سورة المائدة الآية ٥٤
سورة المائدة الآية ٥٤
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَن یَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَسَوۡفَ یَأۡتِی ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُۥۤ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ یُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَاۤىِٕمࣲۚ ذَ ٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمٌ ﴿٥٤﴾
تفسير السعدي
يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين, وأنه من يرتد عن دينه, فلن يضر الله شيئا, وإنما يضر نفسه. وأن لله, عبادا مخلصين, ورجالا صادقين, قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم, ووعد بالإتيان بهم, وأنهم أكمل الخلق أوصافا, وأقواهم نفوسا وأحسنهم أخلاقا. أجل صفاتهم أن الله " يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " . فإن محبة الله للعبد, من أجل نعمة أنعم بها عليه, وأفضل فضيلة, تفضل الله بها عليه. وإذا أحب الله عبدا, يسر له الأسباب, وهون عليه كل عسير, ووفقه لفعل الخيرات, وترك المنكرات, وأقبل بقلوب عباده إليه, بالمحبة والوداد ومن لوازم محبة العبد لربه, أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم, ظاهرا وباطنا, في أقواله وأعماله, وجميع أحواله. كما قال تعالى " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " . كما أن من لوازم محبة الله للعبد, أن يكثر العبد من التقرب إلى الله, بالفرائض والنوافل, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولو سألني لأعطينه, ولو استعاذني لأعيذنه " . ومن لوازم محبة الله, معرفته تعالى, والإكثار من ذكره. فإن المحبة بدون معرفة بالله, ناقصة جدا, بل غير موجودة, إن وجدت دعواها. ومن أحب الله أكثر من ذكره. وإذا أحب الله عبدا, قبل منه اليسير من العمل, وغفر له الكثير من الزلل. ومن صفاتهم أنهم " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ " . فهم للمؤمنين أذلة, من محبتهم لهم, ونصحهم لهم, ولينهم ورفقهم, ورأفتهم, ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم, وقرب الشيء الذي يطلب منهم. وعلى الكافرين بالله, المعاندين لآياته, المكذبين لرسله - أعزة قد اجتمعت هممهم وعزائمهم, على معاداتهم, وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم. قال تعالى: " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " . وقال تعالى " أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ " . فالغلظة الشديدة على أعداء الله, مما يقرب العبد إلى الله, ويوافق العبد ربه, في سخطه عليهم. ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة, دعوتهم, إلى الدين الإسلامي, بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم, واللين في دعوتهم, وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. " يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " بأموالهم وأنفسهم, بأقوالهم وأفعالهم. " وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ " بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين. وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم, فإن ضعيف القلب, ضعيف الهمة. تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين, وتفتر قوته, عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعد لغير الله, بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم, على أمر الله. فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله, حتى لا يخاف: الله لومة لائم. ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم من الصفات, الجميلة, والمناقب العالية, المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير - أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه, لئلا, يعجبوا بأنفسهم, وليشكروا الذي من عليهم بذلك ليزيدهم من فضله, وليعلم غيرهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب, فقال: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " أي: واسع الفضل والإحسان, جزيل المنن, قد عمت رحمته كل شيء, ويوسع علما أوليائه من فضله, ما لا يكون لغيرهم. ولكنه عليم بمن يستحق الفضل, فيعطيه, فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا.
التفسير الميسر
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من يرجع منكم عن دينه، ويستبدل به اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك، فلن يضرُّوا الله شيئًا، وسوف يأتي الله بقوم خير منهم يُحِبُّهم ويحبونه، رحماء بالمؤمنين أشدَّاء على الكافرين، يجاهدون أعداء الله، ولا يخافون في ذات الله أحدًا. ذلك الإنعام مِن فضل الله يؤتيه من أراد، والله واسع الفضل، عليم بمن يستحقه من عباده.
تفسير الجلالين
"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ" بِالْفَكِّ وَالْإِدْغَام يَرْجِع "مِنْكُمْ عَنْ دِينه" إلَى الْكُفْر إخْبَار بِمَا عَلِمَ اللَّه وُقُوعه وَقَدْ ارْتَدَّ جَمَاعَة بَعْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه" بَدَلهمْ "بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "هُمْ قَوْم هَذَا وَأَشَارَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ" رَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه "أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" عَاطِفِينَ "أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ" أَشِدَّاء "يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَة لَائِم" فِيهِ كَمَا يَخَاف الْمُنَافِقُونَ لَوْم الْكُفَّار "ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع" كَثِير الْفَضْل "عَلِيم" بِمَنْ هُوَ أَهْله وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ ابْن سَلَام يَا رَسُول اللَّه إنَّ قَوْمنَا هَجَرُونَا
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَته الْعَظِيمَة أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ نُصْرَة دِينه وَإِقَامَة شَرِيعَته فَإِنَّ اللَّه يَسْتَبْدِل بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرًا لَهَا مِنْهُ وَأَشَدّ مَنَعَة وَأَقْوَم سَبِيلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ " وَقَالَ تَعَالَى " إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ " أَيْ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا صَعْب وَقَالَ تَعَالَى هَهُنَا " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينه " أَيْ يَرْجِع عَنْ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب نَزَلَتْ فِي الْوُلَاة مِنْ قُرَيْش وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ نَزَلَتْ فِي أَهْل الرِّدَّة أَيَّام أَبِي بَكْر " فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" قَالَ الْحَسَن هُوَ وَاَللَّه أَبُو بَكْر وَأَصْحَابه رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة سَمِعْت أَبَا بَكْر بْن عَيَّاش يَقُول : فِي قَوْله " فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " هُمْ أَهْل الْقَادِسِيَّة وَقَالَ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد هُمْ قَوْم مِنْ سَبَأ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا ابْنُ سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْأَجْلَح عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ سَالِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " قَالَ نَاس مِنْ أَهْل الْيَمَن ثُمَّ مِنْ كِنْدَة مِنْ السَّكُون . وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُصَفَّى حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة يَعْنِي اِبْن حَفْص عَنْ أَبِي زِيَاد الْحَلْفَانِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله " فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" قَالَ هَؤُلَاءِ قَوْم مِنْ أَهْل الْيَمَن ثُمَّ مِنْ كِنْدَة ثُمَّ مِنْ السَّكُون ثُمَّ مِنْ تَجِيب وَهَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا وَقَالَ اِبْن أَبَى حَاتِم حَدَّثَنَا عُمَر بْن شَبَّة حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد يَعْنِي اِبْن عَبْد الْوَارِث حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سِمَاك سَمِعْت عِيَاضًا يُحَدِّث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ" فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُمْ قَوْم هَذَا" وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث شُعْبَة بِنَحْوِهِ وَقَوْله تَعَالَى" أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ " هَذِهِ صِفَات الْمُؤْمِنِينَ الْكُمَّل أَنْ يَكُون أَحَدهمْ مُتَوَاضِعًا لِأَخِيهِ وَوَلِيّه مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمه وَعَدُوّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى " مُحَمَّد رَسُول اللَّه وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار رُحَمَاء بَيْنهمْ " وَفِي صِفَة رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ الضَّحُوك الْقَتَّال فَهُوَ ضَحُوك لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّال لِأَعْدَائِهِ وَقَوْله " عَزَّ وَجَلَّ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَة لَائِم " أَيْ لَا يَرُدّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَة اللَّه وَإِقَامَة الْحُدُود وَقِتَال أَعْدَائِهِ وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر لَا يَرُدّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ وَلَا يَصُدّهُمْ عَنْهُ صَادّ وَلَا يَحِيك فِيهِمْ لَوْم لَائِم وَلَا عَذْل عَاذِل قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا سَلَام أَبُو الْمُنْذِر عَنْ مُحَمَّد بْن وَاسِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن الصَّامِت عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ أَمَرَنِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبْعٍ : أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِين وَالدُّنُوّ مِنْهُمْ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُر إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُر إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِل الرَّحِم وَإِنْ أَدْبَرَتْ وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُول الْحَقّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَاف فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِر مِنْ قَوْل لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْز تَحْت الْعَرْش وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا صَفْوَان عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى أَنَّ أَبَا ذَرّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ بَايَعَنِي رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا وَوَاثَقَنِي سَبْعًا وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ سَبْعًا أَنِّي لَا أَخَاف فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم قَالَ أَبُو ذَرّ فَدَعَانِي رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَلْ لَك إِلَى بَيْعَة وَلَك الْجَنَّة قُلْت نَعَمْ وَبَسَطْت يَدِي فَقَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَشْتَرِط عَلَيَّ أَنْ لَا تَسْأَل النَّاس شَيْئًا قُلْت نَعَمْ قَالَ وَلَا سَوْطَك وَإِنْ سَقَطَ مِنْك يَعْنِي تَنْزِل إِلَيْهِ فَتَأْخُذهُ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن حَدَّثَنَا جَعْفَر عَنْ الْمُعَلَّى الْفِرْدَوْسِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُول بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّب مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِد مِنْ رِزْق أَنْ يَقُول بِحَقٍّ أَوْ أَنْ يُذَكِّر بِعَظِيمٍ " تَفَرَّدَ بِهِ" أَحْمَد وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَنَا سُفْيَان عَنْ زُبَيْد عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسه أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَال فَلَا يَقُول فِيهِ فَيُقَال لَهُ يَوْم الْقِيَامَة : مَا مَنَعَك أَنْ تَكُون قُلْت فِيّ كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُول مَخَافَةُ النَّاسِ فَيَقُول إِيَّايَ أَحَقُّ أَنْ تَخَاف . وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة بِهِ وَرَوَى أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن أَبِي طُوَالَة عَنْ نَهَار بْن عَبْد اللَّه الْعَبْدِيّ الْمَدَنِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " : إِنَّ اللَّه لَيَسْأَل الْعَبْد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلهُ يَقُول لَهُ أَيْ عَبْدِي أَرَأَيْت مُنْكَرًا فَلَمْ تُنْكِرهُ ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ أَيْ رَبِّ وَثِقْت بِك وَخِفْت النَّاسَ " وَثَبَتَ فِي الصَّحِيح مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْف يُذِلُّ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " يَتَحَمَّل مِنْ الْبَلَاء مَا لَا يُطِيق " " ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء " أَيْ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَات فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْهِ وَتَوْفِيقه لَهُ " وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم " أَيْ وَاسِع الْفَضْل عَلِيم بِمَنْ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ مِمَّنْ يَحْرِمُهُ إِيَّاهُ .
تفسير القرطبي
قَوْله تَعَالَى : " مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينه " شَرْط وَجَوَابه " فَسَوْفَ " , وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام " مَنْ يَرْتَدِدْ " بِدَالَيْنِ . الْبَاقُونَ " مَنْ يَرْتَدّ " . وَهَذَا مِنْ إِعْجَاز الْقُرْآن وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْ أَخْبَرَ عَنْ اِرْتِدَادهمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي عَهْده وَكَانَ ذَلِكَ غَيْبًا , فَكَانَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بَعْد مُدَّة , وَأَهْل الرِّدَّة كَانُوا بَعْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : لَمَّا قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِرْتَدَّتْ الْعَرَب إِلَّا ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِد الْمَدِينَة , وَمَسْجِد مَكَّة , وَمَسْجِد جُؤَاثَى , وَكَانُوا فِي رِدَّتهمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْم نَبَذَ الشَّرِيعَة كُلّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا , وَقِسْم نَبَذَ وُجُوب الزَّكَاة وَاعْتَرَفَ بِوُجُوبِ غَيْرهَا ; قَالُوا نَصُوم وَنُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي ; فَقَاتَلَ الصِّدِّيق جَمِيعهمْ ; وَبَعَثَ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَيْهِمْ بِالْجُيُوشِ فَقَاتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ ; عَلَى مَا هُوَ مَشْهُور مِنْ أَخْبَارهمْ . فِي مَوْضِع النَّعْت . قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَأَصْحَابه , وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَار . وَقِيلَ : هِيَ إِشَارَة إِلَى قَوْم لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَأَنَّ أَبَا بَكْر قَاتَلَ أَهْل الرِّدَّة بِقَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا وَقْت نُزُول الْآيَة ; وَهُمْ أَحْيَاء مِنْ الْيَمَن مِنْ كِنْدَة وَبَجِيلَة , وَمِنْ أَشْجَع , وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ ; فَفِي الْخَبَر أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَدِمَ بَعْد ذَلِكَ بِيَسِيرٍ سَفَائِن الْأَشْعَرِيِّينَ , وَقَبَائِل الْيَمَن مِنْ طَرِيق الْبَحْر , فَكَانَ لَهُمْ بَلَاء فِي الْإِسْلَام فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ عَامَّة فُتُوح الْعِرَاق فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى يَدَيْ قَبَائِل الْيَمَن ; هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِي نُزُولهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَرَوَى الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه فِي " الْمُسْتَدْرَك " بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : ( هُمْ قَوْم هَذَا ) قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَأَتْبَاع أَبِي الْحَسَن مِنْ قَوْمه ; لِأَنَّ كُلّ مَوْضِع أُضِيفَ فِيهِ قَوْم إِلَى نَبِيّ أُرِيدَ بِهِ الْأَتْبَاع . "أَذِلَّة " نَعْت لِقَوْمٍ , وَكَذَلِكَ أَيْ يَرْأَفُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَيَرْحَمُونَهُمْ وَيَلِينُونَ لَهُمْ ; مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول أَيْ تَنْقَاد سَهْلَة , وَلَيْسَ مِنْ الذُّلّ فِي شَيْء , وَيَغْلُظُونَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيُعَادُونَهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالسَّيِّد لِلْعَبْدِ , وَهُمْ فِي الْغِلْظَة عَلَى الْكُفَّار كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَته ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار رُحَمَاء بَيْنهمْ " [ الْفَتْح : 29 ] , وَيَجُوز " أَذِلَّةً " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال ; أَيْ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فِي هَذَا الْحَال , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعْنَى مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّتهمْ لَهُ . فِي مَوْضِع الصِّفَة أَيْضًا . بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ يَخَافُونَ الدَّوَائِر ; فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى تَثْبِيت إِمَامَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا فِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ بَعْده , وَمَعْلُوم أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات فَهُوَ وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى , وَقِيلَ : الْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَنْ يُجَاهِد الْكُفَّار إِلَى قِيَام السَّاعَة , وَاللَّه أَعْلَمُ . اِبْتِدَاء وَخَبَر أَيْ وَاسِع الْفَضْل , عَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه .
| یَخَافُونَ | أي: اللهَ. |
|---|---|
| أَذِلَّةٍ | رُحماءَ. |
| أَعِزَّةٍ | أشدَّاءَ. |
| قَوۡمࣲ | هم اليهودُ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian