سورة القيامة الآية ٢٣
سورة القيامة الآية ٢٣
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ ﴿٢٣﴾
تفسير السعدي
ترى خالقها ومالك أمرها, فتمتع بذلك.
التفسير الميسر
وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة ناعمة، ترى خالقها ومالك أمرها، فتتمتع بذلك.
تفسير الجلالين
"إلَى رَبّهَا نَاظِرَة" أَيْ يَرَوْنَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الْآخِرَة
تفسير ابن كثير
أَيْ تَرَاهُ عِيَانًا كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي صَحِيحه " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ عِيَانًا " وَقَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَة الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّار الْآخِرَة فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح مِنْ طُرُق مُتَوَاتِرَة عِنْد أَئِمَّة الْحَدِيث لَا يُمْكِن دَفْعهَا وَلَا مَنْعهَا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ نَاسًا قَالُوا يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَرَى رَبّنَا يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَقَالَ" هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس وَالْقَمَر لَيْسَ دُونهمَا سَحَاب ؟ " قَالُوا لَا قَالَ " فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبّكُمْ كَذَلِكَ" . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِير قَالَ نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ" إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَلَا قَبْل غُرُوبهَا فَافْعَلُوا " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَب آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه فِي جَنَّة عَدْن " . وَفِي أَفْرَاد مُسْلِم عَنْ صُهَيْب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة قَالَ : يَقُول اللَّه تَعَالَى : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّض وُجُوهنَا ؟ أَلَمْ تُدْخِلنَا الْجَنَّة وَتُنْجِينَا مِنْ النَّار ؟ قَالَ فَيَكْشِف الْحِجَاب فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر إِلَى رَبّهمْ وَهِيَ الزِّيَادَة " ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " . وَفِي أَفْرَاد مُسْلِم عَنْ جَابِر فِي حَدِيثه" إِنَّ اللَّه يَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ يَضْحَك " يَعْنِي فِي عَرَصَات الْقِيَامَة فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْعَرَصَات وَفِي رَوْضَات الْجَنَّات وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن أَبْجَر حَدَّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي فَاخِتَة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة لَيَنْظُر فِي مُلْكه أَلْفَيْ سَنَة يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ يَنْظُر إِلَى أَزْوَاجه وَخَدَمه وَإِنَّ أَفْضَلهمْ مَنْزِلَة لَيَنْظُر إِلَى وَجْه اللَّه كُلّ يَوْم مَرَّتَيْنِ " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد بْن حُمَيْد عَنْ شَبَابَة عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ نُوَيْر قَالَ سَمِعْت اِبْن عُمَر فَذَكَرَهُ قَالَ : وَرَوَاهُ عَبْد الْمَلِك بْن أَبْجَر عَنْ نُوَيْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النُّورِيّ عَنْ نُوَيْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَمْرو لَمْ يَرْفَعهُ وَلَوْلَا خَشْيَة الْإِطَالَة لَأَوْرَدْنَا الْأَحَادِيث بِطُرُقِهَا وَأَلْفَاظهَا مِنْ الصِّحَاح وَالْحِسَان وَالْمَسَانِيد وَالسُّنَن وَلَكِنْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا التَّفْسِير وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّه مُجْمَع عَلَيْهِ بَيْن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَسَلَف هَذِهِ الْأُمَّة كَمَا هُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن أَئِمَّة الْإِسْلَام وَهُدَاة الْأَنَام وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِإِلَى مُفْرَد الْآلَاء وَهِيَ النِّعَم كَمَا قَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد " إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " قَالَ تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ مُجَاهِد وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِح أَيْضًا فَقَدْ أَبْعَد هَذَا النَّاظِر النُّجْعَة وَأَبْطَلَ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَأَيْنَ هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى " كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : مَا حَجَبَ الْفُجَّار إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْأَبْرَار يَرَوْنَهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْآيَة الْكَرِيمَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى " إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا الْمُبَارَك عَنْ الْحَسَن " وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة" قَالَ حَسَنَة " إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " قَالَ تَنْظُر إِلَى الْخَالِق وَحُقّ لَهَا أَنْ تَنْضُر وَهِيَ تَنْظُر إِلَى الْخَالِق .
تفسير القرطبي
مِنْ النَّظَر أَيْ تَنْظُر إِلَى رَبّهَا ; عَلَى هَذَا جُمْهُور الْعُلَمَاء . وَفِي الْبَاب حَدِيث صُهَيْب خَرَّجَهُ مُسْلِم وَقَدْ مَضَى فِي " يُونُس " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " [ يُونُس : 26 ] . وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقُول : أَكْرَم أَهْل الْجَنَّة عَلَى اللَّه مَنْ يَنْظُر إِلَى وَجْهه غَدْوَة وَعَشِيَّة ; ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : " وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة . إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " وَرَوَى يَزِيد النَّحْوِيّ عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : تَنْظُر إِلَى رَبّهَا نَظَرًا . وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : نُضِّرَتْ وُجُوههمْ وَنَظَرُوا إِلَى رَبّهمْ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّظَرَ هُنَا اِنْتِظَار مَا لَهُمْ عِنْدَ اللَّه مِنْ الثَّوَاب . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَرَ وَمُجَاهِد . وَقَالَ عِكْرِمَة : تَنْتَظِر أَمْر رَبّهَا . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن عُمَر وَعِكْرِمَة أَيْضًا . وَلَيْسَ مَعْرُوفًا إِلَّا عَنْ مُجَاهِد وَحْده . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَارَ " [ الْأَنْعَام : 103 ] وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف جِدًّا , خَارِج عَنْ مُقْتَضَى ظَاهِر الْآيَة وَالْأَخْبَار . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُر إِلَى جِنَانه وَأَزْوَاجه وَخَدَمه وَسُرُره مَسِيرَة أَلْف سَنَة وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّه مَنْ يَنْظُر إِلَى وَجْهه غَدْوَة وَعَشِيَّة ) ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وُجُوه يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة . إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " قَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَمْرو وَلَمْ يَرْفَعهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا , وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَب آنِيَتهمَا وَمَا فِيهِمَا , وَمَا بَيْنَ الْقَوْم وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ جَلَّ وَعَزَّ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه فِي جَنَّة عَدْن ) . وَرَوَى جَرِير بْن عَبْد اللَّه قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسًا , فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَر لَيْلَةَ الْبَدْر فَقَالَ : ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ , لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته , فَإِنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْلَ غُرُوبهَا فَافْعَلُوا ) . ثُمَّ قَرَأَ " وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك قَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقَبْلَ الْغُرُوب " مُتَّفَق عَلَيْهِ . وَخَرَّجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَكُلّنَا يَرَى رَبَّهُ ؟ قَالَ اِبْن مُعَاذ : مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة ؟ قَالَ : ( نَعَمْ يَا أَبَا رَزِين ) قَالَ : وَمَا آيَة ذَلِكَ فِي خَلْقه ؟ قَالَ : ( يَا أَبَا رَزِين أَلَيْسَ كُلّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ ) قَالَ اِبْن مُعَاذ : لَيْلَة الْبَدْر مُخْلِيًا بِهِ . قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : ( فَاَللَّه أَعْظَم ) [ قَالَ اِبْن مُعَاذ قَالَ ] : ( فَإِنَّمَا هُوَ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه - يَعْنِي الْقَمَر - فَاَللَّه أَجَلّ وَأَعْظَم ) . وَفِي كِتَاب النَّسَائِيّ عَنْ صُهَيْب قَالَ : ( فَيُكْشَف الْحِجَاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ , فَوَاَللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ اللَّه شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر , وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ ) وَفِي التَّفْسِير لِأَبِي إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ عَنْ الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَجَلَّى رَبّنَا عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهه , فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا , فَيَقُول اِرْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَلَيْسَ هَذَا بِيَوْمِ عِبَادَة ) قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَقَوْل مُجَاهِد إِنَّهَا بِمَعْنَى تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبّهَا وَلَا يَرَاهُ شَيْء مِنْ خَلْقه , فَتَأْوِيل مَدْخُول , لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتْ بِالنَّظَرِ الِانْتِظَار قَالُوا نَظَرْته ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ " [ الزُّخْرُف : 66 ] , " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ " [ الْأَعْرَاف : 53 ] , وَ " مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً " [ يس : 49 ] وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ التَّفَكُّرَ وَالتَّدَبُّر قَالُوا : نَظَرْت فِيهِ , فَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّظَر مَقْرُونًا بِذِكْرِ إِلَى , وَذِكْر الْوَجْه فَلَا يَكُون إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَة وَالْعِيَان . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : إِنَّ قَوْلَ مُجَاهِد تَنْتَظِر ثَوَابَ رَبّهَا خَطَأ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَال نَظَرَ إِلَى كَذَا بِمَعْنَى الِانْتِظَار , وَإِنَّ قَوْل الْقَائِل : نَظَرْت إِلَى فُلَان لَيْسَ إِلَّا رُؤْيَة عَيْن , كَذَلِكَ تَقُولهُ الْعَرَب ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نَظَرْت إِلَيْهِ : إِذَا أَرَادُوا نَظَرَ الْعَيْن , فَإِذَا أَرَادُوا الِانْتِظَار قَالُوا نَظَرْته ; قَالَ : فَإِنَّكُمَا إِنْ تَنْظُرَانِي سَاعَة مِنْ الدَّهْر تَنْفَعنِي لَدَى أُمّ جُنْدُب لَمَّا أَرَادَ الِانْتِظَارَ قَالَ تَنْظُرَانِي , وَلَمْ يَقُلْ تَنْظُرَانِ إِلَيَّ ; وَإِذَا أَرَادُوا نَظَرَ الْعَيْن قَالُوا : نَظَرْت إِلَيْهِ ; قَالَ : نَظَرْت إِلَيْهَا وَالنُّجُوم كَأَنَّهَا مَصَابِيح رُهْبَان تُشَبّ لِقُفَّالِ وَقَالَ آخَر : نَظَرْت إِلَيْهَا بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى وَلِي نَظَر لَوْلَا التَّحَرُّج عَارِم وَقَالَ آخَر : إِنِّي إِلَيْك لِمَا وَعَدْت لَنَاظِرٌ نَظَرَ الْفَقِير إِلَى الْغَنِيّ الْمُوسِر أَيْ إِنِّي أَنْظُر إِلَيْك بِذُلٍّ ; لِأَنَّ نَظَرَ الذُّلّ وَالْخُضُوع أَرَقّ لِقَلْبِ الْمَسْئُول ; فَأَمَّا مَا اِسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَارَ " [ الْأَنْعَام : 103 ] فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي مَوْضِعه مُسْتَوْفًى . وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّه لَا تُحِيط أَبْصَارهمْ بِهِ مِنْ عَظَمَته , وَنَظَره يُحِيط بِهَا ; يَدُلّ عَلَيْهِ : " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَارَ " [ الْأَنْعَام : 103 ] قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَقِيلَ : " إِلًى " وَاحِد الْآلَاء : أَيْ نِعَمه مُنْتَظَرَة وَهَذَا أَيْضًا بَاطِل ; لِأَنَّ وَاحِدَ الْآلَاء يُكْتَب بِالْأَلِفِ لَا بِالْيَاءِ , ثُمَّ الْآلَاء : نِعَمه الدُّفَّع , وَهُمْ فِي الْجَنَّة لَا يَنْتَظِرُونَ دَفْع نِقَمه عَنْهُمْ , وَالْمُنْتَظَر لِلشَّيْءِ مُتَنَغِّص الْعَيْش , فَلَا يُوصَف أَهْل الْجَنَّة بِذَلِكَ . وَقِيلَ : أَضَافَ النَّظَرَ إِلَى الْوَجْه ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " [ الْمَائِدَة : 119 ] وَالْمَاء يَجْرِي فِي النَّهْر لَا النَّهْر . ثُمَّ قَدْ يُذْكَر الْوَجْه بِمَعْنَى الْعَيْن ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْه أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا " [ يُوسُف : 93 ] أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ . ثُمَّ لَا يَبْعُد قَلْب الْعَادَة غَدًا , حَتَّى يَخْلُق الرُّؤْيَة وَالنَّظَر فِي الْوَجْه ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهه " [ الْمُلْك : 22 ] , فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّه ! كَيْفَ يَمْشُونَ فِي النَّار عَلَى وُجُوههمْ ؟ قَالَ : ( الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامهمْ قَادِر أَنْ يُمَشِّيَهُمْ عَلَى وُجُوههمْ ) .
| إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ | تَنْظُرُ إلى خالِقِها فَتَتَمَتَّعُ بِذَلِكَ. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian