صفحات الموقع

سورة القصص الآية ٧٨

سورة القصص الآية ٧٨

قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ أَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰاۚ وَلَا یُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ﴿٧٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

" قَالَ " قارون - رادا لنصيحتهم, كافرا بنعمة ربه -: " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي " أي: إنما أدركت هذه الأموال, بكسبي, ومعرفتي بوجوه المكاسب, وحذقي. أو على علم من اللّه بحالي, يعلم أني أهل لذلك, فلم تنصحوني على ما أعطاني اللّه؟ قال تعالى - مبينا أن عطاءه, ليس دليلا على حسن حالة المعطي. " أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا " فما المانع من إهلاك قرون أخرى, مع مُضِيِّ عادتنا, وسنتنا بإهلاك من هو مثله. وأعظم منه, إذا فعل ما يوجب الهلاك؟. " وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ " بل يعاقبهم اللّه, ويعذبهم على ما يعلمه منهم. فهم, وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة, وشهدوا لها بالنجاة, فليس قولهم مقبولا, وليس ذلك رادا عنهم من العذاب شيئا, لأن ذنوبهم غير خفية, فإنكارهم لا محل له. فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه, وعدم قبول نصيحة قومه, فرحا بطرا قد أعجبته نفسه, وغره ما أوتيه من الأموال.

التفسير الميسر

قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أُعطيتُ هذه الكنوز بما عندي من العلم والقدرة، أولم يعلم قارون أن الله قد أهلك مِن قبله من الأمم مَن هو أشد منه بطشًا، وأكثر جمعًا للأموال؟ ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون؛ لعلم الله تعالى بها، إنما يُسْألون سؤال توبيخ وتقرير، ويعاقبهم الله على ما علمه منهم.

تفسير الجلالين

"قَالَ إنَّمَا أُوتِيته" أَيْ الْمَال "عَلَى عِلْم عِنْدِي" أَيْ فِي مُقَابَلَته وَكَانَ أَعْلَم بَنِي إسْرَائِيل بِالتَّوْرَاةِ بَعْد مُوسَى وَهَارُونَ "أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مَنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون" الْأُمَم "مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا" لِلْمَالِ : أَيْ هُوَ عَالِم بِذَلِكَ وَيُهْلِكهُمْ اللَّه "وَلَا يَسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ" لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِهَا فَيَدْخُلُونَ النَّار بِلَا حِسَاب

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَوَاب قَارُون لِقَوْمِهِ حِين نَصَحُوهُ وَأَرْشَدُوهُ إِلَى الْخَيْر " قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي " أَيْ أَنَا لَا أَفْتَقِر إِلَى مَا تَقُولُونَ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا أَعْطَانِي هَذَا الْمَال لِعِلْمِهِ بِأَنِّي أَسْتَحِقّهُ وَلِمَحَبَّتِهِ لِي فَتَقْدِيره إِنَّمَا أَعْطَيْته لِعِلْمِ اللَّه فِي أَنِّي أَهْل لَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَان ضُرّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَة مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم " أَيْ عَلَى عِلْم مِنْ اللَّه بِي وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَة مِنَّا مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي " أَيْ هَذَا أَسْتَحِقّهُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ أَرَادَ " إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي " أَيْ أَنَّهُ كَانَ يُعَانِي عِلْم الْكِيمْيَاء وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف لِأَنَّ عِلْم الْكِيمْيَاء فِي نَفْسه عِلْم بَاطِل لِأَنَّ قَلْب الْأَعْيَان لَا يَقْدِر أَحَد عَلَيْهَا إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا النَّاس ضُرِبَ مَثَل فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اِجْتَمَعُوا لَهُ " وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَقُول اللَّه وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَة " وَهَذَا وَرَدَ فِي الْمُصَوِّرِينَ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّه فِي مُجَرَّد الصُّورَة الظَّاهِرَة أَوْ الشَّكْل فَكَيْف بِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يُحِيل مَاهِيَّة هَذِهِ الذَّات إِلَى مَاهِيَّة ذَات أُخْرَى هَذَا زُور وَمُحَال وَجَهْل وَضَلَال وَإِنَّمَا يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّبْغ فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة وَهِيَ كَذِب وَزَغَل وَتَمْوِيه وَتَرْوِيج أَنَّهُ صَحِيح فِي نَفْس الْأَمْر وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا لَا مَحَالَة وَلَمْ يَثْبُت بِطَرِيقٍ شَرْعِيّ أَنَّهُ صَحَّ مَعَ أَحَد مِنْ النَّاس مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَة الَّتِي يَتَعَاطَاهَا هَؤُلَاءِ الْجَهَلَة الْفَسَقَة الْأَفَّاكُونَ فَأَمَّا مَا يُجْرِيه اللَّه سُبْحَانه مِنْ خَرْق الْعَوَائِد عَلَى يَدَيْ بَعْض الْأَوْلِيَاء مِنْ قَلْب بَعْض الْأَعْيَان ذَهَبًا أَوْ فِضَّة أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَهَذَا أَمْر لَا يُنْكِرهُ مُسْلِم وَلَا يَرُدّهُ مُؤْمِن وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيل الصِّنَاعَات وَإِنَّمَا هَذَا عَنْ مَشِيئَة رَبّ الْأَرْض وَالسَّمَاوَات وَاخْتِيَاره وَفِعْله كَمَا رُوِيَ عَنْ حَيْوَة بْن شُرَيْح الْمِصْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِل فَلَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يُعْطِيه وَرَأَى ضَرُورَته فَأَخَذَ حَصَاة مِنْ الْأَرْض فَأَجَالَهَا فِي كَفّه ثُمَّ أَلْقَاهَا إِلَى ذَلِكَ السَّائِل فَإِذَا هِيَ ذَهَب أَحْمَر . وَالْأَحَادِيث وَالْآثَار فِي هَذَا كَثِيرَة جِدًّا يَطُول ذِكْرهَا وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّ قَارُون كَانَ يَعْرِف الِاسْم الْأَعْظَم فَدَعَا اللَّه بِهِ فَتَمَوَّلَ بِسَبَبِهِ . وَالصَّحِيح الْمَعْنَى الْأَوَّل وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِ فَمَا اِدَّعَاهُ مِنْ اِعْتِنَاء اللَّه بِهِ فِيمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْمَال " أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا " أَيْ قَدْ كَانَ مَنْ هُوَ أَكْثَر مِنْهُ مَالًا وَمَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ مَحَبَّة مِنَّا لَهُ وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّه مَعَ ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ وَعَدَم شُكْرهمْ وَلِهَذَا قَالَ " وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ " أَيْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبهمْ. قَالَ قَتَادَة : " عَلَى عِلْم عِنْدِي " عَلَى خَيْر عِنْدِي وَقَالَ السُّدِّيّ عَلَى عِلْم أَنِّي أَهْل لِذَلِكَ . وَقَدْ أَجَادَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة الْإِمَام عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : " قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي " قَالَ لَوْلَا رِضَا اللَّه عَنِّي وَمَعْرِفَته بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا الْمَال وَقَرَأَ " أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا " الْآيَة . وَهَكَذَا يَقُول مَنْ قَلَّ عِلْمه إِذَا رَأَى مَنْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ لَوْلَا أَنْ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ لَمَا أُعْطِيَ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَالَ قَارُون لِقَوْمِهِ الَّذِينَ وَعَظُوهُ : إِنَّمَا أُوتِيت هَذِهِ الْكُنُوز عَلَى فَضْل عِلْم عِنْدِي , عَلِمَهُ اللَّه مِنِّي , فَرَضِيَ بِذَلِكَ عَنِّي , وَفَضَّلَنِي بِهَذَا الْمَال عَلَيْكُمْ , لِعِلْمِهِ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21033 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : عَلَى خَبَر عِنْدِي . 21034 - قَالَ : حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { إِنَّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْم عِنْدِي } قَالَ : لَوْلَا رِضَا اللَّه عَنِّي وَمَعْرِفَته بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا , وَقَرَأَ : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } الْآيَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : { عِنْدِي } بِمَعْنَى : أَرَى , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُوتِيته لِفَضْلِ عِلْمِي , فِيمَا أَرَى . وَقَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة وَأَكْثَر جَمْعًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوَلَمْ يَعْلَم قَارُون حِين زَعَمَ أَنَّهُ أُوتِيَ الْكُنُوز لِفَضْلِ عِلْم عِنْده عَلِمْته أَنَا مِنْهُ , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يُؤْتَى مَا أُوتِيَ مِنْ الْكُنُوز , أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْأُمَم مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ بَطْشًا , وَأَكْثَر جَمْعًا لِلْأَمْوَالِ ; وَلَوْ كَانَ اللَّه يُؤْتِي الْأَمْوَال مَنْ يُؤْتِيه لِفَضْلٍ فِيهِ وَخَيْر عِنْده , وَلِرِضَاهُ عَنْهُ , لَمْ يَكُنْ يُهْلِك مَنْ أَهْلَكَ مِنْ أَرْبَاب الْأَمْوَال الَّذِينَ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُ مَالًا , لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّه عَنْهُ رَاضِيًا , فَمُحَال أَنْ يُهْلِكهُ اللَّه , وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ , وَإِنَّمَا يُهْلِك مَنْ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا . وَقَوْله : { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21035 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : يَدْخُلُونَ النَّار بِغَيْرِ حِسَاب. وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ , لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21036 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } كَقَوْلِهِ : { يُعْرَف الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } 55 41 . زُرْقًا سُود الْوُجُوه , وَالْمَلَائِكَة لَا تَسْأَل عَنْهُمْ قَدْ عَرَفَتْهُمْ . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّه مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة الْمُجْرِمُونَ فِيمَ أُهْلِكُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21037 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } قَالَ : عَنْ ذُنُوب الَّذِينَ مَضَوْا فِيمَ أُهْلِكُوا . فَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } عَلَى هَذَا التَّأْوِيل لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } . وَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة لِلْمُجْرِمِينَ , وَهِيَ بِأَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْمُجْرِمِينَ أَوْلَى , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره غَيْر سَائِل عَنْ ذُنُوب مُذْنِب غَيْر مَنْ أَذْنَبَ , لَا مُؤْمِن وَلَا كَافِر . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمُجْرِمِينَ , لَوْ كَانَتْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَانِ فِي قَوْله { عَنْ ذُنُوبهمْ } لِمَنْ الَّذِي فِي قَوْله { مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوَّة } مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , يَعْنِي لِأَنَّهُ غَيْر مَسْئُول عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِن وَلَا كَافِر , إِلَّا الَّذِينَ رَكِبُوهُ وَاكْتَسَبُوهُ .

تفسير القرطبي

يَعْنِي عِلْم التَّوْرَاة وَكَانَ فِيمَا رُوِيَ مَنْ أَقْرَأ النَّاس لَهَا , وَمَنْ أَعْلَمهُمْ بِهَا وَكَانَ أَحَد الْعُلَمَاء السَّبْعِينَ الَّذِي اِخْتَارَهُمْ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَقَالَ اِبْن زَيْد : أَيْ إِنَّمَا أُوتِيته لِعِلْمِهِ بِفَضْلِي وَرِضَاهُ عَنِّي فَقَوْله : " عِنْدِي " مَعْنَاهُ إِنَّ عِنْدِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى آتَانِي هَذِهِ الْكُنُوز عَلَى عِلْم مِنْهُ بِاسْتِحْقَاقِي إِيَّاهَا لِفَضْلٍ فِيَّ وَقِيلَ : أُوتِيته عَلَى عِلْم مِنْ عِنْدِي بِوُجُوهِ التِّجَارَة وَالْمَكَاسِب ; قَالَهُ عَلِيّ بْن عِيسَى وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه لَوْ لَمْ يُسَهِّل لَهُ اِكْتِسَابهَا لَمَا اِجْتَمَعَتْ عِنْده وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : عَلَى عِلْم عِنْدِي بِصَنْعَةِ الذَّهَب وَأَشَارَ إِلَى عِلْم الْكِيمْيَاء وَحَكَى النَّقَّاش : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَّمَهُ الثُّلُث مِنْ صَنْعَة الْكِيمْيَاء , وَيُوشَع الثُّلُث , وَهَارُون الثُّلُث , فَخَدَعَهُمَا قَارُون - وَكَانَ عَلَى إِيمَانه - حَتَّى عَلِمَ مَا عِنْدهمَا وَعَمِلَ الْكِيمْيَاء , فَكَثُرَتْ أَمْوَاله وَقِيلَ : إِنَّ مُوسَى عَلَّمَ الْكِيمْيَاء ثَلَاثَة ; يُوشَع بْن نُون , وَكَالِب بْن يوفنا , وَقَارُون , وَاخْتَارَ الزَّجَّاج الْقَوْل الْأَوَّل , وَأَنْكَرَ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَعْمَل الْكِيمْيَاء قَالَ : لِأَنَّ الْكِيمْيَاء بَاطِل لَا حَقِيقَة لَهُ وَقِيلَ : إِنَّ مُوسَى عَلَّمَ أُخْته عِلْم الْكِيمْيَاء , وَكَانَتْ زَوْجَة قَارُون وَعَلَّمَتْ أُخْت مُوسَى قَارُون ; وَاَللَّه أَعْلَم أَيْ بِالْعَذَابِ أَيْ الْأُمَم الْخَالِيَة الْكَافِرَة أَيْ لِلْمَالِ , وَلَوْ كَانَ الْمَال يَدُلّ عَلَى فَضْل لَمَا أَهْلَكَهُمْ وَقِيلَ : الْقُوَّة الْآلَات , وَالْجَمْع الْأَعْوَان وَالْأَنْصَار , وَالْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج التَّقْرِيع مِنْ اللَّه تَعَالَى لِقَارُونَ ; أَيْ " أَوَلَمْ يَعْلَم " قَارُون " أَنَّ اللَّه قَدْ أَهْلَكَ مَنْ قَبْله مِنْ الْقُرُون " أَيْ لَا يُسْأَلُونَ سُؤَال اِسْتِعْتَاب كَمَا قَالَ : " وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ " [ الرُّوم : 57 ] " فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ " [ فُصِّلَتْ : 24 ] وَإِنَّمَا يُسْأَلُونَ سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ لِقَوْلِهِ : " فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " [ الْحِجْر : 92 ] قَالَهُ الْحَسَن وَقَالَ مُجَاهِد : لَا تُسْأَل الْمَلَائِكَة غَدًا عَنْ الْمُجْرِمِينَ , فَإِنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ , فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ سُود الْوُجُوه زُرْق الْعُيُون وَقَالَ قَتَادَة : لَا يُسْأَل الْمُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبهمْ لِظُهُورِهَا وَكَثْرَتهَا , بَلْ يَدْخُلُونَ النَّار بِلَا حِسَاب وَقِيلَ : لَا يُسْأَل مُجْرِمُو هَذِهِ الْأُمَّة عَنْ ذُنُوب الْأُمَم الْخَالِيَة الَّذِينَ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ : أَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَ مِنْ الْقُرُون عَنْ عِلْم مِنْهُ بِذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَسْأَلَتهمْ عَنْ ذُنُوبهمْ

غريب الآية
قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ أَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰاۚ وَلَا یُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ﴿٧٨﴾
أُوتِیتُهُۥأُعْطِيتُ هَذا المالَ.
مِنَ ٱلۡقُرُونِمِنَ الأُمَمِ.
الإعراب
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(إِنَّمَا)
كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(أُوتِيتُهُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عِلْمٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عِنْدِي)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(عِلْمٍ) :.
(أَوَلَمْ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمْ) : حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَعْلَمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(أَنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (أَنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(قَدْ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَهْلَكَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَبْلِهِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْقُرُونِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(هُوَ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَشَدُّ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قُوَّةً)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَكْثَرُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَكْثَرُ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(جَمْعًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اعْتِرَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُسْأَلُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ذُنُوبِهِمُ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(الْمُجْرِمُونَ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.