صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ٦٠

سورة التوبة الآية ٦٠

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ﴿٦٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى: " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ " أي: الزكوات الواجبة, بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد, لا يخص بها أحد دون أحد. إنما الصدقات - لهؤلاء المذكورين, دون من عداهم, لأنه حصرها فيهم, وهم ثمانية أصناف. الأول والثاني الفقراء, والمساكين, وهم في هذا الموضع, صنفان متفاوتان. فالفقير, أشد حاجة من المسكين, لأن اللّه بدأ بهم, ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم, ففسر الفقير, بأنه الذي لا يجد شيئا, أو يجد بعض كفايته دون نصفها. والمسكين: هو الذي يجد نصفها فأكثر, ولا يجد تمام كفايته, لأنه لو وجدها لكان غنيا, فيعطون من الزكاة, ما يزول به فقرهم ومسكنتهم. والثالث: العاملون على الزكاة, وهم: كل من له عمل وشغل فيها, من حافظ لها, وجاب لها من أهلها, أو راع, أو حامل لها, أو كاتب, أو نحو ذلك. فيعطون لأجل عمالتهم, وهي أجرة لأعمالهم فيها. والرابع: المؤلفة قلوبهم. والمؤلفة قلبه هو: السيد المطاع في قومه, ممن يرجى إسلامه, أو يخشى شره أو يرجى بعطيته, قوة إيمانه, أو إسلام نظيره, أو جبايتها ممن لا يعطيها. فيعطى, ما يحصل به التأليف والمصلحة. الخامس: الرقاب, وهم المكاتبون الذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم. فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم, فيعانون على ذلك من الزكاة. وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار, داخل في هذا, بل أولى. ويدخل في هذا, أنه يجوز أن يعتق الرقاب استقلالا, لدخوله في قوله " وفي الرقاب " . السادس, الغارمون, وهم قسمان: أحدهما: الغارمون لإصلاح ذات البين, وهو أن يكون بين طائفتين من الناس, شر وفتنة, فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم, بما يبذله لأحدهم أو لهم كلهم. فجعل له نصيب من الزكاة, ليكون أنشط له, وأقوى لعزمه, فيعطى, ولو كان غنيا. والثاني: من غرم لنفسه, ثم أعسر, فإنه يعطى ما يُوَفِّى به دينه. والسابع: الغازي في سبيل اللّه, وهم: الغزاة المتطوعة, الذين لا ديوان لهم. فيعطون من الزكاة, ما يعينهم على غزوهم, من ثمن سلاح, أو دابة, أو نفقة له ولعياله, ليتوفر على الجهاد, ويطمئن قلبه. وقال كثير من الفقهاء: إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم, أعطى من الزكاة, لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه. وقالوا أيضا: يجوز أن يعطى منها الفقير, لحج فرضه, وفيه نظر. والثامن: ابن السبيل, وهو: الغريب المنقطع به في غير بلده. فيعطى من الزكاة, ما يوصله إلى بلده. فهؤلاء الأصناف الثمانية, الذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم. " فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ " فرضها وقدرها, تابعة لعلمه وحكمه " وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " . واعلم أن هذه الأصناف الثمانية, ترجع إلى أمرين. أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه, كالفقير, والمسكين, ونحوهما. والثاني: من يعطى للحاجة إليه, وانتفاع الإسلام به. فأوجب اللّه هذه الحصة, في أموال الأغنياء, لسد الحاجات الخاصة والعامة, للإسلام والمسلمين. فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم, على الوجه الشرعي, لم يبق فقير من المسلمين. ولحصل من الأموال, ما يسد الثغور, ويجاهد به الكفار, وتحصل به جميع المصالح الدينية.

التفسير الميسر

إنما تعطى الزكوات الواجبة للمحتاجين الذين لا يملكون شيئًا، وللمساكين الذين لا يملكون كفايتهم، وللسعاة الذين يجمعونها، وللذين تؤلِّفون قلوبهم بها ممن يُرْجَى إسلامه أو قوة إيمانه أو نفعه للمسلمين، أو تدفعون بها شرَّ أحد عن المسلمين، وتعطى في عتق رقاب الأرقاء والمكاتبين، وتعطى للغارمين لإصلاح ذات البين، ولمن أثقلَتْهم الديون في غير فساد ولا تبذير فأعسروا، وللغزاة في سبيل الله، وللمسافر الذي انقطعت به النفقة، هذه القسمة فريضة فرضها الله وقدَّرها. والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه.

تفسير الجلالين

"إنَّمَا الصَّدَقَات" الزَّكَوَات مَصْرُوفَة "لِلْفُقَرَاءِ" الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَع مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتهمْ "وَالْمَسَاكِين" الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ "وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا" أَيْ الصَّدَقَات مِنْ جَابٍ وَقَاسِم وَكَاتِب وَحَاشِر "وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ" لِيُسْلِمُوا أَوْ يَثْبُت إسْلَامهمْ أَوْ يَسْلَم نُظَرَاؤُهُمْ أَوْ يَذُبُّوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَقْسَام الْأَوَّل وَالْأَخِير لَا يُعْطِيَانِ الْيَوْم عِنْد الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ لِعَزِّ الْإِسْلَام بِخِلَافِ الْآخَرَيْنِ فَيُعْطِيَانِ عَلَى الْأَصَحّ "وَفِي" فَكّ "الرِّقَاب" أَيْ الْمُكَاتَبِينَ "وَالْغَارِمِينَ" أَهْل الدِّين إنْ اسْتَدَانُوا لِغَيْرِ مَعْصِيَة أَوْ تَابُوا وَلَيْسَ لَهُمْ وَفَاء أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْن وَلَوْ أَغْنِيَاء "وَفِي سَبِيل اللَّه" أَيْ الْقَائِمِينَ بِالْجِهَادِ مِمَّنْ لَا فَيْء لَهُمْ وَلَوْ أَغْنِيَاء "وَابْن السَّبِيل" الْمُنْقَطِع فِي سَفَره "فَرِيضَة" نُصِبَ بِفِعْلِهِ الْمُقَدَّر "مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه فَلَا يَجُوز صَرْفهَا لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ وَلَا مَنْع صِنْف مِنْهُمْ إذَا وُجِدَ فَيَقْسِمهَا الْإِمَام عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاء وَلَهُ تَفْضِيل بَعْض آحَاد الصِّنْف عَلَى بَعْض وَأَفَادَتْ اللَّام وُجُوب اسْتِغْرَاق أَفْرَاده لَكِنْ لَا يَجِب عَلَى صَاحِب الْمَال إذَا قَسَمَ لِعُسْرِهِ بَلْ يَكْفِي إعْطَاء ثَلَاثَة مِنْ كُلّ صِنْف وَلَا يَكْفِي دُونهَا كَمَا أَفَادَتْهُ صِيغَة الْجَمْع وَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ شَرْط الْمُعْطَى مِنْهَا الْإِسْلَام وَأَنْ لَا يَكُون هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا

تفسير ابن كثير

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى اِعْتِرَاض الْمُنَافِقِينَ الْجَهَلَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْزهمْ إِيَّاهُ فِي قَسْم الصَّدَقَات بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَسَمَهَا وَبَيَّنَ حُكْمهَا وَتَوَلَّى أَمْرهَا بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكِل قَسْمهَا إِلَى أَحَد غَيْره فَجَزَّأَهَا لِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَبُو دَاوُد فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد بْن أَنْعَم وَفِيهِ ضَعْف عَنْ زِيَاد بْن نُعَيْم عَنْ زِيَاد بْن الْحَارِث الصُّدَائِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْته فَأَتَى رَجُل فَقَالَ أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَة فَقَالَ لَهُ إِنَّ اللَّه لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيّ وَلَا غَيْره فِي الصَّدَقَات حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَة أَصْنَاف فَإِنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء أَعْطَيْتُك . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة هَلْ يَجِب اِسْتِيعَاب الدَّفْع لَهَا أَوْ إِلَى مَا أَمْكَنَ مِنْهَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ يَجِب ذَلِكَ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجِب اِسْتِيعَابهَا بَلْ يَجُوز الدَّفْع إِلَى وَاحِد مِنْهَا وَيُعْطَى جَمِيع الصَّدَقَة مَعَ وُجُود الْبَاقِينَ وَهُوَ قَوْل مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف مِنْهُمْ عُمَر وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمَيْمُون بْن مَهْرَانِ قَالَ اِبْن جَرِير وَهُوَ قَوْل عَامَّة أَهْل الْعِلْم وَعَلَى هَذَا فَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْأَصْنَاف هَهُنَا لِبَيَانِ الْمَصْرِف لَا لِوُجُوبِ اِسْتِيعَابهَا وَلِوُجُوهِ الْحِجَاج وَالْمَآخِذ مَكَان غَيْر هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْفُقَرَاء هَهُنَا عَلَى الْبَقِيَّة لِأَنَّهُمْ أَحْوَج مِنْ غَيْرهمْ عَلَى الْمَشْهُور وَلِشِدَّةِ فَاقَتهمْ وَحَاجَتهمْ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّ الْمِسْكِين أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْفَقِير وَهُوَ كَمَا قَالَ أَحْمَد وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يَعْقُوب حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة أَنْبَأَنَا اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد قَالَ : قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْفَقِير لَيْسَ بِاَلَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَكِنَّ الْفَقِير الْأَخْلَق الْكَسْب قَالَ اِبْن عُلَيَّة الْأَخْلَق الْمُحَارَف عِنْدنَا وَالْجُمْهُور عَلَى خِلَافه وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَابْن زَيْد وَاخْتَارَ اِبْن جَرِير وَغَيْر وَاحِد أَنَّ الْفَقِير هُوَ الْمُتَعَفِّف الَّذِي لَا يَسْأَل النَّاس شَيْئًا وَالْمِسْكِين هُوَ الَّذِي يَسْأَل وَيَطُوف وَيَتْبَع النَّاس وَقَالَ قَتَادَة الْفَقِير مَنْ بِهِ زَمَانَة وَالْمِسْكِين الصَّحِيح الْجِسْم وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم هُمْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ يَعْنِي وَلَا يُعْطَى الْأَعْرَاب مِنْهَا شَيْئًا وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى وَقَالَ عِكْرِمَة لَا تَقُولُوا لِفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ مَسَاكِين إِنَّمَا الْمَسَاكِين أَهْل الْكِتَاب وَلْنَذْكُرْ أَحَادِيث تَتَعَلَّق بِكُلِّ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة فَأَمَّا الْفُقَرَاء فَعَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَلِأَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله وَعَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخَيَّار أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَة فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَر فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب " رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّد قَوِيّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي كِتَاب الْجَرْح وَالتَّعْدِيل : أَبُو بَكْر الْعَبْسِيّ قَالَ : قَرَأَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ " قَالَ هُمْ أَهْل الْكِتَاب رَوَى عَنْهُ عُمَر بْن نَافِع سَمِعْت أَبِي يَقُول ذَلِكَ " قُلْت " وَهَذَا قَوْل غَرِيب جِدًّا بِتَقْدِيرِ صِحَّة الْإِسْنَاد فَإِنَّ أَبَا بَكْر هَذَا وَإِنْ لَمْ يَنُصّ أَبُو حَاتِم عَلَى جَهَالَته لَكِنَّهُ فِي حُكْم الْمَجْهُول وَأَمَّا الْمَسَاكِين فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَيْسَ الْمِسْكِين بِهَذَا الطَّوَاف الَّذِي يَطُوف عَلَى النَّاس فَتَرُدّهُ اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ " قَالُوا فَمَا الْمِسْكِين يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ الَّذِي لَا يَجِد غِنًى يُغْنِيه وَلَا يُفْطَن لَهُ فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَل النَّاس شَيْئًا " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا فَهُمْ الْجُبَاة وَالسُّعَاة يَسْتَحِقُّونَ مِنْهَا قِسْطًا عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَقْرِبَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ تَحْرُم عَلَيْهِمْ الصَّدَقَة لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد الْمُطَّلِب بْن رَبِيعَة بْن الْحَارِث أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَالْفَضْل بْن الْعَبَّاس يَسْأَلَانِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَعْمِلهُمَا عَلَى الصَّدَقَة فَقَالَ " إِنَّ الصَّدَقَة لَا تَحِلّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس " . وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ فَأَقْسَام : مِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيُسْلِم كَمَا أَعْطَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ صَفْوَان بْن أُمَيَّة مِنْ غَنَائِم حُنَيْن وَقَدْ كَانَ شَهِدَهَا مُشْرِكًا قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِينِي حَتَّى سَارَ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ بَعْد أَنْ كَانَ أَبْغَض النَّاس إِلَيَّ كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ أَنَا اِبْن الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ صَفْوَان بْن أُمَيَّة قَالَ : أَعْطَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْن وَإِنَّهُ لَأَبْغَض النَّاس إِلَيَّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبّ النَّاس إِلَيَّ وَرَوَاهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيَحْسُن إِسْلَامه وَيَثْبُت قَلْبه كَمَا أَعْطَى يَوْم حُنَيْن أَيْضًا جَمَاعَة مِنْ صَنَادِيد الطُّلَقَاء وَأَشْرَافهمْ مِائَة مِنْ الْإِبِل وَقَالَ " إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُل وَغَيْرُهُ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَة أَنْ يَكُبّهُ اللَّه عَلَى وَجْهه فِي نَار جَهَنَّم " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيد أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَة فِي تُرْبَتهَا مِنْ الْيَمَن فَقَسَمَهَا بَيْن أَرْبَعَة نَفَر : الْأَقْرَع بْن حَابِس وَعُيَيْنَة بْن بَدْر وَعَلْقَمَة بْن عُلَاثَة وَزَيْد الْخَيْر وَقَالَ " أَتَأَلَّفهُمْ " وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِمَا يُرْجَى مِنْ إِسْلَام نُظَرَائِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيَجْبِيَ الصَّدَقَات مِمَّنْ يَلِيه أَوْ لِيَدْفَع عَنْ حَوْزَة الْمُسْلِمِينَ الضَّرَر مِنْ أَطْرَاف الْبِلَاد وَمَحَلّ تَفْصِيل هَذَا فِي كُتُب الْفُرُوع وَاَللَّه أَعْلَم . وَهَلْ تُعْطَى الْمُؤَلَّفَة عَلَى الْإِسْلَام بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فِيهِ خِلَاف فَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَعَامِر وَالشَّعْبِيّ وَجَمَاعَة أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ بَعْده لِأَنَّ اللَّه قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَام وَأَهْله وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْبِلَاد وَأَذَلَّ لَهُمْ رِقَاب الْعِبَاد . وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يُعْطَوْنَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَدْ أَعْطَاهُمْ بَعْد فَتْح مَكَّة وَكَسْر هَوَازِن وَهَذَا أَمْر قَدْ يَحْتَاج إِلَيْهِ فَصَرَفَ إِلَيْهِمْ . وَأَمَّا الرِّقَاب فَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالنَّخَعِيّ وَالزُّهْرِيّ وَابْن زَيْد أَنَّهُمْ الْمُكَاتَبُونَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ نَحْوه وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَاللَّيْث رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن لَا بَأْس أَنْ تُعْتَق الرَّقَبَة مِنْ الزَّكَاة وَهُوَ مَذْهَب أَحْمَد وَمَالِك وَإِسْحَاق أَيْ أَنَّ الرِّقَاب أَعَمّ مِنْ أَنْ يُعْطِي الْمُكَاتَب أَوْ يَشْتَرِي رَقَبَة فَيُعْتِقهَا اِسْتِقْلَالًا وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَاب الْإِعْتَاق وَفَكّ الرَّقَبَة أَحَادِيث كَثِيرَة وَأَنَّ اللَّه يُعْتِق بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْ مُعْتِقهَا حَتَّى الْفَرْج بِالْفَرْجِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل " وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ثَلَاثَة حَقّ عَلَى اللَّه عَوْنهمْ : الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّه وَالْمُكَاتَب الَّذِي يُرِيد الْأَدَاء وَالنَّاكِح الَّذِي يُرِيد الْعَفَاف " رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن إِلَّا أَبَا دَاوُد وَفِي الْمُسْنَد عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : جَاءَ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُقَرِّبنِي مِنْ الْجَنَّة وَيُبَاعِدنِي مِنْ النَّار فَقَالَ " أَعْتِقْ النَّسَمَة وَفُكَّ الرَّقَبَة " فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَوَلَيْسَا وَاحِدًا ؟ قَالَ " لَا عِتْق النَّسَمَة أَنْ تَفَرَّد بِعِتْقِهَا وَفَكّ الرَّقَبَة أَنْ تُعِين فِي ثَمَنهَا " وَأَمَّا الْغَارِمُونَ فَهُمْ أَقْسَام فَمِنْهُمْ مَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَة أَوْ ضَمِنَ دَيْنًا فَلَزِمَهُ فَأَجْحَفَ بِمَالِهِ أَوْ غَرِمَ فِي أَدَاء دَيْنه أَوْ فِي مَعْصِيَة ثُمَّ تَابَ فَهَؤُلَاءِ يُدْفَع إِلَيْهِمْ وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث قَبِيصَة بْن مُخَارِق الْهِلَالِيّ قَالَ : تَحَمَّلْت حَمَالَة فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة فَنَأْمُر لَك بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَة إِنَّ الْمَسْأَلَة لَا تَحِلّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَة رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَة فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبهَا ثُمَّ يُمْسِك وَرَجُل أَصَابَتْهُ جَائِحَة اِجْتَاحَتْ مَاله فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيب قِوَامًا مِنْ عَيْش أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْش وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَة حَتَّى يَقُوم ثَلَاثَة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَرَابَة قَوْمه فَيَقُولُونَ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَة فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيب قِوَامًا مِنْ عَيْش أَوْ قَالَ سَدَادًا مِنْ عَيْش فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَة سُحْت يَأْكُلهَا صَاحِبهَا سُحْتًا رَوَاهُ مُسْلِم وَعَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ أُصِيبَ رَجُل فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فِي ثِمَار اِبْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنه فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاس عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ وَفَاء دَيْنه فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِم وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد أَنْبَأَنَا صَدَقَة بْن مُوسَى عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ عَنْ قَيْس بْن يَزِيد عَنْ قَاضِي الْمِصْرَيْنِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو اللَّه بِصَاحِبِ الدَّيْن يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُوقَف بَيْن يَدَيْهِ فَيَقُول : يَا بْن آدَم فِيمَ أَخَذْت هَذَا الدَّيْن وَفِيمَ ضَيَّعْت حُقُوق النَّاس ؟ فَيَقُول يَا رَبّ أَنْتَ أَعْلَم أَنِّي أَخَذْته فَلَمْ آكُل وَلَمْ أَشْرَب وَلَمْ أُضَيِّع وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَق وَإِمَّا سَرَق وَإِمَّا وَضِيعَة فَيَقُول اللَّه صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقّ مَنْ قَضَى عَنْك الْيَوْم فَيَدْعُو اللَّه بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّة مِيزَانه فَتَرْجَح حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته فَيَدْخُل الْجَنَّة بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته وَأَمَّا فِي سَبِيل اللَّه فَمِنْهُمْ الْغُزَاة الَّذِينَ لَا حَقّ لَهُمْ فِي الدِّيوَان وَعِنْد الْإِمَام أَحْمَد وَالْحَسَن وَإِسْحَاق وَالْحَجّ فِي سَبِيل اللَّه لِلْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ اِبْن السَّبِيل وَهُوَ الْمُسَافِر الْمُجْتَاز فِي بَلَد لَيْسَ مَعَهُ شَيْء يَسْتَعِين بِهِ عَلَى سَفَره فَيُعْطَى مِنْ الصَّدَقَات مَا يَكْفِيه إِلَى بَلَده وَإِنْ كَانَ لَهُ مَال وَهَكَذَا الْحُكْم فِيمَنْ أَرَادَ إِنْشَاء سَفَر مِنْ بَلَده وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْء فَيُعْطَى مِنْ مَال الزَّكَاة كِفَايَته فِي ذَهَابه وَإِيَابه وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ الْآيَة وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : الْعَامِل عَلَيْهَا أَوْ رَجُل اِشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ غَارِم أَوْ غَازٍ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ مِسْكِين تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ وَقَدْ رَوَاهُ السُّفْيَانَانِ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء مُرْسَلًا وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ إِلَّا فِي سَبِيل اللَّه وَابْن السَّبِيل أَوْ جَارٍ فَقِير فَيُهْدِي لَك أَوْ يَدْعُوك وَقَوْله فَرِيضَة مِنْ اللَّه أَيْ حُكْمًا مُقَدَّرًا بِتَقْدِيرِ اللَّه وَفَرْضه وَقَسْمه وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم أَيْ عَلِيم بِظَوَاهِر الْأُمُور وَبَوَاطِنهَا وَبِمَصَالِح عِبَاده حَكِيم فِيمَا يَقُولهُ وَيَفْعَلهُ وَيَشْرَعهُ وَيَحْكُم بِهِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَا رَبّ سِوَاهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا تُنَال الصَّدَقَات إِلَّا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَمَنْ سَمَّاهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَة الْفَقِير وَالْمِسْكِين , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْفَقِير : الْمُحْتَاج الْمُتَعَفِّف عَنْ الْمَسْأَلَة . وَالْمِسْكِين : الْمُحْتَاج السَّائِل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13075 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } قَالَ : الْفَقِير : الْجَالِس فِي بَيْته , وَالْمِسْكِين : الَّذِي يَسْعَى . 13076 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } قَالَ : الْمَسَاكِين : الطَّوَّافُونَ , وَالْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ. 13077 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ جَرِير بْن حَازِم , قَالَ : ثني رَجُل , عَنْ جَابِر بْن زَيْد , أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفُقَرَاء , قَالَ : الْفُقَرَاء : الْمُتَعَفِّفُونَ , وَالْمَسَاكِين : الَّذِينَ يَسْأَلُونَ . 13078 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه الْحَرَّانِيّ , قَالَ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } قَالَ : الَّذِينَ فِي بُيُوتهمْ لَا يَسْأَلُونَ , وَالْمَسَاكِين : الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فَيَسْأَلُونَ . 13079 - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْفَقِير الَّذِي لَا يَسْأَل , وَالْمِسْكِين : الَّذِي يَسْأَل . 13080 - قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } قَالَ : الْفُقَرَاء الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ النَّاس وَهُمْ أَهْل حَاجَة , وَالْمَسَاكِين : الَّذِينَ يَسْأَلُونَ النَّاس . * - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثني عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْفُقَرَاء الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ , وَالْمَسَاكِين : الَّذِينَ يَسْأَلُونَ. وَقَالَ آخَرُونَ : الْفَقِير هُوَ ذُو الزَّمَانَة مِنْ أَهْل الْحَاجَة . وَالْمِسْكِين : هُوَ الصَّحِيح الْجِسْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } قَالَ : الْفَقِير مَنْ بِهِ زَمَانَة , وَالْمِسْكِين : الصَّحِيح الْمُحْتَاج. * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } أَمَّا الْفَقِير : فَالزَّمِن الَّذِي بِهِ زَمَانَة , وَأَمَّا الْمِسْكِين : فَهُوَ الَّذِي لَيْسَتْ بِهِ زَمَانَة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ . وَالْمَسَاكِين : مَنْ لَمْ يُهَاجِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُحْتَاج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13082 - حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا جَرِير بْن حَازِم , عَنْ عَلِيّ بْن الْحَكَم , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } قَالَ : فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ , وَالْمَسَاكِين : الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا . 13083 - قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } الْمُهَاجِرِينَ , قَالَ : سُفْيَان : يَعْنِي : وَلَا يُعْطِي الْأَعْرَاب مِنْهَا شَيْئًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ يُقَال : إِنَّمَا الصَّدَقَة لِفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ . * - قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَتْ تُجْعَل الصَّدَقَة فِي فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ , وَفِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى . 13084 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى , قَالَا : كَانَ نَاس مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لِأَحَدِهِمْ الدَّار وَالزَّوْجَة وَالْعَبْد وَالنَّاقَة يَحُجّ عَلَيْهَا وَيَغْزُو , فَنَسَبَهُمْ اللَّه إِلَى أَنَّهُمْ فَقِرَاء , وَجَعَلَ لَهُمْ سَهْمًا فِي الزَّكَاة . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ يُقَال : إِنَّمَا الصَّدَقَات فِي فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ , وَفِي سَبِيل اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِسْكِين : الضَّعِيف الْكَسْب. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13085 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : قَالَ عُمَر : لَيْسَ الْفَقِير بِاَلَّذِي لَا مَال لَهُ , وَلَكِنَّ الْفَقِير : الْأَخْلَق الْكَسْب . قَالَ يَعْقُوب , قَالَ اِبْن عُلَيَّة : الْأَخْلَق : الْمُحَارَف عِنْدنَا . 13086 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن سِيرِينَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِين بِاَلَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَكِنَّ الْمِسْكِين الْأَخْلَق الْكَسْب وَقَالَ بَعْضهمْ الْفَقِير مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمِسْكِين أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13087 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا عُمَر بْن نَافِع , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة فِي قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } قَالَ : لَا تَقُولُوا لِفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ مَسَاكِين , إِنَّمَا الْمَسَاكِين مَسَاكِين أَهْل الْكِتَاب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْفَقِير : هُوَ ذُو الْفَقْر أَوْ الْحَاجَة وَمَعَ حَاجَته يَتَعَفَّف عَنْ مَسْأَلَة النَّاس وَالتَّذَلُّل لَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَالْمِسْكِين : هُوَ الْمُحْتَاج الْمُتَذَلِّل لِلنَّاسِ بِمَسْأَلَتِهِمْ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ لَمْ يُعْطَيَا إِلَّا بِالْفَقْرِ وَالْحَاجَة دُون الذِّلَّة وَالْمَسْكَنَة , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمِسْكِين إِنَّمَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة بِالْفَقْرِ , وَأَنَّ مَعْنَى الْمَسْكَنَة عِنْد الْعَرَب : الذِّلَّة , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة وَالْمَسْكَنَة } يَعْنِي بِذَلِكَ الْهَوْن , وَالذِّلَّة لَا الْفَقْر . فَإِذَا كَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ صَنَّفَ مَنْ قَسَمَ لَهُ مِنْ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة قَسْمًا بِالْفَقْرِ فَجَعَلَهُمْ صِنْفَيْنِ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ كُلّ صِنْف مِنْهُمْ غَيْر الْآخَر . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْسُوم لَهُ بِاسْمِ الْفَقِير غَيْر الْمَقْسُوم لَهُ بِاسْمِ الْفَقْر وَالْمَسْكَنَة , وَالْفَقِير الْمُعْطَى ذَلِكَ بِاسْمِ الْفَقِير الْمُطْلَق هُوَ الَّذِي لَا مَسْكَنَة فِيهِ , وَالْمُعْطَى بِاسْمِ الْمَسْكَنَة وَالْفَقْر هُوَ الْجَامِع إِلَى فَقْره الْمَسْكَنَة , وَهِيَ الذُّلّ بِالطَّلَبِ وَالْمَسْأَلَة. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ : إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ الْمُتَعَفِّف مِنْهُمْ الَّذِي لَا يَسْأَل , وَالْمُتَذَلِّل مِنْهُمْ الَّذِي يَسْأَل , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ خَبَر . 13088 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر , عَنْ شَرِيك بْن أَبِي نَمِر , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ الْمِسْكِين بِاَلَّذِي تَرُدّهُ اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ , إِنَّمَا الْمِسْكِين الْمُتَعَفِّف ; اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا } . " 2 273 وَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا الْمِسْكِين الْمُتَعَفِّف " عَلَى نَحْو مَا قَدْ جَرَى بِهِ اِسْتِعْمَال النَّاس مِنْ تَسْمِيَتهمْ أَهْل الْفَقْر مَسَاكِين , لَا عَلَى تَفْصِيل الْمِسْكِين مِنْ الْفَقِير . وَمِمَّا يُنْبِئ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , اِنْتِزَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ اللَّه : " اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا } " وَذَلِكَ فِي صِفَة مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه ذِكْره وَوَصَفَهُ بِالْفَقْرِ , فَقَالَ { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض يَحْسَبهُمْ الْجَاهِل أَغْنِيَاء مِنْ التَّعَفُّف تَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا } وَقَوْله : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وَهُمْ السُّعَاة فِي قَبْضهَا مِنْ أَهْلهَا , وَوَضْعهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا يُعْطَوْنَ ذَلِكَ بِالسِّعَايَةِ , أَغْنِيَاء كَانُوا أَوْ فُقَرَاء. وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13089 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا , فَقَالَ : السُّعَاة . 13090 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } قَالَ : جِبَاتهَا الَّذِينَ يَجْمَعُونَهَا , وَيَسْعَوْنَ فِيهَا . 13091 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } : الَّذِي يَعْمَل عَلَيْهَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر مَا يُعْطَى الْعَامِل مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : يُعْطَى مِنْهُ الثُّمُن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13092 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ حَسَن بْن صَالِح , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا الثُّمُن مِنْ الصَّدَقَة . 13093 - حُدِّثْت عَنْ مُسْلِم بْن خَالِد , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } قَالَ : يَأْكُل الْعُمَّال مِنْ السَّهْم الثَّامِن . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يُعْطَى عَلَى قَدْر عِمَالَته . 13094 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء , عَنْ الْأَخْضَر بْن عَجْلَان , قَالَ : ثنا عَطَاء بْن زُهَيْر الْعَامِرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّهُ لَقِيَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص , فَسَأَلَهُ عَنْ الصَّدَقَة : أَيّ مَال هِيَ ؟ فَقَالَ : مَال الْعُرْجَان وَالْعُورَان وَالْعُمْيَان وَكُلّ مُنْقَطِع بِهِ . فَقَالَ لَهُ : إِنَّ لِلْعَامِلِينَ حَقًّا وَالْمُجَاهِدِينَ. قَالَ : إِنَّ الْمُجَاهِدِينَ قَوْم أُحِلَّ لَهُمْ وَلِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا عَلَى قَدْر عِمَالَتهمْ . ثُمَّ قَالَ : لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ , وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ. 13095 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : يَكُون لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا إِنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ . وَلَمْ يَكُنْ عُمَر رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَلَا أُولَئِكَ يُعْطُونَ الْعَامِل الثُّمُن , إِنَّمَا يَفْرِضُونَ لَهُ بِقَدْرِ عِمَالَته . 13096 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } قَالَ : كَانَ يُعْطَى الْعَامِلُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : يُعْطَى الْعَامِل عَلَيْهَا عَلَى قَدْر عِمَالَته أَجْر مِثْله . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَقْسِم صَدَقَة الْأَمْوَال بَيْن الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة عَلَى ثَمَانِيَة أَسْهُم ; وَإِنَّمَا عَرَفَ خَلْقه أَنَّ الصَّدَقَات لَنْ تُجَاوِز هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة إِلَى غَيْرهمْ . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ بِمَا سَنُوَضِّحُ بَعْد وَبِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِع آخَر , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ مِنْهَا حَقًّا , فَإِنَّمَا يُعْطَى عَلَى قَدْر اِجْتِهَاد الْمُعْطِي فِيهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ الْعَامِل عَلَيْهَا إِنَّمَا يُعْطَى عَلَى عَمَله لَا عَلَى الْحَاجَة الَّتِي تَزُول بِالْعَطِيَّةِ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عِوَض مِنْ سَعْيه وَعَمَله , وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَدْر يَسْتَحِقّهُ عِوَضًا مِنْ عَمَله الَّذِي لَا يَزُول بِالْعَطِيَّةِ وَإِنَّمَا يَزُول بِالْعَزْلِ . وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , فَإِنَّهُمْ قَوْم كَانُوا يُتَأَلَّفُونَ عَلَى الْإِسْلَام مِمَّنْ لَمْ تَصِحّ نُصْرَته اِسْتِصْلَاحًا بِهِ نَفْسه وَعَشِيرَته , كَأَبِي سُفْيَان بْن حَرْب وَعُيَيْنَة بْن بَدْر وَالْأَقْرَع بْن حَابِس , وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ رُؤَسَاء الْقَبَائِل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13097 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عُمَر , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ } وَهُمْ قَوْم كَانُوا يَأْتُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ أَسْلَمُوا , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْضَخ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَات , فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَات فَأَصَابُوا مِنْهَا خَيْرًا قَالُوا : هَذَا دِين صَالِح ! وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ , عَابُوهُ وَتَرَكُوهُ. 13098 - حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير : أَنَّ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّة : أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب , وَمِنْ بَنِي مَخْزُوم : الْحَارِث بْن هِشَام , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يَرْبُوع , وَمِنْ بَنِي جُمَح : صَفْوَان بْن أُمَيَّة , وَمِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ : سُهَيْل بْن عَمْرو , وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى , وَمِنْ بَنِي أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى : حَكِيم بْن حِزَام , وَمِنْ بَنِي هَاشِم : سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَمِنْ بَنِي فَزَارَة : عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن بَدْر , وَمِنْ بَنِي تَمِيم : الْأَقْرَع بْن حَابِس , وَمِنْ بَنِي نَصْر : مَالِك بْن عَوْف , وَمِنْ بَنِي سُلَيْم : الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس , وَمِنْ ثَقِيف : الْعَلَاء بْن حَارِثَة . أَعْطَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ مِائَة نَاقَة , إِلَّا عَبْد الرَّحْمَن بْن يَرْبُوع وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى , فَإِنَّهُ أَعْطَى كُلّ رَجُل مِنْهُمْ خَمْسِينَ. 13099 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : قَالَ صَفْوَان بْن أُمَيَّة : لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَأَبْغَض النَّاس إِلَيَّ , فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبّ النَّاس إِلَيَّ . 13100 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : نَاس كَانَ يَتَأَلَّفهُمْ بِالْعَطِيَّةِ , عُيَيْنَة بْن بَدْر وَمَنْ كَانَ مَعَهُ . 13101 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن : { وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ } : الَّذِينَ يُؤَلَّفُونَ عَلَى الْإِسْلَام. 13102 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , فَأُنَاس مِنْ الْأَعْرَاب وَمِنْ غَيْرهمْ , كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفهُمْ بِالْعَطِيَّةِ كَيْمَا يُؤْمِنُوا. 13103 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ قَوْله : { وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ } فَقَالَ : مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ . قُلْت : وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا . 13104 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه الْحَرَّانِيّ , عَنْ الزُّهْرِيّ : { وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ } قَالَ : مَنْ هُوَ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي وُجُود الْمُؤَلَّفَة الْيَوْم وَعَدَمهَا , وَهَلْ يُعْطَى الْيَوْم أَحَد عَلَى التَّأَلُّف عَلَى الْإِسْلَام مِنْ الصَّدَقَة ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : قَدْ بَطَلَتْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ الْيَوْم , وَلَا سَهْم لِأَحَدٍ فِي الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة إِلَّا لِذِي حَاجَة إِلَيْهَا وَفِي سَبِيل اللَّه أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13105 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ } قَالَ : أَمَّا الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ فَلَيْسَ الْيَوْم . 13106 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : لَمْ يَبْقَ فِي النَّاس الْيَوْم مِنْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , إِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 13107 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن يَحْيَى , عَنْ حِبَّان بْن أَبِي جَبَلَة , قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ , وَأَتَاهُ عُيَيْنَة بْن حِصْن : { الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } 18 29 أَيْ لَيْسَ الْيَوْم مُؤَلَّفَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : لَيْسَ الْيَوْم مُؤَلَّفَة . 13108 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : إِنَّمَا كَانَتْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْر رَحْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ اِنْقَطَعَتْ الرَّشَا. وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ فِي كُلّ زَمَان , وَحَقّهمْ فِي الصَّدَقَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13109 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : فِي النَّاس الْيَوْم الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّ اللَّه جَعَلَ الصَّدَقَة فِي مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا سَدّ خُلَّة الْمُسْلِمِينَ. وَالْآخَر مَعُونَة الْإِسْلَام وَتَقْوِيَته ; فَمَا كَانَ فِي مَعُونَة الْإِسْلَام وَتَقْوِيَة أَسْبَابه فَإِنَّهُ يُعْطَاهُ الْغَنِيّ وَالْفَقِير , لِأَنَّهُ لَا يُعْطَاهُ مَنْ يُعْطَاهُ بِالْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْطَاهُ مَعُونَة لِلدِّينِ , وَذَلِكَ كَمَا يُعْطَى الَّذِي يُعْطَاهُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنَّهُ يُعْطَى ذَلِكَ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا لِلْغَزْوِ لَا لِسَدِّ خَلَّته. وَكَذَلِكَ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ يُعْطَوْنَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاء , اِسْتِصْلَاحًا بِإِعْطَائِهِمُوهُ أَمْر الْإِسْلَام وَطَلَب تَقْوِيَته وَتَأْيِيده. وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْطَى مِنْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , بَعْد أَنْ فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ الْفُتُوح وَفَشَا الْإِسْلَام وَعَزَّ أَهْله , فَلَا حُجَّة لِمُحْتَجٍّ بِأَنْ يَقُول : لَا يُتَأَلَّف الْيَوْم عَلَى الْإِسْلَام أَحَد لِامْتِنَاعِ أَهْله بِكَثْرَةِ الْعَدَد مِمَّنْ أَرَادَهُمْ وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْطَى مِنْهُمْ فِي الْحَال الَّتِي وَصَفْت . وَأَمَّا قَوْله : { وَفِي الرِّقَاب } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ , وَهُمْ الْجُمْهُور الْأَعْظَم : هُمْ الْمُكَاتِبُونَ , يُعْطَوْنَ مِنْهَا فِي فَكّ رِقَابهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13110 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْحَسَن بْن دِينَار , عَنْ الْحُسَيْن : أَنَّ مُكَاتِبًا قَامَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ يَخْطُب النَّاس يَوْم الْجُمْعَة , فَقَالَ لَهُ : أَيّهَا الْأَمِير حُثَّ النَّاس عَلَيَّ ! فَحَثَّ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى , فَأَلْقَى النَّاس عَلَيْهِ عِمَامَة وَمَلَاءَة وَخَاتَمًا , حَتَّى أَلْقَوْا سَوَادًا كَثِيرًا . فَلَمَّا رَأَى أَبُو مُوسَى مَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ , قَالَ : اِجْمَعُوهُ ! فَجَمَعَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَبِيعَ , فَأَعْطَى الْمُكَاتَب مُكَاتَبَته , ثُمَّ أَعْطَى الْفَضْل فِي الرِّقَاب وَلَمْ يَرُدّهُ عَلَى النَّاس , وَقَالَ : إِنَّمَا أُعْطِيَ النَّاس فِي الرِّقَاب . 13111 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ قَوْله : { وَفِي الرِّقَاب } قَالَ : الْمُكَاتَبُونَ . 13112 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَفِي الرِّقَاب } قَالَ : الْمُكَاتَب . 13113 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سَهْل بْن يُوسُف , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن : { وَفِي الرِّقَاب } قَالَ : هُمْ الْمُكَاتَبُونَ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْس أَنْ تُعْتَق الرَّقَبَة مِنْ الزَّكَاة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالرِّقَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْمُكَاتَبُونَ , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ الزَّكَاة حَقًّا وَاجِبًا عَلَى مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فِي مَاله يُخْرِجهَا مِنْهُ , لَا يَرْجِع إِلَيْهِ مِنْهَا نَفْع مِنْ عَرَض الدُّنْيَا وَلَا عِوَض , وَالْمُعْتَق رَقَبَة مِنْهَا رَاجِع إِلَيْهِ وَلَاء مَنْ أَعْتَقَهُ , وَذَلِكَ نَفْع يَعُود إِلَيْهِ مِنْهَا . وَأَمَّا الْغَارِمُونَ : فَاَلَّذِينَ اِسْتَدَانُوا فِي غَيْر مَعْصِيَة اللَّه , ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا قَضَاء فِي عَيْن وَلَا عَرَض . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13114 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْغَارِمُونَ : مَنْ اِحْتَرَقَ بَيْته , أَوْ يُصِيبهُ السَّيْل فَيَذْهَب مَتَاعه , وَيُدَان عَلَى عِيَاله ; فَهَذَا مِنْ الْغَارِمِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَالْغَارِمِينَ } قَالَ : مَنْ اِحْتَرَقَ بَيْته , وَذَهَبَ السَّيْل بِمَالِهِ , وَادَّانَ عَلَى عِيَاله. 13115 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : الْغَارِمِينَ : الْمُسْتَدِين فِي غَيْر سَرَف , يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْضِي عَنْهُمْ مِنْ بَيْت الْمَال . 13116 - قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَأَلْنَا الزُّهْرِيّ , عَنْ الْغَارِمِينَ , قَالَ : أَصْحَاب الدَّيْن . 13117 - قَالَ : ثنا مَعْقِل , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني خَادِم لِعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز خَدَمَهُ عِشْرِينَ سَنَة , قَالَ : كَتَبَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنْ يُعْطَى الْغَارِمُونَ . قَالَ أَحْمَد : أَكْثَر ظَنِّيّ مِنْ الصَّدَقَات . * - قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : الْغَارِمُونَ : الْمُسْتَدِين فِي غَيْر سَرَف . 13118 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : أَمَّا الْغَارِمُونَ : فَقَوْم غَرَّقَتْهُمْ الدُّيُون , فِي غَيْر إِمْلَاق وَلَا تَبْذِير وَلَا فَسَاد. 13119 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْغَارِم : الَّذِي يَدْخُل عَلَيْهِ الْغُرْم . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْغَارِمِينَ } قَالَ : هُوَ الَّذِي يَذْهَب السَّيْل وَالْحَرِيق بِمَالِهِ , وَيُدَان عَلَى عِيَاله. * - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : الْمُسْتَدِين فِي غَيْر فَسَاد . * - قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : الْغَارِمُونَ : الَّذِينَ يَسْتَدِينُونَ فِي غَيْر فَسَاد , يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْضِي عَنْهُمْ . 13120 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد : هُمْ قَوْم رَكِبَتْهُمْ الدُّيُون فِي غَيْر فَسَاد وَلَا تَبْذِير , فَجَعَلَ اللَّه لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة سَهْمًا . وَأَمَّا قَوْله : { وَفِي سَبِيل اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَفِي النَّفَقَة فِي نُصْرَة دِين اللَّه وَطَرِيقه وَشَرِيعَته الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ بِقِتَالِ أَعْدَائِهِ , وَذَلِكَ هُوَ غَزْو الْكُفَّار . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13121 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَفِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّه . 13122 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ : رَجُل عَمِلَ عَلَيْهَا , أَوْ رَجُل اِشْتَرَاهَا بِمَالِهِ , أَوْ فِي سَبِيل اللَّه , أَوْ اِبْن السَّبِيل , أَوْ رَجُل كَانَ لَهُ جَار تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَاهَا لَهُ " . 13123 - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ : فِي سَبِيل اللَّه , أَوْ اِبْن السَّبِيل , أَوْ رَجُل كَانَ لَهُ جَار فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَاهَا لَهُ " . وَأَمَّا قَوْله : { وَابْن السَّبِيل } فَالْمُسَافِر الَّذِي يَجْتَاز مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد , وَالسَّبِيل : الطَّرِيق , وَقِيلَ لِلضَّارِبِ فِيهِ اِبْن السَّبِيل لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَنَا اِبْن الْحَرْب رَبَّتْنِي وَلِيدًا إِلَى أَنْ شِبْت وَاكْتَهَلَتْ لِدَاتِي وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب , تُسَمِّي اللَّازِم لِلشَّيْءِ يُعْرَف بِابْنِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13124 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : اِبْن السَّبِيل : الْمُجْتَاز مِنْ أَرْض إِلَى أَرْض . 13125 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : لِابْنِ السَّبِيل حَقّ مِنْ الزَّكَاة وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا إِذَا كَانَ مُنْقَطِعًا بِهِ . 13126 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَأَلْت الزُّهْرِيّ , عَنْ اِبْن السَّبِيل قَالَ : يَأْتِي عَلَيَّ اِبْن السَّبِيل , وَهُوَ مُحْتَاج , قُلْت : فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا . 13127 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَابْن السَّبِيل } الضَّيْف جُعِلَ لَهُ فِيهَا حَقّ . 13128 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن السَّبِيل : الْمُسَافِر مَنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا إِذَا أُصِيبَتْ نَفَقَته , أَوْ فُقِدَتْ , أَوْ أَصَابَهَا شَيْء , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْء , فَحَقّه وَاجِب . 13129 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , أَنَّهُ قَالَ فِي الْغَنِيّ إِذَا سَافَرَ فَاحْتَاجَ فِي سَفَره , قَالَ : يَأْخُذ مِنْ الزَّكَاة . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَالَ : اِبْن السَّبِيل : الْمُجْتَاز مِنْ الْأَرْض إِلَى الْأَرْض . وَقَوْله : { فَرِيضَة مِنْ اللَّه } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَسَم قَسَمَهُ اللَّه لَهُمْ , فَأَوْجَبَهُ فِي أَمْوَال أَهْل الْأَمْوَال لَهُمْ , وَاَللَّه عَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه فِيمَا فَرَضَ لَهُمْ وَفِي غَيْر ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء . فَعَلَى عِلْم مِنْهُ فَرَضَ مَا فَرَضَ مِنْ الصَّدَقَة وَبِمَا فِيهَا مِنْ الْمَصْلَحَة , حَكِيم فِي تَدْبِيره خَلْقه , لَا يَدْخُل فِي تَدْبِيره خَلَل . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي كَيْفِيَّة قَسْم الصَّدَقَات الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , وَهَلْ يَجِب لِكُلِّ صِنْف مِنْ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة فِيهَا حَقّ أَوْ ذَلِكَ إِلَى رَبّ الْمَال , وَمَنْ يَتَوَلَّى قَسْمهَا فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِي جَمِيع ذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة ؟ فَقَالَ عَامَّة أَهْل الْعِلْم : لِلْمُتَوَلِّي قَسْمهَا وَوَضْعهَا فِي أَيّ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة شَاءَ , وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّه الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة فِي الْآيَة إِعْلَامًا مِنْهُ خَلْقه أَنَّ الصَّدَقَة لَا تَخْرُج مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة إِلَى غَيْرهَا , لَا إِيجَابًا لِقَسْمِهَا بَيْن الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13130 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرْطَأَة , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش , عَنْ حُذَيْفَة , فِي قَوْله : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } قَالَ : إِنْ شِئْت جَعَلْته فِي صِنْف وَاحِد , أَوْ صِنْفَيْنِ , أَوْ لِثَلَاثَةٍ . 13131 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : إِذَا وَضَعْتهَا فِي صِنْف وَاحِد أَجْزَأَ عَنْك . 13132 - قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُمَر : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } قَالَ : أَيّمَا صِنْف أَعْطَيْته مِنْ هَذَا أَجْزَأَك . 13133 - قَالَ : ثنا اِبْن نُمَيْر , عَنْ عَبْد الْمُطَّلِب , عَنْ عَطَاء : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } الْآيَة , قَالَ : لَوْ وَضَعْتهَا فِي صِنْف وَاحِد مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَاف أَجْزَأَك , وَلَوْ نَظَرْت إِلَى أَهْل بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ فُقَرَاء مُتَعَفِّفِينَ فَجَبَرْتهمْ بِهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . 13134 - قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل } فَأَيّ صِنْف أَعْطَيْته مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَاف أَجْزَأَك. 13135 - قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . 13136 - قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } قَالَ : إِنَّمَا هَذَا شَيْء أَعْلَمَهُ , فَأَيّ صِنْف مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَاف أَعْطَيْته أَجْزَأَ عَنْك . * - قَالَ : ثنا أَبِي عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ إِبْرَاهِيم : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } قَالَ : فِي أَيّ هَذِهِ الْأَصْنَاف وَضَعْتهَا أَجْزَأَك . * - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِذَا وَضَعْتهَا فِي صِنْف وَاحِد مَا سَمَّى اللَّه أَجْزَأَك . 13137 - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : إِذَا وَضَعْتهَا فِي صِنْف وَاحِد مَا سَمَّى اللَّه أَجْزَأَك . 13138 - قَالَ : ثنا خَالِد بْن حَيَّان أَبُو يَزِيد , عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ } قَالَ : إِذَا جَعَلْتهَا فِي صِنْف وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ أَجْزَأَ عَنْك . 13139 - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , عَنْ مَسْعُود , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } الْآيَة , قَالَ : أَعْلَم أَهْلهَا مَنْ هُمْ . 13140 - قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ لَيْث , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُمَر : أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ الْفَرْض فِي الصَّدَقَة , وَيَجْعَلهَا فِي صِنْف وَاحِد . وَكَانَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُول : إِذَا تَوَلَّى رَبّ الْمَال قَسْمهَا كَانَ عَلَيْهِ وَضَعَهَا فِي سِتَّة أَصْنَاف ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ عِنْده قَدْ ذَهَبُوا , وَأَنَّ سَهْم الْعَامِلِينَ يَبْطُل بِقَسْمِهِ إِيَّاهَا , وَيَزْعُم أَنَّهُ لَا يَجْزِيه أَنْ يُعْطِي مِنْ كُلّ صِنْف أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَة أَنْفُس . وَكَانَ يَقُول : إِنْ تَوَلَّى قَسْمهَا الْإِمَام كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمهَا عَلَى سَبْعَة أَصْنَاف , لَا يَجْزِي عِنْده غَيْر ذَلِكَ .

تفسير القرطبي

خَصَّ اللَّه سُبْحَانه بَعْض النَّاس بِالْأَمْوَالِ دُون بَعْض نِعْمَة مِنْهُ عَلَيْهِمْ , وَجَعَلَ شُكْر ذَلِكَ مِنْهُمْ إِخْرَاج سَهْم يُؤَدُّونَهُ إِلَى مَنْ لَا مَال لَهُ , نِيَابَة عَنْهُ سُبْحَانه فِيمَا ضَمِنَهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض إِلَّا عَلَى اللَّه رِزْقهَا " [ هُود : 6 ] . " لِلْفُقَرَاءِ " تَبْيِين لِمَصَارِف الصَّدَقَات وَالْمَحَلّ , حَتَّى لَا تَخْرُج عَنْهُمْ . ثُمَّ الِاخْتِيَار إِلَى مَنْ يُقْسَم , هَذَا قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا . كَمَا يُقَال : السَّرْج لِلدَّابَّةِ وَالْبَاب لِلدَّارِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : اللَّام لَام التَّمْلِيك , كَقَوْلِك : الْمَال لِزَيْدٍ وَعَمْرو وَبَكْر , فَلَا بُدّ مِنْ التَّسْوِيَة بَيْن الْمَذْكُورِينَ . قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : وَهَذَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَصْنَافٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ . وَاحْتَجُّوا بِلَفْظَةِ " إِنَّمَا " وَأَنَّهَا تَقْتَضِي الْحَصْر فِي وُقُوف الصَّدَقَات عَلَى الثَّمَانِيَة الْأَصْنَاف وَعَضَّدُوا هَذَا بِحَدِيثِ زِيَاد بْن الْحَارِث الصُّدَائِيّ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْعَث إِلَى قَوْمِي جَيْشًا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه اِحْبِسْ جَيْشك فَأَنَا لَك بِإِسْلَامِهِمْ وَطَاعَتهمْ , وَكَتَبْت إِلَى قَوْمِي فَجَاءَ إِسْلَامهمْ وَطَاعَتهمْ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَخَا صُدَاء الْمُطَاع فِي قَوْمه ) . قَالَ : قُلْت بَلْ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ وَهَدَاهُمْ , قَالَ : ثُمَّ جَاءَهُ رَجُل يَسْأَلهُ عَنْ الصَّدَقَات , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَات بِحُكْمِ نَبِيّ وَلَا غَيْره حَتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَة أَجْزَاء فَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْل تِلْكَ الْأَجْزَاء أَعْطَيْتُك ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ . وَحُكِيَ عَنْ زَيْن الْعَابِدِينَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ قَدْر مَا يُدْفَع مِنْ الزَّكَاة وَمَا تَقَع بِهِ الْكِفَايَة لِهَذِهِ الْأَصْنَاف , وَجَعَلَهُ حَقًّا لِجَمِيعِهِمْ , فَمَنْ مَنَعَهُمْ ذَلِكَ فَهُوَ الظَّالِم لَهُمْ رِزْقهمْ . وَتَمَسَّكَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 271 ] . وَالصَّدَقَة مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْقُرْآن فَهِيَ صَدَقَة الْفَرْض . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْتُ أَنْ آخُذ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ ) . وَهَذَا نَصّ فِي ذِكْر أَحَد الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة قُرْآنًا وَسُنَّة , وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة . وَقَالَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ جَمَاعَة . قَالُوا : جَائِز أَنْ يَدْفَعهَا إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة , وَإِلَى أَيّ صِنْف مِنْهَا دُفِعَتْ جَازَ . رَوَى الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ حُذَيْفَة فِي قَوْله : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " قَالَ : إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه هَذِهِ الصَّدَقَات لِتَعْرِف وَأَيّ صِنْف مِنْهَا أَعْطَيْت أَجْزَأَك . وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " قَالَ : فِي أَيّهَا وَضَعْت أَجْزَأَ عَنْك . وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَغَيْرهمَا . قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : حَتَّى اِدَّعَى مَالِك الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ . قُلْت : يُرِيد إِجْمَاع الصَّحَابَة , فَإِنَّهُ لَا يُعْلَم لَهُمْ مُخَالِف مِنْهُمْ عَلَى مَا قَالَ أَبُو عُمَر , وَاَللَّه أَعْلَم . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي جَعَلْنَاهُ فَيْصَلًا بَيْننَا وَبَيْنهمْ أَنَّ الْأُمَّة اِتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ كُلّ صِنْف حَظّه لَمْ يَجِب تَعْمِيمه , فَكَذَلِكَ تَعْمِيم الْأَصْنَاف مِثْله . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفَ عُلَمَاء اللُّغَة وَأَهْل الْفِقْه فِي الْفَرْق بَيْن الْفَقِير وَالْمِسْكِين عَلَى تِسْعَة أَقْوَال : فَذَهَبَ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت وَالْقُتَبِيّ وَيُونُس بْن حَبِيب إِلَى أَنَّ الْفَقِير أَحْسَن حَالًا مِنْ الْمِسْكِين . قَالُوا : الْفَقِير هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْض مَا يَكْفِيه وَيُقِيمهُ , وَالْمِسْكِين الَّذِي لَا شَيْء لَهُ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرَّاعِي : ش أَمَّا الْفَقِير الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَته و وَفْق الْعِيَال فَلَمْ يُتْرَك لَهُ سَبَد ش وَذَهَبَ إِلَى هَذَا قَوْم مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْحَدِيث مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب , وَالْوَفْق مِنْ الْمُوَافَقَة بَيْن الشَّيْئَيْنِ كَالِالْتِحَامِ , يُقَال : حَلُوبَته وَفْق عِيَاله أَيْ لَهَا لَبَن قَدْر كِفَايَتهمْ لَا فَضْل فِيهِ , عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَقَالَ آخَرُونَ بِالْعَكْسِ , فَجَعَلُوا الْمِسْكِين أَحْسَن حَالًا مِنْ الْفَقِير . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِين يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر " [ الْكَهْف : 79 ] . فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَة مِنْ سُفُن الْبَحْر . وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَة مِنْ الْمَال . وَعَضَّدُوهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْر . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا " . فَلَوْ كَانَ الْمِسْكِين أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْفَقِير لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ , إِذْ يَسْتَحِيل أَنْ يَتَعَوَّذ مِنْ الْفَقْر ثُمَّ يَسْأَل مَا هُوَ أَسْوَأ حَالًا مِنْهُ , وَقَدْ اِسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ وَقَبَضَهُ وَلَهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَمَام الْكِفَايَة , وَلِذَلِكَ رَهَنَ دِرْعه . قَالُوا : وَأَمَّا بَيْت الرَّاعِي فَلَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الْفَقِير كَانَتْ لَهُ حَلُوبَة فِي حَال . قَالُوا : وَالْفَقِير مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب الْمَفْقُور الَّذِي نُزِعَتْ فِقَره مِنْ ظَهْره مِنْ شِدَّة الْفَقْر فَلَا حَال أَشَدّ مِنْ هَذِهِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ " لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 273 ] . وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِر : لَمَّا رَأَى لُبَد النُّسُور تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِم كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَل أَيْ لَمْ يُطِقْ الطَّيَرَان فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اِنْقَطَعَ صُلْبه وَلَصِقَ بِالْأَرْضِ . ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره , وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَنْ الْكُوفِيِّينَ . وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر أَصْحَابه . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل آخَر : أَنَّ الْفَقِير وَالْمِسْكِين سَوَاء , لَا فَرْق بَيْنهمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنْ اِفْتَرَقَا فِي الِاسْم , وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِث . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اِبْن الْقَاسِم وَسَائِر أَصْحَاب مَالِك , وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف . قُلْت : ظَاهِر اللَّفْظ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِين غَيْر الْفَقِير , وَأَنَّهُمَا صِنْفَانِ , إِلَّا أَنَّ أَحَد الصِّنْفَيْنِ أَشَدّ حَاجَة مِنْ الْآخَر , فَمِنْ هَذَا الْوَجْه يَقْرَب قَوْل مَنْ جَعَلَهُمَا صِنْفًا وَاحِدًا , وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَا حُجَّة فِي قَوْل مَنْ اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِين " [ الْكَهْف : 79 ] لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُسْتَأْجَرَة لَهُمْ , كَمَا يُقَال : هَذِهِ دَار فُلَان إِذَا كَانَ سَاكِنهَا وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْف أَهْل النَّار : " وَلَهُمْ مَقَامِع مِنْ حَدِيد " [ الْحَجّ : 21 ] فَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ تَعَالَى : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ " [ النِّسَاء : 5 ] . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَال ... ) وَهُوَ كَثِير جِدًّا يُضَاف الشَّيْء إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَاب الدَّار . وَجُلّ الدَّابَّة , وَسَرْج الْفَرَس , وَشَبَهه . وَيَجُوز أَنْ يُسَمُّوا مَسَاكِين عَلَى جِهَة الرَّحْمَة وَالِاسْتِعْطَاف , كَمَا يُقَال لِمَنْ اُمْتُحِنَ بِنَكْبَةٍ أَوْ دُفِعَ إِلَى بَلِيَّة مِسْكِين . وَفِي الْحَدِيث ( مَسَاكِين أَهْل النَّار ) وَقَالَ الشَّاعِر : مَسَاكِين أَهْل الْحُبّ حَتَّى قُبُورهمْ عَلَيْهَا تُرَاب الذُّلّ بَيْن الْمَقَابِر وَأَمَّا مَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ) الْحَدِيث . رَوَاهُ أَنَس , فَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى هَاهُنَا : التَّوَاضُع لِلَّهِ الَّذِي لَا جَبَرُوت فِيهِ وَلَا نَخْوَة , وَلَا كِبْر وَلَا بَطَر , وَلَا تَكَبُّر وَلَا أَشَر . وَلَقَدْ أَحْسَن أَبُو الْعَتَاهِيَة حَيْثُ قَالَ : إِذَا أَرَدْت شَرِيف الْقَوْم كُلّهمْ فَانْظُرْ إِلَى مَلِك فِي زِيّ مِسْكِين ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّه رَغْبَته وَذَاكَ يَصْلُح لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ وَلَيْسَ بِالسَّائِلِ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَرِهَ السُّؤَال وَنَهَى عَنْهُ , وَقَالَ فِي اِمْرَأَة سَوْدَاء أَبَتْ أَنْ تَزُول لَهُ عَنْ الطَّرِيق : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَة ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحُصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 273 ] فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون لَهُمْ شَيْء . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَاب مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُمَا سَوَاء حَسَن . وَيَقْرَب مِنْهُ مَا قَالَهُ مَالِك فِي كِتَاب اِبْن سَحْنُون , قَالَ : الْفَقِير الْمُحْتَاج الْمُتَعَفِّف , وَالْمِسْكِين السَّائِل , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَهُ الزُّهْرِيّ , وَاخْتَارَهُ اِبْن شَعْبَان وَهُوَ الْقَوْل الرَّابِع . وَقَوْل خَامِس : قَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة : الْفَقِير الَّذِي لَهُ الْمَسْكَن وَالْخَادِم إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ . وَالْمِسْكِين الَّذِي لَا مَال لَهُ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل عَكْس مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : أَلَك اِمْرَأَة تَأْوِي إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : أَلَك مَسْكَن تَسْكُنهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْأَغْنِيَاء . قَالَ : فَإِنَّ لِي خَادِمًا قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْمُلُوك . وَقَوْل سَادِس : رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْفُقَرَاء مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَالْمَسَاكِين مِنْ الْأَعْرَاب الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا وَقَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَوْل سَابِع : وَهُوَ أَنَّ الْمِسْكِين الَّذِي يَخْشَع وَيَسْتَكِنّ وَإِنْ لَمْ يَسْأَل . وَالْفَقِير الَّذِي يَتَحَمَّل وَيَقْبَل الشَّيْء سِرًّا وَلَا يَخْشَع , قَالَهُ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن . وَقَوْل ثَامِن قَالَهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالزُّهْرِيّ - الْمَسَاكِين الطَّوَّافُونَ , وَالْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ . وَقَوْل تَاسِع قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا - أَنَّ الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَالْمَسَاكِين فُقَرَاء أَهْل الْكِتَاب . وَسَيَأْتِي . وَهِيَ فَائِدَة الْخِلَاف فِي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين , هَلْ هُمَا صِنْف وَاحِد أَوْ أَكْثَر تَظْهَر فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَاله لِفُلَانٍ وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين , فَمَنْ قَالَ هُمَا صِنْف وَاحِد قَالَ : يَكُون لِفُلَانٍ نِصْف الثُّلُث وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين نِصْف الثُّلُث الثَّانِي . وَمَنْ قَالَ هُمَا صِنْفَانِ يَقْسِم الثُّلُث بَيْنهمْ أَثْلَاثًا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَدّ الْفَقْر الَّذِي يَجُوز مَعَهُ الْأَخْذ - بَعْد إِجْمَاع أَكْثَر مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم - أَنَّ مَنْ لَهُ دَارًا وَخَادِمًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْ الزَّكَاة , وَلِلْمُعْطِي أَنْ يُعْطِيه . وَكَانَ مَالِك يَقُول : إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَن الدَّار وَالْخَادِم فَضْلَة عَمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُمَا جَازَ لَهُ الْأَخْذ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ , ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر . وَبِقَوْلِ مَالِك قَالَ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : مَنْ مَعَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَا دِرْهَم فَلَا يَأْخُذ مِنْ الزَّكَاة . فَاعْتَبَرَ النِّصَاب لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُمِرْت أَنْ آخُذ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ ) . وَهَذَا وَاضِح , وَرَوَاهُ الْمُغِيرَة عَنْ مَالِك . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرهمْ : لَا يَأْخُذ مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قَدْرهَا مِنْ الذَّهَب , وَلَا يُعْطِي مِنْهَا أَكْثَر مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا إِلَّا أَنْ يَكُون غَارِمًا , قَالَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِرَجُلٍ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ) . فِي إِسْنَاده عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق ضَعِيف , وَعَنْهُ بَكْر بْن خُنَيْس ضَعِيف أَيْضًا . وَرَوَاهُ حَكِيم بْن جُبَيْر عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه , وَقَالَ : ( خَمْسُونَ دِرْهَمًا ) وَحَكِيم بْن جُبَيْر ضَعِيف تَرَكَهُ شُعْبَة وَغَيْره , قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا الْحَدِيث يَدُور عَلَى حَكِيم بْن جُبَيْر وَهُوَ مَتْرُوك . وَعَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه قَالَا : لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِمَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتهَا مِنْ الذَّهَب , ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَا يَأْخُذ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ مَالِك . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ سَأَلَ النَّاس وَهُوَ غَنِيّ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي وَجْهه كُدُوح وَخُدُوش ) . فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا غِنَاؤُهُ ؟ قَالَ : ( أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) . وَفِي حَدِيث مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي أَسَد فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّة أَوْ عَدْلهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا وَالْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) . وَالْمَشْهُور عَنْ مَالِك مَا رَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ : هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاة مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَوَّل قَوِيًّا عَلَى الِاكْتِسَاب حَسَن التَّصَرُّف . وَالثَّانِي ضَعِيفًا عَنْ الِاكْتِسَاب , أَوْ مَنْ لَهُ عِيَال . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر . مَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْكَسْب وَالتَّحَرُّف مَعَ قُوَّة الْبَدَن وَحُسْن التَّصَرُّف حَتَّى يُغْنِيه ذَلِكَ عَنْ النَّاس فَالصَّدَقَة عَلَيْهِ حَرَام . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ ) رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَرَوَى جَابِر قَالَ : جَاءَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَة فَرَكِبَهُ النَّاس , فَقَالَ : ( إِنَّهَا لَا تَصْلُح لِغَنِيٍّ وَلَا لِصَحِيحٍ وَلَا لِعَامِلٍ ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَهُوَ يَقْسِم الصَّدَقَة فَسَأَلَاهُ مِنْهَا , فَرَفَعَ فِينَا النَّظَر وَخَفَضَهُ , فَرَآنَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ : ( إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب ) . وَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ غَنِيًّا بِكَسْبِهِ كَغِنَى غَيْره بِمَالِهِ فَصَارَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا غَنِيًّا عَنْ الْمَسْأَلَة . وَقَالَهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد , وَحَكَاهُ عَنْ الْمَذْهَب . وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ , فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِيهَا الْفُقَرَاء وَوُقُوفهَا عَلَى الزَّمِن بَاطِل . قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه : إِذَا كَانَ الرَّجُل قَوِيًّا مُحْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْده شَيْء فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنْ الْمُتَصَدِّق عِنْد أَهْل الْعِلْم . وَوَجْه الْحَدِيث عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم عَلَى الْمَسْأَلَة . وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَالظَّاهِر يَقْتَضِي جَوَاز ذَلِكَ , لِأَنَّهُ فَقِير مَعَ قُوَّته وَصِحَّة بَدَنه . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن : مَنْ لَا يَكُون لَهُ مَا يَكْفِيه وَيُقِيمهُ سَنَة فَإِنَّهُ يُعْطَى الزَّكَاة . وَحُجَّته مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ مَالِك بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدَّخِر مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ قُوت سَنَة , ثُمَّ يَجْعَل مَا سِوَى ذَلِكَ فِي الْكُرَاع وَالسِّلَاح مَعَ قَوْله تَعَالَى : " وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى " [ الضُّحَى : 8 ] . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : لِكُلِّ وَاحِد أَنْ يَأْخُذ مِنْ الصَّدَقَة فِيمَا لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ . وَقَالَ قَوْم : مَنْ عِنْده عَشَاء لَيْلَة فَهُوَ غَنِيّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَة عَنْ ظَهْر غِنًى اِسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْف جَهَنَّم ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا ظَهْر الْغِنَى ؟ قَالَ : ( عَشَاء لَيْلَة ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : فِي إِسْنَاده عَمْرو بْن خَالِد وَهُوَ مَتْرُوك . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَهْل بْن الْحَنْظَلِيَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ : ( مَنْ سَأَلَ وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِر مِنْ النَّار ) . وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر ( مِنْ جَمْر جَهَنَّم ) . فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا يُغْنِيه ؟ وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر : وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَة ؟ قَالَ : ( قَدْر مَا يُغَدِّيه وَيُعَشِّيه ) . وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر : ( أَنْ يَكُون لَهُ شِبَع يَوْم وَلَيْلَة أَوْ لَيْلَة وَيَوْم ) . قُلْت : فَهَذَا مَا جَاءَ فِي بَيَان الْفَقْر الَّذِي يَجُوز مَعَهُ الْأَخْذ . وَمُطْلَق لَفْظ الْفُقَرَاء لَا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاص بِالْمُسْلِمِينَ دُون أَهْل الذِّمَّة , وَلَكِنْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار فِي أَنَّ الصَّدَقَات تُؤْخَذ مِنْ أَغْنِيَاء الْمُسْلِمِينَ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ . وَقَالَ عِكْرِمَة : الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَالْمَسَاكِين فُقَرَاء أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْعَبْسِيّ : رَأَى عُمَر بْن الْخَطَّاب ذِمِّيًّا مَكْفُوفًا مَطْرُوحًا عَلَى بَاب الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ عُمَر : مَا لَك ؟ قَالَ : اسْتَكْرُونِي فِي هَذِهِ الْجِزْيَة , حَتَّى إِذَا كُفَّ بَصَرِي تَرَكُونِي وَلَيْسَ لِي أَحَد يَعُود عَلَيَّ بِشَيْءٍ . فَقَالَ عُمَر : مَا أُنْصِفْت إِذًا , فَأَمَرَ لَهُ بِقُوتِهِ وَمَا يُصْلِحهُ . ثُمَّ قَالَ : ( هَذَا مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " الْآيَة . وَهُمْ زَمْنَى أَهْل الْكِتَاب ) وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " الْآيَة , وَقَابَلَ الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ وَهِيَ جُمْلَة الصَّدَقَة بِجُمْلَةِ الْمَصْرِف بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , فَقَالَ لِمُعَاذٍ حِين أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَن : ( أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ ) . فَاخْتَصَّ أَهْل كُلّ بَلَد بِزَكَاةِ بَلَده . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ زِيَادًا أَوْ بَعْض الْأُمَرَاء بَعَثَ عِمْرَان بْن حُصَيْن عَلَى الصَّدَقَة , فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَان : أَيْنَ الْمَال ؟ قَالَ : وَلِلْمَالِ أَرْسَلَتْنِي أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذهَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعهَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا فَكُنْت غُلَامًا يَتِيمًا فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيث اِبْن أَبِي جُحَيْفَة حَدِيث حَسَن . اِعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " لِلْفُقَرَاءِ " مُطْلَق لَيْسَ فِيهِ شَرْط وَتَقْيِيد , بَلْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز الصَّرْف إِلَى جُمْلَة الْفُقَرَاء كَانُوا مِنْ بَنِي هَاشِم أَوْ غَيْرهمْ , إِلَّا أَنَّ السُّنَّة وَرَدَتْ بِاعْتِبَارِ شُرُوط : مِنْهَا أَلَّا يَكُونُوا مِنْ بَنِي هَاشِم وَأَلَّا يَكُونُوا مِمَّنْ تَلْزَم الْمُتَصَدِّقَ نَفَقَتُهُ . وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ . وَشَرْط ثَالِث أَلَّا يَكُون قَوِيًّا عَلَى الِاكْتِسَاب , لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَلَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تَحِلّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا لِبَنِي هَاشِم وَلَا لِمَوَالِيهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُف جَوَاز صَرْف صَدَقَة الْهَاشِمِيّ لِلْهَاشِمِيِّ , حَكَاهُ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ . وَشَذَّ بَعْض أَهْل الْعِلْم فَقَالَ : إِنَّ مَوَالِي بَنِي هَاشِم لَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْ الصَّدَقَات . وَهَذَا خِلَاف الثَّابِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ قَالَ لِأَبِي رَافِع مَوْلَاهُ : ( وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ ) وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاء فِي نَقْل الزَّكَاة عَنْ مَوْضِعهَا عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال [ الْأَوَّل ] لَا تُنْقَل , قَالَهُ سَحْنُون وَابْن الْقَاسِم , وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا : وَإِنْ نُقِلَ بَعْضهَا لِضَرُورَةٍ رَأَيْته صَوَابًا . وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُون أَنَّهُ قَالَ : وَلَوْ بَلَغَ الْإِمَام أَنَّ بِبَعْضِ الْبِلَاد حَاجَة شَدِيدَة جَازَ لَهُ نَقْل بَعْض الصَّدَقَة الْمُسْتَحَقَّة لِغَيْرِهِ إِلَيْهِ , فَإِنَّ الْحَاجَة إِذَا نَزَلَتْ وَجَبَ تَقْدِيمهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ ( وَالْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم لَا يُسْلِمهُ وَلَا يَظْلِمهُ ) . [ وَالْقَوْل الثَّانِي ] تُنْقَل . وَقَالَهُ مَالِك أَيْضًا . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ لِأَهْلِ الْيَمَن : ايتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيس آخُذهُ مِنْكُمْ مَكَان الذُّرَة وَالشَّعِير فِي الصَّدَقَة فَإِنَّهُ أَيْسَر عَلَيْكُمْ وَأَنْفَع لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره . وَالْخَمِيس لَفْظ مُشْتَرَك , وَهُوَ هُنَا الثَّوْب طُوله خَمْس أَذْرُع . وَيُقَال : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّل مَنْ عَمِلَهُ الْخِمْس مَلِك مِنْ مُلُوك الْيَمَن , ذَكَرَهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل وَالْجَوْهَرِيّ أَيْضًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيلَانِ : أَحَدهمَا : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْل الزَّكَاة مِنْ الْيَمَن إِلَى الْمَدِينَة , فَيَتَوَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَتهَا . وَيَعْضُد هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ " وَلَمْ يَفْصِل بَيْن فَقِير بَلَد وَفَقِير آخَر . وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّانِي : أَخْذ الْقِيمَة فِي الزَّكَاة . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي إِخْرَاج الْقِيَم فِي الزَّكَاة , فَأَجَازَ ذَلِكَ مَرَّة وَمَنَعَ مِنْهُ أُخْرَى , فَوَجْه الْجَوَاز - وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة - هَذَا الْحَدِيث . وَثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ بَلَغَتْ عِنْده مِنْ الْإِبِل صَدَقَة الْجَذَعَة وَلَيْسَتْ عِنْده جَذَعَة وَعِنْده حِقَّة فَإِنَّهُ تُؤْخَذ مِنْهُ وَمَا اسْتَيْسَرْنَا مِنْ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ... ) . الْحَدِيث . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَال هَذَا الْيَوْم ) يَعْنِي يَوْم الْفِطْر . وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُغْنَوْا بِمَا يَسُدّ حَاجَتهمْ , فَأَيّ شَيْء سَدَّ حَاجَتهمْ جَازَ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " [ التَّوْبَة : 103 ] وَلَمْ يَخُصّ شَيْئًا مِنْ شَيْء . وَلَا يَدْفَع عِنْد أَبِي حَنِيفَة سُكْنَى دَار بَدَل الزَّكَاة , مِثْل أَنْ يَجِب عَلَيْهِ خَمْسَة دَرَاهِم فَأَسْكَنَ فِيهَا فَقِيرًا شَهْرًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوز . قَالَ : لِأَنَّ السُّكْنَى لَيْسَ بِمَالٍ . وَوَجْه قَوْله : لَا تَجْزِي الْقِيَم - وَهُوَ ظَاهِر الْمَذْهَب - فَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فِي خَمْس مِنْ الْإِبِل شَاة وَفِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة ) فَنَصَّ عَلَى الشَّاة , فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يَأْتِ بِمَأْمُورٍ بِهِ , وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَالْأَمْر بَاقٍ عَلَيْهِ . [ الْقَوْل الثَّالِث ] وَهُوَ أَنَّ سَهْم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين يُقْسَم فِي الْمَوْضِع , وَسَائِر السِّهَام تُنْقَل بِاجْتِهَادِ الْإِمَام . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَهَلْ الْمُعْتَبَر مَكَان الْمَال وَقْت تَمَام الْحَوْل فَتُفَرَّق الصَّدَقَة فِيهِ , أَوْ مَكَان الْمَالِك إِذْ هُوَ الْمُخَاطَب , قَوْلَانِ . وَاخْتَارَ الثَّانِي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن خُوَيْز مِنْدَاد فِي أَحْكَامه قَالَ : لِأَنَّ الْإِنْسَان هُوَ الْمُخَاطَب بِإِخْرَاجِهَا فَصَارَ الْمَال تَبَعًا لَهُ , فَيَجِب أَنْ يَكُون الْحُكْم فِيهِ بِحَيْثُ الْمُخَاطَب . كَابْنِ السَّبِيل فَإِنَّهُ يَكُون غَنِيًّا فِي بَلَده فَقِيرًا فِي بَلَد آخَر , فَيَكُون الْحُكْم لَهُ حَيْثُ هُوَ . مَسْأَلَة : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِيمَنْ أَعْطَى فَقِيرًا مُسْلِمًا فَانْكَشَفَ فِي ثَانِي حَال أَنَّهُ أَعْطَى عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ غَنِيًّا , فَقَالَ مَرَّة : تَجْزِيه وَمَرَّة لَا تَجْزِيه . وَجْه الْجَوَاز - وَهُوَ الْأَصَحّ - مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَالَ رَجُل لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَة بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق اللَّيْلَة عَلَى زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد غَنِيّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق عَلَى غَنِيّ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى غَنِيّ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد سَارِق فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق عَلَى سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة وَعَلَى غَنِيّ وَعَلَى سَارِق فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتك فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَة فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يَعْتَبِر فَيُنْفِق مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه وَلَعَلَّ السَّارِق يَسْتَعِفّ بِهَا عَنْ سَرِقَته ) . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ زَكَاة مَاله فَأَعْطَاهَا أَبَاهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ بِذَلِكَ , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : ( قَدْ كُتِبَ لَك أَجْر زَكَاتك وَأَجْر صِلَة الرَّحِم فَلَك أَجْرَانِ ) . وَمِنْ جِهَة الْمَعْنَى أَنَّهُ سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهَاد فِي الْمُعْطَى , فَإِذَا اجْتَهَدَ وَأَعْطَى مَنْ يَظُنّهُ مِنْ أَهْلهَا فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ . وَوَجْه قَوْله : لَا يَجْزِي . أَنَّهُ لَمْ يَضَعهَا فِي مُسْتَحَقّهَا , فَأَشْبَهَ الْعَمْد , وَلِأَنَّ الْعَمْد وَالْخَطَأ فِي ضَمَان الْأَمْوَال وَاحِد فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَن مَا أَتْلَفَ عَلَى الْمَسَاكِين حَتَّى يُوصِلهُ إِلَيْهِمْ . فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاة عِنْد مَحِلّهَا فَهَلَكَتْ مِنْ غَيْر تَفْرِيط لَمْ يَضْمَن , لِأَنَّهُ وَكِيل لِلْفُقَرَاءِ . فَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ , لِتَأْخِيرِهَا عَنْ مَحَلّهَا فَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِذَا كَانَ الْإِمَام يَعْدِل فِي الْأَخْذ وَالصَّرْف لَمْ يَسُغْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّرْف بِنَفْسِهِ فِي النَّاضّ وَلَا فِي غَيْره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ زَكَاة النَّاضّ عَلَى أَرْبَابه . وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : ذَلِكَ إِذَا كَانَ الصَّرْف لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين خَاصَّة , فَإِنْ اُحْتِيجَ إِلَى صَرْفهَا لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَصْنَاف فَلَا يُفَرِّق عَلَيْهِمْ إِلَّا الْإِمَام . وَفُرُوع هَذَا الْبَاب كَثِيرَة , هَذِهِ أُمَّهَاتهَا . يَعْنِي السُّعَاة وَالْجُبَاة الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ الْإِمَام لِتَحْصِيلِ الزَّكَاة بِالتَّوْكِيلِ عَلَى ذَلِكَ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ قَالَ : اِسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْد عَلَى صَدَقَات بَنِي سُلَيْم يُدْعَى اِبْن اللُّتْبِيَّة , فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمِقْدَار الَّذِي يَأْخُذُونَهُ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : قَالَ مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ : هُوَ الثُّمُن . اِبْن عُمَر وَمَالك : يُعْطَوْنَ قَدْر عَمَلهمْ مِنْ الْأُجْرَة , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . قَالُوا : لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْسه لِمَصْلَحَةِ الْفُقَرَاء , فَكَانَتْ كِفَايَته وَكِفَايَة أَعْوَانه فِي مَالهمْ , كَالْمَرْأَةِ لَمَّا عَطَّلَتْ نَفْسهَا لِحَقِّ الزَّوْج كَانَتْ نَفَقَتهَا وَنَفَقَة أَتْبَاعهَا مِنْ خَادِم أَوْ خَادِمَيْنِ عَلَى زَوْجهَا . وَلَا تُقَدَّر بِالثَّمَنِ , بَلْ تُعْتَبَر الْكِفَايَة ثَمَنًا كَانَ أَوْ أَكْثَر , كَرِزْقِ الْقَاضِي . وَلَا تُعْتَبَر كِفَايَة الْأَعْوَان فِي زَمَاننَا لِأَنَّهُ إِسْرَاف مَحْض . الْقَوْل الثَّالِث - يُعْطَوْنَ مِنْ بَيْت الْمَال . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا قَوْل صَحِيح عَنْ مَالِك بْن أَنَس مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي أُوَيْس وَدَاوُد بْن سَعِيد بْن زنبوعة , وَهُوَ ضَعِيف دَلِيلًا , فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَخْبَرَ بِسَهْمِهِمْ فِيهَا نَصًّا فَكَيْفَ يُخْلَفُونَ عَنْهُ اِسْتِقْرَاء وَسَبْرًا . وَالصَّحِيح الِاجْتِهَاد فِي قَدْر الْأُجْرَة , لِأَنَّ الْبَيَان فِي تَعْدِيد الْأَصْنَاف إِنَّمَا كَانَ لِلْمَحَلِّ لَا لِلْمُسْتَحَقِّ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَامِل إِذَا كَانَ هَاشِمِيًّا , فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ الصَّدَقَة لَا تَحِلّ لِآلِ مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس ) . وَهَذِهِ صَدَقَة مِنْ وَجْه , لِأَنَّهَا جُزْء مِنْ الصَّدَقَة فَتَلْحَق بِالصَّدَقَةِ مِنْ كُلّ وَجْه كَرَامَة وَتَنْزِيهًا لِقَرَابَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسَالَة النَّاس . وَأَجَازَ عَمَله مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَيُعْطَى أَجْر عِمَالَته , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مُصَدِّقًا , وَبَعَثَهُ عَامِلًا إِلَى الْيَمَن عَلَى الزَّكَاة , وَوَلَّى جَمَاعَة مِنْ بَنِي هَاشِم وَوَلَّى الْخُلَفَاء بَعْده كَذَلِكَ . وَلِأَنَّهُ أَجِير عَلَى عَمَل مُبَاح فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِي فِيهِ الْهَاشِمِيّ وَغَيْره اِعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصِّنَاعَات . قَالَتْ الْحَنَفِيَّة : حَدِيث عَلِيّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ مِنْ الصَّدَقَة , فَإِنْ فَرَضَ لَهُ مِنْ غَيْرهَا جَازَ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك . وَدَلَّ قَوْله تَعَالَى : " وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا " عَلَى أَنَّ كُلّ مَا كَانَ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَات كَالسَّاعِي وَالْكَاتِب وَالْقَسَّام وَالْعَاشِر وَغَيْرهمْ فَالْقَائِم بِهِ يَجُوز لَهُ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ . وَمِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَة , فَإِنَّ الصَّلَاة وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَجِّهَة عَلَى جَمِيع الْخَلْق فَإِنَّ تَقَدُّم بَعْضهمْ بِهِمْ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَات , فَلَا جَرَمَ يَجُوز أَخْذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا . وَهَذَا أَصْل الْبَاب , وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( مَا تَرَكْت بَعْد نَفَقَة نِسَائِي وَمُؤْنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة ) قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . لَا ذِكْر لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبهمْ فِي التَّنْزِيل فِي غَيْر قَسْم الصَّدَقَات , وَهُمْ قَوْم كَانُوا فِي صَدْر الْإِسْلَام مِمَّنْ يُظْهِر الْإِسْلَام , يَتَأَلَّفُونَ بِدَفْعِ سَهْم مِنْ الصَّدَقَة إِلَيْهِمْ لِضَعْفِ يَقِينهمْ . قَالَ الزُّهْرِيّ : الْمُؤَلَّفَة مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ : اُخْتُلِفَ فِي صِفَتهمْ , فَقِيلَ : هُمْ صِنْف مِنْ الْكُفَّار يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانُوا لَا يُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ وَالسَّيْف , وَلَكِنْ يُسْلِمُونَ بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَان . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم أَسْلَمُوا فِي الظَّاهِر وَلَمْ تَسْتَيْقِن قُلُوبهمْ , فَيُعْطَوْنَ لِيَتَمَكَّن الْإِسْلَام فِي صُدُورهمْ . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم مِنْ عُظَمَاء الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ أَتْبَاع يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا أَتْبَاعهمْ عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة وَالْقَصْد بِجَمِيعِهَا الْإِعْطَاء لِمَنْ لَا يَتَمَكَّن إِسْلَامه حَقِيقَة إِلَّا بِالْعَطَاءِ , فَكَأَنَّهُ ضَرْب مِنْ الْجِهَاد . وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة أَصْنَاف : صِنْف يَرْجِع بِإِقَامَةِ الْبُرْهَان . وَصِنْف بِالْقَهْرِ . وَصِنْف بِالْإِحْسَانِ . وَالْإِمَام النَّاظِر لِلْمُسْلِمِينَ يَسْتَعْمِل مَعَ كُلّ صِنْف مَا يَرَاهُ سَبَبًا لِنَجَاتِهِ وَتَخْلِيصه مِنْ الْكُفْر . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْنِي لِلْأَنْصَارِ - : ( فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْد بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفهُمْ ... ) الْحَدِيث . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَعْطَاهُمْ يَتَأَلَّفهُمْ وَيَتَأَلَّف بِهِمْ قَوْمهمْ . وَكَانُوا أَشْرَافًا , فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى اِبْنه مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى حَكِيم بْن حِزَام مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى الْحَارِث بْن هِشَام مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى سُهَيْل بْن عَمْرو مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة مِائَة بَعِير . وَكَذَلِكَ أَعْطَى مَالِك بْن عَوْف وَالْعَلَاء بْن جَارِيَة . قَالَ : فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الْمِئِين . وَأَعْطَى رِجَالًا مِنْ قُرَيْش دُون الْمِائَة مِنْهُمْ مَخْرَمَة بْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ وَعُمَيْر بْن وَهْب الْجُمَحِيّ , وَهِشَام بْن عَمْرو الْعَامِرِيّ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَهَؤُلَاءِ لَا أَعْرِف مَا أَعْطَاهُمْ . وَأَعْطَى سَعِيد بْن يَرْبُوع خَمْسِينَ بَعِيرًا , وَأَعْطَى عَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ أَبَاعِر قَلِيلَة فَسَخِطَهَا . فَقَالَ فِي ذَلِكَ : كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتهَا بِكَرِّي عَلَى الْمُهْر فِي الْأَجْرَع وَإِيقَاظِي الْقَوْم أَنْ يَرْقُدُوا إِذَا هَجَعَ النَّاس لَمْ أَهْجَع فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْب الْعُبَيْد بَيْن عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع وَقَدْ كُنْت فِي الْحَرْب ذَا تُدْرَإٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أَمْنَع إِلَّا أَفَائِل أُعْطِيتهَا عَدِيد قَوَائِمه الْأَرْبَع وَمَا كَانَ حِصْن وَلَا حَابِس يَفُوقَانِ مِرْدَاس فِي الْمَجْمَع وَمَا كُنْت دُون اِمْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَع الْيَوْم لَا يُرْفَع فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانه ) فَأَعْطَوْهُ حَتَّى رَضِيَ , فَكَانَ ذَلِكَ قَطْع لِسَانه . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ النُّضَيْر بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كِلْدَة , أَخُو النَّضْر بْن الْحَارِث الْمَقْتُول بِبَدْرٍ صَبْرًا . وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة , فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَمُحَال أَنْ يَكُون مِنْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة فَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَان فِي قَلْبه وَقَاتَلَ دُونه , وَلَيْسَ مِمَّنْ يُؤَلَّف عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَاسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِك بْن عَوْف بْن سَعْد بْن يَرْبُوع النَّصْرِيّ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمه مِنْ قَبَائِل قَيْس , وَأَمَرَهُ بِمُغَاوَرَةِ ثَقِيف فَفَعَلَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ , وَحَسُنَ إِسْلَامه وَإِسْلَام الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , حَاشَا عُيَيْنَة بْن حِصْن فَلَمْ يَزَلْ مَغْمُورًا عَلَيْهِ . وَسَائِر الْمُؤَلَّفَة مُتَفَاضِلُونَ , مِنْهُمْ الْخَيِّر الْفَاضِل الْمُجْتَمَع عَلَى فَضْله , كَالْحَارِثِ بْن هِشَام , وَحَكِيم بْن حِزَام , وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل , وَسُهَيْل بْن عَمْرو , وَمِنْهُمْ دُون هَؤُلَاءِ . وَقَدْ فَضَّلَ اللَّه النَّبِيِّينَ وَسَائِر عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ . قَالَ مَالِك : بَلَغَنِي أَنَّ حَكِيم بْن حِزَام أَخْرَجَ مَا كَانَ أَعْطَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ فَتَصَدَّقَ بِهِ بَعْد ذَلِكَ . قُلْت : حَكِيم بْن حِزَام وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى عَاشَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة سِتِّينَ فِي الْإِسْلَام وَسِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة . وَسَمِعْت الْإِمَام شَيْخنَا الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد عَبْد الْعَظِيم يَقُول : شَخْصَانِ مِنْ الصَّحَابَة عَاشَا فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سَنَة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سَنَة , وَمَاتَا بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ , أَحَدهمَا حَكِيم بْن حِزَام , وَكَانَ مَوْلِده فِي جَوْف الْكَعْبَة قَبْل عَام الْفِيل بِثَلَاث عَشْرَة سَنَة . وَالثَّانِي حَسَّان بْن ثَابِت بْن الْمُنْذِر بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ . وَذَكَرَ هَذَا أَيْضًا أَبُو عُمَر وَعُثْمَان الشَّهْرُزُورِيّ فِي كِتَاب مَعْرِفَة أَنْوَاع عِلْم الْحَدِيث لَهُ , وَلَمْ يَذْكُرَا غَيْرهمَا . وَحُوَيْطِب ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ فِي كِتَاب الْوَفَا فِي شَرَف الْمُصْطَفَى . وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب الصَّحَابَة أَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَام وَهُوَ اِبْن سِتِّينَ سَنَة , وَمَاتَ وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة . وَذَكَرَ أَيْضًا حَمْنَن بْن عَوْف أَخُو عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , أَنَّهُ عَاشَ فِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سَنَة وَفِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سَنَة . وَقَدْ عُدَّ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ مُعَاوِيَة وَأَبُوهُ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب . أَمَّا مُعَاوِيَة فَبَعِيد أَنْ يَكُون مِنْهُمْ , فَكَيْفَ يَكُون مِنْهُمْ وَقَدْ اِئْتَمَنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَحْي اللَّه وَقِرَاءَته وَخَلَطَهُ بِنَفْسِهِ . وَأَمَّا حَاله فِي أَيَّام أَبِي بَكْر فَأَشْهَر مِنْ هَذَا وَأَظْهَر . وَأَمَّا أَبُوهُ فَلَا كَلَام فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ . وَفِي عَدَدهمْ اِخْتِلَاف , وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلّهمْ مُؤْمِن وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَافِر عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم وَأَحْكَم . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي بَقَائِهِمْ , فَقَالَ عُمَر وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمْ : اِنْقَطَعَ هَذَا الصِّنْف بِعِزِّ الْإِسْلَام وَظُهُوره . وَهَذَا مَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَاب الرَّأْي . قَالَ بَعْض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة : لَمَّا أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَام وَأَهْله وَقَطَعَ دَابِر الْكَافِرِين

غريب الآية
۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ﴿٦٠﴾
فِی سَبِیلِ ٱللَّهِإلى الجهادِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ.
ٱلصَّدَقَـٰتُالزَّكَواتُ المفروضةُ.
لِلۡفُقَرَاۤءِللمحتاجِين الذين لا يَمْلِكُون شيئاً.
وَٱلۡمَسَـٰكِینِالذين لا يَمْلِكُون ما يَكْفيهم ويَسُدُّ حاجتَهم.
وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَاالسُّعاةُ الذين يَجْمعون الزكاةَ من أصحابِها.
وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡالمستمالةِ قلوبُهم إلى الإسلام كمن يُرْجَى إسلامُه أو قوَّةُ إيمانِه.
وَفِی ٱلرِّقَابِوتُعطى الزكاةُ في عِتْقِ رقابِ العبيدِ والمكاتَبين.
وَٱلۡغَـٰرِمِینَالذين استدانُوا لأنفسهم، ولا قُدَرةَ لهم على الوفاءِ، أو استدانُوا لإصلاحِ ذاتِ الْبَيْنِ.
وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِوللغُزاةِ وللمرابطين في سبيل الله.
وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖالمسافرِ المنقطعِ عن مالِه في سفرِه، وإن كان غنياً في بلدِه.
فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗهذه القِسْمةُ فَرَضَها اللهُ فريضةً وقَدَّرها.
حَكِیمࣱيَضَعُ الأمورَ في محَالِّها.
الإعراب
(إِنَّمَا)
كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(الصَّدَقَاتُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِلْفُقَرَاءِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْفُقَرَاءِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ.
(وَالْمَسَاكِينِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمَسَاكِينِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْعَامِلِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْعَامِلِينَ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(عَلَيْهَا)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَالْمُؤَلَّفَةِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمُؤَلَّفَةِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(قُلُوبُهُمْ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ لِاسْمِ الْمَفْعُولِ (الْمُؤَلَّفَةِ) :، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَفِي)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الرِّقَابِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْغَارِمِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْغَارِمِينَ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(وَفِي)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(سَبِيلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَابْنِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ابْنِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(السَّبِيلِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَرِيضَةً)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلِيمٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَكِيمٌ)
خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَإِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.