صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ٨٢

سورة المائدة الآية ٨٢

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَ ٰ⁠وَةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّیسِینَ وَرُهۡبَانࣰا وَأَنَّهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ ﴿٨٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم قال تعالى " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً " إلى " أَصْحَابِ الْجَحِيمِ " . يقول تعالى - في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين, وإلى ولايتهم, ومحبتهم, وأبعد من ذلك: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " . فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق, أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين, وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم. وذلك, لشدة بغضهم لهم, بغيا, وحسدا, وعنادا, وكفرا. " وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " . وذكر تعالى لذلك عدة أسباب. منها: أن " مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " أي: علماء متزهدين, وعبادا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد, وكذلك العبادة - مما يلطف القلب ويرققه, ويزيل عنه ما فيه, من الجفاء والغلظة, فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود, وشدة المشركين. ومنها: أنهم " لَا يَسْتَكْبِرُونَ " أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو, عن الانقياد الحق. وذلك موجب لقربهم من المسلمين, ومن محبتهم. فإن المتواضع, أقرب إلى الخير, من المستكبر. " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " ومنها: أنهم إذا " سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ " محمد صلى الله عليه وسلم أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له, وفاضت أعينهم, بحسب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه, فلذلك آمنوا, وأقروا به فقالوا: " رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لله بالتوحيد, ولرسله بالرسالة, وصحة ما جاءوا به, ويشهدون على الأمم السابقة, بالتصديق والتكذيب. وهم عدول, شهادتهم مقبولة, كما قال تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " .

التفسير الميسر

لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ؛ لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بها.

تفسير الجلالين

"لَتَجِدَن" يَا مُحَمَّد "أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا" مِنْ أَهْل مَكَّة لِتَضَاعُفِ كُفْرهمْ وَجَهْلهمْ وَانْهِمَاكهمْ فِي اتِّبَاع الْهَوَى "وَلَتَجِدَن أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ" أَيْ قُرْب مَوَدَّتهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ "بِأَنَّ" بِسَبَبِ أَنَّ "مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ" عُلَمَاء "وَرُهْبَانًا" عُبَّادًا "وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" عَنْ اتِّبَاع الْحَقّ كَمَا يَسْتَكْبِر الْيَهُود وَأَهْل مَكَّة , نَزَلَتْ فِي وَفْد النَّجَاشِيّ الْقَادِمِينَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَبَشَة قَرَأَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة يس فَبَكَوْا وَأَسْلَمُوا وَقَالُوا مَا أَشْبَه هَذَا بِمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى عِيسَى

تفسير ابن كثير

قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه الَّذِينَ حِين تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب بِالْحَبَشَةِ الْقُرْآن بَكَوْا حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَهَذَا الْقَوْل فِيهِ نَظَر لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَدَنِيَّة وَقِصَّة جَعْفَر مَعَ النَّجَاشِيّ قَبْل الْهِجْرَة وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا نَزَلَتْ فِي وَفْد بَعَثَهُمْ النَّجَاشِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْمَعُوا كَلَامه وَيَرَوْا صِفَاته فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن أَسْلَمُوا وَبَكَوْا وَخَشَعُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيّ فَأَخْبَرُوهُ قَالَ السُّدِّيّ فَهَاجَرَ النَّجَاشِيّ فَمَاتَ بِالطَّرِيقِ وَهَذَا مِنْ إِفْرَاد السُّدِّيّ فَإِنَّ النَّجَاشِيّ مَاتَ وَهُوَ مَلِك الْحَبَشَة وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم مَاتَ وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابه وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي عِدَّة هَذَا الْوَفْد فَقِيلَ اِثْنَا عَشَر : سَبْعَة قَسَاوِسَة وَخَمْسَة رَهَابِين وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ خَمْسُونَ وَقِيلَ بِضْع وَسِتُّونَ وَقِيلَ سَبْعُونَ رَجُلًا فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح هُمْ قَوْم مِنْ أَهْل الْحَبَشَة أَسْلَمُوا حِين قَدِمَ عَلَيْهِمْ مُهَاجِرَة الْحَبَشَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ قَتَادَة : هُمْ قَوْم كَانُوا عَلَى دِين عِيسَى اِبْن مَرْيَم فَلَمَّا رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآن أَسْلَمُوا وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا وَاخْتَارَ اِبْن جَرِير أَنَّ هَذِهِ الْآيَات نَزَلَتْ فِي صِفَة أَقْوَام بِهَذِهِ الْمَثَابَة سَوَاء كَانُوا مِنْ الْحَبَشَة أَوْ غَيْرهَا . فَقَوْله تَعَالَى " لَتَجِدَنَّ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا " وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ كُفْرَ الْيَهُودِ كُفْرُ عِنَادٍ وَجُحُودٍ وَمُبَاهَتَة لِلْحَقِّ وَغَمْط لِلنَّاسِ وَتَنَقُّص بِحَمَلَةِ الْعِلْم وَلِهَذَا قَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ الْأَنْبِيَاء حَتَّى هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر مَرَّة وَسَمُّوهُ وَسَحَرُوهُ وَأَلَّبُوا عَلَيْهِ أَشْبَاههمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه الْمُتَتَابِعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدُوَيْهِ عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن السَّرِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن حَبِيب الرَّقِّيّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَعِيد الْعَلَّاف حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر عَنْ الْأَشْجَعِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا خَلَا يَهُودِيّ بِمُسْلِمٍ قَطُّ إِلَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ " ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِسْحَاق الْعَسْكَرِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَهْل بْن أَيُّوب الْأَهْوَازِيّ حَدَّثَنَا فَرَج بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا خَلَا يَهُودِيّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا حَدَّثَ نَفْسه بِقَتْلِهِ " وَهَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا وَقَوْله تَعَالَى " وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " أَيْ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ نَصَارَى مِنْ أَتْبَاع الْمَسِيح وَعَلَى مِنْهَاج إِنْجِيله فِيهِمْ مَوَدَّة لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله فِي الْجُمْلَة وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي قُلُوبهمْ إِذْ كَانُوا عَلَى دِين الْمَسِيح مِنْ الرِّقَّة وَالرَّأْفَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَجَعَلْنَا فِي قُلُوب الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَة وَرَحْمَة وَرَهْبَانِيَّة " وَفِي كِتَابهمْ : مَنْ ضَرَبَك عَلَى خَدّك الْأَيْمَن فَأَدِرْ لَهُ خَدّك الْأَيْسَر وَلَيْسَ الْقِتَال مَشْرُوعًا فِي مِلَّتهمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " أَيْ يُوجَد فِيهِمْ الْقِسِّيسُونَ وَهُمْ خُطَبَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ وَاحِدهمْ قِسِّيس وَقَسّ أَيْضًا وَقَدْ يُجْمَع عَلَى قُسُوس وَالرُّهْبَان جَمَعَ رَاهِب وَهُوَ الْعَابِد مُشْتَقّ مِنْ الرَّهْبَة وَهِيَ الْخَوْف كَرَاكِبِ وَرُكْبَان وَفَارِس وَفُرْسَان قَالَ اِبْن جَرِير وَقَدْ يَكُون الرُّهْبَان وَاحِدًا وَجَمْعه رَهَابِين مِثْل قُرْبَان وَقَرَابِين وجُرْذَان وَجَرَاذِين وَقَدْ يُجْمَع عَلَى رَهَابِنَة وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ يَكُون عِنْد الْعَرَب وَاحِدًا قَوْل الشَّاعِر : لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ فِي الْقُلَلْ لَانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنَزَلْ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا بِشْر بْن آدَم حَدَّثَنَا نُصَيْر بْن أَبِي الْأَشْعَث حَدَّثَنِي الصَّلْت الدَّهَّان عَنْ جَاثِمَة بْن رِئَاب قَالَ سَأَلْت سَلْمَان عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " فَقَالَ دَعْ الْقِسِّيسِينَ فِي الْبِيَع وَالْخَرِب أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينَ وَرُهْبَانًا . وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْخَانِيّ عَنْ نَضِير بْن زِيَاد الطَّائِيّ عَنْ صَلْت الدَّهَّان عَنْ جَاثِمَة بْن رِئَاب عَنْ سَلْمَان بِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم ذَكَرَهُ أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد الْخَانِيّ حَدَّثَنَا نَضِير بْن زِيَاد الطَّائِيّ حَدَّثَنَا صَلْت الدَّهَّان عَنْ جَاثِمَة بْن رِئَاب قَالَ سَمِعْت سَلْمَان وَسُئِلَ عَنْ قَوْله " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " فَقَالَ هُمْ الرُّهْبَان الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّوَامِع وَالْخَرِب فَدَعُوهُمْ فِيهَا قَالَ سَلْمَان : وَقَرَأْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ فَأَقْرَأَنِي ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينَ وَرُهْبَانًا فَقَوْله : " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " تَضَمَّنَ وَصْفهمْ بِأَنَّ فِيهِمْ الْعِلْم وَالْعِبَادَة وَالتَّوَاضُع ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعه وَالْإِنْصَاف .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَجِدَنَّ } يَا مُحَمَّد { أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة } لِلَّذِينَ صَدَّقُوك وَاتَّبَعُوك وَصَدَّقُوا بِمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام , { الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } يَعْنِي عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْأَوْثَان آلِهَة يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه . { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا } يَقُول : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَب النَّاس مَوَدَّة وَمَحَبَّة . وَالْمَوَدَّة : الْمَفْعَلَة , مِنْ قَوْل الرَّجُل : وَدِدْت كَذَا أَوُدّه وُدًّا وَوِدًّا وَوَدًّا وَمَوَدَّة : إِذَا أَحْبَبْته . { لِلَّذِينَ آمَنُوا } , يَقُول : لِلَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } عَنْ قَبُول الْحَقّ وَاتِّبَاعه وَالْإِذْعَان بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي بَعْدهَا نَزَلَتْ فِي نَفَر قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَة , فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآن أَسْلَمُوا وَاتَّبَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ مَلِك الْحَبَشَة وَأَصْحَاب لَهُ أَسْلَمُوا مَعَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9608 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيّ وَفْدًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : { لَتَجِدَنَّ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } إِلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : فَرَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيّ فَأَخْبَرُوهُ , فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيّ , فَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا حَتَّى مَاتَ . قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيّ قَدْ مَاتَ , فَصَلُّوا عَلَيْهِ ! " فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَالنَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ . 9609 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } قَالَ : هُمْ الْوَفْد الَّذِينَ جَاءُوا مَعَ جَعْفَر وَأَصْحَابه مِنْ أَرْض الْحَبَشَة . 9610 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّة خَافَ عَلَى أَصْحَابه مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَبَعَثَ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود وَعُثْمَان بْن مَظْعُون فِي رَهْط مِنْ أَصْحَابه إِلَى النَّجَاشِيّ مَلِك الْحَبَشَة ; فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ , بَعَثُوا عَمْرو بْن الْعَاص فِي رَهْط مِنْهُمْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ سَبَقُوا أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيّ , فَقَالُوا : إِنَّهُ خَرَجَ فِينَا رَجُل سَفَّهُ عُقُول قُرَيْش وَأَحْلَامهَا زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيّ , وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْك رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْك قَوْمك , فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَأْتِيك وَنُخْبِرك خَبَرهمْ . قَالَ : إِنْ جَاءُونِي نَظَرْت فِيمَا يَقُولُونَ . فَقَدِمَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَقَامُوا بِبَابِ النَّجَاشِيّ , فَقَالُوا : أَتَأْذَنُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّه ؟ فَقَالَ : اِئْذَنْ لَهُمْ , فَمَرْحَبًا بِأَوْلِيَاءِ اللَّه ! فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا , فَقَالَ لَهُ الرَّهْط مِنْ الْمُشْرِكِينَ : أَلَا تَرَى أَيّهَا الْمَلِك أَنَّا صَدَقْنَاك , لَمْ يُحَيُّوك بِتَحِيَّتِك الَّتِي تُحَيَّا بِهَا ؟ فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي ؟ فَقَالُوا : إِنَّا حَيَّيْنَاك بِتَحِيَّةِ أَهْل الْجَنَّة وَتَحِيَّة الْمَلَائِكَة . قَالَ لَهُمْ : مَا يَقُول صَاحِبكُمْ فِي عِيسَى وَأُمّه ؟ قَالَ : يَقُول : هُوَ عَبْد اللَّه وَكَلِمَة مِنْ اللَّه أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ , وَيَقُول فِي مَرْيَم : إِنَّهَا الْعَذْرَاء الْبَتُول . قَالَ : فَأَخَذَ عُودًا مِنْ الْأَرْض , فَقَالَ : مَا زَادَ عِيسَى وَأُمّه عَلَى مَا قَالَ صَاحِبكُمْ قَدْر هَذَا الْعُود ! فَكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قَوْله , وَتَغَيَّرَتْ وُجُوههمْ . قَالَ لَهُمْ : هَلْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : اِقْرَءُوا ! فَقَرَءُوا , وَهُنَالِكَ مِنْهُمْ قِسِّيسُونَ وَرُهْبَان وَسَائِر النَّصَارَى , فَعَرَفَتْ كُلّ مَا قَرَءُوا , وَانْحَدَرَتْ دُمُوعهمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ . قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول } الْآيَة . 9611 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } الْآيَة . قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَة , سَبْعَة قِسِّيسِينَ وَخَمْسَة رُهْبَانًا , يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ . فَلَمَّا لَقُوهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّه بَكَوْا وَآمَنُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ فِيهِمْ : { وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فَآمَنُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيّ . فَهَاجَرَ النَّجَاشِيّ مَعَهُمْ , فَمَاتَ فِي الطَّرِيق , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ . 9612 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَى حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء فِي قَوْله : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } الْآيَة , هُمْ نَاس مِنْ الْحَبَشَة آمَنُوا , إِذْ جَاءَتْهُمْ مُهَاجِرَة الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذِهِ صِفَة قَوْم كَانُوا عَلَى شَرِيعَة عِيسَى مِنْ أَهْل الْإِيمَان ; فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9613 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا } , فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } أُنَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا عَلَى شَرِيعَة مِنْ الْحَقّ مِمَّا جَاءَ بِهِ عِيسَى , يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَنْتَهُونَ إِلَيْهِ ; فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقُوا بِهِ وَآمَنُوا , وَعَرَفُوا الَّذِي جَاءَ بِهِ أَنَّهُ الْحَقّ , فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ مَا تَسْمَعُونَ . وَالصَّوَاب فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل عِنْدِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَ صِفَة قَوْم قَالُوا : إِنَّا نَصَارَى , أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدهُمْ أَقْرَب النَّاس وِدَادًا لِأَهْلِ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَلَمْ يُسَمِّ لَنَا أَسْمَاءَهُمْ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِذَلِكَ أَصْحَاب النَّجَاشِيّ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِهِ قَوْم كَانُوا عَلَى شَرِيعَة عِيسَى فَأَدْرَكَهُمْ الْإِسْلَام فَأَسْلَمُوا لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآن وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقّ , وَلَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } فَإِنَّهُ يَقُول : قَرُبَتْ مَوَدَّة هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْل أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا . وَالْقِسِّيسُونَ : جَمْع قِسِّيس , وَقَدْ يُجْمَع الْقِسِّيس : " قُسُوس " ; لِأَنَّ الْقُسّ وَالْقِسِّيس بِمَعْنًى وَاحِد . وَكَانَ اِبْن زَيْد يَقُول فِي الْقِسِّيس بِمَا : 9614 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْقِسِّيسُونَ : عُبَّادهمْ . وَأَمَّا الرُّهْبَان , فَإِنَّهُ يَكُون وَاحِدًا وَجَمْعًا ; فَأَمَّا إِذَا كَانَ جَمْعًا , فَإِنَّ وَاحِدهمْ يَكُون رَاهِبًا , وَيَكُون الرَّاهِب حِينَئِذٍ فَاعِلًا مِنْ قَوْل الْقَائِل : رَهِبَ اللَّه فُلَان , بِمَعْنَى : خَافَهُ , يَرْهَبهُ رَهَبًا وَرَهْبًا , ثُمَّ يُجْمَع الرَّاهِب رُهْبَان , مِثْل رَاكِب وَرُكْبَان , وَفَارِس وَفُرْسَان . وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُون عِنْد الْعَرَب جَمْعًا قَوْل الشَّاعِر : رُهْبَان مَدْيَن لَوْ رَأَوْك تَنَزَّلُوا وَالْعُصْم مِنْ شَعَف الْعُقُول الْفَادِر وَقَدْ يَكُون الرُّهْبَان وَاحِدًا , وَإِذَا كَانَ وَاحِدًا كَانَ جَمْعه رَهَابِين , مِثْل قُرْبَان وَقَرَابِين , وَجُرْدَان وَجَرَادِين . وَيَجُوز جَمْعه أَيْضًا رَهَابِنَة إِذَا كَانَ كَذَلِكَ . وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُون عِنْد الْعَرَب وَاحِدًا قَوْل الشَّاعِر : لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَان دَيْر فِي الْقُلَل لَانْحَدَرَ الرُّهْبَان يَمْشِي وَنَزَل وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ قَوْم كَانُوا اِسْتَجَابُوا لِعِيسَى اِبْن مَرْيَم حِين دَعَاهُمْ , وَاتَّبَعُوهُ عَلَى شَرِيعَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9615 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } قَالَ : كَانُوا نَوَاتِيَّ فِي الْبَحْر - يَعْنِي مَلَّاحِينَ - قَالَ : فَمَرَّ بِهِمْ عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فَأَجَابُوهُ . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْله : { قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْقَوْم الَّذِينَ كَانَ النَّجَاشِيّ بَعَثَهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9616 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي صَالِح فِي قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } قَالَ : سِتَّة وَسِتُّونَ , أَوْ سَبْعَة وَسِتُّونَ , أَوْ اِثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنْ الْحَبَشَة , كُلّهمْ صَاحِب صَوْمَعَة , عَلَيْهِمْ ثِيَاب الصُّوف . 9617 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسِينَ أَوْ سَبْعِينَ مِنْ خِيَارهمْ , فَجَعَلُوا يَبْكُونَ , فَقَالَ : هُمْ هَؤُلَاءِ . 9618 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } قَالَ : هُمْ رُسُل النَّجَاشِيّ الَّذِينَ أَرْسَلَ بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام قَوْمه , كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا اِخْتَارَهُمْ الْخَيِّر فَالْخَيِّر . فَدَخَلُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ : { يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم } فَبَكَوْا وَعَرَفُوا الْحَقّ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا , وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } , وَأَنْزَلَ فِيهِمْ : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } إِلَى قَوْله : { يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } . وَالصَّوَاب فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ عَنْ النَّفَر الَّذِينَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ مِنْ النَّصَارَى بِقُرْبِ مَوَدَّتهمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله , أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ لِأَنَّ مِنْهُمْ أَهْل اِجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة وَتَرْهِيب فِي الدِّيَارَات وَالصَّوَامِع , وَأَنَّ مِنْهُمْ عُلَمَاء بِكُتُبِهِمْ . وَأَهْل تِلَاوَة لَهَا , فَهُمْ لَا يَبْعُدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِتَوَاضُعِهِمْ لِلْحَقِّ إِذَا عَرَفُوهُ , وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَبُوله إِذَا تَبَيَّنُوهُ لِأَنَّهُمْ أَهْل دِين وَاجْتِهَاد فِيهِ وَنَصِيحَة لِأَنْفُسِهِمْ فِي ذَات اللَّه , وَلَيْسُوا كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَدْ دَرِبُوا بِقَتْلِ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل وَمُعَانَدَة اللَّه فِي أَمْره وَنَهْيه وَتَحْرِيف تَنْزِيله الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كُتُبه .

تفسير القرطبي

قَوْله تَعَالَى " لَتَجِدَنَّ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود " اللَّام لَام الْقَسَم وَدَخَلَتْ النُّون عَلَى قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ فَرْقًا بَيْن الْحَال وَالْمُسْتَقْبَل . " عَدَاوَة " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان وَكَذَا " وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي الْهِجْرَة الْأُولَى - حَسَب مَا هُوَ مَشْهُور فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره - خَوْفًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَفِتْنَتهمْ ; وَكَانُوا ذَوِي عَدَد . ثُمَّ هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْوُصُول إِلَيْهِ , حَالَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرْب . فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَة بَدْر وَقَتَلَ اللَّه فِيهَا صَنَادِيد الْكُفَّار , قَالَ كُفَّار قُرَيْش : إِنَّ ثَأْركُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة , فَاهْدُوا إِلَى النَّجَاشِيّ وَابْعَثُوا إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ ذَوِي رَأْيكُمْ لَعَلَّهُ يُعْطِيكُمْ مَنْ عِنْده فَتَقْتُلُونَهُمْ بِمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ بِبَدْرٍ , فَبَعَثَ كُفَّار قُرَيْش عَمْرو بْن الْعَاص وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة بِهَدَايَا , فَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرو بْن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ , وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى النَّجَاشِيّ , فَقَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيّ , فَقَرَأَ كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ دَعَا جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَالْمُهَاجِرِينَ , وَأَرْسَلَ إِلَى الرُّهْبَان وَالْقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهُمْ . ثُمَّ أَمَرَ جَعْفَر أَنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن فَقَرَأَ سُورَة ( مَرْيَم ) فَقَامُوا تَفِيض أَعْيُنهمْ مِنْ الدَّمْع , فَهُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ " وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " وَقَرَأَ إِلَى " الشَّاهِدِينَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَمَة الْمُرَادِيّ قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام , وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , أَنَّ الْهِجْرَة الْأُولَى هِجْرَة الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة , وَسَاقَ الْحَدِيث بِطُولِهِ , وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرُونَ رَجُلًا وَهُوَ بِمَكَّة أَوْ قَرِيب مِنْ ذَلِكَ , مِنْ النَّصَارَى حِين ظَهَرَ خَبَره مِنْ الْحَبَشَة , فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِد فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ , وَرِجَال مِنْ قُرَيْش فِي أَنْدِيَتهمْ حَوْل الْكَعْبَة فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَتهمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا أَرَادُوا , دَعَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآن , فَلَمَّا سَمِعُوهُ فَاضَتْ أَعْيُنهمْ مِنْ الدَّمْع , ثُمَّ اِسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ , وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَف لَهُمْ فِي كِتَابهمْ مِنْ أَمْره , فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْده اِعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْل فِي نَفَر مِنْ قُرَيْش فَقَالُوا : خَيَّبَكُمْ اللَّه مِنْ رَكْب ! بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْل دِينكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ فَتَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُل , فَلَمْ تَظْهَر مُجَالَسَتكُمْ عِنْده حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ , مَا نَعْلَم رَكْبًا أَحْمَق مِنْكُمْ - أَوْ كَمَا قَالَ لَهُمْ - فَقَالُوا : سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلكُمْ لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ , لَا نَأْلُوا أَنْفُسنَا خَيْرًا . فَيُقَال : إِنَّ النَّفَر النَّصَارَى مِنْ أَهْل نَجْرَان , وَيُقَال : إِنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ " [ الْقَصَص : 52 ] إِلَى قَوْله : " لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ " [ الْقَصَص : 55 ] وَقِيلَ : إِنَّ جَعْفَرًا وَأَصْحَابه قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَيْهِمْ ثِيَاب الصُّوف , فِيهِمْ اِثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنْ الْحَبَشَة وَثَمَانِيَة مِنْ أَهْل الشَّام وَهُمْ بَحِيرَاء الرَّاهِب وَإِدْرِيس وَأَشْرَف وَأَبْرَهَة وَثُمَامَة وَقُثَم وَدُرَيْد وَأَيْمَن , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة " يس " إِلَى آخِرهَا , فَبَكَوْا حِين سَمِعُوا الْقُرْآن وَآمَنُوا , وَقَالُوا : مَا أَشْبَه هَذَا بِمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى عِيسَى فَنَزَلَتْ فِيهِمْ " لَتَجِدَنَّ أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى " يَعْنِي وَفْد النَّجَاشِيّ وَكَانُوا أَصْحَاب الصَّوَامِع , وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : وَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ أَيْضًا " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب مِنْ قَبْله هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ " [ الْقَصَص : 52 ] إِلَى قَوْله : " أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ " [ الْقَصَص : 54 ] إِلَى آخِر الْآيَة , وَقَالَ مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ : كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْل نَجْرَان مِنْ بَنِي الْحَارِث بْن كَعْب , وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْحَبَشَة , وَثَمَانِيَة وَسِتُّونَ مِنْ أَهْل الشَّام . وَقَالَ قَتَادَة : نَزَلَتْ فِي نَاس مِنْ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا عَلَى شَرِيعَة مِنْ الْحَقّ مِمَّا جَاءَ بِهِ عِيسَى , فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِهِ فَأَثْنَى اللَّه عَلَيْهِمْ . وَاحِد " الْقِسِّيسِينَ " قَسّ وَقِسِّيس ; قَالَهُ قُطْرُب . وَالْقِسِّيس الْعَالِم ; وَأَصْله مِنْ قَسَّ إِذَا تَتَبَّعَ الشَّيْء فَطَلَبَهُ ; قَالَ الرَّاجِز : يُصْبِحْنَ عَنْ قَسّ الْأَذَى غَوَافِلَا وَتَقَسَّسْت أَصْوَاتهمْ بِاللَّيْلِ تَسَمَّعْتهَا , وَالْقَسّ النَّمِيمَة , وَالْقَسّ أَيْضًا رَئِيس مِنْ رُؤَسَاء النَّصَارَى فِي الدِّين وَالْعِلْم , وَجَمْعه قُسُوس , وَكَذَلِكَ الْقِسِّيس مِثْل الشَّرّ وَالشِّرِّير فَالْقِسِّيسُونَ هُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْعُلَمَاء وَالْعُبَّاد , وَيُقَال فِي جَمْع قِسِّيس مُكَسَّرًا : قَسَاوِسَة أُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى السِّينَيْنِ وَاوًا وَقَسَاوِسَة أَيْضًا كَمَهَالِبَة , وَالْأَصْل قَسَاسِسَة فَأَبْدَلُوا إِحْدَى السِّينَات وَاوًا لِكَثْرَتِهَا . وَلَفْظ الْقِسِّيس إِمَّا أَنْ يَكُون عَرَبِيًّا , وَإِمَّا أَنْ يَكُون بِلُغَةِ الرُّوم وَلَكِنْ خَلَطَتْهُ الْعَرَب بِكَلَامِهِمْ فَصَارَ مِنْ لُغَتهمْ إِذْ لَيْسَ فِي الْكِتَاب مَا لَيْسَ مِنْ لُغَة الْعَرَب كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا نَصْر بْن دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : حُدِّثْت عَنْ مُعَاوِيَة بْن هِشَام عَنْ نُصَيْر الطَّائِيّ عَنْ الصَّلْت عَنْ حَامِيَة بْن رَبَاب قَالَ : قُلْت لِسَلْمَان " بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا " فَقَالَ : دَعْ الْقِسِّيسِينَ فِي الصَّوَامِع وَالْمِحْرَاب أَقْرَأَنِيهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينَ وَرُهْبَانًا " , وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : ضَيَّعَتْ النَّصَارَى الْإِنْجِيل , وَأَدْخَلُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ; وَكَانُوا أَرْبَعَة نَفَر الَّذِينَ غَيَّرُوهُ ; لُوقَاس ومرقوس وَيُحَنَّس ومقبوس وَبَقِيَ قِسِّيس عَلَى الْحَقّ وَعَلَى الِاسْتِقَامَة , فَمَنْ كَانَ عَلَى دِينه وَهَدْيه فَهُوَ قِسِّيس . الرُّهْبَان جَمْع رَاهِب كَرُكْبَانٍ وَرَاكِب . قَالَ النَّابِغَة : لَوْ أَنَّهَا عَرَضَتْ لِأَشْمَط رَاهِب عَبَدَ الْإِلَه صَرُورَة مُتَعَبِّد لَرَنَا لِرُؤْيَتِهَا وَحُسْن حَدِيثهَا وَلَخَالَهُ رَشَدًا وَإِنْ لَمْ يَرْشُدِ وَالْفِعْل مِنْهُ رَهِبَ اللَّه يَرْهَبهُ أَيْ خَافَهُ رَهْبًا وَرَهَبًا وَرَهْبَة , وَالرَّهْبَانِيَّة وَالتَّرَهُّب التَّعَبُّد فِي صَوْمَعَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَقَدْ يَكُون ( رُهْبَان ) لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع ; قَالَ الْفَرَّاء : وَيُجْمَع ( رُهْبَان ) إِذَا كَانَ لِلْمُفْرَدِ رَهَابِنَة وَرَهَابِين كَقُرْبَانٍ وَقَرَابِين ; قَالَ جَرِير فِي الْجَمْع : رُهْبَان مَدْيَن لَوْ رَأَوْك تَنَزَّلُوا وَالْعُصْم مِنْ شَعَف الْعُقُول الْفَادِرُ الْفَادِر الْمُسِنّ مِنْ الْوُعُول , وَيُقَال : الْعَظِيم , وَكَذَلِكَ الْفَدُور وَالْجَمْع فُدْر وَفُدُور وَمَوْضِعهَا الْمَفْدَرَة ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ , وَقَالَ آخَر فِي التَّوْحِيد : لَوْ أَبْصَرَتْ رُهْبَان دَيْر فِي الْجَبَل لَانْحَدَرَ الرُّهْبَان يَسْعَى وَيُصَلْ مِنْ الصَّلَاة . وَالرَّهَابَة عَلَى وَزْن السَّحَابَة عَظْم فِي الصَّدْر مُشْرِف عَلَى الْبَطْن مِثْل اللِّسَان , وَهَذَا الْمَدْح لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون مَنْ أَصَرَّ عَلَى كُفْره وَلِهَذَا قَالَ : يَسْتَكْبِرُونَ " أَيْ عَنْ الِانْقِيَاد إِلَى الْحَقّ

غريب الآية
۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَ ٰ⁠وَةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰۚ ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّیسِینَ وَرُهۡبَانࣰا وَأَنَّهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ ﴿٨٢﴾
ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟هم وَفْدُ نَصارى الحبشةِ، وقد دَخَلُوا في الإسلامِ.
رُهۡبَانࣰامُتَعَبِّدين.
الإعراب
(لَتَجِدَنَّ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَجِدَنَّ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(أَشَدَّ)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِـ(تَجِدَنَّ) :.
(النَّاسِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَدَاوَةً)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِلَّذِينَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الَّذِينَ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْيَهُودَ)
مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِـ(تَجِدَنَّ) :.
(وَالَّذِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الَّذِينَ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ.
(أَشْرَكُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَلَتَجِدَنَّ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَجِدَنَّ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(أَقْرَبَهُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِـ(تَجِدَنَّ) :، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَوَدَّةً)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِلَّذِينَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الَّذِينَ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ لِـ(تَجِدَنَّ) :.
(قَالُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(إِنَّا)
(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(نَصَارَى)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(بِأَنَّ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(أَنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مِنْهُمْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (أَنَّ) : مُقَدَّمٌ.
(قِسِّيسِينَ)
اسْمُ (أَنَّ) : مُؤَخَّرٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنَّ) : وَاسْمِهَا وَخَبَرِهَا فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْبَاءِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (ذَلِكَ) :.
(وَرُهْبَانًا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رُهْبَانًا) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَنَّهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (أَنَّ) :.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَسْتَكْبِرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (أَنَّ) :.