صفحات الموقع

سورة الإنسان الآية ٢١

سورة الإنسان الآية ٢١

عَـٰلِیَهُمۡ ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡرࣱ وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوۤا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا ﴿٢١﴾

التفسير

تفسير السعدي

يعلوهم ويجمل أبدانهم ثياب بطائنها من الحرير الرقيق الأخضر, وظاهرها من الحرير الغليظ, ويحلون من الحلي بأساور من الفضة, وسقاهم ربهم فوق ذلك النعيم شرابا لا رجس فيه ولا دنس.

التفسير الميسر

يعلوهم ويجمل أبدانهم ثياب بطائنها من الحرير الرقيق الأخضر، وظاهرها من الحرير الغليظ، ويُحَلَّون من الحليِّ بأساور من الفضة، وسقاهم ربهم فوق ذلك النعيم شرابًا لا رجس فيه ولا دنس.

تفسير الجلالين

"عاليهم" فوقهم فنصبه على الظرفية وهو خبر لمبتدأ بعده وفي قراءة بسكون الياء مبتدأ وما بعده خبر والضمير المتصل به للمعطوف عليهم "ثياب سندس" حرير "خضر" بالرفع "وإستبرق" بالجر ما غلظ من الديباج فهو البطائن والسندس الظهائر وفي قراءة عكس ما ذكر فيهما وفي أخرى, برفعهما وفي أخرى بجرهما "وحلوا أساور من فضة" وفي موضع من ذهب للإيذان بأنهم يحلون من النوعين معا ومفرقا "وسقاهم ربهم شرابا طهورا" مبالغة في طهارته ونظافته بخلاف خمر الدنيا

تفسير ابن كثير

" عَالِيَهُمْ ثِيَاب سُنْدُس خُضْر وَإِسْتَبْرَق " أَيْ لِبَاس أَهْل الْجَنَّة فِيهَا الْحَرِير وَمِنْهُ سُنْدُس وَهُوَ رَفِيع الْحَرِير كَالْقُمْصَانِ وَنَحْوهَا مِمَّا يَلِي أَبْدَانهمْ وَالْإِسْتَبْرَق مِنْهُ مَا فِيهِ بَرِيق وَلَمَعَان وَهُوَ مِمَّا يَلِي الظَّاهِر كَمَا هُوَ الْمَعْهُود فِي اللِّبَاس " وَحُلُّوا أَسَاوِر مِنْ فِضَّة " وَهَذِهِ صِفَة الْأَبْرَار وَأَمَّا الْمُقَرَّبُونَ فَكَمَا قَالَ تَعَالَى " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسهمْ فِيهَا حَرِير " وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى زِينَة الظَّاهِر بِالْحَرِيرِ وَالْحُلِيّ قَالَ بَعْده" وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " أَيْ طَهَّرَ بَوَاطِنهمْ مِنْ الْحَسَد وَالْحِقْد وَالْغِلّ وَالْأَذَى وَسَائِر الْأَخْلَاق الرَّدِيئَة كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اِنْتَهَى أَهْل الْجَنَّة إِلَى بَاب الْجَنَّة وَجَدُوا هُنَالِكَ عَيْنَيْنِ فَكَأَنَّمَا أُلْهِمُوا ذَلِكَ فَشَرِبُوا مِنْ إِحْدَاهُمَا فَأَذْهَبَ اللَّه مَا فِي بُطُونهمْ مِنْ أَذًى ثُمَّ اِغْتَسَلُوا مِنْ الْأُخْرَى فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَة النَّعِيم فَأَخْبَرَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بِحَالِهِمْ الظَّاهِر وَجَمَالهمْ الْبَاطِن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَالِيهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَوْقهمْ , يَعْنِي فَوْق هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار ثِيَاب سُنْدُس . وَكَانَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل يَتَأَوَّل قَوْله : { عَالِيهمْ } فَوْق حِجَالهمْ الْمُثَبَّتَة عَلَيْهِمْ { ثِيَاب سُنْدُس } وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ الْمَدْفُوع , لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فَوْق حِجَال هُمْ فِيهَا , فَقَدْ عَلَاهُمْ فَهُوَ عَالِيهمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْقِرَاءَة فِي قِرَاءَة ذَلِكَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة وَبَعْض قُرَّاء مَكَّة : " عَالِيهمْ " بِتَسْكِينِ الْيَاء . وَكَانَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير يَقْرَءُونَهُ بِفَتْحِ الْيَاء , فَمَنْ فَتَحَهَا جَعَلَ قَوْله { عَالِيهَا } اِسْمًا مُرَافِعًا لِلثِّيَابِ , مِثْل قَوْل الْقَائِل : ظَاهِرهمْ ثِيَاب سُنْدُس . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَوْله : { ثِيَاب سُنْدُس } يَعْنِي : ثِيَاب دِيبَاج رَقِيق حَسَن , وَالسُّنْدُس : هُوَ مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاج . وَقَوْله : { خُضْر } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر الْقَارِئ وَأَبُو عَمْرو بِرَفْعِ { خُضْر } عَلَى أَنَّهَا نَعْت لِلثِّيَابِ , وَخَفْض " إِسْتَبْرَق " عَطْفًا بِهِ عَلَى السُّنْدُس , بِمَعْنَى : وَثِيَاب إِسْتَبْرَق . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَاصِم وَابْن كَثِير : " خُضْر " خَفْضًا { وَإِسْتَبْرَق } رَفْعًا , عَطْفًا بِالْإِسْتَبْرَقِ عَلَى الثِّيَاب , بِمَعْنَى : عَالِيهمْ إِسْتَبْرَق , وَتَصْيِيرًا لِلْخُضْرِ نَعْتًا لِلسُّنْدُسِ . وَقَرَأَ نَافِع ذَلِكَ : { خُضْر } رَفْعًا عَلَى أَنَّهَا نَعْت لِلثِّيَابِ { وَإِسْتَبْرَق } رَفْعًا عَطْفًا بِهِ عَلَى الثِّيَاب . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " خُضْر وَإِسْتَبْرَق " خَفْضًا كِلَاهُمَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ اِبْن مُحَيْصِن بِتَرْكِ إِجْرَاء الْإِسْتَبْرَق : " وَإِسْتَبْرَق " بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى : وَثِيَاب إِسْتَبْرَق , وَفَتَحَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ اِسْم أَعْجَمِيّ . وَلِكُلِّ هَذِهِ الْقِرَاءَات الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَجْه وَمَذْهَب , غَيْر الَّذِي سَبَقَ ذِكْرنَا عَنْ اِبْن مُحَيْصِن , فَإِنَّهَا بَعِيدَة مِنْ مَعْرُوف كَلَام الْعَرَب , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِسْتَبْرَق نَكِرَة , وَالْعَرَب تُجْرِي الْأَسْمَاء النَّكِرَة وَإِنْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّة , وَالْإِسْتَبْرَق : هُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاج . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته هَا هُنَا . 27788 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْإِسْتَبْرَق : الدِّيبَاج الْغَلِيظ . وَقَوْله : { وَحُلُّوا أَسَاوِر مِنْ فِضَّة } يَقُول : وَحَلَّاهُمْ رَبّهمْ أَسَاوِر , وَهِيَ جَمْع أَسْوِرَة مِنْ فِضَّة . وَقَوْله : { وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَقَى هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا , وَمِنْ طُهْره أَنَّهُ لَا يَصِير بَوْلًا نَجِسًا , وَلَكِنَّهُ يَصِير رَشْحًا مِنْ أَبْدَانهمْ كَرَشْحِ الْمِسْك , كَاَلَّذِي : 27789 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ { وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا } قَالَ : عَرَق يُفِيض مِنْ أَعْرَاضهمْ مِثْل رِيح الْمِسْك . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ , مِثْله . 27790 - قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ , قَالَ : إِنَّ الرَّجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة يُقْسَم لَهُ شَهْوَة مِائَة رَجُل مِنْ أَهْل الدُّنْيَا , وَأَكْلهمْ وَهِمَّتهمْ , فَإِذَا أَكَلَ سُقِيَ شَرَابًا طَهُورًا , فَيَصِير رَشْحًا يَخْرُج مِنْ جِلْده أَطْيَب رِيحًا مِنْ الْمِسْك الْأَذْفَر , ثُمَّ تَعُود شَهْوَته . 27791 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { شَرَابًا طَهُورًا } قَالَ : مَا ذَكَرَ اللَّه مِنْ الْأَشْرِبَة . 27792 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ أَبَان , عَنْ أَبِي قِلَابَة : إِنَّ أَهْل الْجَنَّة إِذَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا مَا شَاءُوا دَعَوْا بِالشَّرَابِ الطَّهُور فَيَشْرَبُونَهُ , فَتَطْهُر بِذَلِكَ بُطُونهمْ وَيَكُون مَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا رَشْحًا وَرِيح مِسْك , فَتُضْمَر لِذَلِكَ بُطُونهمْ . 27793 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , قَالَ : ثَنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنْسَ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة الرِّيَاحِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ غَيْره " شَكَّ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ " قَالَ : صَعِدَ جِبْرَائِيل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة , فَاسْتَفْتَحَ , فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : جِبْرَائِيل ; قِيلَ : وَمَنْ مَعَك ؟ قَالَ : مُحَمَّد , قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّه مِنْ أَخ وَخَلِيفَة , فَنِعْمَ الْأَخ وَنِعْمَ الْخَلِيفَة , وَنِعْمَ الْمَجِيء جَاءَ ; قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ أَشَمَط جَالِس عَلَى كُرْسِيّ عِنْد بَاب الْجَنَّة , وَعِنْده قَوْم جُلُوس بِيض الْوُجُوه أَمْثَال الْقَرَاطِيس , وَقَوْم فِي أَلْوَانهمْ شَيْء , فَقَامَ الَّذِينَ فِي أَلْوَانهمْ شَيْء , فَدَخَلُوا نَهَرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ , فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانهمْ شَيْء ثُمَّ دَخَلُوا نَهَرًا آخَر فَاغْتَسَلُوا فِيهِ , فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانهمْ , فَصَارَتْ مِثْل أَلْوَان أَصْحَابهمْ , فَجَاءُوا فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابهمْ , فَقَالَ : يَا جِبْرِيل مَنْ هَذَا الْأَشْمَط , وَمَنْ هَؤُلَاءِ الْبِيض الْوُجُوه , وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانهمْ شَيْء , وَمَا هَذِهِ الْأَنْهَار الَّتِي اِغْتَسَلُوا فِيهَا , فَجَاءُوا وَقَدْ صَفَتْ أَلْوَانهمْ ؟ قَالَ : هَذَا أَبُوك إِبْرَاهِيم , أَوَّل مَنْ شُمِطَ عَلَى الْأَرْض , وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْبِيض الْوُجُوه , فَقَوْم لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانهمْ شَيْء فَقَوْم خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَر سَيِّئًا فَتَابُوا , فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْأَنْهَار , فَأَوَّلهَا رَحْمَة اللَّه , وَالثَّانِي نِعْمَة اللَّه , وَالثَّالِث سَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا .

تفسير القرطبي

قَرَأَ نَافِع وَحَمْزَة وَابْن مُحَيْصِن " عَالِيهمْ " سَاكِنَة الْيَاء , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد اِعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ اِبْن مَسْعُود وَابْن وَثَّاب وَغَيْرهمَا " عَالِيَتُهُمْ " وَبِتَفْسِيرِ اِبْن عَبَّاس : أَمَا رَأَيْت الرَّجُل عَلَيْهِ ثِيَاب يَعْلُوهَا أَفْضَل مِنْهَا . الْفَرَّاء : وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره " ثِيَاب سُنْدُس " وَاسْم الْفَاعِل يُرَاد بِهِ الْجَمْع . وَيَجُوز فِي قَوْل الْأَخْفَش أَنْ يَكُون إِفْرَاده عَلَى أَنَّهُ اِسْم فَاعِل مُتَقَدِّم وَ " ثِيَاب " مُرْتَفِعَة بِهِ وَسَدَّتْ مَسَد الْخَبَر , وَالْإِضَافَة فِيهِ فِي تَقْدِير الِانْفِصَال لِأَنَّهُ لَمْ يُخَصّ , وَابْتُدِئَ بِهِ لِأَنَّهُ اُخْتُصَّ بِالْإِضَافَةِ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " عَالِيَهُمْ " بِالنَّصْبِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ كَقَوْلِك فَوْقَهُمْ , وَالْعَرَب تَقُول : قَوْمك دَاخِل الدَّار فَيَنْصِبُونَ دَاخِل عَلَى الظَّرْف , لِأَنَّهُ مَحَلّ . وَأَنْكَرَ الزَّجَّاج هَذَا وَقَالَ : هُوَ مِمَّا لَا نَعْرِفُهُ فِي الظُّرُوف , وَلَوْ كَانَ ظَرْفًا لَمْ يَجُزْ إِسْكَان الْيَاء . وَلَكِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال مِنْ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : " يَطُوف عَلَيْهِمْ " أَيْ عَلَى الْأَبْرَار " وِلْدَان " عَالِيًا الْأَبْرَار ثِيَاب سُنْدُس ; أَيْ يَطُوف عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَال , وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الْوِلْدَان ; أَيْ " إِذَا رَأَيْتهمْ حَسِبْتهمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا " فِي حَال عُلُوّ الثِّيَاب أَبْدَانَهُمْ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : الْعَامِل فِي الْحَال إِمَّا " لَقَّاهُمْ نَضْرَة وَسُرُورًا " وَإِمَّا " جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا " قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون ظَرْفًا فَصُرِفَ . الْمَهْدَوِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْم فَاعِل ظَرْفًا ; كَقَوْلِك هُوَ نَاحِيَة مِنْ الدَّار , وَعَلَى أَنَّ عَالِيًا لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى فَوْق أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فَجُعِلَ ظَرْفًا . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم " خُضْر " بِالْجَرِّ عَلَى نَعْت السُّنْدُس " وَإِسْتَبْرَق " بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلَى الثِّيَاب , وَمَعْنَاهُ عَالِيهمْ [ ثِيَاب ] سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب " خُضْر " رَفْعًا نَعْتًا لِلثِّيَابِ " وَإِسْتَبْرَق " بِالْخَفْضِ نَعْتًا لِلسُّنْدُسِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم لِجَوْدَةِ مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ الْخُضْر أَحْسَن مَا كَانَتْ نَعْتًا لِلثِّيَابِ فَهِيَ مَرْفُوعَة , وَأَحْسَن مَا عُطِفَ الْإِسْتَبْرَق عَلَى السُّنْدُس عَطْف جِنْس عَلَى جِنْس , وَالْمَعْنَى : عَالِيهمْ ثِيَاب خُضْر مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق , أَيْ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ . وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَيَكُون " خُضْر " نَعْتًا لِلثِّيَابِ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ الْجَمْع " وَإِسْتَبْرَق " عَطْفًا عَلَى الثِّيَاب . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَابْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ كِلَاهُمَا بِالْخَفْضِ وَيَكُون قَوْله : " خُضْر " نَعْتًا لِلسُّنْدُسِ , وَالسُّنْدُس اِسْم جِنْس , وَأَجَازَ الْأَخْفَش وَصْف اِسْم الْجِنْس بِالْجَمْعِ عَلَى اِسْتِقْبَاح لَهُ ; وَتَقُول : أَهْلَكَ النَّاس الدِّينَار الصُّفْر وَالدِّرْهَم الْبِيض ; وَلَكِنَّهُ مُسْتَبْعَد فِي الْكَلَام . وَالْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : عَالِيهمْ ثِيَاب سُنْدُس خُضْر وَثِيَاب إِسْتَبْرَق . وَكُلّهمْ صَرَفَ الْإِسْتَبْرَق , إِلَّا اِبْن مُحَيْصِن , فَإِنَّهُ فَتَحَهُ وَلَمْ يَصْرِفْهُ فَقَرَأَ " وَإِسْتَبْرَق " نَصْبًا فِي مَوْضِع الْجَرّ , عَلَى مَنْع الصَّرْف , لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ , وَهُوَ غَلَط ; لِأَنَّهُ نَكِرَة يَدْخُلُهُ حَرْف التَّعْرِيف ; تَقُول الْإِسْتَبْرَق إِلَّا أَنْ يَزْعُم [ اِبْن مُحَيْصِن ] أَنَّهُ قَدْ يُجْعَل عَلَمًا لِهَذَا الضَّرْب مِنْ الثِّيَاب . وَقُرِئَ " وَاسْتَبْرَق " بِوَصْلِ الْهَمْزَة وَالْفَتْح عَلَى أَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْتَفْعَلَ مِنْ الْبَرِيق , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا , لِأَنَّهُ مُعَرَّب مَشْهُور تَعْرِيبه , وَأَنَّ أَصْله اِسْتَبْرَك وَالسُّنْدُس : مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاج . وَالْإِسْتَبْرَق : مَا غَلُظَ مِنْهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . " وَحُلُّوا " عَطْف عَلَى " وَيَطُوف " . " أَسَاوِر مِنْ فِضَّة " وَفِي سُورَة فَاطِر " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب " وَفِي سُورَة الْحَجّ " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا " [ الْحَجّ : 23 ] , فَقِيلَ : حُلِيّ الرَّجُل الْفِضَّة وَحُلِيّ الْمَرْأَة الذَّهَب . وَقِيلَ : تَارَة يَلْبَسُونَ الذَّهَب وَتَارَة يَلْبَسُونَ الْفِضَّة . وَقِيلَ : يُجْمَع فِي يَد أَحَدِهِمْ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَب وَسِوَارَانِ مِنْ فِضَّة وَسِوَارَانِ مِنْ لُؤْلُؤ , لِيَجْتَمِع لَهُمْ مَحَاسِن الْجَنَّة ; قَالَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَقِيلَ : أَيْ لِكُلِّ قَوْم مَا تَمِيل إِلَيْهِ نُفُوسهمْ . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " قَالَ : إِذَا تَوَجَّهَ أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة مَرُّوا بِشَجَرَةٍ يَخْرُج مِنْ تَحْت سَاقِهَا عَيْنَانِ , فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا , فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ بِنَضْرَةِ النَّعِيم , فَلَا تَتَغَيَّر أَبْشَارُهُمْ , وَلَا تَتَشَعَّث أَشْعَارُهُمْ أَبَدًا , ثُمَّ يَشْرَبُونَ مِنْ الْأُخْرَى , فَيَخْرُج مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ الْأَذَى , ثُمَّ تَسْتَقْبِلهُمْ خَزَنَة الْجَنَّة فَيَقُولُونَ لَهُمْ : " سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ " [ الزُّمَر : 73 ] . وَقَالَ النَّخَعِيّ وَأَبُو قِلَابَة : هُوَ إِذَا شَرِبُوهُ بَعْد أَكْلهمْ طَهَّرَهُمْ , وَصَارَ مَا أَكَلُوهُ وَمَا شَرِبُوهُ رَشْح مِسْك , وَضَمُرَتْ بُطُونهمْ . وَقَالَ مُقَاتِل : هُوَ مِنْ عَيْن مَاء عَلَى بَاب الْجَنَّة , تَنْبُع مِنْ سَاق شَجَرَة , مَنْ شَرِبَ مِنْهَا نَزَعَ اللَّه مَا كَانَ فِي قَلْبه مِنْ غِلّ وَغِشّ وَحَسَد , وَمَا كَانَ فِي جَوْفِهِ مِنْ أَذًى وَقَذَر . وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ , إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْل مُقَاتِل عَيْن وَاحِدَة وَعَلَيْهِ فَيَكُون فَعُولًا لِلْمُبَالَغَةِ , وَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة لِلْحَنَفِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّاهِر . وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي سُورَة " الْفُرْقَان " وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ طَيِّب الْجَمَّال : صَلَّيْت خَلْف سَهْل بْن عَبْد اللَّه الْعَتَمَة فَقَرَأَ " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " وَجَعَلَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ وَفَمه , كَأَنَّهُ يَمُصّ شَيْئًا , فَلَمَّا فَرَغَ قِيلَ لَهُ : أَتَشْرَبُ أَمْ تَقْرَأ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ لَمْ أَجِد لَذَّتَهُ عِنْد قِرَاءَته كَلَذَّتِهِ عِنْد شُرْبه مَا قَرَأْته .

غريب الآية
عَـٰلِیَهُمۡ ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡروَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوۤا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا ﴿٢١﴾
عَـٰلِیَهُمۡيَعْلُوهُم ويُجَمِّلُ أَبْدَانَهُم.
ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡرثِيابٌ بطائِنُها مِنَ الحريرِ الرَّقِيقِ الأخْضَرِ.
وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖوَظاهِرُها مِنَ الحريرِ الغلِيظِ.
وَحُلُّوۤا۟وأُلْبِسُوا للزِّينَةِ.
أَسَاوِرَجَمْعُ سِوارٍ، وهو ما يُلْبسُ في المِعْصَمِ مِنَ الحُليِّ.
طَهُورًالا رِجْسَ فِيهِ ولا دَنَسَ.
الإعراب
(عَالِيَهُمْ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ثِيَابُ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(سُنْدُسٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(خُضْرٌ)
نَعْتٌ لِـ(ثِيَابٌ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَإِسْتَبْرَقٌ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِسْتَبْرَقٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى (ثِيَابٌ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَحُلُّوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(حُلُّوا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ.
(أَسَاوِرَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(فِضَّةٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ لِـ(أَسَاوِرَ) :.
(وَسَقَاهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(سَقَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ.
(رَبُّهُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(شَرَابًا)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(طَهُورًا)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.