سورة المجادلة الآية ٢٢
سورة المجادلة الآية ٢٢
لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٢٢﴾
تفسير السعدي
لا تجد- يا محمد- قوما يصدقون بالله واليوم الآخر , ويعملون بما شرع الله لهم, يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وخالف أمرهما, ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو أقرباءهم , أولئك الموالون في الله والمعاندون فيه كتب في قلوبهم الإيمان, وقواهم بنصر منه وتأييد على عدوهم في الدنيا , ويدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار, ماكثين فيها زمانا ممتدا لا ينقطع , أحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم, ورضوا عن ربهم بما أعطاهم من الكرامات يرفع الدرجات, أولئك حزب الله وأولياؤه, وأولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.
التفسير الميسر
لا تجد -أيها الرسول- قومًا يصدِّقون بالله واليوم الآخر، ويعملون بما شرع الله لهم، يحبون ويوالون مَن عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو أقرباءهم، أولئك الموالون في الله والمعادون فيه ثَبَّتَ في قلوبهم الإيمان، وقوَّاهم بنصر منه وتأييد على عدوهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، ماكثين فيها زمانًا ممتدًا لا ينقطع، أحلَّ الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم، ورضوا عن ربهم بما أعطاهم من الكرامات ورفيع الدرجات، أولئك حزب الله وأولياؤه، وأولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.
تفسير الجلالين
"لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ" يُصَادِقُونَ "مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله وَلَوْ كَانُوا" أَيْ الْمُحَادُّونَ "آبَاءَهُمْ" أَيْ الْمُؤْمِنِينَ "أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانهمْ أَوْ عَشِيرَتهمْ" بَلْ يَقْصِدُونَهُمْ بِالسُّوءِ وَيُقَاتِلُونَهُمْ عَلَى الْإِيمَان كَمَا وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ "أُولَئِكَ" الَّذِينَ لَا يُوَادُّونَهُمْ "كَتَبَ" أَثْبَتَ "فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ" بِنُورٍ "مِنْهُ" تَعَالَى "وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ" بِطَاعَتِهِ "وَرَضُوا عَنْهُ" بِثَوَابِهِ "أُولَئِكَ حِزْب اللَّه" يَتَّبِعُونَ أَمْره وَيَجْتَنِبُونَ نَهْيه "أَلَا إنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ" الْفَائِزُونَ
تفسير ابن كثير
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ مَنْ حَادّ اللَّه وَرَسُوله وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانهمْ أَوْ عَشِيرَتهمْ" أَيْ لَا يُوَادُّونَ الْمُحَادِّينَ وَلَوْ كَانُوا مِنْ الْأَقْرَبِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " لَا يَتَّخِذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّه فِي شَيْء إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة وَيُحَذِّركُمْ اللَّه نَفْسه " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانكُمْ وَأَزْوَاجكُمْ وَعَشِيرَتكُمْ وَأَمْوَال اِقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادهَا وَمَسَاكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّه وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبِيله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ " وَقَدْ قَالَ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز وَغَيْره أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة" لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " إِلَى آخِرهَا فِي أَبِي عُبَيْدَة عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الْجَرَّاح حِين قَتَلَ أَبَاهُ يَوْم بَدْر وَلِهَذَا قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين جَعَلَ الْأَمْر شُورَى بَعْده فِي أُولَئِكَ السِّتَّة وَلَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَة حَيًّا لَاسْتَخْلَفْته وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ " نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْده قَتَلَ أَبَاهُ يَوْم بَدْر " أَوْ أَبْنَاءَهُمْ " فِي الصِّدِّيق هُمْ يَوْمئِذٍ بِقَتْلِ اِبْنه عَبْد الرَّحْمَن " أَوْ إِخْوَانهمْ" فِي مُصْعَب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَوْمئِذٍ" أَوْ عَشِيرَتهمْ " فِي عُمَر قَتَلَ قَرِيبًا لَهُ يَوْمئِذٍ أَيْضًا وَفِي حَمْزَة وَعَلِيّ وَعُبَيْدَة بْن الْحَارِث قَتَلُوا عُتْبَة وَشَيْبَة وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة يَوْمئِذٍ فَاَللَّه أَعْلَم " قُلْت" وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل حِين اِسْتَشَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسَارَى بَدْر فَأَشَارَ الصِّدِّيق بِأَنْ يُفَادُوا فَيَكُون مَا يُؤْخَذ مِنْهُمْ قُوَّة لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بَنُو الْعَمّ وَالْعَشِيرَة وَلَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ عُمَر لَا أَرَى مَا رَأَى يَا رَسُول اللَّه هَلْ تُمَكِّننِي مِنْ فُلَان قَرِيب لِعُمَر فَأَقْتُلهُ وَتُمَكِّن عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ وَتُمَكِّن فُلَانًا مِنْ فُلَان لِيَعْلَم اللَّه أَنَّهُ لَيْسَتْ فِي قُلُوبنَا مُوَادَّة لِلْمُشْرِكِينَ الْقِصَّة بِكَمَالِهَا. وَقَوْله تَعَالَى " أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " أَيْ مَنْ اِتَّصَفَ بِأَنَّهُ لَا يُوَادّ مَنْ حَادّ اللَّه وَرَسُوله وَلَوْ كَانَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ فَهَذَا مِمَّنْ كَتَبَ اللَّه فِي قَلْبه الْإِيمَان أَيْ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَة وَقَرَّرَهَا فِي قَلْبه وَزَيَّنَ الْإِيمَان فِي بَصِيرَته قَالَ السُّدِّيّ " كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان " جَعَلَ فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان وَقَالَ اِبْن عَبَّاس " وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " أَيْ قَوَّاهُمْ . وَقَوْله تَعَالَى " وَيُدْخِلهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " كُلّ هَذَا تَقَدَّمَ تَفْسِيره غَيْر مَرَّة وَفِي قَوْله تَعَالَى " رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ " سِرّ بَدِيع وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا سَخِطُوا عَلَى الْقَرَائِب وَالْعَشَائِر فِي اللَّه تَعَالَى عَوَّضَهُمْ اللَّه بِالرِّضَا عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ عَنْهُ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ النَّعِيم الْمُقِيم وَالْفَوْز الْعَظِيم وَالْفَضْل الْعَمِيم وَقَوْله تَعَالَى" أُولَئِكَ حِزْب اللَّه أَلَا إِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ" أَيْ هَؤُلَاءِ حِزْب اللَّه أَيْ عِبَاد اللَّه وَأَهْل كَرَامَته وَقَوْله تَعَالَى " أَلَا إِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ " تَنْوِيه بِفَلَاحِهِمْ وَسَعَادَتهمْ وَنُصْرَتهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي مُقَابَلَة مَا ذُكِرَ عَنْ أُولَئِكَ بِأَنَّهُمْ حِزْب الشَّيْطَان ثُمَّ قَالَ " أَلَا إِنَّ حِزْب الشَّيْطَان هُمْ الْخَاسِرُونَ " وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا هَارُون بْن حُمَيْد الْوَاسِطِيّ حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن عَنْبَسَة عَنْ رَجُل قَدْ سَمَّاهُ فَقَالَ هُوَ عَبْد الْحَمِيد بْن سُلَيْمَان - اِنْقَطَعَ مِنْ كِتَابِي - عَنْ الذَّيَّال بْن عَبَّاد قَالَ : كَتَبَ أَبُو حَازِم الْأَعْرَج إِلَى الزُّهْرِيّ : اِعْلَمْ أَنَّ الْجَاه جَاهَانِ : جَاه يُجْرِيه اللَّه تَعَالَى عَلَى أَيْدِي أَوْلِيَائِهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَنَّهُمْ الْخَامِل ذِكْرهمْ الْخَفِيَّة شُخُوصهمْ وَلَقَدْ جَاءَتْ صِفَتهمْ عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْأَخْفِيَاء الْأَتْقِيَاء الْأَبْرِيَاء الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِذَا حَضَرُوا لَمْ يَدَعُوا قُلُوبهمْ مَصَابِيح الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلّ فِتْنَة سَوْدَاء مُظْلِمَة " فَهَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء اللَّه تَعَالَى الَّذِينَ قَالَ اللَّه " أُولَئِكَ حِزْب اللَّه أَلَا إِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْمُفْلِحُونَ " وَقَالَ نُعَيْم بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَل لِفَاجِرٍ وَلَا لِفَاسِقٍ عِنْدِي يَدًا وَلَا نِعْمَة فَإِنِّي وَجَدْت فِيمَا أَوْحَيْته إِلَيَّ " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ مَنْ حَادّ اللَّه وَرَسُوله" قَالَ سُفْيَان يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يُخَالِط السُّلْطَان. رَوَاهُ أَبُو أَحْمَد الْعَسْكَرِيّ . آخِر تَفْسِير سُورَة الْمُجَادَلَة وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
تفسير القرطبي
أَيْ يُحِبُّونَ وَيُوَالُونَ لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاقِفِينَ عِنْد حُدُوده ذَكَرَ الْمُحَادِّينَ الْمُخَالِفِينَ لَهَا . وَالْمُحَادَّة الْمُعَادَاة وَالْمُخَالَفَة فِي الْحُدُود , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه وَرَسُوله " [ الْأَنْفَال : 13 ] . وَقِيلَ : " يُحَادُّونَ اللَّه " أَيْ أَوْلِيَاء اللَّه كَمَا فِي الْخَبَر : ( مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ) . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمُحَادَّة أَنْ تَكُون فِي حَدّ يُخَالِف حَدّ صَاحِبك . وَأَصْلهَا الْمُمَانَعَة , وَمِنْهُ الْحَدِيد , وَمِنْهُ الْحَدَّاد لِلْبَوَّابِ . قَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , جَلَسَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاء , فَقَالَ لَهُ : بِاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّه مَا أَبْقَيْت مِنْ شَرَابك فَضْلَة أُسْقِيهَا أَبِي , لَعَلَّ اللَّه يُطَهِّر بِهَا قَلْبه ؟ فَأَفْضَلَ لَهُ فَأَتَاهُ بِهَا , فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : هِيَ فَضْلَة مِنْ شَرَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُك بِهَا تَشْرَبهَا لَعَلَّ اللَّه يُطَهِّر قَلْبك بِهَا . فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : فَهَلَّا جِئْتنِي بِبَوْلِ أُمّك فَإِنَّهُ أَطْهَر مِنْهَا . فَغَضِبَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! أَمَا أَذِنْت لِي فِي قَتْل أَبِي ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَلْ تَرْفُق بِهِ وَتُحْسِن إِلَيْهِ ) . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : حُدِّثْت أَنَّ أَبَا قُحَافَة سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَكَّهُ أَبُو بَكْر اِبْنه صَكَّة فَسَقَطَ مِنْهَا عَلَى وَجْهه , ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : ( أَوَ فَعَلْته , لَا تَعُدْ إِلَيْهِ ) فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ كَانَ السَّيْف مِنِّي قَرِيبًا لِقِتْلَتِهِ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , قَتَلَ أَبَاهُ عَبْد اللَّه بْن الْجَرَّاح يَوْم أُحُد وَقِيلَ : يَوْم بَدْر . وَكَانَ الْجَرَّاح يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَة وَأَبُو عُبَيْدَة يَحِيد عَنْهُ , فَلَمَّا أَكْثَرَ قَصَدَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة فَقَتَلَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه حِين قَتَلَ أَبَاهُ : " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " الْآيَة . قَالَ الْوَاقِدِيّ : كَذَلِكَ يَقُول أَهْل الشَّام . وَلَقَدْ سَأَلْت رِجَالًا مِنْ بَنِي الْحَارِث بْن فِهْر فَقَالُوا : تُوُفِّيَ أَبُوهُ مِنْ قَبْل الْإِسْلَام . " أَوْ أَبْنَاءَهُمْ " يَعْنِي أَبَا بَكْر دَعَا اِبْنه عَبْد اللَّه إِلَى الْبِرَاز يَوْم بَدْر , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَتِّعْنَا بِنَفْسِك يَا أَبَا بَكْر أَمَا تَعْلَم أَنَّك عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّمْع وَالْبَصَر ) . " أَوْ إِخْوَانهمْ " يَعْنِي مُصْعَب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَوْم بَدْر . " أَوْ عَشِيرَتهمْ " يَعْنِي عُمَر بْن الْخَطَّاب قَتَلَ خَاله الْعَاصِ بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة يَوْم بَدْر , وَعَلِيًّا وَحَمْزَة قَتَلَا عُتْبَة وَشَيْبَة وَالْوَلِيد يَوْم بَدْر . وَقِيلَ : إِنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ , لَمَّا كَتَبَ إِلَى أَهْل مَكَّة بِمَسِيرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه أَوَّل سُورَة " الْمُمْتَحَنَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . بَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَان يَفْسُد بِمُوَالَاةِ الْكُفَّار وَإِنْ كَانُوا أَقَارِب . اِسْتَدَلَّ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه مِنْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى مُعَادَاة الْقَدَرِيَّة وَتَرْك مُجَالَسَتهمْ . قَالَ أَشْهَب عَنْ مَالِك : لَا تُجَالِس الْقَدَرِيَّة وَعَادهمْ فِي اللَّه , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله " . قُلْت : وَفِي مَعْنَى أَهْل الْقَدَر جَمِيع أَهْل الظُّلْم وَالْعُدْوَان . وَعَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَنْ كَانَ يَصْحَب السُّلْطَان . وَعَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي دَاوُد أَنَّهُ لَقِيَ الْمَنْصُور فِي الطَّوَاف فَلَمَّا عَرَفَهُ هَرَبَ مِنْهُ وَتَلَاهَا . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( اللَّهُمَّ لَا تَجْعَل لِفَاجِرٍ عِنْدِي نِعْمَة فَإِنِّي وَجَدْت فِيمَا أَوْحَيْت ) " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر - إِلَى قَوْله - أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان " أَيْ خَلَقَ فِي قُلُوبهمْ التَّصْدِيق , يَعْنِي مَنْ لَمْ يُوَالِ مَنْ حَادَّ اللَّه . وَقِيلَ : كَتَبَ أَثْبَتَ , قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس . وَقِيلَ : جَعَلَ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " [ آل عِمْرَان : 53 ] أَيْ اِجْعَلْنَا . وَقَوْله : " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " [ الْأَعْرَاف : 156 ] وَقِيلَ : " كَتَبَ " أَيْ جَمَعَ , وَمِنْهُ الْكَتِيبَة , أَيْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقُول نُؤْمِن بِبَعْضٍ وَنَكْفُر بِبَعْضٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِفَتْحِ الْكَاف مِنْ " كَتَبَ " وَنَصْب النُّون مِنْ " الْإِيمَان " بِمَعْنَى كَتَبَ اللَّه وَهُوَ الْأَجْوَد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَزِرّ بْن حُبَيْش وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم " كَتَبَ " عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله " الْإِيمَان " بِرَفْعِ النُّون . وَقَرَأَ زِرّ بْن حُبَيْش " وَعَشِيرَاتهمْ " بِأَلِفٍ وَكَسْر التَّاء عَلَى الْجَمْع , وَرَوَاهَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم . وَقِيلَ : " كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ " أَيْ عَلَى قُلُوبهمْ , كَمَا فِي قَوْله " فِي جُذُوع النَّخْل " [ طَه : 71 ] وَخَصَّ الْقُلُوب بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مَوْضِع الْإِيمَان . قَوَّاهُمْ وَنَصَرَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ , قَالَ الْحَسَن : وَبِنَصْرٍ مِنْهُ . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : بِالْقُرْآنِ وَحُجَجه . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : بِنُورٍ وَإِيمَان وَبُرْهَان وَهُدًى . وَقِيلَ : بِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَيَّدَهُمْ بِجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . أَيْ قَبِلَ أَعْمَالهمْ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَاهُمْ قَالَ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْجُرْجَانِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه , قَالَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام : إِلَهِي ! مَنْ حِزْبك وَحَوْل عَرْشك ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : " يَا دَاوُد الْغَاضَّة أَبْصَارهمْ , النَّقِيَّة قُلُوبهمْ , السَّلِيمَة أَكُفّهُمْ , أُولَئِكَ حِزْبِي وَحَوْل عَرْشِي " . خُتِمَتْ وَالْحَمْد لِلَّهِ سُورَة ( الْمُجَادَلَة )
| كَتَبَ | قَضَى وَكَتَبَ في اللَّوحِ المحْفُوظِ. |
|---|---|
| كَتَبَ | ثَبَّتَ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian