صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ٢٥

سورة التوبة الآية ٢٥

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِی مَوَاطِنَ كَثِیرَةࣲ وَیَوۡمَ حُنَیۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَضَاقَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّیۡتُم مُّدۡبِرِینَ ﴿٢٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

يمتن تعالى, على عباده المؤمنين, بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن اللقاء, ومواضع الحروب والهجاء, حتى في يوم " حنين " الذي اشتدت عليهم فيه الأزمة, ورأو من التخاذل والفرار, ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها وسعتها. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم, لما فتح مكة, سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه. فسار إليهم صلى الله عليه وسلم, في أصحابه, الذين فتحوا مكة, وممن أسلم من الطلقاء, أهل مكة. فكانوا اثنى عشر ألفا, والمشركون أربعة آلاف. فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم, وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة. فلما التقوا, هم وهوازن, حملوا على المسلمين حملة واحدة, فانهزموا, لا يلوي أحد على أحد, ولم يبق مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم, إلا نحو مائة رجل, ثبتوا معه, وجعلوا يقاتلون المشركين. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم, يركض بغلته نحو المشركين ويقول " أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب " . ولما رأى من المسلمين ما رأى, أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار, وبقية المسلمين, وكان رفيع الصوت فناداهم: يا أصحاب السمرة, يا أهل سورة البقرة. فلما سمعوا صوته, عطفوا عطفة رجل واحد, فاجتلدوا مع المشركين. فهزم اللّه المشركين, هزمة شنيعة, واستولوا على معسكرهم, ونسائهم, وأموالهم. وذلك قوله تعالى " لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف. " إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا " أي: لم تفدكم شيئا, قليلا ولا كثيرا " وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ " بما أصابكم من الهم والغم, حين انهزمتم " بِمَا رَحُبَتْ " أي على رحبها وسعتها. " ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " أي منهزمين.

التفسير الميسر

لقد أنزل الله نَصْرَه عليكم في مواقع كثيرة عندما أخذتم بالأسباب وتوكلتم على الله. ويوم غزوة (حنين) قلتم: لن نُغْلَبَ اليوم0 من قلة، فغرَّتكم الكثرة فلم تنفعكم، وظهر عليكم العدو فلم تجدوا ملجأً في الأرض الواسعة ففررتم منهزمين.

تفسير الجلالين

"لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِن" لِلْحَرْبِ "كَثِيرَة" كَبَدْرٍ وَقُرَيْظَة وَالنَّضِير "و" اُذْكُرْ "يَوْم حُنَيْن" وَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف أَيْ يَوْم قِتَالكُمْ فِيهِ هَوَازِن وَذَلِك فِي شَوَّال سَنَة ثَمَان "إذْ" بَدَل مِنْ يَوْم "أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ" فَقُلْتُمْ لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَالْكُفَّار أَرْبَعَة آلَاف "فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ" مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ مَعَ رَحْبهَا أَيْ سِعَتهَا فَلَمْ تَجِدُوا مَكَانًا تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَكُمْ مِنْ الْخَوْف "ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" مُنْهَزِمِينَ وَثَبَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَته الْبَيْضَاء وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْر الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان آخِذ بِرِكَابِهِ

تفسير ابن كثير

قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد : هَذِهِ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ مِنْ بَرَاءَة يَذْكُر تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَضْله عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانه لَدَيْهِمْ فِي نَصْره إِيَّاهُمْ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة مِنْ غَزَوَاتهمْ مَعَ رَسُوله وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْده تَعَالَى وَبِتَأْيِيدِهِ وَتَقْدِيره لَا بِعَدَدِهِمْ وَلَا بِعُدَّتِهِمْ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ النَّصْر مِنْ عِنْده سَوَاء قَلَّ الْجَمْع أَوْ كَثُرَ فَإِنَّ يَوْم حُنَيْن أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتهمْ وَمَعَ هَذَا مَا أَجْدَى ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ إِلَّا الْقَلِيل مِنْهُمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَنْزَلَ نَصْره وَتَأْيِيده عَلَى رَسُوله وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مُفَصَّلًا لِيُعْلِمهُمْ أَنَّ النَّصْر مِنْ عِنْده تَعَالَى وَحْده وَبِإمْدَادِهِ وَإِنْ قَلَّ الْجَمْع فَكَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْت يُونُس يُحَدِّث عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَيْر الصَّحَابَة أَرْبَعَة وَخَيْر السَّرَايَا أَرْبَعمِائَةٍ وَخَيْر الْجُيُوش أَرْبَعَة آلَاف وَلَنْ تُغْلَب اِثْنَا عَشَر أَلْفًا مِنْ قِلَّة " وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب جِدًّا لَا يَسْنُدهُ أَحَد غَيْر جَرِير بْن حَازِم وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا . وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْره عَنْ أَكْثَم بْن الْجَوْن عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ كَانَتْ وَقْعَة حُنَيْن بَعْد فَتْح مَكَّة فِي شَوَّال سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة . وَذَلِكَ لَمَّا فَرَغَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَتْح مَكَّة وَتَمَهَّدَتْ أُمُورهَا وَأَسْلَمَ عَامَّة أَهْلهَا وَأَطْلَقَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَهُ أَنَّ هَوَازِن جَمَعُوا لَهُ لِيُقَاتِلُوهُ وَأَنَّ أَمِيرهمْ مَالِك بْن عَوْف النَّضْرِيّ وَمَعَهُ ثَقِيف بِكَمَالِهَا وَبَنُو جُشَم وَبَنُو سَعْد بْن بَكْر وَأَوْزَاع مِنْ بَنِي هِلَال وَهُمْ قَلِيل وَنَاس مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَامِر وَعَوْن بْن عَامِر وَقَدْ أَقْبَلُوا وَمَعَهُمْ النِّسَاء وَالْوِلْدَان وَالشَّاء وَالنَّعَم وَجَاءُوا بِقَضّهمْ وَقَضِيضهمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشه الَّذِي جَاءَ مَعَهُ لِلْفَتْحِ وَهُوَ عَشَرَة آلَاف مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَقَبَائِل الْعَرَب وَمَعَهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْل مَكَّة وَهُمْ الطُّلَقَاء فِي أَلْفَيْنِ فَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْعَدُوّ فَالْتَقَوْا بِوَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف يُقَال لَهُ حُنَيْن فَكَانَتْ فِيهِ الْوَقْعَة فِي أَوَّل النَّهَار فِي غَلَس الصُّبْح اِنْحَدَرُوا فِي الْوَادِي وَقَدْ كَمَنَتْ فِيهِ هَوَازِن فَلَمَّا تَوَاجَهُوا لَمْ يَشْعُر الْمُسْلِمُونَ إِلَّا بِهِمْ قَدْ بَادَرُوهُمْ وَرَشَقُوا بِالنِّبَالِ وَأَصْلَتُوا السُّيُوف وَحَمَلُوا حَمَلَة رَجُل وَاحِد كَمَا أَمَرَهُمْ مَلِكهمْ فَعِنْد ذَلِكَ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَثَبَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِب يَوْمئِذٍ بَغْلَته الشَّهْبَاء يَسُوقهَا إِلَى نَحْر الْعَدُوّ وَالْعَبَّاس عَمّه آخِذ بِرِكَابِهَا الْأَيْمَن وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب آخِذ بِرِكَابِهَا الْأَيْسَر يُثْقِلَانِهَا لِئَلَّا تُسْرِع السَّيْر وَهُوَ يُنَوِّه بِاسْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَيَدْعُو الْمُسْلِمِينَ إِلَى الرَّجْعَة وَيَقُول " إِلَيَّ عِبَاد اللَّه إِلَيَّ أَنَا رَسُول اللَّه " وَيَقُول فِي تِلْكَ الْحَال " أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب " وَثَبَتَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابه قَرِيب مِنْ مِائَة وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ثَمَانُونَ فَمِنْهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْعَبَّاس وَعَلِيّ وَالْفَضْل بْن عَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث وَأَيْمَن بْن أُمّ أَيْمَن وَأُسَامَة بْن زَيْد وَغَيْرهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ثُمَّ أَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمّه الْعَبَّاس وَكَانَ جَهِير الصَّوْت أَنْ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْته : يَا أَصْحَاب الشَّجَرَة يَعْنِي شَجَرَة بَيْعَة الرِّضْوَان الَّتِي بَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار تَحْتهَا عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عَنْهُ فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِمْ يَا أَصْحَاب السَّمُرَة وَيَقُول تَارَة : يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ وَانْعَطَفَ النَّاس فَتَرَاجَعُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُل مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يُطَاوِعهُ بَعِيره عَلَى الرُّجُوع لَبِسَ دِرْعه ثُمَّ اِنْحَدَرَ عَنْهُ وَأَرْسَلَهُ وَرَجَعَ بِنَفْسِهِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ شِرْذِمَة مِنْهُمْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمْلَة وَأَخَذَ قَبْضَة مِنْ التُّرَاب بَعْد مَا دَعَا رَبّه وَاسْتَنْصَرَهُ وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي " ثُمَّ رَمَى الْقَوْم بِهَا فَمَا بَقِيَ إِنْسَان مِنْهُمْ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْهَا فِي عَيْنَيْهِ وَفَمه مَا شَغْله عَنْ الْقِتَال ثُمَّ اِنْهَزَمُوا فَاتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ أَقْفَاءَهُمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَمَا تَرَاجَعَ بَقِيَّة النَّاس إِلَّا وَالْأَسْرَى مُجَنْدَلَة بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْن عَطَاء عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَيَّار عَنْ أَبِي هَمَّام عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْفِهْرِيّ وَاسْمه يَزِيد بْن أُسَيْد وَيُقَال يَزِيد بْن أُنَيْس وَيُقَال كُرْز قَالَ : كُنْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْن فَسِرْنَا فِي يَوْم قَائِظ شَدِيد الْحَرّ فَنَزَلْنَا تَحْت ظِلَال الشَّجَر فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْس لَبِسْت لَأْمَتِي وَرَكِبْت فَرَسِي فَانْطَلَقْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي فُسْطَاطه فَقُلْت : السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول اللَّه وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته حَانَ الرَّوَاح ؟ فَقَالَ " أَجَل " فَقَالَ " يَا بِلَال " فَثَارَ مِنْ تَحْت سَمُرَة كَأَنَّ ظِلّهَا ظِلّ طَائِر فَقَالَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَأَنَا فِدَاؤُك فَقَالَ " أَسْرِجْ لِي فَرَسِي " فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ مِنْ لِيف لَيْسَ فِيهِمَا أَشَر وَلَا بَطَر قَالَ فَأَسْرَعَ فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا فَصَافَفْنَاهُمْ عَشِيَّتنَا وَلَيْلَتنَا فَتَشَامَتَ الْخَيْلَانِ فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا عِبَاد اللَّه أَنَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله " ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَر الْمُهَاجِرِينَ أَنَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله " قَالَ : ثُمَّ اِقْتَحَمَ عَنْ فَرَسه فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَاب فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوههمْ وَقَالَ " شَاهَت الْوُجُوه " فَهَزَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى . قَالَ يَعْلَى بْن عَطَاء : فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَد إِلَّا اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمه تُرَابًا وَسَمِعْنَا صَلْصَلَة بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض كَإِمْرَارِ الْحَدِيد عَلَى الطَّسْت الْجَدِيد وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة مِنْ حَدِيث أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جَابِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : فَخَرَجَ مَالِك بْن عَوْف بِمَنْ مَعَهُ إِلَى حُنَيْن فَسَبَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِق الْوَادِي وَأَحْنَائِهِ وَأَقْبَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَتَّى اِنْحَطَّ بِهِمْ الْوَادِي فِي عَمَايَة الصُّبْح فَلَمَّا اِنْحَطَّ النَّاس ثَارَتْ فِي وُجُوههمْ الْخَيْل فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ وَانْكَفَأَ النَّاس مُنْهَزِمِينَ لَا يُقْبِل أَحَد عَلَى أَحَد وَانْحَازَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ ذَات الْيَمِين يَقُول " أَيّهَا النَّاس هَلُمُّوا إِلَيَّ أَنَا رَسُول اللَّه أَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه " فَلَا شَيْء وَرَكِبَتْ الْإِبِل بَعْضهَا بَعْضًا فَلَمَّا رَأَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ أَمْر النَّاس قَالَ يَا عَبَّاس اُصْرُخْ يَا مَعْشَر الْأَنْصَار يَا أَصْحَاب السَّمُرَة " فَأَجَابُوهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَجَعَلَ الرَّجُل يَذْهَب لِيَعْطِف بَعِيره فَلَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ فَيَقْذِف دِرْعه فِي عُنُقه وَيَأْخُذ سَيْفه وَقَوْسه ثُمَّ يَؤُمّ الصَّوْت حَتَّى اِجْتَمَعَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مِائَة فَاسْتَعْرَضَ النَّاس فَاقْتَتَلُوا وَكَانَتْ الدَّعْوَة أَوَّل مَا كَانَتْ بِالْأَنْصَارِ ثُمَّ جُعِلَتْ آخِرًا بِالْخَزْرَجِ وَكَانُوا صُبَرَاء عِنْد الْحَرْب وَأَشْرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِكَابِه فَنَظَرَ إلَى مُجْتَلَد الْقَوْم فَقَالَ الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيس قَالَ فَوَاللَّهِ مَا رَاجَعَهُ النَّاس إلَّا وَالْأَسَارَى عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْقَوْنَ فَقَتَلَ اللَّه مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ وَانْهَزَمَ مِنْهُمْ مَنْ اِنْهَزَمَ وَأَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُوله أَمْوَالهمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : يَا أَبَا عُمَارَة أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْن ؟ فَقَالَ لَكِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرّ إِنَّ هَوَازِن كَانُوا قَوْمًا رُمَاة فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ وَحَمَلْنَا عَلَيْهِمْ اِنْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ النَّاس عَلَى الْغَنَائِم فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَانْهَزَمَ النَّاس فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث آخِذ بِلِجَامِ بَغْلَته الْبَيْضَاء وَهُوَ يَقُول " أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب " قُلْت : وَهَذَا فِي غَايَة مَا يَكُون مِنْ الشَّجَاعَة التَّامَّة أَنَّهُ فِي مِثْل هَذَا الْيَوْم فِي حَوْمَة الْوَغَى وَقَدْ اِنْكَشَفَ عَنْهُ جَيْشه وَهُوَ مَعَ هَذَا عَلَى بَغْلَة وَلَيْسَتْ سَرِيعَة الْجَرْي وَلَا تَصْلُح لِفَرٍّ وَلَا لِكَرٍّ وَلَا لِهَرَبٍ وَهُوَ مَعَ هَذَا أَيْضًا يَرْكُضهَا إِلَى وُجُوههمْ وَيُنَوِّه بِاسْمِهِ لِيَعْرِفهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفهُ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْم الدِّين وَمَا هَذَا كُلّه إِلَّا ثِقَة بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَعِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ سَيَنْصُرُهُ وَيُتِمّ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ وَيُظْهِر دِينه عَلَى سَائِر الْأَدْيَان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمَاكِن حَرْب تُوَطِّنُونَ فِيهَا أَنْفُسكُمْ عَلَى لِقَاء عَدُوّكُمْ وَمَشَاهِد تَلْتَقُونَ فِيهَا أَنْتُمْ وَهُمْ كَثِيرَة . { وَيَوْم حُنَيْنٍ } يَقُول : وَفِي يَوْم حُنَيْنٍ أَيْضًا قَدْ نَصَرَكُمْ . وَحُنَيْن : وَادٍ فِيمَا ذِكْر بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف ; وَأُجْرِيَ لِأَنَّهُ مُذَكَّر اِسْم لِمُذَكَّرٍ , وَقَدْ يُتْرَك إِجْرَاؤُهُ وَيُرَاد بِهِ أَنْ يُجْعَل اِسْمًا لِلْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : نَصَرُوا نَبِيّهمْ وَشَدُّوا أَزْره بِحُنَيْنٍ يَوْم تَوَاكُل الْأَبْطَال 12873 - حَدَّثَنِي عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا أَبَان الْعَطَّار , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : حُنَيْن : وَادٍ إِلَى جَنْب ذِي الْمَجَاز . { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ } وَكَانُوا ذَلِكَ الْيَوْم فِيمَا ذُكِرَ لَنَا اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ الْيَوْم : " لَنْ نُغْلَب مِنْ قِلَّة " . وَقِيلَ : قَالَ ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ قَوْل اللَّه : { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } يَقُول : فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ كَثْرَتكُمْ شَيْئًا . { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ } يَقُول : وَضَاقَتْ الْأَرْض بِسَعَتِهَا عَلَيْكُمْ. وَالْبَاء هَهُنَا فِي مَعْنَى " فِي " , وَمَعْنَاهُ : وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْض فِي رَحَبهَا وَبِرَحَبِهَا , يُقَال مِنْهُ : مَكَان رَحِيب : أَيْ وَاسِع ; وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الرِّحَاب رِحَابًا لِسَعَتِهَا . { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } عَنْ عَدُوّكُمْ مُنْهَزِمِينَ مُدْبِرِينَ , يَقُول : وَلَّيْتُمُوهُمْ الْأَدْبَار , وَذَلِكَ الْهَزِيمَة . يُخْبِرهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ النَّصْر بِيَدِهِ وَمَنْ عِنْده , وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْعَدَد وَشِدَّة الْبَطْش , وَأَنَّهُ يَنْصُر الْقَلِيل عَلَى الْكَثِير إِذَا شَاءَ وَيُخَلِّي الْقَلِيل فَيَهْزِم الْكَثِير. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12874 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حُنَيْنٍ } حَتَّى بَلَغَ : { وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } قَالَ : وَحُنَيْن مَاء بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف قَاتَلَ عَلَيْهَا نَبِيّ اللَّه هَوَازِن وَثَقِيف , وَعَلَى هَوَازِن مَالِك بْن عَوْف أَخُو بَنِي نَصْر , وَعَلَى ثَقِيف عَبْد يَالَيْلَ بْن عَمْرو الثَّقَفِيّ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمئِذٍ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا , عَشْرَة آلَاف مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَأَلْفَانِ مِنْ الطُّلَقَاء , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمئِذٍ لَنْ نُغْلَب الْيَوْم بِكَثْرَةٍ ! قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الطُّلَقَاء اِنْجَفَلُوا يَوْمئِذٍ بِالنَّاسِ , وَجَلَوْا عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ عَنْ بَغْلَته الشَّهْبَاء. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه قَالَ : " أَيْ رَبّ آتِنِي مَا وَعَدْتنِي " قَالَ : وَالْعَبَّاس آخِذ بِلِجَامِ بَغْلَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ : " نَادِ يَا مَعْشَر الْأَنْصَار وَيَا مَعْشَر الْمُهَاجِرِينَ ! " فَجَعَلَ يُنَادِي الْأَنْصَار فَخِذًا فَخِذًا , ثُمَّ نَادَى : يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة ! قَالَ : فَجَاءَ النَّاس عُنُقًا وَاحِدًا . فَالْتَفَتَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِذَا عِصَابَة مِنْ الْأَنْصَار , فَقَالَ : " هَلْ مَعَكُمْ غَيْركُمْ ؟ " فَقَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , وَاَللَّه لَوْ عَمَدْت إِلَى بِرَك الْغِمَاد مِنْ ذِي يُمْن لَكُنَّا مَعَك ! ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه نَصْره , وَهَزَمَ عَدُوّهُمْ , وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ . قَالَ : وَأَخَذَ رَسُول اللَّه كَفًّا مِنْ تُرَاب , أَوْ قَبْضَة مِنْ حَصْبَاء , فَرَمَى بِهَا وُجُوه الْكُفَّار , وَقَالَ : وَشَاهَتْ الْوُجُوه ! و فَانْهَزَمُوا. فَلَمَّا جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَنَائِم , وَأَتَى الْجِعْرَانَة , فَقَسَمَ بِهَا مَغَانِم حُنَيْنٍ , وَتَأَلَّفَ أُنَاسًا مِنْ النَّاس فِيهِمْ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب وَالْحَارِث بْن هِشَام وَسُهَيْل بْن عَمْرو وَالْأَقْرَع بْن حَابِس , فَقَالَتْ الْأَنْصَار : حَنَّ الرَّجُل إِلَى قَوْمه ! فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قِبَّة لَهُ مِنْ أَدَم , فَقَالَ : " يَا مَعْشَر الْأَنْصَار , مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي ؟ أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّه , وَكُنْتُمْ أَذِلَّة فَأَعَزَّكُمْ اللَّه وَكُنْتُمْ وَكُنْتُمْ ! " قَالَ : فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَة رَحِمَهُ اللَّه : اِئْذَنْ لِي فَأَتَكَلَّم ! قَالَ : " تَكَلَّمْ ! " قَالَ : أَمَّا قَوْلك : كُنْتُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّه , فَكُنَّا كَذَلِكَ , وَكُنْتُمْ أَذِلَّة فَأَعَزَّكُمْ اللَّه , فَقَدْ عَلِمَتْ الْعَرَب مَا كَانَ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْعَرَب أَمْنَع لِمَا وَرَاء ظُهُورهمْ مِنَّا ; فَقَالَ الرَّسُول : " يَا سَعْد أَتَدْرِي مَنْ تُكَلِّم ؟ " فَقَالَ : نَعَمْ أُكَلِّم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَلَكَتْ الْأَنْصَار وَادِيًا وَالنَّاس وَادِيًا لَسَلَكْت وَادِي الْأَنْصَار , وَلَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " الْأَنْصَار كَرِشِي وَعَيْبَتِي , فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنهمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ " . ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مَعْشَر الْأَنْصَار أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَنْقَلِب النَّاس بِالْإِبِلِ وَالشَّاء , وَتَنْقَلِبُونَ بِرَسُولِ اللَّه إِلَى بُيُوتكُمْ ؟ " فَقَالَتْ الْأَنْصَار : رَضِينَا عَنْ اللَّه وَرَسُوله , وَاَللَّه مَا قُلْنَا ذَلِكَ إِلَّا حِرْصًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه وَرَسُوله يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ " . 12875 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أُمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ أَوْ ظِئْره مِنْ بَنِي سَعْد بْن بَكْر أَتَتْهُ فَسَأَلَتْهُ سَبَايَا يَوْم حُنَيْنٍ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَا أَمْلِكهُمْ وَإِنَّمَا لِي مِنْهُمْ نَصِيبِي , وَلَكِنْ اِئْتِينِي غَدًا فَسَلِينِي وَالنَّاس عِنْدِي , فَإِنِّي إِذَا أَعْطَيْتُك نَصِيبِي أَعْطَاك النَّاس ! " فَجَاءَتْ الْغَد فَبَسَطَ لَهَا ثَوْبًا , فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ , ثُمَّ سَأَلَتْهُ , فَأَعْطَاهَا نَصِيبه ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاس أَعْطَوْهَا أَنْصِبَاءَهُمْ . 12876 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِن كَثِيرَة } الْآيَة : إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة ! وَأَعْجَبَتْهُ كَثْرَة النَّاس , وَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . فَسَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوُكِّلُوا إِلَى كَلِمَة الرَّجُل , فَانْهَزَمُوا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , غَيْر الْعَبَّاس وَأَبِي سُفْيَان بْن الْحَارِث وَأَيْمَن اِبْن أُمّ أَيْمَن , قُتِلَ يَوْمئِذٍ بَيْن يَدَيْهِ . فَنَادَى رَسُول اللَّه صَلَى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيْنَ الْأَنْصَار ؟ أَيْنَ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْت الشَّجَرَة ؟ " فَتَرَاجَعَ النَّاس , فَأَنْزَلَ اللَّه الْمَلَائِكَة بِالنَّصْرِ , فَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ , وَذَلِكَ قَوْله : { ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته عَلَى رَسُوله وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } الْآيَة . 12877 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ كَثِير بْن عَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم حُنَيْنٍ اِلْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ , فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ . قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ أَحَد إِلَّا أَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب , آخِذًا بِغَرْزِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَا يَأْلُو مَا أَسْرَعَ نَحْو الْمُشْرِكِينَ . قَالَ : فَأَتَيْت حَتَّى أَخَذْت بِلِجَامِهِ وَهُوَ عَلَى بَغْلَة لَهُ شَهْبَاء , فَقَالَ : " يَا عَبَّاس نَادِ أَصْحَاب السَّمُرَة ! " وَكُنْت رَجُلًا صَيِّتًا , فَأَذِنْت بِصَوْتِي الْأَعْلَى : أَيْنَ أَصْحَاب السَّمُرَة ؟ فَالْتَفَتُوا كَأَنَّهَا الْإِبِل إِذَا حَنَّتْ إِلَى أَوْلَادهَا , يَقُولُونَ : يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ ! وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ , وَتَنَادَتْ الْأَنْصَار : يَا مَعْشَر الْأَنْصَار ! ثُمَّ قَصُرْت الدَّعْوَة فِي بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج , فَتَنَادَوْا : يَا بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج ! فَنَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَته كَالْمُتَطَاوِلِ إِلَى قِتَالهمْ , فَقَالَ : " هَذَا حِين حَمِيَ الْوَطِيس " . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مِنْ الْحَصْبَاء فَرَمَاهُمْ بِهَا , ثُمَّ قَالَ : " اِنْهَزَمُوا وَرَبّ الْكَعْبَة ! اِنْهَزَمُوا وَرَبّ الْكَعْبَة ! " قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا زَالَ أَمْرهمْ مُدْبِرًا وَحْدهمْ كَلِيلًا حَتَّى هَزَمَهُمْ اللَّه . قَالَ : فَلَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكُض خَلْفهمْ عَلَى بَغْلَته . 12878 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . أَنَّهُمْ أَصَابُوا يَوْمئِذٍ سِتَّة آلَاف سَبْي , ثُمَّ جَاءَ قَوْمهمْ مُسْلِمِينَ بَعْد ذَلِكَ , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَنْتَ خَيْر النَّاس , وَأَبَرّ النَّاس , وَقَدْ أَخَذَتْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَأَمْوَالنَا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ , وَإِنَّ خَيْر الْقَوْل أَصْدَقه , اِخْتَارُوا إِمَّا ذَرَارِيّكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَإِمَّا أَمْوَالكُمْ ! " قَالُوا : مَا كُنَّا نَعْدِل بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا . فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونِي مُسْلِمِينَ , وَإِنَّا خَيَّرْنَاهُمْ بَيْن الذَّرَارِيّ وَالْأَمْوَال فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا , فَمَنْ كَانَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ شَيْء فَطَابَتْ نَفْسه أَنْ يَرُدّهُ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ , وَمَنْ لَا فَلْيُعْطِنَا , وَلْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنَا حَتَّى نُصِيب شَيْئًا فَنُعْطِيه مَكَانه " فَقَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه رَضِينَا وَسَلَّمْنَا . فَقَالَ : " إِنِّي لَا أَدْرِي , لَعَلَّ مِنْكُمْ مَنْ لَا يَرْضَى , فَمُرُوا عُرَفَاءَكُمْ فَلْيَرْفَعُوا ذَلِكَ إِلَيْنَا ! " فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ الْعُرَفَاء أَنْ قَدْ رَضُوا وَسَلَّمُوا . 12879 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عَطَاء , عَنْ أَبِي هَمَّام , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , يَعْنِي الْفِهْرِيّ , قَالَ : كُنْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ ; فَلَمَّا رَكَدَتْ الشَّمْس لَبِسْت لَأْمَتِي وَرَكِبْت فَرَسِي , حَتَّى أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلّ شَجَرَة , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه قَدْ حَانَ الرَّوَاح , فَقَالَ : " أَجَلْ ! " فَنَادَى : " يَا بِلَال يَا بِلَال ! " فَقَامَ بِلَال مِنْ تَحْت سَمُرَة , فَأَقْبَلَ كَأَنَّ ظِلّه ظِلّ طَيْر , فَقَالَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك , وَنَفْسِي فِدَاؤُك يَا رَسُول اللَّه ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَسْرِجْ فَرَسِي ! " فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ حَشْوهمَا لِيف , لَيْسَ فِيهِمَا أَشَر وَلَا بَطَر. قَالَ : فَرَكِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَافَفْنَاهُمْ يَوْمنَا وَلَيْلَتنَا ; فَلَمَّا اِلْتَقَى الْخَيْلَانِ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ , كَمَا قَالَ اللَّه , فَنَادَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا عِبَاد اللَّه , يَا مَعْشَر الْمُهَاجِرِينَ ! " قَالَ : وَمَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسه , فَأَخَذَ حَفْنَة مِنْ تُرَاب فَرَمَى بِهَا وُجُوههمْ , فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ . قَالَ يَعْلَى بْن عَطَاء : فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : مَا بَقِيَ مِنَّا أَحَد إِلَّا وَقَدْ اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ التُّرَاب . 12880 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء , وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ قَيْس : فَرَرْتُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ ؟ فَقَالَ الْبَرَاء : لَكِنْ رَسُول اللَّه لَمْ يَفِرّ , وَكَانَتْ هَوَازِن يَوْمئِذٍ رُمَاة , وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ اِنْكَشَفُوا فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِم فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ , وَلَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَته الْبَيْضَاء وَإِنَّ أَبَا سُفْيَان بْن الْحَارِث آخِذ بِلِجَامِهَا , وَهُوَ يَقُول : أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِبْ * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : سَأَلَهُ رَجُل : يَا أَبَا عُمَارَة , وَلَّيْتُمْ يَوْم حُنَيْنٍ ؟ فَقَالَ الْبَرَاء وَأَنَا أَسْمَع : أَشْهَد أَنَّ رَسُول اللَّه لَمْ يُوَلِّ يَوْمئِذٍ دُبُره , وَأَبُو سُفْيَان يَقُود بَغْلَته , فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُول : أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِبْ فَمَا رُئِيَ يَوْمئِذٍ أَحَد مِنْ النَّاس كَانَ أَشَدّ مِنْهُ. 12881 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ عَوْف الْأَعْرَابِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى أُمّ بُرْثُن , قَالَ : ثني رَجُل كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ , قَالَ : لَمَّا اِلْتَقَيْنَا نَحْنُ وَأَصْحَاب مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يَقِفُوا لَنَا حَلَبَ شَاة أَنْ كَشَفْنَاهُمْ. فَبَيْنَا نَحْنُ نَسُوقهُمْ , إِذْ اِنْتَهَيْنَا إِلَى صَاحِب الْبَغْلَة الشَّهْبَاء , فَتَلَقَّانَا رِجَال بِيض حِسَان الْوُجُوه , فَقَالُوا لَنَا : شَاهَتْ الْوُجُوه اِرْجِعُوا ! فَرَجَعْنَا , وَرَكِبْنَا الْقَوْم فَكَانَتْ إِيَّاهَا . 12882 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : أَمَدَّ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُسَوِّمِينَ . قَالَ : وَيَوْمئِذٍ سَمَّى اللَّه الْأَنْصَار مُؤْمِنِينَ. قَالَ : { فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته عَلَى رَسُوله وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } 12883 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } قَالَ : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . 12884 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد الْآدَمِيّ , قَالَ : ثنا مَعْن بْن عِيسَى , عَنْ سَعِيد بْن السَّائِب الطَّائِفِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ يَزِيد بْن عَامِر , قَالَ : لَمَّا كَانَتْ اِنْكِشَافَة الْمُسْلِمِينَ حِين اِنْكَشَفُوا يَوْم حُنَيْنٍ , ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده إِلَى الْأَرْض , فَأَخَذَ مِنْهَا قَبْضَة مِنْ تُرَاب , فَأَقْبَلَ بِهَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَتْبَعُونَ الْمُسْلِمِينَ , فَحَثَاهَا فِي وُجُوههمْ وَقَالَ : " اِرْجِعُوا شَاهَتْ الْوُجُوه ! " قَالَ : فَانْصَرَفْنَا مَا يَلْقَى أَحَد أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَمْسَح الْقَذَى عَنْ عَيْنَيْهِ . 12885 - وَبِهِ عَنْ يَزِيد بْن عَامِر السَّوَائِيّ , قَالَ : قِيلَ لَهُ : يَا أَبَا حَاجِز , الرُّعْب الَّذِي أَلْقَى اللَّه فِي قُلُوب الْمُشْرِكِينَ مَاذَا وَجَدْتُمْ ؟ قَالَ : وَكَانَ أَبُو حَاجِز مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ , فَكَانَ يَأْخُذ الْحَصَاة فَيَرْمِي بِهَا فِي الطَّسْت فَيَطِنّ , ثُمَّ يَقُول : كَانَ فِي أَجْوَافنَا مِثْل هَذَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثني الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ عَوْف , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى أُمّ بُرْثُن أَوْ أُمّ مَرْيَم , قَالَ : ثني رَجُل كَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ , قَالَ : لَمَّا اِلْتَقَيْنَا نَحْنُ وَأَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم حُنَيْنٍ , لَمْ يَقُومُوا لَنَا حَلَبَ شَاة , قَالَ : فَلَمَّا كَشَفْنَاهُمْ جَعَلْنَا نَسُوقهُمْ فِي أَدْبَارهمْ , حَتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى صَاحِب الْبَغْلَة الْبَيْضَاء , فَإِذَا هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَتَلَقَّانَا عِنْده رِجَال بِيض حِسَان الْوُجُوه , فَقَالُوا لَنَا : شَاهَتْ الْوُجُوه اِرْجِعُوا ! قَالَ : فَانْهَزَمْنَا وَرَكِبُوا أَكْتَافنَا , فَكَانَتْ إِيَّاهَا .

تفسير القرطبي

لَمَّا بَلَغَ هَوَازِن فَتْح مَكَّة جَمَعَهُمْ مَالِك بْن عَوْف النَّصْرِيّ مِنْ بَنِي نَصْر بْن مَالِك , وَكَانَتْ الرِّيَاسَة فِي جَمِيع الْعَسْكَر إِلَيْهِ , وَسَاقَ مَعَ الْكُفَّار أَمْوَالهمْ وَمَوَاشِيهمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ , وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْمِي بِهِ نُفُوسهمْ وَتَشْتَدّ فِي الْقِتَال عِنْد ذَلِكَ شَوْكَتهمْ . وَكَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف فِي قَوْل الْحَسَن وَمُجَاهِد . وَقِيلَ : أَرْبَعَة آلَاف , مِنْ هَوَازِن وَثَقِيف . وَعَلَى هَوَازِن مَالِك بْن عَوْف , وَعَلَى ثَقِيف كِنَانَة بْن عَبْد , فَنَزَلُوا بِأَوْطَاس . وَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ عَيْنًا , فَأَتَاهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا شَاهَدَ مِنْهُمْ , فَعَزَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَصْدهمْ , وَاسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَان بْن أُمَيَّة بْن خَلَف الْجُمَحِيّ دُرُوعًا . قِيلَ : مِائَة دِرْع . وَقِيلَ : أَرْبَعمِائَةِ دِرْع . وَاسْتَسْلَفَ مِنْ رَبِيعَة الْمَخْزُومِيّ ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا , فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهُ إِيَّاهَا . ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَارَكَ اللَّه لَك فِي أَهْلك وَمَالك إِنَّمَا جَزَاء السَّلَف الْوَفَاء وَالْحَمْد ) خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي السُّنَن . وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , مِنْهُمْ عَشَرَة آلَاف صَحِبُوهُ مِنْ الْمَدِينَة وَأَلْفَانِ مِنْ مُسْلِمَة الْفَتْح وَهُمْ الطُّلَقَاء إِلَى مَنْ اِنْضَافَ إِلَيْهِ مِنْ الْأَعْرَاب مِنْ سُلَيْم وَبَنِي كِلَاب وَعَبْس وَذُبْيَان . وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّة عَتَّاب بْن أُسَيْد . وَفِي مَخْرَجه هَذَا رَأَى جُهَّال الْأَعْرَاب شَجَرَة خَضْرَاء وَكَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة شَجَرَة مَعْرُوفَة تُسَمَّى ذَات أَنْوَاط يَخْرُج إِلَيْهَا الْكُفَّار يَوْمًا مَعْلُومًا فِي السَّنَة يُعَظِّمُونَهَا , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , اِجْعَلْ لَنَا ذَات أَنْوَاط كَمَا لَهُمْ ذَات أَنْوَاط فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اللَّه أَكْبَر قُلْتُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْم مُوسَى " اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إِنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ " لَتَرْكَبُنَّ سَنَن مِنْ قَبْلكُمْ حَذْو الْقُذَّة بِالْقُذَّةِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ ) . فَنَهَضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى وَادِي حُنَيْن , وَهُوَ مِنْ أَوْدِيَة تِهَامَة , وَكَانَتْ هَوَازِن قَدْ كَمَنَتْ فِي جَنْبَتِي الْوَادِي وَذَلِكَ فِي غَبَش الصُّبْح فَحَمَلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَة رَجُل وَاحِد , فَانْهَزَمَ جُمْهُور الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَلْوِ أَحَد عَلَى أَحَد , وَثَبَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ مَعَهُ أَبُو بَكْر وَعُمَر , وَمِنْ أَهْل بَيْته عَلِيّ وَالْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَابْنه جَعْفَر , وَأُسَامَة بْن زَيْد , وَأَيْمَن بْن عُبَيْد وَهُوَ أَيْمَن بْن أُمّ أَيْمَن قُتِلَ يَوْمئِذٍ بِحُنَيْنٍ - وَرَبِيعَة بْن الْحَارِث , وَالْفَضْل بْن عَبَّاس , وَقِيلَ فِي مَوْضِع جَعْفَر بْن أَبِي سُفْيَان : قُثَم بْن الْعَبَّاس . فَهَؤُلَاءِ عَشَرَة رِجَال , وَلِهَذَا قَالَ الْعَبَّاس : نَصَرْنَا رَسُول اللَّه فِي الْحَرْب تِسْعَة وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ وَأَقْشَعُوا وَعَاشِرُنَا لَاقَى الْحِمَام بِنَفْسِهِ بِمَا مَسَّهُ فِي اللَّه لَا يَتَوَجَّع وَثَبَتَتْ أُمّ سُلَيْم فِي جُمْلَة مَنْ ثَبَتَ مُحْتَزِمَة مُمْسِكَة بَعِيرًا لِأَبِي طَلْحَة وَفِي يَدهَا خِنْجَر . وَلَمْ يَنْهَزِم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَد مِنْ هَؤُلَاءِ , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَته الشَّهْبَاء وَاسْمهَا دُلْدُل . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ عَبَّاس : وَأَنَا آخُذ بِلِجَامِ بَغْلَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُفّهَا إِرَادَة أَلَّا تُسْرِع وَأَبُو سُفْيَان آخِذ بِرِكَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْ عَبَّاس نَادِ أَصْحَاب السَّمُرَة ) . فَقَالَ عَبَّاس - وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا . وَيُرْوَى مِنْ شِدَّة صَوْته أَنَّهُ أُغِيرَ يَوْمًا عَلَى مَكَّة فَنَادَى وَاصَبَاحَاه فَأَسْقَطَتْ كُلّ حَامِل سَمِعْت صَوْته جَنِينهَا - : فَقُلْت بِأَعْلَى صَوْتِي : أَيْنَ أَصْحَاب السَّمُرَة ؟ قَالَ : فَوَاَللَّهِ لَكَأَنَّ عَطَفْتهمْ حِين سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَة الْبَقَر عَلَى أَوْلَادهَا . فَقَالُوا : يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ . قَالَ : فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّار ... ) الْحَدِيث . وَفِيهِ : ( قَالَ ثُمَّ أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَات فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوه الْكُفَّار ) . ثُمَّ قَالَ : ( اِنْهَزَمُوا وَرَبّ مُحَمَّد ) . قَالَ فَذَهَبْت أَنْظُر فَإِذَا الْقِتَال عَلَى هَيْئَته فِيمَا أَرَى . قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ , فَمَا زِلْت أَرَى حَدّهمْ كَلِيلًا وَأَمْرهمْ مُدْبِرًا . قَالَ أَبُو عُمَر : رَوَيْنَا مِنْ وُجُوه عَنْ بَعْض مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ يَوْم حُنَيْن - : لَقِينَا الْمُسْلِمِينَ فَمَا لَبِثْنَا أَنْ هَزَمْنَاهُمْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ حَتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى رَجُل رَاكِب عَلَى بَغْلَة بَيْضَاء , فَلَمَّا رَآنَا زَجَرَنَا زَجْرَة وَانْتَهَرَنَا , وَأَخَذَ بِكَفِّهِ حَصًى وَتُرَابًا فَرَمَى بِهِ وَقَالَ : ( شَاهَتْ الْوُجُوه ) فَلَمْ تَبْقَ عَيْن إِلَّا دَخَلَهَا مِنْ ذَلِكَ , وَمَا مَلَكْنَا أَنْفُسنَا أَنْ رَجَعْنَا عَلَى أَعْقَابنَا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : حَدَّثَنَا رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , يَوْم حُنَيْن قَالَ : لَمَّا اِلْتَقَيْنَا مَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقِفُوا لَنَا حَلْب شَاة , حَتَّى إِذَا اِنْتَهَيْنَا إِلَى صَاحِب الْبَغْلَة الشَّهْبَاء - يَعْنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَقَّانَا رِجَال بِيض الْوُجُوه حِسَان , فَقَالُوا لَنَا : شَاهَتْ الْوُجُوه , اِرْجِعُوا , فَرَجَعْنَا وَرَكِبُوا أَكْتَافنَا فَكَانَتْ إِيَّاهَا . يَعْنِي الْمَلَائِكَة . قُلْت : وَلَا تَعَارُض فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَاهَتْ الْوُجُوه مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة مَعًا وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة قَاتَلَتْ يَوْم حُنَيْن . فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَتَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَوْم حُنَيْن أَرْبَعِينَ رَجُلًا بِيَدِهِ . وَسَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَة آلَاف رَأْس . وَقِيلَ : سِتَّة آلَاف , وَاثْنَيْ عَشَر أَلْف نَاقَة سِوَى مَا لَا يُعْلَم مِنْ الْغَنَائِم . قَالَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْغَزَاة : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلَهُ سَلَبُهُ ) . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْأَنْفَال ] بَيَانه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَلِهَذِهِ النُّكْتَة وَغَيْرهَا أَدْخَلَ الْأَحْكَامِيُّونَ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَحْكَام . قُلْت : وَفِيهِ أَيْضًا جَوَاز اِسْتِعَارَة السِّلَاح وَجَوَاز الِاسْتِمْتَاع بِمَا اُسْتُعِيرَ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَعْهُود مِمَّا يُسْتَعَار لَهُ مِثْله , وَجَوَاز اِسْتِلَاف الْإِمَام الْمَال عِنْد الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ وَرَدّه إِلَى صَاحِبه . وَحَدِيث صَفْوَان أَصْل فِي هَذَا الْبَاب . وَفِي هَذِهِ الْغَزَاة أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَلَّا تُوطَأ حَامِل حَتَّى تَضَع وَلَا حَائِل حَتَّى تَحِيض حَيْضَة ) . وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ . وَقَدْ مَضَى بَيَانه فِي سُورَة [ النِّسَاء ] مُسْتَوْفًى . وَفِي حَدِيث مَالِك أَنَّ صَفْوَان خَرَجَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَافِر , فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِف وَامْرَأَته مُسْلِمَةٌ . الْحَدِيث . قَالَ مَالِك : وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَعَان بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا خَدَمًا أَوْ نَوَاتِيَّة . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ : لَا بَأْس بِذَلِكَ إِذَا كَانَ حُكْم الْإِسْلَام هُوَ الْغَالِب , وَإِنَّمَا تُكْرَه الِاسْتِعَانَة بِهِمْ إِذَا كَانَ حُكْم الشِّرْك هُوَ الظَّاهِرَ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الْإِسْهَام لَهُمْ فِي [ الْأَنْفَال ] " وَيَوْم حُنَيْن " " حُنَيْن " وَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف , وَانْصَرَفَ لِأَنَّهُ اِسْم مُذَكَّر , وَهِيَ لُغَة الْقُرْآن . وَمِنْ الْعَرَب مَنْ لَا يَصْرِفهُ , يَجْعَلهُ اِسْمًا لِلْبُقْعَةِ . وَأَنْشَدَ : نَصَرُوا نَبِيّهمْ وَشَدُّوا أَزْره بِحُنَيْن يَوْم تَوَاكُل الْأَبْطَال " وَيَوْم " ظَرْف , وَانْتَصَبَ هُنَا عَلَى مَعْنَى : وَنَصَرَكُمْ يَوْم حُنَيْن . وَقَالَ الْفَرَّاء : لَمْ تَنْصَرِف " مَوَاطِن " لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا نَظِير فِي الْمُفْرَد وَلَيْسَ لَهَا جِمَاع , إِلَّا أَنَّ الشَّاعِر رُبَّمَا اِضْطَرَّ فَجَمَعَ , وَلَيْسَ يَجُوز فِي الْكَلَام كُلّ مَا يَجُوز فِي الشِّعْر . وَأَنْشَدَ : فَهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدَائِدَاتهَا وَقَالَ النَّحَّاس : رَأَيْت أَبَا إِسْحَاق يَتَعَجَّب مِنْ هَذَا قَالَ : أَخَذَ قَوْل الْخَلِيل وَأَخْطَأَ فِيهِ , لِأَنَّ الْخَلِيل يَقُول فِيهِ : لَمْ يَنْصَرِف لِأَنَّهُ جَمْع لَا نَظِير لَهُ فِي الْوَاحِد , وَلَا يُجْمَع جَمْع التَّكْسِير , وَأَمَّا بِالْأَلِفِ وَالتَّاء فَلَا يَمْتَنِع . قِيلَ : كَانُوا اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا . وَقِيلَ : أَحَد عَشَر أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ . وَقِيلَ : سِتَّة عَشَر أَلْفًا . فَقَالَ بَعْضهمْ : لَنْ نُغْلَب الْيَوْم عَنْ قِلَّة . فَوُكِلُوا إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَة , فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْهَزِيمَة فِي الِابْتِدَاء إِلَى أَنْ تَرَاجَعُوا , فَكَانَ النَّصْر وَالظَّفَر لِلْمُسْلِمِينَ بِبَرَكَةِ سَيِّد الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيَّنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْغَلَبَة إِنَّمَا تَكُون بِنَصْرِ اللَّه لَا بِالْكَثْرَةِ وَقَدْ قَالَ : " وَإِنْ يَخْذُلكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُركُمْ مِنْ بَعْده " [ آل عِمْرَان : 160 ] . أَيْ مِنْ الْخَوْف , كَمَا قَالَ : كَأَنَّ بِلَاد اللَّه وَهِيَ عَرِيضَة عَلَى الْخَائِف الْمَطْلُوب كِفَّة حَابِل وَالرُّحْب - بِضَمِّ الرَّاء - السَّعَة . تَقُول مِنْهُ : فُلَان رُحْب الصَّدْر . وَالرَّحْب - بِالْفَتْحِ - : الْوَاسِع . تَقُول مِنْهُ : بَلَد رَحْب , وَأَرْض رَحْبَة . وَقَدْ رَحُبَتْ تَرْحُب رُحْبًا وَرَحَابَة . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى مَعَ أَيْ مَعَ رَحْبهَا . وَقِيلَ : بِمَعْنَى عَلَى , أَيْ عَلَى رَحْبهَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى بِرَحْبِهَا , ف " مَا " مَصْدَرِيَّة . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى الْبَرَاء فَقَالَ : أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْم حُنَيْن يَا أَبَا عُمَارَة . فَقَالَ : أَشْهَدَ عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَلَّى , وَلَكِنَّهُ اِنْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنْ النَّاس , وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ هَوَازِن . وَهُمْ قَوْم رُمَاة فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْل كَأَنَّهَا رِجْل مِنْ جَرَاد فَانْكَشَفُوا , فَأَقْبَلَ الْقَوْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَان يَقُود بِهِ بَغْلَته , فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُول : ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب . أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب . اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرك ) . قَالَ الْبَرَاء : كُنَّا وَاَللَّه إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس نَتَّقِي بِهِ , وَإِنَّ الشُّجَاع مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ , يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

غريب الآية
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِی مَوَاطِنَ كَثِیرَةࣲ وَیَوۡمَ حُنَیۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَضَاقَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّیۡتُم مُّدۡبِرِینَ ﴿٢٥﴾
بِمَا رَحُبَتۡمع وُسْعِها.
وَلَّیۡتُمفَرَرْتُم.
مُّدۡبِرِینَمُنْهَزِمِين، جاعِلين ظُهورَكم جهةَ عدوِّكم.
بِمَا رَحُبَتۡأي: مع سَعَتِها؛ ندماً بسبب تَخَلُّفِهم عن الغزوِ.
الإعراب
(لَقَدْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَدْ) : حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَصَرَكُمُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَوَاطِنَ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(كَثِيرَةٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَيَوْمَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَوْمَ) : ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حُنَيْنٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِذْ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنْ (يَوْمَ) :.
(أَعْجَبَتْكُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(كَثْرَتُكُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَلَمْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمْ) : حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُغْنِ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ".
(عَنْكُمْ)
(عَنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(شَيْئًا)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَضَاقَتْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ضَاقَتْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَلَيْكُمُ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الْأَرْضُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِمَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(رَحُبَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ".
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(وَلَّيْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مُدْبِرِينَ)
حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.