صفحات الموقع

سورة المزمل الآية ٣

سورة المزمل الآية ٣

نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا ﴿٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا حتى تصل إلى الثلث.

التفسير الميسر

يا أيها المتغطي بثيابه، قم للصلاة في الليل إلا يسيرًا منه. قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا حتى تَصِلَ إلى الثلث، أو زد على النصف حتى تصل إلى الثلثين، واقرأ القرآن بتُؤَدَة وتمهُّلٍ مبيِّنًا الحروف والوقوف.

تفسير الجلالين

"نِصْفه" بَدَل مِنْ قَلِيلًا وَقِلَّته بِالنَّظَرِ إلَى الْكُلّ "أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ" مِنْ النِّصْف "قَلِيلًا" إلَى الثُّلُث

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " نِصْفه" بَدَل مِنْ اللَّيْل " أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ" أَيْ أَمَرْنَاك أَنْ تَقُوم نِصْف اللَّيْل بِزِيَادَةٍ قَلِيلَة أَوْ نُقْصَان قَلِيل لَا حَرَج عَلَيْك فِي ذَلِكَ .

تفسير الطبري

{ نِصْفه } يَقُول : قُمْ نِصْف اللَّيْل { أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } يَقُول : أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ; خَيَّرَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره حِين فَرَضَ عَلَيْهِ قِيَام اللَّيْل بَيْن هَذِهِ الْمَنَازِل أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ , فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِيمَا ذُكِرَ يَقُومُونَ اللَّيْل , نَحْو قِيَامهمْ فِي شَهْر رَمَضَان فِيمَا ذُكِرَ حَتَّى خُفِّفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27259 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مِسْعَر , قَالَ : ثنا سِمَاك الْحَنَفِيّ , قَالَ : سَمِعْت ابْن عَبَّاس يَقُول : لَمَّا نَزَلَ أَوَّل الْمُزَّمِّل , كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامهمْ فِي رَمَضَان , وَكَانَ بَيْن أَوَّلهَا وَآخِرهَا قَرِيب مِنْ سَنَة . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , عَنْ مِسْعَر , قَالَ : ثنا سِمَاك , أَنَّهُ سَمِعَ ابْن عَبَّاس يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : نَحْوًا مِنْ قِيَامهمْ فِي شَهْر رَمَضَان . 27260 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن حَيَّان , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن طَحْلَاء مَوْلَى أُمّ سَلَمَة , عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كُنْت أَجْعَل لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْل , فَتَسَامَعَ بِهِ النَّاس , فَاجْتَمَعُوا , فَخَرَجَ كَالْمُغْضَبِ , وَكَانَ بِهِمْ رَحِيمًا , فَخَشِيَ أَنْ يُكْتَب عَلَيْهِمْ قِيَام اللَّيْل , فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَال مَا تُطِيقُونَ , فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ مِنْ الثَّوَاب حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَل وَخَيْر الْأَعْمَال مَا دُمْتُمْ عَلَيْهِ " وَنَزَلَ الْقُرْآن : { يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل قُمِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا نِصْفه أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } حَتَّى كَانَ الرَّجُل يَرْبِط الْحَبْل وَيَتَعَلَّق , فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمَانِيَة أَشْهُر , فَرَأَى اللَّه مَا يَبْتَغُونَ مِنْ رِضْوَانه فَرَحِمَهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَة وَتَرَكَ قِيَام اللَّيْل . * -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة الْحِمْيَرِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن طَحْلَاء ; عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كُنْت أَشْتَرِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا , فَكَانَ يَقُوم عَلَيْهِ مِنْ أَوَّل اللَّيْل , فَتَسْمَع النَّاس بِصَلَاتِهِ , فَاجْتَمَعَتْ جَمَاعَة مِنَ النَّاس ; فَلَمَّا رَأَى اجْتِمَاعهمْ كَرِهَ ذَلِكَ , فَخَشِيَ أَنْ يُكْتَب عَلَيْهِمْ , فَدَخَلَ الْبَيْت كَالْمُغْضَبِ , فَجَعَلُوا يَتَنَحْنَحُونَ وَيَتَسَعَّلُونَ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِمْ , فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ حَتَّى تَمَلُّوا -يَعْنِي مِنَ الثَّوَاب - فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَل مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ خَيْر الْعَمَل أَدْوَمه وَإِنْ قَلَّ " وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ : { يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل قُمِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا } السُّورَة قَالَ : فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ , وَأُنْزِلَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَرِيضَة حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدهمْ لَيَرْبِط الْحَبْل فَيَتَعَلَّق بِهِ ; فَلَمَّا رَأَى اللَّه مَا يَكْلَفُونَ مِمَّا يَبْتَغُونَ بِهِ وَجْه اللَّه وَرِضَاهُ , وَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ , فَقَالَ : { إِنَّ رَبّك يَعْلَم أَنَّك تَقُوم أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْل وَنِصْفه } . .. إِلَى { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَة , وَوَضَعَ عَنْهُمْ النَّافِلَة , إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ . 27261 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { قُمِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا نِصْفه أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآن تَرْتِيلًا } فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه وَالْمُؤْمِنِينَ بِقِيَامِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ فَرَحِمَهُمْ , وَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد هَذَا : { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْض } . .. إِلَى قَوْله { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فَوَسَّعَ اللَّه وَلَهُ الْحَمْد , وَلَمْ يُضَيِّق . 27262 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه : { يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل } قَالَ : مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَال عَشْر سِنِينَ يَقُوم اللَّيْل كَمَا أَمَرَهُ اللَّه , وَكَانَتْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه يَقُومُونَ مَعَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ بَعْد عَشْر سِنِينَ : { إِنَّ رَبّك يَعْلَم أَنَّك تَقُوم أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْل وَنِصْفه وَطَائِفَة مِنَ الَّذِينَ مَعَك } . .. إِلَى قَوْله : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } فَخَفَّ اللَّه عَنْهُمْ بَعْد عَشْر سِنِينَ . 27263 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح عَنِ الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن , قَالَا : قَالَ فِي سُورَة الْمُزَّمِّل { قُمِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا نِصْفه أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآن تَرْتِيلًا } نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِيهَا : { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن }. 27264 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قُمِ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا } قَامُوا حَوْلًا أَوْ حَوْلَيْنِ حَتَّى انْتَفَخَتْ سُوقهمْ وَأَقْدَامهمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَخْفِيفًا بَعْد فِي آخِر السُّورَة . 27265 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , . قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَيْس بْن وَهْب , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل } قَامُوا بِهَا حَوْلًا حَتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامهمْ وَسُوقهمْ حَتَّى نَزَلَتْ : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فَاسْتَرَاحَ النَّاس . 27266 - قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَرِير بَيَّاع الْمُلَاء عَنِ الْحَسَن , قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ تَطَوُّع بَعْد فَرِيضَة . 27267 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن , قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ { يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل } . .. الْآيَة , قَامَ الْمُسْلِمُونَ حَوْلًا , فَمِنْهُمْ مَنْ أَطَاقَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُطِقْهُ , حَتَّى نَزَلَتْ الرُّخْصَة . * - قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَ أَوَّل الْمُزَّمِّل كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامهمْ فِي شَهْر رَمَضَان , وَكَانَ بَيْن أَوَّلهَا وَآخِرهَا نَحْو مِنْ سَنَة .

تفسير القرطبي

فَكَانَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا إِذْ لَمْ يَكُنْ زَمَان الْقِيَام مَحْدُودًا , فَقَامَ النَّاس حَتَّى وَرَمَتْ أَقْدَامهمْ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] . وَقَالَ الْأَخْفَش : " نِصْفه " أَيْ أَوْ نِصْفه ; يُقَال : أَعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلَاثَة : يُرِيد : أَوْ دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة . ‎وَقَالَ الزَّجَّاج : " نِصْفه " بَدَل مِنْ اللَّيْل و " إِلَّا قَلِيلًا " اِسْتِثْنَاء مِنْ النِّصْف . وَالضَّمِير فِي " مِنْهُ " و " عَلَيْهِ " لِلنِّصْفِ . الْمَعْنَى : قُمْ نِصْف اللَّيْل أَوْ اُنْقُصْ مِنْ النِّصْف قَلِيلًا إِلَى الثُّلُث أَوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا إِلَى الثُّلُثَيْنِ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : قُمْ ثُلُثَيْ اللَّيْل أَوْ نِصْفه أَوْ ثُلُثه . وَقِيلَ : إِنَّ " نِصْفه " بَدَل مِنْ قَوْله : " قَلِيلًا " وَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاث : بَيْنَ قِيَام النِّصْف بِتَمَامِهِ , وَبَيْنَ النَّاقِص مِنْهُ , وَبَيْنَ قِيَام الزَّائِد عَلَيْهِ ; كَأَنَّ تَقْدِير الْكَلَام : قُمْ اللَّيْل إِلَّا نِصْفه , أَوْ أَقَلّ مِنْ نِصْفه , أَوْ أَكْثَر مِنْ نِصْفه . ‎وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَنْزِل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كُلّ لَيْلَة حِينَ يَمْضِي ثُلُث اللَّيْل الْأَوَّل , فَيَقُول أَنَا الْمَلِك أَنَا الْمَلِك مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيب لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلنِي فَأُعْطِيه مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِر لَهُ , فَلَا يَزَال كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيء الْفَجْر ) . وَنَحْوه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد جَمِيعًا وَهُوَ يَدُلّ عَلَى تَرْغِيب قِيَام ثُلُثَيْ اللَّيْل . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا مَضَى شَطْر اللَّيْل - أَوْ ثُلُثَاهُ - يَنْزِل اللَّه . .. ) الْحَدِيث . رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة هَكَذَا عَلَى الشَّكّ . وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَاب النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَا : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُمْهِل حَتَّى يَمْضِيَ شَطْر اللَّيْل الْأَوَّل , ثُمَّ يَأْمُر مُنَادِيًا يَقُول : هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَاب لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر يُغْفَر لَهُ ؟ هَلْ مِنْ سَائِل يُعْطَى ؟ ) صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ ; فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيث مَعَ صِحَّته مَعْنَى النُّزُول , وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُون عِنْد نِصْف اللَّيْل . وَخَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن شِهَاب , عَنْ أَبِي سَلَمَة وَأَبِي عَبْد اللَّه الْأَغَرّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَنْزِل رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل الْآخِر كُلّ لَيْلَة فَيَقُول مَنْ يَسْأَلنِي فَأُعْطِيه ؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيب لَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِر لَهُ ؟ حَتَّى يَطْلُع الْفَجْر ) . فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ صَلَاة آخِر اللَّيْل عَلَى أَوَّلِهِ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَبِهَذَا التَّرْتِيب اِنْتَظَمَ الْحَدِيث وَالْقُرْآن , فَإِنَّهُمَا يُبْصَرَانِ مِنْ مِشْكَاة وَاحِدَة . وَفِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس : بِتّ عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة حَتَّى إِذَا اِنْتَصَفَ اللَّيْل أَوْ قَبْله بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْده بِقَلِيلٍ , اِسْتَيْقَظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَامَ إِلَى شَنّ مُعَلَّق فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا . وَذَكَرَ الْحَدِيث . ‎اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي النَّاسِخ لِلْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْل ; فَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة أَنَّ النَّاسِخ لِلْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْل قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ رَبّك يَعْلَم أَنَّك تَقُوم أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] إِلَى آخِر السُّورَة . وَقِيلَ قَوْله تَعَالَى : " عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : هُوَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] . وَعَنْ عَائِشَة أَيْضًا وَالشَّافِعِيّ وَمُقَاتِل وَابْن كَيْسَان : هُوَ مَنْسُوخ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس . وَقِيلَ النَّاسِخ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] . قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ : لَمَّا نَزَلَتْ : " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل " قَامُوا حَتَّى وَرَمَتْ أَقْدَامهمْ وَسُوقهمْ , ثُمَّ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَهُوَ فَرْض نُسِخَ بِهِ فَرْض , كَانَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة لِفَضْلِهِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَك " [ الْإِسْرَاء : 79 ] . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل يَعُمّ جَمِيع هَذِهِ الْأَقْوَال , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَأَقِيمُوا الصَّلَاة " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] فَدَخَلَ فِيهَا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ النَّاسِخ الصَّلَوَات الْخَمْس . وَقَدْ ذَهَبَ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ إِلَى أَنَّ صَلَاة اللَّيْل فَرِيضَة عَلَى كُلّ مُسْلِم وَلَوْ عَلَى قَدْر حَلْب شَاة . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : الْحَمْد لِلَّهِ تَطَوُّع بَعْد الْفَرِيضَة . وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; لِمَا جَاءَ فِي قِيَامه مِنْ التَّرْغِيب وَالْفَضْل فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كُنْت أَجْعَل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْل , فَتَسَامَعَ النَّاس بِهِ , فَلَمَّا رَأَى جَمَاعَتهمْ كَرِهَ ذَلِكَ , وَخَشِيَ أَنْ يُكْتَب عَلَيْهِمْ قِيَام اللَّيْل , فَدَخَلَ الْبَيْت كَالْمُغْضَبِ , فَجَعَلُوا يَتَنَحْنَحُونَ وَيَتْفُلُونَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَيّهَا النَّاس اِكْلَفُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا تُطِيقُونَ , فَإِنَّ اللَّه لَا يَمَلّ مِنْ الثَّوَاب , حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَل , وَإِنَّ خَيْر الْعَمَل أَدْوَمه وَإِنْ قَلَّ ) . فَنَزَلَتْ : " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل " فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ , فَأُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرِيضَة , حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدهمْ لَيَرْبِط الْحَبْل فَيَتَعَلَّق بِهِ , فَمَكَثُوا ثَمَانِيَة أَشْهُر , فَرَحِمَهُمْ اللَّه وَأَنْزَلَ : " إِنَّ رَبّك يَعْلَم أَنَّك تَقُوم أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] فَرَدَّهُمْ اللَّه إِلَى الْفَرِيضَة , وَوَضَعَ عَنْهُمْ قِيَام اللَّيْل إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ . قُلْت : حَدِيث عَائِشَة هَذَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ , وَمَعْنَاهُ ثَابِت فِي الصَّحِيح إِلَى قَوْله : ( وَإِنْ قَلَّ ) وَبَاقِيه يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل " نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ مَكَثُوا ثَمَانِيَة أَشْهُر يَقُومُونَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهَا فِي صَحِيح مُسْلِم : حَوْلًا . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَنْهَا قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا , لَمْ يَذْكُر غَيْره عَنْهَا . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَوَّل الْمُزَّمِّل وَآخِرهَا سَنَة ; قَالَ : فَأَمَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ . وَفِي نُسْخَة عَنْهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ كَانَ فَرَضَهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى . الثَّانِي أَنَّهُ نُسِخَ عَنْهُ كَمَا نُسِخَ عَنْ أُمَّته . وَفِي مُدَّة فَرْضه إِلَى أَنْ نُسِخَ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : الْمُدَّة الْمَفْرُوضَة عَلَى أُمَّته فِي الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ , يُرِيد قَوْل اِبْن عَبَّاس حَوْلًا , وَقَوْل عَائِشَة سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا . الثَّانِي : أَنَّهَا عَشْر سِنِينَ إِلَى أَنْ خُفِّفَ عَنْهُ بِالنَّسْخِ زِيَادَة فِي التَّكْلِيف , لِيُمَيِّزهُ بِفِعْلِ الرِّسَالَة ; قَالَهُ اِبْن جُبَيْر . قُلْت : هَذَا خِلَاف مَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر حَسْب مَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ . وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة زِيَادَة بَيَان فِي آخِر السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

غريب الآية
نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا ﴿٣﴾
نِّصۡفَهُۥۤ قُمْ نِصْفَ الليلِ.
أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًاأوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلا حتَّى تَصِلَ إلى الثُلُثِّ.
الإعراب
(نِصْفَهُ)
بَدَلٌ مِنْ (اللَّيْلَ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَوِ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(انْقُصْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قَلِيلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.