سورة التوبة الآية ٣٤
سورة التوبة الآية ٣٤
۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ ﴿٣٤﴾
تفسير السعدي
هذا تحذير من اللّه تعالى لعباده المؤمنين, عن كثير من الأحبار والرهبان, أي: العلماء والعباد, الذين يأكلون أموال الناس بالباطل, أي: بغير حق, ويصدون عن سبيل اللّه. فإنهم - إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس, أو بذل الناس لهم من أموالهم - فإنه لأجل علمهم وعبادتهم, ولأجل هداهم وهدايتهم. وهؤلاء يأخذونها, ويصدون الناس عن سبيل اللّه, فيكون أخذهم لها, على هذا الوجه, سحتا وظلما. فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم, إلا ليدلوهم على الطريق المستقيم. ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق, أن يعطوهم ليفتوهم, أو يحكموا لهم بغير ما أنزل اللّه. فهؤلاء الأحبار والرهبان, ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق, وصدهم الناس عن سبيل اللّه. " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ " أي: يمسكونها " وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: طرق الخير الموصلة إلى اللّه, وهذا هو الكنز المحرم, أن يمسكها عن النفقة الواجبة. كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات, أو الأقارب, أو النفقة في سبيل اللّه إذا وجبت. " فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " ثم فسره بقوله:
التفسير الميسر
يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن كثيرًا من علماء أهل الكتاب وعُبَّادهم ليأخذون أموال الناس بغير حق كالرشوة وغيرها، ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام، ويصدون عن سبيل الله. والذين يمسكون الأموال، ولا يؤدون زكاتها، ولا يُخْرجون منها الحقوق الواجبة، فبشِّرهم بعذاب موجع.
تفسير الجلالين
"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَار وَالرُّهْبَان لَيَأْكُلُونَ" يَأْخُذُونَ "أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ" كَالرِّشَا فِي الْحُكْم "وَيَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "وَاَلَّذِينَ" مُبْتَدَأ "يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا" أَيْ الْكُنُوز "فِي سَبِيل اللَّه" أَيْ لَا يُؤَدُّونَ مِنْهَا حَقّه مِنْ الزَّكَاة وَالْخَبَر "فَبَشِّرْهُمْ" أَخْبِرْهُمْ "بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم
تفسير ابن كثير
قَالَ السُّدِّيّ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود وَالرُّهْبَان مِنْ النَّصَارَى وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الْأَحْبَار هُمْ عُلَمَاء الْيَهُود كَمَا قَالَ تَعَالَى " لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار عَنْ قَوْلهمْ الْإِثْم وَأَكْلهمْ السُّحْت " وَالرُّهْبَان عُبَّاد النَّصَارَى وَالْقِسِّيسُونَ عُلَمَاؤُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " وَالْمَقْصُود التَّحْذِير مِنْ عُلَمَاء السُّوء وَعُبَّاد الضَّلَال كَمَا قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا كَانَ فِيهِ شَبَه مِنْ الْيَهُود وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادنَا كَانَ فِيهِ شَبَه مِنْ النَّصَارَى وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح " لَتَرْكَبُنَّ سُنَن مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ حَذْو الْقُذَّة بِالْقُذَّةِ " قَالُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ فَمَنْ ؟ وَفِي رِوَايَة فَارِس وَالرُّوم قَالَ " فَمَنْ النَّاس إِلَّا هَؤُلَاءِ ؟ " وَالْحَاصِل التَّحْذِير مِنْ التَّشَبُّه بِهِمْ فِي أَقْوَالهمْ وَأَحْوَالهمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَمَنَاصِبهمْ وَرِيَاسَتهمْ فِي النَّاس يَأْكُلُونَ أَمْوَالهمْ بِذَلِكَ كَمَا كَانَ لِأَحْبَارِ الْيَهُود عَلَى أَهْل الْجَاهِلِيَّة شَرَف وَلَهُمْ عِنْدهمْ خَرْج وَهَدَايَا وَضَرَائِب تَجِيء إِلَيْهِمْ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلَالهمْ وَكُفْرهمْ وَعِنَادهمْ طَمَعًا مِنْهُمْ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ تِلْكَ الرِّيَاسَات فَأَطْفَأَهَا اللَّه بِنُورِ النُّبُوَّة وَسَلَبَهُمْ إِيَّاهَا وَعَوَّضَهُمْ الذُّلّ وَالصَّغَار وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَقَوْله تَعَالَى " وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه " أَيْ وَهُمْ مَعَ أَكْلهمْ الْحَرَام يَصُدُّونَ النَّاس عَنْ اِتِّبَاع الْحَقّ وَيُلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَيُظْهِرُونَ لِمَنْ اِتَّبَعَهُمْ مِنْ الْجَهَلَة أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى الْخَيْر وَلَيْسُوا كَمَا يَزْعُمُونَ بَلْ هُمْ دُعَاة إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يُنْصَرُونَ وَقَوْله " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّه " الْآيَة هَؤُلَاءِ هُمْ الْقِسْم الثَّالِث مِنْ رُءُوس النَّاس فَإِنَّ النَّاس عَالَة عَلَى الْعُلَمَاء وَعَلَى الْعِبَاد وَعَلَى أَرْبَاب الْأَمْوَال فَإِذَا فَسَدَتْ أَحْوَال هَؤُلَاءِ فَسَدَتْ أَحْوَال النَّاس كَمَا قَالَ اِبْن الْمُبَارَك . وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّين إِلَّا الْمُلُوك وَأَحْبَار سُوء وَرُهْبَانهَا وَأَمَّا الْكَنْز فَقَالَ مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر : هُوَ الْمَال الَّذِي لَا تُؤَدَّى زَكَاته وَرَوَى الثَّوْرِيّ وَغَيْره عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مَا أُدِّيَ زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْت سَبْع أَرَضِينَ وَمَا كَانَ ظَاهِرًا لَا تُؤَدَّى زَكَاته فَهُوَ كَنْز وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَجَابِر وَأَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب نَحْوه أَيّمَا مَال أُدِّيَتْ زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْض وَأَيّمَا مَال لَمْ تُؤَدَّ زَكَاته فَهُوَ كَنْز يُكْوَى بِهِ صَاحِبه وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْه الْأَرْض . وَرَوَى الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ خَالِد بْن أَسْلَم قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة فَلَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَهَا اللَّه طُهْرَة لِلْأَمْوَالِ وَكَذَا قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَعِرَاك بْن مَالِك نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " الْآيَة . وَقَالَ سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْ أَبِي أُمَامَة أَنَّهُ قَالَ : حِلْيَة السُّيُوف مِنْ الْكَنْز . مَا أُحَدِّثكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ جَعْدَة بْن هُبَيْرَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَرْبَعَة آلَاف فَمَا دُونهَا نَفَقَة فَمَا كَانَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَنْز وَهَذَا غَرِيب . وَقَدْ جَاءَ فِي مَدْح التَّقَلُّل مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَذَمّ التَّكَثُّر مِنْهَا أَحَادِيث كَثِيرَة وَلْنُورِدْ مِنْهَا هُنَا طَرَفًا يَدُلّ عَلَى الْبَاقِي قَالَ عَبْد الرَّازِق : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ أَخْبَرَنِي أَبُو حُصَيْن عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ جَعْدَة بْن هُبَيْرَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة " الْآيَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ " يَقُولهَا ثَلَاثًا قَالَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا فَأَيّ مَال نَتَّخِذ ؟ فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَا أَعْلَم لَكُمْ ذَلِكَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَصْحَابك قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا فَأَيّ الْمَال نَتَّخِذ قَالَ " لِسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا وَزَوْجَة تُعِين أَحَدكُمْ عَلَى دِينه " . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنِي سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْهُذَيْل حَدَّثَنِي صَاحِب لِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ قَالَ " تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّة " قَالَ وَحَدَّثَنِي صَاحِبِي أَنَّهُ اِنْطَلَقَ مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه قَوْلك " تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّة " مَاذَا نَدَّخِر ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا وَزَوْجَة تُعِين عَلَى الْآخِرَة " . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ ثَوْبَان قَالَ : لَمَّا نَزَلَ فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة مَا نَزَلَ قَالُوا فَأَيّ الْمَال نَتَّخِذ ؟ قَالَ عُمَر فَأَنَا أَعْلَم لَكُمْ ذَلِكَ . فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِير فَأَدْرَكَهُ وَأَنَا فِي أَثَره فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَيّ الْمَال نَتَّخِذ ؟ قَالَ " قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَة تُعِين أَحَدكُمْ عَلَى أَمْر الْآخِرَة " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن وَحُكِيَ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ ثَوْبَان قُلْت : وَلِهَذَا رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْهُ مُرْسَلًا وَاَللَّه أَعْلَم . " حَدِيث آخَر " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَالِك حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَعْلَى الْمُحَارِبِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا غَيْلَان بْن جَامِع الْمُحَارِبِيّ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْيَقْظَان عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي إِيَاس عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة " الْآيَة كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا مَا يَسْتَطِيع أَحَد مِنَّا يَدَع لِوَلَدِهِ مَالًا يَبْقَى بَعْده فَقَالَ عُمَر : أَنَا أُفَرِّج عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ عُمَر وَاتَّبَعَهُ ثَوْبَان فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابك هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه لَمْ يَفْرِض الزَّكَاة إِلَّا لِيُطَيِّب بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيث مِنْ أَمْوَال تَبْقَى بَعْدكُمْ " قَالَ فَكَبَّرَ عُمَر ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا أُخْبِرك بِخَيْرِ مَا يَكْنِز الْمَرْء الْمَرْأَة الصَّالِحَة الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن يَعْلَى بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح عَلَى شَرْطهمَا وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة قَالَ : كَانَ شَدَّاد بْن أَوْس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي سَفَر فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ لِغُلَامِهِ اِئْتِنَا بِالشَّفْرَة نَعْبَث بِهَا فَأَنْكَرْت عَلَيْهِ فَقَالَ مَا تَكَلَّمْت بِكَلِمَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْت إِلَّا وَأَنَا أَخْطِمهَا وَأَزُمّهَا غَيْر كَلِمَتِي هَذِهِ فَلَا تَحْفَظُوهَا عَلَيَّ وَاحْفَظُوا مَا أَقُول لَكُمْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِذَا كَنَزَ النَّاس الذَّهَب وَالْفِضَّة فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات اللَّهُمَّ إِنَى أَسْأَلك الثَّبَات فِي الْأَمْر وَالْعَزِيمَة عَلَى الرُّشْد وَأَسْأَلك شُكْر نِعْمَتك وَأَسْأَلك حُسْن عِبَادَتك وَأَسْأَلك قَلْبًا سَلِيمًا وَأَسْأَلك لِسَانًا صَادِقًا وَأَسْأَلك مِنْ خَيْر مَا تَعْلَم وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّ مَا تَعْلَم وَأَسْتَغْفِرك لِمَا تَعْلَم إِنَّك أَنْتَ عَلَّام الْغُيُوب " .
تفسير القرطبي
" لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ " دَخَلَتْ اللَّام عَلَى يَفْعَل , وَلَا تَدْخُل عَلَى فَعَلَ لِمُضَارَعَةِ يَفْعَل الْأَسْمَاء . وَالْأَحْبَار عُلَمَاء الْيَهُود . وَالرُّهْبَان مُجْتَهِدُو النَّصَارَى فِي الْعِبَادَة . " بِالْبَاطِلِ " قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَال أَتْبَاعهمْ ضَرَائِب وَفُرُوضًا بِاسْمِ الْكَنَائِس وَالْبِيَع وَغَيْر ذَلِكَ , مِمَّا يُوهِمُونَهُمْ أَنَّ النَّفَقَة فِيهِ مِنْ الشَّرْع وَالتَّزَلُّف إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَهُمْ خِلَال ذَلِكَ يَحْجُبُونَ تِلْكَ الْأَمْوَال , كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمَان الْفَارِسِيّ عَنْ الرَّاهِب الَّذِي اِسْتَخْرَجَ كَنْزه , ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيَر . وَقِيلَ : كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ غَلَّاتهمْ وَأَمْوَالهمْ ضَرَائِب بِاسْمِ حِمَايَة الدِّين وَالْقِيَام بِالشَّرْعِ . وَقِيلَ : كَانُوا يَرْتَشُونَ فِي الْأَحْكَام , كَمَا يَفْعَلهُ الْيَوْم كَثِير مِنْ الْوُلَاة وَالْحُكَّام . وَقَوْله : " بِالْبَاطِلِ " يَجْمَع ذَلِكَ كُلّه . أَيْ يَمْنَعُونَ أَهْل دِينهمْ عَنْ الدُّخُول فِي دِين الْإِسْلَام , وَاتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْكَنْز أَصْله فِي اللُّغَة الضَّمّ وَالْجَمْع وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة . أَلَا تَرَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرِ مَا يَكْنِز الْمَرْءُ الْمَرْأَة الصَّالِحَة ) . أَيْ يَضُمّهُ لِنَفْسِهِ وَيَجْمَعهُ . قَالَ : وَلَمْ تَزَوَّدْ مِنْ جَمِيع الْكَنْز غَيْر خُيُوط وَرَثِيث بَزّ وَقَالَ آخَر : لَا دَرَّ دَرِّي إِنْ أَطْعَمْت جَائِعهمْ قِرْف الْحَتِيّ وَعِنْدِي الْبُرّ مَكْنُوز قِرْف الْحَتِيّ هُوَ سَوِيق الْمُقِلّ . يَقُول : إِنَّهُ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَكَانَ قِرَاهُ عِنْدهمْ سَوِيق الْمُقِلّ , وَهُوَ الْحَتِيّ , فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَالَ هُوَ : لَا دَرَّ دَرِّي ... الْبَيْت . وَخَصَّ الذَّهَب وَالْفِضَّة بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ , بِخِلَافِ سَائِر الْأَمْوَال . قَالَ الطَّبَرِيّ : الْكَنْز كُلّ شَيْء مَجْمُوع بَعْضه إِلَى بَعْض , فِي بَطْن الْأَرْض كَانَ أَوْ عَلَى ظَهْرهَا . وَسُمِّيَ الذَّهَب ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَب , وَالْفِضَّة لِأَنَّهَا تَنْفَضّ فَتَتَفَرَّق , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا " [ الْجُمُعَة : 11 ] - " لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك " [ آل عِمْرَان : 159 ] وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [ آل عِمْرَان ] وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة , فَذَهَبَ مُعَاوِيَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهَا أَهْل الْكِتَاب وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَصَمّ لِأَنَّ قَوْله : " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ " مَذْكُور بَعْد قَوْله : " إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَار وَالرُّهْبَان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ " . وَقَالَ أَبُو ذَرّ وَغَيْره : الْمُرَاد بِهَا أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَهُوَ الصَّحِيح , لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَهْل الْكِتَاب خَاصَّة لَقَالَ : وَيَكْنِزُونَ , بِغَيْرِ وَاَلَّذِينَ . فَلَمَّا قَالَ : " وَاَلَّذِينَ " فَقَدْ اِسْتَأْنَفَ مَعْنًى آخَر يُبَيِّن أَنَّهُ عَطَفَ جُمْلَة عَلَى جُمْلَة . فَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ كَلَام مُسْتَأْنَف , وَهُوَ رَفْع عَلَى الِابْتِدَاء . قَالَ السُّدِّيّ : عَنَى أَهْل الْقِبْلَة . فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال . وَعَلَى قَوْل الصَّحَابَة فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكُفَّار عِنْدهمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ : مَرَرْت بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرّ فَقُلْت لَهُ : مَا أَنْزَلَك مَنْزِلك هَذَا ؟ قَالَ : كُنْت بِالشَّامِ فَاخْتَلَفْت أَنَا وَمُعَاوِيَة فِي " الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّه " , فَقَالَ مُعَاوِيَة : نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب . فَقُلْت : نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ , وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنه فِي ذَلِكَ . فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَان يَشْكُونِي , فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَان أَنْ اُقْدُمْ الْمَدِينَة , فَقَدِمْتهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْل ذَلِكَ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُثْمَان فَقَالَ : إِنْ شِئْت تَنَحَّيْت فَكُنْت قَرِيبًا , فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِل وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْت وَأَطَعْت . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة زَكَاة الْعَيْن , وَهِيَ تَجِب بِأَرْبَعَةِ شُرُوط : حُرِّيَّة , وَإِسْلَام , وَحَوْل , وَنِصَاب سَلِيم مِنْ الدَّيْن . وَالنِّصَاب مِائَتَا دِرْهَم أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا . أَوْ يُكَمِّل نِصَاب أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر وَأَخْرَجَ رُبْع الْعُشْر مِنْ هَذَا وَرُبْع الْعُشْر مِنْ هَذَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْحُرِّيَّة شَرْط , فَلِأَنَّ الْعَبْد نَاقِص الْمِلْك . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْإِسْلَام شَرْط , فَلِأَنَّ الزَّكَاة طُهْرَة وَالْكَافِر لَا تَلْحَقهُ طُهْرَة , وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة " [ الْبَقَرَة : 43 ] فَخُوطِبَ بِالزَّكَاةِ مَنْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْحَوْل شَرْط , فَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ فِي مَال زَكَاة حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل ) . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ النِّصَاب شَرْط , فَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ فِي أَقَلّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَم زَكَاة وَلَيْسَ فِي أَقَلّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا زَكَاة ) . وَلَا يُرَاعَى كَمَال النِّصَاب فِي أَوَّل الْحَوْل , وَإِنَّمَا يُرَاعَى عِنْد آخِر الْحَوْل , لِاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الرِّبْح فِي حُكْم الْأَصْل . يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَم فَتَجَرَ فِيهَا فَصَارَتْ آخِر الْحَوْل أَلْفًا أَنَّهُ يُؤَدِّي زَكَاة الْأَلْف , وَلَا يَسْتَأْنِف لِلرِّبْحِ حَوْلًا . فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِف حُكْم الرِّبْح , كَانَ صَادِرًا عَنْ نِصَاب أَوْ دُونه . وَكَذَلِكَ اِتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَم , فَتَوَالَدَتْ لَهُ رَأْس الْحَوْل ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَات إِلَّا وَاحِدَة مِنْهَا , وَكَانَتْ السِّخَال تَتِمَّة النِّصَاب فَإِنَّ الزَّكَاة تُخْرَج عَنْهَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَال الَّذِي أُدِّيَتْ زَكَاته هَلْ يُسَمَّى كَنْزًا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ قَوْم : نَعَمْ . وَرَوَاهُ أَبُو الضَّحَّاك عَنْ جَعْدَة بْن هُبَيْرَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ عَلِيّ : أَرْبَعَة آلَاف فَمَا دُونهَا نَفَقَة , وَمَا كَثُرَ فَهُوَ كَنْز وَإِنْ أَدَّيْت زَكَاته , وَلَا يَصِحّ . وَقَالَ قَوْم : مَا أَدَّيْت زَكَاته مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْره عَنْهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ . قَالَ اِبْن عُمَر : مَا أُدِّيَ زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْت سَبْع أَرَضِينَ , وَكُلّ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاته فَهُوَ كَنْز وَإِنْ كَانَ فَوْق الْأَرْض . وَمِثْله عَنْ جَابِر , وَهُوَ الصَّحِيح . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ آتَاهُ اللَّه مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاته مُثِّلَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَع لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقهُ يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ يَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُول أَنَا مَالَك أَنَا كَنْزك - ثُمَّ تَلَا - " وَلَا يَحَسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ " [ آل عِمْرَان : 180 ] الْآيَة . وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي ذَرّ , قَالَ : اِنْتَهَيْت إِلَيْهِ - يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ وَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُل تَكُون لَهُ إِبِل أَوْ بَقَر أَوْ غَنَم لَا يُؤَدِّي حَقّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة أَعْظَم مَا تَكُون وَأَسْمَنه تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْن النَّاس ) . فَدَلَّ دَلِيل خِطَاب هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى صِحَّة مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَر فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ هَذَا الْمَعْنَى , قَالَ لَهُ أَعْرَابِيّ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة " قَالَ اِبْن عُمَر : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتهَا فَوَيْل لَهُ , إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة , فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّه طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ . وَقِيلَ : الْكَنْز مَا فَضَلَ عَنْ الْحَاجَة . رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ , وَهُوَ مِمَّا نُقِلَ مِنْ مَذْهَبه , وَهُوَ مِنْ شَدَائِده وَمِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُجْمَل مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ فِي هَذَا , مَا رُوِيَ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي وَقْت شِدَّة الْحَاجَة وَضَعْف الْمُهَاجِرِينَ وَقِصَر يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِفَايَتهمْ , وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْت الْمَال مَا يَسَعُهُمْ , وَكَانَتْ السُّنُونَ الْجَوَائِح هَاجِمَة عَلَيْهِمْ , فَنُهُوا عَنْ إِمْسَاك شَيْء مِنْ الْمَال إِلَّا عَلَى قَدْر الْحَاجَة وَلَا يَجُوز اِدِّخَار الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي مِثْل ذَلِكَ الْوَقْت . فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أَوْجَبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم وَفِي عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْف دِينَار وَلَمْ يُوجِب الْكُلّ وَاعْتَبَرَ مُدَّة الِاسْتِنْمَاء , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَيَانًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : الْكَنْز مَا لَمْ تُؤَدَّ مِنْهُ الْحُقُوق الْعَارِضَة , كَفَكّ الْأَسِير وَإِطْعَام الْجَائِع وَغَيْر ذَلِكَ . وَقِيلَ : الْكَنْز لُغَة : الْمَجْمُوع مِنْ النَّقْدَيْنِ , وَغَيْرهمَا مِنْ الْمَال مَحْمُول عَلَيْهِمَا بِالْقِيَاسِ . وَقِيلَ : الْمَجْمُوع مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ حُلِيًّا , لِأَنَّ الْحُلِيّ مَأْذُون فِي اِتِّخَاذه وَلَا حَقّ فِيهِ . وَالصَّحِيح مَا بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ , وَأَنَّ ذَلِكَ كُلّه يُسَمَّى كَنْزًا لُغَة وَشَرْعًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي زَكَاة الْحُلِيّ , فَذَهَبَ مَالِك وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد إِلَى أَنْ لَا زَكَاة فِيهِ . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ بِالْعِرَاقِ , وَوَقَفَ فِيهِ بَعْد ذَلِكَ بِمِصْرَ وَقَالَ : أَسْتَخِير اللَّه فِيهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ : فِي ذَلِكَ كُلّه الزَّكَاة . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ فَقَالُوا : قَصْد النَّمَاء يُوجِب الزَّكَاة فِي الْعُرُوض وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِإِيجَابِ الزَّكَاة , كَذَلِكَ قَطْع النَّمَاء فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة بِاِتِّخَاذِهِمَا حُلِيًّا لِلْقِنْيَةِ يُسْقِط الزَّكَاة . اِحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة بِعُمُومِ الْأَلْفَاظ فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي النَّقْدَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن حُلِيّ وَغَيْره . وَفَرَّقَ اللَّيْث بْن سَعْد فَأَوْجَبَ الزَّكَاة فِيمَا صَنَعَ حُلِيًّا لِيَفِرّ بِهِ مِنْ الزَّكَاة وَأَسْقَطَهَا فِيمَا كَانَ مِنْهُ يُلْبَس وَيُعَار وَفِي الْمَذْهَب فِي الْحُلِيّ تَفْصِيل بَيَانه فِي كُتُب الْفُرُوع . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة " قَالَ : كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ عُمَر : أَنَا أُفَرِّج عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابك هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّه لَمْ يَفْرِض الزَّكَاة إِلَّا لِيُطَيِّب مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيث - وَذَكَرَ كَلِمَة - لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدكُمْ ) قَالَ : فَكَبَّرَ عُمَر . ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُخْبِرك بِخَيْرِ مَا يَكْنِز الْمَرْء الْمَرْأَة الصَّالِحَة إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَغَيْره عَنْ ثَوْبَان أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : قَدْ ذَمّ اللَّه سُبْحَانه الذَّهَب وَالْفِضَّة , فَلَوْ عَلِمْنَا أَيّ الْمَال خَيْر حَتَّى نَكْسِبهُ . فَقَالَ عُمَر : أَنَا أَسْأَل لَكُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَأَلَهُ فَقَالَ : ( لِسَان ذَاكِر وَقَلْب شَاكِر وَزَوْجَة تُعِين الْمَرْء عَلَى دِينه ) . قَالَ حَدِيث حَسَن . وَلَمْ يَقُلْ يُنْفِقُونَهُمَا , فَفِيهِ أَجْوِبَة سِتَّة : [ الْأَوَّل ] قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : قَصَدَ الْأَغْلَب وَالْأَعَمّ وَهِيَ الْفِضَّة , وَمِثْله قَوْله : " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة " [ الْبَقَرَة : 45 ] رَدَّ الْكِنَايَة إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهَا أَعَمّ . وَمِثْله " وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا " [ الْجُمُعَة : 11 ] فَأَعَادَ الْهَاء إِلَى التِّجَارَة لِأَنَّهَا الْأَهَمّ وَتَرَكَ اللَّهْو قَالَهُ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَأَبَاهُ بَعْضهمْ وَقَالَ : لَا يُشْبِههَا , لِأَنَّ " أَوْ " قَدْ فَصَلَتْ التِّجَارَة مِنْ اللَّهْو فَحَسُنَ عَوْد الضَّمِير عَلَى أَحَدهمَا . [ الثَّانِي ] الْعَكْس وَهُوَ أَنْ يَكُون " يُنْفِقُونَهَا " لِلذَّهَبِ وَالثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ . وَالذَّهَب تُؤَنِّثهُ الْعَرَب تَقُول : هِيَ الذَّهَب الْحَمْرَاء . وَقَدْ تُذَكِّر وَالتَّأْنِيث أَشْهَر . [ الثَّالِث ] أَنْ يَكُون الضَّمِير لِلْكُنُوزِ . [ الرَّابِع ] لِلْأَمْوَالِ الْمَكْنُوزَة . [ الْخَامِس ] لِلزَّكَاةِ التَّقْدِير وَلَا يُنْفِقُونَ زَكَاة الْأَمْوَال الْمَكْنُوزَة . [ السَّادِس ] الِاكْتِفَاء بِضَمِيرِ الْوَاحِد عَنْ ضَمِير الْآخَر إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى , وَهَذَا كَثِير فِي كَلَام الْعَرَب . أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدك رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِف وَلَمْ يَقُلْ رَاضُونَ . وَقَالَ آخَر : رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئًا وَمِنْ أَجْل الطَّوِيّ رَمَانِي وَلَمْ يَقُلْ بَرِيئَيْنِ . وَنَحْوه قَوْل حَسَّان بْن ثَابِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ شَرْخ الشَّبَاب وَالشَّعْر الْأَسْوَد مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا وَلَمْ يَقُلْ يُعَاصَيَا . إِنْ قِيلَ : مَنْ لَمْ يَكْنِز وَلَمْ يُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه وَأَنْفَقَ فِي الْمَعَاصِي , هَلْ يَكُون حُكْمه فِي الْوَعِيد حُكْمَ مَنْ كَنَزَ وَلَمْ يُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه . قِيلَ لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ أَشَدّ , فَإِنَّ مَنْ بَذَرَ مَاله فِي الْمَعَاصِي عَصَى مِنْ جِهَتَيْنِ : بِالْإِنْفَاقِ وَالتَّنَاوُل , كَشِرَاء الْخَمْر وَشُرْبهَا . بَلْ مِنْ جِهَات إِذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَة مِمَّا تَتَعَدَّى , كَمَنْ أَعَانَ عَلَى ظُلْم مُسْلِم مِنْ قَتْله أَوْ أَخْذ مَاله إِلَى غَيْر ذَلِكَ . وَالْكَانِز عَصَى مِنْ جِهَتَيْنِ , وَهُمَا مَنْع الزَّكَاة وَحَبْس الْمَال لَا غَيْر . وَقَدْ لَا يُرَاعَى حَبْس الْمَال , وَاَللَّه أَعْلَم . قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ . وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْعَذَاب بِقَوْلِهِ : ( بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورهمْ يَخْرُج مِنْ جُنُوبهمْ وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَل أَقْفَائِهِمْ يَخْرُج مِنْ جِبَاههمْ ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . رَوَاهُ أَبُو ذَرّ فِي رِوَايَة : ( بَشِّرْ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدهمْ حَتَّى يَخْرُج مِنْ نُغْض كَتِفَيْهِ وَيُوضَع عَلَى نُغْض كَتِفَيْهِ حَتَّى يَخْرُج مِنْ حَلَمَة ثَدْيَيْهِ فَيَتَزَلْزَل ) الْحَدِيث . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَخُرُوج الرَّضْف مِنْ حَلَمَة ثَدْيه إِلَى نُغْض كَتِفه لِتَعْذِيبِ قَلْبه وَبَاطِنه حِين اِمْتَلَأَ بِالْفَرَحِ بِالْكَثْرَةِ فِي الْمَال وَالسُّرُور فِي الدُّنْيَا , فَعُوقِبَ فِي الْآخِرَة بِالْهَمّ وَالْعَذَاب . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : ظَاهِر الْآيَة تَعْلِيق الْوَعِيد عَلَى مَنْ كَنَزَ وَلَا يُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه وَيَتَعَرَّض لِلْوَاجِبِ وَغَيْره , غَيْر أَنَّ صِفَة الْكَنْز لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون مُعْتَبَرَة , فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكْنِز وَمَنَعَ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل اللَّه فَلَا بُدّ وَأَنْ يَكُون كَذَلِكَ , إِلَّا أَنَّ الَّذِي يُخَبَّأ تَحْت الْأَرْض هُوَ الَّذِي يُمْنَع إِنْفَاقه فِي الْوَاجِبَات عُرْفًا , فَلِذَلِكَ خَصَّ الْوَعِيد بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
| لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰلَ ٱلنَّاسِ | لَيأخُذُونها. |
|---|---|
| بِٱلۡبَـٰطِلِ | بغيرِ حَقٍّ كالرِّشوةِ وغيرِها. |
| وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۗ | ويمنعون الناسَ من الدخولِ في الإسلامِ، أو اتباعِ الحقِّ. |
| یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ | يجمعونَ الأموالَ. |
| وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ | ولايُؤَدُّون زَكاتَها، ولايُخْرِجون منها الحقوقَ الواجبةَ. |
| فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ | إلى الجهادِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ. |
| كَثِیرࣰا | في الآخرةِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian