صفحات الموقع

سورة التوبة الآية ١١٩

سورة التوبة الآية ١١٩

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ﴿١١٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " باللّه, وبما أمر اللّه بالإيمان به, قوموا بما يقتضيه الإيمان, وهو القيام بتقوى اللّه, باجتناب ما نهى اللّه عنه, والبعد عنه. " وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " في أقوالهم, وأفعالهم, وأحوالهم, الذين أقوالهم صدق. وأعمالهم, وأحوالهم, لا تكون إلا صدقا خالية من الكسل والفتور, سالمة من المقاصد السيئة, مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة, فإن الصدق, يهدي إلى البر, وإن البر, يهدي إلى الجنة. قال تعالى: " هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ " الآية.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه في كل ما تفعلون وتتركون، وكونوا مع الصادقين في أَيمانهم وعهودهم، وفي كل شأن من شؤونهم.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه" بِتَرْكِ مَعَاصِيه "وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين" فِي الْإِيمَان وَالْعُهُود بِأَنْ تَلْزَمُوا الصِّدْق

تفسير ابن كثير

وَلِهَذَا قَالَ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " أَيْ اُصْدُقُوا وَالْزَمُوا الصِّدْق تَكُونُوا مِنْ أَهْله وَتَنْجُوا مِنْ الْمَهَالِك وَيَجْعَل لَكُمْ فَرَجًا مِنْ أُمُوركُمْ وَمَخْرَجًا وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة وَلَا يَزَال الرَّجُل يَصْدُق وَيَتَحَرَّى الصِّدْق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِب فَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى النَّار وَلَا يَزَال الرَّجُل يَكْذِب وَيَتَحَرَّى الْكَذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه كَذَّابًا " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة سَمِعَ أَبَا عُبَيْدَة يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جَدّ وَلَا هَزْل اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَكَذَا قَرَأَهَا ثُمَّ قَالَ : فَهَلْ تَجِدُونَ لِأَحَدٍ فِيهِ رُخْصَة ؟ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي قَوْله " اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " قَالَ مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَقَالَ الضَّحَّاك مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَأَصْحَابهمَا وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِنْ أَرَدْت أَنْ تَكُون مَعَ الصَّادِقِينَ فَعَلَيْك بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْكَفّ عَنْ أَهْل الْمِلَّة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَرِّفهمْ سَبِيل النَّجَاة مِنْ عِقَابه وَالْخَلَاص مِنْ أَلِيم عَذَابه : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله , اِتَّقُوا اللَّه وَرَاقِبُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَتَجَنُّب حُدُوده , وَكُونُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْل وِلَايَة اللَّه وَطَاعَته , تَكُونُوا فِي الْآخِرَة مَعَ الصَّادِقِينَ فِي الْجَنَّة . يَعْنِي مَعَ مَنْ صَدَقَ اللَّه الْإِيمَان بِهِ فَحَقَّقَ قَوْله بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل النِّفَاق فِيهِ الَّذِينَ يُكَذِّب قِيلهمْ فِعْلهمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فِي الْآخِرَة بِاتِّقَاءِ اللَّه فِي الدُّنْيَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ }. 4 69 وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَام , لِأَنَّ كَوْن الْمُنَافِق مَعَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر نَافِعه بِأَيِّ وُجُوه الْكَوْن كَانَ مَعَهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا عَمَلهمْ , وَإِذَا عَمِلَ عَمَلهمْ فَهُوَ مِنْهُمْ , وَإِذَا كَانَ مِنْهُمْ كَانَ لَا وَجْه فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ . وَلِتَوْجِيهِ الْكَلَام إِلَى مَا وَجَّهْنَا مِنْ تَأْوِيله فَسَّرَ ذَلِكَ مَنْ فَسَّرَهُ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَكُونُوا مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر , أَوْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَوْ غَيْره فِي تَأْوِيله : 13539 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ نَافِع , فِي قَوْل اللَّه : { اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قَالَ : مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَبُّويَة أَبُو يَزِيد , عَنْ يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ نَافِع , قَالَ : قِيلَ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } مُحَمَّد وَأَصْحَابه . 13540 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قَالَ : مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَأَصْحَابهمَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ. 13541 - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن بِشْر الْكَاهِلِيّ , قَالَ : ثنا خَلَف بْن خَلِيفَة , عَنْ أَبِي هَاشِم الرُّمَانِيّ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْل اللَّه : { اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قَالَ : مَعَ أَبِي بَكْر وَعُمَر رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا . 13542 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قَالَ : مَعَ الْمُهَاجِرِينَ الصَّادِقِينَ . وَكَانَ اِبْن مَسْعُود فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقْرَؤُهُ : " وَكُونُوا مِنْ الصَّادِقِينَ " وَيَتَأَوَّلهُ أَنَّ ذَلِكَ نَهْي مِنْ اللَّه عَنْ الْكَذِب . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 13543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , قَالَ : سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقُول : قَالَ اِبْن مَسْعُود : إِنَّ الْكَذِب لَا يَحِلّ مِنْهُ جَدّ وَلَا هَزْل , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مِنْ الصَّادِقِينَ " قَالَ : وَكَذَلِكَ هِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " مِنْ الصَّادِقِينَ " , فَهَلْ تَرَوْنَ فِي الْكَذِب رُخْصَة " ؟ * - قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ شُعْبَة , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , قَالَ : سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَة , عَنْ عَبْد اللَّه , نَحْوه . * - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , قَالَ : سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَة يُحَدِّث , عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ . " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مِنْ الصَّادِقِينَ " وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه , فَهَلْ تَرَوْنَ مَنْ رَخَّصَ فِي الْكَذِب ؟ 13544 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : لَا يَصْلُح الْكَذِب فِي هَزْل وَلَا جِدّ , ثُمَّ تَلَا عَبْد اللَّه : { اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا } مَا أَدْرِي أَقَالَ " مِنْ الصَّادِقِينَ " أَوْ { مَعَ الصَّادِقِينَ } وَهُوَ فِي كِتَابِي : { مَعَ الصَّادِقِينَ } . * - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . * - قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . وَالصَّحِيح مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ هُوَ التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ نَافِع وَالضَّحَّاك , وَذَلِكَ أَنَّ رُسُوم الْمَصَاحِف كُلّهَا مُجْمِعَة عَلَى : { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } , وَهِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ لِأَحَدٍ الْقِرَاءَة بِخِلَافِهَا , وَتَأْوِيل عَبْد اللَّه رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَته تَأْوِيل غَيْر صَحِيح , أَنَّ الْقِرَاءَة بِخِلَافِهَا .

تفسير القرطبي

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَذَا الْأَمْر بِالْكَوْنِ مَعَ أَهْل الصِّدْق حَسَن بَعْد قِصَّة الثَّلَاثَة حِين نَفَعَهُمْ الصِّدْق وَذَهَبَ بِهِمْ عَنْ مَنَازِل الْمُنَافِقِينَ . قَالَ مُطَرِّف : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : قَلَّمَا كَانَ رَجُل صَادِقًا لَا يَكْذِب إِلَّا مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيب غَيْره مِنْ الْهَرَم وَالْخَرَف . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد هُنَا بِالْمُؤْمِنِينَ وَالصَّادِقِينَ عَلَى أَقْوَال ; فَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ ; أَيْ اِتَّقُوا مُخَالَفَة أَمْر اللَّه . " وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " أَيْ مَعَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ . أَيْ كُونُوا 8 عَلَى مَذْهَب الصَّادِقِينَ وَسَبِيلهمْ . وَقِيلَ : هُمْ الْأَنْبِيَاء ; أَيْ كُونُوا مَعَهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة فِي الْجَنَّة . وَقِيلَ : هُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ - الْآيَة إِلَى قَوْله - أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا " [ الْبَقَرَة : 177 ] . وَقِيلَ : هُمْ الْمُوفُونَ بِمَا عَاهَدُوا ; وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ " وَقِيلَ : هُمْ الْمُهَاجِرُونَ ; لِقَوْلِ أَبِي بَكْر يَوْم السَّقِيفَة إِنَّ اللَّه سَمَّانَا الصَّادِقِينَ فَقَالَ : " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ " [ الْحَشْر : 8 ] الْآيَة , ثُمَّ سَمَّاكُمْ بِالْمُفْلِحِينَ فَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّار وَالْإِيمَان " [ الْحَشْر : 9 ] الْآيَة . وَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ اِسْتَوَتْ ظَوَاهِرهمْ وَبَوَاطِنهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْحَقِيقَة وَالْغَايَة الَّتِي إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَة يَرْتَفِع بِهَا النِّفَاق فِي الْعَقِيدَة وَالْمُخَالَفَة فِي الْفِعْل , وَصَاحِبهَا يُقَال لَهُ الصِّدِّيق كَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَمَنْ دُونهمْ عَلَى مَنَازِلهمْ وَأَزْمَانهمْ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ الْمُرَاد بِآيَةِ الْبَقَرَة فَهُوَ مُعْظَم الصِّدْق وَيَتْبَعهُ الْأَقَلّ وَهُوَ مَعْنَى آيَة الْأَحْزَاب . وَأَمَّا تَفْسِير أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَهُوَ الَّذِي يَعُمّ الْأَقْوَال كُلّهَا فَإِنَّ جَمِيع الصِّفَات فِيهِمْ مَوْجُودَة . حَقّ مَنْ فَهِمَ عَنْ اللَّه وَعَقَلَ عَنْهُ أَنْ يُلَازِم الصِّدْق فِي الْأَقْوَال , وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال , وَالصَّفَاء فِي الْأَحْوَال , فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَحِقَ بِالْأَبْرَارِ وَوَصَلَ إِلَى رِضَا الْغَفَّار ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة وَمَا يَزَال الرَّجُل يَصْدُق وَيَتَحَرَّى الصِّدْق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا ) . وَالْكَذِب عَلَى الضِّدّ مِنْ ذَلِكَ ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكُمْ وَالْكَذِب فَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى النَّار وَمَا يَزَال الرَّجُل يَكْذِب وَيَتَحَرَّى الْكَذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه كَذَّابًا ) خَرَّجَهُ مُسْلِم . فَالْكَذِب عَار وَأَهْله مَسْلُوبُو الشَّهَادَة , وَقَدْ رَدَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَة رَجُل فِي كَذِبَة كَذَبَهَا . قَالَ مَعْمَر : لَا أَدْرِي أَكَذَبَ عَلَى اللَّه أَوْ كَذَبَ عَلَى رَسُوله أَوْ كَذَبَ عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس . وَسُئِلَ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْد اللَّه , رَجُل سَمِعْته يَكْذِب مُتَعَمِّدًا أَأُصَلِّي خَلْفه ؟ قَالَ لَا . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : إِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل , وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدكُمْ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزهُ , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَلْ تَرَوْنَ فِي الْكَذِب رُخْصَة ؟ وَقَالَ مَالِك : لَا يُقْبَل خَبَر الْكَاذِب فِي حَدِيث النَّاس وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ غَيْره : يُقْبَل حَدِيثه . وَالصَّحِيح أَنَّ الْكَاذِب لَا تُقْبَل شَهَادَته وَلَا خَبَره لِمَا ذَكَرْنَاهُ ; فَإِنَّ الْقَبُول مَرْتَبَة عَظِيمَة وَوِلَايَة شَرِيفَة لَا تَكُون إِلَّا لِمَنْ كَمُلَتْ خِصَاله وَلَا خَصْلَة هِيَ أَشَرّ مِنْ الْكَذِب فَهِيَ تَعْزِل الْوِلَايَات وَتُبْطِل الشَّهَادَات .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِینَ ﴿١١٩﴾
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(اتَّقُوا)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَكُونُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كُونُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(مَعَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الصَّادِقِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ (كُونُوا) :.