صفحات الموقع

سورة الأنفال الآية ٦٨

سورة الأنفال الآية ٦٨

لَّوۡلَا كِتَـٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِیمَاۤ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ﴿٦٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

" لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ " به القضاء والقدر, أنه قد أحل لكم الغنائم, وأن اللّه رفع عنكم - أيتها الأمة - العذاب " لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " وفي الحديث " لو نزل عذاب يوم بدر, ما نجا منه إلا عمر " .

التفسير الميسر

لولا كتاب من الله سبق به القضاء والقدر بإباحة الغنيمة وفداء الأسرى لهذه الأمة، لنالكم عذاب عظيم بسبب أخْذكم الغنيمة والفداء قبل أن ينزل بشأنهما تشريع.

تفسير الجلالين

"لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ" بِإِحْلَالِ الْغَنَائِم وَالْأَسْرَى لَكُمْ "لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ" مِنْ الْفِدَاء

تفسير ابن كثير

قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم " وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل السُّورَة حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي صَحِيح مُسْلِم بِنَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ الْأَعْمَش عَنْ عُمَر بْن مُرَّة عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْر يَا رَسُول اللَّه قَوْمُك وَأَهْلُك اِسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَتِبْهُمْ لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَتُوب عَلَيْهِمْ وَقَالَ عُمَر يَا رَسُول اللَّه كَذَّبُوك وَأَخْرَجُوك فَقَدِّمْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة يَا رَسُول اللَّه أَنْتَ فِي وَادٍ كَثِير الْحَطَب فَأَضْرِمْ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَارًا ثُمَّ أَلْقِهِمْ فِيهِ قَالَ فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ فَقَالَ نَاس : يَأْخُذ بِقَوْلِ أَبِي بَكْر وَقَالَ نَاس : يَأْخُذ بِقَوْلِ عُمَر وَقَالَ نَاس : يَأْخُذ بِقَوْلِ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " إِنَّ اللَّه لَيُلَيِّنَ قُلُوب رِجَال حَتَّى تَكُون أَلْيَنَ مِنْ اللَّبَن وَإِنَّ اللَّه لَيُشَدِّدَ قُلُوب رِجَال فِيهِ حَتَّى تَكُون أَشَدّ مِنْ الْحِجَارَة وَإِنَّ مَثَلك يَا أَبَا بَكْر كَمَثَلِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ " فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُور رَحِيم " وَإِنَّ مَثَلك يَا أَبَا بَكْر كَمَثَلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " وَإِنَّ مَثَلك يَا عُمَر كَمَثَلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ " رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالهمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبهمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَاب الْأَلِيم " وَإِنَّ مَثَلك يَا عُمَر كَمَثَلِ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ " رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا " أَنْتُمْ عَالَة فَلَا يَنْفَكَّنَّ أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَة عُنُق " قَالَ اِبْن مَسْعُود قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِلَّا سُهَيْل بْن بَيْضَاء فَإِنَّهُ يَذْكُر الْإِسْلَام فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْتنِي فِي يَوْم أَخْوَف مِنْ أَنْ تَقَع عَلَيَّ حِجَارَة مِنْ السَّمَاء مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِلَّا سُهَيْل بْن بَيْضَاء " فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى " إِلَى آخِر الْآيَة . رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخْرِجَاهُ وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ لَمَّا أُسِرَ الْأُسَارَى يَوْم بَدْر أُسِرَ الْعَبَّاس فِيمَنْ أُسِرَ أَسَرَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار قَالَ وَقَدْ أَوْعَدَتْهُ الْأَنْصَار أَنْ يُقَاتِلُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنِّي لَمْ أَنَمْ اللَّيْلَة مِنْ أَجْل عَمِّي الْعَبَّاس وَقَدْ زَعَمَتْ الْأَنْصَار أَنَّهُمْ قَاتَلُوهُ " . فَقَالَ لَهُ عُمَر أَفَآتِهِمْ فَقَالَ " نَعَمْ " فَأَتَى عُمَر الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُمْ أَرْسِلُوا الْعَبَّاس فَقَالُوا لَا وَاَللَّه لَا نُرْسِلهُ فَقَالَ لَهُمْ عُمَر فَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِضًى قَالُوا فَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِضًى فَخُذْهُ فَأَخَذَهُ عُمَر فَلَمَّا صَارَ فِي يَده قَالَ لَهُ يَا عَبَّاس أَسْلِمْ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ تُسْلِم أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِم الْخَطَّاب وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ إِسْلَامُك قَالَ وَاسْتَشَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر فِيهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْر عَشِيرَتك فَأَرْسَلَهُمْ فَاسْتَشَارَ عُمَر فَقَالَ اُقْتُلْهُمْ فَفَادَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى " الْآيَة . قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخْرِجَاهُ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر فَقَالَ خَيِّرْ أَصْحَابك فِي الْأُسَارَى إِنْ شَاءُوا الْفِدَاء وَإِنْ شَاءُوا الْقَتْل عَلَى أَنْ يُقْتَل عَامًا مُقْبِلًا مِنْهُمْ مِثْلُهُمْ قَالُوا الْفِدَاء وَيُقْتَل مِنَّا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحهَا مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ بِهِ وَهَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا وَقَالَ اِبْن عَوْن عَنْ عَبِيدَة عَنْ عَلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُسَارَى يَوْم بَدْر " إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ " قَالَ فَكَانَ آخِر السَّبْعِينَ ثَابِت بْن قَيْس قُتِلَ يَوْم الْيَمَامَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عُبَيْدَة مُرْسَلًا فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى " فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ " عَذَاب عَظِيم " . قَالَ غَنَائِم بَدْر قَبْل أَنْ يُحِلَّهَا لَهُمْ يَقُول لَوْلَا أَنِّي لَا أُعَذِّب مَنْ عَصَانِي حَتَّى أَتَقَدَّم إِلَيْهِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم . وَكَذَا رَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَقَالَ الْأَعْمَش سَبَقَ مِنْهُ أَنْ لَا يُعَذِّب أَحَدًا شَهِدَ بَدْرًا وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَقَالَ شُعْبَة عَنْ أَبِي هَاشِم عَنْ مُجَاهِد " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " أَيْ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوه عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " يَعْنِي فِي أُمّ الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ الْمَغَانِم وَالْأُسَارَى حَلَال لَكُمْ " لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ " مِنْ الْأُسَارَى " عَذَاب عَظِيم " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِأَهْلِ بَدْر الَّذِينَ غَنِمُوا وَأَخَذُوا مِنْ الْأَسْرَى الْفِدَاء : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } يَقُول : لَوْلَا قَضَاء مِنْ اللَّه سَبَقَ لَكُمْ أَهْل بَدْر فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ بِأَنَّ اللَّه مُحِلّ لَكُمْ الْغَنِيمَة , وَأَنَّ اللَّه قَضَى فِيمَا قَضَى أَنَّهُ لَا يُضِلّ قَوْمًا بَعْد إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ , وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّب أَحَدًا شَهِدَ الْمَشْهَد الَّذِي شَهِدْتُمُوهُ بِبَدْرٍ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِرًا دِين اللَّه ; لَنَالَكُمْ مِنْ اللَّه بِأَخْذِكُمْ الْغَنِيمَة وَالْفِدَاء عَذَاب عَظِيم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12657 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } الْآيَة , قَالَ : إِنَّ اللَّه كَانَ مُطْعِم هَذِهِ الْأُمَّة الْغَنِيمَة , وَإِنَّهُمْ أَخَذُوا الْفِدَاء مِنْ أُسَارَى بَدْر قَبْل أَنْ يُؤْمَرُوا بِهِ . قَالَ : فَعَابَ اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , ثُمَّ أَحَلَّهُ اللَّه . 12658 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } الْآيَة , وَذَلِكَ يَوْم بَدْر , أَخَذَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغَانِم وَالْأُسَارَى قَبْل أَنْ يُؤْمَرُوا بِهِ , وَكَانَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ كَتَبَ فِي أُمّ الْكِتَاب الْمَغَانِم وَالْأُسَارَى حَلَال لِمُحَمَّدٍ وَأُمَّته , وَلَمْ يَكُنْ أَحَلَّهُ لِأُمَّةٍ قَبْلهمْ . وَأَخَذُوا الْمَغَانِم , وَأَسَرُوا الْأُسَارَى قَبْل أَنْ يُنَزِّل إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , قَالَ اللَّه : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } يَعْنِي فِي الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ الْمَغَانِم وَالْأُسَارَى حَلَال لَكُمْ { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } . 12659 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } الْآيَة , وَكَانَتْ الْغَنَائِم قَبْل أَنْ يَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمَم إِذَا أَصَابُوا مَغْنَمًا جَعَلُوهُ لِلْقُرْبَانِ , وَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا , حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى كُلّ نَبِيّ وَعَلَى أُمَّته , فَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَلَا يَغُلُّونَ مِنْهُ وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إِلَّا عَذَّبَهُمْ اللَّه عَلَيْهِ . وَكَانَ اللَّه حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا شَدِيدًا , فَلَمْ يُحِلّهُ لِنَبِيٍّ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ اللَّه فِي قَضَائِهِ أَنَّ الْمَغْنَم لَهُ وَلِأُمَّتِهِ حَلَال , فَذَلِكَ قَوْله يَوْم بَدْر فِي أَخْذ الْفِدَاء مِنْ الْأُسَارَى : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } . 12660 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ عُرْوَة , عَنْ الْحَسَن : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : إِنَّ اللَّه كَانَ مُعْطِي هَذِهِ الْأُمَّة الْغَنِيمَة , وَفَعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا قَبْل أَنْ تَحِلّ الْغَنِيمَة . 12661 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر قَالَ : قَالَ الْأَعْمَش , فِي قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : سَبَقَ مِنْ اللَّه أَنْ أَحَلَّ لَهُمْ الْغَنِيمَة . 12662 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ بَشِير بْن مَيْمُون , قَالَ : سَمِعْت سَعِيدًا يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } قَالَ : يَعْنِي : لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنِّي سَأُحِلُّ الْغَنَائِم , لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنْ الْأُسَارَى عَذَاب عَظِيم . 12663 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , وَأَبُو مُعَاوِيَة , بِنَحْوِهِ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أُحِلَّتْ الْغَنَائِم لِأَحَدٍ سُود الرُّءُوس مِنْ قَبْلكُمْ , كَانَتْ تَنْزِل نَار مِنْ السَّمَاء وَتَأْكُلهَا " , حَتَّى كَانَ يَوْم بَدْر , فَوَقَعَ النَّاس فِي الْغَنَائِم , فَأَنْزَلَ اللَّه { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ } حَتَّى بَلَغَ { حَلَالًا طَيِّبًا } . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ , قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أَسْرَعَ النَّاس فِي الْغَنَائِم . 12664 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار , عَنْ اِبْن سِيرِين , عَنْ عُبَيْدَة , قَالَ : أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وَقَتَلُوا سَبْعِينَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِخْتَارُوا أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُمْ الْفِدَاء فَتَقْوَوْا بِهِ عَلَى عَدُوّكُمْ , وَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ , أَوْ تَقْتُلُوهُمْ ! " فَقَالُوا : بَلْ نَأْخُذ الْفِدْيَة مِنْهُمْ , وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ . قَالَ عُبَيْدَة : وَطَلَبُوا الْخِيرَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا . 12665 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ أَشْعَث , عَنْ اِبْن سِيرِين , عَنْ عُبَيْدَة , قَالَ : كَانَ فِدَاء أُسَارَى بَدْر : مِائَة أُوقِيَّة , وَالْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا , وَمِنْ الدَّنَانِير : سِتَّة دَنَانِير 12666 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا اِبْن عَوْن , عَنْ اِبْن سِيرِين , عَنْ عُبَيْدَة , أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْر : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ , وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ " فَقَالُوا : بَلَى , نَأْخُذ الْفِدَاء فَنَسْتَمْتِع بِهِ وَيُسْتَشْهَد مِنَّا بِعِدَّتِهِمْ . 12667 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا هَمَّام بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : أَمَرَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِقَتْلِ الْأُسَارَى , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } . 12668 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : كَانَ الْمَغْنَم مُحَرَّمًا عَلَى كُلّ نَبِيّ وَأُمَّته , وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا يَجْعَلُونَ الْمَغْنَم لِلَّهِ قُرْبَانًا تَأْكُلهُ النَّار , وَكَانَ سَبَقَ فِي قَضَاء اللَّه وَعِلْمه أَنْ يُحِلّ الْمَغْنَم لِهَذِهِ الْأُمَّة يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ . 12669 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء فِي قَوْل اللَّه : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ } قَالَ : كَانَ فِي عِلْم اللَّه أَنْ تَحِلّ لَهُمْ الْغَنَائِم , فَقَالَ : لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَكُمْ الْغَنَائِم , لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لِأَهْلِ بَدْر أَنْ لَا يُعَذِّبهُمْ لَمَسَّهُمْ عَذَاب عَظِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12670 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : لِأَهْلِ بَدْر مِنْ السَّعَادَة . 12671 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع قَالَ : ثَنَا اِبْن نُمَيْر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } لِأَهْلِ بَدْر مَشْهَدهمْ . 12672 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : سَبَقَ مِنْ اللَّه خَيْر لِأَهْلِ بَدْر . 12673 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } كَانَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ اللَّه خَيْر , وَأَحَلَّ لَهُمْ الْغَنَائِم . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ الْحَسَن : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } قَالَ : سَبَقَ أَنْ لَا يُعَذِّب أَحَدًا مِنْ أَهْل بَدْر . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } لِأَهْلِ بَدْر وَمَشْهَدهمْ إِيَّاهُ . 12674 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم } لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنْ الْغَنَائِم يَوْم بَدْر قَبْل أَنْ أُحِلَّهَا لَكُمْ فَقَالَ : سَبَقَ مِنْ اللَّه الْعَفْو عَنْهُمْ , وَالرَّحْمَة لَهُمْ ; سَبَقَ أَنْ لَا يُعَذِّب الْمُؤْمِنِينَ , لِأَنَّهُ لَا يُعَذِّب رَسُوله وَمَنْ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ وَنَصَرَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ أَنْ لَا يُؤَاخِذ أَحَدًا بِفِعْلٍ أَتَاهُ عَلَى جَهَالَة , لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12675 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } لِأَهْلِ بَدْر وَمَشْهَدهمْ إِيَّاهُ , قَالَ : كِتَاب سَبَقَ لِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْد إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } 9 115 سَبَقَ ذَلِكَ وَسَبَقَ أَنْ لَا يُؤَاخِذ قَوْمًا فَعَلُوا شَيْئًا بِجَهَالَةٍ . { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ } قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ اِبْن عَبَّاس : فِيمَا أَخَذْتُمْ مِمَّا أَسَرْتُمْ . ثُمَّ قَالَ بَعْد : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ } . 12676 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : عَاتَبَهُ فِي الْأُسَارَى وَأَخْذ الْغَنَائِم , وَلَمْ يَكُنْ أَحَد قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء يَأْكُل مَغْنَمًا مِنْ عَدُوّ لَهُ . 12677 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : ثني أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نُصِرْت بِالرُّعْبِ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْض مَسْجِدًا وَطَهُورًا , وَأُعْطِيت جَوَامِع الْكَلِم , وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِم وَلَمْ تُحَلّ لِنَبِيٍّ كَانَ قَبْلِي , وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة , خَمْس لَمْ يُؤْتَهُنَّ نَبِيّ كَانَ قَبْلِي " . , قَالَ مُحَمَّد : فَقَالَ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ } أَيْ قَبْلك { أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى } إِلَى قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ } أَيْ مِنْ الْأُسَارَى وَالْمَغَانِم . { عَذَاب عَظِيم } أَيْ لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنْ لَا أُعَذِّب إِلَّا بَعْد النَّهْي وَلَمْ أَكُنْ نَهَيْتُكُمْ لَعَذَّبْتُكُمْ فِيمَا صَنَعْتُمْ , ثُمَّ أَحَلَّهَا لَهُ وَلَهُمْ رَحْمَة وَنِعْمَة وَعَائِدَة مِنْ الرَّحْمَن الرَّحِيم . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْل , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } خَبَر عَامّ غَيْر مَحْصُور عَلَى مَعْنَى دُون مَعْنَى . وَكُلّ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْتهَا عَمَّنْ ذَكَرْت مِمَّا قَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب اللَّه أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذ بِشَيْءٍ مِنْهَا هَذِهِ الْأُمَّة , وَذَلِكَ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل بِجَهَالَةٍ , و إِحْلَال الْغَنِيمَة وَالْمَغْفِرَة لِأَهْلِ بَدْر , وَكُلّ ذَلِكَ مِمَّا كَتَبَ لَهُمْ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْه لِأَنْ يُخَصّ مِنْ ذَلِكَ مَعْنَى دُون مَعْنَى , وَقَدْ عَمَّ اللَّه الْخَبَر بِكُلِّ ذَلِكَ بِغَيْرِ دَلَالَة تُوجِب صِحَّة الْقَوْل بِخُصُوصِهِ . 12678 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَحَد مِمَّنْ نُصِرَ إِلَّا أَحَبَّ الْغَنَائِم إِلَّا عُمَر بْن الْخَطَّاب , جَعَلَ لَا يَلْقَى أَسِيرًا إِلَّا ضَرَبَ عُنُقه , وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا لَنَا وَلِلْغَنَائِمِ , نَحْنُ قَوْم نُجَاهِد فِي دِين اللَّه حَتَّى يُعْبَد اللَّه ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ عُذِّبْنَا فِي هَذَا الْأَمْر يَا عُمَر مَا نَجَا غَيْرك ! " . قَالَ اللَّه : لَا تَعُودُوا تَسْتَحِلُّونَ قَبْل أَنْ أُحِلّ لَكُمْ . 12679 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ } الْآيَة , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ نَزَلَ عَذَاب مِنْ السَّمَاء لَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا سَعْد بْن مُعَاذ " لِقَوْلِهِ : يَا نَبِيّ اللَّه كَانَ الْإِثْخَان فِي الْقَتْل أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ اِسْتِبْقَاء الرِّجَال .

تفسير القرطبي

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " فِي أَنَّهُ لَا يُعَذِّب قَوْمًا حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي كِتَاب اللَّه السَّابِق عَلَى أَقْوَال , أَصَحّهَا مَا سَبَقَ مِنْ إِحْلَال الْغَنَائِم , فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَة عَلَى مَنْ قَبْلنَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر , أَسْرَعَ النَّاس إِلَى الْغَنَائِم فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " أَيْ بِتَحْلِيلِ الْغَنَائِم . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا سَلَّام عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر تَعَجَّلَ النَّاس إِلَى الْغَنَائِم فَأَصَابُوهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلّ لِأَحَدِ سُود الرُّءُوس غَيْركُمْ ) . فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه إِذَا غَنِمُوا الْغَنِيمَةَ جَمَعُوهَا وَنَزَلَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَكَلَتْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " إِلَى آخِر الْآيَتَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح , وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن . وَعَنْهُمَا أَيْضًا وَسَعِيد بْن جُبَيْر : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ مَغْفِرَة اللَّه لِأَهْلِ بَدْر , مَا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبهمْ . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ عَفْو اللَّه عَنْهُمْ فِي هَذَا الذَّنْب , مُعَيَّنًا . وَالْعُمُوم أَصَحّ , لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر فِي أَهْل بَدْر : ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّهَ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقِيلَ : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ وَمُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام فِيهِمْ . وَقِيلَ : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ أَلَّا يُعَذِّب أَحَدًا بِذَنْبٍ أَتَاهُ جَاهِلًا حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ مِمَّا قَضَى اللَّه مِنْ مَحْو الصَّغَائِر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر . وَذَهَبَ الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا دَاخِلَة تَحْت اللَّفْظ وَأَنَّهُ يَعُمّهَا , وَنَكَبَ عَنْ تَخْصِيص مَعْنًى دُون مَعْنًى . الثَّانِيَة : اِبْن الْعَرَبِيّ : وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا اِقْتَحَمَ مَا يَعْتَقِدهُ حَرَامًا مِمَّا هُوَ فِي عِلْم اللَّه حَلَال لَهُ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ , كَالصَّائِمِ إِذَا قَالَ : هَذَا يَوْم نَوْبِي فَأُفْطِر الْآن . أَوْ تَقُول الْمَرْأَة : هَذَا يَوْم حَيْضَتِي فَأُفْطِر , فَفَعَلَا ذَلِكَ , وَكَانَ النَّوْب وَالْحَيْض الْمُوجِبَانِ لِلْفِطْرِ , فَفِي الْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب فِيهِ الْكَفَّارَة , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ , وَهِيَ الرِّوَايَة الْأُخْرَى . وَجْه الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ طُرُوَّ الْإِبَاحَة لَا يُثْبِت عُذْرًا فِي عُقُوبَة التَّحْرِيم عِنْد الْهَتْك , كَمَا لَوْ وَطِئَ اِمْرَأَةً ثُمَّ نَكَحَهَا . وَجْه الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْم سَاقِطَة عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَصَادَفَ الْهَتْكَ مَحَلًّا لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه , فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَصَدَ وَطْءَ اِمْرَأَة قَدْ زُفَّتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَعْتَقِدهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَتِهِ فَإِذَا هِيَ زَوْجَته . وَهَذَا أَصَحّ . وَالتَّعْلِيل الْأَوَّل لَا يَلْزَم , لِأَنَّ عِلْم اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ عِلْمنَا قَدْ اِسْتَوَى فِي مَسْأَلَة التَّحْرِيم , وَفِي مَسْأَلَتنَا اِخْتَلَفَ فِيهَا عِلْمنَا وَعِلْم اللَّه فَكَانَ الْمُعَوَّل عَلَى عِلْم اللَّه . كَمَا قَالَ : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم " .

غريب الآية
لَّوۡلَا كِتَـٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِیمَاۤ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ﴿٦٨﴾
كِتَـٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِقَضاءٌ وحُكْمٌ منه.
سَبَقَبإباحةِ الغنيمةِ وفِداءِ الأسرى.
لَمَسَّكُمۡلَأصابَكم.
الإعراب
(لَوْلَا)
حَرْفُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كِتَابٌ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "أُنْزِلَ".
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَعْتٌ.
(سَبَقَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَمَسَّكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَسَّ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِيمَا)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَخَذْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(عَذَابٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَظِيمٌ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.