صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ٣٥

سورة التوبة الآية ٣٥

یَوۡمَ یُحۡمَىٰ عَلَیۡهَا فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَـٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ﴿٣٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

" يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا " أي: على أموالهم. " فِي نَارِ جَهَنَّمَ " فيحمى كل دينار أو درهم على حدته. " فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ " في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, ويقال لهم توبيخا ولوما: " هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ " فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم, وعذبتموها بهذا الكنز. وذكر اللّه في هاتين الآيتين, انحراف الإنسان في ماله, وذلك بأحد أمرين: إما أن ينفقه في الباطل, الذي لا يجدي عليه نفعا, بل لا يناله منه إلا الضرر المحض. وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات, التي لا تعين على طاعة اللّه, وإخراجها للصد عن سبيل اللّه. وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات, و " النهي عن الشيء, أمر بضده " .

التفسير الميسر

يوم القيامة توضع قطع الذهب والفضة في النار، فإذا اشتدت حرارتها أُحرقت بها جباه أصحابها وجنوبهم وظهورهم. وقيل لهم توبيخًا: هذا مالكم الذي أمسكتموه ومنعتم منه حقوق الله، فذوقوا العذاب الموجع؛ بسبب كنزكم وإمساككم.

تفسير الجلالين

"يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى" تُحْرَق "بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ" وَتُوَسِّع جُلُودهمْ حَتَّى تُوضَع عَلَيْهَا كُلّهَا وَيُقَال لَهُمْ "هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" أَيْ جَزَاءَهُ

تفسير ابن كثير

قَوْله تَعَالَى " يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ " أَيْ يُقَال لَهُمْ هَذَا الْكَلَام تَبْكِيتًا وَتَقْرِيعًا وَتَهَكُّمًا كَمَا فِي قَوْله " ثُمَّ صُبُّوا فَوْق رَأْسِهِ مِنْ عَذَاب الْحَمِيم ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " أَيْ هَذَا بِذَاكَ وَهَذَا الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ وَلِهَذَا يُقَال مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَقَدَّمَهُ عَلَى طَاعَة اللَّه عُذِّبَ بِهِ وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانَ جَمْع هَذِهِ الْأَمْوَال آثَر عِنْدهمْ مِنْ رِضَا اللَّه عِنْدهمْ عُذِّبُوا بِهَا كَمَا كَانَ أَبُو لَهَب لَعَنْهُ اللَّه جَاهِدَا فِي عَدَاوَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَامْرَأَته تُعِينهُ فِي ذَلِكَ كَانَتْ يَوْم الْقِيَامَة عَوْنًا عَلَى عَذَابه أَيْضًا فِي جِيدهَا أَيْ عُنُقهَا حَبْل مِنْ مَسَد أَيْ تَجْمَع مِنْ الْحَطَب فِي النَّار وَتُلْقِي عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغ فِي عَذَابه مِمَّنْ هُوَ أَشْفَق عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَال لَمَّا كَانَتْ أَعَزّ الْأَمْوَال عَلَى أَرْبَابهَا كَانَتْ أَضَرّ الْأَشْيَاء عَلَيْهِمْ فِي الدَّار الْآخِرَة فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم وَنَاهِيك بِحَرِّهَا فَتُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ . قَالَ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مُرَّة عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره لَا يُكْوَى عَبْد يَكْنِز فَيَمَسّ دِينَار دِينَارًا وَلَا دِرْهَم دِرْهَمًا وَلَكِنْ يُوَسَّع جِلْده فَيُوضَع كُلّ دِينَار وَدِرْهَم عَلَى حِدَته وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحّ رَفْعه وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْكَنْز يَتَحَوَّل يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا يَتْبَع صَاحِبه وَهُوَ يَفِرّ مِنْهُ وَيَقُول : أَنَا كَنْزك لَا يُدْرِك مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَهُ . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير : حَدَّثَنَا بِشْر حَدَّثَنَا يَزِيد حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ثَوْبَان أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول " مَنْ تَرَكَ بَعْده كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَع لَهُ زَبِيبَتَانِ يَتْبَعهُ وَيَقُول وَيْلك مَا أَنْتَ ؟ فَيَقُول أَنَا كَنْزك الَّذِي تَرَكْته بَعْدك وَلَا يَزَال يَتْبَعهُ حَتَّى يُلْقِمهُ يَده فَيَقْضِمهَا ثُمَّ يُتْبِعهَا سَائِر جَسَده وَرَوَاهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث يَزِيد عَنْ سَعِيد بِهِ . وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : مَا مِنْ رَجُل لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا جُعِلَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة صَفَائِح مِنْ نَار فَيُكْوَى بِهَا جَنْبه وَجَبْهَته وَظَهْره فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن الْعِبَاد ثُمَّ يَرَى سَبِيله إِمَّا إِلَى الْجَنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار وَذَكَرَ تَمَام الْحَدِيث وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة حَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ حُصَيْن عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ : مَرَرْت عَلَى أَبِي ذَرّ بِالرَّبَذَة فَقُلْت : مَا أَنْزَلَك بِهَذِهِ الْأَرْض ؟ قَالَ : كُنَّا بِالشَّامِ فَقَرَأْت " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم " فَقَالَ مُعَاوِيَة : مَا هَذِهِ فِينَا مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْل الْكِتَاب قَالَ : قُلْت إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ . وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث عُبَيْد بْن الْقَاسِم عَنْ حُصَيْن عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَذَكَرَهُ وَزَادَ فَارْتَفَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنه الْقَوْل فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَان يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَان أَنْ أُقْبِل إِلَيْهِ قَالَ فَأَقْبَلْت إِلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَة رَكِبَنِي النَّاس كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْل يَوْمئِذٍ فَشَكَوْت ذَلِكَ إِلَى عُثْمَان فَقَالَ لِي : تَنَحَّ قَرِيبًا قُلْت وَاَللَّه مَا أَدَع مَا كُنْت أَقُول " قُلْت " كَانَ مِنْ مَذْهَب أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَحْرِيم اِدِّخَار مَا زَادَ عَلَى نَفَقَة الْعِيَال وَكَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ وَيَحُثّهُمْ عَلَيْهِ وَيَأْمُرهُمْ بِهِ وَيُغْلِظ فِي خِلَافه فَنَهَاهُ مُعَاوِيَة فَلَمْ يَنْتَهِ فَخَشِيَ أَنْ يَضُرّ بِالنَّاسِ فِي هَذَا فَكَتَبَ يَشْكُوهُ إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان وَأَنْ يَأْخُذهُ إِلَيْهِ فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَان إِلَى الْمَدِينَة وَأَنْزَلَهُ بِالرَّبَذَة وَحْده وَبِهَا مَاتَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي خِلَافَة عُثْمَان وَقَدْ اِخْتَبَرَهُ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ عِنْده هَلْ يُوَافِق عَمَله قَوْله فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَار فَفَرَّقَهَا مِنْ يَوْمه ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الَّذِي أَتَاهُ بِهَا فَقَالَ إنَّ مُعَاوِيَة إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَى غَيْرك فَأَخْطَأْت فَهَاتِ الذَّهَب فَقَالَ وَيْحك إِنَّهَا خَرَجَتْ وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ مَالِي حَاسَبْنَاك بِهِ وَهَكَذَا رَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا عَامَّة وَقَالَ السُّدِّيّ هِيَ فِي أَهْل الْقِبْلَة وَقَالَ الْأَحْنَف بْن قَيْس قَدِمْت الْمَدِينَة فَبَيْنَمَا أَنَا فِي حَلْقَة فِيهَا مَلَأ مِنْ قُرَيْش إِذْ جَاءَ رَجُل أَخْشَن الثِّيَاب أَخْشَن الْجَسَد أَخْشَن الْوَجْه فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ نُغْضِ كَتِفه وَيُوضَع عَلَى نُغْضِ كَتِفه حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيه يَتَزَلْزَل قَالَ فَوَضَعَ الْقَوْم رُءُوسهمْ فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا قَالَ فَأَدْبَرَ فَاتَّبَعْته حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَة فَقُلْت مَا رَأَيْت هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْت لَهُمْ فَقَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا . وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرّ " مَا يَسُرّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْل أُحُد ذَهَبًا يَمُرّ عَلَيَّ ثَلَاثَة أَيَّام وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا دِينَار أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ " فَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم هُوَ الَّذِي حَدَا بِأَبِي ذَرّ عَلَى الْقَوْل بِهَذَا . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا هَمَّام حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ سَعِيد بْن أَبِي الْحَسَن عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي ذَرّ فَخَرَجَ عَطَاؤُهُ وَمَعَهُ جَارِيَة فَجَعَلَتْ تَقْضِي حَوَائِجه فَفَضَلَتْ مَعَهَا سَبْعَة فَأَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِي بِهِ فُلُوسًا . قَالَ قُلْت لَوْ اِدَّخَرْته لِحَاجَةٍ تَنُوبُكَ وَلِلضَّيْفِ يَنْزِل بِك قَالَ إِنَّ خَلِيلِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ أَيّمَا ذَهَب أَوْ فِضَّة أُوكِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَمْر عَلَى صَاحِبه حَتَّى يُفْرِغهُ فِي سَبِيل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيد عَنْ هَمَّام بِهِ وَزَادَ إِفْرَاغًا . وَقَالَ الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْر الشِّبْلِيّ فِي تَرْجَمَته عَنْ مُحَمَّد بْن مَهْدِيّ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ صَدَقَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ طَلْحَة بْن زَيْد عَنْ أَبِي فَرْوَة الرَّهَاوِيّ عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِلْقَ اللَّه فَقِيرًا وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه كَيْف لِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ " مَا سَأَلْت فَلَا تَمْنَع وَمَا رُزِقْت فَلَا تُخَبِّئ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه كَيْف لِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَالنَّار " إِسْنَاده ضَعِيف وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا عُيَيْنَة عَنْ يَزِيد بْن الصِّرْم قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : مَاتَ رَجُل مِنْ أَهْل الصُّفَّة وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " كَيَّتَانِ صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ " وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ طُرُق أُخَر وَقَالَ قَتَادَة عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي أُمَامَة صُدَيّ بْن عَجْلَان قَالَ مَاتَ رَجُل مِنْ أَهْل الصُّفَّة فَوُجِدَ فِي مِئْزَره دِينَار فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيَّة " ثُمَّ تُوُفِّيَ رَجُل آخَر فَوُجِدَ فِي مِئْزَره دِينَارَانِ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيَّتَانِ " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْفَرَادِيسِيّ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن يَحْيَى الْأَطْرَابُلُسِيّ حَدَّثَنِي أَرْطَاة حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر الْهَوْزَنِيّ سَمِعْت ثَوْبَان مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ رَجُل يَمُوت وَعِنْده أَحْمَر أَوْ أَبْيَض إِلَّا جَعَلَ اللَّه بِكُلِّ قِيرَاط صَفْحَة مِنْ نَار يُكْوَى بِهَا مِنْ قَدِمَهُ إِلَى ذَقْنه " وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خِدَاش حَدَّثَنَا سَيْف بْن مُحَمَّد الثَّوْرِيّ حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يُوضَع الدِّينَار عَلَى الدِّينَار , وَلَا الدِّرْهَم عَلَى الدِّرْهَم وَلَكِنْ يُوَسَّع جِلْده فَيُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ " سَيْف هَذَا كَذَّاب مَتْرُوك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَبَشِّرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَلَا يُخْرِجُونَ حُقُوق اللَّه مِنْهَا يَا مُحَمَّد بِعَذَابٍ أَلِيم ; { يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم } فَالْيَوْم مِنْ صِلَة الْعَذَاب الْأَلِيم , كَأَنَّهُ قِيلَ : يُبَشِّرهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِهِ فِي يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يُحْمَى عَلَيْهَا } تَدْخُل النَّار فَيُوقَد عَلَيْهَا ; أَيْ عَلَى الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّتِي كَنَزُوهَا فِي نَار جَهَنَّم , فَتُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ , وَكُلّ شَيْء أُدْخِلَ النَّار فَقَدْ أُحْمِيَ إِحْمَاء , يُقَال مِنْهُ : أُحْمِيَتْ الْحَدِيدَة فِي النَّار أَحْمِيهَا إِحْمَاء . وَقَوْله : { فَتُكْوَى بِهَا جِبَاههمْ } يَعْنِي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة الْمَكْنُوزَة . يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم يَكْوِي اللَّه بِهَا , يَقُول : يُحَرِّق اللَّه جِبَاه كَانِزِيهَا وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ. { هَذَا مَا كَنَزْتُمْ } وَمَعْنَاهُ : وَيُقَال لَهُمْ : هَذَا مَا كَنَزْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ الَّذِينَ مَنَعُوا كُنُوزهمْ مِنْ فَرَائِض اللَّه الْوَاجِبَة فِيهَا لِأَنْفُسِكُمْ { فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } يَقُول : فَيُقَال لَهُمْ : فَأَطْعِمُوا عَذَاب اللَّه بِمَا كُنْتُمْ تَمْنَعُونَ مِنْ أَمْوَالكُمْ حُقُوق اللَّه وَتَكْنِزُونَهَا مُكَاثَرَة وَمُبَاهَاة. وَحُذِفَ مِنْ قَوْله " هَذَا مَا كَنَزْتُمْ " و " يُقَال لَهُمْ " لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12953 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال , قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرّ يَقُول : بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي الْجِبَاه وَكَيّ فِي الْجُنُوب وَكَيّ فِي الظُّهُور , حَتَّى يَلْتَقِي الْحَرّ فِي أَجْوَافهمْ ! . 12954 - قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ الْجُرَيْرِيّ , عَنْ أَبِي الْعَلَاء بْن الشِّخِّيرِ , عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس , قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة , فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَة فِيهَا مَلَأ مِنْ قُرَيْش إِذْ جَاءَ رَجُل خَشِن الثِّيَاب , خَشِن الْجَسَد , خَشِن الْوَجْه , فَقَامَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ : بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ نُغْض كَتِفه , وَيُوضَع عَلَى نُغْض كَتِفه حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَل ! قَالَ : فَوَضَعَ الْقَوْم رُءُوسهمْ , فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ : وَأَدْبَرَ فَاتَّبَعْته , حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَة , فَقُلْت : مَا رَأَيْت هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْت ! فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. 12955 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم , قَالَ : ثني عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة الْجَمَلِيّ , عَنْ أَبِي نَصْر عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس , قَالَ : رَأَيْت فِي مَسْجِد الْمَدِينَة رَجُلًا غَلِيظ الثِّيَاب رَثّ الْهَيْئَة , يَطُوف فِي الْحِلَق وَهُوَ يَقُول : بَشِّرْ أَصْحَاب الْكُنُوز بِكَيٍّ فِي جُنُوبهمْ , وَكَيّ فِي جِبَاههمْ , وَكَيّ فِي ظُهُورهمْ ! ثُمَّ اِنْطَلَقَ وَهُوَ يَتَذَمَّر يَقُول : مَا عَسَى تَصْنَع بِي قُرَيْش ؟. 12956 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرّ : بَشِّرْ أَصْحَاب الْكُنُوز بِكَيٍّ فِي الْجِبَاه , وَكَيّ فِي الْجُنُوب , وَكَيّ فِي الظُّهُور . 12957 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم } قَالَ : حَيَّة تَنْطَوِي عَلَى جَبِينه وَجَبْهَته , تَقُول : أَنَا مَالك الَّذِي بَخِلْت بِهِ . 12958 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , عَنْ مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ثَوْبَان , أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " مَنْ تَرَكَ بَعْده كَنْزًا مِثْل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَع لَهُ زَبِيبَتَانِ , يَتْبَعهُ يَقُول : وَيْلك مَا أَنْتَ ؟ فَيَقُول : أَنَا كَنْزك الَّذِي تَرَكْته بَعْدك فَلَا يَزَال يَتْبَعهُ حَتَّى يُلْقِمهُ يَده فَيَقْضِمهَا ثُمَّ يَتْبَعهُ سَائِر جَسَده ". 12959 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْكُنُوز تَتَحَوَّل يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا يَتْبَع صَاحِبه , وَهُوَ يَفِرّ مِنْهُ وَيَقُول : أَنَا كَنْزك ! لَا يَدْرِك مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَهُ . 12960 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره , لَا يُكْوَى عَبْد بِكَنْزٍ فَيَمَسّ دِينَار دِينَارًا وَلَا دِرْهَم دِرْهَمًا , وَلَكِنْ يُوَسِّع جِلْده فَيُوضَع كُلّ دِينَار وَدِرْهَم عَلَى حِدَته . * - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : مَا مِنْ رَجُل يُكْوَى بِكَنْزٍ فَيُوضَع دِينَار عَلَى دِينَار وَلَا دِرْهَم عَلَى دِرْهَم , وَلَكِنَّ يُوَسِّع جِلْده .

تفسير القرطبي

" يَوْم " ظَرْف , وَالتَّقْدِير يُعَذَّبُونَ يَوْم يُحْمَى . وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون عَلَى تَقْدِير : فَبَشِّرْهُمْ يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا , لِأَنَّ الْبِشَارَة لَا تَكُون حِينَئِذٍ . يُقَال : أُحْمِيَتْ الْحَدِيدَة فِي النَّار , أَيْ أُوقِدَتْ عَلَيْهَا . وَيُقَال : أَحْمَيْته , وَلَا يُقَال : أَحْمَيْت عَلَيْهِ . وَهَاهُنَا قَالَ عَلَيْهَا , لِأَنَّهُ جَعَلَ " عَلَى " مِنْ صِلَة مَعْنَى الْإِحْمَاء , وَمَعْنَى الْإِحْمَاء الْإِيقَاد . أَيْ يُوقَد عَلَيْهَا فَتُكْوَى . الْكَيّ : إِلْصَاق الْحَارّ مِنْ الْحَدِيد وَالنَّار بِالْعُضْوِ حَتَّى يَحْتَرِق الْجِلْد . وَالْجِبَاه جَمْع الْجَبْهَة , وَهُوَ مُسْتَوَى مَا بَيْن الْحَاجِب إِلَى النَّاصِيَة . وَجَبَهْت فُلَانًا بِكَذَا , أَيْ اِسْتَقْبَلْته بِهِ وَضَرَبْت جَبْهَته . وَالْجُنُوب جَمْع الْجَنْب . وَالْكَيّ فِي الْوَجْه أَشْهَر وَأَشْنَع , وَفِي الْجَنْب وَالظَّهْر آلَم وَأَوْجَع , فَلِذَلِكَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْن سَائِر الْأَعْضَاء . وَقَالَ عُلَمَاء الصُّوفِيَّة : لَمَّا طَلَبُوا الْمَال وَالْجَاه شَانَ اللَّه وُجُوههمْ , وَلَمَّا طَوَوْا كَشْحًا عَنْ الْفَقِير إِذَا جَالَسَهُمْ كُوِيَتْ جُنُوبهمْ , وَلَمَّا أَسْنَدُوا ظُهُورهمْ إِلَى أَمْوَالهمْ ثِقَة بِهَا وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا كُوِيَتْ ظُهُورهمْ . وَقَالَ عُلَمَاء الظَّاهِر : إِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَعْضَاء لِأَنَّ الْغَنِيّ إِذَا رَأَى الْفَقِير زَوَى مَا بَيْن عَيْنَيْهِ وَقَبَضَ وَجْهه . كَمَا قَالَ : يَزِيد يَغُضّ الطَّرْف عَنِّي كَأَنَّمَا زَوَى بَيْن عَيْنَيْهِ عَلَيَّ الْمَحَاجِم فَلَا يَنْبَسِط مِنْ بَيْن عَيْنَيْك مَا اِنْزَوَى وَلَا تَلْقَنِي إِلَّا وَأَنْفك رَاغِم وَإِذَا سَأَلَهُ طَوَى كَشْحه , وَإِذَا زَادَهُ فِي السُّؤَال وَأَكْثَر عَلَيْهِ وَلَّاهُ ظَهْره . فَرَتَّبَ اللَّه الْعُقُوبَة عَلَى حَال الْمَعْصِيَة . وَاخْتَلَفَتْ الْآثَار فِي كَيْفِيَّة الْكَيّ بِذَلِكَ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذِكْر الرَّضْف . وَفِيهِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا مِنْ صَاحِب ذَهَب وَلَا فِضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَار فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَيُكْوَى بِهَا جَنْبه وَجَبِينه وَظَهْره كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يُقْضَى بَيْن الْعِبَاد فَيَرَى سَبِيله إِمَّا إِلَى الْجَنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار ... ) . الْحَدِيث . وَفِي الْبُخَارِيّ : أَنَّهُ يُمَثَّل لَهُ كَنْزه شُجَاعًا أَقْرَع . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْر الصَّحِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ كَانَ لَهُ مَال فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاته طُوِّقَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَع يَنْقُر رَأْسه ... ) قُلْت : وَلَعَلَّ هَذَا يَكُون فِي مَوَاطِن : مَوْطِن يُمَثَّل الْمَال فِيهِ ثُعْبَانًا , وَمَوْطِن يَكُون صَفَائِح وَمَوْطِن يَكُون رَضْفًا . فَتَتَغَيَّر الصِّفَات وَالْجِسْمِيَّة وَاحِدَة , فَالشُّجَاع جِسْم وَالْمَال جِسْم . وَهَذَا التَّمْثِيل حَقِيقَة , بِخِلَافِ قَوْله : ( يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح ) فَإِنَّ تِلْكَ طَرِيقَة أُخْرَى , وَلِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء . وَخَصَّ الشُّجَاع بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْعَدُوّ الثَّانِي لِلْخَلْقِ . وَالشُّجَاع مِنْ الْحَيَّات هُوَ الْحَيَّة الذَّكَر الَّذِي يُوَاثِب الْفَارِس وَالرَّاجِل , وَيَقُوم عَلَى ذَنَبه وَرُبَّمَا بَلَغَ الْفَارِس , وَيَكُون فِي الصَّحَارِي . وَقِيلَ : هُوَ الثُّعْبَان . قَالَ اللِّحْيَانِيّ : يُقَال لِلْحَيَّةِ شُجَاع , وَثَلَاثَة أَشْجِعَة , ثُمَّ شُجْعَان . وَالْأَقْرَع مِنْ الْحَيَّات هُوَ الَّذِي تَمَعَّطَ رَأْسه وَابْيَضَّ مِنْ السُّمّ . فِي الْمُوَطَّإِ : لَهُ زَبِيبَتَانِ , أَيْ نُقْطَتَانِ مُنْتَفِخَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ كَالرَّغْوَتَيْنِ . وَيَكُون ذَلِكَ فِي شِدْقَيْ الْإِنْسَان إِذَا غَضِبَ وَأَكْثَرَ مِنْ الْكَلَام . قَالَتْ أُمّ غَيْلَان بِنْت جَرِير رُبَّمَا أَنْشَدْت أَبِي حَتَّى يَتَزَبَّب شِدْقَايَ . ضُرِبَ مَثَلًا لِلشُّجَاعِ الَّذِي كَثُرَ سُمّه فَيُمَثَّل الْمَال بِهَذَا الْحَيَوَان فَيَلْقَى صَاحِبه غَضْبَان . وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : نُقْطَتَانِ سَوْدَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ . فِي رِوَايَة : مُثِّلَ لَهُ شُجَاع يَتْبَعهُ فَيَضْطَرّهُ فَيُعْطِيه يَده فَيَقْضِمهَا كَمَا يَقْضِم الْفَحْل . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : ( وَاَللَّه لَا يُعَذِّب اللَّه أَحَدًا بِكَنْزٍ فَيَمَسّ دِرْهَم دِرْهَمًا وَلَا دِينَار دِينَارًا , وَلَكِنْ يُوَسِّع جِلْده حَتَّى يُوضَع كُلّ دِرْهَم وَدِينَار عَلَى حِدَته ) وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحّ فِي الْكَافِر - كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث - لَا فِي الْمُؤْمِن . وَاَللَّه أَعْلَم . أَسْنَدَ الطَّبَرِيّ إِلَى أَبِي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ : مَاتَ رَجُل مِنْ أَهْل الصُّفَّة فَوُجِدَ فِي بُرْدَته دِينَار . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَيَّة ) . ثُمَّ مَاتَ آخَر فَوُجِدَ لَهُ دِينَارَانِ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَيَّتَانِ ) . وَهَذَا إِمَّا لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعِيشَانِ مِنْ الصَّدَقَة وَعِنْدهمَا التِّبْر , وَإِمَّا لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام , ثُمَّ قَرَّرَ الشَّرْع ضَبْط الْمَال وَأَدَاء حَقّه . وَلَوْ كَانَ ضَبْط الْمَال مَمْنُوعًا لَكَانَ حَقّه أَنْ يُخْرَج كُلّه , وَلَيْسَ فِي الْأُمَّة مَنْ يُلْزَم هَذَا . وَحَسْبك حَال الصَّحَابَة وَأَمْوَالهمْ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي ذَرّ فَهُوَ مَذْهَب لَهُ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْن عُبَيْدَة عَنْ عِمْرَان بْن أَبِي أَنَس عَنْ مَالِك بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ جَمَعَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ تِبْرًا أَوْ فِضَّة وَلَا يَعُدّهُ لِغَرِيمٍ وَلَا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ كَنْز يُكْوَى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ) . قُلْت : هَذَا الَّذِي يَلِيق بِأَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنْ يَقُول بِهِ , وَأَنَّ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَاجَة فَلَيْسَ بِكَنْزٍ إِذَا كَانَ مُعَدًّا لِسَبِيلِ اللَّه . وَقَالَ أَبُو أُمَامَة : مَنْ خَلَّفَ بِيضًا أَوْ صُفْرًا كُوِيَ بِهَا مَغْفُورًا لَهُ أَوْ غَيْر مَغْفُور لَهُ , أَلَا إِنَّ حِلْيَة السَّيْف مِنْ ذَلِكَ . وَرَوَى ثَوْبَان أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ رَجُل يَمُوت وَعِنْده أَحْمَر أَوْ أَبْيَض إِلَّا جَعَلَ اللَّه لَهُ بِكُلِّ قِيرَاط صَفِيحَة يُكْوَى بِهَا مِنْ فَرْقه إِلَى قَدَمه مَغْفُورًا لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَوْ مُعَذَّبًا ) . قُلْت : وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاته بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْآيَة قَبْل هَذَا . فَيَكُون التَّقْدِير : وَعِنْده أَحْمَر أَوْ أَبْيَض لَمْ يُؤَدِّ زَكَاته . وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ تَرَكَ عَشَرَة آلَاف جُعِلَتْ صَفَائِح يُعَذَّب بِهَا صَاحِبهَا يَوْم الْقِيَامَة . أَيْ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتهَا , لِئَلَّا تَتَنَاقَض الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ يُقَال لَهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ , فَحَذَفَ . أَيْ عَذَاب مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ .

غريب الآية
یَوۡمَ یُحۡمَىٰ عَلَیۡهَا فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَـٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ﴿٣٥﴾
فَتُكۡوَىٰتُحْرَقُ.
فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَذُوقوا سوءَ عاقبةِ جَمْعِكم.
الإعراب
(يَوْمَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يُحْمَى)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ" أَيْ: "الْوَقُودُ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَلَيْهَا)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَارِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(جَهَنَّمَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(فَتُكْوَى)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تُكْوَى) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(بِهَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(جِبَاهُهُمْ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَجُنُوبُهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(جُنُوبُهُمْ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَظُهُورُهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ظُهُورُهُمْ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(هَذَا)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ.
(كَنَزْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَجُمْلَةُ: (كَنَزْتُمْ) : صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لِأَنْفُسِكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(أَنْفُسِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَجُمْلَةُ: (هَذَا مَا ...) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "يُقَالُ" أَيْ: "يُقَالُ لَهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ".
(فَذُوقُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ذُوقُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(كُنْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(تَكْنِزُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.