تفسير الطبري
وَقَوْله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29122 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : إِلَى أَرْذَل الْعُمُر . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , عَنْ اِبْن عَبَّاس { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : إِلَى أَرْذَل الْعُمُر . 29123 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } يَقُول : يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر , كَبِرَ حَتَّى ذَهَبَ عَقْله , وَهُمْ نَفَر رُدُّوا إِلَى أَرْذَل الْعُمُر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين سَفِهَتْ عُقُولهمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْرهمْ أَنَّ لَهُمْ أَجْرهمْ الَّذِي عَمِلُوا قَبْل أَنْ تَذْهَب عُقُولهمْ . 29124 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سُئِلَ عِكْرِمَة , عَنْ قَوْله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : رُدُّوا إِلَى أَرْذَل الْعُمُر . 29125 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُؤَمَّل وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : إِلَى أَرْذَل الْعُمُر . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله . 29126 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : رَدَدْنَاهُ إِلَى الْهَرَم . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْهَرَم . 29127 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت الْحَكَم يُحَدِّث , عَنْ عِكْرِمَة { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : الشَّيْخ الْهَرِم , لَمْ يَضُرّهُ كِبَره إِنْ خَتَمَ اللَّه لَهُ بِأَحْسَن مَا كَانَ يَعْمَل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى النَّار فِي أَقْبَح صُورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 0 29128 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : فِي شَرّ صُورَة فِي صُورَة خِنْزِير . 29129 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : النَّار . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِلَى النَّار . * -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : فِي النَّار . * - قَالَ ثَنَا مُؤَمَّل , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِلَى النَّار . 29130- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : [ قَالَ ] الْحَسَن : جَهَنَّم مَأْوَاهُ . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ الْحَسَن , فِي قَوْله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : فِي النَّار . 29131 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ } قَالَ : إِلَى النَّار . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ , وَأَشْبَههَا بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر , إِلَى عُمْر الْخَرْفَى , الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولهمْ مِنْ الْهَرَم وَالْكِبَر , فَهُوَ فِي أَسْفَل مَنْ سَفَلَ : فِي إِدْبَار الْعُمُر وَذَهَاب الْعَقْل . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَخْبَرَ عَنْ خَلْقه اِبْن آدَم , وَتَصْرِيفه فِي الْأَحْوَال , اِحْتِجَاجًا بِذَلِكَ عَلَى مُنْكِرِي قُدْرَته عَلَى الْبَعْث بَعْد الْمَوْت . أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { فَمَا يُكَذِّبك بَعْد بِالدِّينِ } يَعْنِي : بَعْد هَذِهِ الْحُجَج. وَمُحَال أَنْ يُحْتَجّ عَلَى قَوْم كَانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي , بِمَا كَانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ . وَإِنَّمَا الْحُجَّة عَلَى كُلّ قَوْم بِمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعه , مِمَّا يُعَايِنُونَهُ وَيُحِسُّونَهُ , أَوْ يُقِرُّونَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحِسِّينَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ الْقَوْم لِلنَّارِ الَّتِي كَانَ اللَّه يَتَوَعَّدهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَة مُنْكِرِينَ , وَكَانُوا لِأَهْلِ الْهَرَم وَالْخَرَف مِنْ بَعْد الشَّبَاب وَالْجَلْد شَاهِدِينَ , عُلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا كَانُوا لَهُ مُعَايِنِينَ , مِنْ تَصْرِيفه خَلْقه , وَنَقْله إِيَّاهُمْ مِنْ حَال التَّقْوِيم الْحَسَن وَالشَّبَاب وَالْجَلْد , إِلَى الْهَرَم وَالضَّعْف وَفَنَاء الْعُمُر , وَحُدُوث الْخَرَف.
تفسير القرطبي
أَيْ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر , وَهُوَ الْهَرَم بَعْد الشَّبَاب , وَالضَّعْف بَعْد الْقُوَّة , حَتَّى يَصِير كَالصَّبِيِّ فِي الْحَال الْأَوَّل قَالَهُ الضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ وَغَيْرهمَا . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : " ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ " إِلَى النَّار , يَعْنِي الْكَافِر , وَقَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة . وَقِيلَ : لَمَّا وَصَفَهُ اللَّه بِتِلْكَ الصِّفَات الْجَلِيلَة الَّتِي رُكِّبَ الْإِنْسَان عَلَيْهَا , طَغَى وَعَلَا , حَتَّى قَالَ : " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " [ النَّازِعَات : 24 ] وَحِين عَلِمَ اللَّه هَذَا مِنْ عَبْده , وَقَضَاؤُهُ صَادِر مِنْ عِنْده , رَدَّهُ أَسْفَل سَافِلِينَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَمْلُوءًا قَذَرًا , مَشْحُونًا نَجَاسَةً , وَأَخْرَجَهَا عَلَى ظَاهِره إِخْرَاجًا مُنْكَرًا , عَلَى وَجْه الِاخْتِيَار تَارَة , وَعَلَى وَجْه الْغَلَبَة أُخْرَى , حَتَّى , إِذَا شَاهَدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْره , رَجَعَ إِلَى قَدْره . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه " أَسْفَل السَّافِلِينَ " . وَقَالَ : " أَسْفَل سَافِلِينَ " عَلَى الْجَمْع ; لِأَنَّ الْإِنْسَان فِي مَعْنَى جَمْع , وَلَوْ قَالَ : أَسْفَل سَافِل جَازَ ; لِأَنَّ لَفْظ الْإِنْسَان وَاحِد . وَتَقُول : هَذَا أَفْضَل قَائِم . وَلَا تَقُول أَفْضَل قَائِمِينَ ; لِأَنَّك تُضْمِر لِوَاحِدٍ , فَإِنْ كَانَ الْوَاحِد غَيْر مُضْمِر لَهُ , رَجَعَ اِسْمه بِالتَّوْحِيدِ وَالْجَمْع كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ " [ الزُّمَر : 33 ] . وَقَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَان مِنَّا رَحْمَة فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة " [ الشُّورَى : 48 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ " أَيْ رَدَدْنَاهُ إِلَيَّ الضَّلَال كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " أَيْ إِلَّا هَؤُلَاءِ , فَلَا يُرَدُّونَ إِلَى ذَلِكَ . وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ " أَسْفَل سَافِلِينَ " النَّار , مُتَّصِل . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ الْهَرَم فَهُوَ مُنْقَطِع .