أَيْضًا عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ , وَأَصْله مِنْ الصُّرَاخ , كَمَا يُقَال : قَالَ بَنُو فُلَان : يَا صَبَاحَاهُ , قَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ مُوسَى لِلْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي اِسْتَصْرَخَهُ , وَقَدْ صَادَفَ مُوسَى نَادِمًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ قَتْله بِالْأَمْسِ الْقَتِيل , وَهُوَ يَسْتَصْرِخهُ الْيَوْم عَلَى آخَر : إِنَّك أَيّهَا الْمُسْتَصْرِخ لَغَوِيّ : يَقُول : إِنَّك لَذُو غِوَايَة , مُبِين : يَقُول : قَدْ تَبَيَّنَتْ غِوَايَتك بِقَتْلِك أَمْس رَجُلًا , وَالْيَوْم آخَر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20768 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : أُتِيَ فِرْعَوْن , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَدْ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ آل فِرْعَوْن , فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَلَا تُرَخِّص لَهُمْ فِي ذَلِكَ , قَالَ : اِبْغُونِي قَاتِله وَمَنْ يَشْهَد عَلَيْهِ , لَا يَسْتَقِيم أَنْ نَقْضِيَ بِغَيْرِ بَيِّنَة وَلَا ثَبْت فَاطْلُبُوا ذَلِكَ , فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا , إِذْ مَرَّ مُوسَى مِنْ الْغَد , فَرَأَى ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيّ يُقَاتِل فِرْعَوْنِيًّا , فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيّ , فَصَادَفَ مُوسَى وَقَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ بِالْأَمْسِ , وَكَرِهَ الَّذِي رَأَى , فَغَضِبَ مُوسَى , فَمَدَّ يَده وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَبْطِش بِالْفِرْعَوْنِيِّ , فَقَالَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ لِمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَالْيَوْم { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } , فَنَظَرَ الْإِسْرَائِيلِيّ إِلَى مُوسَى بَعْد مَا قَالَ هَذَا , فَإِذَا هُوَ غَضْبَان كَغَضَبِهِ بِالْأَمْسِ إِذْ قَتَلَ فِيهِ الْفِرْعَوْنِيّ , فَخَافَ أَنْ يَكُون بَعْد مَا قَالَ لَهُ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } إِيَّاهُ أَرَادَ , وَلَمْ يَكُنْ أَرَادَهُ , إِنَّمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيّ , فَخَافَ الْإِسْرَائِيلِيّ فَحَاجَّهُ , فَقَالَ { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَة أَنْ يَكُون إِيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى لِيَقْتُلهُ , فَتَتَارَكَا. 20769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } قَالَ : الِاسْتِنْصَار وَالِاسْتِصْرَاخ وَاحِد . 20770 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخهُ } يَقُول : يَسْتَغِيثهُ . 20771 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ مُوسَى الْقَتِيل , خَرَجَ فَلَحِقَ بِمَنْزِلِهِ مِنْ مِصْر , وَتَحَدَّثَ النَّاس بِشَأْنِهِ , وَقِيلَ : قَتَلَ مُوسَى رَجُلًا حَتَّى اِنْتَهَى ذَلِكَ إِلَى فِرْعَوْن , فَأَصْبَحَ مُوسَى غَادِيًا الْغَد , وَإِذَا صَاحِبه بِالْأَمْسِ مُعَانِق رَجُلًا آخَر مِنْ عَدُوّهُ , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } أَمْس رَجُلًا , وَالْيَوْم آخَر ؟ . 20772 -حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ : هُوَ الَّذِي اِسْتَصْرَخَهُ .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِاَلَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَبْطِش بِالْفِرْعَوْنِيِّ الَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُ وَلِلْإِسْرَائِيلِيِّ , قَالَ الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى وَظَنَّ أَنَّهُ إِيَّاهُ يُرِيد { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20773 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِاَلَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُمَا قَالَ } : خَافَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَته حِين قَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } . 20774 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ مُوسَى لِلْإِسْرَائِيلِيِّ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } ثُمَّ أَقْبَلَ لِيَنْصُرهُ , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى مُوسَى قَدْ أَقْبَلَ نَحْوه لِيَبْطِش بِالرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِل الْإِسْرَائِيلِيّ , { قَالَ } الْإِسْرَائِيلِيّ , وَفَرَقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يَبْطِش بِهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُ أَغْلَظَ لَهُ الْكَلَام : { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ , إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } فَتَرَكَهُ مُوسَى . 20775 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَصْحَابه , قَالَ : نَدِمَ بَعْد أَنْ قَتَلَ الْقَتِيل , فَقَالَ : { هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِين } قَالَ : ثُمَّ اِسْتَنْصَرَهُ بَعْد ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى قِبْطِيّ آخَر , فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِالْقِبْطِيِّ , ظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنَّهُ إِيَّاهُ يُرِيد , فَقَالَ : يَا مُوسَى { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } ؟ . قَالَ : وَقَالَ اِبْن جُرَيْج , أَوْ اِبْن أَبِي نَجِيح - الطَّبَرِيّ يَشُكّ وَهُوَ فِي الْكِتَاب اِبْن أَبِي نَجِيح - أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَصْبَحَ , أَصْبَحَ نَادِمًا تَائِبًا , يَوَدّ أَنْ لَمْ يَبْطِش بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا , وَقَدْ قَالَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ : { إِنَّك لَغَوِيّ مُبِين } فَعَلِمَ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنَّ مُوسَى غَيْر نَاصِره ; فَلَمَّا أَرَادَ الْإِسْرَائِيلِيّ أَنْ يَبْطِش بِالْقِبْطِيِّ نَهَاهُ مُوسَى , فَفَرَقَ الْإِسْرَائِيلِيّ مِنْ مُوسَى , فَقَالَ : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } ؟ فَسَعَى بِهَا الْقِبْطِيّ .



وَقَوْله : { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى : { إِنْ تُرِيد } مَا تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض . وَكَانَ مِنْ فِعْل الْجَبَابِرَة : قَتْل النُّفُوس ظُلْمًا , بِغَيْرِ حَقّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمُوسَى الْإِسْرَائِيلِيّ , لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهمْ مَنْ قَتَلَ نَفْسَيْنِ : مِنْ الْجَبَابِرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20776 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم بْن بَشِير , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : مَنْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهُوَ جَبَّار ; قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ , إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض , وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } . 20777 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } إِنَّ الْجَبَابِرَة هَكَذَا , تَقْتُل النَّفْس بِغَيْرِ النَّفْس . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , { إِنْ تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون جَبَّارًا فِي الْأَرْض } قَالَ : تِلْكَ سِيرَة الْجَبَابِرَة أَنْ تَقْتُل النَّفْس بِغَيْرِ النَّفْس .



وَقَوْله : { وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } يَقُول : مَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِمَّنْ يَعْمَل فِي الْأَرْض بِمَا فِيهِ صَلَاح أَهْلهَا , مِنْ طَاعَة اللَّه . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا : 20778 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا تُرِيد أَنْ تَكُون مِنْ الْمُصْلِحِينَ } أَيْ مَا هَكَذَا يَكُون الْإِصْلَاح.
وَجَاۤءَ رَجُلࣱ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ یَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِیَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّی لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ ﴿٢٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى }. ذُكِرَ أَنَّ قَوْل الْإِسْرَائِيلِيّ سَمِعَهُ سَامِع فَأَفْشَاهُ , وَأَعْلَمَ بِهِ أَهْل الْقَتِيل , فَحِينَئِذٍ طَلَبَ فِرْعَوْن مُوسَى , وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ; فَلَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ , جَاءَ مُوسَى مُخْبِر , وَخَبَّرَهُ بِمَا قَدْ أَمَرَ بِهِ فِرْعَوْن فِي أَمْره , وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْر , بَلَد فِرْعَوْن وَقَوْمه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20779 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : اِنْطَلَقَ الْفِرْعَوْنِيّ الَّذِي كَانَ يُقَاتِل الْإِسْرَائِيلِيّ إِلَى قَوْمه , فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيّ مِنْ الْخَبَر حِين يَقُول { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } ؟ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْن الذَّبَّاحِينَ لِقَتْلِ مُوسَى , فَأَخَذُوا الطَّرِيق الْأَعْظَم , وَهُمْ لَا يَخَافُونَ أَنْ يَفُوتهُمْ , وَكَانَ رَجُل مِنْ شِيعَة مُوسَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَة , فَاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا , حَتَّى سَبَقَهُمْ إِلَى مُوسَى , فَأَخْبَرَهُ الْخَبَر . 20780 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أَعْلَمَهُمْ الْقِبْطِيّ الَّذِي هُوَ عَدُوّ لَهُمَا , فَأْتَمَرَ الْمَلَأ لِيَقْتُلُوهُ , فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة , وَقَرَأَ { إِنَّ } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ مُؤْمِن آل فِرْعَوْن. 20781 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : ذَهَبَ الْقِبْطِيّ , يَعْنِي الَّذِي كَانَ يُقَاتِل الْإِسْرَائِيلِيّ , فَأَفْشَى عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي قَتَلَ الرَّجُل , فَطَلَبَهُ فِرْعَوْن وَقَالَ : خُذُوهُ فَإِنَّهُ صَاحِبنَا , وَقَالَ لِلَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ : اُطْلُبُوهُ فِي بُنَيَّات الطَّرِيق , فَإِنَّ مُوسَى غُلَام لَا يَهْتَدِي الطَّرِيق , وَأَخَذَ مُوسَى فِي بُنَيَّات الطَّرِيق , وَقَدْ جَاءَهُ الرَّجُل فَأَخْبَرَهُ { إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك } . 20782 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَصْحَابه , قَالُوا : لَمَّا سَمِعَ الْقِبْطِيّ قَوْل الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } سَعَى بِهَا إِلَى أَهْل الْمَقْتُول فَقَالَ : إِنَّ مُوسَى هُوَ قَتَلَ صَاحِبكُمْ , وَلَوْ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ الْإِسْرَائِيلِيّ لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد ; فَلَمَّا عَلِمَ مُوسَى أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا خَرَجَ هَارِبًا , فَطَلَبَهُ الْقَوْم فَسَبَقَهُمْ ; قَالَ : وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح : سَعَى الْقِبْطِيّ . 20783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , قَالَ قَالَ الْإِسْرَائِيلِيّ لِمُوسَى : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ } وَقِبْطِيّ قَرِيب مِنْهُمَا يَسْمَع , فَأَفْشَى عَلَيْهِمَا . 20784 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَمِعَ ذَلِكَ عَدُوّ , فَأَفْشَى عَلَيْهِمَا . وَقَوْله : { وَجَاءَ رَجُل } ذُكِرَ أَنَّهُ مُؤْمِن آل فِرْعَوْن , وَكَانَ اِسْمه فِيمَا قِيلَ : سَمْعَان. وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَ اِسْمه شَمْعُون . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20785 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان , عَنْ شُعَيْب الْجُبَّائِيّ , قَالَ : اِسْمه شَمْعُون الَّذِي قَالَ لِمُوسَى : { إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك } . 20786 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَصْبَحَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن قَدْ أَجْمَعُوا لِقَتْلِ مُوسَى فِيمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ , فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى يُقَال لَهُ سَمْعَان , فَقَالَ : { يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك , فَاخْرُجْ إِنِّي لَك مِنْ النَّاصِحِينَ } . 20787 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { وَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى } إِلَى مُوسَى { قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك , فَاخْرُجْ إِنِّي لَك مِنْ النَّاصِحِينَ } . وَقَوْله { مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة } يَقُول : مِنْ آخِر مَدِينَة فِرْعَوْن { يَسْعَى } يَقُول : يَعْجَل . كَمَا : 20788 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى } قَالَ : يَعْجَل , لَيْسَ بِالشَّدِّ.



وَقَوْله : { قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ الرَّجُل الَّذِي جَاءَهُ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى لِمُوسَى : يَا مُوسَى إِنَّ أَشْرَاف قَوْم فِرْعَوْن وَرُؤَسَائِهِمْ يَتَآمَرُونَ بِقَتْلِك , وَيَتَشَاوَرُونَ وَيَرْتَئُونَ فِيك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : مَا تَأْتَمِر فِينَا فَأَمْ رُكَ فِي يَمِينِك أَوْ شِمَالك يَعْنِي : مَا تَرْتَئِي , وَتَهُمّ بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل النَّمِر بْن تَوْلَب : أَرَى النَّاس قَدْ أَحْدَثُوا شِيمَة وَفِي كُلّ حَادِثَة يُؤْتَمَر أَيْ يُتَشَاوَر وَيُرْتَأَى فِيهَا .



وَقَوْله : { فَاخْرُجْ إِنِّي لَك مِنْ النَّاصِحِينَ } يَقُول : فَاخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَة , إِنِّي لَك فِي إِشَارَتِي عَلَيْك بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنْ النَّاصِحِينَ.
فَخَرَجَ مِنۡهَا خَاۤىِٕفࣰا یَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِی مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٢١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ مَدِينَة فِرْعَوْن خَائِفًا مِنْ قَتْله النَّفْس أَنْ يُقْتَل بِهِ { يَتَرَقَّب } يَقُول : يَنْتَظِر الطَّلَب أَنْ يُدْرِكهُ فَيَأْخُذهُ . كَمَا : 20789 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب } خَائِفًا مِنْ قَتْله النَّفْس يَتَرَقَّب الطَّلَب { قَالَ رَبّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب } قَالَ : خَائِفًا مِنْ قَتْل النَّفْس , يَتَرَقَّب أَنْ يَأْخُذهُ الطَّلَب . 20790 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى وَجْهه خَائِفًا يَتَرَقَّب مَا يَدْرِي أَيّ وَجْه يَسْلُك , وَهُوَ يَقُول : { رَبّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } . 20791 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّب } قَالَ : يَتَرَقَّب مَخَافَة الطَّلَب .



وَقَوْله : { قَالَ رَبّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى وَهُوَ شَاخِص عَنْ مَدِينَة فِرْعَوْن خَائِفًا : رَبّ نَجِّنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْكَافِرِينَ , الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ بِك.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَاۤءَ مَدۡیَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّیۤ أَن یَهۡدِیَنِی سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ ﴿٢٢﴾
وَقَوْله : { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا جَعَلَ مُوسَى وَجْهه نَحْو مَدْيَن , مَاضِيًا إِلَيْهَا , شَاخِصًا عَنْ مَدِينَة فِرْعَوْن , وَخَارِجًا عَنْ سُلْطَانه , { قَالَ : عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِينِي سَوَاء السَّبِيل } وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " تِلْقَاء " : نَحْو مَدْيَن ; وَيُقَال : فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاء نَفْسه , يَعْنِي بِهِ : مِنْ قِبَل نَفْسه وَيُقَال : دَاره تِلْقَاء دَار فُلَان : إِذَا كَانَتْ مُحَاذِيَتهَا , وَلَمْ يُصْرَف اِسْم مَدْيَن لِأَنَّهَا اِسْم بَلْدَة مَعْرُوفَة , كَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب بِأَسْمَاءِ الْبِلَاد الْمَعْرُوفَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : رُهْبَان مَدْيَن لَوْ رَأَوْك تَنَزَّلُوا وَالْعَصَم مِنْ شَعَف الْعُقُول الْفَادِر



وَقَوْله : { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } يَقُول : عَسَى رَبِّي أَنْ يُبَيِّنَ لِي قَصْد السَّبِيل إِلَى مَدْيَن , وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِف الطَّرِيق إِلَيْهَا . وَذُكِرَ أَنَّ اللَّه قَيَّضَ لَهُ إِذْ قَالَ : { رَبّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } مَلَكًا سَدَّدَهُ الطَّرِيقَ , وَعَرَّفَهُ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20792 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي بُنَيَّات الطَّرِيق جَاءَهُ مَلَك عَلَى فَرَس بِيَدِهِ عَنَزَة ; فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى سَجَدَ لَهُ مِنْ الْفَرَق قَالَ : لَا تَسْجُد لِي وَلَكِنْ اِتَّبِعْنِي , فَاتَّبَعَهُ , فَهَدَاهُ نَحْو مَدْيَن. وَقَالَ مُوسَى وَهُوَ مُتَوَجِّه نَحْو مَدْيَن : { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى اِنْتَهَى بِهِ إِلَى مَدْيَن . 20793 -حَدَّثَنَا الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : خَرَجَ مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْو مَدْيَن , وَلَيْسَ لَهُ عِلْم بِالطَّرِيقِ إِلَّا حُسْن ظَنّه بِرَبِّهِ , فَإِنَّهُ قَالَ { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } . 20794 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ يَقُول : { رَبّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } فَهَيَّأَ اللَّه الطَّرِيق إِلَى مَدْيَن , فَخَرَجَ مِنْ مِصْر بِلَا زَاد وَلَا حِذَاء وَلَا ظَهْر وَلَا دِرْهَم وَلَا رَغِيف , خَائِفًا يَتَرَقَّب , حَتَّى وَقَعَ إِلَى أُمَّة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ بِمَدْيَن . 20795 -حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّار الْحُسَيْن بْن حُرَيْث الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْر إِلَى مَدْيَن , وَبَيْنهَا وَبَيْنهَا مَسِيرَة ثَمَان , قَالَ : وَكَانَ يُقَال نَحْو مِنْ الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَام إِلَّا وَرَق الشَّجَر , وَخَرَجَ حَافِيًا , فَمَا وَصَلَ إِلَيْهَا حَتَّى وَقَعَ خُفّ قَدَمه . 20796 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا عَثَّام , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْر إِلَى مَدْيَن , وَبَيْنه وَبَيْنهَا ثَمَان لَيَالٍ , كَانَ يُقَال : نَحْو مِنْ الْبَصْرَة إِلَى الْكُوفَة ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . وَمَدْيَن كَانَ بِهَا يَوْمئِذٍ قَوْم شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20797 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَن } وَمَدْيَن : مَاء كَانَ عَلَيْهِ قَوْم شُعَيْب { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } . وَأَمَّا قَوْله : { سَوَاء السَّبِيل } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله نَحْو قَوْلنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20798 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { سَوَاء السَّبِيل } قَالَ : الطَّرِيق إِلَى مَدْيَن . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20799 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } قَالَ : قَصْد السَّبِيل . 20800 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عَبَّاد بْن رَاشِد , عَنْ الْحَسَن : { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيل } قَالَ : الطَّرِيق الْمُسْتَقِيم.
وَلَمَّا وَرَدَ مَاۤءَ مَدۡیَنَ وَجَدَ عَلَیۡهِ أُمَّةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ یَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَیۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِی حَتَّىٰ یُصۡدِرَ ٱلرِّعَاۤءُۖ وَأَبُونَا شَیۡخࣱ كَبِیرࣱ ﴿٢٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَمَّا وَرَدَ } مُوسَى { مَاء مَدْيَن وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّة } يَعْنِي جَمَاعَة { مِنْ النَّاس يَسْقُونَ } نَعَمهمْ وَمَوَاشِيهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20801 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ } يَقُول : كَثْرَة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ. 20802 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { أُمَّة مِنْ النَّاس } قَالَ : أُنَاسًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. 20803 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : وَقَعَ إِلَى أُمَّة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ بِمَدْيَن أَهْل نَعَم وَشَاء. 20804 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُوسَى وَابْن بَشَّار , قَالَا : ثَنَا أَبُو دَاوُد , قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَان الْقَطَّان , قَالَ : ثَنَا أَبُو حَمْزَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن } قَالَ عَلِيّ بْن مُوسَى : قَالَ : مِثْل مَاء جَوْبكُمْ هَذَا , يَعْنِي المحدثة . وَقَالَ اِبْن بَشَّار : مِثْل محدثتكم هَذِهِ , يَعْنِي جَوَابكُمْ هَذَا .



وَقَوْله : { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } يَقُول : وَوَجَدَ مِنْ دُون أُمَّة النَّاس الَّذِينَ هُمْ عَلَى الْمَاء , اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَذُودَانِ } تَحْبِسَانِ غَنَمهمَا ; يُقَال مِنْهُ : ذَادَ فُلَان غَنَمه وَمَاشِيَته : إِذَا أَرَادَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ يَشِذّ وَيَذْهَب , فَرَدَّهُ وَمَنَعَهُ يَذُودهَا ذَوْدًا . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ الْكُوفِيِّينَ : لَا يَجُوز أَنْ يُقَال : ذُدْت الرَّجُل بِمَعْنَى : حَبَسْته , إِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ لِلْغَنَمِ وَالْإِبِل . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُود النَّاس عَنْهُ بِعَصَايَ " فَقَدْ جَعَلَ الذَّوْد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس ; وَمِنْ الذَّوْد قَوْل سُوَيْد بْن كُرَاع : أَبِيت عَلَى بَاب الْقَوَافِي كَأَنَّمَا أَذُود بِهَا سَرَبًا مِنْ الْوَحْش نُزَّعًا وَقَوْل الْآخَر : وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاك بَنُو تَمِيم فَمَا تَدْرِي بِأَيِّ عَصًا تَذُود وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20805 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { تَذُودَانِ } يَقُول : تَحْبِسَانِ . * - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمَا حَابِسَتَانِ . 20806 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } قَالَ : حَابِسَتَيْنِ. 20807 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } يَقُول : تَحْبِسَانِ غَنَمهمَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِي كَانَتْ عَنْهُ تَذُود هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتَا تَذُودَانِ غَنَمهمَا عَنْ الْمَاء , حَتَّى يَصْدُر عَنْهُ مَوَاشِي النَّاس , ثُمَّ تَسْقِيَانِ مَاشِيَتهمَا لِضَعْفِهِمَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20808 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك قَوْله : { اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } قَالَ : تَحْبِسَانِ غَنَمهمَا عَنْ النَّاس حَتَّى يَفْرُغُوا وَتَخْلُو لَهُمَا الْبِئْر . 20809 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ } يَعْنِي دُون الْقَوْم تَذُودَانِ غَنَمهمَا عَنْ الْمَاء , وَهُوَ مَاء مَدْيَن . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تَذُودَانِ النَّاس عَنْ غَنَمهمَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20810 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّة مِنْ النَّاس يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } قَالَ : أَيْ حَابِسَتَيْنِ شَاءَهُمَا تَذُودَانِ النَّاس عَنْ شَائِهِمَا . 20811 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَصْحَابه { تَذُودَانِ } قَالَ : تَذُودَانِ النَّاس عَنْ غَنَمهمَا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : تَحْبِسَانِ غَنَمهمَا عَنْ النَّاس حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ سَقْي مَوَاشِيهمْ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْله : { مَا خَطْبكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء } عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا شَكَّتَا أَنَّهُمَا لَا تَسْقِيَانِ حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء , إِذْ سَأَلَهُمَا مُوسَى عَنْ ذَوْدهمَا , وَلَوْ كَانَتَا تَذُودَانِ عَنْ غَنَمهمَا النَّاس , كَانَ لَا شَكّ أَنَّهُمَا كَانَتَا تُخْبِرَانِ عَنْ سَبَب ذَوْدهمَا عَنْهَا النَّاس , لَا عَنْ سَبَب تَأَخَّرَ سَقْيهمَا إِلَى أَنْ يُصْدِر الرِّعَاء .



وَقَوْله : { قَالَ مَا خَطْبكُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ مَا شَأْنكُمَا وَأَمْركُمَا تَذُودَانِ مَاشِيَتكُمَا عَنْ النَّاس , هَلَّا تَسْقُونَهَا مَعَ مَوَاشِي النَّاس وَالْعَرَب , تَقُول لِلرَّجُلِ : مَا خَطْبك : بِمَعْنَى مَا أَمْرك وَحَالك , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : يَا عَجَبًا مَا خَطْبه وَخَطْبِي وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20812 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ لَهُمَا : { مَا خَطْبكُمَا } مُعْتَزِلَتَيْنِ لَا تَسْقِيَانِ مَعَ النَّاس ؟ . 20813 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : وَجَدَ لَهُمَا رَحْمَة , وَدَخَلَتْهُ فِيهِمَا خَشْيَة , لَمَّا رَأَى مِنْ ضَعْفهمَا , وَغَلَبَة النَّاس عَلَى الْمَاء دُونهمَا , فَقَالَ لَهُمَا : مَا خَطْبكُمَا : أَيْ مَا شَأْنكُمَا ؟.



وَقَوْله : { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَتْ الْمَرْأَتَانِ لِمُوسَى : لَا نَسْقِي مَاشِيَتنَا حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء مَوَاشِيهمْ , لِأَنَّا لَا نُطِيق أَنْ نَسْقِيَ , وَإِنَّمَا نَسْقِي مَوَاشِينَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِي الرِّعَاء فِي الْحَوْض , وَالرِّعَاء : جَمْع رَاعٍ , وَالرَّاعِي جَمْعه رِعَاء وَرُعَاة وَرُعْيَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20814 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَالَ مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ : { مَا خَطْبكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخ كَبِير } : أَيْ لَا نَسْتَطِيع أَنْ نَسْقِيَ حَتَّى يَسْقِيَ النَّاس , ثُمَّ نَتَّبِع فَضَلَاتهمْ . 20815 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء } قَالَ : تَنْتَظِر أَنْ تَسْقِيَانِ مِنْ فُضُول مَا فِي الْحِيَاض حِيَاض الرِّعَاء . 20816 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء } اِمْرَأَتَانِ لَا نَسْتَطِيع أَنْ نُزَاحِم الرِّجَال { وَأَبُونَا شَيْخ كَبِير } لَا يَقْدِر أَنْ يَمَسّ ذَلِكَ مِنْ نَفْسه , وَلَا يَسْقِي مَاشِيَته , فَنَحْنُ نَنْتَظِر النَّاس حَتَّى إِذَا فَرَغُوا سَقَيْنَا ثُمَّ اِنْصَرَفْنَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز سِوَى أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ وَعَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق سِوَى أَبِي عَمْرو : { يُصْدِر الرِّعَاء } بِضَمِّ الْيَاء , وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر وَأَبُو عَمْرو بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ يَصْدُر الرِّعَاء عَنْ الْحَوْض . وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنَّهُمْ ضَمُّوا الْيَاء , بِمَعْنَى : أَصْدَرَ الرِّعَاء مَوَاشِيهمْ , وَهُمَا عِنْدِي قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب.



وَقَوْله : { وَأَبُونَا شَيْخ كَبِير } يَقُولَانِ : لَا يَسْتَطِيع مِنْ الْكِبْر وَالضَّعْف أَنْ يَسْقِيَ مَاشِيَته.
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰۤ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّی لِمَاۤ أَنزَلۡتَ إِلَیَّ مِنۡ خَیۡرࣲ فَقِیرࣱ ﴿٢٤﴾
وَقَوْله : { فَسَقَى لَهُمَا } ذُكِرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام فَتَحَ لَهُمَا عَنْ رَأْس بِئْر كَانَ عَلَيْهَا حَجَر لَا يُطِيق رَفْعه إِلَّا جَمَاعَة مِنْ النَّاس , ثُمَّ اِسْتَسْقَى فَسَقَى لَهُمَا مَاشِيَتهمَا مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20817 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : فَتَحَ لَهُمَا عَنْ بِئْر حَجَرًا عَلَى فِيهَا , فَسَقَى لَهُمَا مِنْهَا. 20818 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج بِنَحْوِهِ , وَزَادَ فِيهِ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : حَجَرًا كَانَ لَا يُطِيقهُ إِلَّا عَشَرَة رَهْط . 20819 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْحَكَم , عَنْ شُرَيْح , قَالَ : اِنْتَهَى إِلَى حَجَر لَا يَرْفَعهُ إِلَّا عَشَرَة رِجَال , فَرَفَعَهُ وَحْده . 20820 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : رَحِمَهُمَا مُوسَى حِين { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخ كَبِير } فَأَتَى إِلَى الْبِئْر فَاقْتَلَعَ صَخْرَة عَلَى الْبِئْر كَانَ النَّفَر مِنْ أَهْل مَدْيَن يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا , حَتَّى يَرْفَعُوهَا , فَسَقَى لَهُمَا مُوسَى دَلْوًا فَأَرْوَتَا غَنَمهمَا , فَرَجَعَتَا سَرِيعًا , وَكَانَتَا إِنَّمَا تَسْقِيَانِ مِنْ فُضُول الْحِيَاض . 20821 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَسَقَى لَهُمَا } فَجَعَلَ يَغْرِف فِي الدَّلْو مَاء كَثِيرًا حَتَّى كَانَتْ أَوَّل الرِّعَاء رِيًّا , فَانْصَرَفَتَا إِلَى أَبِيهِمَا بِغَنَمِهِمَا . 20822 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , وَقَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : تَصَدَّقَ عَلَيْهِمَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَقَى لَهُمَا , فَلَمْ يَلْبَث أَنْ أَرْوَى غَنَمهمَا . 20823 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : أَخَذَ دَلْوهمَا مُوسَى , ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى السِّقَاء بِفَضْلِ قُوَّته , فَزَاحَمَ الْقَوْم عَلَى الْمَاء حَتَّى أَخَّرَهُمْ عَنْهُ , ثُمَّ سَقَى لَهُمَا .



الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَقَى مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ مَاشِيَتهمَا , ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى ظِلّ شَجَرَة ذُكِرَ أَنَّهَا سَمُرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20824 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { ثُمَّ تَوَلَّى } مُوسَى إِلَى ظِلّ شَجَرَة سَمُرَة , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } . 20825 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : اِنْصَرَفَ مُوسَى إِلَى شَجَرَة , فَاسْتَظَلَّ بِظِلِّهَا , { فَقَالَ : رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } . 20826 - حَدَّثني الْحُسَيْن بْن عَمْرو الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : حَثَثْت عَلَى جَمَل لِي لَيْلَتَيْنِ حَتَّى صَبَّحْت مَدْيَن , فَسَأَلْت عَنْ الشَّجَرَة الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى , فَإِذَا شَجَرَة خَضْرَاء تَرِفّ , فَأَهْوَى إِلَيْهَا جَمَلِي وَكَانَ جَائِعًا , فَأَخَذَهَا جَمَلِي , فَعَالَجَهَا سَاعَة , ثُمَّ لَفَظَهَا , فَدَعَوْت اللَّه لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ اِنْصَرَفْت .



وَقَوْله : { فَقَالَ رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } مُحْتَاج . وَذُكِرَ أَنَّ نَبِيّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ هَذَا الْقَوْل , وَهُوَ بِجَهْدٍ شَدِيد , وَعَرَّضَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَتَيْنِ تَعْرِيضًا لَهُمَا , لَعَلَّهُمَا أَنْ تُطْعِمَاهُ مِمَّا بِهِ مِنْ شِدَّة الْجُوع. وَقِيلَ : إِنَّ الْخَيْر الَّذِي قَالَ نَبِيّ اللَّه { إِنِّي بِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } مُحْتَاج , إِنَّمَا عَنَى بِهِ : شِبْعَة مِنْ طَعَام. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20827 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا هَرَبَ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْن أَصَابَهُ جُوع شَدِيد , حَتَّى كَانَتْ تُرَى أَمْعَاؤُهُ مِنْ ظَاهِر الصِّفَاق ; فَلَمَّا سَقَى لِلْمَرْأَتَيْنِ , وَأَوَى إِلَى الظِّلّ , قَالَ : { رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , قَالَ : ثَنَا عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن } قَالَ : وَرَدَ الْمَاء وَإِنَّهُ لِيَتَرَاءَى خُضْرَة الْبَقْل فِي بَطْنه مِنْ الْهُزَال , { فَقَالَ رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : شِبْعَة . * -حَدَّثني نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثَنَا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن } قَالَ : وَرَدَ الْمَاء , وَإِنَّ خُضْرَة الْبَقْل لَتُرَى فِي بَطْنه مِنْ الْهُزَال. 20828 - حَدَّثني نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : شُعْبَة يَوْمئِذٍ . 20829 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : قَالَ هَذَا وَمَا مَعَهُ دِرْهَم وَلَا دِينَار. 20830 - قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : مَا سَأَلَ إِلَّا الطَّعَام. * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : مَا سَأَلَ رَبّه إِلَّا الطَّعَام . * -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { قَالَ رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَقَدْ قَالَ مُوسَى : وَلَوْ شَاءَ إِنْسَان أَنْ يَنْظُر إِلَى خُضْرَة أَمْعَائِهِ مِنْ شِدَّة الْجُوع , وَمَا يَسْأَل اللَّه إِلَّا أَكْلَة . 20831 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : كَانَ نَبِيّ اللَّه بِجَهْدٍ . 20832 - حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب فِي قَوْله : { إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى قَالَهَا وَأَسْمَعَ الْمَرْأَة . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : طَعَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : طَعَام . 20833 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير } قَالَ : الطَّعَام يَسْتَطْعِم , لَمْ يَكُنْ مَعَهُ طَعَام , وَإِنَّمَا سَأَلَ الطَّعَام .
فَجَاۤءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِی عَلَى ٱسۡتِحۡیَاۤءࣲ قَالَتۡ إِنَّ أَبِی یَدۡعُوكَ لِیَجۡزِیَكَ أَجۡرَ مَا سَقَیۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَاۤءَهُۥ وَقَصَّ عَلَیۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٢٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَجَاءَتْ مُوسَى إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَى لَهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء مِنْ مُوسَى , قَدْ سَتَرَتْ وَجْههَا بِثَوْبِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20834 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب وَالْفَضْل بْن الصَّبَّاح , قَالَا : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ ضِرَار بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْهُذَيْل , عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فِي قَوْله : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : مُسْتَتِرَة بِكُمِّ دِرْعهَا , أَوْ بِكُمِّ قَمِيصهَا . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ حَمَّاد بْن عَمْرو الْأَسَدِيّ , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ اِبْن أَبِي الْهُذَيْل عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ : وَاضِعَة يَدهَا عَلَى وَجْههَا مُسْتَتِرَة . 20835 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : قَدْ سَتَرَتْ وَجْههَا بِيَدَيْهَا . * - قَالَ : ثَنَا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف بِنَحْوِهِ. * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : قَائِلَة بِيَدَيْهَا عَلَى وَجْههَا , وَوَضَعَ أَبِي يَده عَلَى وَجْهه. 20836 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنْ النِّسَاء خَرَّاجَة وَلَّاجَة وَاضِعَة ثَوْبهَا عَلَى وَجْههَا . تَقُول { إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } . 20837 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : لَمْ تَكُنْ سَلْفَعًا مِنْ النِّسَاء خَرَّاجَة وَلَّاجَة , قَائِلَة بِيَدِهَا عَلَى وَجْههَا { إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } . 20838 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول , فِي قَوْله : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : بَعِيدَة مِنْ الْبَذَاء . 20839 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : أَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء مِنْهُ . 20840 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء } قَالَ : وَاضِعَة يَدهَا عَلَى جَبِينهَا.



وَقَوْله : { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ الْمَرْأَة الَّتِي جَاءَتْ مُوسَى تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء : إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك : تَقُول : يُثِيبك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا .



وَقَوْله : { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص } يَقُول : فَمَضَى مُوسَى مَعَهَا إِلَى أَبِيهَا , فَلَمَّا جَاءَ أَبَاهَا وَقَصَّ عَلَيْهِ قَصَصه مَعَ فِرْعَوْن وَقَوْمه مِنْ الْقِبْط , قَالَ لَهُ أَبُوهَا : { لَا تَخَفْ } فَقَدْ { نَجَوْت مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَعْنِي : مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , لِأَنَّهُ لَا سُلْطَان لَهُ بِأَرْضِنَا الَّتِي أَتَوْا بِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20841 - حَدَّثني الْعَبَّاس , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا الْأَصْبَغ , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : اِسْتَنْكَرَ أَبُو الْجَارِيَتَيْنِ سُرْعَة صُدُورهمَا بِغَنَمِهِمَا حُفَّلًا بِطَانًا , فَقَالَ : إِنَّ لَكُمَا الْيَوْم لَشَأْنًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَحْسَبهُ قَالَ : فَأَخْبَرَتَاهُ الْخَبَر ; فَلَمَّا أَتَاهُ مُوسَى كَلَّمَهُ , { قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } لَيْسَ لِفِرْعَوْن وَلَا لِقَوْمِهِ عَلَيْنَا سُلْطَان , وَلَسْنَا فِي مَمْلَكَته . 20842 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا رَجَعَتْ الْجَارِيَتَانِ إِلَى أَبِيهِمَا سَرِيعًا سَأَلَهُمَا , فَأَخْبَرَتَاهُ خَبَر مُوسَى , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِحْدَاهُمَا , فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء , وَهِيَ تَسْتَحْيِيَ مِنْهُ { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } فَقَامَ مَعَهَا وَقَالَ لَهَا : اِمْضِي , فَمَشَتْ بَيْن يَدَيْهِ , فَضَرَبَتْهَا الرِّيح , فَنَظَرَ إِلَى عَجِيزَتهَا , فَقَالَ لَهَا مُوسَى : اِمْشِي خَلْفِي , وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيق إِنْ أَخْطَأْت . فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص { قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ }. 20843 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } قَالَ : قَالَ مُطَرِّف : أَمَا وَاَللَّه لَوْ كَانَ عِنْد نَبِيّ اللَّه شَيْء مَا تَتَبَّعَ مِذْقَيْهِمَا , وَلَكِنْ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَهْد { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } . 20844 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا فِي سَاعَة كَانَتَا لَا تَرْجِعَانِ فِيهَا , فَأَنْكَرَ شَأْنهمَا , فَسَأَلَهُمَا فَأَخْبَرَتَاهُ الْخَبَر , فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا : عَجِّلِي عَلَيَّ بِهِ , فَأَتَتْهُ عَلَى اِسْتِحْيَاء فَجَاءَتْهُ , فَقَالَتْ { إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا } فَقَامَ مَعَهَا كَمَا ذُكِرَ لِي , فَقَالَ لَهَا : اِمْشِي خَلْفِي , وَانْعَتِي لِي الطَّرِيق , وَأَنَا أَمْشِي أَمَامك , فَإِنَّا لَا نَنْظُر إِلَى أَدْبَار النِّسَاء ; فَلَمَّا جَاءَهُ أَخْبَرَهُ الْخَبَر , وَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ بِلَاده { فَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ } وَقَدْ أَخْبَرَتْ أَبَاهَا بِقَوْلِهِ إِنَّا لَا نَنْظُر إِلَى أَدْبَار النِّسَاء .
قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا یَـٰۤأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَیۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡأَمِینُ ﴿٢٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَى لَهُمَا مُوسَى لِأَبِيهَا حِين أَتَاهُ مُوسَى , وَكَانَ اِسْم إِحْدَاهُمَا صَفُّورَا , وَاسْم الْأُخْرَى لَيَّا , وَقِيلَ : شَرْفَا كَذَلِكَ . 20845 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي وَهْب بْن سُلَيْمَان الرَّمَادِيّ , عَنْ شُعَيْب الْجُبَّائِيّ , قَالَ : اِسْم الْجَارِيَتَيْنِ لَيَّا , وَصَفُّورَا , وَامْرَأَة مُوسَى صَفُّورَا اِبْنَة يثرون كَاهِن مَدْيَن , وَالْكَاهِن : حَبْر . 20846 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : إِحْدَاهُمَا صَفُّورَا اِبْنَة يثرون وَأُخْتهَا شَرْفَا , وَيُقَال : لَيَّا , وَهُمَا اللَّتَانِ كَانَتَا تَذُودَانِ . وَأَمَّا أَبُوهُمَا فَفِي اِسْمه اِخْتِلَاف , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ اِسْمه يثرون . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20847 - حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عُمَر بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : كَانَ الَّذِي اِسْتَأْجَرَ مُوسَى اِبْن أَخِي شُعَيْب يثرون . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : الَّذِي اِسْتَأْجَرَ مُوسَى يثرون اِبْن أَخِي شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ اِسْمه : يثرى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20848 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا الْعَلَاء بْن عَبْد الْجَبَّار , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الَّذِي اِسْتَأْجَرَ مُوسَى : يثرى صَاحِب مَدْيَن . * - حَدَّثني أَبُو الْعَالِيَة الْعَبْدِيّ إِسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثَنَا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الَّذِي اِسْتَأْجَرَ مُوسَى : يثرى صَاحِب مَدْيَن . * -حَدَّثني أَبُو الْعَالِيَة الْعَبْدِيّ إِسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثَنَا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : اِسْم أَبِي الْمَرْأَة : يثرى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ اِسْمه شُعَيْب , وَقَالُوا : هُوَ شُعَيْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20849 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : يَقُولُونَ شُعَيْب صَاحِب مُوسَى , وَلَكِنَّهُ سَيِّد أَهْل الْمَاء يَوْمئِذٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا مِمَّا لَا يُدْرَك عِلْمه إِلَّا بِخَبَرٍ , وَلَا خَبَر بِذَلِكَ تَجِب حُجَّته , فَلَا قَوْل فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قَالَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ...... قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ } تَعْنِي بِقَوْلِهَا : اِسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعَى عَلَيْك مَاشِيَتك .



تَقَوَّلَ : إِنَّ خَيْر مَنْ تَسْتَأْجِرهُ لِلرَّعْيِ الْقَوِيّ عَلَى حِفْظ مَاشِيَتك وَالْقِيَام عَلَيْهَا فِي إِصْلَاحهَا وَصَلَاحهَا , الْأَمِين الَّذِي لَا تَخَاف خِيَانَته , فِيمَا تَأْمَنهُ عَلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّهَا لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لِأَبِيهَا , اِسْتَنْكَرَ أَبُوهَا ذَلِكَ مِنْ وَصْفهَا إِيَّاهُ فَقَالَ لَهَا : وَمَا عِلْمك بِذَلِكَ , فَقَالَتْ : أَمَّا قُوَّته فَمَا رَأَيْت مِنْ عِلَاجه مَا عَالَجَ عِنْد السَّقْي عَلَى الْبِئْر , وَأَمَّا الْأَمَانَة فَمَا رَأَيْت مِنْ غَضّ الْبَصَر عَنِّي . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20850 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : فَأَحْفَظَتْهُ الْغَيْرَة أَنْ قَالَ : وَمَا يُدْرِيك مَا قُوَّته وَأَمَانَته ؟ قَالَتْ : أَمَّا قُوَّته , فَمَا رَأَيْت مِنْهُ حِين سَقَى لَنَا , لَمْ أَرَ رَجُلًا قَطُّ أَقْوَى فِي ذَلِكَ السَّقْي مِنْهُ ; وَأَمَّا أَمَانَته , فَإِنَّهُ نَظَرَ حِين أَقْبَلْت إِلَيْهِ وَشَخَصْت لَهُ , فَلَمَّا عَلِمَ أَنِّي اِمْرَأَة صَوَّبَ رَأْسه فَلَمْ يَرْفَعهُ , وَلَمْ يَنْظُر إِلَيَّ حَتَّى بَلَغَتْهُ رِسَالَتك , ثُمَّ قَالَ : اِمْشِي خَلْفِي وَانْعَتِي لِي الطَّرِيق , وَلَمْ يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ أَمِين , فَسُرِّيَ عَنْ أَبِيهَا وَصَدَّقَهَا وَظَنَّ بِهِ الَّذِي قَالَتْ . 20851 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله لِمُوسَى { إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } يَقُول : أَمِين فِيمَا وَلِيَ , أَمِين عَلَى مَا اُسْتُوْدِعَ . 20852 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : إِنَّ مُوسَى لَمَّا سَقَى لَهُمَا , وَرَأَتْ قُوَّته , وَحَرَّكَ حَجَرًا عَلَى الرَّكِيَّة , لَمْ يَسْتَطِعْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا , فَأَزَالَهُ عَنْ الرَّكِيَّة , وَانْطَلَقَ مَعَ الْجَارِيَة حِين دَعَتْهُ , فَقَالَ لَهَا : اِمْشِي خَلْفِي وَأَنَا أَمَامك , كَرَاهِيَة أَنْ يَرَى شَيْئًا مِنْ خَلْفهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ , وَكَانَ يَوْمًا فِيهِ رِيح . 20853 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْم , فِي قَوْله : { يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ لَهَا أَبُوهَا : مَا رَأَيْت مِنْ أَمَانَته ؟ قَالَتْ : لَمَّا دَعَوْته مَشَيْت بَيْن يَدَيْهِ , فَجَعَلَتْ الرِّيح تَضْرِب ثِيَابِي , فَتَلْزَق بِجَسَدِي , فَقَالَ : كُونِي خَلْفِي , فَإِذَا بَلَغْت الطَّرِيق فَاذْهَبِي , قَالَتْ : وَرَأَيْته يَمْلَأ الْحَوْض بِسَجْلٍ وَاحِد. 20854 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : غَضّ طَرَفه عَنْهُمَا . قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو فِي حَدِيثه : حِين , أَوْ حَتَّى سَقَى لَهُمَا فَصَدَرَتَا . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : حَتَّى سَقَى بِغَيْرِ شَكّ . 20855 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : فَتَحَ عَنْ بِئْر حَجَرًا عَلَى فِيهَا , فَسَقَى لَهُمَا بِهَا , وَالْأَمِين : أَنَّهُ غَضَّ بَصَره عَنْهُمَا حِين سَقَى لَهُمَا فَصَدَرَتَا. * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَهَانِئ بْن سَعِيد , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد { إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : رَفَعَ حَجَرًا لَا يَرْفَعهُ إِلَّا فِئَام مِنْ النَّاس . 20856 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ سَرْو بْن مَيْمُون , فِي قَوْله { الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : كَانَ يَوْم رِيح , فَقَالَ : لَا تَمْشِي أَمَامِي , فَيَصِفك الرِّيح لِي , وَلَكِنْ اِمْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيق ; قَالَ : فَقَالَ لَهَا : كَيْفَ عَرَفْت قُوَّته ؟ قَالَتْ : كَانَ الْحَجَر لَا يُطِيقهُ إِلَّا عَشَرَة فَرَفَعَهُ وَحْده . 20857 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ شُرَيْح فِي قَوْله : { الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : أَمَّا قُوَّته : فَانْتَهَى إِلَى حَجَر لَا يَرْفَعهُ إِلَّا عَشَرَة , فَرَفَعَهُ وَحْده. وَأَمَّا أَمَانَته : فَإِنَّهَا مَشَتْ أَمَامه فَوَصَفَهَا الرِّيح , فَقَالَ لَهَا : اِمْشِي خَلْفِي وَصِفِي لِي الطَّرِيق. 20858 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ زَائِدَة , عَنْ الْأَعْمَش , قَالَ : سَأَلْت تَمِيم بْن إِبْرَاهِيم : بِمَ عَرَفْت أَمَانَته ؟ قَالَ : فِي طَرْفه , بِغَضِّ طَرْفه عَنْهَا. 20859 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : الْقَوِيّ فِي الصَّنْعَة , الْأَمِين فِيمَا وَلِيَ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الَّذِي رَأَتْ مِنْ قُوَّته : أَنَّهُ لَمْ تَلْبَث مَاشِيَتهَا حَتَّى أَرْوَاهَا ; وَأَنَّ الْأَمَانَة الَّتِي رَأَتْ مِنْهُ أَنَّهَا حِين جَاءَتْ تَدْعُوهُ , قَالَ لَهَا : كُونِي وَرَائِي , وَكَرِهَ أَنْ يَسْتَدْبِرهَا , فَذَلِكَ مَا رَأَتْ مِنْ قُوَّته وَأَمَانَته . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ قُوَّته كَانَتْ سُرْعَة مَا أَرْوَى غَنَمهمَا . وَبَلَغَنَا أَنَّهُ مَلَأَ الْحَوْض بِدَلْوٍ وَاحِد . وَأَمَّا أَمَانَته فَإِنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِيَ خَلْفه . 20860 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا : يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } وَهِيَ الْجَارِيَة الَّتِي دَعَتْهُ , قَالَ الشَّيْخ : هَذِهِ الْقُوَّة قَدْ رَأَيْت حِين اِقْتَلَعَ الصَّخْرَة , أَرَأَيْت أَمَانَته , مَا يُدْرِيك مَا هِيَ ؟ قَالَتْ : مَشَيْت قُدَّامه فَلَمْ يُحِبّ أَنْ يَخُوننِي فِي نَفْسِي , فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْشِيَ خَلْفه . 20861 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } فَقَالَ لَهَا : وَمَا عِلْمك بِقُوَّتِهِ وَأَمَانَته , فَقَالَتْ : أَمَّا قُوَّته فَإِنَّهُ كَشَفَ الصَّخْرَة الَّتِي عَلَى بِئْر آل فُلَان , وَكَانَ لَا يَكْشِفهَا دُون سَبْعَة نَفَر . وَأَمَّا أَمَانَته فَإِنِّي لَمَّا جِئْت أَدْعُوهُ قَالَ : كُونِي خَلْف ظَهْرِي , وَأَشِيرِي لِي إِلَى مَنْزِلك , فَعَرَفْت أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ أَمَانَة. 20862 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { قَالَتْ يَا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْر مَنْ اِسْتَأْجَرْت الْقَوِيّ الْأَمِين } لَمَّا رَأَتْ مِنْ قُوَّته وَقَوْله لَهَا مَا قَالَ : أَنْ اِمْشِي خَلْفِي , لِئَلَّا يَرَى مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا يَكْرَه , فَزَادَهُ ذَلِكَ فِيهِ رَغْبَة .
قَالَ إِنِّیۤ أُرِیدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَیَّ هَـٰتَیۡنِ عَلَىٰۤ أَن تَأۡجُرَنِی ثَمَـٰنِیَ حِجَجࣲۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرࣰا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَیۡكَۚ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ ﴿٢٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنِّي أُرِيد أَنْ أُنْكِحك إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَج } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { قَالَ } أَبُو الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَى لَهُمَا مُوسَى لِمُوسَى : { إِنِّي أُرِيد أَنْ أُنْكِحك إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَج } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي } : عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي مِنْ تَزْوِيجهَا رَعْي مَاشِيَتِي ثَمَانِي حِجَج , مِنْ قَوْل النَّاس : آجَرَك اللَّه فَهُوَ يَأْجُرك , بِمَعْنَى : أَثَابَك اللَّه ; وَالْعَرَب تَقُول : أَجَرْت الْأَجِير آجُرهُ , بِمَعْنَى : أَعْطَيْته ذَلِكَ , كَمَا يُقَال : أَخَذْته فَأَنَا آخُذهُ . وَحَكَى بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ لُغَة الْعَرَب : أَجَرْت غُلَامِي فَهُوَ مَأْجُور , وَآجَرْته فَهُوَ مُؤَجَّر , يُرِيد : أَفَعَلْته . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : آجُرهُ فَهُوَ مُؤَاجَر , أَرَادَ فَاعَلْته ; وَكَأَنَّ أَبَاهَا عِنْدِي جَعَلَ صَدَاق اِبْنَته الَّتِي زَوْجهَا مُوسَى رَعْي مُوسَى عَلَيْهِ مَاشِيَته ثَمَانِي حِجَج , وَالْحِجَج : السُّنُونَ .



وَقَوْله : { فَإِنْ أَتْمَمْت عَشْرًا فَمِنْ عِنْدك } يَقُول : فَإِنْ أَتْمَمْت الثَّمَانِي الْحِجَج عَشْرًا الَّتِي شَرَطْتهَا عَلَيْك بِإِنْكَاحِي إِيَّاكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ , فَجَعَلْتهَا عَشْر حِجَج , فَإِحْسَان مِنْ عِنْدك , وَلَيْسَ مِمَّا اِشْتَرَطْته عَلَيْك بِسَبَبِ تَزْوِيجك اِبْنَتِي.



{ وَمَا أُرِيد أَنْ أَشُقّ عَلَيْك } بِاشْتِرَاطِ الثَّمَانِي الْحِجَج عَشْرًا عَلَيْك .



{ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ } فِي الْوَفَاء بِمَا قُلْت لَك . كَمَا : 20863 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّالِحِينَ } أَيْ فِي حُسْن الصُّحْبَة وَالْوَفَاء بِمَا قُلْت.
قَالَ ذَ ٰ⁠لِكَ بَیۡنِی وَبَیۡنَكَۖ أَیَّمَا ٱلۡأَجَلَیۡنِ قَضَیۡتُ فَلَا عُدۡوَ ٰ⁠نَ عَلَیَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِیلࣱ ﴿٢٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { قَالَ } مُوسَى لِأَبِي الْمَرْأَتَيْنِ { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنك } أَيْ هَذَا الَّذِي قُلْت مِنْ أَنَّك تُزَوِّجنِي إِحْدَى اِبْنَتَيْك عَلَى أَنْ آجُرك ثَمَانِي حِجَج , وَاجِب بَيْنِي وَبَيْنك , عَلَى كُلّ وَاحِد مِنَّا الْوَفَاء لِصَاحِبِهِ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ عَلَى نَفْسه .



وَقَوْله : { أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت } يَقُول : أَيّ الْأَجَلَيْنِ مِنْ الثَّمَانِي الْحِجَج وَالْعَشْر الْحِجَج قَضَيْت , يَقُول : فَرَغْت مِنْهَا فَوَفَّيْتُكهَا رَعْي غَنَمك وَمَاشِيَتك { فَلَا عُدْوَان عَلَيَّ } يَقُول : فَلَيْسَ لَك أَنْ تَعْتَدِّي عَلَيَّ , فَتُطَالِبنِي بِأَكْثَر مِنْهُ , و " مَا " فِي قَوْله : { أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ } صِلَة يُوصَل بِهَا أَيْ عَلَى الدَّوَام , وَزَعَمَ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ هَذَا أَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ أَيّ , وَأَنْشَدَ قَوْل الشَّاعِر : وَأَيّهمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي حَرِيص عَلَى أَثَر الَّذِي أَنَا تَابِع وَقَالَ عَبَّاس بْن مِرْدَاس : فَأَيِّي مَا وَأَيّك كَانَ شَرًّا فَقِيدَ إِلَى الْمُقَامَة لَا يَرَاهَا وَقَوْله : { وَاَللَّه عَلَى مَا نَقُول وَكِيل } كَانَ اِبْن إِسْحَاق يَرَى هَذَا الْقَوْل مِنْ أَبِي الْمَرْأَتَيْنِ . 20864 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ مُوسَى { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت فَلَا عُدْوَان عَلَيَّ } قَالَ : نَعَمْ . { وَاَللَّه عَلَى مَا نَقُول وَكِيل } فَزَوَّجَهُ , وَأَقَامَ مَعَهُ يَكْفِيه , وَيَعْمَل لَهُ فِي رِعَايَة غَنَمه , وَمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ , وَزَوْجَة مُوسَى صَفُّورَا أَوْ أُخْتهَا : شَرْفَا أَوْ لَيَّا 20865 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس ; الْجَارِيَة الَّتِي دَعَتْهُ هِيَ الَّتِي تَزَوَّجَ . 20866 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , قَالَ لَهُ { إِنِّي أُرِيد أَنْ أُنْكِحك إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : وَأَيَّتهمَا تُرِيد أَنْ تُنْكِحَنِي ؟ قَالَ : الَّتِي دَعَتْك , قَالَ : لَا . أَلَا وَهِيَ بَرِيئَة مِمَّا دَخَلَ نَفْسك عَلَيْهَا , فَقَالَ : هِيَ عِنْدك كَذَلِكَ , فَزَوَّجَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20867 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت } إِمَّا ثَمَانِيًا , وَإِمَّا عَشْرًا . 20868 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّة , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَسَأَلَهُ رَجُل قَالَ { أَيّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت فَلَا عُدْوَان عَلَيَّ } قَالَ : فَقَالَ الْقَاسِم : مَا أُبَالِي أَيّ ذَلِكَ كَانَ , إِنَّمَا هُوَ مَوْعِد وَقَضَاء.



وَقَوْله : { وَاَللَّه عَلَى مَا نَقُول وَكِيل } يَقُول : وَاَللَّه عَلَى مَا أَوْجَبَ كُلّ وَاحِد مِنَّا لِصَاحِبِهِ عَلَى نَفْسه بِهَذَا الْقَوْل , شَهِيد وَحَفِيظ . كَاَلَّذِي . 20869 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّه عَلَى مَا نَقُول وَكِيل } قَالَ : شَهِيد عَلَى قَوْل مُوسَى وَخَتْنه . وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى وَصَاحِبه لَمَّا تَعَاقَدَا بَيْنهمَا هَذَا الْعَقْد , أَمَرَ إِحْدَى اِبْنَتَيْهِ أَنْ تُعْطِيَ مُوسَى عَصًا مِنْ الْعِصِيّ الَّتِي تَكُون مَعَ الرُّعَاة , فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ , فَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّهَا الْعَصَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لَهُ آيَة . وَقَالَ بَعْضهمْ تِلْكَ عَصَا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20870 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَمَرَ - يَعْنِي أَبَا الْمَرْأَتَيْنِ - إِحْدَى اِبْنَتَيْهِ أَنْ تَأْتِيَهُ , يَعْنِي أَنْ تَأْتِيَ مُوسَى بِعَصًا , فَأَتَتْهُ بِعَصًا , وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَصَا عَصًا اِسْتَوْدَعَهَا إِيَّاهُ مَلَك فِي صُورَة رَجُل , فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ , فَدَخَلَتْ الْجَارِيَة , فَأَخَذَتْ الْعَصَا , فَأَتَتْهُ بِهَا ; فَلَمَّا رَآهَا الشَّيْخ قَالَ : لَا , اِئْتِيهِ بِغَيْرِهَا , فَأَلْقَتْهَا تُرِيد أَنْ تَأْخُذ غَيْرهَا , فَلَا يَقَع فِي يَدهَا إِلَّا هِيَ , وَجَعَلَ يُرَدِّدهَا , وَكُلّ ذَلِكَ لَا يَخْرُج فِي يَدهَا غَيْرهَا ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمَدَ إِلَيْهَا , فَأَخْرَجَهَا مَعَهُ , فَرَعَى بِهَا. ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخ نَدِمَ وَقَالَ : كَانَتْ وَدِيعَة , فَخَرَجَ يَتَلَقَّى مُوسَى , فَلَمَّا لَقِيَهُ قَالَ : أَعْطِنِي الْعَصَا , فَقَالَ مُوسَى : هِيَ عَصَايَ , فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ , فَاخْتَصَمَا , فَرَضِيَا أَنْ يَجْعَلَا بَيْنهمَا أَوَّل رَجُل يَلْقَاهُمَا , فَأَتَاهُمَا مَلَك يَمْشِي , فَقَالَ : ضَعُوهَا فِي الْأَرْض , فَمَنْ حَمَلَهَا فَهِيَ لَهُ , فَعَالَجَهَا الشَّيْخ فَلَمْ يُطِقْهَا , وَأَخَذَ مُوسَى بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا , فَتَرَكَهَا لَهُ الشَّيْخ , فَرَعَى لَهُ عَشْر سِنِينَ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس . كَانَ مُوسَى أَحَقّ بِالْوَفَاءِ . 20871 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : قَالَ - يَعْنِي أَبَا الْجَارِيَة - لَمَّا زَوَّجَهَا مُوسَى لِمُوسَى : اُدْخُلْ ذَلِكَ الْبَيْت فَخُذْ عَصًا , فَتَوَكَّأْ عَلَيْهَا , فَدَخَلَ , فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى بَاب الْبَيْت , طَارَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الْعَصَا , فَأَخَذَهَا , فَقَالَ : اُرْدُدْهَا وَخُذْ أُخْرَى مَكَانهَا , قَالَ : فَرَدَّهَا , ثُمَّ ذَهَبَ لِيَأْخُذ أُخْرَى , فَطَارَتْ إِلَيْهِ كَمَا هِيَ , فَقَالَ : لَا اُرْدُدْهَا , فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا , فَقَالَ : اُرْدُدْهَا , فَقَالَ : لَا أَجِد غَيْرهَا الْيَوْم , فَالْتَفَتَ إِلَى اِبْنَته , فَقَالَ لِابْنَتِهِ : إِنَّ زَوْجك لَنَبِيّ . ذِكْر مَنْ قَالَ الَّتِي كَانَتْ آيَة عَصًا أَعْطَاهَا مُوسَى جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام : 20872 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , قَالَ : سَأَلْت عِكْرِمَة قَالَ : أَمَّا عَصَا مُوسَى , فَإِنَّهَا خَرَجَ بِهَا آدَم مِنْ الْجَنَّة , ثُمَّ قَبَضَهَا بَعْد ذَلِكَ جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَقِيَ مُوسَى بِهَا لَيْلًا , فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ .
۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦۤ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارࣰاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوۤاْ إِنِّیۤ ءَانَسۡتُ نَارࣰا لَّعَلِّیۤ ءَاتِیكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةࣲ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ﴿٢٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِب الطُّور نَارًا }. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا وَفَّى مُوسَى صَاحِبه الْأَجَل الَّذِي فَارَقَهُ عَلَيْهِ , عِنْد إِنْكَاحه إِيَّاهُ اِبْنَته , وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي وَفَّاهُ مِنْ الْأَجَلَيْنِ , أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُمَا , وَذَلِكَ الْعَشْر الْحِجَج , عَلَى أَنَّ بَعْض أَهْل الْعِلْم قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : زَادَ مَعَ الْعَشْر عَشْرًا أُخْرَى . ذِكْر مَنْ قَالَ : الَّذِي قَضَى مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحِجَج الْعَشْر : 20873 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : خَيْرهمَا وَأَوْفَاهُمَا . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس سُئِلَ : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : أَتَمّهمَا وَأَخْيَرهمَا . * -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ أَخِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَضَى مُوسَى آخِر الْأَجَلَيْنِ. * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُبَيْدَة , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , سُئِلَ اِبْن عَبَّاس : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : أَتَمّهمَا وَأَوْفَاهُمَا . * -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , عَنْ حَكِيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : قَالَ يَهُودِيّ بِالْكُوفَةِ وَأَنَا أَتَجَهَّز لِلْحَجِّ : إِنِّي أَرَاك رَجُلًا تَتَتَبَّع الْعِلْم , أَخْبِرْنِي أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قُلْت : لَا أَعْلَم , وَأَنَا الْآن قَادِم عَلَى حَبْر الْعَرَب يَعْنِي اِبْن عَبَّاس , فَسَائِله عَنْ ذَلِكَ ; فَلَمَّا قَدِمْت مَكَّة سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرْته بِقَوْلِ الْيَهُودِيّ , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَضَى أَكْثَرهمَا وَأَطْيَبهمَا , إِنَّ النَّبِيّ إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِف , قَالَ سَعِيد : فَقَدِمْت الْعِرَاق فَلَقِيت الْيَهُودِيّ , فَأَخْبَرْته , فَقَالَ : صَدَقَ , وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى هَذَا , وَاَللَّه الْعَالِم . * - قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا الْأَصْبَغ بْن زَيْد , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سَأَلَنِي رَجُل مِنْ أَهْل النَّصْرَانِيَّة : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قُلْت : لَا أَعْلَم , وَأَنَا يَوْمئِذٍ لَا أَعْلَم , فَلَقِيت اِبْن عَبَّاس , فَذَكَرْت لَهُ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ النَّصْرَانِيّ , فَقَالَ : أَمَا كُنْت تَعْلَم أَنَّ ثَمَانِيًا وَاجِب عَلَيْهِ , لَمْ يَكُنْ نَبِيّ اللَّه نَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا , وَتَعْلَم أَنَّ اللَّه كَانَ قَاضِيًا عَنْ مُوسَى عِدَته الَّتِي وَعَدَهُ , فَإِنَّهُ قَضَى عَشْر سِنِينَ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل } قَالَ : حَدَّثَ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : رَعَى عَلَيْهِ نَبِيّ اللَّه أَكْثَرهَا وَأَطْيَبهَا . 20874 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : " أَوْفَاهُمَا وَأَتَمّهمَا " . 20875 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثَنَا الْحُمَيْدِيّ أَبُو بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثني إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَى بْن أَبِي يَعْقُوب , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَأَلْت جَبْرَائِيل : أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ : أَتَمّهمَا وَأَكْمَلهمَا ". 20876 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ جَبْرَائِيل : " أَيّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ سَوْفَ أَسْأَل إِسْرَافِيل , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : سَوْفَ أَسْأَل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , فَسَأَلَهُ , فَقَالَ : أَبَرّهمَا وَأَوْفَاهُمَا " . ذِكْر مَنْ قَالَ : قَضَى الْعَشْر الْحِجَج وَزَادَ عَلَى الْعَشْر عَشْرًا أُخْرَى : 20877 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل } قَالَ : عَشْر سِنِينَ , ثُمَّ مَكَثَ بَعْد ذَلِكَ عَشْرًا أُخْرَى. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { قَضَى مُوسَى الْأَجَل } عَشْر سِنِينَ , ثُمَّ مَكَثَ بَعْد ذَلِكَ عَشْرًا أُخْرَى . 20878 - حَدَّثني الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثَنَا أَنَس , قَالَ : لَمَّا دَعَا نَبِيّ اللَّه مُوسَى صَاحِبه إِلَى الْأَجَل الَّذِي كَانَ بَيْنهمَا , قَالَ لَهُ صَاحِبه : كُلّ شَاة وُلِدَتْ عَلَى غَيْر لَوْنهَا فَلَك وَلَد , فَعَمَدَ , فَرَفَعَ خَيَالًا عَلَى الْمَاء , فَلَمَّا رَأَتْ الْخَيَال , فَزِعَتْ , فَجَالَتْ جَوْلَة فَوُلِدْنَ كُلّهنَّ بُلْقًا , إِلَّا شَاة وَاحِدَة , فَذَهَبَ بِأَوْلَادِهِنَّ ذَلِكَ الْعَام . وَقَوْله : { وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِب الطُّور نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل وَسَارَ بِأَهْلِهِ } شَاخِصًا بِهِمْ إِلَى مَنْزِله مِنْ مِصْر { آنَسَ مِنْ جَانِب الطُّور } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : آنَسَ : أَبْصَرَ وَأَحْسَنَ كَمَا قَالَ الْعَجَّاج : آنَسَ خِرْبَان فَضَاء فَانْكَدَرْ دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنْ الطُّور فَمَرَّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل , غَيْر أَنَّا نَذْكُر هَا هُنَا بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر قَبْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20879 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { آنَسَ مِنْ جَانِب الطُّور نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْت نَارًا } : أَيْ أَحْسَسْت نَارًا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّور فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل.



وَقَوْله : { لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْت نَارًا } يَقُول : قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ : تَمَهَّلُوا وَانْتَظِرُوا : إِنِّي أَبْصَرْت نَارًا { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا } يَعْنِي مِنْ النَّار { بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَة مِنْ النَّار } يَقُول : أَوْ آتِيكُمْ بِقِطْعَةٍ غَلِيظَة مِنْ الْحَطَب فِيهَا النَّار , وَهِيَ مِثْل الْجِذْمَة مِنْ أَصْل الشَّجَرَة ; وَمِنْهُ قَوْل اِبْن مُقْبِل : بَاتَتْ حَوَاطِب لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا جَزْل الْجِذَا غَيْر خَوَّار وَلَا دَعْر وَفِي الْجِذْوَة لُغَات لِلْعَرَبِ ثَلَاث : جِذْوَة بِكَسْرِ الْجِيم , وَبِهَا قَرَأَتْ قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة , وَهِيَ أَشْهَر اللُّغَات الثَّلَاث فِيهَا : وَجَذْوَة بِفَتْحِ الْجِيم , وَبِهَا قَرَأَ أَيْضًا بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة . وَهَذِهِ اللُّغَات الثَّلَاث وَإِنْ كُنَّ مَشْهُورَات فِي كَلَام الْعَرَب , فَالْقِرَاءَة بِأَشْهَرِهَا أَعْجَب إِلَيَّ , وَإِنْ لَمْ أُنْكِر قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْأَشْهَر مِنْهُنَّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْجِذْوَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20880 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { أَوْ جِذْوَة مِنْ النَّار } يَقُول شِهَاب . 20881 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوْ جِذْوَة } وَالْجِذْوَة : أَصْل شَجَرَة فِيهَا نَار . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { إِنِّي آنَسْت نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جِذْوَة مِنْ النَّار } قَالَ : أَصْل الشَّجَرَة فِي طَرَفهَا النَّار , فَذَلِكَ قَوْله { أَوْ جَذْوَة } قَالَ : السَّعَف فِيهِ النَّار . قَالَ مَعْمَر , وَقَالَ قَتَادَة { أَوْ جِذْوَة } : أَوْ شُعْلَة مِنْ النَّار . 20882 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { أَوْ جِذْوَة مِنْ النَّار } قَالَ : أَصْل شَجَرَة. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيج , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ جِذْوَة مِنْ النَّار } قَالَ : أَصْل شَجَرَة . 20883 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوْ جِذْوَة مِنْ النَّار } قَالَ : الْجِذْوَة : الْعُود مِنْ الْحَطَب الَّذِي فِيهِ النَّار , ذَلِكَ الْجِذْوَة . وَقَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } يَقُول : لَعَلَّكُمْ تَسْخَنُونَ بِهَا مِنْ الْبَرْد , وَكَانَ فِي شِتَاء .
فَلَمَّاۤ أَتَىٰهَا نُودِیَ مِن شَـٰطِىِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَیۡمَنِ فِی ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَـٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن یَـٰمُوسَىٰۤ إِنِّیۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ﴿٣٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الْأَيْمَن فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنْ الشَّجَرَة أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَتَى مُوسَى النَّار الَّتِي { آنَسَ مِنْ جَانِب الطُّور } { نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الْأَيْمَن } يَعْنِي بِالشَّاطِئِ : الشَّطّ , وَهُوَ جَانِب الْوَادِي وَعُدْوَته , وَالشَّاطِئ يُجْمَع شَوَاطِئ وَشُطْآن. وَالشَّطّ : الشُّطُوط . وَالْأَيْمَن : نَعْت مِنْ الشَّاطِئ عَنْ يَمِين مُوسَى. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20884 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الْأَيْمَن } قَالَ اِبْن عَمْرو فِي حَدِيثه عِنْد الطُّور. وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الْأَيْمَن عِنْد الطُّور عَنْ يَمِين مُوسَى . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الْأَيْمَن } قَالَ : شِقّ الْوَادِي عَنْ يَمِين مُوسَى عِنْد الطُّور . وَقَوْله : { فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة } مِنْ صِلَة الشَّاطِئ . وَتَأْوِيل الْكَلَام : فَلَمَّا أَتَاهَا نَادَى اللَّه مُوسَى مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الْأَيْمَن فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنْهُ مِنْ الشَّجَرَة : { أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله { مِنْ الشَّجَرَة } : عِنْد الشَّجَرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20885 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِ الْأَيْمَن فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنْ الشَّجَرَة } قَالَ : نُودِيَ مِنْ عِنْد الشَّجَرَة { أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } . وَقِيلَ : إِنَّ الشَّجَرَة الَّتِي نَادَى مُوسَى مِنْهَا رَبّه : شَجَرَة عَوْسَج. وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَتْ شَجَرَة الْعَلِيق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20886 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنْ الشَّجَرَة } قَالَ : الشَّجَرَة عَوْسَج . قَالَ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : عَصَا مُوسَى مِنْ الْعَوْسَج ; وَالشَّجَرَة مِنْ الْعَوْسَج . 20887 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ بَعْض مَنْ لَا يُتَّهَم , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم { إِنِّي آنَسْت نَارًا } قَالَ : خَرَجَ نَحْوهَا , فَإِذَا هِيَ شَجَرَة مِنْ الْعَلِيق , وَبَعْض أَهْل الْكِتَاب يَقُول : هِيَ عَوْسَجَة . 20888 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : رَأَيْت الشَّجَرَة الَّتِي نُودِيَ مِنْهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , شَجَرَة سَمْرَاء خَضْرَاء تَرِفّ .
وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَاۤنࣱّ وَلَّىٰ مُدۡبِرࣰا وَلَمۡ یُعَقِّبۡۚ یَـٰمُوسَىٰۤ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡـَٔامِنِینَ ﴿٣١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : نُودِيَ مُوسَى : { أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ . وَأَنْ أَلْقِ عَصَاك } فَأَلْقَاهَا مُوسَى , فَصَارَتْ حَيَّة تَسْعَى.



{ فَلَمَّا رَآهَا } مُوسَى



يَقُول : تَتَحَرَّك وَتَضْطَرِب .



وَالْجَانّ : وَاحِد الْجِنَان , وَهِيَ نَوْع مَعْرُوف مِنْ أَنْوَاع الْحَيَّات , وَهِيَ مِنْهَا عِظَام . وَمَعْنَى الْكَلَام : كَأَنَّهَا جَانّ مِنْ الْحَيَّات .



يَقُول : وَلَّى مُوسَى هَارِبًا مِنْهَا . كَمَا : 20889 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَّى مُدْبِرًا } فَارًّا مِنْهَا .



يَقُول : وَلَمْ يَرْجِع عَلَى عَقِبه. وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة فِي ذَلِكَ , وَمَا قَالَهُ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا مَضَى , فَكَرِهْنَا إِعَادَته , غَيْر أَنَّا نَذْكُر فِي ذَلِكَ بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ هُنَالِكَ . 20890 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَمْ يُعَقِّب } يَقُول : وَلَمْ يُعَقِّب , أَيْ لَمْ يَلْتَفِت مِنْ الْفَرَق . 20891 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَلَمْ يُعَقِّب } يَقُول : لَمْ يَنْتَظِر .



وَقَوْله : { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَنُودِيَ مُوسَى : يَا مُوسَى أَقْبِلْ إِلَيَّ وَلَا تَخَفْ مِنْ الَّذِي تَهْرُب مِنْهُ .



{ إِنَّك مِنْ الْآمِنِينَ } مِنْ أَنْ يَضُرّك , إِنَّمَا هُوَ عَصَاك .
ٱسۡلُكۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲ وَٱضۡمُمۡ إِلَیۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَ ٰ⁠نِكَ بُرۡهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِیْهِۦۤۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ ﴿٣٢﴾
وَقَوْله : { اُسْلُكْ يَدك فِي جَيْبك } يَقُول : أَدْخِلْ يَدك . وَفِيهِ لُغَتَانِ : سَلَكْته , وَأَسْلَكْته { فِي جَيْبك } يَقُول : فِي جَيْب قَمِيصك . كَمَا : 20892 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { اُسْلُكْ يَدك فِي جَيْبك } : أَيْ فِي جَيْب قَمِيصك . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله أَمَرَ أَنْ يُدْخِل يَده فِي الْجَيْب دُون الْكُمّ .



وَقَوْله : { تَخْرُج بَيْضَاء مِنْ غَيْر سُوء } يَقُول : تَخْرُج بَيْضَاء مِنْ غَيْر بَرَص . كَمَا : 20893 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا اِبْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { اُسْلُكْ يَدك فِي جَيْبك تَخْرُج بَيْضَاء مِنْ غَيْر سُوء } قَالَ : فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا الْمِصْبَاح , فَأَيْقَنَ مُوسَى أَنَّهُ لَقِيَ رَبّه .



وَقَوْله : { وَاضْمُمْ إِلَيْك جَنَاحك } يَقُول : وَاضْمُمْ إِلَيْك يَدك . كَمَا : 20894 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس { وَاضْمُمْ إِلَيْك جَنَاحك } قَالَ : يَدك . 20895 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَاضْمُمْ إِلَيْك جَنَاحك } قَالَ : وَجَنَاحَاهُ : الذِّرَاع . وَالْعَضُد : هُوَ الْجَنَاح . وَالْكَفّ : الْيَد , { اُضْمُمْ يَدك إِلَى جَنَاحك تَخْرُج بَيْضَاء مِنْ غَيْر سُوء } .



وَقَوْله : { مِنْ الرَّهْب } يَقُول : مِنْ الْخَوْف وَالْفَرَق الَّذِي قَدْ نَالَك مِنْ مُعَايَنَتك مَا عَايَنْت مِنْ هَوْل الْحَيَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20896 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { مِنْ الرَّهْب } قَالَ : الْفَرَق . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20897 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاضْمُمْ إِلَيْك جَنَاحك مِنْ الرَّهْب } : أَيْ مِنْ الرُّعْب . 20898 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { مِنْ الرَّهْب } قَالَ : مِمَّا دَخَلَهُ مِنْ الْفَرَق مِنْ الْحَيَّة وَالْخَوْف , وَقَالَ : ذَلِكَ الرَّهْب , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه { يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } 21 90 قَالَ : خَوْفًا وَطَمَعًا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " مِنْ الرَّهَب " بِفَتْحِ الرَّاء وَالْهَاء. وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " مِنْ الرُّهْب " بِضَمِّ الرَّاء وَتَسْكِين الْهَاء , وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .



وَقَوْله : { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَهَذَانِ اللَّذَانِ أَرَيْتُكَهُمَا يَا مُوسَى مِنْ تَحَوُّل الْعَصَا حَيَّة , وَيَدك وَهِيَ سَمْرَاء , بَيْضَاء تَلْمَع مِنْ غَيْر بَرَص , بُرْهَانَانِ : يَقُول : آيَتَانِ وَحُجَّتَانِ وَأَصْل الْبُرْهَان : الْبَيَان , يُقَال لِلرَّجُلِ يَقُول الْقَوْل إِذَا سُئِلَ الْحُجَّة عَلَيْهِ : هَاتِ بُرْهَانك عَلَى مَا تَقُول : أَيْ هَاتِ تِبْيَان ذَلِكَ وَمِصْدَاقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20899 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبّك } الْعَصَا وَالْيَد آيَتَانِ . 20900 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبّك } تِبْيَانَانِ مِنْ رَبّك . 20901 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبّك } هَذَانِ بُرْهَانَانِ . 20902 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبّك } فَقَرَأَ : { هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } 2 111 عَلَى ذَلِكَ آيَة نَعْرِفهَا , وَقَالَ : بُرْهَانَانِ آيَتَانِ مِنْ اللَّه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَذَانِكَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار , سِوَى اِبْن كَثِير وَأَبِي عَمْرو : { فَذَانِكَ } بِتَخْفِيفِ النُّون , لِأَنَّهَا نُون الِاثْنَيْنِ , وَقَرَأَهُ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو : " فَذَانّك " بِتَشْدِيدِ النُّون . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه تَشْدِيدهَا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : ثَقَّلَ النُّون مَنْ ثَقَّلَهَا لِلتَّوْكِيدِ , كَمَا أَدْخَلُوا اللَّام فِي ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : شُدِّدَتْ فَرْقًا بَيْنهَا وَبَيْن النُّون الَّتِي تَسْقُط لِلْإِضَافَةِ , لِأَنَّ هَاتَانِ وَهَذَانِ لَا تُضَاف. وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : هُوَ مِنْ لُغَة مَنْ قَالَ : هَذَا آقَالَ ذَلِكَ , فَزَادَ عَلَى الْأَلِف أَلِفًا , كَذَا زَادَ عَلَى النُّون نُونًا لِيَفْصِل بَيْنهمَا وَبَيْن الْأَسْمَاء الْمُتَمَكِّنَة , وَقَالَ فِي ذَانّك إِنَّمَا كَانَتْ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ : هَذَانِ يَا هَذَا , فَكَرِهُوا تَثْنِيَة الْإِضَافَة فَأَعْقَبُوهَا بِاللَّامِ , لِأَنَّ الْإِضَافَة تُعْقَب بِاللَّامِ . وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول : التَّشْدِيد فِي النُّون فِي { ذَانّك } مِنْ لُغَة قُرَيْش .



يَقُول : إِلَى فِرْعَوْن وَأَشْرَاف قَوْمه , حُجَّة عَلَيْهِمْ , وَدَلَالَة عَلَى حَقِيقَة نُبُوَّتك يَا مُوسَى .



يَقُول : إِنَّ فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ كَانُوا قَوْمًا كَافِرِينَ .
قَالَ رَبِّ إِنِّی قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسࣰا فَأَخَافُ أَن یَقۡتُلُونِ ﴿٣٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبّ إِنِّي قَتَلْت مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَاف أَنْ يَقْتُلُونِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ مُوسَى : رَبّ إِنِّي قَتَلْت مِنْ قَوْم فِرْعَوْن نَفْسًا , فَأَخَاف إِنْ أَتَيْتهمْ فَلَمْ أُبِنْ عَنْ نَفْسِي بِحُجَّةٍ أَنْ يَقْتُلُونِ , لِأَنَّ فِي لِسَانِي عُقْدَة , وَلَا أُبَيِّن مَعَهَا مَا أُرِيد مِنْ الْكَلَام.
وَأَخِی هَـٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّی لِسَانࣰا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِیَ رِدۡءࣰا یُصَدِّقُنِیۤۖ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یُكَذِّبُونِ ﴿٣٤﴾
{ وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا } , يَقُول : أَحْسَن بَيَانًا عَمَّا يُرِيد أَنْ يُبَيِّنهُ .



{ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } يَقُول : عَوْنًا . يُصَدِّقنِي : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُخَاطِبهُمْ بِهِ . كَمَا : 20903 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا , فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُكَلِّمهُمْ بِهِ , فَإِنَّهُ يَفْهَم مَا لَا يَفْهَمُونَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَ مُوسَى رَبّه يُؤَيِّدهُ بِأَخِيهِ , لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا اِجْتَمَعَا عَلَى الْخَيْر , كَانَتْ النَّفْس إِلَى تَصْدِيقهمَا , أَسْكَن مِنْهَا إِلَى تَصْدِيق خَبَر الْوَاحِد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20904 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَحْرَى أَنْ يُصَدَّقَا مِنْ وَاحِد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20905 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } قَالَ عَوْنًا. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20906 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ عَوْنًا. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20907 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْ يُصَدِّقنِي . 20908 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي. وَالرِّدْء فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْعَوْن , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَرْدَأْت فُلَانًا عَلَى أَمْره : أَيْ أَكَفَيْته وَأَعَنْته . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يُصَدِّقنِي } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " رِدْءًا يُصَدِّقنِي " بِجَزْمِ يُصَدِّقنِي . وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة : " يُصَدِّقنِي " بِرَفْعِهِ , فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ صِلَة لِلرِّدْءِ , بِمَعْنَى : فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا مِنْ صِفَته يُصَدِّقنِي ; وَمَنْ جَزَمَهُ جَعَلَهُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ فَأَرْسِلْهُ , فَإِنَّك إِذَا أَرْسَلْته صَدَّقَنِي , عَلَى وَجْه الْخَبَر . وَالرَّفْع فِي ذَلِكَ أَحَبّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ , لِأَنَّهُ مَسْأَلَة مِنْ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرْسِل أَخَاهُ عَوْنًا لَهُ بِهَذِهِ الصِّفَة .



وَقَوْله : { إِنِّي أَخَاف أَنْ يُكَذِّبُونِ } يَقُول : إِنِّي أَخَاف أَنْ لَا يُصَدِّقُونِ عَلَى قَوْلِي لَهُمْ إِنِّي أَرْسَلْت إِلَيْكُمْ.
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِیكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَـٰنࣰا فَلَا یَصِلُونَ إِلَیۡكُمَا بِـَٔایَـٰتِنَاۤۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَـٰلِبُونَ ﴿٣٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدك بِأَخِيك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ اللَّه لِمُوسَى { سَنَشُدُّ عَضُدك } ; أَيْ نُقَوِّيك وَنُعِينك بِأَخِيك. تَقُول الْعَرَب إِذَا أَعَزَّ رَجُل رَجُلًا , وَأَعَانَهُ وَمَنَعَهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ بِظُلْمٍ : قَدْ شَدَّ فُلَان عَلَى عَضُد فُلَان , وَهُوَ مِنْ عَاضَدَهُ عَلَى أَمْره : إِذَا أَعَانَهُ , وَمِنْهُ قَوْل اِبْن مُقْبِل : عَاضَدْتهَا بِعَتُودٍ غَيْر مُعْتَلِث كَأَنَّهُ وَقْفُ عَاج بَاتَ مَكْنُونَا يَعْنِي بِذَلِكَ : قَوْسًا عَاضَدَهَا بِسَهْمٍ . وَفِي الْعَضُد لُغَات أَرْبَع : أَجْوَدهَا : الْعَضُد , ثُمَّ الْعَضْد , ثُمَّ الْعُضُد , وَالْعُضْد . يَجْمَع جَمِيع ذَلِكَ عَلَى أَعْضَاد.



وَقَوْله : { وَنَجْعَل لَكُمَا سُلْطَانًا } يَقُول : وَنَجْعَل لَكُمَا حُجَّة . كَمَا : 20909 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { لَكُمَا سُلْطَانًا } حُجَّة . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20910 -حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَنَجْعَل لَكُمَا سُلْطَانًا } وَالسُّلْطَان : الْحُجَّة .





وَقَوْله : { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَا يَصِل إِلَيْكُمَا فِرْعَوْن وَقَوْمه بِسُوءٍ .



وَقَوْله : { بِآيَاتِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } فِرْعَوْن وَقَوْمه { بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اِتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } فَالْبَاء فِي قَوْله بِآيَاتِنَا مِنْ صِلَة غَالِبُونَ . وَمَعْنَى الْكَلَام : أَنْتُمَا وَمَنْ اِتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فِرْعَوْن وَمَلَأَهُ بِآيَاتِنَا أَيْ بِحُجَّتِنَا وَسُلْطَاننَا الَّذِي نَجْعَلهُ لَكُمَا .
فَلَمَّا جَاۤءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔایَـٰتِنَا بَیِّنَـٰتࣲ قَالُواْ مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّفۡتَرࣰى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَـٰذَا فِیۤ ءَابَاۤىِٕنَا ٱلۡأَوَّلِینَ ﴿٣٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْر مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى فِرْعَوْن وَمَلَأَهُ بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجنَا بَيِّنَات أَنَّهَا حُجَج شَاهِدَة بِحَقِيقَةٍ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْد رَبّه , قَالُوا لِمُوسَى : مَا هَذَا الَّذِي جِئْتنَا بِهِ إِلَّا سِحْرًا اِفْتَرَيْته مِنْ قِبَلك وَتَخَرَّصْته كَذِبًا وَبَاطِلًا { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا } الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَة مَنْ تَدْعُونَا إِلَى عِبَادَته فِي أَسْلَافنَا وَآبَائِنَا الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلنَا .
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّیۤ أَعۡلَمُ بِمَن جَاۤءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٣٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَ مُوسَى } مُجِيبًا لِفِرْعَوْن : { رَبِّي أَعْلَم } بِالْمُحِقِّ مِنَّا يَا فِرْعَوْن مِنْ الْمُبْطِل , وَمَنْ الَّذِي جَاءَ بِالرَّشَادِ إِلَى سَبِيل الصَّوَاب وَالْبَيَان عَنْ وَاضِح الْحُجَّة مِنْ عِنْده , وَمَنْ الَّذِي لَهُ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَة فِي الدَّار الْآخِرَة مِنَّا . وَهَذِهِ مُعَارَضَة مِنْ نَبِيّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِفِرْعَوْن , وَجَمِيل مُخَاطَبَة , إِذْ تُرِكَ أَنْ يَقُول لَهُ : بَلْ الَّذِي غَرَّ قَوْمه وَأَهْلك جُنُوده , وَأَضَلَّ أَتْبَاعه أَنْتَ لَا أَنَا , وَلَكِنَّهُ قَالَ : { رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده , وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار } ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمّ عَدُوّ اللَّه بِأَجْمَل مِنْ الْخِطَاب فَقَالَ : { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } يَقُول : إِنَّهُ لَا يَنْجَح وَلَا يُدْرِك طُلْبَتهمْ الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى , يَعْنِي بِذَلِكَ فِرْعَوْن إِنَّهُ لَا يُفْلِح وَلَا يَنْجَح لِكُفْرِهِ بِهِ.
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی فَأَوۡقِدۡ لِی یَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّینِ فَٱجۡعَل لِّی صَرۡحࣰا لَّعَلِّیۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّی لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ ﴿٣٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ فِرْعَوْن لِأَشْرَافِ قَوْمه وِسَادَتهمْ : { يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي } فَتَعْبُدُوهُ , وَتُصَدِّقُوا قَوْل مُوسَى فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ لَكُمْ وَلَهُ رَبًّا غَيْرِي وَمَعْبُودًا سِوَايَ .



يَقُول : فَاعْمَلْ لِي آجُرًّا , وَذُكِرَ أَنَّهُ أَوَّل مَنْ طَبَخَ الْآجُر وَبَنَى بِهِ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20911 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : عَلَى الْمَدَر يَكُون لَبَنًا مَطْبُوخًا. قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَوَّل مَنْ أَمَرَ بِصَنْعَةِ الْآجُرّ وَبَنَى بِهِ فِرْعَوْن . 20912 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : فَكَانَ أَوَّل مَنْ طَبَخَ الْآجُرّ يَبْنِي بِهِ الصَّرْح . 20913 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : الْمَطْبُوخ الَّذِي يُوقَد عَلَيْهِ هُوَ مِنْ طِين يَبْنُونَ بِهِ الْبُنْيَان .



وَقَوْله : { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } يَقُول : اِبْنِ لِي بِالْآجُرِّ بِنَاء , وَكُلّ بِنَاء مُسَطَّح فَهُوَ صَرْح كَالْقَصْرِ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : بِهِنَّ نَعَام بَنَاهَا الرِّجَا ل يَحْسَب أَعْلَامهنَّ الصُّرُوحَا يَعْنِي بِالصُّرُوحِ : جَمْع صَرْح .



وَقَوْله : { لَعَلِّي أَطَّلِع إِلَى إِلَه مُوسَى } يَقُول : أَنْظُر إِلَى مَعْبُود مُوسَى , الَّذِي يَعْبُدهُ , وَيَدْعُو إِلَى عِبَادَته { وَإِنِّي لَأَظُنّهُ } فِيمَا يَقُول مِنْ أَنَّ لَهُ مَعْبُودًا يَعْبُدهُ فِي السَّمَاء , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَيِّدهُ وَيَنْصُرهُ , وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا , مِنْ الْكَاذِبِينَ ; فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَامَان بَنَى لَهُ الصَّرْح , فَارْتَقَى فَوْقه . فَكَانَ مِنْ قِصَّته وَقِصَّة اِرْتِقَائِهِ مَا : 20914 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ : { يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين , فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } لَعَلِّي أَذْهَب فِي السَّمَاء , فَأَنْظُر إِلَى إِلَه مُوسَى ; فَلَمَّا بُنِيَ لَهُ الصَّرْح , اِرْتَقَى فَوْقه , فَأَمَرَ بِنُشَّابَةٍ فَرَمَى بِهَا نَحْو السَّمَاء , فَرُدَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ مُتَلَطِّخَة دَمًا , فَقَالَ : قَدْ قَتَلْت إِلَه مُوسَى , تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُونَ .
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمۡ إِلَیۡنَا لَا یُرۡجَعُونَ ﴿٣٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْن وَجُنُوده فِي أَرْض مِصْر عَنْ تَصْدِيق مُوسَى , وَاتِّبَاعه عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ { بِغَيْرِ الْحَقّ } يَعْنِي تَعَدِّيًا وَعُتُوًّا عَلَى رَبّهمْ .



يَقُول : وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ لَا يُبْعَثُونَ , وَلَا ثَوَاب , وَلَا عِقَاب , فَرَكِبُوا أَهْوَاءَهُمْ , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , وَأَنَّهُ لَهُمْ مُجَازٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة .
فَأَخَذۡنَـٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡیَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤٠﴾
وَقَوْله : {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُوده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَجَمَعْنَا فِرْعَوْن وَجُنُوده مِنْ الْقِبْط.



يَقُول : فَأَلْقَيْنَاهُمْ جَمِيعهمْ فِي الْبَحْر , فَغَرَّقْنَاهُمْ فِيهِ , كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ : نَظَرْت إِلَى عِنْوَانه فَنَبَذْته كَنَبْذِك نَعْلًا أَخَلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ بَحْر مِنْ وَرَاء مِصْر , كَمَا : 20915 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ } قَالَ : كَانَ الْيَمّ بَحْرًا يُقَال لَهُ إِسَاف , مِنْ وَرَاء مِصْر , غَرَّقَهُمْ اللَّه فِيهِ .



وَقَوْله : { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَانْظُرْ يَا مُحَمَّد بِعَيْنِ قَلْبك : كَيْف كَانَ أَمْر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ , فَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَرَدُّوا عَلَى رَسُوله نَصِيحَته , أَلَمْ نُهْلِكهُمْ فَنُوَرِّث دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ أَوْلِيَاءَنَا , وَنُخَوِّلهُمْ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون وَكُنُوز , وَمَقَام كَرِيم , بَعْد أَنْ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ , تُقَتَّل أَبْنَاؤُهُمْ , وَتُسْتَحَيَا نِسَاؤُهُمْ , فَإِنَّا كَذَلِكَ بِك وَبِمَنْ آمَنَ بِك وَصَدَّقَك فَاعِلُونَ مُخَوِّلُوك وَإِيَّاهُمْ دِيَار مَنْ كَذَّبَك , وَرَدَّ عَلَيْك مَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ وَأَمْوَالهمْ , وَمُهْلِكُوهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ , سُنَّة اللَّه فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل .
وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ لَا یُنصَرُونَ ﴿٤١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّة يَدْعُونَ إِلَى النَّار } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَعَلْنَا فِرْعَوْن وَقَوْمه أَئِمَّة يَأْتَمّ بِهِمْ أَهْل الْعُتُوّ عَلَى اللَّه , وَالْكُفْر بِهِ , يَدْعُونَ النَّاس إِلَى أَعْمَال أَهْل النَّار .



يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْصُرهُمْ إِذَا عَذَّبَهُمْ اللَّه نَاصِر , وَقَدْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَتَنَاصَرُونَ , فَاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ النُّصْرَة يَوْمئِذٍ.
وَأَتۡبَعۡنَـٰهُمۡ فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا لَعۡنَةࣰۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِینَ ﴿٤٢﴾
وَقَوْله : { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَلْزَمْنَا فِرْعَوْن وَقَوْمه فِي هَذِهِ الدُّنْيَا خِزْيًا وَغَضَبًا مِنَّا عَلَيْهِمْ , فَحَتَّمْنَا لَهُمْ فِيهَا بِالْهَلَاكِ وَالْبَوَار وَالثَّنَاء السَّيِّئ , وَنَحْنُ مُتْبِعُوهُمْ لَعْنَة أُخْرَى يَوْم الْقِيَامَة , فَمُخْزُوهُمْ بِهَا الْخِزْي الدَّائِم , وَمُهِينُوهُمْ الْهَوَان اللَّازِم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20916 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } قَالَ : لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَة , وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود } . 11 99 20917 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة وَيَوْم الْقِيَامَة } لَعْنَة أُخْرَى , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ فَقَالَ : { هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ }



وَقَوْله : { هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هُمْ مِنْ الْقَوْم الَّذِينَ قَبَّحَهُمْ اللَّه , فَأَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ , وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَجَعَلَهُمْ عِبْرَة لِلْمُعْتَبَرِينَ , وَعِظَة لِلْمُتَّعِظِينَ .
وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَاۤ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَاۤىِٕرَ لِلنَّاسِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لَّعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب مِنْ بَعْد مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُون الْأُولَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاة مِنْ بَعْد مَا أَهْلَكْنَا الْأُمَم الَّتِي كَانَتْ قَبْله , كَقَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُود وَقَوْم لُوط وَأَصْحَاب مَدْيَن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب مِنْ بَعْد مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُون الْأُولَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20918 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد وَعَبْد الْوَهَّاب , قَالَا : ثَنَا عَوْف , عَنْ أَبِي نَضْرَة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : مَا أَهْلَكَ اللَّه قَوْمًا بِعَذَابٍ مِنْ السَّمَاء وَلَا مِنْ الْأَرْض بَعْد مَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاة عَلَى وَجْه الْأَرْض غَيْر الْقَرْيَة الَّتِي مُسِخُوا قِرَدَة , أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَقُول : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب مِنْ بَعْد مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُون الْأُولَى بَصَائِر لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .



يَقُول : ضِيَاء لِبَنِي إِسْرَائِيل فِيمَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَة مِنْ أَمْر دِينهمْ .



يَقُول : وَبَيَانًا لَهُمْ وَرَحْمَة لِمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْهُمْ .



يَقُول : لِيَتَذَكَّرُوا نِعَم اللَّه بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , فَيَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا وَلَا يَكْفُرُوا .
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِیِّ إِذۡ قَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ ﴿٤٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ } غَرْبِيّ الْجَبَل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20919 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول : بِجَانِبِ غَرْبِيّ الْجَبَل } إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } . 20920 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : غَرْبِيّ الْجَبَل . 20921 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا الضَّحَّاك بْن مَخْلَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّكُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُجِبْتُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُوا , وَقَرَأَ : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } .



يَقُول : إِذْ فَرَضْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر فِيمَا أَلْزَمْنَاهُ وَقَوْمه , وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ مِنْ عَهْد .



يَقُول : وَمَا كُنْت لِذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ.
وَلَـٰكِنَّاۤ أَنشَأۡنَا قُرُونࣰا فَتَطَاوَلَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِیࣰا فِیۤ أَهۡلِ مَدۡیَنَ تَتۡلُواْ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِینَ ﴿٤٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا } وَلَكِنَّا خَلَقْنَا أُمَمًا فَأَحْدَثْنَاهَا مِنْ بَعْد ذَلِكَ { فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر } .



وَقَوْله : { وَمَا كُنْت ثَاوِيًا فِي أَهْل مَدْيَن } يَقُول : وَمَا كُنْت مُقِيمًا فِي أَهْل مَدْيَن , يُقَال : ثَوَيْت بِالْمَكَانِ أَثْوِي بِهِ ثَوَاء , قَالَ أَعْشَى ثَعْلَبَة : أَثْوَى وَقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَة مَوْعِدًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20922 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت ثَاوِيًا فِي أَهْل مَدْيَن } قَالَ : الثَّاوِي : الْمُقِيم.



يَقُول : تَقْرَأ عَلَيْهِمْ كِتَابنَا .



يَقُول : لَمْ تَشْهَد شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد , وَلَكِنَّا كُنَّا نَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ وَنُرْسِل الرُّسُل .
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَیۡنَا وَلَـٰكِن رَّحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد بِجَانِبِ الْجَبَل إِذْ نَادَيْنَا مُوسَى بِأَنْ { سَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة , وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ } 7 156 : 157 الْآيَة , كَمَا : 20923 -حَدَّثَنَا عِيسَى بْن عُثْمَان بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نَادَى يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَأَجَبْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20924 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا : يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20925 - حَدَّثني اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَرْمَلَة بْن قَيْس النَّخَعِيّ , قَالَ : سَمِعْت هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِر عَنْ سُلَيْمَان , وَسُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان , وَحَجَّاج , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي , قَالَ : وَهُوَ قَوْله حِين قَالَ مُوسَى { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة , وَفِي الْآخِرَة } 7 156 الْآيَة . 20926 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج مِثْل ذَلِكَ .



وَقَوْله : { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ تَشْهَد شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد فَتَعْلَمهُ , وَلَكِنَّا عَرَّفْنَاكَهُ , وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك , فَاقْتَصَصْنَا ذَلِكَ كُلّه عَلَيْك فِي كِتَابنَا , وَابْتَعَثْنَاك بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْك مِنْ ذَلِكَ رَسُولًا إِلَى مَنْ ابْتَعَثْنَاك إِلَيْهِ مِنْ الْخَلْق رَحْمَة مِنَّا لَك وَلَهُمْ , كَمَا : 20927 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } مَا قَصَصْنَا عَلَيْك { لِتُنْذِر قَوْمًا } الْآيَة . 20928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : كَانَ رَحْمَة مِنْ رَبّك النُّبُوَّة .



وَقَوْله : { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ أَرْسَلْنَاك بِهَذَا الْكِتَاب وَهَذَا الدِّين لِتُنْذِر قَوْمًا لَمْ يَأْتِهِمْ مِنْ قَبْلك نَذِير , وَهُمْ الْعَرَب الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَعَثَهُ اللَّه إِلَيْهِمْ رَحْمَة لِيُنْذِرهُمْ بَأْسه عَلَى عِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , وَإِشْرَاكهمْ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20929 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْك مِنْ الْقُرْآن { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } .



وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يَقُول : لِيَتَذَكَّرُوا خَطَأ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , فَيُنِيبُوا إِلَى الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ , وَإِفْرَاده بِالْعِبَادَةِ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة .
وَلَوۡلَاۤ أَن تُصِیبَهُم مُّصِیبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ فَیَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٤٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبهُمْ مُصِيبَة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ فَيَقُولُوا رَبّنَا لَوْلَا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِع آيَاتك وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْلَا أَنْ يَقُول هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُك يَا مُحَمَّد إِلَيْهِمْ , لَوْ حَلَّ بِهِمْ بَأْسنَا , أَوْ أَتَاهُمْ عَذَابنَا مِنْ قَبْل أَنْ نُرْسِلك إِلَيْهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , وَاكْتِسَابهمْ الْآثَام , وَاجْتِرَامهمْ الْمَعَاصِي : رَبّنَا هَلَّا أَرْسَلْت إِلَيْنَا رَسُولًا مِنْ قَبْل أَنْ يَحِلّ بِنَا سَخَطك , وَيَنْزِل بِنَا عَذَابك فَنَتَّبِع أَدِلَّتك , وَآيَ كِتَابك الَّذِي تُنْزِلهُ عَلَى رَسُولك وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِأُلُوهِيَّتِك , الْمُصَدِّقِينَ رَسُولك فِيمَا أَمَرْتنَا وَنَهَيْتنَا , لَعَاجَلْنَاهُمْ الْعُقُوبَة عَلَى شِرْكهمْ مِنْ قَبْل مَا أَرْسَلْنَاك إِلَيْهِمْ , وَلَكِنَّا بَعَثْنَاك إِلَيْهِمْ نَذِيرًا بَأْسنَا عَلَى كُفْرهمْ , لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل. وَالْمُصِيبَة فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْعَذَاب وَالنِّقْمَة . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ } بِمَا اِكْتَسَبُوا .
فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤۚ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُواْ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤاْ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ﴿٤٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقّ مِنْ عِنْدنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا جَاءَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ مِنْ قَبْلك يَا مُحَمَّد نَذِير فَبَعَثْنَاك إِلَيْهِمْ نَذِيرًا { الْحَقّ مِنْ عِنْدنَا } , وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّسَالَةِ مِنْ اللَّه إِلَيْهِمْ , قَالُوا تَمَرُّدًا عَلَى اللَّه , وَتَمَادِيًا فِي الْغَيّ : هَلَّا أُوتِيَ هَذَا الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْنَا , وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى بْن عِمْرَان مِنْ الْكِتَاب ؟ يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك مِنْ قُرَيْش , الْقَائِلِينَ لَك { لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى } : أَوَلَمْ يَكْفُر الَّذِينَ عَلِمُوا هَذِهِ الْحُجَّة مِنْ الْيَهُود بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلك ؟ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20930 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْيَهُود تَأْمُر قُرَيْشًا أَنْ تَسْأَل مُحَمَّدًا مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى , يَقُول اللَّه لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِقُرَيْشٍ يَقُولُوا لَهُمْ : أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل ؟ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى } قَالَ : الْيَهُود تَأْمُر قُرَيْشًا , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه



وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : " وَقَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا " بِمَعْنَى : أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل , وَقَالُوا لَهُ وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل بَعْض الْمُفَسِّرِينَ , وَفِي قَوْل بَعْضهمْ لِمُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَفِي قَوْل بَعْضهمْ : لِعِيسَى وَمُحَمَّد سَاحِرَانِ تَعَاوَنَا . وَقَرَأَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } بِمَعْنَى : وَقَالُوا لِلتَّوْرَاةِ وَالْفُرْقَان فِي قَوْل بَعْض أَهْل التَّأْوِيل , وَفِي قَوْل بَعْضهمْ لِلْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَان . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى قَدْر اِخْتِلَاف الْقُرَّاء فِي قِرَاءَته . ذِكْر مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالسَّاحِرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَظَاهَرَا مُحَمَّد وَمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا : 20931 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن مُحَمَّد بْن مَعْدِي كَرِبَ الرُّعَيْنِيّ , قَالَ : ثَنَا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة قَالَ : سَمِعْت مُسْلِم بْن يَسَار , يُحَدِّث عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه { سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَ : مُوسَى وَمُحَمَّد . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ . ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , قَالَ : سَمِعْت مُسْلِم بْن يَسَار , قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس , عَنْ هَذِهِ الْآيَة { سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَ : مُوسَى وَمُحَمَّد. * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ . ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ مُسْلِم بْن يَسَار , أَنَّ اِبْن عَبَّاس , قَرَأَ { سَاحِرَانِ } قَالَ مُوسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ شُعْبَة , عَنْ كَيْسَان أَبِي حَمْزَة , عَنْ مُسْلِم بْن يَسَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . وَمَنْ قَالَ : مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا السَّلَام : 20932 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَ : الْيَهُود لِمُوسَى وَهَارُون . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا } قَوْل يَهُود لِمُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا السَّلَام . 20933 - حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي رَزِين أَنَّ أَحَدهمَا قَرَأَ : " سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا " , وَالْآخَر : { سِحْرَانِ } . قَالَ : الَّذِي قَرَأَ { سِحْرَانِ } قَالَ : التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَقَالَ : الَّذِي قَرَأَ : " سَاحِرَانِ " قَالَ : مُوسَى وَهَارُون. وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَوْا بِالسَّاحِرَيْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20934 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن . قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , قَوْله { سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَ عِيسَى وَمُحَمَّد , أَوْ قَالَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَوْا بِذَلِكَ التَّوْرَاة وَالْفُرْقَان , وَوَجْه تَأْوِيله إِلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } : 20935 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } يَقُول : التَّوْرَاة وَالْقُرْآن. 20936 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } يَعْنِي : التَّوْرَاة وَالْفُرْقَان . 20937 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَ : كِتَاب مُوسَى , وَكِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَوْا بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل : 20938 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع . قَالَ ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كُنْت إِلَى جَنْب اِبْن عَبَّاس وَهُوَ يَتَعَوَّذ بَيْن الرُّكْن وَالْمَقَام , فَقُلْت كَيْفَ تَقْرَأ سِحْرَانِ , أَوْ سَاحِرَانِ ؟ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيَّ شَيْئًا , فَقَالَ عِكْرِمَة : سَاحِرَانِ , وَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَوْ كَرِهَ ذَلِكَ أَنْكَرَهُ عَلَيَّ . قَالَ حُمَيْد فَلَقِيَتْ عِكْرِمَة بَعْد ذَلِكَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , وَقُلْت كَيْفَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ؟ قَالَ : كَانَ يَقْرَأ { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } أَيْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَوْا بِهِ الْفُرْقَان وَالْإِنْجِيل : 20939 - اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , أَنَّهُ قَرَأَ { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } يَعْنُونَ الْإِنْجِيل وَالْفُرْقَان . 20940 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } قَالَتْ ذَلِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود لِلْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَان , فَمَنْ قَالَ { سَاحِرَانِ } فَيَقُول : مُحَمَّد , وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } بِمَعْنَى : كِتَاب مُوسَى وَهُوَ التَّوْرَاة , وَكِتَاب عِيسَى وَهُوَ الْإِنْجِيل. وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الْكَلَام مِنْ قَبْله جَرَى بِذِكْرِ الْكِتَاب , وَهُوَ قَوْله : { وَقَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى } وَاَلَّذِي يَلِيه مِنْ بَعْده ذِكْر الْكِتَاب , وَهُوَ قَوْله : { فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ } فَاَلَّذِي بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون مَنْ ذَكَرَهُ أَوْلَى وَأَشْبَه بِأَنْ يَكُون مِنْ ذِكْر غَيْره . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ , فَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قُلْ يَا مُحَمَّد : أَوَلَمْ يَكْفُر هَؤُلَاءِ الْيَهُود بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل , وَقَالُوا لِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ الْكِتَاب وَمَا أُوتِيته أَنْتَ , سِحْرَانِ تَعَاوَنَا .



وَقَوْله : { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ الْيَهُود : إِنَّا بِكُلِّ كِتَاب فِي الْأَرْض مِنْ تَوْرَاة وَإِنْجِيل , وَزَبُور وَفُرْقَان كَافِرُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل , وَخَالَفَهُ فِيهِ مُخَالِفُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ مِثْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 20941 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } قَالُوا : نَكْفُر أَيْضًا بِمَا أُوتِيَ مُحَمَّد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } قَالَ الْيَهُود أَيْضًا : نَكْفُر بِمَا أُوتِيَ مُحَمَّد أَيْضًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَالُوا إِنَّا بِكُلِّ الْكِتَابَيْنِ الْفُرْقَان وَالْإِنْجِيل كَافِرُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20942 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } يَقُول : بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآن . * - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } : يَعْنُونَ الْإِنْجِيل وَالْفُرْقَان . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب , يَقُول : بِالْكِتَابَيْنِ : التَّوْرَاة وَالْفُرْقَان . 20943 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى , وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَـٰبࣲ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَاۤ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿٤٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهَا أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : هُمَا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا : اِئْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا لِطَرِيقِ الْحَقّ , وَلِسَبِيلِ الرَّشَاد { أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِي زَعْمكُمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ سِحْرَانِ , وَأَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20944 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } الْآيَة . 20945 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فَقَالَ اللَّه { ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } مِنْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ ; الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُوسَى , وَاَلَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِن لَّمۡ یَسۡتَجِیبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا یَتَّبِعُونَ أَهۡوَاۤءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَیۡرِ هُدࣰى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٥٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ لَمْ يُجِبْك هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : سِحْرَانِ تَظَاهَرَا , الزَّاعِمُونَ أَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا , مِنْ الْيَهُود يَا مُحَمَّد , إِلَى أَنْ يَأْتُوك بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا , فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ , وَأَنَّ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ , وَيَقُولُونَ فِي الْكِتَابَيْنِ , قَوْل كَذِب وَبَاطِل , لَا حَقِيقَة لَهُ , وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ مَا قَالَ الْقَائِلُونَ مِنْ الْيَهُود وَغَيْرهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ الْإِفْك وَالزُّور , الْمُسَمُّوهُمَا سِحْرَيْنِ : بَاطِل مِنْ الْقَوْل , إِلَّا بِأَنْ لَا يُجِيبُوهُ إِلَى إِتْيَانهمْ بِكِتَابٍ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ؟ قِيلَ : هَذَا كَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِهِ الْمَقُول لَهُمْ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل مِنْ كُفَّار قُرَيْش , وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قُرَيْش : أَوَلَمْ يَكْفُر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوكُمْ أَنْ تَقُولُوا : هَلَّا أُوتِيَ مُحَمَّد مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى , بِاَلَّذِي أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن , وَيَقُولُوا لِلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيسَى { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } فَقُولُوا لَهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى سِحْر , فَأْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيْهِمَا , فَإِنْ هُمْ لَمْ يُجِيبُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ كَذْبَة , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه أَهْوَاء أَنْفُسهمْ , وَيَتْرُكُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .



يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَضَلّ عَنْ طَرِيق الرَّشَاد , وَسَبِيل السَّدَاد مِمَّنْ اِتَّبَعَ هَوَى نَفْسه بِغَيْرِ بَيَان مِنْ عِنْد اللَّه , وَعَهْد مِنْ اللَّه , وَيَتْرُك عَهْد اللَّه الَّذِي عَهِدَهُ إِلَى خَلْقه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله .



يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِإِصَابَةِ الْحَقّ وَسَبِيل الرُّشْد الْقَوْم الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْر اللَّه وَتَرَكُوا طَاعَته , وَكَذَّبُوا رَسُوله , وَبَدَّلُوا عَهْده , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاء أَنْفُسهمْ إِيثَارًا مِنْهُمْ لِطَاعَةِ الشَّيْطَان عَلَى طَاعَة رَبّهمْ.
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ﴿٥١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك مِنْ قُرَيْش وَلِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل الْقَوْل بِأَخْبَارِ الْمَاضِينَ وَالنَّبَإ عَمَّا أَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ بَأْسنَا , إِذْ كَذَّبُوا رُسُلنَا , وَعَمَّا نَحْنُ فَاعِلُونَ بِمَنْ اِقْتَفَى آثَارهمْ , وَاحْتَذَى فِي الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَتَكْذِيب رُسُله مِثَالهمْ , لِيَتَذَكَّرُوا فَيَعْتَبِرُوا وَيَتَّعِظُوا. وَأَصْله مِنْ : وَصَلَ الْحِبَال بَعْضهَا بِبَعْضٍ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَان مَا بَال ذِمَّة وَحَبْل ضَعِيف مَا يَزَال يُوَصَّل وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ بِبَيَانِهِمْ عَنْ تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ بَيَّنَّا . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَصَّلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20946 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل } قَالَ : فَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل . 20947 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل } قَالَ : وَصَّلَ اللَّه لَهُمْ الْقَوْل فِي هَذَا الْقُرْآن , يُخْبِرهُمْ كَيْفَ صَنَعَ بِمَنْ مَضَى , وَكَيْفَ هُوَ صَانِع { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } . 20948 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عِيسَى أَبُو جَعْفَر , عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : وَصَّلْنَا : بَيَّنَّا . 20949 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ } الْخَبَر , خَبَر الدُّنْيَا بِخَبَرِ الْآخِرَة , حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَايَنُوا الْآخِرَة , وَشَهِدُوهَا فِي الدُّنْيَا , بِمَا نُرِيهِمْ مِنْ الْآيَات فِي الدُّنْيَا وَأَشْبَاههَا . وَقَرَأَ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِمَنْ خَافَ عَذَاب الْآخِرَة } 11 103 وَقَالَ : إِنَّا سَوْفَ نُنْجِزهُمْ مَا وَعَدْنَاهُمْ فِي الْآخِرَة , كَمَا أَنْجَزْنَا لِلْأَنْبِيَاءِ مَا وَعَدْنَاهُمْ , نَقْضِي بَيْنهمْ وَبَيْن قَوْمهمْ. وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل , فِيمَنْ عَنَى بِالْهَاءِ وَالْمِيم مِنْ قَوْله { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِمَا قُرَيْشًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20950 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل } قَالَ : قُرَيْش . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل } قَالَ : لِقُرَيْشٍ . 20951 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهِمَا الْيَهُود . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20952 - حَدَّثني بِشْر بْن آدَم , قَالَ : ثَنَا عَفَّان بْن مُسْلِم , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ يَحْيَى بْن جَعْدَة , عَنْ رِفَاعَة الْقُرَظِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي عَشَرَة أَنَا أَحَدهمْ { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } . 20953 - حَدَّثَنَا اِبْن سِنَان , قَالَ : ثَنَا حَيَّان , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ عَمْرو , عَنْ يَحْيَى بْن جَعْدَة , عَنْ عَطِيَّة الْقُرَظِيّ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } حَتَّى بَلَغَ { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } فِي عَشَرَة أَنَا أَحَدهمْ , فَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس أَرَادَ بِقَوْلِهِ : يَعْنِي مُحَمَّدًا : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ عَهْد اللَّه فِي مُحَمَّد إِلَيْهِمْ , فَيُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وَيُصَدِّقُونَهُ .
ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ یُؤۡمِنُونَ ﴿٥٢﴾
وَقَوْله : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا بِرَسُولِهِ وَصَدَّقُوهُ , فَقَالَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن , هُمْ بِهَذَا الْقُرْآن يُؤْمِنُونَ , فَيُقِرُّونَ أَنَّهُ حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَيُكَذِّب جَهَلَة الْأُمِّيِّينَ , الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ مِنْ اللَّه كِتَاب. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20954 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله تَعَالَى { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } قَالَ : يَعْنِي مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 20955 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ } إِلَى قَوْله { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } فِي مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله } إِلَى قَوْله { الْجَاهِلِينَ } قَالَ : هُمْ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب . قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار : أَنَّ يَحْيَى بْن جَعْدَة أَخْبَرَهُ , عَنْ عَلِيّ بْن رِفَاعَة , قَالَ : خَرَجَ عَشْرَة رَهْط مِنْ أَهْل الْكِتَاب , مِنْهُمْ أَبُو رِفَاعَة , يَعْنِي أَبَاهُ , إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَآمَنُوا , فَأُوذُوا , فَنَزَلَتْ : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله } قَبْل الْقُرْآن . 20956 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } قَالَ : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُنَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا عَلَى شَرِيعَة مِنْ الْحَقّ , يَأْخُذُونَ بِهَا , وَيَنْتَهُونَ إِلَيْهَا , حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَآمَنُوا بِهِ , وَصَدَّقُوا بِهِ , فَأَعْطَاهُمْ اللَّه أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ , بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْكِتَاب الْأَوَّل , وَاتِّبَاعهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَبْرهمْ عَلَى ذَلِكَ , وَذُكِرَ أَنَّ مِنْهُمْ سَلْمَان , وَعَبْد اللَّه بْن سَلَام . 20957 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } إِلَى قَوْله { مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } : نَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل ثُمَّ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَآمَنُوا بِهِ , فَآتَاهُمْ اللَّه أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا : بِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث , وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ حِين بُعِثَ , فَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } .
وَإِذَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِۦۤ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِینَ ﴿٥٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا يُتْلَى هَذَا الْقُرْآن عَلَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْل نُزُول هَذَا الْقُرْآن { قَالُوا آمَنَّا بِهِ } يَقُول : يَقُولُونَ صَدَّقْنَا بِهِ { إِنَّهُ الْحَقّ رَبّنَا } يَعْنِي مِنْ عِنْد رَبّنَا نَزَلَ , إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْل نُزُول هَذَا الْقُرْآن مُسْلِمِينَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء قَبْل مَجِيء نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَيْهِمْ مِنْ الْكُتُب , وَفِي كُتُبهمْ صِفَة مُحَمَّد وَنَعْته , فَكَانُوا بِهِ وَبِمَبْعَثِهِ وَبِكِتَابِهِ مُصَدِّقِينَ قَبْل نُزُول الْقُرْآن , فَلِذَلِكَ قَالُوا : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } .
أُوْلَـٰۤىِٕكَ یُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَیۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَیَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّیِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ ﴿٥٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ , يُؤْتَوْنَ ثَوَاب عَمَلهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّبْر الَّذِي وَعَدَ اللَّه مَا وَعَدَ عَلَيْهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَعَدَهُمْ مَا وَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْكِتَاب الْأَوَّل , وَاتِّبَاعهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَبْرهمْ عَلَى ذَلِكَ . وَذَلِكَ قَوْل قَتَادَة , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَعَدَهُمْ بِصَبْرِهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث , وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ حِين بُعِثَ. وَذَلِكَ قَوْل الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا قَبْل , وَمِمَّنْ وَافَقَ قَتَادَة عَلَى قَوْله عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد . 20958 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب . قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } عَلَى دِين عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ لَهُمْ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ : بِمَا صَبَرُوا أَوَّل مَرَّة , وَدَخَلُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَام . وَقَالَ قَوْم فِي ذَلِكَ بِمَا : 20959 -حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِنَّ قَوْمًا كَانُوا مُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذِنهُمْ , فَنَزَلَتْ { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَقَوْله { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة } يَقُول : وَيَدْفَعُونَ بِحَسَنَاتِ أَفْعَالهمْ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا سَيِّئَاتهمْ { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } مِنْ الْأَمْوَال { يُنْفِقُونَ } فِي طَاعَة اللَّه , إِمَّا فِي جِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَإِمَّا فِي صَدَقَة عَلَى مُحْتَاج , أَوْ فِي صِلَة رَحِم . 20960 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } قَالَ اللَّه : { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } وَأَحْسَنَ اللَّه عَلَيْهِمْ الثَّنَاء كَمَا تَسْمَعُونَ , فَقَالَ : { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة }.
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَاۤ أَعۡمَـٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَـٰلُكُمۡ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِی ٱلۡجَـٰهِلِینَ ﴿٥٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب اللَّغْو , وَهُوَ الْبَاطِل مِنْ الْقَوْل , كَمَا : 20961 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } لَا يُجَارُونَ أَهْل الْجَهْل وَالْبَاطِل فِي بَاطِلهمْ , أَتَاهُمْ مِنْ أَمْر اللَّه مَا وَقَذَهُمْ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِاللَّغْوِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَا كَانَ أَهْل الْكِتَاب أَلْحَقُوهُ فِي كِتَاب اللَّه , مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20962 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ لِأَهْلِ الْكِتَاب , إِذَا سَمِعُوا اللَّغْو الَّذِي كَتَبَ الْقَوْم بِأَيْدِيهِمْ مَعَ كِتَاب اللَّه , وَقَالُوا : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه , إِذَا سَمِعَهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَمَرُّوا بِهِ يَتْلُونَهُ , أَعْرَضُوا عَنْهُ , وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْله مُسْلِمِينَ } . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 20963 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , سَلَام عَلَيْكُمْ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم كَانُوا مُشْرِكِينَ فَأَسْلَمُوا , فَكَانَ قَوْمهمْ يُؤْذُونَهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جُوَيْرِيَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَسْلَمُوا , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهُمْ , فَكَانُوا يَصْفَحُونَ عَنْهُمْ , يَقُولُونَ : { سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } . وَقَوْله : { أَعْرَضُوا عَنْهُ } يَقُول : لَمْ يُصْغُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَمِعُوهُ { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اللَّغْو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , إِنَّمَا هُوَ مَا قَالَهُ مُجَاهِد , مِنْ أَنَّهُ سَمَاع الْقَوْم مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ بِالْقَوْلِ مَا يَكْرَهُونَ مِنْهُ فِي أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ أَجَابُوهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْقَوْل { لَنَا أَعْمَالنَا } قَدْ رَضِينَا بِهَا لِأَنْفُسِنَا , { وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ } قَدْ رَضِيتُمْ بِهَا لِأَنْفُسِكُمْ . وَقَوْله : { سَلَام عَلَيْكُمْ } يَقُول : أَمَنَة لَكُمْ مِنَّا أَنْ نُسَابّكُمْ , أَوْ تَسْمَعُوا مِنَّا مَا لَا تُحِبُّونَ { لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } يَقُول : لَا نُرِيد مُحَاوَرَة أَهْل الْجَهْل وَمُسَابَّتهمْ .
إِنَّكَ لَا تَهۡدِی مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ ﴿٥٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّك } يَا مُحَمَّد { لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } هِدَايَته , { وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } أَنْ يَهْدِيَهُ مِنْ خَلْقه , بِتَوْفِيقِهِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ . وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَاهُ : إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْته , لِقَرَابَتِهِ مِنْك , وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء , كَانَ مَذْهَبًا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل اِمْتِنَاع أَبِي طَالِب عَمّه مِنْ إِجَابَته , إِذْ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَان بِاَللَّهِ , إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 20964 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَا : ثَنَا الْوَلِيد بْن الْقَاسِم , عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَان , عَنْ أَبِي حَازِم , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ عِنْد الْمَوْت : " قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَشْهَد لَك بِهَا يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْش لَأَقْرَرْت عَيْنك , فَأَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } الْآيَة. * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَان , قَالَ : ثني أَبُو حَازِم الْأَشْجَعِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ : " قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَان سَمِعَ أَبَا حَازِم الْأَشْجَعِيّ , يَذْكُر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ وَفَاة أَبِي طَالِب , أَتَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا عَمَّاهُ قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " فَذَكَرَ مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْش , يَقُولُونَ : مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَع الْمَوْت . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَان , عَنْ أَبِي حَازِم , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي كُرَيْب الصُّدَائِيّ . 20965 -حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمِّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : ثني يُونُس , عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : ثني سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاة , جَاءَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَ عِنْده أَبَا جَهْل بْن هِشَام , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة بْن الْمُغِيرَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا عَمّ قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَلِمَة أَشْهَد لَك بِهَا عِنْد اللَّه " فَقَالَ أَبُو جَهْل وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي أُمَيَّة : يَا أَبَا طَالِب : أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضهَا عَلَيْهِ , وَيُعِيد لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَة , حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِب آخِر مَا كَلَّمَهُمْ : هُوَ عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب , وَأَبِي أَنْ يَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا وَاَللَّه لَأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك " , فَأَنْزَلَ اللَّه { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } 9 113 وَأَنْزَلَ اللَّه فِي أَبِي طَالِب , فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِيهِ , بِنَحْوِهِ 20966 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ أَبِي سَعِيد بْن رَافِع , قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَر : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِب ؟ قَالَ : نَعَمْ . 20967 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } قَالَ : قَوْل مُحَمَّد لِأَبِي طَالِب : " قُلْ كَلِمَة الْإِخْلَاص أُجَادِل عَنْك بِهَا يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو فِي حَدِيثه : قَالَ : يَا اِبْن أَخِي مِلَّة الْأَشْيَاخ , أَوْ سُنَّة الْأَشْيَاخ . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : قَالَ يَا اِبْن أَخِي مِلَّة الْأَشْيَاخ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } قَالَ : قَالَ مُحَمَّد لِأَبِي طَالِب : " اِشْهَدْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص أُجَادِل عَنْك بِهَا يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ : أَيْ اِبْن أَخِي مِلَّة الْأَشْيَاخ , فَأَنْزَلَ اللَّه { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَبِي طَالِب . 20968 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِب قَالَ الْأَصَمّ عِنْد مَوْته يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِكَيْمَا تَحِلّ لَهُ بِهَا الشَّفَاعَة , فَأَبَى عَلَيْهِ. 20969 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ عَامِر : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِب الْمَوْت , قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا عَمَّاهُ قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَشْهَد لَك بِهَا يَوْم الْقِيَامَة " , فَقَالَ لَهُ : يَا اِبْن أَخِي , إِنَّهُ لَوْلَا أَنْ يَكُون عَلَيْك عَار لَمْ أُبَالِ أَنْ أَفْعَل ; فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا . فَلَمَّا مَاتَ اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : مَا تَنْفَع قَرَابَة أَبِي طَالِب مِنْك , فَقَالَ : " بَلَى وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ السَّاعَة لَفِي ضَحْضَاح مِنْ النَّار عَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَار تَغْلِي مِنْهُمَا أُمّ رَأْسه , وَمَا مِنْ أَهْل النَّار مِنْ إِنْسَان هُوَ أَهْوَن عَذَابًا مِنْهُ , وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت , وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء , وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } ".



يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه أَعْلَم مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عَمَله أَنَّهُ يَهْتَدِي لِلرَّشَادِ , ذَلِكَ الَّذِي يَهْدِيه اللَّه فَيُسَدِّدهُ وَيُوَفِّقهُ. وَقَوْله : { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } يَقُول : وَهُوَ أَعْلَم بِمَنْ قَضَى لَهُ الْهُدَى . كَاَلَّذِي : 20970 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } قَالَ بِمَنْ قُدِّرَ لَهُ الْهُدَى وَالضَّلَالَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .
وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَ ٰ⁠تُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ﴿٥٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا }. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ كُفَّار قُرَيْش : إِنْ نَتَّبِع الْحَقّ الَّذِي جِئْتنَا بِهِ مَعَك , وَنَتَبَرَّأ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , يَتَخَطَّفنَا النَّاس مِنْ أَرْضنَا بِإِجْمَاعِ جَمِيعهمْ عَلَى خِلَافنَا وَحَرْبنَا , يَقُول اللَّه لِنَبِيِّهِ : فَقُلْ { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا } يَقُول : أَوَلَمْ نُوَطِّئ لَهُمْ بَلَدًا حَرَّمْنَا عَلَى النَّاس سَفْك الدِّمَاء فِيهِ , وَمَنَعْنَاهُمْ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا سُكَّانه فِيهِ بِسُوءٍ , وَأَمِنَّا عَلَى أَهْله مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِهَا غَارَة , أَوْ قَتْل , أَوْ سَبَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20971 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ الْحَارِث بْن نَوْفَل , الَّذِي قَالَ : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ عَلِمنَا أَنَّك رَسُول اللَّه , وَلَكِنَّا نَخَاف أَنْ نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا , { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ } الْآيَة . 20972 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ : هُمْ أُنَاس مِنْ قُرَيْش قَالُوا لِمُحَمَّدٍ : إِنْ نَتَّبِعك يَتَخَطَّفنَا النَّاس , فَقَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } . 20973 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ } : قَالَ : كَانَ يُغِير بَعْضهمْ عَلَى بَعْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20974 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } قَالَ اللَّه { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول : أَوَلَمْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي حَرَمهمْ لَا يُغْزَوْنَ فِيهِ وَلَا يَخَافُونَ , يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء. 20975 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْحَرَم آمِنِينَ يَذْهَبُونَ حَيْثُ شَاءُوا , إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ فَقَالَ : إِنِّي مِنْ أَهْل الْحَرَم لَمْ يَتَعَرَّض لَهُ , وَكَانَ غَيْرهمْ مِنْ النَّاس إِذَا خَرَجَ أَحَدهمْ قُتِلَ . 20976 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } قَالَ : آمَنَّاكُمْ بِهِ , قَالَ هِيَ مَكَّة , وَهُمْ قُرَيْش .



وَقَوْله : { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } يَقُول يُجْمَع إِلَيْهِ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : جَبَيْت الْمَاء فِي الْحَوْض : إِذَا جَمَعْته فِيهِ , وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ : يُحْمَل إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ بَلَد . كَمَا : 20977 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ ثَنَا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ شَرِيك , عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي زُرْعَة , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء } قَالَ : ثَمَرَات الْأَرْض.



وَقَوْله : { رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } يَقُول : وَرِزْقًا رَزَقْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا , يَعْنِي : مِنْ عِنْدنَا .



يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ لِرَسُولِ اللَّه : { إِنْ نَتَّبِع الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّف مِنْ أَرْضنَا } لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا نَحْنُ الَّذِينَ مَكَّنَّا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا , وَرَزَقْنَاهُمْ فِيهِ , وَجَعَلْنَا الثَّمَرَات مِنْ كُلّ أَرْض تُجْبَى إِلَيْهِمْ , فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ يَكْفُرُونَ , لَا يَشُكُّونَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ .
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِیشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَـٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِیلࣰاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَ ٰ⁠رِثِینَ ﴿٥٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتهَا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة أَبْطَرَتْهَا مَعِيشَتهَا , فَبَطِرَتْ , وَأَشِرَتْ , وَطَغَتْ , فَكَفَرَتْ رَبّهَا . وَقِيلَ : بَطِرَتْ مَعِيشَتهَا , فَجَعَلَ الْفِعْل لِلْقَرْيَةِ , وَهُوَ فِي الْأَصْل لِلْمَعِيشَةِ , كَمَا يُقَال : أَسْفَهَك رَأْيك فَسَفِهْته , وَأَبْطَرَك مَالِك فَبَطِرْته , وَالْمَعِيشَة مَنْصُوبَة عَلَى التَّفْسِير . وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِر ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20978 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتهَا } قَالَ : الْبَطَر : أَشَرّ أَهْل الْغَفْلَة وَأَهْل الْبَاطِل وَالرُّكُوب لِمَعَاصِي اللَّه , وَقَالَ : ذَلِكَ الْبَطَر فِي النِّعْمَة .



يَقُول : فَتِلْكَ دُور الْقَوْم الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَمَنَازِلهمْ , لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدهمْ إِلَّا قَلِيلًا , يَقُول : خَرِبَتْ مِنْ بَعْدهمْ , فَلَمْ يُعَمَّر مِنْهَا إِلَّا أَقَلّهَا , وَأَكْثَرهَا خَرَاب . وَلَفْظ الْكَلَام وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَلَى أَنَّ مَسَاكِنهمْ قَدْ سَكَنَتْ قَلِيلًا , فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَتِلْكَ مَسَاكِنهمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدهمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهَا , كَمَا يُقَال : قَضَيْت حَقّك إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ .



وَقَوْله : { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ لِمَا خَرَّبْنَا مِنْ مَسَاكِنهمْ مِنْهُمْ وَارِث , وَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ قَبْل سُكْنَاهُمْ فِيهَا , لَا مَالِك لَهَا إِلَّا اللَّه , الَّذِي لَهُ مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ یَبۡعَثَ فِیۤ أُمِّهَا رَسُولࣰا یَتۡلُواْ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِی ٱلۡقُرَىٰۤ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَـٰلِمُونَ ﴿٥٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا كَانَ رَبّك } يَا مُحَمَّد { مُهْلِك الْقُرَى } الَّتِي حَوَالَيْ مَكَّة فِي زَمَانك وَعَصْرك .



يَقُول : حَتَّى يَبْعَثَ فِي مَكَّة رَسُولًا , وَهِيَ أُمّ الْقُرَى , يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَات كِتَابنَا , وَالرَّسُول : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20979 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { حَتَّى يَبْعَث فِي أُمّهَا رَسُولًا } وَأُمّ الْقُرَى مَكَّة , وَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ رَسُولًا : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



وَقَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } يَقُول : وَلَمْ نَكُنْ لِنُهْلِك قَرْيَة وَهِيَ بِاَللَّهِ مُؤْمِنَة إِنَّمَا نُهْلِكهَا بِظُلْمِهَا أَنْفُسهَا بِكُفْرِهَا بِاَللَّهِ , وَإِنَّمَا أَهْلَكْنَا أَهْل مَكَّة بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَظُلْم أَنْفُسهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20980 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ } قَالَ اللَّه : لَمْ يُهْلِك قَرْيَة بِإِيمَانٍ , وَلَكِنَّهُ يُهْلِك الْقُرَى بِظُلْمٍ إِذَا ظَلَمَ أَهْلهَا , وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ لَمْ يَهْلِكُوا مَعَ مَنْ هَلَكَ , وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا وَظَلَمُوا , فَبِذَلِكَ أُهْلِكُوا .
وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّن شَیۡءࣲ فَمَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ﴿٦٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا }. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ شَيْء مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد , فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاع تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَهُوَ مِنْ زِينَتهَا الَّتِي يُتَزَيَّن بِهِ فِيهَا , لَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْد اللَّه شَيْئًا , وَلَا يَنْفَعكُمْ شَيْء مِنْهُ فِي مَعَادكُمْ .





وَمَا عِنْد اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته وَوِلَايَته خَيْر مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعهَا وَزِينَتهَا وَأَبْقَى , يَقُول : وَأَبْقَى لِأَهْلِهِ , لِأَنَّهُ دَائِم لَا نَفَاد لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20981 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , فِي قَوْله { وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر وَأَبْقَى } قَالَ : خَيْر ثَوَابًا , وَأَبْقَى عِنْدنَا .





يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا عُقُول لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم تَتَدَبَّرُونَ بِهَا فَتَعْرِفُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ , وَتَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمْ خَيْر الْمَنْزِلَتَيْنِ عَلَى شَرّهمَا , وَتُؤْثِرُونَ الدَّائِم الَّذِي لَا نَفَاد لَهُ مِنْ النَّعِيم , عَلَى الْفَانِي الَّذِي لَا بَقَاء لَهُ .
أَفَمَن وَعَدۡنَـٰهُ وَعۡدًا حَسَنࣰا فَهُوَ لَـٰقِیهِ كَمَن مَّتَّعۡنَـٰهُ مَتَـٰعَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا ثُمَّ هُوَ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِینَ ﴿٦١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيه كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ مِنْ خَلْقنَا عَلَى طَاعَته إِيَّانَا الْجَنَّة , فَآمَنَ بِمَا وَعَدْنَاهُ وَصَدَّقَ وَأَطَاعَنَا , فَاسْتَحَقَّ بِطَاعَتِهِ إِيَّانَا أَنْ نُنْجِز لَهُ مَا وَعَدْنَا , فَهُوَ لَاقٍ مَا وُعِدَ , وَصَائِر إِلَيْهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاعهَا , فَتَمَتَّعَ بِهِ , وَنَسِيَ الْعَمَل بِمَا وَعَدْنَا أَهْل الطَّاعَة , وَتَرَكَ طَلَبه , وَآثَرَ لَذَّة عَاجِلَة عَلَى آجِلَة , ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة إِذَا وَرَدَ عَلَى اللَّه مِنْ الْمُحْضَرِينَ , يَعْنِي مِنْ الْمُشْهَدِينَ عَذَاب اللَّه , وَأَلِيم عِقَابه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20982 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيه } قَالَ : هُوَ الْمُؤْمِن سَمِعَ كِتَاب اللَّه فَصَدَّقَ بِهِ وَآمَنَ بِمَا وَعَدَ اللَّه فِيهِ { كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } هُوَ هَذَا الْكَافِر , لَيْسَ وَاَللَّه كَالْمُؤْمِنِ { ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } : أَيْ فِي عَذَاب اللَّه . 20983 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ اِبْن عَمْرو فِي حَدِيثه : قَوْله { مِنْ الْمُحْضَرِينَ } قَالَ : أُحْضِرُوهَا . وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه { ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } أَهْل النَّار , أُحْضِرُوهَا . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } قَالَ : أَهْل النَّار , أُحْضِرُوهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ نَزَلَتْ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20984 -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو النُّعْمَان الْحَكَم بْن عَبْد اللَّه الْعِجْلِيّ , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبَان بْن تَغْلِب , عَنْ مُجَاهِد { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيه , كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام. 20985 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيه } قَالَ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي حَمْزَة وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , وَأَبِي جَهْل لَعَنَهُ اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20986 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا بَدَل بْن الْمُحَبَّر التَّغْلِبِيّ , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبَان بْن تَغْلِب , عَنْ مُجَاهِد { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيه كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , ثُمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْمُحْضَرِينَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي حَمْزَة وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَأَبِي جَهْل . 20987 - حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبَان بْن تَغْلِب , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : نَزَلَتْ فِي حَمْزَة وَأَبِي جَهْل .
وَیَوۡمَ یُنَادِیهِمۡ فَیَقُولُ أَیۡنَ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ﴿٦٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ فَيَقُول أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم يُنَادِي رَبّ الْعِزَّة الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِهِ الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان فِي الدُّنْيَا , فَيَقُول لَهُمْ : { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أَنَّهُمْ لِي فِي الدُّنْيَا شُرَكَاء ؟
قَالَ ٱلَّذِینَ حَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَغۡوَیۡنَاۤ أَغۡوَیۡنَـٰهُمۡ كَمَا غَوَیۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَاۤ إِلَیۡكَۖ مَا كَانُوۤاْ إِیَّانَا یَعۡبُدُونَ ﴿٦٣﴾
{ قَالَ الَّذِينَ حَقّ عَلَيْهِمْ الْقَوْل } يَقُول : قَالَ الَّذِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ غَضَب اللَّه وَلَعْنَته , وَهُمْ الشَّيَاطِين الَّذِينَ كَانُوا يُغْوُونَ بَنِي آدَم : { رَبّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا , أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20988 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا , أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } قَالَ : هُمْ الشَّيَاطِين .



وَقَوْله : { تَبَرَّأْنَا إِلَيْك } يَقُول : تَبَرَّأْنَا مِنْ وِلَايَتهمْ وَنُصْرَتهمْ إِلَيْك



يَقُول : لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَنَا .
وَقِیلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَاۤءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ یَسۡتَجِیبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ یَهۡتَدُونَ ﴿٦٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ }. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي الدُّنْيَا { اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه .



يَقُول فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ.



يَقُول : وَعَايَنُوا الْعَذَاب .



يَقُول : فَوَدُّوا حِين رَأَوْا الْعَذَاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُهْتَدِينَ لِلْحَقِّ .
وَیَوۡمَ یُنَادِیهِمۡ فَیَقُولُ مَاذَاۤ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ﴿٦٥﴾
يَقُول : فَخَفِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَخْبَار , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ عَمِيَ عَنِّي خَبَر الْقَوْم : إِذَا خَفِيَ . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة , فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَحْتَجُّونَ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَانَ أَبْلَغَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَة , وَتَابَعَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة , فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّة يَحْتَجُّونَ بِهَا , وَلَا خَبَر يُخْبِرُونَ بِهِ , مِمَّا تَكُون لَهُمْ بِهِ نَجَاة وَمَخْلَص . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20989 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاء } قَالَ : الْحُجَج , يَعْنِي الْحُجَّة. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاء } قَالَ : الْحُجَج . 20990 - قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ فَيَقُول مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ } قَالَ : بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , التَّوْحِيد .
فَعَمِیَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَاۤءُ یَوۡمَىِٕذࣲ فَهُمۡ لَا یَتَسَاۤءَلُونَ ﴿٦٦﴾
يَقُول : فَخَفِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَخْبَار , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ عَمِيَ عَنِّي خَبَر الْقَوْم : إِذَا خَفِيَ . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة , فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَحْتَجُّونَ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ كَانَ أَبْلَغَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَة , وَتَابَعَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّة , فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّة يَحْتَجُّونَ بِهَا , وَلَا خَبَر يُخْبِرُونَ بِهِ , مِمَّا تَكُون لَهُمْ بِهِ نَجَاة وَمَخْلَص . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20989 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاء } قَالَ : الْحُجَج , يَعْنِي الْحُجَّة. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاء } قَالَ : الْحُجَج . 20990 - قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ فَيَقُول مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ } قَالَ : بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه , التَّوْحِيد .



وَقَوْله : { فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ } بِالْأَنْسَابِ وَالْقَرَابَة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20991 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ } قَالَ : لَا يَتَسَاءَلُونَ بِالْأَنْسَابِ , وَلَا يَتَمَاتُّونَ بِالْقَرَابَاتِ , إِنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا إِذَا أَلْتَقَوْا تَسَاءَلُوا وَتَمَاتُّوا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ } قَالَ : بِالْأَنْسَابِ. وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَج يَوْمئِذٍ , فَسَكَتُوا , فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ فِي حَال سُكُوتهمْ .
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَعَسَىٰۤ أَن یَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِینَ ﴿٦٧﴾
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَأَمَّا مَنْ تَابَ } مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَأَنَابَ وَرَاجَعَ الْحَقّ , وَأَخْلَصَ لِلَّهِ الْأُلُوهَة , وَأَفْرَدَ لَهُ الْعِبَادَة , فَلَمْ يُشْرِك فِي عِبَادَته شَيْئًا



يَقُول : وَصَدَّقَ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



يَقُول : وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّه بِعَمَلِهِ فِي كِتَابه , وَعَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



يَقُول : فَهُوَ مِنْ الْمُنْجَحِينَ الْمُدْرِكِينَ طُلْبَتهمْ عِنْد اللَّه , الْخَالِدِينَ فِي جِنَانه , وَعَسَى مِنْ اللَّه وَاجِب .
وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُۚ سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ﴿٦٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَرَبّك } يَا مُحَمَّد { يَخْلُق مَا يَشَاء } أَنْ يَخْلُقهُ , { وَيَخْتَار } لِوِلَايَتِهِ الْخِيَرَة مِنْ خَلْقه , وَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ السَّعَادَة. وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } وَالْمَعْنَى : مَا وَصَفْت , لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ يَخْتَارُونَ أَمْوَالهمْ , فَيَجْعَلُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ , فَقَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَرَبّك يَا مُحَمَّد يَخْلُق مَا يَشَاء أَنْ يَخْلُقهُ , وَيَخْتَار لِلْهِدَايَةِ وَالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالِح مِنْ خَلْقه , مَا هُوَ فِي سَابِق عِلْمه أَنَّهُ خِيَرَتهمْ , نَظِير مَا كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ خِيَار أَمْوَالهمْ , فَكَذَلِكَ اِخْتِيَارِي لِنَفْسِي . وَاجْتِبَائِي لِوِلَايَتِي , وَاصْطِفَائِي لِخِدْمَتِي وَطَاعَتِي , خِيَار مَمْلَكَتِي وَخَلْقِي . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20992 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } قَالَ : كَانُوا يَجْعَلُونَ خَيْر أَمْوَالهمْ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة . فَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكّ أَنَّ " مَا " مِنْ قَوْله : { وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } فِي مَوْضِع نَصْب , بِوُقُوعِ يَخْتَار عَلَيْهَا , وَأَنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْت , مِنْ أَنَّ " مَا " اِسْم مَنْصُوب بِوُقُوعِ قَوْله { يَخْتَار } عَلَيْهَا , فَأَيْنَ خَبَر كَانَ ؟ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ لَك إِذَا كَانَ كَمَا قُلْت , أَنَّ فِي كَانَ ذِكْرًا مِنْ مَا , لَا بُدّ لَكَانَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ تَمَام , وَأَيْنَ التَّمَام ؟ قِيلَ : إِنَّ الْعَرَب تَجْعَل لِحُرُوفِ الصِّفَات إِذَا جَاءَتْ الْأَخْبَار بَعْدهَا أَحْيَانًا , أَخْبَارًا , كَفِعْلِهَا بِالْأَسْمَاءِ إِذَا جَاءَتْ بَعْدهَا أَخْبَارهَا . ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ الْقَاسِم بْن مَعْن أَنْشَدَهُ قَوْل عَنْتَرَة : أَمِنْ سُمَيَّة دَمْع الْعَيْن تَذْرِيف لَوْ كَانَ ذَا مِنْك قَبْل الْيَوْم مَعْرُوف فَرَفَعَ مَعْرُوفًا بِحَرْفِ الصِّفَة , وَهُوَ لَا شَكّ خَبَر لِذَا , وَذُكِرَ أَنَّ الْمُفَضَّل أَنْشَدَهُ ذَلِكَ : لَوْ أَنَّ ذَا مِنْك قَبْل الْيَوْم مَعْرُوف وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْل عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : قُلْت أَجِيبِي عَاشِقًا بِحُبِّكُمْ مُكَلَّف فِيهَا ثَلَاث كَالدُّمَى وَكَاعِب وَمُسْلِف فَمُكَلَّف مِنْ نَعْت عَاشِق , وَقَدْ رَفَعَهُ بِحَرْفِ الصِّفَة , وَهُوَ الْبَاء , فِي أَشْبَاه لِمَا ذَكَرْنَا بِكَثِيرٍ مِنْ الشَّوَاهِد , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } رُفِعَتْ الْخِيَرَة بِالصِّفَةِ , وَهِيَ لَهُمْ , إِنْ كَانَتْ خَبَرًا لِمَا , لَمَا جَاءَتْ بَعْد الصِّفَة , وَوَقَعَتْ الصِّفَة مَوْقِع الْخَبَر , فَصَارَ كَقَوْلِ الْقَائِل : كَانَ عُمَر وَأَبُوهُ قَائِم , لَا شَكّ أَنَّ قَائِمًا لَوْ كَانَ مَكَان الْأَب , وَكَانَ الْأَب هُوَ الْمُتَأَخِّر بَعْده , كَانَ مَنْصُوبًا , فَكَذَلِكَ وَجْه رَفْع الْخِيَرَة , وَهُوَ خَبَر لِمَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " فِي هَذَا الْمَوْضِع جَحْدًا , وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء أَنْ يَخْلُقهُ , وَيَخْتَار مَا يَشَاء أَنْ يَخْتَارهُ , فَيَكُون قَوْله { وَيَخْتَار } نِهَايَة الْخَبَر عَنْ الْخَلْق وَالِاخْتِيَار , ثُمَّ يَكُون الْكَلَام بَعْد ذَلِكَ مُبْتَدَأ بِمَعْنَى : لَمْ تَكُنْ لَهُمْ الْخِيَرَة : أَيْ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ الْخِيَرَة , وَإِنَّمَا الْخِيَرَة لِلَّهِ وَحْده ؟ قِيلَ : هَذَا قَوْل لَا يَخْفَى فَسَاده عَلَى ذِي حِجًا , مِنْ وُجُوه , لَوْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِهِ لِأَهْلِ التَّأْوِيل قَوْل , فَكَيْفَ وَالتَّأْوِيل عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِخِلَافِهِ ; فَأَمَّا أَحَد وُجُوه فَسَاده , فَهُوَ أَنَّ قَوْله : { مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة } لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّهُ مَنْ ظَنَّهُ , مِنْ أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى الْجَحْد , عَلَى نَحْو التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْت , كَانَ إِنَّمَا جَحَدَ تَعَالَى ذِكْره , أَنْ تَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة فِيمَا مَضَى قَبْل نُزُول هَذِهِ الْآيَة , فَأَمَّا فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ فَلَهُمْ الْخِيَرَة , لِأَنَّ قَوْل الْقَائِل : مَا كَانَ لَك هَذَا , لَا شَكّ إِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِل , وَذَلِكَ مِنْ الْكَلَام لَا شَكّ خُلْف . لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنْ ذَلِكَ قَدِيمًا , فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَبَدًا . وَبَعْد , لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى , لَكَانَ الْكَلَام : فَلَيْسَ . وَقِيلَ : وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار , لَيْسَ لَهُمْ الْخِيَرَة , لِيَكُونَ نَفْيًا عَنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ لَهُمْ فِيمَا قَبْل وَفِيمَا بَعْد . وَالثَّانِي : أَنَّ كِتَاب اللَّه أَبْيَن الْبَيَان , وَأَوْضَح الْكَلَام , وَمُحَال أَنْ يُوجَد فِيهِ شَيْء غَيْر مَفْهُوم الْمَعْنَى , وَغَيْر جَائِز فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال اِبْتِدَاء : مَا كَانَ لِفُلَانٍ الْخِيَرَة , وَلِمَا يَتَقَدَّم قَبْل ذَلِكَ كَلَام يَقْتَضِي ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ قَوْله : " وَيَخْتَار , مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة " وَلَمْ يَتَقَدَّم قَبْله مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره خَبَر عَنْ أَحَد , أَنَّهُ اِدَّعَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ الْخِيَرَة , فَيُقَال لَهُ : مَا كَانَ لَك الْخِيَرَة , وَإِنَّمَا جَرَى قَبْله الْخَبَر عَمَّا هُوَ صَائِر إِلَيْهِ أَمْر مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكه , وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا , وَأَتْبَعَ ذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْ سَبَب إِيمَان مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا مِنْهُمْ , وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُ لِلْإِيمَانِ , وَلِلسَّابِقِ مِنْ عِلْمه فِيهِ اِهْتَدَى . وَيَزِيد مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ إِبَانَة قَوْله : { وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْلَم مِنْ عِبَاده السَّرَائِر وَالظَّوَاهِر , وَيَصْطَفِي لِنَفْسِهِ وَيَخْتَار لِطَاعَتِهِ مَنْ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ السَّرِيرَة الصَّالِحَة , وَالْعَلَانِيَة الرَّضِيَّة . وَالثَّالِث : أَنَّ مَعْنَى الْخِيَرَة فِي هَذَا الْمَوْضِع : إِنَّمَا هُوَ الْخِيَرَة , وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يُخْتَار مِنْ الْبَهَائِم وَالْأَنْعَام وَالرِّجَال وَالنِّسَاء , يُقَال مِنْهُ : أُعْطِيَ الْخِيرَة وَالْخِيَرَة , مِثْل الطِّيرَة وَالطِّيَرَة , وَلَيْسَ بِالِاخْتِيَارِ , وَإِذَا كَانَتْ الْخِيَرَة مَا وَصَفْنَا , فَمَعْلُوم أَنَّ مِنْ أَجْوَد الْكَلَام أَنْ يُقَال : وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء , وَيَخْتَار مَا يَشَاء , لَمْ يَكُنْ لَهُمْ خَيْر بَهِيمَة أَوْ خَيْر طَعَام , أَوْ خَيْر رَجُل أَوْ اِمْرَأَة . فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ يَجُوز أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الْمَصْدَر ؟ قِيلَ : لَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَصْدَرًا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار كَوْن الْخِيَرَة لَهُمْ . إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , وَجَبَ أَنْ لَا تَكُنْ الشِّرَار لَهُمْ مِنْ الْبَهَائِم وَالْأَنْعَام ; إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَرَائِر ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُون لَهَا مَالِك , وَذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى خَطَؤُهُ , لِأَنَّ لِخِيَارِهَا وَلِشِرَارِهَا أَرْبَابًا يَمْلِكُونَهَا بِتَمْلِيكِ اللَّه إِيَّاهُمْ ذَلِكَ , وَفِي كَوْن ذَلِكَ كَذَلِكَ فَسَاد تَوْجِيه ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَر .



وَقَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : { عَمَّا يُشْرِكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَتَبْرِئَة لَهُ , وَعُلُوًّا عَمَّا أَضَافَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الشِّرْك , وَمَا تَخَرَّصُوهُ مِنْ الْكَذِب وَالْبَاطِل عَلَيْهِ . وَتَأْوِيل الْكَلَام : سُبْحَان اللَّه وَتَعَالَى عَنْ شِرْكهمْ. وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّههُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : وَتَعَالَى عَنْ الَّذِي يُشْرِكُونَ بِهِ .
وَرَبُّكَ یَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا یُعۡلِنُونَ ﴿٦٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَرَبّك يَا مُحَمَّد يَعْلَم مَا تُخْفِي صُدُور خَلْقه ; وَهُوَ مِنْ : أَكْنَنْت الشَّيْء فِي صَدْرِي : إِذَا أَضْمَرْته فِيهِ , وَكَنَنْت الشَّيْء : إِذَا صُنْته , { وَمَا يُعْلِنُونَ } : يَقُول : وَمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحهمْ , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اِخْتِيَار مَنْ يَخْتَار مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ عَلَى عِلْم مِنْهُ بِسَرَائِر أُمُورهمْ وَبَوَادِيهَا , وَإِنَّهُ يَخْتَار لِلْخَيْرِ أَهْله , فَيُوَفِّقهُمْ لَهُ , وَيُوَلِّي الشَّرّ أَهْله , وَيُخَلِّيهِمْ وَإِيَّاهُ .
وَهُوَ ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿٧٠﴾
وَقَوْله : { وَهُوَ اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَرَبّك يَا مُحَمَّد الْمَعْبُود الَّذِي لَا تَصْلُح الْعِبَادَة إِلَّا لَهُ , وَلَا مَعْبُود تَجُوز عِبَادَته غَيْره .



يَعْنِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .



يَقُول : وَلَهُ الْقَضَاء بَيْن خَلْقه .



يَقُول : وَإِلَيْهِ تُرَدُّونَ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَيَقْضِي بَيْنكُمْ بِالْحَقِّ.
قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلَّیۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِضِیَاۤءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ﴿٧١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ اللَّيْل سَرْمَدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ : أَيّهَا الْقَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ اللَّيْل دَائِمًا لَا نَهَار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يَعْقُبهُ . وَالْعَرَب تَقُول لِكُلِّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا لَا يَنْقَطِع مِنْ رَخَاء أَوْ بَلَاء أَوْ نِعْمَة هُوَ سَرْمَد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20993 - حَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { سَرْمَدًا } : دَائِمًا لَا يَنْقَطِع. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , , عَنْ اِبْن اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20994 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ اللَّيْل سَرْمَدًا } يَقُول : دَائِمًا .



وَقَوْله : { مَنْ إِلَه غَيْر اللَّه يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } يَقُول : مَنْ مَعْبُود غَيْر الْمَعْبُود الَّذِي لَهُ عِبَادَة كُلّ شَيْء يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءِ النَّهَار , فَتَسْتَضِيئُونَ بِهِ .



يَقُول : أَفَلَا تَرْعَوْنَ ذَلِكَ سَمْعكُمْ , وَتُفَكِّرُونَ فِيهِ فَتَتَّعِظُونَ , وَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبّكُمْ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ وَيَذْهَب بِالنَّهَارِ إِذَا شَاءَ , وَإِذَا شَاءَ أَتَى بِالنَّهَارِ وَذَهَبَ بِاللَّيْلِ , فَيَنْعَم بِاخْتِلَافِهِمَا كَذَلِكَ عَلَيْكُمْ.
قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِلَیۡلࣲ تَسۡكُنُونَ فِیهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ﴿٧٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ النَّهَار سَرْمَدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَنْ إِلَه غَيْر اللَّه يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قَوْمك { أَرَأَيْتُمْ } أَيّهَا الْقَوْم { إِنْ جَعَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ النَّهَار سَرْمَدًا } دَائِمًا لَا لَيْل مَعَهُ أَبَدًا { إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَنْ إِلَه غَيْر اللَّه } مِنْ مَعْبُود غَيْر الْمَعْبُود الَّذِي لَهُ عِبَادَة كُلّ شَيْء { يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } فَتَسْتَقِرُّونَ وَتَهْدَءُونَ فِيهِ.



يَقُول : أَفَلَا تَرَوْنَ بِأَبْصَارِكُمْ اِخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْكُمْ , رَحْمَة مِنْ اللَّه لَكُمْ , وَحُجَّة مِنْهُ عَلَيْكُمْ , فَتَعْلَمُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَة لَا تَصْلُح إِلَّا لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ دُون غَيْره , وَلِمَنْ لَهُ الْقُدْرَة الَّتِي خَالَفَ بِهَا بَيْن ذَلِكَ.
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴿٧٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ رَحْمَته جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمِنْ رَحْمَته } بِكُمْ أَيّهَا النَّاس { جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار } فَخَالَفَ بَيْنهمَا , فَجَعَلَ هَذَا اللَّيْل ظَلَامًا { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } وَتَهْدَءُوا وَتَسْتَقِرُّوا لِرَاحَةِ أَبْدَانكُمْ فِيهِ مِنْ تَعَب التَّصَرُّف الَّذِي تَتَصَرَّفُونَ نَهَارًا لِمَعَايِشِكُمْ . وَفِي الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر اللَّيْل خَاصَّة , وَيُضْمَر لِلنَّهَارِ مَعَ الِابْتِغَاء هَاء أُخْرَى . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر اللَّيْل وَالنَّهَار , فَيَكُون وَجْه تَوْحِيدهَا وَهِيَ لَهُمَا وَجْه تَوْحِيد الْعَرَب فِي قَوْلهمْ : إِقْبَالك وَإِدْبَارك يُؤْذِينِي , لِأَنَّ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار فِعْل , وَالْفِعْل يُوَحَّد كَثِيره وَقَلِيله . وَجَعَلَ هَذَا النَّهَار ضِيَاء تُبْصِرُونَ فِيهِ , فَتَتَصَرَّفُونَ أَبْصَاركُمْ فِيهِ لِمَعَايِشِكُمْ , وَابْتِغَاء رِزْقه الَّذِي قَسَمَهُ بَيْنكُمْ بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ .



وَقَوْله : { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِتَشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامه عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ , فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ لِتُفْرِدُوهُ بِالشُّكْرِ , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْحَمْد , لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَكهُ فِي إِنْعَامه عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ شَرِيك , فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُون لَهُ شَرِيك فِي الْحَمْد عَلَيْهِ.
وَیَوۡمَ یُنَادِیهِمۡ فَیَقُولُ أَیۡنَ شُرَكَاۤءِیَ ٱلَّذِینَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ﴿٧٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ فَيَقُول أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم يُنَادِي رَبّك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَيَقُول لَهُمْ : { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أَيّهَا الْقَوْم فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ شُرَكَائِي .
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةࣲ شَهِیدࣰا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَـٰنَكُمۡ فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ یَفۡتَرُونَ ﴿٧٥﴾
وَقَوْله : { وَنَزَعْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَأَحْضَرْنَا مِنْ كُلّ جَمَاعَة شَهِيدهَا وَهُوَ نَبِيّهَا الَّذِي يَشْهَد عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ أُمَّته فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ عَنْ اللَّه مِنْ الرِّسَالَة. وَقِيلَ : وَنَزَعْنَا مِنْ قَوْله : نَزَعَ فُلَان بِحُجَّةِ كَذَا , بِمَعْنَى : أَحْضَرَهَا وَأَخْرَجَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20995 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنَزَعْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَشَهِيدهَا : نَبِيّهَا , يَشْهَد عَلَيْهَا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَة رَبّه . 20996 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا ; عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; قَوْله : { وَنَزَعْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } قَالَ : رَسُولًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ.



وَقَوْله : { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } يَقُول : فَقُلْنَا لِأُمَّةِ كُلّ نَبِيّ مِنْهُمْ الَّتِي رَدَّتْ نَصِيحَته , وَكَذَّبَتْ بِمَا جَاءَهَا بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , إِذْ شَهِدَ نَبِيّهَا عَلَيْهَا بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاهَا رِسَالَة اللَّه : { هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } يَقُول : فَقَالَ لَهُمْ : هَاتُوا حُجَّتكُمْ عَلَى إِشْرَاككُمْ بِاَللَّهِ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مَعَ إِعْذَار اللَّه إِلَيْكُمْ بِالرُّسُلِ وَإِقَامَته عَلَيْكُمْ بِالْحُجَجِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20997 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } أَيْ بَيِّنَتكُمْ . 20998 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } قَالَ : حُجَّتكُمْ لِمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ وَتَقُولُونَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } قَالَ : حُجَّتكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ.



وَقَوْله : { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقّ لِلَّهِ } يَقُول : فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُجَّة الْبَالِغَة لِلَّهِ عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْحَقّ لِلَّهِ , وَالصِّدْق خَبَره , فَأَيْقَنُوا عَذَابًا مِنْ اللَّه لَهُمْ دَائِم .



يَقُول : وَاضْمَحَلَّ فَذَهَبَ الَّذِي كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَمَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ , وَيَكْذِبُونَ عَلَى رَبّهمْ , فَلَمْ يَنْفَعهُمْ هُنَالِكَ بَلْ ضَرَّهُمْ وَأَصْلَاهُمْ نَار جَهَنَّم .
۞ إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَیۡهِمۡۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَاۤ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوۤأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِی ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَرِحِینَ ﴿٧٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ قَارُون } وَهُوَ قَارُون بْن يصهر بْن قاهث بْن لاوي بْن يَعْقُوب { كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } يَقُول : كَانَ مِنْ عَشِيرَة مُوسَى بْن عِمْرَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ اِبْن عَمّه لِأَبِيهِ وَأُمّه , وَذَلِكَ أَنَّ قَارُون هُوَ قَارُون بْن يصهر بْن قاهث , وَمُوسَى : هُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان بْن قاهث , كَذَا نَسَبَهُ اِبْن جُرَيْج . 20999 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } قَالَ : اِبْن عَمّه اِبْن أَخِي أَبِيهِ , فَإِنَّ قَارُون بْن يصفر , هَكَذَا قَالَ الْقَاسِم , وَإِنَّمَا هُوَ يصهر بْن قاهث , وَمُوسَى بْن عومر بْن قاهث , وعومر بِالْعَرَبِيَّةِ : عِمْرَان. وَأَمَّا اِبْن إِسْحَاق فَإِنَّ اِبْن حُمَيْد . 21000 - حَدَّثَنَا . قَالَ : ثَنَا سَلَمَة عَنْهُ , أَنَّ يصهر بْن قاهث تَزَوَّجَ سميت بِنْت بتاويت بْن بركنا بْن بقشان بْن إِبْرَاهِيم , فَوَلَدَتْ لَهُ عِمْرَان بْن يصهر , وَقَارُون بْن يصهر , فَنَكَحَ عِمْرَان بِنْت شمويل بْن بركنا بْن بقشان بْن بركنا , فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُون بْن عِمْرَان , وَمُوسَى بْن عِمْرَان صَفِيّ اللَّه وَنَبِيّه ; فَمُوسَى عَلَى مَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق اِبْن أَخِي قَارُون , وَقَارُون هُوَ عَمّه أَخُو أَبِيهِ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ . وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ اِبْن جُرَيْج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21001 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } قَالَ : كَانَ اِبْن عَمّ مُوسَى . 21002 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , قَالَ : ثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ كَانَ اِبْن عَمّه أَخِي أَبِيهِ , وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوَّر مِنْ حُسْن صَوْته بِالتَّوْرَاةِ , وَلَكِنَّ عَدُوّ اللَّه نَافَقَ , كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيّ , فَأَهْلَكَهُ الْبَغْي . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } قَالَ : كَانَ اِبْن عَمّه فَبَغَى عَلَيْهِ . * - قَالَ : ثَنَا يَحْيَى الْقَطَّان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ قَارُون اِبْن عَمّ مُوسَى . * -قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ اِبْن أَبِي خَالِد , عَنْ إِبْرَاهِيم { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } قَالَ : كَانَ اِبْن عَمّه . 21003 - حَدَّثني بِشْر بْن هِلَال الصَّوَّاف , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الضُّبَعِيّ , عَنْ مَالِك بْن دِينَار , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى بْن عِمْرَان كَانَ اِبْن عَمّ قَارُون . وَقَوْله : { فَبَغَى عَلَيْهِمْ } يَقُول : فَتَجَاوَزَ حَدّه فِي الْكِبْر وَالتَّجَبُّر عَلَيْهِمْ. وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : كَانَ بَغْيه عَلَيْهِمْ زِيَادَة شِبْر أَخَذَهَا فِي طُول ثِيَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21004 - حَدَّثني عَلِيّ بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ وَأَبُو السَّائِب وَابْن وَكِيع قَالُوا : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ لَيْث , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } قَالَ : زَادَ عَلَيْهِمْ فِي الثِّيَاب شِبْرًا . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ بَغْيه عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مَاله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21005 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : إِنَّمَا بَغَى عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مَاله .



وَقَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوز مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَآتَيْنَا قَارُون مِنْ كُنُوز الْأَمْوَال مَا إِنَّ مَفَاتِحه , وَهِيَ جَمْع مِفْتَح , وَهُوَ الَّذِي يُفْتَح بِهِ الْأَبْوَاب. وَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِالْمَفَاتِحِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْخَزَائِن لِتُثْقِل الْعُصْبَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى مَفَاتِح : 21006 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَعْمَش , عَنْ خَيْثَمَة , قَالَ : كَانَتْ مَفَاتِح قَارُون تُحْمَل عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا , كُلّ مِفْتَاح مِنْهَا بَاب كَنْز مَعْلُوم مِثْل الْأُصْبُع مِنْ جُلُود . 21007 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ خَيْثَمَة , قَالَ : كَانَتْ مَفَاتِح كُنُوز قَارُون مِنْ جُلُود كُلّ مِفْتَاح مِثْل الْأُصْبُع , كُلّ مِفْتَاح عَلَى خِزَانَة عَلَى حِدَة , فَإِذَا رَكِبَ حُمِلَتْ الْمَفَاتِيح عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا أَغَرّ مُحَجَّل . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ خَيْثَمَة , فِي قَوْله { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } قَالَ : نَجِد مَكْتُوبًا فِي الْإِنْجِيل مَفَاتِح قَارُون وَقْر سِتِّينَ بَغْلًا غُرًّا مُحَجَّلَة , مَا يَزِيد كُلّ مِفْتَاح مِنْهَا عَلَى أُصْبُع , لِكُلِّ مِفْتَاح مِنْهَا كَنْز . 21008 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَتْ الْمَفَاتِح مِنْ جُلُود الْإِبِل . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوز مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : مَفَاتِح مِنْ جُلُود كَمَفَاتِح الْعِيدَان . وَقَالَ قَوْم : عُنِيَ بِالْمَفَاتِحِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : خَزَائِنه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21009 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : كَانَتْ خَزَائِنه تُحْمَل عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا . 21010 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي حُجَيْر , عَنْ الضَّحَّاك { مَا إِنَّ مَفَاتِحه } قَالَ : أَوْعِيَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21011 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : لَتَثْقُل بِالْعُصْبَةِ . * - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } يَقُول : تَثْقُل . وَأَمَّا الْعُصْبَة فَإِنَّهَا الْجَمَاعَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَبْلَغ عَدَدهَا الَّذِي أُرِيدَ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; فَأَمَّا مَبْلَغ عَدَد الْعُصْبَة فِي كَلَام الْعَرَب فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ , وَالرِّوَايَة فِي ذَلِكَ , وَالشَّوَاهِد عَلَى الصَّحِيح مِنْ قَوْلهمْ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ مَفَاتِحه تَنُوء بِعُصْبَةٍ ; مَبْلَغ عَدَدهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21012 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : أَرْبَعُونَ رَجُلًا . 21013 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْعُصْبَة مَا بَيْن الْعَشَرَة إِلَى الْأَرْبَعِينَ . 21014 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } : يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعُصْبَة أَرْبَعُونَ رَجُلًا , يَنْقُلُونَ مَفَاتِحه مِنْ كَثْرَة عَدَدهَا. 21015 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوز مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } قَالَ : أَرْبَعُونَ رَجُلًا . وَقَالَ آخَرُونَ : سِتُّونَ , وَقَالَ : كَانَتْ مَفَاتِحه تُحْمَل عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا . 21016 -حَدَّثَنَا كَذَلِكَ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ خَيْثَمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ تُحْمَل عَلَى مَا بَيْن ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21017 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : الْعُصْبَة : ثَلَاثَة . 21018 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : الْعُصْبَة : مَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ تُحْمَل مَا بَيْن عَشَرَة إِلَى خَمْسَة عَشَر ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21019 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : الْعُصْبَة : مَا بَيْن الْعَشَرَة إِلَى الْخَمْسَة عَشَر . 21020 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } قَالَ : الْعُصْبَة : خَمْسَة عَشَر رَجُلًا . وَقَوْله : { أُولِي الْقُوَّة } يَعْنِي : أُولِي الشِّدَّة . وَقَالَ مُجَاهِد فِي ذَلِكَ مَا : * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أُولِي الْقُوَّة } قَالَ : خَمْسَة عَشَر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ { وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوز مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } وَكَيْفَ تَنُوء الْمَفَاتِح بِالْعُصْبَةِ , وَإِنَّمَا الْعُصْبَة هِيَ الَّتِي تَنُوء بِهَا ؟ قِيلَ : اِخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب , فَقَالَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة : مَجَاز ذَلِكَ : مَا إِنَّ الْعُصْبَة ذَوِي الْقُوَّة لَتَنُوء بِمَفَاتِح نِعَمه . قَالَ : وَيُقَال فِي الْكَلَام : إِنَّهَا لَتَنُوء بِهَا عَجِيزَتهَا , وَإِنَّمَا هُوَ : تَنُوء بِعَجِيزَتِهَا كَمَا يَنُوء الْبَعِير بِحِمْلِهِ , قَالَ : وَالْعَرَب قَدْ تَفْعَل مِثْل هَذَا . قَالَ الشَّاعِر : فَدَيْت بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِي وَمَا آلُوك إِلَّا مَا أُطِيق وَالْمَعْنَى : فَدَيْت بِنَفْسِي وَبِمَالِي نَفْسه . وَقَالَ آخَر : وَتَرْكَب خَيْلًا لَا هَوَادَة بَيْنهَا وَتَشْقَى الرِّمَاح بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْر وَإِنَّمَا تَشْقَى الضَّيَاطِرَة بِالرِّمَاحِ . قَالَ : وَالْخَيْل هَا هُنَا : الرِّجَال . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ { مَا إِنَّ مَفَاتِحه } قَالَ : وَهَذَا مَوْضِع لَا يَكَاد يُبْتَدَأ فِيهِ " إِنَّ " , وَقَدْ قَالَ : { إِنَّ الْمَوْت الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ } 62 8 . وَقَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } إِنَّمَا الْعُصْبَة تَنُوء بِهَا ; وَفِي الشِّعْر : تَنُوء بِهَا فَتُثْقِلهَا عَجِيزَتهَا وَلَيْسَتْ الْعَجِيزَة تَنُوء بِهَا , وَلَكِنَّهَا هِيَ تَنُوء بِالْعَجِيزَةِ ; وَقَالَ الْأَعْشَى : مَا كُنْت فِي الْحَرْب الْعَوَان مُغَمَّرَا إِذْ شَبَّ حَرُّ وُقُودهَا أَجْذَالَهَا وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ الْكُوفِيِّينَ يُنْكِر هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِل , وَابْتِدَاء إِنَّ بَعْد مَا , وَيَقُول : ذَلِكَ جَائِز مَعَ مَا وَمِنْ , وَهُوَ مَعَ مَا وَمِنْ أَجْوَد مِنْهُ مَعَ الَّذِي , لِأَنَّ الَّذِي لَا يُعْمَل فِي صِلَته , وَلَا تَعْمَل صِلَته فِيهِ , فَلِذَلِكَ جَازَ , وَصَارَتْ الْجُمْلَة عَائِد " مَا " , إِذْ كَانَتْ لَا تَعْمَل فِي " مَا " , وَلَا تَعْمَل " مَا " فِيهَا ; قَالَ : وَحَسُنَ مَعَ " مَا " و " مِنْ " , لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِتَأْوِيلِ النَّكِرَة إِنْ شِئْت , وَالْمَعْرِفَة إِنْ شِئْت , فَتَقُول : ضَرَبْت رَجُلًا لِيَقُومَن , وَضَرَبْت رَجُلًا إِنَّهُ لَمُحْسِن , فَتَكُون " مِنْ وَمَا " تَأْوِيل هَذَا , وَمَعَ " الَّذِي " أَقْبَح , لِأَنَّهُ لَا يَكُون بِتَأْوِيلِ النَّكِرَة . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ فِي قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } : نَوْءُهَا بِالْعُصْبَةِ : أَنْ تُثْقِلهُمْ ; وَقَالَ : الْمَعْنَى : إِنَّ مَفَاتِحه لَتُنِيء الْعُصْبَة : تَمِيلهُنَّ مِنْ ثِقَلهَا , فَإِذَا أُدْخِلَتْ الْبَاء قُلْت : تَنُوء بِهِمْ , كَمَا قَالَ : { آتُونِي أُفْرِغ عَلَيْهِ قِطْرًا } 18 96 . قَالَ وَالْمَعْنَى : آتُونِي بِقِطْرٍ أُفْرِغ عَلَيْهِ ; فَإِذَا حَذَفْت الْبَاء , زِدْت عَلَى الْفِعْل أَلِفًا فِي أَوَّله ; وَمِثْله : { فَأَجَاءَهَا الْمَخَاض } 19 23 مَعْنَاهُ : فَجَاءَ بِهَا الْمَخَاض ; وَقَالَ : قَدْ قَالَ رَجُل مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة : مَا إِنَّ الْعُصْبَة تَنُوء بِمَفَاتِحِهِ , فَحُوِّلَ الْفِعْل إِلَى الْمَفَاتِح , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِنَّ سِرَاجًا لَكَرِيم مَفْخَرُهُ تَحْلَى بِهِ الْعَيْن إِذَا مَا تَجْهَرُهُ وَهُوَ الَّذِي يَحْلَى بِالْعَيْنِ , قَالَ : فَإِنْ كَانَ سَمِعَ أَثَرًا بِهَذَا , فَهُوَ وَجْه , وإِلَّا فَإِنَّ الرَّجُل جَهِلَ الْمَعْنَى . قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْض الْعَرَب : حَتَّى إِذَا مَا اِلْتَأَمَتْ مُوَاصِله وَنَاءَ فِي شِقّ الشِّمَال كَاهِله يَعْنِي : الرَّامِي لَمَّا أَخَذَ الْقَوْس , وَنَزَعَ مَالَ عَلَيْهَا . قَالَ : وَنَرَى أَنَّ قَوْل الْعَرَب : مَا سَاءَك , وَنَاءَك مِنْ ذَلِكَ , وَمَعْنَاهُ : مَا سَاءَك وَأَنَاءَك مِنْ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ أَلْقَى الْأَلِف لِأَنَّهُ مُتَّبِع لِسَاءَكَ , كَمَا قَالَتْ الْعَرَب : أَكَلْت طَعَامًا فَهَنَّأَنِي وَمَرَّأَنِي , وَمَعْنَاهُ : إِذَا أَفْرَدْت : وَأَمْرَأَنِي فَحُذِفَتْ مِنْهُ الْأَلِف لَمَّا أُتْبِعَ مَا لَيْسَ فِيهِ أَلِف . وَهَذَا الْقَوْل الْآخَر فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ } : أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ الْأَقْوَال الْأُخَر , لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ تَأْوِيل مُوَافِق لِظَاهِرِ التَّنْزِيل. وَالثَّانِي : أَنَّ الْآثَار الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ أَهْل التَّأْوِيل بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى جَاءَتْ , وَإِنَّ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا إِنَّ الْعُصْبَة لَتَنُوء بِمَفَاتِحِهِ , إِنَّمَا هُوَ تَوْجِيه مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : مَا إِنَّ الْعُصْبَة لَتَنْهَض بِمَفَاتِحِهِ ; وَإِذَا وُجِّهَ إِلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْخَبَر عَنْ كَثْرَة كُنُوزه , عَلَى نَحْو مَا فِيهِ , إِذَا وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّ مَفَاتِحه تُثْقِل الْعُصْبَة وَتُمِيلهَا , لِأَنَّهُ قَدْ تَنْهَض الْعُصْبَة بِالْقَلِيلِ مِنْ الْمَفَاتِح وَبِالْكَثِيرِ . وَإِنَّمَا قَصَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْ كَثْرَة ذَلِكَ , وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَر عَنْ كَثْرَته , كَانَ لَا شَكّ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله , مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَتَنُوء الْعُصْبَة بِمَفَاتِحِهِ , قَوْل لَا مَعْنًى لَهُ , هَذَا مَعَ خِلَافه تَأْوِيل السَّلَف فِي ذَلِكَ .



وَقَوْله : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمه لَا تَفْرَح , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } يَقُول : إِذْ قَالَ قَوْمه : لَا تَبْغِ وَلَا تَبْطَر فَرَحًا , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مِنْ خَلْقه الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21021 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } يَقُول : الْمَرِحِينَ . 21022 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : الْمُتَبَذِّخِينَ الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ , الَّذِينَ لَا يَشْكُرُونَ اللَّه عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ جَابِر , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ الْبَذِخِينَ . 21023 -حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : يَعْنِي بِهِ الْبَغْي . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : الْمُتَبَذِّخِينَ الْأَشِرِينَ , الَّذِينَ لَا يَشْكُرُونَ اللَّه فِيمَا أَعْطَاهُمْ . * - حَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله ; إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : الْمُتَبَذِّخِينَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْرَمِيّ , قَالَ : ثني شَبَّابَة , قَالَ ثني وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ . 21024 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمه { لَا تَفْرَح } : أَيْ لَا تَمْرَح { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } : أَيْ إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمَرِحِينَ . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : الْأَشِرِينَ الْبَطِرِينَ , الَّذِينَ لَا يَشْكُرُونَ اللَّه فِيمَا أَعْطَاهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمه لَا تَفْرَح , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ } قَالَ : هُوَ فَرَح الْبَغْي .
وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ﴿٧٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّه الدَّار الْآخِرَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره , مُخْبِرًا عَنْ قِيل قَوْم قَارُون لَهُ : لَا تَبْغِ يَا قَارُون عَلَى قَوْمك , بِكَثْرَةِ مَالِك , وَالْتَمِسْ فِيمَا آتَاك اللَّه مِنْ الْأَمْوَال خَيْرَات الْآخِرَة , بِالْعَمَلِ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه فِي الدُّنْيَا .



وَقَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } يَقُول : وَلَا تَتْرُك نَصِيبك وَحَظّك مِنْ الدُّنْيَا , أَنْ تَأْخُذ فِيهَا بِنَصِيبِك مِنْ الْآخِرَة , فَتَعْمَل فِيهِ بِمَا يُنْجِيك غَدًا مِنْ عِقَاب اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21025 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا , وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : لَا تَتْرُك أَنْ تَعْمَل لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِيهَا لِآخِرَتِك . 21016 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا قُرَّة بْن خَالِد , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : إِنَّ قَوْمًا يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْر مَوْضِعهَا. وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا : تَعْمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . 21017 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَتِهِ . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : الْعَمَل فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّه . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عِيسَى الْجُرَشِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : أَنْ تَعْمَل فِي دُنْيَاك لِآخِرَتِك . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه : نَصِيبه مِنْ الدُّنْيَا , الَّذِي يُثَاب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة . 21018 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : لَا تَنْسَ أَنْ تُقَدِّم مِنْ دُنْيَاك لِآخِرَتِك , فَإِنَّمَا تَجِد فِي آخِرَتك مَا قَدَّمْت فِي الدُّنْيَا , فِيمَا رَزَقَك اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَتْرُك أَنْ تَطْلُب فِيهَا حَظّك مِنْ الرِّزْق. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21029 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ الْحَسَن : مَا أَحَلَّ اللَّه لَك مِنْهَا , فَإِنَّ لَك فِيهِ غِنًى وَكِفَايَة . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد الْمَعْمَرِيّ , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } قَالَ : طَلَب الْحَلَال . 21030 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَفْص , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا تَنْسَ نَصِيبك مِنْ الدُّنْيَا } : قَالَ : قَدَّمَ الْفَضْل , وَأَمْسَكَ مَا يُبَلِّغك . 21031 - الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : الْحَلَال فِيهَا .



وَقَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } يَقُول : وَأَحْسِنْ فِي الدُّنْيَا إِنْفَاق مَالِك الَّذِي آتَاكَهُ اللَّه , فِي وُجُوهه وَسُبُله , كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك , فَوَسَّعَ عَلَيْك مِنْهُ , وَبَسَطَ لَك فِيهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21032 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّه إِلَيْك } قَالَ : أَحْسِنْ فِيمَا رَزَقَك اللَّه .



يَقُول : وَلَا تَلْتَمِس مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ الْبَغْي عَلَى قَوْمك .



يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ بُغَاة الْبَغْي وَالْمَعَاصِي .
قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ أَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰاۚ وَلَا یُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ﴿٧٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَالَ قَارُون لِقَوْمِهِ الَّذِينَ وَعَظُوهُ : إِنَّمَا أُوتِيت هَذِهِ الْكُنُوز عَلَى فَضْل عِلْم عِنْدِي , عَلِمَهُ اللَّه مِنِّي , فَرَضِيَ بِذَلِكَ عَنِّي , وَفَضَّلَنِي بِهَذَا الْمَال عَلَيْكُمْ , لِعِلْمِهِ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21033 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : عَلَى خَبَر عِنْدِي . 21034 - قَالَ : حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : لَوْلَا رِضَا اللَّه عَنِّي وَمَعْرِفَته بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا , وَقَرَأَ : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } الْآيَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { عِنْدِي } بِمَعْنَى : أَرَى , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُوتِيته لِفَضْلِ عِلْمِي , فِيمَا أَرَى .



وَقَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوَلَمْ يَعْلَم قَارُون حِين زَعَمَ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكُنُوز لِفَضْلِ عِلْم عِنْده عَلِمْته أَنَا مِنْهُ , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يُؤْتَى مَا أُوتِيَ مِنْ الْكُنُوز , أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْأُمَم مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ بَطْشًا , وَأَكْثَر جَمْعًا لِلْأَمْوَالِ ; وَلَوْ كَانَ اللَّه يُؤْتِي الْأَمْوَال مَنْ يُؤْتِيه لِفَضْلٍ فِيهِ وَخَيْر عِنْده , وَلِرِضَاهُ عَنْهُ , لَمْ يَكُنْ يُهْلِك مَنْ أَهْلَكَ مِنْ أَرْبَاب الْأَمْوَال الَّذِينَ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُ مَالًا , لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّه عَنْهُ رَاضِيًا , فَمُحَال أَنْ يُهْلِكهُ اللَّه , وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ , وَإِنَّمَا يُهْلِك مَنْ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا .



وَقَوْله : { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21035 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب. وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ , لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21036 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } كَقَوْلِهِ : { يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } 55 41 . زُرْقًا سُود الْوُجُوه , وَالْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ قَدْ عَرَفَتْهُمْ . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّه مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة الْمُجْرِمُونَ فِيمَ أُهْلِكُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21037 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : عَنْ ذُنُوب الَّذِينَ مَضَوْا فِيمَ أُهْلِكُوا . فَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } عَلَى هَذَا التَّأْوِيل لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } . وَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة لِلْمُجْرِمِينَ , وَهِيَ بِأَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْمُجْرِمِينَ أَوْلَى , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره غَيْر سَائِل عَنْ ذُنُوب مُذْنِب غَيْر مَنْ أَذْنَبَ , لَا مُؤْمِن وَلَا كَافِر . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمُجْرِمِينَ , لَوْ كَانَتْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَانِ فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله { مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , يَعْنِي لِأَنَّهُ غَيْر مَسْئُول عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِن وَلَا كَافِر , إِلَّا الَّذِينَ رَكِبُوهُ وَاكْتَسَبُوهُ .
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِی زِینَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِینَ یُرِیدُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا یَـٰلَیۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِیمࣲ ﴿٧٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَخَرَجَ قَارُون عَلَى قَوْمه فِي زِينَته , وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ ثِيَاب الْأُرْجُوَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21038 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ جَابِر { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي الْقِرْمِز . 21039 - قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . 21040 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَى بَرَاذِين بِيض , عَلَيْهَا سُرُوج الْأُرْجُوَان , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : عَلَى بَغْلَة شَهْبَاء عَلَيْهَا الْأُرْجُوَان , وَثَلَاث مِائَة جَارِيَة عَلَى الْبِغَال الشُّهْب , عَلَيْهِنَّ ثِيَاب حُمْر . 21041 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي وَيَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر وَصُفْر . 21042 -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم مِثْله . 21043 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلِيّ الْمُقَدَّمِيّ , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم , قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى مَالِك بْن دِينَار عَشِيَّة , وَإِذَا هُوَ فِي ذِكْر قَارُون , قَالَ : وَإِذَا رَجُل مِنْ جِيرَانه عَلَيْهِ ثِيَاب مُعَصْفَرَة , قَالَ : فَقَالَ مَالِك : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب مِثْل ثِيَاب هَذَا . 21044 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَرْبَعَة آلَاف دَابَّة , عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَوَابّهمْ الْأُرْجُوَان . 21045 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات , فِيمَا كَانَ أَبِي يَذْكُر لَنَا .



{ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا مِنْ قَوْم قَارُون : يَا لَيْتَنَا أُعْطِينَا مِثْل مَا أُعْطِيَ قَارُون مِنْ زِينَتهَا ! .



يَقُول : إِنَّ قَارُون لَذُو نَصِيب مِنْ الدُّنْيَا .
وَقَالَ ٱلَّذِینَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَیۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰاۚ وَلَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ ﴿٨٠﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم وَيْلكُمْ ثَوَاب اللَّه خَيْر لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم بِاَللَّهِ , حِين رَأَوْا قَارُون خَارِجًا عَلَيْهِمْ فِي زِينَته , لِلَّذِينَ قَالُوا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون : وَيْلكُمْ اِتَّقُوا اللَّه وَأَطِيعُوهُ , فَثَوَاب اللَّه وَجَزَاؤُهُ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ , وَعَمِلَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُله مِنْ صَالِحَات الْأَعْمَال فِي الْآخِرَة , خَيْر مِمَّا أُوتِيَ قَارُون مِنْ زِينَته وَمَاله لِقَارُون .



وَقَوْله : { وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ } يَقُول : وَلَا يُلَقَّاهَا : أَيْ وَلَا يُوَفَّق لِقِيلِ هَذِهِ الْكَلِمَة , وَهِيَ قَوْله : { ثَوَاب اللَّه خَيْر لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } وَالْهَاء وَالْأَلِف كِنَايَة عَنْ الْكَلِمَة . وَقَالَ : { إِلَّا الصَّابِرُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : الَّذِينَ صَبَرُوا عَنْ طَلَب زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَآثَرُوا مَا عِنْد اللَّه مِنْ جَزِيل ثَوَابه عَلَى صَالِحَات الْأَعْمَال عَلَى لَذَّات الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا , فَجَدُّوا فِي طَاعَة اللَّه , وَرَفَضُوا الْحَيَاة الدُّنْيَا .
فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةࣲ یَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِینَ ﴿٨١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَخَسَفْنَا بِقَارُون وَأَهْل دَاره . وَقِيلَ : وَبِدَارِهِ , لِأَنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ مُوسَى إِذْ أَمَرَ الْأَرْض أَنْ تَأْخُذهُ أَمَرَهَا بِأَخْذِهِ , وَأَخْذ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ فِي دَاره , وَكَانُوا جَمَاعَة جُلُوسًا مَعَهُ , وَهُمْ عَلَى مِثْل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنْ النِّفَاق وَالْمُؤَازَرَة عَلَى أَذَى مُوسَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21046 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاة أَتَى قَارُون مُوسَى , فَصَالَحَهُ عَلَى كُلّ أَلْف دِينَار دِينَارًا , وَكُلّ أَلْف شَيْء شَيْئًا , أَوْ قَالَ : وَكُلّ أَلْف شَاة شَاة " الطَّبَرِيّ يَشُكّ " , قَالَ : ثُمَّ أَتَى بَيْته فَحَسَبَهُ فَوَجَدَهُ كَثِيرًا , فَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيل , فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل إِنَّ مُوسَى قَدْ أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْء فَأَطَعْتُمُوهُ , وَهُوَ الْآن يُرِيد أَنْ يَأْخُذ مِنْ أَمْوَالكُمْ , فَقَالُوا : أَنْتَ كَبِيرنَا وَأَنْتَ سَيِّدنَا , فَمُرْنَا بِمَا شِئْت , فَقَالَ : آمُركُمْ أَنْ تَجِيئُوا بِفُلَانَة الْبَغِيّ , فَتَجْعَلُوا لَهَا جُعْلًا , فَتَقْذِفهُ بِنَفْسِهَا , فَدَعَوْهَا فَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَقْذِفهُ بِنَفْسِهَا , ثُمَّ أَتَى مُوسَى , فَقَالَ لِمُوسَى : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَدْ اِجْتَمَعُوا لِتَأْمُرهُمْ وَلِتَنْهَاهُمْ , فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَرَاح مِنْ الْأَرْض , فَقَالَ : يَا بَنِي إِسْرَائِيل مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَده , وَمَنْ اِفْتَرَى جَلَدْنَاهُ , وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ اِمْرَأَة جَلَدْنَاهُ مِائَة , وَمَنْ زَنَى وَلَهُ اِمْرَأَة جَلَدْنَاهُ حَتَّى يَمُوت , أَوْ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوت وَالطَّبَرِيّ يَشُكّ " , فَقَالَ لَهُ قَارُون : إِنْ كُنْت أَنْتَ ؟ قَالَ : وَإِنْ كُنْت أَنَا ! قَالَ : فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل يَزْعُمُونَ أَنَّك فَجَرْت بِفُلَانَة . قَالَ : اُدْعُوهَا , فَإِنْ قَالَتْ , فَهُوَ كَمَا قَالَتْ ; فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى : يَا فُلَانَة , قَالَتْ : يَا لَبَّيْكَ , قَالَ : أَنَا فَعَلْت بِك مَا يَقُول هَؤُلَاءِ ؟ قَالَتْ : لَا , وَكَذَبُوا , وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَك بِنَفْسِي ; فَوَثَبَ , فَسَجَدَ وَهُوَ بَيْنهمْ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : مُرْ الْأَرْض بِمَا شِئْت , قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ ! فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَقْدَامهمْ . ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبهمْ . ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ ! إِلَى حِقِيِّهِمْ , ثُمَّ قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقهمْ قَالَ : فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : يَا مُوسَى يَا مُوسَى , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ . قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا مُوسَى , يَقُول لَك عِبَادِي : يَا مُوسَى , يَا مُوسَى , فَلَا تَرْحَمهُمْ ؟ أَمَا لَوْ إِيَّايَ دَعَوْا , لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا ; قَالَ : فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } وَكَانَتْ زِينَته أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى دَوَابّ شُقْر عَلَيْهَا سُرُوج حُمْر , عَلَيْهِمْ ثِيَاب مُصَبَّغَة بِالْبَهْرَمَانِ . { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا : يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون } إِلَى قَوْله { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الْكَافِرُونَ } يَا مُحَمَّد { تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا , وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ } . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ رَجُل , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا أَمَرَ اللَّه مُوسَى بِالزَّكَاةِ , قَالَ : رَمَوْهُ بِالزِّنَا , فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ , فَأَرْسَلُوا إِلَى اِمْرَأَة كَانَتْ قَدْ أَعْطَوْهَا حُكْمهَا , عَلَى أَنْ تَرْمِيَهُ بِنَفْسِهَا ; فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا , وَسَأَلَهَا بِاَلَّذِي فَلَقَ الْبَحْر لِبَنِي إِسْرَائِيل , وَأَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى إِلَّا صَدَقْت . قَالَتْ : إِذْ قَدْ اِسْتَحْلَفْتنِي , فَإِنِّي أَشْهَد أَنَّك بَرِيء , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي , فَأَوْحَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : مَا يُبْكِيك ؟ قَدْ سَلَّطْنَاك عَلَى الْأَرْض , فَمُرْهَا بِمَا شِئْت , فَقَالَ : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّه , فَقَالُوا : يَا مُوسَى , يَا مُوسَى ! فَقَالَ : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّه , فَقَالُوا : يَا مُوسَى , يَا مُوسَى ! فَخَسَفَتْهُمْ . قَالَ : وَأَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيل بَعْد ذَلِكَ شِدَّة وَجُوع شَدِيد , فَأَتَوْا مُوسَى , فَقَالُوا : اُدْعُ لَنَا رَبّك ; قَالَ : فَدَعَا لَهُمْ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا مُوسَى , أَتُكَلِّمُنِي فِي قَوْم قَدْ أَظْلَمَ مَا بَيْنِي وَبَيْنهمْ خَطَايَاهُمْ , وَقَدْ دَعَوْك فَلَمْ تُجِبْهُمْ , أَمَّا إِيَّايَ لَوْ دَعَوْا لَأَجَبْتهمْ . * -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض } قَالَ : قِيلَ لِلْأَرْضِ خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْقَابهمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبهمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَحْقَائِهِمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقهمْ ; ثُمَّ قِيلَ لَهَا : خُذِيهِمْ , فَخُسِفَ بِهِمْ , فَذَلِكَ قَوْله : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض } . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن هَاشِم بْن الْبَرِيد , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى } قَالَ : كَانَ اِبْن عَمّه , وَكَانَ مُوسَى يَقْضِي فِي نَاحِيَة بَنِي إِسْرَائِيل , وَقَارُون فِي نَاحِيَة , قَالَ : فَدَعَا بَغِيَّة كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , فَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَرْمِيَ مُوسَى بِنَفْسِهَا , فَتَرَكَتْهُ إِذَا كَانَ يَوْم تَجْتَمِع فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيل إِلَى مُوسَى , أَتَاهُ قَارُون فَقَالَ : يَا مُوسَى مَا حَدّ مَنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : أَنْ تَنْقَطِع يَده , قَالَ : وَإِنْ كُنْت أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ . فَمَا حَدّ مَنْ زَنَى ؟ قَالَ : أَنْ يُرْجَم , قَالَ : وَإِنْ كُنْت أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; قَالَ : فَإِنَّك قَدْ فَعَلْت , قَالَ : وَيْلك بِمَنْ ؟ قَالَ : بِفُلَانَة ! فَدَعَاهَا مُوسَى , فَقَالَ : أَنْشُدك بِاَلَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة , أَصَدَقَ قَارُون ؟ قَالَتْ : اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتنِي , فَإِنِّي أَشْهَد أَنَّك بَرِيء , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , وَأَنَّ عَدُوّ اللَّه قَارُون جَعَلَ لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَرْمِيَك بِنَفْسِي ; قَالَ : فَوَثَبَ مُوسَى , فَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِرْفَعْ رَأْسك , فَقَدْ أَمَرْت الْأَرْض أَنْ تُطِيعَك , فَقَالَ مُوسَى : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْحِقْو , قَالَ : يَا مُوسَى ; قَالَ : خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الصُّدُور , قَالَ : يَا مُوسَى , قَالَ : خُذِيهِمْ , قَالَ : فَذَهَبُوا . قَالَ : فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ يَا مُوسَى : اِسْتَغَاثَ بِك فَلَمْ تُغِثْهُ , أَمَّا لَوْ اِسْتَغَاثَ بِي لَأَجَبْته وَلَأَغَثْته . 21047 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن هِلَال الصَّوَّاف , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الضُّبَعِيّ , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان , قَالَ : خَرَجَ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث مِنْ الدَّار , وَدَخَلَ الْمَقْصُورَة ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا , جَلَسَ وَتَسَانَدَ عَلَيْهَا , وَجَلَسْنَا إِلَيْهِ , فَذَكَرَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد { وَقَالَ يَا أَيّهَا الْمَلَأ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْل أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } إِلَى قَوْله { إِنَّ رَبِّي غَنِيّ كَرِيم } ثُمَّ سَكَتَ عَنْ ذِكْر سُلَيْمَان , فَقَالَ { إِنَّ قَارُون كَانَ مِنْ قَوْم مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ مِنْ الْكُنُوز مَا ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } , { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : وَعَادَى مُوسَى , وَكَانَ مُؤْذِيًا لَهُ , وَكَانَ مُوسَى يَصْفَح عَنْهُ وَيَعْفُو , لِلْقَرَابَةِ , حَتَّى بَنَى دَارًا , وَجَعَلَ بَاب دَاره مِنْ ذَهَب , وَضَرَبَ عَلَى جُدْرَانه صَفَائِح الذَّهَب , وَكَانَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يَغْدُونَ عَلَيْهِ وَيَرُوحُونَ , فَيُطْعِمهُمْ الطَّعَام , وَيُحَدِّثُونَهُ وَيَضْحَكُونَهُ , فَلَمْ تَدْعُهُ شِقْوَته وَالْبَلَاء , حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى اِمْرَأَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مَشْهُورَة بِالْخَنَا , مَشْهُورَة بِالسَّبِّ , فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْهُ , فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَك أَنْ أُمَوِّلك وَأُعْطِيك , وَأَخْلِطك فِي نِسَائِي , عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي وَالْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عِنْدِي , فَتَقُولِي : يَا قَارُون , أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى ! قَالَتْ : بَلَى . فَلَمَّا جَلَسَ قَارُون , وَجَاءَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , أَرْسَلَ إِلَيْهَا , فَجَاءَتْ فَقَامَتْ بَيْن يَدَيْهِ , فَقَلَّبَ اللَّه قَلْبهَا , وَأَحْدَثَ لَهَا تَوْبَة , فَقَالَتْ فِي نَفْسهَا : لَأَنْ أُحْدِث الْيَوْم تَوْبَة , أَفْضَل مِنْ أَنْ أُوذِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأُكَذِّب عَدُوّ اللَّه لَهُ . فَقَالَتْ : إِنَّ قَارُون قَالَ لِي : هَلْ لَك أَنْ أُمَوِّلك وَأُعْطِيَك , وَأَخْلِطك بِنِسَائِي , عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي وَالْمَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عِنْدِي , فَتَقُولِي : يَا قَارُون أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى , فَلَمْ أَجِد تَوْبَة أَفْضَل مِنْ أَنْ لَا أُوذِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأُكَذِّب عَدُوّ اللَّه ; فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهَذَا الْكَلَام , سَقَطَ فِي يَدَيْ قَارُون , وَنَكَّسَ رَأْسه , وَسَكَتَ الْمَلَأ , وَعُرِفَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَلَكَة , وَشَاعَ كَلَامهَا فِي النَّاس , حَتَّى بَلَغَ مُوسَى ; فَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى اِشْتَدَّ غَضَبه , فَتَوَضَّأَ مِنْ الْمَاء , وَصَلَّى وَبَكَى , وَقَالَ : يَا رَبّ عَدُوّك لِي مُؤْذٍ , أَرَادَ فَضِيحَتِي وَشَيْنِي , يَا رَبّ سَلِّطْنِي عَلَيْهِ . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ مُرْ الْأَرْض بِمَا شِئْت تُطِعْك . فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُون ; فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ , عَرَفَ الشَّرّ فِي وَجْه مُوسَى لَهُ , فَقَالَ : يَا مُوسَى اِرْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , قَالَ : فَاضْطَرَبَتْ دَاره , وَسَاخَتْ بِقَارُون وَأَصْحَابه إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَجَعَلَ يَقُول : يَا مُوسَى , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبهمْ , وَهُوَ يَتَضَرَّع إِلَى مُوسَى : يَا مُوسَى اِرْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , قَالَ فَاضْطَرَبَتْ دَاره وَسَاخَتْ , وَخُسِفَ بِقَارُون وَأَصْحَابه إِلَى سُرَرهمْ , وَهُوَ يَتَضَرَّع إِلَى مُوسَى : يَا مُوسَى اِرْحَمْنِي ; قَالَ : يَا أَرْض خُذِيهِمْ , فَخُسِفَ بِهِ وَبِدَارِهِ وَأَصْحَابه . قَالَ : وَقِيلَ لِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُوسَى مَا أَفَظّك. أَمَا وَعِزَّتِي لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْته . 21048 - حَدَّثني بِشْر بْن هِلَال , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِمُوسَى : لَا أُعَبِّد الْأَرْض لِأَحَدٍ بَعْدك أَبَدًا . 21049 -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , وَعَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَغَرّ بْن الصَّبَّاح , عَنْ خَلِيفَة بْن حُصَيْن , قَالَ عَبْد الْحَمِيد , عَنْ أَبِي نَصْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَلَمْ يَذْكُر اِبْن مَهْدِيّ أَبَا نَصْر { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض } قَالَ : الْأَرْض السَّابِعَة . 21050 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ يُخْسَف بِهِ كُلّ يَوْم مِائَة قَامَة , وَلَا يَبْلُغ أَسْفَل الْأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . 21051 -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حِبَّان , عَنْ جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت مَالِك بْن دِينَار , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ قَارُون يُخْسَف بِهِ كُلّ يَوْم مِائَة قَامَة . 21052 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُخْسَف بِهِ كُلّ يَوْم قَامَة , وَأَنَّهُ يَتَجَلْجَل فِيهَا , لَا يَبْلُغ قَعْرهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .



وَقَوْله : { فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جُنْد يَرْجِع إِلَيْهِمْ , وَلَا فِئَة يَنْصُرُونَهُ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ سَخَطه , بَلْ تَبَرَّءُوا مِنْهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21053 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ } أَيْ جُنْد يَنْصُرُونَهُ , وَمَا عِنْده مَنَعَة يَمْتَنِع بِهَا مِنْ اللَّه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِئَة فِيمَا مَضَى وَأَنَّهَا الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس , وَأَصْلهَا الْجَمَاعَة الَّتِي يَفِيء إِلَيْهَا الرَّجُل عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِمْ , لِلْعَوْنِ عَلَى الْعَدُوّ , ثُمَّ تَسْتَعْمِل ذَلِكَ الْعَرَب فِي كُلّ جَمَاعَة كَانَتْ عَوْنًا لِلرَّجُلِ , وَظَهْرًا لَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل خِفَاف : فَلَمْ أَرَ مِثْلهمْ حَيًّا لَقَاحًا وَجَدِّك بَيْن نَاضِحَة وَحَجْر أَشَدّ عَلَى صُرُوف الدَّهْر آدًا وَأَكْبَر مِنْهُمُ فِئَة بِصَبْرِ



يَقُول : وَلَا كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَنْتَصِر مِنْ اللَّه إِذَا أَحَلَّ بِهِ نِقْمَته , فَيَمْتَنِع لِقُوَّتِهِ مِنْهَا .
وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِینَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ یَقُولُونَ وَیۡكَأَنَّ ٱللَّهَ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَیَقۡدِرُۖ لَوۡلَاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَیۡكَأَنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ ﴿٨٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانه بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَيَقْدِر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانه بِالْأَمْسِ مِنْ الدُّنْيَا , وَغِنَاهُ وَكَثْرَة مَاله , وَمَا بُسِطَ لَهُ مِنْهَا بِالْأَمْسِ , يَعْنِي قَبْل أَنْ يَنْزِل بِهِ مَا نَزَلَ مِنْ سَخَط اللَّه وَعِقَابه , يَقُولُونَ : وَيْكَأَنَّ اللَّه اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى { وَيْكَأَنَّ اللَّه } فَأَمَّا قَتَادَة , فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا مَا : 21054 -حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد بْن عَثْمَة , قَالَ : ثَنَا سَعِيد بْن بَشِير , عَنْ قَتَادَة , قَالَ فِي قَوْله { وَيْكَأَنَّهُ } قَالَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَيْكَأَنَّهُ } : أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ . * - وَحَدَّثني إِسْمَاعِيل بْن الْمُتَوَكِّل الْأَشْجَعِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير , قَالَ : ثني مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَيْكَأَنَّهُ } قَالَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ. وَالْقَوْل الْآخَر , مَا : 21055 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَيْكَأَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق } قَالَ : أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه { وَيْكَأَنَّهُ } : أَوَلَا يَعْلَم أَنَّهُ . وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَة فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْبَصْرَة , وَاسْتَشْهَدَ لِصِحَّةِ تَأْوِيله ذَلِكَ كَذَلِكَ , بِقَوْلِ الشَّاعِر : سَأَلْتَانِي الطَّلَاق أَنْ رَأَتَانِي قَلَّ مَالِي , قَدْ جِئْتُمَا بِنُكْرِ وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَب يُحْ بَبْ وَمَنْ يُفْتَقَر يَعِشْ عَيْش ضُرّ وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : " وَيْكَأَنَّ " فِي كَلَام الْعَرَب : تَقْرِير , كَقَوْلِ الرَّجُل : أَمَا تَرَى إِلَى صُنْع اللَّه وَإِحْسَانه ! وَذُكِرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ أَعْرَابِيَّة تَقُول لِزَوْجِهَا : أَيْنَ اِبْننَا ؟ فَقَالَ : وَيْكَأَنَّهُ وَرَاء الْبَيْت . مَعْنَاهُ : أَمَا تَرَيْنَهُ وَرَاء الْبَيْت ! قَالَ : وَقَدْ يَذْهَب بِهَا بَعْض النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا كَلِمَتَانِ , يُرِيد : وَيْك أَنَّهُ , كَأَنَّهُ أَرَادَ : وَيْلك , فَحَذَفَ اللَّام , فَتُجْعَل " أَنَّ " مَفْتُوحَة بِفِعْلِ مُضْمَر , كَأَنَّهُ قَالَ : وَيْلك اِعْلَمْ أَنَّهُ وَرَاء الْبَيْت , فَأَضْمَرَ " اِعْلَمْ " . قَالَ : وَلَمْ نَجِد الْعَرَب تُعْمِل الظَّنّ مُضْمَرًا , وَلَا الْعِلْم وَأَشْبَاهه فِي " أَنَّ " , وَذَلِكَ أَنَّهُ يَبْطُل إِذَا كَانَ بَيْن الْكَلِمَتَيْنِ , أَوْ فِي آخِر الْكَلِمَة , فَلَمَّا أُضْمِرَ جَرَى مَجْرَى الْمُتَأَخِّر ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوز فِي الِابْتِدَاء أَنْ يَقُول : يَا هَذَا , أَنَّك قَائِم , وَيَا هَذَا أَنْ قُمْت , يُرِيد : عَلِمْت , أَوْ اِعْلَمْ , أَوْ ظَنَنْت , أَوْ أَظُنّ . وَأَمَّا حَذْف اللَّام مِنْ قَوْلك : وَيْلك حَتَّى تَصِير : وَيْك , فَقَدْ تَقُولهُ الْعَرَب , لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَام , قَالَ عَنْتَرَة : وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمهَا قَوْل الْفَوَارِس وَيْك عَنْتَرَ أَقْدِمِ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله { وَيْكَأَنَّ } : " وَيْ " مُنْفَصِلَة مِنْ كَأَنَّ , كَقَوْلِك لِلرَّجُلِ : وَيْ أَمَا تَرَى مَا بَيْن يَدَيْك ؟ فَقَالَ : " وَيْ " ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ , كَأَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق , وَهِيَ تَعَجُّب , وَكَأَنَّ فِي مَعْنَى الظَّنّ وَالْعِلْم , فَهَذَا وَجْه يَسْتَقِيم . قَالَ : وَلَمْ تَكْتُبهَا الْعَرَب مُنْفَصِلَة , وَلَوْ كَانَتْ عَلَى هَذَا لَكَتَبُوهَا مُنْفَصِلَة , وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون كَثُرَ بِهَا الْكَلَام , فَوُصِلَتْ بِمَا لَيْسَتْ مِنْهُ . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : إِنَّ " وَيْ " : تَنْبِيه , وَكَأَنَّ حَرْف آخَر غَيْره , بِمَعْنَى : لَعَلَّ الْأَمْر كَذَا , وَأَظُنّ الْأَمْر كَذَا , لِأَنَّ كَأَنَّ بِمَنْزِلَةِ أَظُنّ وَأَحْسَب وَأَعْلَم. وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ : الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَة , مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَلَمْ تَرَ , أَلَمْ تَعْلَم , لِلشَّاهِدِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ مِنْ قَوْل الشَّاعِر , وَالرِّوَايَة عَنْ الْعَرَب ; وَأَنَّ " وَيْكَأَنَّ " فِي خَطّ الْمُصْحَف حَرْف وَاحِد . وَمَتَى وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى غَيْر التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَة , فَإِنَّهُ يَصِير حَرْفَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ وُجِّهَ إِلَى قَوْل مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى : وَيْلك اِعْلَمْ أَنَّ اللَّه , وَجَبَ أَنْ يُفْصَل " وَيْك " مِنْ " أَنَّ " , وَذَلِكَ خِلَاف خَطّ جَمِيع الْمَصَاحِف , مَعَ فَسَاده فِي الْعَرَبِيَّة , لِمَا ذَكَرْنَا . وَإِنْ وُجِّهَ إِلَى قَوْل مَنْ يَقُول : " وَيْ " بِمَعْنَى التَّنْبِيه , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ الْكَلَام بِكَأَنَّ , وَجَبَ أَنْ يَفْصِل " وَيْ " مِنْ " كَأَنَّ " , وَذَلِكَ أَيْضًا خِلَاف خُطُوط الْمَصَاحِف كُلّهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَرْفًا وَاحِدًا , فَالصَّوَاب مِنْ التَّأْوِيل : مَا قَالَهُ قَتَادَة , وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب , فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَان قَارُون وَمَوْضِعه مِنْ الدُّنْيَا بِالْأَمْسِ , يَقُولُونَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَحَلَّ اللَّه بِهِ مِنْ نِقْمَته , أَلَمْ تَرَيَا هَذَا أَنَّ اللَّه يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , فَيُوَسِّع عَلَيْهِ , لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَته عِنْده , وَلَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ , كَمَا كَانَ بَسَطَ مِنْ ذَلِكَ لِقَارُون , لَا لِفَضْلِهِ وَلَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ . { وَيَقْدِر } يَقُول : وَيُضَيِّق عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه ذَلِكَ , وَيُقَتِّر عَلَيْهِ , لَا لِهَوَانِهِ , وَلَا لِسَخَطِهِ عَمَله .



وَقَوْله : { لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنَا } يَقُول : لَوْلَا أَنْ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا , فَصَرَفَ عَنَّا مَا كُنَّا نَتَمَنَّاهُ بِالْأَمْسِ , { لَخَسَفَ بِنَا }. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار سِوَى شَيْبَة : " لَخُسِفَ بِنَا " بِضَمِّ الْخَاء , وَكَسْر السِّين وَذُكِرَ عَنْ شَيْبَة وَالْحَسَن : { لَخَسَفَ بِنَا } بِفَتْحِ الْخَاء وَالسِّين , بِمَعْنَى : لَخَسَفَ اللَّه بِنَا .



وَقَوْله : { وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِح الْكَافِرُونَ } يَقُول : أَلَمْ تَعْلَم أَنَّهُ لَا يُفْلِح الْكَافِرُونَ , فَتَنْجَح طَلَبَاتهمْ .
تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِینَ لَا یُرِیدُونَ عُلُوࣰّا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادࣰاۚ وَٱلۡعَـٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِینَ ﴿٨٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ الدَّار الْأَخِرَة نَجْعَلهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَل نَعِيمهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ تَكَبُّرًا عَنْ الْحَقّ فِي الْأَرْض وَتَجَبُّرًا عَنْهُ وَلَا فَسَادًا . يَقُول : وَلَا ظُلْم النَّاس بِغَيْرِ حَقّ , وَعَمَلًا بِمَعَاصِي اللَّه فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21056 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول { لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا } قَالَ : الْعُلُوّ : التَّجَبُّر . 21057 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين { تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا } قَالَ : الْعُلُوّ : التَّكَبُّر فِي الْحَقّ , وَالْفَسَاد : الْأَخْذ بِغَيْرِ الْحَقّ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين : { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض } قَالَ : التَّكَبُّر فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ { وَلَا فَسَادًا } أَخْذ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ . 21058 - قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض } قَالَ : الْبَغْي. 21059 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض } قَالَ : تَعَظُّمًا وَتَجَبُّرًا , { وَلَا فَسَادًا } : عَمَلًا بِالْمَعَاصِي . 21060 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَشْعَث السَّمَّان , عَنْ أَبِي سَلْمَان الْأَعْرَج , عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّ الرَّجُل لِيُعْجِبهُ مِنْ شِرَاك نَعْله أَنْ يَكُون أَجْوَد مِنْ شِرَاك صَاحِبه , فَيَدْخُل فِي قَوْله { تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْض وَلَا فَسَادًا , وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ } .



وَقَوْله : { وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالْجَنَّة لِلْمُتَّقِينَ , وَهُمْ الَّذِينَ اِتَّقَوْا مَعَاصِي اللَّه , وَأَدَّوْا فَرَائِضه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْعَاقِبَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21061 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ } أَيْ الْجَنَّة لِلْمُتَّقِينَ .
مَن جَاۤءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَیۡرࣱ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَاۤءَ بِٱلسَّیِّئَةِ فَلَا یُجۡزَى ٱلَّذِینَ عَمِلُواْ ٱلسَّیِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ یَعۡمَلُونَ ﴿٨٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَنْ جَاءَ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيد , فَلَهُ خَيْر , وَذَلِكَ الْخَيْر هُوَ الْجَنَّة وَالنَّعِيم الدَّائِم , وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ , وَهِيَ الشِّرْك بِاَللَّهِ. كَمَا : 21062 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد قَالَ ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِنْهَا } : أَيْ لَهُ مِنْهَا حَظّ خَيْر , وَالْحَسَنَة : الْإِخْلَاص , وَالسَّيِّئَة : الشِّرْك . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ , وَدَلَّلْنَا عَلَى الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِيهِ.



وَقَوْله : { فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَات } يَقُول : فَلَا يُثَاب الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَات عَلَى أَعْمَالهمْ السَّيِّئَة .



يَقُول : إِلَّا جَزَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
إِنَّ ٱلَّذِی فَرَضَ عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَاۤدُّكَ إِلَىٰ مَعَادࣲۚ قُل رَّبِّیۤ أَعۡلَمُ مَن جَاۤءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٨٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لَرَادّك إِلَى مَعَاد } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد الْقُرْآن . كَمَا : 21063 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن } قَالَ : الَّذِي أَعْطَاك الْقُرْآن . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن } قَالَ : الَّذِي أَعْطَاكَهُ. وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لِمَصِيرِك إِلَى الْجَنَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21064 - حَدَّثني إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حَبِيب بْن الشَّهِيد , قَالَ : ثَنَا عَتَّاب بْن بِشْر , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى مَعْدِنك مِنْ الْجَنَّة. * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن مَهْدِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِلَى الْجَنَّة . 21065 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حِبَّان , سَمِعْت أَبَا جَعْفَر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : مَعَاده آخِرَته الْجَنَّة . 21066 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , فِي { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى الْجَنَّة لِيَسْأَلك عَنْ الْقُرْآن . 21067 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : الْجَنَّة . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن مَهْدِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى الْجَنَّة . * - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , قَالَ يَرُدّك إِلَى الْجَنَّة , ثُمَّ يَسْأَلك عَنْ الْقُرْآن . 21068 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد , قَالَا : إِلَى الْجَنَّة . 21069 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَأَبِي قَزَعَة وَالْحَسَن , قَالُوا : يَوْم الْقِيَامَة. 21070 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : يَجِيء بِك يَوْم الْقِيَامَة. 21071 - ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , قَالَا : مَعَاده يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : يَجِيء بِك يَوْم الْقِيَامَة. 21072 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا هَوْذَة , قَالَ : ثَنَا عَوْن , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : مَعَادك مِنْ الْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : إِي وَاَللَّه , إِنَّ لَهُ لَمَعَادًا يَبْعَثهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , وَيُدْخِلهُ الْجَنَّة. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَرَادّك إِلَى الْمَوْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21073 - حَدَّثني إِسْحَاق بْن وَهْب الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان بْن سَعِيد الثَّوْرِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : الْمَوْت. * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِلَى الْمَوْت . 21074 - قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ سَعِيد : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى الْمَوْت . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ عَمَّنْ سَمِعَ اِبْن عَبَّاس , قَالَ إِلَى الْمَوْت . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِلَى الْمَوْت . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : الْمَوْت . 21075 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَا : إِلَى الْمَوْت , أَوْ إِلَى مَكَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَرَادّك إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي خَرَجْت مِنْهُ , وَهُوَ مَكَّة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21076 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَعْلَى بْن عُبَيْد , عَنْ سُفْيَان الْعُصْفُرِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى مَكَّة . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : يَقُول : لَرَادّك إِلَى مَكَّة , كَمَا أَخْرَجَك مِنْهَا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : مَوْلِده بِمَكَّة . 21077 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ ثَنَا أَبِي عَنْ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُول : { لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى مَوْلِدك بِمَكَّة . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا يُونُس بْن عَمْرو , وَهُوَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى مَوْلِدك بِمَكَّة . * - حَدَّثني الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ الْفُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ مُجَاهِد أَبِي الْحَجَّاج , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لَرَادّك إِلَى مَعَاد } قَالَ : إِلَى مَوْلِده بِمَكَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِلَى مَوْلِدك بِمَكَّة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : قَوْل مَنْ قَالَ : لَرَادّك إِلَى عَادَتك مِنْ الْمَوْت , أَوْ إِلَى عَادَتك حَيْثُ وُلِدْت , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاد فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَفْعَل مِنْ الْعَادَة , لَيْسَ مِنْ الْعَوْد , إِلَّا أَنْ يُوَجَّه مُوَجِّه تَأْوِيل قَوْله : { لَرَادّك } لِمَصِيرِك , فَيَتَوَجَّه حِينَئِذٍ قَوْله { إِلَى مَعَاد } إِلَى مَعْنَى الْعَوْد , وَيَكُون تَأْوِيله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لِمَصِيرِك إِلَى أَنْ تَعُود إِلَى مَكَّة مَفْتُوحَة لَك . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَذِهِ الْوُجُوه الَّتِي وَصَفْت فِي ذَلِكَ قَدْ فَهِمْنَاهَا , فَمَا وَجْه تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى : لَرَادّك إِلَى الْجَنَّة ؟ قِيلَ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُون وَجْه تَأْوِيله ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْه الْآخَر , وَهُوَ لِمَصِيرِك إِلَى أَنْ تَعُود إِلَى الْجَنَّة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَ كَانَ أُخْرِج مِنْ الْجَنَّة , فَيُقَال لَهُ : نَحْنُ نُعِيدك إِلَيْهَا ؟ قِيلَ : لِذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَبُوهُ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا أُخْرِج مِنْهَا , فَكَأَنَّ وَلَده بِإِخْرَاجِ اللَّه إِيَّاهُ مِنْهَا , قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا , فَمَنْ دَخَلَهَا فَكَأَنَّمَا يُرَدّ إِلَيْهَا بَعْد الْخُرُوج . وَالثَّانِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ , كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " دَخَلْت الْجَنَّة , فَرَأَيْت فِيهَا قَصْرًا , فَقُلْت لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا لِعُمَر بْن الْخَطَّاب " , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ , ثُمَّ رُدَّ إِلَى الْأَرْض , فَيُقَال لَهُ : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن لَرَادّك لِمَصِيرِك إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي خَرَجْت مِنْهُ مِنْ الْجَنَّة , إِلَى أَنْ تَعُود إِلَيْهِ , فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه قَوْل مَنْ قَالَ ذَلِكَ .



وَقَوْله : { قُلْ رَبِّي أَعْلَم مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ : رَبِّي أَعْلَم مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ نَجَا , وَمَنْ هُوَ فِي جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل مِنَّا وَمِنْكُمْ .



وَقَوْله : { مُبِين } يَعْنِي أَنَّهُ يُبَيَّن لِلْمُفَكِّرِ الْفَهْم إِذَا تَأَمَّلَهُ وَتَدَبَّرَهُ , أَنَّهُ ضَلَال وَجَوْر عَنْ الْهُدَى.
وَمَا كُنتَ تَرۡجُوۤاْ أَن یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبُ إِلَّا رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِیرࣰا لِّلۡكَـٰفِرِینَ ﴿٨٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كنْت تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْك الْكِتَاب إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت تَرْجُو يَا مُحَمَّد أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك هَذَا الْقُرْآن , فَتَعْلَم الْأَنْبَاء وَالْأَخْبَار عَنْ الْمَاضِينَ قَبْلك , وَالْحَادِثَة بَعْدك , مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْد , مِمَّا لَمْ تَشْهَدهُ وَلَا تَشْهَدهُ , ثُمَّ تَتْلُو ذَلِكَ عَلَى قَوْمك مِنْ قُرَيْش , إِلَّا أَنَّ رَبّك رَحِمَك , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , فَقَوْله : { إِلَّا رَحْمَة مِنْ رَبّك } اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع .



وَقَوْله : { فَلَا تَكُونَن ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } يَقُول : فَاحْمَدْ رَبّك عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك مِنْ رَحْمَته إِيَّاكَ , بِإِنْزَالِهِ عَلَيْك هَذَا الْكِتَاب , وَلَا تَكُونَن عَوْنًا لِمَنْ كَفَرَ بِرَبِّك عَلَى كُفْره بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّ مَعْنَى اللَّام : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك الْقُرْآن , فَأَنْزَلَهُ عَلَيْك , وَمَا كُنْت تَرْجُو أَنْ يُنَزَّل عَلَيْك , فَتَكُون نَبِيًّا قَبْل ذَلِكَ , لَرَادّك إِلَى مَعَاد .
وَلَا یَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَیۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ﴿٨٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَصُدُّنَّك عَنْ آيَات اللَّه بَعْد إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْك وَادْعُ إِلَى رَبّك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا يَصْرِفَنك عَنْ تَبْلِيغ آيَات اللَّه وَحُجَجه بَعْد أَنْ أَنْزَلَهَا إِلَيْك رَبّك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ : { لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى } وَادْعُ إِلَى رَبّك وَبَلِّغْ رِسَالَته إِلَى مَنْ أَرْسَلَك إِلَيْهِ بِهَا.



يَقُول : وَلَا تَتْرُكَن الدُّعَاء إِلَى رَبّك , وَتَبْلِيغ الْمُشْرِكِينَ رِسَالَته , فَتَكُون مِمَّنْ فَعَلَ فِعْل الْمُشْرِكِينَ بِمَعْصِيَتِهِ رَبّه , وَخِلَافه أَمْره .
وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَۘ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَیۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ ﴿٨٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَعْبُد يَا مُحَمَّد مَعَ مَعْبُودك الَّذِي لَهُ عِبَادَة كُلّ شَيْء مَعْبُودًا آخَر سِوَاهُ .



وَقَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُود تَصْلُح لَهُ الْعِبَادَة إِلَّا اللَّه الَّذِي كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهه . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله : { إِلَّا وَجْهه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا هُوَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه , وَاسْتَشْهَدُوا لِتَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : أَسْتَغْفِر اللَّه ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيه رَبّ الْعِبَاد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل



وَقَوْله : { لَهُ الْحُكْم } يَقُول : لَهُ الْحُكْم بَيْن خَلْقه دُون غَيْره , لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْره مَعَهُ فِيهِمْ حُكْم .



يَقُول : وَإِلِيه تُرَدُّونَ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَيَقْضِي بَيْنكُمْ بِالْعَدْلِ , فَيُجَازِي مُؤْمِنِيكُمْ جَزَاءَهُمْ , وَكُفَّاركُمْ مَا وَعَدَهُمْ.