Your browser does not support the audio element.
لَوۡ خَرَجُوا۟ فِیكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالࣰا وَلَأَوۡضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمۡ یَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِیكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤٧﴾
التفسير
تفسير السعدي وأما هؤلاء المنافقون " وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً " أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب.
ولكن لما لم يعدوا له عدة, علم أنهم ما أرادوا الخروج.
" وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ " معكم في الخروج للغزو " فَثَبَّطَهُمْ " قدرا وقضاء, وإن كان قد أمرهم, وحثهم على الخروج, وجعلهم مقتدرين عليه.
ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم, بل خذلهم وثبطهم " وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ " من النساء والمعذورين.
التفسير الميسر لو خرج المنافقون معكم -أيها المؤمنون- للجهاد لنشروا الاضطراب في الصفوف والشر والفساد، ولأسرعوا السير بينكم بالنميمة والبغضاء، يبغون فتنتكم بتثبيطكم عن الجهاد في سبيل الله، وفيكم -أيها المؤمنون- عيون لهم يسمعون أخباركم، وينقلونها إليهم. والله عليم بهؤلاء المنافقين الظالمين، وسيجازيهم على ذلك.
تفسير الجلالين "لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا" فَسَادُوا بِتَخْذِيلِ الْمُؤْمِنِينَ "وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ" أَيْ أَسْرَعُوا بَيْنكُمْ بِالْمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ "يَبْغُونَكُمْ" يَطْلُبُونَ لَكُمْ "الْفِتْنَة" بِإِلْقَاءِ الْعَدَاوَة "وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" مَا يَقُولُونَ سَمَاع قَبُول
تفسير ابن كثير فَقَالَ " لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا " أَيْ لِأَنَّهُمْ جُبَنَاء مَخْذُولُونَ " وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة " أَيْ وَلَأَسْرَعُوا السَّيْر وَالْمَشْي بَيْنكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَالْبَغْضَاء وَالْفِتْنَة " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ " أَيْ مُطِيعُونَ لَهُمْ وَمُسْتَحْسِنُونَ لِحَدِيثِهِمْ وَكَلَامهمْ يَسْتَنْصِحُونَهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ حَالهمْ فَيُؤَدِّي إِلَى وُقُوع شَرّ بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَفَسَاد كَبِير . وَقَالَ مُجَاهِد وَزَيْد بْن أَسْلَم وَابْن جَرِير " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ " أَيْ عُيُون يَسْمَعُونَ لَهُمْ الْأَخْبَار وَيَنْقُلُونَهَا إِلَيْهِمْ . وَهَذَا لَا يَبْقَى لَهُ اِخْتِصَاص بِخُرُوجِهِمْ مَعَهُمْ بَلْ هَذَا عَامّ فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَالْمَعْنَى الْأَوَّل أَظْهَر فِي الْمُنَاسَبَة بِالسِّيَاقِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَتَادَة وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق كَانَ الَّذِينَ اِسْتَأْذَنُوا فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ ذَوِي الشَّرَف مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول وَالْجَدّ بْن قَيْس وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمهمْ فَثَبَّطَهُمْ اللَّه لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْده وَكَانَ فِي جُنْده قَوْم أَهْل مَحَبَّة لَهُمْ وَطَاعَة فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ فَقَالَ " وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ " ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَمَام عِلْمه فَقَالَ " وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ " فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَعْلَم مَا كَانَ وَمَا يَكُون وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا " فَأَخْبَرَ عَنْ حَالهمْ كَيْف يَكُون لَوْ خَرَجُوا وَمَعَ هَذَا مَا خَرَجُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " وَلَوْ عَلِمَ اللَّه فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة .
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ خَرَجَ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , { مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } يَقُول : لَمْ يَزِيدُوكُمْ بِخُرُوجِهِمْ فِيكُمْ إِلَّا فَسَادًا وَضُرًّا ; وَلِذَلِكَ ثَبَّطْتهمْ عَنْ الْخُرُوج مَعَكُمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَبَال بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل .
{ وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ } يَقُول : وَلَأَسْرَعُوا بِرَكَائِبِهِمْ السَّيْر بَيْنكُمْ. وَأَصْله مِنْ إِيضَاع الْخَيْل وَالرِّكَاب , وَهُوَ الْإِسْرَاع بِهَا فِي السَّيْر , يُقَال لِلنَّاقَةِ إِذَا أَسْرَعَتْ السَّيْر : وَضَعَتْ النَّاقَة تَضَع وَضْعًا وَمَوْضُوعًا , وَأَوْضَعَهَا صَاحِبهَا : إِذَا جَدَّ بِهَا وَأَسْرَعَ يُوضِعهَا إِيضَاعًا ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبّ فِيهَا وَأَضَعْ وَأَمَّا أَصْل الْخِلَال : فَهُوَ مِنْ الْخَلَل : وَهِيَ الْفُرَج تَكُون بَيْن الْقَوْم فِي الصُّفُوف وَغَيْرهَا ; وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوف لَا يَتَخَلَّلكُمْ أَوْلَاد الْحَذَفِ " . وَأَمَّا قَوْله : { يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } فَإِنَّ مَعْنَى يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة : يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ عَنْ مَخْرَجكُمْ فِي مَغْزَاكُمْ , بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْهُ , يُقَال مِنْهُ : بَغَيْته الشَّرّ , وَبَغَيْته الْخَيْر أَبْغِيه بِغَاء : إِذَا اِلْتَمَسْته لَهُ , بِمَعْنَى : بَغَيْت لَهُ , وَكَذَلِكَ عَكَمْتك وَحَلَبْتك , بِمَعْنَى : حَلَبْت لَك وَعَكَمْت لَك , وَإِذَا أَرَادُوا أَعَنْتُك عَلَى اِلْتِمَاسه وَطَلَبه , قَالُوا : أَبْغَيْتك كَذَا وَأَحْلَبْتك وَأَعْكَمْتك : أَيْ أَعَنْتُك عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13035 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ } بَيْنكُمْ { يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } بِذَلِكَ . 13036 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ } يَقُول : وَلَأَوْضَعُوا أَسْلِحَتهمْ خِلَالكُمْ بِالْفِتْنَةِ . 13037 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } يُبْطِئُونَكُمْ. قَالَ : رِفَاعَة بْن التَّابُوت , وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول , وَأَوْس بْن قَيْظِيّ . 13038 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ } قَالَ : لَأَسْرَعُوا الْأَزِقَّة خِلَالكُمْ . { يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } يُبْطِئُونَكُمْ , عَبْد اللَّه بْن نَبْتَل , وَرِفَاعَة بْن تَابُوت , وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول. * - قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثني أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ } قَالَ : لَأَسْرَعُوا خِلَالكُمْ { يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } بِذَلِكَ. 13039 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي غَزْوَة تَبُوك , يُسَلِّي اللَّه عَنْهُمْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : وَمَا يُحْزِنكُمْ ؟ { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا } ! يَقُولُونَ : قَدْ جَمَعَ لَكُمْ وَفَعَلَ وَفَعَلَ , يَخْذُلُونَكُمْ . { وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَة } الْكُفْر .
وَأَمَّا قَوْله : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ عُيُون لَهُمْ عَلَيْكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13040 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } يُحَدِّثُونَ بِأَحَادِيثِكُمْ , عُيُون غَيْر مُنَافِقِينَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } قَالَ : مُحَدِّثُونَ عُيُون غَيْر مُنَافِقِينَ . 13041 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } يَسْمَعُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ لِعَدُوِّكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَع كَلَامهمْ وَيُطِيع لَهُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13042 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَع كَلَامهمْ . 13043 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : كَانَ الَّذِينَ اِسْتَأْذَنُوا فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ ذَوِي الشَّرَف مِنْهُمْ : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول وَالْجَدّ بْن قَيْس , وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمهمْ , فَثَبَّطَهُمْ اللَّه لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْده , وَكَانَ فِي جُنْده قَوْم أَهْل مَحَبَّة لَهُمْ وَطَاعَة فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ , فَقَالَ : { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل : وَفِيكُمْ أَهْل سَمْع وَطَاعَة مِنْكُمْ لَوْ صَحِبُوكُمْ أَفْسَدُوهُمْ عَلَيْكُمْ بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ السَّيْر مَعَكُمْ . وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل , فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ مِنْهُمْ سَمَّاعُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثكُمْ لَهُمْ , فَيُبَلِّغُونَهُمْ وَيُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ عُيُون لَهُمْ عَلَيْكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ يُبَلِّغُونَهُ عَنْكُمْ عُيُون لَهُمْ , لِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي قَوْلهمْ : سَمَاع , وَصْف مَنْ وُصِفَ بِهِ أَنَّهُ سَمَّاع لِلْكَلَامِ , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابه : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } وَاصِفًا بِذَلِكَ قَوْمًا بِسَمَاعِ الْكَذِب مِنْ الْحَدِيث . وَأَمَّا إِذَا وَصَفُوا الرَّجُل بِسَمَاعِ كَلَام الرَّجُل وَأَمْره وَنَهْيه وَقَبُوله مِنْهُ , وَانْتِهَائِهِ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا تَصِفهُ بِأَنَّهُ لَهُ سَامِع وَمُطِيع , وَلَا تَكَاد تَقُول : هُوَ لَهُ سَمَّاع مُطِيع .
وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَنْ يُوَجِّه أَفْعَاله إِلَى غَيْر وُجُوههَا وَيَضَعهَا فِي غَيْر مَوَاضِعهَا , وَمَنْ يَسْتَأْذِن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُذْرٍ وَمَنْ يَسْتَأْذِنهُ شَكًّا فِي الْإِسْلَام وَنِفَاقًا , وَمَنْ يَسْمَع حَدِيث الْمُؤْمِنِينَ لِيُخْبِر بِهِ الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ يَسْمَعهُ لِيُسَرَّ بِمَا سَرَّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُسَاء بِمَا سَاءَهُمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ سَرَائِر خَلْقه وَعَلَانِيَتهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْم فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع.
تفسير القرطبي هُوَ تَسْلِيَة لِلْمُؤْمِنِينَ فِي تَخَلُّف الْمُنَافِقِينَ عَنْهُمْ . وَالْخَبَال : الْفَسَاد وَالنَّمِيمَة وَإِيقَاع الِاخْتِلَاف وَالْأَرَاجِيف . وَهَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , أَيْ مَا زَادُوكُمْ قُوَّة وَلَكِنْ طَلَبُوا الْخَبَال . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا يَزِيدُونَكُمْ فِيمَا يَتَرَدَّدُونَ فِيهِ مِنْ الرَّأْي إِلَّا خَبَالًا , فَلَا يَكُون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا .
الْمَعْنَى لَأَسْرَعُوا فِيمَا بَيْنكُمْ بِالْإِفْسَادِ . وَالْإِيضَاع , سُرْعَة السَّيْر . وَقَالَ الرَّاجِز : يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبّ فِيهَا وَأَضَعْ يُقَال : وَضَعَ الْبَعِير إِذَا عَدَا , يَضَع وَضْعًا وَوُضُوعًا إِذَا أَسْرَعَ السَّيْر . وَأَوْضَعْته حَمَلْته عَلَى الْعَدْوِ . وَقِيلَ : الْإِيضَاع سَيْر مِثْل الْخَبَب . وَالْخَلَل الْفُرْجَة بَيْن الشَّيْئَيْنِ , وَالْجَمْع الْخِلَال , أَيْ الْفُرَج الَّتِي تَكُون بَيْن الصُّفُوف . أَيْ لَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَإِفْسَاد ذَات الْبَيْن .
مَفْعُول ثَانٍ . وَالْمَعْنَى يَطْلُبُونَ لَكُمْ الْفِتْنَة , أَيْ الْإِفْسَاد وَالتَّحْرِيض . وَيُقَال : أَبْغَيْته كَذَا أَعَنْته عَلَى طَلَبه , وَبَغَيْته كَذَا طَلَبْته لَهُ . وَقِيلَ : الْفِتْنَة هُنَا الشِّرْك .
أَيْ عُيُون لَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهِمْ الْأَخْبَار مِنْكُمْ . قَتَادَة : وَفِيكُمْ مَنْ يَقْبَل مِنْهُمْ قَوْلهمْ وَيُطِيعهُمْ . النَّحَّاس : الْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى , لِأَنَّهُ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَيَيْهِ أَنَّ مَعْنَى سَمَّاع يَسْمَع الْكَلَام , وَمِثْله " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ " [ الْمَائِدَة : 41 ] . وَالْقَوْل الثَّانِي : لَا يَكَاد يُقَال فِيهِ إِلَّا سَامِع , مِثْل قَائِل .
غريب الآية
لَوۡ خَرَجُوا۟ فِیكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالࣰا وَلَأَوۡضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمۡ یَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِیكُمۡ سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿٤٧﴾
ٱلظَّـٰلِمِینَ الكافرين.
خَبَالࣰا شرّاً وفساداً.
وَلَأَوۡضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمۡ أسْرَعُوا في المَشْيِ بينَكم بالنميمةِ وإفسادِ القلوبِ.
یَبۡغُونَكُمُ يُريدُون لكم.
ٱلۡفِتۡنَةَ ما تُفْتَنُون به؛ كي تتثاقَلُوا عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ.
سَمَّـٰعُونَ لَهُمۡۗ مَنْ يَسْمعون كلاَم المنافقين، ويُطيعونهم.
الإعراب
(لَوْ) حَرْفُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خَرَجُوا) فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِيكُمْ) (فِي ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مَا) حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(زَادُوكُمْ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(إِلَّا) حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خَبَالًا) مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَأَوْضَعُوا) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ " حَرْفُ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَوْضَعُوا ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(خِلَالَكُمْ) ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(يَبْغُونَكُمُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(الْفِتْنَةَ) مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَجُمْلَةُ: (يَبْغُونَكُمْ ... ) : فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (أَوْضَعُوا ) :.
(وَفِيكُمْ) "الْوَاوُ " حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فِي ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(سَمَّاعُونَ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ (يَبْغُونَكُمْ ) :.
(لَهُمْ) "اللَّامُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَاللَّهُ) "الْوَاوُ " حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلِيمٌ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالظَّالِمِينَ) "الْبَاءُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الظَّالِمِينَ ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress