صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ٢

سورة المائدة الآية ٢

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰۤىِٕرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡیَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَ وَلَاۤ ءَاۤمِّینَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣰاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُوا۟ۚ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُوا۟ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ﴿٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ " أي: محرماته, التي أمركم بتعظيمها, وعدم فعلها. فالنهي يشمل النهي عن فعلها, والنهي عن اعتقاد حلها, فهو يشمل النهي, عن فعل القبيح, وعن اعتقاده. ويدخل في ذلك, النهي عن محرمات الإحرام, ومحرمات الحرم. ويدخل في ذلك ما نص عليه بقوله " وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ " أي: لا تنتهكوه بالقتال فيه وغيره, من أنواع الظلم كما قال تعالى: " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ " . والجمهور من العلماء, على أن القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بقوله تعالى: " فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " وغير ذلك من العمومات, التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقا, والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقا. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف, في ذي القعدة, وهو من الأشهر الحرم. وقال آخرون: إن النهي عن القتال في الأشهر الحرم, غير منسوخ لهذه الآية وغيرها, مما فيه النهي عن ذلك بخصوصه. وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك, وقالوا: المطلق يحمل على المقيد. وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم, وأما استدامته, وتكميله, إذا كان أوله في غيرها, فإنه يجوز. وحملوا قتال النبي صلى الله عليه وسلم, لأهل الطائف على ذلك, لأن أول قتالهم في " حنين " في " شوال " . وكل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع. فأما قتال الدفع - إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال - فإنه يجوز للمسلمين القتال, دفعا عن أنفسهم, في الشهر الحرام وغيره, بإجماع العلماء. وقوله " وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ " أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله, في حج, أو عمرة, أو غيرها, من نعم وغيرها, فلا تصدوه عن الوصول إلى محله, ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها, ولا تقصروا به, أو تحملوه ما لا يطيق, خوفا من تلفه, قبل وصوله إلى محله, بل عظموه, وعظموا من جاء به. " وَلَا الْقَلَائِدَ " هذا نوع خاص من أنواع الهدي, وهو الهدي الذي يفتل له قلائد أو عرى, فيجعل في أعناقه, إظهارا لشعائر الله, وحملا للناس على الاقتداء, وتعليما لهم للسنة, وليعرف أنه هدي, فيحرم, ولهذا كان تقليد الهدي من السنة والشعائر المسنونة. " وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ " أي: قاصدين له " يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا " . أي: من قصد هذا البيت الحرام, وقصده فضل الله بالتجارة, والمكاسب المباحة, أو قصده رضوان الله, بحجه وعمرته, والطواف به, والصلاة, وغيرها من أنواع العبادات, فلا تتعرضوا له بسوء, ولا تهينوه, بل أكرموه, وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم. ودخل في هذا, الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله, وجعل القاصدين له, مطمئنين مستريحين, غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه, ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك. وهذه الآية الكريمة مخصوصة بقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا " . فالمشرك, لا يُمَكَّن من الدخول إلى الحرم. والتخصيص في هذه الآية, بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت, ابتغاء فضل الله أو رضوانه - يدل على أن من قصده, ليلحد فيه بالمعاصي, فإن من تمام احترام الحرم, صد من هذه حاله, عن الإفساد ببيت الله, كما قال تعالى: " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ " . ولما نهاهم عن الصيد في حال الإحرام قال: " وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا " أي: إذا حللتم من الإحرام, بالحج والعمرة, حل لكم الاصطياد, وزال ذلك التحريم. والأمر بعد التحريم, يرد الأشياء إلى ما كانت عليه من قبل. " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا " أي: لا يحملنكم بغض قوم, وعداوتهم, واعتداؤهم عليكم, حيث صدوكم عن المسجد, على الاعتداء عليهم, طلبا للاشتفاء منهم, فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله, ويسلك طريق العدل, ولو جُنِي عليه, أو ظلم, واعتدي عليه. فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه, أو يخون من خانه. " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " أي: ليعن بعضكم بعضا على البر. وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه, من الأعمال الظاهرة والباطنة, من حقوق الله, وحقوق الآدميين. والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع, لترك كل ما يكرهه الله ورسوله, من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها, أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها, فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه, وبمعاونة غيره عليها من إخوانه المؤمنين, بكل قول يبعث عليها, وينشط لها, وبكل فعل كذلك. " وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ " وهو التجري على المعاصي, التي يأثم صاحبها, ويجرح. " وَالْعُدْوَانِ " وهو: التعدي على الخَلْق, في دمائهم, وأموالهم, وأعراضهم. فكل معصية وظلم, يجب على العبد, كف نفسه عنه, ثم إعانة غيره على تركه. " وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " على من عصاه, وتجرأ على محارمه. فاحذروا المحارم, لئلا يحل بكم عقابه العاجل والآجل.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تتعدَّوا حدود الله ومعالمه، ولا تستحِلُّوا القتال في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان ذلك في صدر الإسلام، ولا تستحِلُّوا حرمة الهَدْي، ولا ما قُلِّدَ منه؛ إذ كانوا يضعون القلائد، وهي ضفائر من صوف أو وَبَر في الرقاب علامةً على أن البهيمة هَدْيٌ وأن الرجل يريد الحج، ولا تَسْتَحِلُّوا قتال قاصدي البيت الحرام الذين يبتغون من فضل الله ما يصلح معايشهم ويرضي ربهم. وإذا حللتم من إحرامكم حلَّ لكم الصيد، ولا يحمِلَنَّكم بُغْض قوم من أجل أن منعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام -كما حدث عام "الحديبية"- على ترك العدل فيهم. وتعاونوا -أيها المؤمنون فيما بينكم- على فِعْل الخير، وتقوى الله، ولا تعاونوا على ما فيه إثم ومعصية وتجاوز لحدود الله، واحذروا مخالفة أمر الله فإنه شديد العقاب.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه" جَمْع شَعِيرَة أَيْ مَعَالِم دِينه بِالصَّيْدِ فِي الْإِحْرَام "وَلَا الشَّهْر الْحَرَام" بِالْقِتَالِ فِيهِ "وَلَا الْهَدْي" مَا أُهْدِيَ إلَى الْحَرَم مِنْ النِّعَم بِالتَّعَرُّضِ لَهُ "وَلَا الْقَلَائِد" جَمْع قِلَادَة وَهِيَ مَا كَانَ يُقَلَّد بِهِ مِنْ شَجَر الْحَرَم لِيَأْمَن أَيْ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهَا وَلَا لِأَصْحَابِهَا "وَلَا" تُحِلُّوا "آمِّينَ" قَاصِدِينَ "الْبَيْت الْحَرَام" بِأَنْ تُقَاتِلُوهُمْ "يَبْتَغُونَ فَضْلًا" رِزْقًا "مِنْ رَبّهمْ" بِالتِّجَارَةِ "وَرِضْوَانًا" مِنْهُ بِقَصْدِهِ بِزَعْمِهِمْ الْفَاسِد وَهَذَا مَنْسُوخ بِآيَةِ بَرَاءَة "وَإِذَا حَلَلْتُمْ" مِنْ الْإِحْرَام "فَاصْطَادُوا" أَمْر إبَاحَة "وَلَا يَجْرِمَنكُمْ" يَكْسِبَنكُمْ "شَنَآن" بِفَتْحِ النُّون وَسُكُونهَا بُغْض "قَوْم" لِأَجْلِ "أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا" عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَغَيْره "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ" بِفِعْلِ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ "وَالتَّقْوَى" بِتَرْكِ مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ "وَلَا تَعَاوَنُوا" فِيهِ حَذْف إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأَصْل "عَلَى الْإِثْم" الْمَعَاصِي "وَالْعُدْوَان" التَّعَدِّي فِي حُدُود اللَّه "وَاتَّقُوا اللَّه" خَافُوا عِقَابه بِأَنْ تُطِيعُوهُ "إنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لِمَنْ خَالَفَهُ

تفسير ابن كثير

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي بِذَلِكَ مَنَاسِك الْحَجِّ وَقَالَ مُجَاهِد : الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَالْهَدْي وَالْبُدْن مِنْ شَعَائِر اللَّه وَقِيلَ شَعَائِر اللَّه مَحَارِمه : أَيْ لَا تُحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ الَّتِي حَرَّمَهَا تَعَالَى وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَا الشَّهْر الْحَرَام " يَعْنِي بِذَلِكَ تَحْرِيمه وَالِاعْتِرَاف بِتَعْظِيمِهِ وَتَرْك مَا نَهَى اللَّه عَنْ تَعَاطِيه فِيهِ مِنْ اِبْتِدَاء بِالْقِتَالِ وَتَأْكِيد اِجْتِنَاب الْمَحَارِم كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير وَقَالَ تَعَالَى " إِنَّ عِدَّة الشُّهُور عِنْد اللَّه اِثْنَا عَشَر شَهْرًا" الْآيَة . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبَى بَكْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَجَّة الْوَدَاع : " إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض السَّنَة اِثْنَا عَشَر شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُم : ثَلَاث مُتَوَالِيَات ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب مُضَر الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان " . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى اِسْتِمْرَار تَحْرِيمهَا إِلَى آخِر وَقْت كَمَا هُوَ مَذْهَب طَائِفَة مِنْ السَّلَف . قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَا الشَّهْر الْحَرَام " يَعْنِي لَا تَسْتَحِلُّوا الْقِتَال فِيهِ وَكَذَا قَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان وَعَبْد الْكَرِيم بْن مَالِك الْجَزَرِيّ وَاخْتَارَهُمْ اِبْن جَرِير أَيْضًا وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخ وَأَنَّهُ يَجُوز اِبْتِدَاء الْقِتَال فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى " فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " وَالْمُرَاد أَشْهُر التَّسْيِير الْأَرْبَعَة قَالُوا فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَهْرًا حَرَامًا مِنْ غَيْره وَقَدْ حَكَى الْإِمَام أَبُو جَعْفَر الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّ قِتَال أَهْل الشِّرْك فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَغَيْرهَا مِنْ شُهُور السَّنَة قَالَ وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِك لَوْ قَلَّدَ عُنُقه أَوْ ذِرَاعَيْهِ بِلِحَاءِ جَمِيع أَشْجَار الْحَرَم لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ أَمَانًا مِنْ الْقَتْل إِذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَقْد ذِمَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَان وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَة بَحْث آخَر لَهُ مَوْضِع أَبْسَط مِنْ هَذَا وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد " يَعْنِي لَا تَتْرُكُوا الْإِهْدَاء إِلَى الْبَيْت الْحَرَام فَإِنَّ فِيهِ تَعْظِيم شَعَائِر اللَّه وَلَا تَتْرُكُوا تَقْلِيدهَا فِي أَعْنَاقهَا لِتَتَمَيَّز بِهِ عَمَّا عَدَاهَا مِنْ الْأَنْعَام وَلِيُعْلَم أَنَّهَا هَدْي إِلَى الْكَعْبَة فَيَجْتَنِبهَا مَنْ يُرِيدهَا بِسُوءٍ وَتَبْعَث مَنْ يَرَاهَا عَلَى الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا فَإِنَّ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْر مِثْل أُجُور مَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أُجُورهمْ شَيْءٌ وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَة وَهُوَ وَادِي الْعَقِيق فَلَمَّا أَصْبَحَ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ وَكُنَّ تِسْعًا ثُمَّ اِغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَشْعَرَ هَدْيه وَقَلَّدَهُ وَأَهَلَّ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَة وَكَانَ هَدْيه إِبِلًا كَثِيرَة تُنِيف عَلَى السِّتِّينَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَشْكَال وَالْأَلْوَان كَمَا قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب" وَقَالَ بَعْض السَّلَف : إِعْظَامهَا اِسْتِحْسَانهَا وَاسْتِسْمَانهَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : أَمَرَنَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِف الْعَيْن وَالْأُذُن . رَوَاهُ أَهْل السُّنَن وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان قَوْله " وَلَا الْقَلَائِد" فَلَا تَسْتَحِلُّوهُ وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَوْطَانهمْ فِي غَيْر الْأَشْهُر الْحُرُم قَلَّدُوا أَنْفُسهمْ بِالشَّعْرِ وَالْوَبَر وَتَقَلَّدَ مُشْرِكُو الْحَرَم مِنْ لِحَاء شَجَره فَيَأْمَنُونَ بِهِ . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمَّار حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سُلَيْمَان قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ سُفْيَان بْن حَسَن عَنْ الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ نُسِخَ مِنْ هَذِهِ السُّورَة آيَتَانِ آيَة الْقَلَائِد وَقَوْله " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " وَحَدَّثَنَا الْمُنْذِر بْن شَاذَان حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ عَنْ اِبْن عَوْف قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ : نُسِخَ مِنْ الْمَائِدَة شَيْءٌ ؟ قَالَ لَا وَقَالَ عَطَاء كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ شَجَر الْحَرَم فَيَأْمَنُونَ فَنَهَى اللَّه عَنْ قَطْع شَجَره وَكَذَا قَالَ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه . وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا " أَيْ وَلَا تَسْتَحِلُّوا قِتَال الْقَاصِدِينَ إِلَى بَيْت اللَّه الْحَرَام الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَكَذَا مَنْ قَصَدَهُ طَالِبًا فَضْل اللَّه وَرَاغِبًا فِي رَسُوله فَلَا تَصُدُّوهُ وَلَا تَمْنَعُوهُ وَلَا تُهَيِّجُوهُ قَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد فِي قَوْله " يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ " : يَعْنِي بِذَلِكَ التِّجَارَة وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبّكُمْ " وَقَوْله " وَرِضْوَانًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس يَتَرَضَّوْنَ اللَّه بِحُبِّهِمْ ذَكَرَ عِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ وَابْن جَرِير أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْحَطَم بْن هِنْد الْبَكْرِيّ كَانَ قَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْح الْمَدِينَةِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل اِعْتَمَرَ إِلَى الْبَيْت فَأَرَادَ بَعْض الصَّحَابَة أَنْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ فِي طَرِيقه إِلَى الْبَيْت فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ" وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا " . وَقَدْ حَكَى اِبْن جَرِير الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِك يَجُوز قَتْلُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَان وَإِنْ أَمَّ الْبَيْت الْحَرَام أَوْ بَيْت الْمَقْدِس وَأَنَّ هَذَا الْحُكْم مَنْسُوخٌ فِي حَقِّهِمْ وَاَللَّه أَعْلَمُ . فَأَمَّا مَنْ قَصَدَهُ بِالْإِلْحَادِ فِيهِ وَالشِّرْك عِنْده وَالْكُفْر بِهِ فَهَذَا يُمْنَع قَالَ تَعَالَى" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا " وَلِهَذَا بَعَثَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَام تِسْع لَمَّا أَمَّرَ الصِّدِّيق عَلَى الْحَجِيج عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِي عَلَى سَبِيل النِّيَابَة عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَقَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام " يَعْنِي مَنْ تَوَجَّهَ قِبَل الْبَيْت الْحَرَام فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْ مُؤْمِن أَوْ كَافِر ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه بَعْدهَا " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِد اللَّه " وَقَالَ " إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِد اللَّه مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله " وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام" قَالَ مَنْسُوخ كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْته يُرِيد الْحَجّ تَقَلَّدَ مِنْ الشَّجَر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد فَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَة مِنْ شَعْر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد وَكَانَ الْمُشْرِك يَوْمئِذٍ لَا يُصَدُّ عَنْ الْبَيْتِ فَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الشَّهْر الْحَرَام وَلَا عِنْد الْبَيْت فَنَسَخَهَا قَوْله " اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" وَقَدْ اِخْتَارَ اِبْن جَرِير أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " وَلَا الْقَلَائِد " يَعْنِي إِنْ تَقَلَّدُوا قِلَادَة مِنْ الْحَرَم فَأَمِّنُوهُمْ قَالَ وَلَمْ تَزَلْ الْعَرَبُ تُعَيِّر مَنْ أَخْفَرَ ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِر : أَلَمْ تَقْتُلَا الْحِرْجَيْنِ إِذْ أَعْوَرَا لَكُمْ يَمُرَّانِ بِالْأَيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا . وَقَوْله تَعَالَى " وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا " أَيْ إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ إِحْرَامكُمْ وَأَحْلَلْتُمْ مِنْهُ فَقَدْ أَبَحْنَا لَكُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمَا عَلَيْكُمْ فِي حَال الْإِحْرَام مِنْ الصَّيْد وَهَذَا أَمْر بَعْد الْحَظْر وَالصَّحِيح الَّذِي يَثْبُت عَلَى السَّيْر أَنَّهُ يَرُدُّ الْحُكْمَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل النَّهْي فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا رَدَّهُ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبّ أَوْ مُبَاحًا فَمُبَاح وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى الْوُجُوب يُنْتَقَض عَلَيْهِ بِآيَاتٍ كَثِيرَة وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ يُرَدُّ عَلَيْهِ آيَات أُخْرَى وَاَلَّذِي يَنْتَظِمُ الْأَدِلَّةَ كُلَّهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كَمَا اِخْتَارَهُ بَعْضُ عُلَمَاء الْأُصُول وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَوْله " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا " مِنْ الْقُرَّاء مَنْ قَرَأَ أَنْ صَدُّوكُمْ بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ أَنْ وَمَعْنَاهَا ظَاهِر أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْض مَنْ كَانُوا صَدُّوكُمْ عَنْ الْوُصُول إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَذَلِكَ عَام الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا حُكْمَ اللَّه فِيهِمْ فَتَقْتَصُّوا مِنْهُمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا بَلْ اُحْكُمُوا بِمَا أَمَرَكُمْ اللَّه بِهِ مِنْ الْعَدْل فِي حَقّ كُلّ أَحَد وَهَذِهِ الْآيَة كَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْله " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم عَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بَعْض قَوْم عَلَى تَرْك الْعَدْل فَإِنَّ الْعَدْل وَاجِب عَلَى كُلّ أَحَد فِي كُلّ أَحَد فِي كُلّ حَال وَقَالَ بَعْض السَّلَف : مَا عَامَلْت مَنْ عَصَى اللَّه فِيك بِمِثْلِ أَنْ تُطِيع اللَّه فِيهِ وَالْعَدْل بِهِ قَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَهْل بْن عَفَّان حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابه حِين صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْت وَقَدْ اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَرَّ بِهِمْ النَّاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل الْمَشْرِق يُرِيدُونَ الْعُمْرَة فَقَالَ أَصْحَاب النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصُدّ هَؤُلَاءِ كَمَا صَدَّك أَصْحَابهمْ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة وَالشَّنَآن هُوَ الْبُغْض قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره وَهُوَ مَصْدَر مِنْ شَنَأْته أَشْنَؤُهُ شَنَآنًا بِالتَّحْرِيكِ مِثْل قَوْلهمْ جَمَزَان وَدَرَجَان وَرَقَلَان مِنْ جَمَزَ وَدَرَجَ وَرَقَلَ وَقَالَ اِبْن جَرِير : مِنْ الْعَرَب مَنْ يُسْقِط التَّحْرِيكَ فِي شَنَآن فَيَقُول شَنَان وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهَا وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا تُحِبُّ وَتَشْتَهِي وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا . وَقَوْله تَعَالَى " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان " يَأْمُر تَعَالَى عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى فِعْل الْخَيْرَات وَهُوَ الْبِرّ وَتَرْك الْمُنْكَرَات وَهُوَ التَّقْوَى وَيَنْهَاهُمْ عَنْ التَّنَاصُر عَلَى الْبَاطِل وَالتَّعَاوُن عَلَى الْمَآثِم وَالْمَحَارِم قَالَ اِبْن جَرِير : الْإِثْم تَرْك مَا أَمَرَ اللَّه بِفِعْلِهِ وَالْعُدْوَان مُجَاوَزَة مَا فَرَضَ اللَّه عَلَيْكُمْ فِي أَنْفُسكُمْ وَفِي غَيْركُمْ وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا هُشَيْم حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَنَس عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ يَا رَسُول اللَّه هَذَا نَصَرْته مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ ظَالِمًا ؟ قَالَ تَحْجِزهُ وَتَمْنَعهُ مِنْ الظُّلْم فَذَاكَ نَصْرُهُ " . اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث هُشَيْم بِهِ نَحْوه وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ يَا رَسُول اللَّه هَذَا نَصَرْته مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرهُ ظَالِمًا قَالَ تَمْنَعهُ مِنْ الظُّلْم فَذَلِكَ نَصْرُك إِيَّاهُ " . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن سَعِيد عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْمُؤْمِن الَّذِي يُخَالِط النَّاس وَيَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَدَّثَنَا حَجَّاج حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب عَنْ شَيْخ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " الْمُؤْمِن الَّذِي يُخَالِط النَّاس وَيَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ خَيْر مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطهُمْ وَلَا يَصْبِر عَلَى أَذَاهُمْ" . وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق إِسْحَاق بْن يُوسُف كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد أَبُو شَيْبَة الْكُوفِيّ حَدَّثَنَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا عِيسَى بْن الْمُخْتَار عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ فُضَيْل بْن عَمْرو عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" الدَّالّ عَلَى الْخَيْر كَفَاعِلِهِ " ثُمَّ قَالَ لَا نَعْلَمهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد قُلْت وَلَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيح" مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْر مِثْل أُجُور مَنْ اِتَّبَعَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أُجُورهمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم مِثْلُ آثَامِ مَنْ اِتَّبَعَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ آثَامهمْ شَيْئًا " وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن زُرَيْق الْحِمْصِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَالِم عَنْ الزُّبَيْدِيّ قَالَ عَبَّاس بْن يُونُس : إِنَّ أَبَا الْحَسَن ثَمَرَان بْن صَخْر حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِم لِيُعِينَهُ وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ ظَالِم فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَام " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْل اللَّه : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَا تُحِلُّوا حُرُمَات اللَّه , وَلَا تَتَعَدَّوْا حُدُوده . كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا الشَّعَائِر إِلَى الْمَعَالِم , وَتَأَوَّلُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه : مَعَالِم حُدُود اللَّه , وَأَمْره , وَنَهْيه , وَفَرَائِضه . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8594 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , قَالَ : ثنا حَبِيب الْمُعَلَّم , عَنْ عَطَاء أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَعَائِر اللَّه , فَقَالَ : حُرُمَات اللَّه : اِجْتِنَاب سَخَط اللَّه , وَاتِّبَاع طَاعَته , فَذَلِكَ شَعَائِر اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { لَا تُحِلُّوا } حَرَم اللَّه . فَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْله : { شَعَائِر اللَّه } أَيْ مَعَالِم حَرَم اللَّه مِنْ الْبِلَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8595 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } قَالَ : أَمَّا شَعَائِر اللَّه : فَحَرَم اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُحِلُّوا مَنَاسِك الْحَجّ فَتُضَيِّعُوهَا . وَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى : لَا تُحِلُّوا مَعَالِم حُدُود اللَّه الَّتِي حَدَّهَا لَكُمْ فِي حَجّكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8596 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } قَالَ : مَنَاسِك الْحَجّ . 8597 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ الْبَيْت الْحَرَام , وَيُهْدُونَ الْهَدَايَا , وَيُعَظِّمُونَ حُرْمَة الْمَشَاعِر , وَيَتَّجِرُونَ فِي حَجّهمْ , فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِمْ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } . 8598 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { شَعَائِر اللَّه } الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَالْهَدْي , وَالْبُدْن , كُلّ هَذَا مِنْ شَعَائِر اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ فِي حَال إِحْرَامكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8599 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } قَالَ : شَعَائِر اللَّه : مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ أَنْ تُصِيبهُ وَأَنْتَ مُحْرِم . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَة , وَجَّهُوا تَأْوِيل ذَلِكَ إِلَى : لَا تُحِلُّوا مَعَالِم حُدُود اللَّه الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ فِي إِحْرَامكُمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِقَوْلِهِ : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } قَوْل عَطَاء الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوْجِيهه مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى : لَا تُحِلُّوا حُرُمَات اللَّه , وَلَا تُضَيِّعُوا فَرَائِضه ; لِأَنَّ الشَّعَائِر جَمْع شَعِيرَة , وَالشَّعِيرَة : فَعِيلَة مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ شَعَرَ فُلَان بِهَذَا الْأَمْر : إِذَا عَلِمَ بِهِ , فَالشَّعَائِر : الْمَعَالِم مِنْ ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : لَا تَسْتَحِلُّوا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَعَالِم اللَّه , فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَعَالِم اللَّه كُلّهَا فِي مَنَاسِك الْحَجّ , مِنْ تَحْرِيم مَا حَرَّمَ اللَّه إِصَابَته فِيهَا عَلَى الْمُحْرِم , وَتَضْيِيع مَا نَهَى عَنْ تَضْيِيعه فِيهَا , وَفِيمَا حَرَّمَ مِنْ اِسْتِحْلَال حُرُمَات حَرَمه , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه وَحَلَاله وَحَرَامه ; لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ مَعَالِمه وَشَعَائِره الَّتِي جَعَلَهَا أَمَارَات بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , يَعْلَم بِهَا حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ الْقَوْل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } لِأَنَّ اللَّه نَهَى عَنْ اِسْتِحْلَال شَعَائِره وَمَعَالِم حُدُوده , وَإِحْلَالهَا نَهْيًا عَامًّا مِنْ غَيْر اِخْتِصَاص شَيْء مِنْ ذَلِكَ دُون شَيْء , فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُوَجِّه مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى الْخُصُوص إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , وَلَا حُجَّة بِذَلِكَ كَذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } وَلَا تَسْتَحِلُّوا الشَّهْر الْحَرَام بِقِتَالِكُمْ بِهِ أَعْدَاءَكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8600 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } يَعْنِي : لَا تَسْتَحِلُّوا قِتَالًا فِيهِ . 8601 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ الْمُشْرِك يَوْمَئِذٍ لَا يُصَدّ عَنْ الْبَيْت , فَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الشَّهْر الْحَرَام وَلَا عِنْد الْبَيْت . وَأَمَّا الشَّهْر الْحَرَام الَّذِي عَنَاهُ اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } فَرَجَب مُضَر , وَهُوَ شَهْر كَانَتْ مُضَر تُحَرِّم فِيهِ الْقِتَال . وَقَدْ قِيلَ : هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع ذُو الْقِعْدَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8602 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : هُوَ ذُو الْقِعْدَة . وَقَدْ بَيَّنَّا الدَّلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , وَذَلِكَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } أَمَّا الْهَدْي : فَهُوَ مَا أَهْدَاهُ الْمَرْء مِنْ بَعِير أَوْ بَقَرَة أَوْ شَاة أَوْ غَيْر ذَلِكَ إِلَى بَيْت اللَّه , تَقَرُّبًا بِهِ إِلَى اللَّه وَطَلَب ثَوَابه . يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : فَلَا تَسْتَحِلُّوا ذَلِكَ فَتُغْضِبُوا أَهْله عَلَيْهِ , وَلَا تَحُولُوا بَيْنهمْ وَبَيْن مَا أَهْدَوْا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْلُغُوا بِهِ الْمَحِلّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه مَحِلّه مِنْ كَعْبَته . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْهَدْي إِنَّمَا يَكُون هَدْيًا مَا لَمْ يُقَلَّد . 8603 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا الْهَدْي } قَالَ : الْهَدْي مَا لَمْ يُقَلَّد , وَقَدْ جَعَلَ عَلَى نَفْسه أَنْ يُهْدِيه وَيُقَلِّدهُ . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا الْقَلَائِد } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا تُحِلُّوا أَيْضًا الْقَلَائِد . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْقَلَائِد الَّتِي نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إِحْلَالهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِالْقَلَائِدِ : قَلَائِد الْهَدْي ; وَقَالُوا : إِنَّمَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } وَلَا تُحِلُّوا الْهَدَايَا الْمُقَلَّدَات مِنْهَا وَغَيْر الْمُقَلَّدَات ; فَقَوْله : { وَلَا الْهَدْي } مَا لَمْ يُقَلَّد مِنْ الْهَدَايَا , { وَلَا الْقَلَائِد } الْمُقَلَّد مِنْهَا . قَالُوا : وَدَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا الْقَلَائِد } عَلَى مَعْنَى مَا أَرَادَ مِنْ النَّهْي عَنْ اِسْتِحْلَال الْهَدَايَا الْمُقَلَّدَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8604 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا الْقَلَائِد } الْقَلَائِد : مُقَلَّدَات الْهَدْي , وَإِذَا قَلَّدَ الرَّجُل هَدْيه فَقَدْ أَحْرَمَ , فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ قَمِيصه فَلْيَخْلَعْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِذَلِكَ : الْقَلَائِد الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَقَلَّدُونَهَا إِذَا أَرَادُوا الْحَجّ مُقْبِلِينَ إِلَى مَكَّة مِنْ لِحَاء السَّمُر , وَإِذَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى مَنَازِلهمْ مُنْصَرِفِينَ مِنْهَا , مِنْ الشَّعْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8605 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } قَالَ : كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْته يُرِيد الْحَجّ تَقَلَّدَ مِنْ السَّمُر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد , فَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَة شَعْر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ يَتَقَلَّد إِذَا أَرَادَ الْخُرُوج مِنْ الْحَرَم أَوْ خَرَجَ مِنْ لِحَاء شَجَر الْحَرَم فَيَأْمَن بِذَلِكَ مِنْ سَائِر قَبَائِل الْعَرَب أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِسُوءٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8606 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل , عَنْ عَطَاء : { وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ لِحَاء شَجَر الْحَرَم , يَأْمَنُونَ بِذَلِكَ إِذَا خَرَجُوا مِنْ الْحَرَم , فَنَزَلَتْ : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } الْآيَة , { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } . 8607 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : الْقَلَائِد : اللِّحَاء فِي رِقَاب النَّاس وَالْبَهَائِم أَمْنٌ لَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8608 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : إِنَّ الْعَرَب كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ لِحَاء شَجَر مَكَّة , فَيُقِيم الرَّجُل بِمَكَانِهِ , حَتَّى إِذَا اِنْقَضَتْ الْأَشْهُر الْحُرُم فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله قَلَّدَ نَفْسه وَنَاقَته مِنْ لِحَاء الشَّجَر , فَيَأْمَن حَتَّى يَأْتِي أَهْله . 8609 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : الْقَلَائِد : كَانَ الرَّجُل يَأْخُذ لِحَاء شَجَرَة مِنْ شَجَر الْحَرَم فَيَتَقَلَّدهَا , ثُمَّ يَذْهَب حَيْثُ شَاءَ , فَيَأْمَن بِذَلِكَ , فَذَلِكَ الْقَلَائِد . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا الْقَلَائِد } أَنْ يَنْزِعُوا شَيْئًا مِنْ شَجَر الْحَرَم فَيَتَقَلَّدُوهُ كَمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَ فِي جَاهِلِيَّتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8610 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْخُذُونَ مِنْ شَجَر مَكَّة مِنْ لِحَاء السَّمُر , فَيَتَقَلَّدُونَهَا , فَيَأْمَنُونَ بِهَا مِنْ النَّاس , فَنَهَى اللَّه أَنْ يُنْزَع شَجَرهَا فَيُتَقَلَّد . 8611 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّف بْن الشِّخِّير , وَعِنْده رَجُل , فَحَدَّثَهُمْ فِي قَوْله : { وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْخُذُونَ مِنْ شَجَر مَكَّة مِنْ لِحَاء السَّمُر فَيَتَقَلَّدُونَ , فَيَأْمَنُونَ بِهَا فِي النَّاس , فَنَهَى اللَّه عَزَّ ذِكْره أَنْ يُنْزَع شَجَرهَا فَيُتَقَلَّد . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْله : { وَلَا الْقَلَائِد } إِذْ كَانَتْ مَعْطُوفَة عَلَى أَوَّل الْكَلَام , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام مَا يَدُلّ عَلَى اِنْقِطَاعهَا عَنْ أَوَّله , وَلَا أَنَّهُ عَنَى بِهَا النَّهْي عَنْ التَّقَلُّد أَوْ اِتِّخَاذ الْقَلَائِد مِنْ شَيْء ; أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَلَا تُحِلُّوا الْقَلَائِد . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ أَوْلَى , فَمَعْلُوم أَنَّهُ نَهْي مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره عَنْ اِسْتِحْلَال حُرْمَة الْمُقَلَّد هَدْيًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ إِنْسَانًا , دُون حُرْمَة الْقِلَادَة ; وَأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره إِنَّمَا دَلَّ بِتَحْرِيمِهِ حُرْمَة الْقِلَادَة عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُرْمَة الْمُقَلَّد , فَاجْتَزَأَ بِذِكْرِهِ الْقَلَائِد مِنْ ذِكْر الْمُقَلَّد , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا عِنْد الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ مَعْنَى مَا أُرِيد بِهِ . فَمَعْنَى الْآيَة إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه , وَلَا الشَّهْر الْحَرَام , وَلَا الْهَدْي , وَلَا الْمُقَلَّد بِقِسْمَيْهِ بِقَلَائِد الْحَرَم . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض الشُّعَرَاء فِي شِعْره , مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ تَأَوَّلَ الْقَلَائِد أَنَّهَا قَلَائِد لِحَاء شَجَر الْحَرَم الَّذِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَتَقَلَّدُونَهُ , فَقَالَ وَهُوَ يَعِيب رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلَيْنِ كَانَا تَقَلَّدَا ذَلِكَ : أَلَمْ تَقْتُلَا الْحِرْجَيْنِ إِذْ أَعْوَرَاكُمَا يُمِرَّانِ بِالْأَيْدِي اللِّحَاء الْمُضَفَّرَا وَالْحَرِجَانِ : الْمَقْتُولَانِ كَذَلِكَ . وَمَعْنَى قَوْله : أَعْوَرَاكُمَا : أَمْكَنَاكُمَا مِنْ عَوْرَتهمَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْره { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } وَلَا تُحِلُّوا قَاصِدِينَ الْبَيْت الْحَرَام الْعَامِدِيَّة , تَقُول مِنْهُ : أَمَمْت كَذَا : إِذَا قَصَدْته وَعَمَدْته , وَبَعْضهمْ يَقُول : يَمَّمْته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِنِّي كَذَاك إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَد يَمَّمْت صَدْر بَعِيرِي غَيْره بَلَدًا وَالْبَيْت الْحَرَام : بَيْت اللَّه الَّذِي بِمَكَّة ; وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى لِمَ قِيلَ لَهُ الْحَرَام . { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ } يَعْنِي : يَلْتَمِسُونَ أَرْبَاحًا فِي تِجَارَتهمْ مِنْ اللَّه . { وَرِضْوَانًا } يَقُول : وَأَنْ يَرْضَى اللَّه عَنْهُمْ بِنُسُكِهِمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ بَنِي رَبِيعَة يُقَال لَهُ الْحُطَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8612 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَقْبَلَ الْحُطَم بْن هِنْد الْبَكْرِيّ , ثُمَّ أَحَد بَنِي قَيْس بْن ثَعْلَبَة , حَتَّى أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده , وَخَلَّف خَيْله خَارِجَة مِنْ الْمَدِينَة , فَدَعَاهُ فَقَالَ : إِلَامَ تَدْعُو ؟ فَأَخْبَرَهُ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : " يَدْخُل الْيَوْم عَلَيْكُمْ رَجُل مِنْ رَبِيعَة , يَتَكَلَّم بِلِسَانِ شَيْطَان " . فَلَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اُنْظُرُوا لَعَلِّي أُسْلِم , وَلِي مَنْ أُشَاوِرهُ . فَخَرَجَ مِنْ عِنْده , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِر , وَخَرَجَ بِعَقِبِ غَادِر " . فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِنْ سُرُح الْمَدِينَة , فَسَاقَهُ , فَانْطَلَقَ بِهِ وَهُوَ يَرْتَجِز : قَدْ لَفَّهَا اللَّيْل بِسَوَّاقٍ حُطَم لَيْسَ بِرَاعِي إِبِل وَلَا غَنَم وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْر الْوَضَم بَاتُوا نِيَامًا وَابْن هِنْد لَمْ يَنَمْ بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزُّلَم خَدَلَّج السَّاقَيْنِ مَمْسُوح الْقَدَم ثُمَّ أَقْبَلَ مِنْ عَام قَابِل حَاجًّا قَدْ قَلَّدَ وَأَهْدَى , فَأَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْعَث إِلَيْهِ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , حَتَّى بَلَغَ : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } قَالَ لَهُ نَاس مِنْ أَصْحَابه : يَا رَسُول اللَّه خَلِّ بَيْننَا وَبَيْنه , فَإِنَّهُ صَاحِبنَا ! قَالَ : " إِنَّهُ قَدْ قَلَّدَ " . قَالُوا : إِنَّمَا هُوَ شَيْء كُنَّا نَصْنَعهُ فِي الْجَاهِلِيَّة . فَأَبَى عَلَيْهِمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة 8613 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : قَدِمَ الْحُطَم أَخُو بَنِي ضُبَيْعَة بْن ثَعْلَبَة الْبَكْرِيّ الْمَدِينَة فِي عِير لَهُ يَحْمِل طَعَامًا , فَبَاعَهُ . ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَايَعَهُ , وَأَسْلَمَ . فَلَمَّا وَلَّى خَارِجًا نَظَرَ إِلَيْهِ , فَقَالَ لِمَنْ عِنْده : " لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِ فَاجِر وَوَلَّى بِقَفَا غَادِر " . فَلَمَّا قَدِمَ الْيَمَامَة اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام , وَخَرَجَ فِي عِير لَهُ تَحْمِل الطَّعَام فِي ذِي الْقِعْدَة , يُرِيد مَكَّة ; فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ نَفَر مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار لِيَقْتَطِعُوهُ فِي عِيره , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } الْآيَة , فَانْتَهَى الْقَوْم . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } قَالَ : يَنْهَى عَنْ الْحُجَّاج أَنْ تُقْطَع سُبُلهمْ . قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ الْحُطَم قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرْتَادَ وَيَنْظُر , فَقَالَ : إِنِّي دَاعِيَة قَوْمِي , فَاعْرِضْ عَلَيَّ مَا تَقُول ! قَالَ لَهُ : " أَدْعُوك إِلَى اللَّه أَنْ تَعْبُدهُ وَلَا تُشْرِك بِهِ شَيْئًا , وَتُقِيم الصَّلَاة , وَتُؤْتِي الزَّكَاة , وَتَصُوم شَهْر رَمَضَان , وَتَحُجّ الْبَيْت " . قَالَ الْحُطَم : فِي أَمْرك هَذَا غِلْظَة , أَرْجِع إِلَى قَوْمِي فَأَذْكُر لَهُمْ مَا ذَكَرْت , فَإِنْ قَبِلُوهُ أَقْبَلْت مَعَهُمْ , وَإِنْ أَدْبَرُوا كُنْت مَعَهُمْ . قَالَ لَهُ : " اِرْجِعْ ! " فَلَمَّا خَرَجَ , قَالَ : " لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِ كَافِر وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعُقْبَى غَادِر , وَمَا الرَّجُل بِمُسْلِمٍ " . فَمَرَّ عَلَى سَرْح لِأَهْلِ الْمَدِينَة , فَانْطَلَقَ بِهِ فَطَلَبَهُ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفَاتَهُمْ . وَقَدِمَ الْيَمَامَة , وَحَضَرَ الْحَجّ , فَجَهَّزَ خَارِجًا , وَكَانَ عَظِيم التِّجَارَة , فَاسْتَأْذَنُوا أَنْ يَتَلَقَّوْهُ وَيَأْخُذُوا مَا مَعَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } 8614 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } 000 الْآيَة , قَالَ : هَذَا يَوْم الْفَتْح جَاءَ نَاس يَؤُمُّونَ الْبَيْت مِنْ الْمُشْرِكِينَ , يُهِلُّونَ بِعُمْرَةٍ , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا هَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ , فَمِثْل هَؤُلَاءِ فَلَنْ نَدَعهُمْ إِلَّا أَنْ نُغِير عَلَيْهِمْ ! فَنَزَلَ الْقُرْآن : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } 8615 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } يَقُول : مَنْ تَوَجَّهَ حَاجًّا . 8616 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } يَعْنِي : الْحَاجّ . 8617 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّف بْن الشِّخِّير وَعِنْده رَجُل , فَحَدَّثَهُمْ فَقَالَ : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } قَالَ : الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْبَيْت . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِيمَا نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَة بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى أَنَّ مِنْهَا مَنْسُوخًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : نُسِخَ جَمِيعهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8618 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ بَيَان , عَنْ عَامِر , قَالَ : لَمْ يُنْسَخ مِنْ الْمَائِدَة إِلَّا هَذِهِ الْآيَة { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } . 8619 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } نَسَخَتْهَا : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ بَيَان , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَمْ يُنْسَخ مِنْ سُورَة الْمَائِدَة غَيْر هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } . 8620 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } الْآيَة , قَالَ : مَنْسُوخ . قَالَ : كَانَ الْمُشْرِك يَوْمَئِذٍ لَا يُصَدّ عَنْ الْبَيْت , فَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَلَا عِنْد الْبَيْت , فَنَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . 8621 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } إِلَى قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } قَالَ : نَسَخَتْهَا بَرَاءَة : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد } قَالَ : هَذَا شَيْء نُهِيَ عَنْهُ , فَتُرِكَ كَمَا هُوَ . 8622 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } قَالَ : هَذَا كُلّه مَنْسُوخ , نَسَخَ هَذَا أَمْره بِجِهَادِهِمْ كَافَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِي نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَة , قَوْله : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8623 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , قَالَ : قَرَأْت عَلَى اِبْن أَبِي عَرُوبَة , فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْته مِنْ قَتَادَة نُسِخَ مِنْ الْمَائِدَة : { آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } نَسَخَتْهَا بَرَاءَة , قَالَ اللَّه : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } , وَقَالَ : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِد اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسهمْ بِالْكُفْرِ } , وَقَالَ : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا } وَهُوَ الْعَام الَّذِي حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْر , فَنَادَى فِيهِ بِالْأَذَانِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام بْن يَحْيَى , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } الْآيَة , قَالَ : فَنَسَخَ مِنْهَا : { آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } نَسَخَتْهَا بَرَاءَة , فَقَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } , فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عَبْدَة . 8624 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : نَزَلَ فِي شَأْن الْحُطَم : { وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّه فَقَالَ : { اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } . 8625 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه } إِلَى قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت } جَمِيعًا , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا أَنْ يَحُجّ الْبَيْت أَوْ يَعْرِضُوا لَهُ مِنْ مُؤْمِن أَوْ كَافِر , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه بَعْد هَذَا : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا } , وَقَالَ : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِد اللَّه } , وَقَالَ : { إِنَّمَا يَعْمُر مَسَاجِد اللَّه مَنْ آمَنَ بِاللَّه وَالْيَوْم الْآخِر } فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام . 8626 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } الْآيَة , قَالَ : مَنْسُوخ , كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْته يُرِيد الْحَجّ , تَقَلَّدَ مِنْ السَّمُر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد , وَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَة شَعْر فَلَمْ يَعْرِض لَهُ أَحَد , وَكَانَ الْمُشْرِك يَوْمئِذٍ لَا يُصَدّ عَنْ الْبَيْت , وَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَلَا عِنْد الْبَيْت , فَنَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُنْسَخ مِنْ ذَلِكَ شَيْء إِلَّا الْقَلَائِد الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَقَلَّدُونَهَا مِنْ لِحَاء الشَّجَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8627 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه وَلَا الشَّهْر الْحَرَام } الْآيَة , قَالَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا كُلّه مِنْ عَمَل الْجَاهِلِيَّة , فِعْله وَإِقَامَته , فَحَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه بِالْإِسْلَامِ , إِلَّا لِحَاء الْقَلَائِد , فَتَرَكَ ذَلِكَ . { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } فَحَرَّمَ اللَّه عَلَى كُلّ أَحَد إِخَافَتهمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ , قَوْل مَنْ قَالَ : نَسَخَ اللَّه مِنْ هَذِهِ الْآيَة قَوْله : { وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّ قِتَال أَهْل الشِّرْك فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَغَيْرهَا مِنْ شُهُور السَّنَة كُلّهَا , وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِك لَوْ قَلَّدَ عُنُقه أَوْ ذِرَاعَيْهِ لِحَاء جَمِيع أَشْجَار الْحَرَم لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ أَمَانًا مِنْ الْقَتْل إِذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَقْد ذِمَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَان . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْقَلَائِد فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام } فَإِنَّهُ مُحْتَمَل ظَاهِره : وَلَا تُحِلُّوا حُرْمَة آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام مِنْ أَهْل الشِّرْك وَالْإِسْلَام , لِعُمُومِ جَمِيع مَنْ أَمَّ الْبَيْت . وَإِذَا اِحْتَمَلَ ذَلِكَ , فَكَانَ أَهْل الشِّرْك دَاخِلِينَ فِي جُمْلَتهمْ , فَلَا شَكّ أَنَّ قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } نَاسِخ لَهُ ; لِأَنَّهُ غَيْر جَائِز اِجْتِمَاع الْأَمْر بِقَتْلِهِمْ وَتَرْك قَتْلهمْ فِي حَال وَاحِدَة وَوَقْت وَاحِد . وَفِي إِجْمَاع الْجَمِيع عَلَى أَنَّ حُكْم اللَّه فِي أَهْل الْحَرْب مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلهمْ , أَمُّوا الْبَيْت الْحَرَام أَوْ الْبَيْت الْمُقَدَّس فِي أَشْهُر الْحُرُم وَغَيْرهَا , مَا يُعْلَم أَنَّ الْمَنْع مِنْ قَتْلهمْ إِذَا أَمُّوا الْبَيْت الْحَرَام مَنْسُوخ , وَمُحْتَمَل أَيْضًا : وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام مِنْ أَهْل الشِّرْك , وَأَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل عَلَى ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْل الْحَرْب , فَهُوَ أَيْضًا لَا شَكّ مَنْسُوخ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ لَا اِخْتِلَاف فِي ذَلِكَ بَيْنهمْ ظَاهِر , وَكَانَ مَا كَانَ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ ظَاهِر الْحُجَّة , فَالْوَاجِب وَإِنْ اِحْتَمَلَ ذَلِكَ مَعْنًى غَيْر الَّذِي قَالُوا , التَّسْلِيم لِمَا اِسْتَفَاضَ بِصِحَّتِهِ نَقْلهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { يَبْتَغُونَ } يَطْلُبُونَ وَيَلْتَمِسُونَ . وَالْفَضْل : الْإِرْبَاح فِي التِّجَارَة ; وَالرِّضْوَان : رِضَا اللَّه عَنْهُمْ , فَلَا يَحِلّ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا مَا أَحَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَم فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ بِحَجِّهِمْ بَيْته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8628 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } قَالَ : هُمْ الْمُشْرِكُونَ يَلْتَمِسُونَ فَضْل اللَّه وَرِضْوَانه فِيمَا يُصْلِح لَهُمْ دُنْيَاهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , قَالَ : قَرَأْت عَلَى اِبْن أَبِي عَرُوبَة , فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْته مِنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } وَالْفَضْل وَالرِّضْوَان : اللَّذَانِ يَبْتَغُونَ أَنْ يُصْلِح مَعَايِشهمْ فِي الدُّنْيَا , وَأَنْ لَا يُعَجِّل لَهُمْ الْعُقُوبَة فِيهَا . 8629 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس . { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَتَرَضَّوْنَ اللَّه بِحَجِّهِمْ . 8630 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّف بْن الشِّخِّير , وَعِنْده رَجُل , فَحَدَّثَهُمْ فِي قَوْله : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } قَالَ : التِّجَارَة فِي الْحَجّ , وَالرِّضْوَان فِي الْحَجّ . 8631 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي أُمَيْمَة , قَالَ : قَالَ اِبْن عُمَر فِي الرَّجُل يَحُجّ , وَيَحْمِل مَعَهُ مَتَاعًا , قَالَ : لَا بَأْس بِهِ . وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } . 8632 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبّهمْ وَرِضْوَانًا } قَالَ : يَبْتَغُونَ الْأَجْر وَالتِّجَارَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } الصَّيْد الَّذِي نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُحِلُّوهُ وَأَنْتُمْ حُرُم , يَقُول : فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ فِي اِصْطِيَاده وَاصْطَادُوا إِنْ شِئْتُمْ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله كُنْت حَرَّمْته عَلَيْكُمْ فِي حَال إِحْرَامكُمْ قَدْ زَالَ . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8633 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَالَ : هِيَ رُخْصَة . يَعْنِي قَوْله : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } . 8634 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ حَجَّاج , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : خَمْس فِي كِتَاب اللَّه رُخْصَة , وَلَيْسَتْ بِعَزْمَةٍ , فَذَكَرَ : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } قَالَ : مَنْ شَاءَ فَعَلَ , وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَل . 8635 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد , عَنْ حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , مِثْله . 8636 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حُصَيْن , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } قَالَ : إِذَا حَلَّ , فَإِنْ شَاءَ صَادَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصْطَدْ . 8637 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْأَكْل مِنْ هَدْي الْمُتْعَة وَاجِبًا , وَكَانَ يَتَأَوَّل هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ . كَمَا : 8638 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } يَقُول : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم . 8639 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ . وَأَمَّا أَهْل الْمَعْرِفَة بِاللُّغَةِ , فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلهَا , فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } لَا يَحِقَّنَّ لَكُمْ ; لِأَنَّ قَوْله : { لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّار } هُوَ حَقّ أَنَّ لَهُمْ النَّار . وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ مَعْنَاهُ : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ . وَقَالَ : يُقَال : جَرَمَنِي فُلَان عَلَى أَنْ صَنَعْت كَذَا وَكَذَا : أَيْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ . وَاحْتَجَّ جَمِيعهمْ بِبَيْتِ الشَّاعِر : وَلَقَدْ طَعَنْت أَبَا عُيَيْنَة طَعْنَة جَرَمَتْ فَزَارَة بَعْدهَا أَنْ يَغْضَبُوا فَتَأَوَّلَ ذَلِكَ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مِنْ الْقُرْآن , فَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا يَجْرِمَنَّكُمْ } لَا يَحِقَّنَّ لَكُمْ مَعْنَى قَوْل الشَّاعِر : جَرَمَتْ فَزَارَة : أَحَقَّتْ الطَّعْنَة لِفَزَارَة الْغَضَب . وَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا مَعْنَاهُ : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ : مَعْنَاهُ فِي الْبَيْت : " جَرَمَتْ فَزَارَة أَنْ يَغْضَبُوا " : حَمَلَتْ فَزَارَة عَلَى أَنْ يَغْضَبُوا . وَقَالَ آخَر مِنْ الْكُوفِيِّينَ : مَعْنَى قَوْله : { لَا يَجْرِمَنَّكُمْ } لَا يُكْسِبَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم . وَتَأْوِيل قَائِل هَذَا الْقَوْل قَوْل الشَّاعِر فِي الْبَيْت : " جَرَمَتْ فَزَارَة " : كَسَبَتْ فَزَارَة أَنْ يَغْضَبُوا . قَالَ : وَسُمِعَتْ الْعَرَب تَقُول : فُلَان جَرِيمَة أَهْله , بِمَعْنَى : كَاسِبهمْ , وَخَرَجَ يَجْرِمهُمْ : يُكْسِبهُمْ . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَاهَا عَنْهُ مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَمَلَ رَجُلًا عَلَى بُغْض رَجُل فَقَدْ أَكْسَبَهُ بُغْضه , وَمَنْ أَكْسَبَهُ بُغْضه فَقَدْ أَحَقَّهُ لَهُ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي هُوَ أَحْسَن فِي الْإِبَانَة عَنْ مَعْنَى الْحَرْف , مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَذَلِكَ تَوْجِيههمَا مَعْنَى قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم عَلَى الْعُدْوَان . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَته عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ : جَرَمْته أَجْرِمهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ , وَهُوَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش , مَا : 8640 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , أَنَّهُ قَرَأَ : "وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ " مُرْتَفِعَة الْيَاء مِنْ أَجْرَمْته أُجْرِمهُ وَهُوَ يُجْرِمنِي . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ } بِفَتْحِ الْيَاء , لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَة بِذَلِكَ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار وَشُذُوذ مَا خَالَفَهَا , وَأَنَّهَا اللُّغَة الْمَعْرُوفَة السَّائِرَة فِي الْعَرَب , وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْ بَعْضهَا : أَجْرَمَ يُجْرِم , عَلَى شُذُوذه , وَقِرَاءَة الْقُرْآن بِأَفْصَح اللُّغَات أَوْلَى وَأَحَقّ مِنْهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ لُغَة مَنْ قَالَ : جَرَمَتْ , قَوْل الشَّاعِر : يَا أَيّهَا الْمُشْتَكِي عُكْلًا وَمَا جَرَمَتْ إِلَى الْقَبَائِل مِنْ قَتْل وَإِبْآس الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { شَنَآن قَوْم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { شَنَآن } بِتَحْرِيكِ الشِّين وَالنُّون إِلَى الْفَتْح , بِمَعْنَى : بُغْض قَوْم تَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَصْدَر الَّذِي يَأْتِي عَلَى فَعَلَانِ نَظِير الطَّيَرَان , وَالنَّسَلَان , وَالْعَسَلَانِ , وَالرَّمَلَانِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : { شَنْآن قَوْم } بِتَسْكِينِ النُّون وَفَتْح الشِّين , بِمَعْنَى الِاسْم ; تَوْجِيهًا مِنْهُمْ مَعْنَاهُ إِلَى : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْض قَوْم , فَيَخْرُج شَنَآن عَلَى تَقْدِير فَعَلَان ; لِأَنَّ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى فَعِلَ , كَمَا يُقَال : سَكْرَان مِنْ سَكِرَ , وَعَطْشَان مِنْ عَطِشَ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { شَنَآن } بِفَتْحِ النُّون مُحَرَّكَة , لِشَائِعِ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : بُغْض قَوْم , وَتَوْجِيههمْ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَر دُون مَعْنَى الِاسْم . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مُوَجَّهًا إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَر , فَالْفَصِيح مِنْ كَلَام الْعَرَب فِيمَا جَاءَ مِنْ الْمَصَادِر عَلَى الْفَعَلَان بِفَتْحِ الْفَاء تَحْرِيك ثَانِيه دُون تَسْكِينه , كَمَا وَصَفْت مِنْ قَوْلهمْ : الدَّرَجَانِ , وَالرَّمَلَانِ مِنْ دَرَجَ وَرَمَلَ , فَكَذَلِكَ الشَّنَآن مِنْ شَنِئْته أَشْنَؤُهُ شَنَآنًا . وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : شَنَآن عَلَى تَقْدِير فَعَال , وَلَا أَعْلَم قَارِئًا قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَمَا الْعَيْش إِلَّا مَا يَلَذّ وَيُشْتَهَى وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذُو الشَّنَّانِ وَفَنَّدَا وَهَذَا فِي لُغَة مَنْ تَرَكَ الْهَمْز مِنْ الشَّنَآن , فَصَارَ عَلَى تَقْدِير فَعَال وَهُوَ فِي الْأَصْل فَعَلَانِ . ذِكْر مَنْ قَالَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : { شَنَآن قَوْم } بُغْض قَوْم . 8641 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْض قَوْم . * - وَحَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى مَرَّة أُخْرَى بِإِسْنَادِهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَة قَوْم أَنْ تَعْتَدُوا . 8642 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } لَا يَجْرِمَنَّكُمْ بُغْض قَوْم . 8643 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم } قَالَ : بَغْضَاؤُهُمْ أَنْ تَعْتَدُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { أَنْ صَدُّوكُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " بِمَعْنَى : لَا يَجْرِمَنَّكُمْ بُغْض قَوْم بِصَدِّهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا . وَكَانَ بَعْض قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم إِنْ صَدُّوكُمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ " إِنْ "بِمَعْنَى : وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم إِن هُمْ أَحْدَثُوا لَكُمْ صَدًّا عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , أَنْ تَعْتَدُوا . فَزَعَمُوا أَنَّهَا فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " إِنْ يَصُدّكُمْ "فَقِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ اِعْتِبَارًا بِقِرَاءَتِهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , صَحِيح مَعْنَى كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُدَّ عَنْ الْبَيْت هُوَ وَأَصْحَابه يَوْم الْحُدَيْبِيَة , وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَة الْمَائِدَة بَعْد ذَلِكَ . فَمَنْ قَرَأَ : { أَنْ صَدُّوكُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " فَمَعْنَاهُ : لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْض قَوْم أَيّهَا النَّاس مِنْ أَجْل أَنْ صَدُّوكُمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , أَنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ . وَمَنْ قَرَأَ : " إِنْ صَدُّوكُمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف , فَمَعْنَاهُ : لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم إِنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام إِذَا أَرَدْتُمْ دُخُوله ; لِأَنَّ الَّذِينَ حَارَبُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مِنْ قُرَيْش يَوْم فَتْح مَكَّة قَدْ حَاوَلُوا صَدَّهُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام قَبْل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ الصَّادِّينَ . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت , فَإِنَّ قِرَاءَة ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِف أَبْيَن مَعْنًى ; لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَة لَا تَدَافُع بَيْن أَهْل الْعِلْم فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْد يَوْم الْحُدَيْبِيَة . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالصَّدّ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الِاعْتِدَاء عَلَى الصَّادِّينَ مِنْ أَجْل صَدّهمْ إِيَّاهُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَأَمَّا قَوْله : { أَنْ تَعْتَدُوا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنْ تُجَاوِزُوا الْحَدّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّه لَكُمْ فِي أَمْرهمْ . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذَن : وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْض قَوْم لِأَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْتَدُوا حُكْم اللَّه فِيهِمْ فَتُجَاوِزُوهُ إِلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَلَكِنْ اِلْزَمُوا طَاعَة اللَّه فِيمَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ . وَذُكِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّهْي عَنْ الطَّلَب بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8644 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { أَنْ تَعْتَدُوا } رَجُل مُؤْمِن مِنْ حُلَفَاء مُحَمَّد , قَتَلَ حَلِيفًا لِأَبِي سُفْيَان مِنْ هُذَيْل يَوْم الْفَتْح بِعَرَفَة ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتُل حُلَفَاء مُحَمَّد , فَقَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَعَنَ اللَّه مَنْ قَتَلَ بِذَحْلِ الْجَاهِلِيَّة " * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا مَنْسُوخ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8645 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ تَعْتَدُوا } قَالَ : بَغْضَاؤُهُمْ , حَتَّى تَأْتُوا مَا لَا يَحِلّ لَكُمْ . وَقَرَأَ { أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا } وَتَعَاوَنُوا , قَالَ : هَذَا كُلّه قَدْ نُسِخَ , نَسَخَهُ الْجِهَاد . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مُجَاهِد : إِنَّهُ غَيْر مَنْسُوخ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ تَعْتَدُوا الْحَقّ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ . وَإِذَا اِحْتَمَلَ ذَلِكَ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال : هُوَ مَنْسُوخ , إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى } وَلْيُعِنْ بَعْضكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْضًا عَلَى الْبِرّ , وَهُوَ الْعَمَل بِمَا أَمَرَ اللَّه بِالْعَمَلِ بِهِ { وَالتَّقْوَى } هُوَ اِتِّقَاء مَا أَمَرَ اللَّه بِاتِّقَائِهِ وَاجْتِنَابه مِنْ مَعَاصِيه . وَقَوْله : { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَان } يَعْنِي : وَلَا يَعِنْ بَعْضكُمْ بَعْضًا عَلَى الْإِثْم , يَعْنِي : عَلَى تَرْك مَا أَمَرَكُمْ اللَّه بِفِعْلِهِ . { وَالْعُدْوَان } يَقُول : وَلَا عَلَى أَنْ تَتَجَاوَزُوا مَا حَدّ اللَّه لَكُمْ فِي دِينكُمْ , وَفَرَضَ لَكُمْ فِي أَنْفُسكُمْ وَفِي غَيْركُمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا , وَلَكِنْ لِيُعِنْ بَعْضكُمْ بَعْضًا بِالْأَمْرِ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا حَدَّهُ اللَّه لَكُمْ فِي الْقَوْم الَّذِينَ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي غَيْرهمْ , وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاكُمْ اللَّه أَنْ تَأْتُوا فِيهِمْ وَفِي غَيْرهمْ وَفِي سَائِر مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَلَا يُعِنْ بَعْضكُمْ بَعْضًا عَلَى خِلَاف ذَلِكَ . وَبِمَا قُلْنَا فِي الْبِرّ وَالتَّقْوَى قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8646 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى } الْبِرّ : مَا أُمِرْت بِهِ , وَالتَّقْوَى : مَا نُهِيت عَنْهُ . 8647 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى } قَالَ : الْبِرّ : مَا أُمِرْت بِهِ , وَالتَّقْوَى : مَا نُهِيت عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } وَهَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَهْدِيد لِمَنْ اِعْتَدَى حَدّه وَتَجَاوَزَ أَمْره . يَقُول عَزَّ ذِكْره : { وَاتَّقُوا اللَّه } يَعْنِي : وَاحْذَرُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَلْقَوْهُ فِي مَعَادكُمْ وَقَدْ اِعْتَدَيْتُمْ حَدّه فِيمَا حَدَّ لَكُمْ وَخَالَفْتُمْ أَمْره فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ أَوْ نَهْيه فِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَسْتَوْجِبُوا عِقَابه وَتَسْتَحِقُّوا أَلِيم عَذَابه ثُمَّ وَصَفَ عِقَابه بِالشِّدَّةِ , فَقَالَ عَزَّ ذِكْره : إِنَّ اللَّه شَدِيد عِقَابه لِمَنْ عَاقَبَهُ مِنْ خَلْقه ; لِأَنَّهَا نَار لَا يُطْفَأ حَرّهَا , وَلَا يُخْمَد جَمْرهَا , وَلَا يَسْكُن لَهَبهَا . نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَمِنْ عَمَل يُقَرِّبنَا مِنْهَا .

تفسير القرطبي

خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ; أَيْ لَا تَتَعَدَّوْا حُدُود اللَّه فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور , وَالشَّعَائِر جَمْع شَعِيرَة عَلَى وَزْن فَعِيلَة , وَقَالَ اِبْن فَارِس : وَيُقَال لِلْوَاحِدَةِ شِعَارَة ; وَهُوَ أَحْسَنُ , وَالشَّعِيرَة الْبَدَنَة تُهْدَى , وَإِشْعَارُهَا أَنْ يُجَزّ سَنَامهَا حَتَّى يَسِيل مِنْهُ الدَّم فَيُعْلَم أَنَّهَا هَدْي . وَالْإِشْعَار الْإِعْلَام مِنْ طَرِيق الْإِحْسَاس ; يُقَال : أَشْعَرَ هَدْيه أَيْ جَعَلَ لَهُ عَلَامَة لِيُعْرَف أَنَّهُ هَدْي ; وَمِنْهُ الْمَشَاعِر الْمَعَالِم , وَاحِدهَا مَشْعَر وَهِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي قَدْ أُشْعِرَتْ بِالْعَلَامَاتِ , وَمِنْهُ الشِّعْر , لِأَنَّهُ يَكُون بِحَيْثُ يَقَع الشُّعُور ; وَمِنْهُ الشَّاعِر ; لِأَنَّهُ يَشْعُر بِفِطْنَتِهِ لِمَا لَا يَفْطِن لَهُ غَيْره ; وَمِنْهُ الشَّعِير لِشَعْرَتِهِ الَّتِي فِي رَأْسه ; فَالشَّعَائِر عَلَى قَوْلٍ مَا أُشْعِرَ مِنْ الْحَيَوَانَات لِتُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه , وَعَلَى قَوْلٍ جَمِيع مَنَاسِك الْحَجّ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُجَاهِد : الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَالْهَدْي وَالْبُدْن كُلّ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَائِر , وَقَالَ الشَّاعِر : نُقَتِّلهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ شَعَائِرَ قُرْبَان بِهَا يُتَقَرَّب وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيُهْدُونَ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه " . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : شَعَائِر اللَّه جَمِيع مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَنَهَى عَنْهُ , وَقَالَ الْحَسَن : دِين اللَّه كُلّه ; كَقَوْلِهِ : " ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب " [ الْحَجّ : 32 ] أَيْ دِين اللَّه . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الرَّاجِح الَّذِي يُقَدَّم عَلَى غَيْره لِعُمُومِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِشْعَار الْهَدْي وَهِيَ : فَأَجَازَهُ الْجُمْهُور ; ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي أَيّ جِهَة يُشْعَر ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر : يَكُون فِي الْجَانِب الْأَيْمَن ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْعَرَ نَاقَته فِي صَفْحَة سَنَامهَا الْأَيْمَن ; أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره وَهُوَ الصَّحِيح , وَرُوِيَ أَنَّهُ أَشْعَرَ بَدَنَة مِنْ الْجَانِب الْأَيْسَر ; قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا عِنْدِي حَدِيث مُنْكَر مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ; وَالصَّحِيح حَدِيث مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَلَا يَصِحّ عَنْهُ غَيْره . وَصَفْحَة السَّنَام جَانِبه , وَالسَّنَام أَعْلَى الظَّهْر , وَقَالَتْ طَائِفَة : يَكُون فِي الْجَانِب الْأَيْسَر ; وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ فِي الْجَانِب الْأَيْمَن , وَقَالَ مُجَاهِد : مِنْ أَيّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَمَنَعَ مِنْ هَذَا كُلّه أَبُو حَنِيفَة وَقَالَ : إِنَّهُ تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ , وَالْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ ; وَأَيْضًا فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْوَسْم الَّذِي يُعْرَف بِهِ الْمِلْك كَمَا تَقَدَّمَ ; وَقَدْ أَوْغَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة فِي الرَّدّ وَالْإِنْكَار حِين لَمْ يَرَ الْإِشْعَار فَقَالَ : كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع بِهَذِهِ الشَّعِيرَة فِي الشَّرِيعَة ! لَهِيَ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي الْعُلَمَاء . قُلْت : وَاَلَّذِي رَأَيْته مَنْصُوصًا فِي كُتُب عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة الْإِشْعَار مَكْرُوه مِنْ قَوْل أَبِي حَنِيفَة , وَعِنْد أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا سُنَّة بَلْ هُوَ مُبَاح ; لِأَنَّ الْإِشْعَار لَمَّا كَانَ إِعْلَامًا كَانَ سُنَّة بِمَنْزِلَةِ التَّقْلِيد , وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَرْح وَمُثْلَة كَانَ حَرَامًا , فَكَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى السُّنَّة وَالْبِدْعَة فَجُعِلَ مُبَاحًا , وَلِأَبِي حَنِيفَة أَنَّ الْإِشْعَار مُثْلَة وَأَنَّهُ حَرَام مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعْذِيب الْحَيَوَان فَكَانَ مَكْرُوهًا , وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّل الِابْتِدَاء حِين كَانَتْ الْعَرَب تَنْتَهِب كُلّ مَال إِلَّا مَا جُعِلَ هَدْيًا , وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْهَدْي إِلَّا بِالْإِشْعَارِ ثُمَّ زَالَ لِزَوَالِ الْعُذْر ; هَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخ الْإِمَام أَبِي مَنْصُور الْمَاتُرِيدِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : يَحْتَمِل أَنْ أَبَا حَنِيفَة كَرِهَ إِشْعَار أَهْل زَمَانه وَهُوَ الْمُبَالَغَة فِي الْبَضْع عَلَى وَجْه يُخَاف مِنْهُ السِّرَايَة , أَمَّا مَا لَمْ يُجَاوِز الْحَدّ فُعِلَ كَمَا كَانَ يُفْعَل فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَسَن ; وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ . فَهَذَا اِعْتِذَار عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة لِأَبِي حَنِيفَة عَنْ الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ فِي الْإِشْعَار , فَقَدْ سَمِعُوهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَعَلِمُوهُ ; قَالُوا : وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ مَكْرُوه لَا يَصِير بِهِ أَحَد مُحْرِمًا ; لِأَنَّ مُبَاشَرَة الْمَكْرُوه لَا تُعَدّ مِنْ الْمَنَاسِك . اِسْم مُفْرَد يَدُلّ عَلَى الْجِنْس فِي جَمِيع الْأَشْهُر الْحُرُم وَهِيَ أَرْبَعَة : وَاحِد فَرْد وَثَلَاثَة سَرْد , يَأْتِي بَيَانهَا فِي " بَرَاءَة " ; وَالْمَعْنَى : لَا تَسْتَحِلُّوهَا لِلْقِتَالِ وَلَا لِلْغَارَةِ وَلَا تُبَدِّلُوهَا ; فَإِنَّ اِسْتِبْدَالهَا اِسْتِحْلَال , وَذَلِكَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ النَّسِيء ; وَكَذَلِكَ قَوْله : " وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد " أَيْ لَا تَسْتَحِلُّوهُ , وَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ وَلَا ذَوَات الْقَلَائِد جَمْع قِلَادَة . فَنَهَى سُبْحَانه عَنْ اِسْتِحْلَال الْهَدْي جُمْلَة , ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقَلَّد مِنْهُ تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي التَّنْبِيه عَلَى الْحُرْمَة فِي التَّقْلِيد . الْهَدْي مَا أُهْدِيَ إِلَى بَيْت اللَّه تَعَالَى مِنْ نَاقَة أَوْ بَقَرَة أَوْ شَاة ; الْوَاحِدَة هَدْيَة وَهَدِيَّة وَهَدْي . فَمَنْ قَالَ : أَرَادَ بِالشَّعَائِرِ الْمَنَاسِك قَالَ : ذَكَرَ الْهَدْي تَنْبِيهًا عَلَى تَخْصِيصهَا , وَمَنْ قَالَ : الشَّعَائِر الْهَدْي قَالَ : إِنَّ الشَّعَائِر مَا كَانَ مُشْعَرًا أَيْ مُعَلَّمًا بِإِسَالَةِ الدَّم مِنْ سَنَامه , وَالْهَدْي مَا لَمْ يُشْعَر , اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّقْلِيدِ , وَقِيلَ : الْفَرْق أَنَّ الشَّعَائِر هِيَ الْبُدْن مِنْ الْأَنْعَام , وَالْهَدْي الْبَقَر وَالْغَنَم وَالثِّيَاب وَكُلّ مَا يُهْدَى , وَقَالَ الْجُمْهُور : الْهَدْي عَامّ فِي جَمِيع مَا يُتَقَرَّب بِهِ مِنْ الذَّبَائِح وَالصَّدَقَات ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( الْمُبَكِّر إِلَى الْجُمُعَة كَالْمُهْدِي بَدَنَة ) إِلَى أَنْ قَالَ : ( كَالْمُهْدِي بَيْضَة ) فَسَمَّاهَا هَدْيًا ; وَتَسْمِيَة الْبَيْضَة هَدْيًا لَا مَحْمَل لَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصَّدَقَة ; وَكَذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاء : إِذَا قَالَ جَعَلْت ثَوْبِي هَدْيًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ ; إِلَّا أَنَّ الْإِطْلَاق إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَى أَحَد الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , وَسَوْقهَا إِلَى الْحَرَم وَذَبْحهَا فِيهِ , وَهَذَا إِنَّمَا تُلُقِّيَ مِنْ عُرْف الشَّرْع فِي قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " [ الْبَقَرَة : 196 ] وَأَرَادَ بِهِ الشَّاة ; وَقَالَ تَعَالَى : " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " [ الْمَائِدَة : 95 ] وَقَالَ تَعَالَى : " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " [ الْبَقَرَة : 196 ] وَأَقَلّه شَاة عِنْد الْفُقَهَاء , وَقَالَ مَالِك : إِذَا قَالَ ثَوْبِي هَدْي يَجْعَل ثَمَنه فِي هَدْي . " وَالْقَلَائِد " مَا كَانَ النَّاس يَتَقَلَّدُونَهُ أَمَنَة لَهُمْ ; فَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف , أَيْ وَلَا أَصْحَاب الْقَلَائِد ثُمَّ نُسِخَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ " الْمَائِدَة " آيَة الْقَلَائِد وَقَوْله : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " [ الْمَائِدَة : 42 ] فَأَمَّا الْقَلَائِد فَنَسَخَهَا الْأَمْر بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا وَفِي أَيّ شَهْر كَانُوا , وَأَمَّا الْأُخْرَى فَنَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 49 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْقَلَائِدِ نَفْس الْقَلَائِد ; فَهُوَ نَهْي عَنْ أَخْذ لِحَاء شَجَر الْحَرَم حَتَّى يُتَقَلَّد بِهِ طَلَبًا لِلْأَمْنِ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَعَطَاء وَمُطَرِّف بْن الشِّخِّير , وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَحَقِيقَة الْهَدْي كُلّ مُعْطًى لَمْ يُذْكَر مَعَهُ عِوَض . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْي أَنَّهُ يَبْعَث بِثَمَنِهِ إِلَى مَكَّة . وَأَمَّا الْقَلَائِد فَهِيَ كُلّ مَا عُلِّقَ عَلَى أَسْنِمَة الْهَدَايَا وَأَعْنَاقهَا عَلَامَة أَنَّهُ لِلَّهِ سُبْحَانه ; مِنْ نَعْل أَوْ غَيْره , وَهِيَ سُنَّة إِبْرَاهِيمِيَّة بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَقَرَّهَا الْإِسْلَام , وَهِيَ سُنَّة الْبَقَر وَالْغَنَم . قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : أَهْدَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّة إِلَى الْبَيْت غَنَمًا فَقَلَّدَهَا ; أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ; وَإِلَى هَذَا صَارَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حَبِيب ; وَأَنْكَرَهُ مَالِك وَأَصْحَاب الرَّأْي وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ هَذَا الْحَدِيث فِي تَقْلِيد الْغَنَم , أَوْ بَلَغَ لَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ لِانْفِرَادِ الْأَسْوَد بِهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ; فَالْقَوْل بِهِ أَوْلَى , وَاَللَّه أَعْلَم , وَأَمَّا الْبَقَر فَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَة أُشْعِرَتْ كَالْبُدْنِ ; قَالَ اِبْن عُمَر ; وَبِهِ قَالَ مَالِك , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُقَلَّد وَتُشْعَر مُطْلَقًا وَلَمْ يُفَرِّقُوا , وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : تُقَلَّد وَلَا تُشْعَر ; وَهَذَا الْقَوْل أَصَحُّ إِذْ لَيْسَ لَهَا سَنَام , وَهِيَ أَشْبَهُ بِالْغَنَمِ مِنْهَا بِالْإِبِلِ , وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَاتَّفَقُوا فِيمَنْ قَلَّدَ بَدَنَة عَلَى نِيَّة الْإِحْرَام وَسَاقَهَا أَنَّهُ يَصِير مُحْرِمًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه " إِلَى أَنْ قَالَ : " فَاصْطَادُوا " وَلَمْ يَذْكُر الْإِحْرَام لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ التَّقْلِيد عُرِفَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَام . فَإِنْ بَعَثَ بِالْهَدْيِ وَلَمْ يَسُقْ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا ; لِحَدِيثِ عَائِشَة قَالَتْ : أَنَا فَتَلْت قَلَائِد هَدْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ ; ثُمَّ قَلَّدَهَا بِيَدَيْهِ , ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُم عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْي ; أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَق وَجُمْهُور الْعُلَمَاء . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : يَصِير مُحْرِمًا ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُم عَلَى الْحَاجّ حَتَّى يُنْحَر الْهَدْي ; رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ; وَهَذَا مَذْهَب اِبْن عُمَر وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيّ عَنْ أَصْحَاب الرَّأْي ; وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فَقَدَّ قَمِيصه مِنْ جَيْبه ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ , فَنَظَرَ الْقَوْم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنِّي أُمِرْت بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْت بِهَا أَنْ تُقَلَّد وَتُشْعَر عَلَى مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلَبِسْت قَمِيصِي وَنَسِيت فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِج قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي ) وَكَانَ بَعَثَ بِبُدْنِهِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ . فِي إِسْنَاده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَطَاء بْن أَبِي لَبِيبَة وَهُوَ ضَعِيف . فَإِنْ قَلَّدَ شَاة وَتَوَجَّهَ مَعَهَا فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَصِير مُحْرِمًا ; لِأَنَّ تَقْلِيد الشَّاة لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَلَا مِنْ الشَّعَائِر ; لِأَنَّهُ يُخَاف عَلَيْهَا الذِّئْب فَلَا تَصِل إِلَى الْحَرَم بِخِلَافِ الْبُدْن ; فَإِنَّهَا تُتْرَك حَتَّى تَرِد الْمَاء وَتَرْعَى الشَّجَر وَتَصِل إِلَى الْحَرَم , وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : فَتَلْت قَلَائِدهَا مِنْ عِهْن كَانَ عِنْدِي . الْعِهْن الصُّوف الْمَصْبُوغ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش " [ الْقَارِعَة : 5 ] . وَلَا يَجُوز بَيْع الْهَدْي وَلَا هِبَته إِذَا قُلِّدَ أَوْ أُشْعِرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ , وَإِنْ مَاتَ مُوجِبه لَمْ يُوَرَّث عَنْهُ وَنَفَذَ لِوَجْهِهِ ; بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّة فَإِنَّهَا لَا تَجِب إِلَّا بِالذَّبْحِ خَاصَّة عِنْد مَالِك إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا بِالْقَوْلِ ; فَإِنْ أَوْجَبَهَا بِالْقَوْلِ قَبْل الذَّبْح فَقَالَ : جَعَلْت هَذِهِ الشَّاة أُضْحِيَّة تَعَيَّنَتْ ; وَعَلَيْهِ ; إِنْ تَلِفَتْ ثُمَّ وَجَدَهَا أَيَّام الذَّبْح أَوْ بَعْدهَا ذَبَحَهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعهَا ; فَإِنْ كَانَ اِشْتَرَى أُضْحِيَّة غَيْرهَا ذَبَحَهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا بَدَل عَلَيْهِ إِذَا ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ , إِنَّمَا الْإِبْدَال فِي الْوَاجِب , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ضَلَّتْ فَقَدْ أَجْزَأَتْ , وَمَنْ مَاتَ يَوْم النَّحْر قَبْل أَنْ يُضَحِّيَ كَانَتْ ضَحِيَّتُهُ مَوْرُوثَة عَنْهُ كَسَائِرِ مَاله بِخِلَافِ الْهَدْي , وَقَالَ أَحْمَد وَأَبُو ثَوْر : تُذْبَح بِكُلِّ حَال , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : تُذْبَح إِلَّا أَنْ يَكُون عَلَيْهِ دَيْن لَا وَفَاء لَهُ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْأُضْحِيَّة فَتُبَاع فِي دَيْنه , وَلَوْ مَاتَ بَعْد ذَبْحهَا لَمْ يَرِثهَا عَنْهُ وَرَثَته , وَصَنَعُوا بِهَا مِنْ الْأَكْل وَالصَّدَقَة مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَصْنَع بِهَا , وَلَا يَقْتَسِمُونَ لَحْمهَا عَلَى سَبِيل الْمِيرَاث , وَمَا أَصَابَ الْأُضْحِيَّة قَبْل الذَّبْح مِنْ الْعُيُوب كَانَ عَلَى صَاحِبهَا بَدَلهَا بِخِلَافِ الْهَدْي , هَذَا تَحْصِيل مَذْهَب مَالِك , وَقَدْ قِيلَ فِي الْهَدْي عَلَى صَاحِبه الْبَدَل ; وَالْأَوَّل أَصْوَبُ . وَاَللَّه أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَا الشَّهْر الْحَرَام " مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة " [ التَّوْبَة : 36 ] وَقَوْله : " وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد " مُحْكَم لَمْ يُنْسَخ ; فَكُلّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي وَنَوَى الْإِحْرَام صَارَ مُحْرِمًا لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُحِلّ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَة ; فَهَذِهِ الْأَحْكَام مَعْطُوف بَعْضهَا عَلَى بَعْض ; بَعْضهَا مَنْسُوخ وَبَعْضهَا غَيْر مَنْسُوخ . يَعْنِي الْقَاصِدِينَ لَهُ ; مِنْ قَوْلهمْ أَمَمْت كَذَا أَيْ قَصَدْته , وَقَرَأَ الْأَعْمَش : " وَلَا آمِّي الْبَيْت الْحَرَام " بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ : " غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد " وَالْمَعْنَى : لَا تَمْنَعُوا الْكُفَّار الْقَاصِدِينَ الْبَيْت الْحَرَام عَلَى جِهَة التَّعَبُّد وَالْقُرْبَة ; وَعَلَيْهِ فَقِيلَ : مَا فِي هَذِهِ الْآيَات مِنْ نَهْي عَنْ مُشْرِك , أَوْ مُرَاعَاة حُرْمَة لَهُ بِقِلَادَةٍ , أَوْ أَمَّ الْبَيْت فَهُوَ كُلّه مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف فِي قَوْله : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] وَقَوْله : " فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا " [ التَّوْبَة : 28 ] فَلَا يُمَكَّن الْمُشْرِك مِنْ الْحَجّ , وَلَا يُؤَمَّن فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَإِنْ أَهْدَى وَقَلَّدَ وَحَجَّ ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَهُ اِبْن زَيْد عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره , وَقَالَ قَوْم : الْآيَة مُحْكَمَة لَمْ تُنْسَخ وَهِيَ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ نَهَى اللَّه عَنْ إِخَافَة مَنْ يَقْصِد بَيْته مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَالنَّهْي عَامّ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره ; وَلَكِنَّهُ خَصَّ الشَّهْر الْحَرَام بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا وَتَفْضِيلًا ; وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْل عَطَاء ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا تُحِلُّوا مَعَالِم اللَّه , وَهِيَ أَمْره وَنَهْيه وَمَا أَعْلَمَهُ النَّاس فَلَا تُحِلُّوهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو مَيْسَرَة : هِيَ مُحْكَمَة , وَقَالَ مُجَاهِد : لَمْ يُنْسَخ مِنْهَا إِلَّا " الْقَلَائِد " وَكَانَ الرَّجُل يَتَقَلَّد بِشَيْءٍ مِنْ لِحَاء الْحَرَم فَلَا يُقْرَب فَنُسِخَ ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : هَذِهِ الْآيَة نَهْي عَنْ الْحُجَّاج أَنْ تُقْطَع سُبُلهمْ , وَقَالَ اِبْن زَيْد : نَزَلَتْ الْآيَة عَام الْفَتْح وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة ; جَاءَ أُنَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا هَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ فَلَنْ نَدَعَهُمْ إِلَّا أَنْ نُغِير عَلَيْهِمْ ; فَنَزَلَ الْقُرْآن " وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام " . وَقِيلَ : كَانَ هَذَا لِأَمْرِ شُرَيْح بْن ضُبَيْعَة الْبَكْرِيّ - وَيُلَقَّب بِالْحُطَمِ - أَخَذَتْهُ جُنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي عُمْرَته فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْم كَمَا ذَكَرْنَا , وَأَدْرَكَ الْحُطَم هَذَا رِدَّة الْيَمَامَة فَقُتِلَ مُرْتَدًّا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ خَبَره أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ , وَخَلَّفَ خَيْله خَارِج الْمَدِينَة فَقَالَ : إِلَامَ تَدْعُو النَّاس ؟ فَقَالَ : ( إِلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة ) فَقَالَ : حَسَن , إِلَّا أَنَّ لِي أُمَرَاء لَا أَقْطَع أَمْرًا دُونهمْ وَلَعَلِّي أُسْلِم وَآتِي بِهِمْ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : ( يَدْخُل عَلَيْكُمْ رَجُل يَتَكَلَّم بِلِسَانِ شَيْطَان ) ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْده فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِر وَخَرَجَ بِقَفَا غَادِر وَمَا الرَّجُل بِمُسْلِمٍ ) . فَمَرَّ بِسَرْحِ الْمَدِينَة فَاسْتَاقَهُ ; فَطَلَبُوهُ فَعَجَزُوا عَنْهُ , فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَقُول : قَدْ لَفَّهَا اللَّيْل بِسَوَّاقٍ حُطَمْ لَيْسَ بِرَاعِي إِبِل وَلَا غَنَمْ وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْر وَضَمْ بَاتُوا نِيَامًا وَابْن هِنْد لَمْ يَنَمْ بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزَّلَمْ خَدَلَّج السَّاقَيْنِ خَفَّاق الْقَدَمْ فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْقَضِيَّة سَمِعَ تَلْبِيَة حُجَّاج الْيَمَامَة فَقَالَ : ( هَذَا الْحُطَم وَأَصْحَابه ) , وَكَانَ قَدْ قَلَّدَ مَا نَهَبَ مِنْ سَرْح الْمَدِينَة وَأَهْدَاهُ إِلَى مَكَّة , فَتَوَجَّهُوا فِي طَلَبه ; فَنَزَلَتْ الْآيَة , أَيْ لَا تُحِلُّوا مَا أُشْعِرَ لِلَّهِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ ; ذَكَرَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَلَى أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة قَوْله تَعَالَى : " لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه " يُوجِب إِتْمَام أُمُور الْمَنَاسِك ; وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّ الرَّجُل إِذَا دَخَلَ فِي الْحَجّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أَفْعَال الْحَجّ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَتْرُك شَيْئًا مِنْهَا وَإِنْ فَسَدَ حَجّه ; ثُمَّ عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي السَّنَة الثَّانِيَة . قَالَ فِيهِ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : مَعْنَاهُ يَبْتَغُونَ الْفَضْل وَالْأَرْبَاح فِي التِّجَارَة , وَيَبْتَغُونَ مَعَ ذَلِكَ رِضْوَانه فِي ظَنّهمْ وَطَمَعهمْ , وَقِيلَ : كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَبْتَغِي التِّجَارَة , وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُب بِالْحَجِّ رِضْوَان اللَّه وَإِنْ كَانَ لَا يَنَالهُ ; وَكَانَ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَعْتَقِد جَزَاء بَعْد الْمَوْت , وَأَنَّهُ يُبْعَث , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَحْصُل لَهُ نَوْع تَخْفِيف فِي النَّار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَذِهِ الْآيَة اِسْتِئْلَاف مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلْعَرَبِ وَلُطْف بِهِمْ ; لِتَنْبَسِط النُّفُوس , وَتَتَدَاخَل النَّاس , وَيَرِدُونَ الْمَوْسِم فَيَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن , وَيَدْخُل الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ وَتَقُوم عِنْدهمْ الْحُجَّة كَاَلَّذِي كَانَ , وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَام الْفَتْح فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه بَعْد عَام سَنَة تِسْع ; إِذْ حَجَّ أَبُو بَكْر وَنُودِيَ النَّاس بِسُورَةِ " بَرَاءَة " . أَمْر إِبَاحَة - بِإِجْمَاعِ النَّاس - رَفَعَ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ ; حَكَاهُ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , بَلْ صِيغَة " اِفْعَلْ " الْوَارِدَة بَعْد الْحَظْر عَلَى أَصْلهَا مِنْ الْوُجُوب ; وَهُوَ مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّب وَغَيْره ; لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِم وَتَقَدُّم الْحَظْر لَا يَصْلُح مَانِعًا ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " [ التَّوْبَة : 5 ] فَهَذِهِ " اِفْعَلْ " عَلَى الْوُجُوب ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْجِهَاد , وَإِنَّمَا فُهِمَتْ الْإِبَاحَة هُنَاكَ وَمَا كَانَ مِثْله مِنْ قَوْله : " فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا " [ الْجُمُعَة : 10 ] " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ " مِنْ النَّظَر إِلَى الْمَعْنَى وَالْإِجْمَاع , لَا مِنْ صِيغَة الْأَمْر . وَاَللَّه أَعْلَمُ . أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَهُوَ قَوْل الْكِسَائِيّ وَأَبِي الْعَبَّاس , وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; يُقَال : جَرَمَنِي كَذَا عَلَى بُغْضك أَيْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ ; قَالَ الشَّاعِر : وَلَقَدْ طَعَنْت أَبَا عُيَيْنَة طَعْنَة جَرَمَتْ فَزَارَة بَعْدهَا أَنْ يَغْضَبُوا وَقَالَ الْأَخْفَشُ : أَيْ وَلَا يُحِقَّنَّكُمْ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْفَرَّاء : مَعْنَى " لَا يَجْرِمَنَّكُمْ " أَيْ لَا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْض قَوْم أَنْ تَعْتَدُوا الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل , وَالْعَدْل إِلَى الظُّلْم , قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا , وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة " فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " [ الْبَقَرَة : 194 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى , وَيُقَال : فُلَان جَرِيمَة أَهْله أَيْ كَاسِبهمْ , فَالْجَرِيمَة وَالْجَارِم بِمَعْنَى الْكَاسِب وَأَجْرَمَ فُلَان أَيْ اكْتَسَبَ الْإِثْم . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : جَرِيمَةُ نَاهِضٍ فِي رَأْسِ نِيقٍ تَرَى لِعِظَامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبَا مَعْنَاهُ كَاسِب قُوت , وَالصَّلِيب الْوَدَك , وَهَذَا هُوَ الْأَصْل فِي بِنَاء ج ر م . قَالَ اِبْن فَارِس : يُقَال جَرَمَ وَأَجْرَمَ , وَلَا جَرَمَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلك : لَا بُدّ وَلَا مَحَالَة ; وَأَصْلهَا مِنْ جَرَمَ أَيْ اِكْتَسَبَ , قَالَ : جَرَمَتْ فَزَارَة بَعْدهَا أَنْ يَغْضَبُوا وَقَالَ آخَر : يَا أَيُّهَا الْمُشْتَكِي عُكْلًا وَمَا جَرَمَتْ إِلَى الْقَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ وَإِبْآسِ وَيُقَال : جَرَمَ يَجْرِم جَرْمًا إِذَا قَطَعَ ; قَالَ الرُّمَّانِيّ عَلِيّ بْن عِيسَى : وَهُوَ الْأَصْل ; فَجَرَمَ بِمَعْنَى حَمَلَ عَلَى الشَّيْء لِقَطْعِهِ مِنْ غَيْره , وَجَرَمَ بِمَعْنَى كَسَبَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى الْكَسْب , وَجَرَمَ بِمَعْنَى حُقّ لِأَنَّ الْحَقّ يُقْطَع عَلَيْهِ , وَقَالَ الْخَلِيل : " لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّار " [ النَّحْل : 62 ] لَقَدْ حُقّ أَنَّ لَهُمْ الْعَذَاب , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : جَرَمَ وَأَجْرَمَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , أَيْ اِكْتَسَبَ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " يُجْرِمَنَّكُمْ " بِضَمِّ الْيَاء , وَالْمَعْنَى أَيْضًا لَا يَكْسِبَنَّكُمْ ; وَلَا يَعْرِف الْبَصْرِيُّونَ الضَّمّ , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : جَرَمَ لَا غَيْر , وَالشَّنَآن الْبُغْض , وَقُرِئَ بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَانهَا ; يُقَال : شَنِئْت الرَّجُل أَشْنَؤُهُ شَنْأً وَشَنْأَةً وَشَنَآنًا وَشَنْآنًا بِجَزْمِ النُّون , كُلّ ذَلِكَ إِذَا أَبْغَضْته ; أَيْ لَا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْض قَوْم بِصَدِّهِمْ إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْتَدُوا ; وَالْمُرَاد بُغْضكُمْ قَوْمًا , فَأَضَافَ الْمَصْدَر إِلَى الْمَفْعُول . قَالَ اِبْن زَيْد : لَمَّا صُدَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الْبَيْت عَام الْحُدَيْبِيَة مَرَّ بِهِمْ نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ الْعُمْرَة ; فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَصُدّهُمْ كَمَا صَدَّنَا أَصْحَابهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ; أَيْ لَا تَعْتَدُوا عَلَى هَؤُلَاءِ , وَلَا تَصُدُّوهُمْ " أَنْ صَدُّوكُمْ " أَصْحَابُهُمْ , بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ لِأَنْ صَدُّوكُمْ , وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير بِكَسْرِ الْهَمْزَة " إِنْ صَدُّوكُمْ " وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَرُوِيَ عَنْ الْأَعْمَش " إِنْ يَصُدُّوكُمْ " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ لِلْجَزَاءِ ; أَيْ إِنْ وَقَعَ مِثْل هَذَا الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبَل , وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَمْكَن فِي الْمَعْنَى , وَقَالَ النَّحَّاس : وَأَمَّا " إِنْ صَدُّوكُمْ " بِكَسْرِ " إِنْ " فَالْعُلَمَاء الْجُلَّة بِالنَّحْوِ وَالْحَدِيث وَالنَّظَر يَمْنَعُونَ الْقِرَاءَة بِهَا لِأَشْيَاءَ : مِنْهَا أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ عَام الْفَتْح سَنَة ثَمَان , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوا الْمُسْلِمِينَ عَام الْحُدَيْبِيَة سَنَة سِتّ , فَالصَّدّ كَانَ قَبْل الْآيَة ; وَإِذَا قُرِئَ 0 بِالْكَسْرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون إِلَّا بَعْده ; كَمَا تَقُول : لَا تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا إِنْ قَاتَلَك ; فَهَذَا لَا يَكُون إِلَّا لِلْمُسْتَقْبَلِ , وَإِنْ فَتَحْت كَانَ لِلْمَاضِي , فَوَجَبَ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوز إِلَّا " أَنْ صَدُّوكُمْ " , وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَصِحّ هَذَا الْحَدِيث لَكَانَ الْفَتْح وَاجِبًا ; لِأَنَّ قَوْله : " لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه " إِلَى آخِر الْآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَكَّة كَانَتْ فِي أَيْدِيهمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يُنْهَوْنَ عَنْ هَذَا إِلَّا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الصَّدّ عَنْ الْبَيْت الْحَرَام , فَوَجَبَ مِنْ هَذَا فَتْح " أَنْ " لِأَنَّهُ لِمَا مَضَى . فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ , أَيْ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم الِاعْتِدَاء . وَأَنْكَرَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو عُبَيْد " شَنْآن " بِإِسْكَانِ النُّون ; لِأَنَّ الْمَصَادِر إِنَّمَا تَأْتِي فِي مِثْل هَذَا مُتَحَرِّكَة ; وَخَالَفَهُمَا غَيْرهمَا وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا مَصْدَرًا وَلَكِنَّهُ اِسْم الْفَاعِل عَلَى وَزْن كَسْلَان وَغَضْبَان . قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ مَقْطُوع مِنْ أَوَّل الْكَلَام , وَهُوَ أَمْر لِجَمِيعِ الْخَلْق بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى ; أَيْ لِيُعِنْ بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَتَحَاثُّوا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى وَاعْمَلُوا بِهِ , وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ وَامْتَنِعُوا مِنْهُ ; وَهَذَا مُوَافِق لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الدَّالّ عَلَى الْخَيْر كَفَاعِلِهِ ) , وَقَدْ قِيلَ : الدَّالّ عَلَى الشَّرّ كَصَانِعِهِ . ثُمَّ قِيلَ : الْبِرّ وَالتَّقْوَى لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , وَكُرِّرَ بِاخْتِلَافِ اللَّفْظ تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَة , إِذْ كُلّ بِرّ تَقْوَى وَكُلّ تَقْوَى بِرّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي هَذَا تَسَامُح مَا , وَالْعُرْف فِي دَلَالَة هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْبِرّ يَتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ , وَالتَّقْوَى رِعَايَة الْوَاجِب , فَإِنْ جُعِلَ أَحَدهمَا بَدَل الْآخَر فَبِتَجَوُّزٍ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : نَدَبَ اللَّه سُبْحَانه إِلَى التَّعَاوُن بِالْبِرِّ وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ ; لِأَنَّ فِي التَّقْوَى رِضَا اللَّه تَعَالَى , وَفِي الْبِرّ رِضَا النَّاس , وَمَنْ جَمَعَ بَيْن رِضَا اللَّه تَعَالَى وَرِضَا النَّاس فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَته وَعَمَّتْ نِعْمَته , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد فِي أَحْكَامه : وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى يَكُون بِوُجُوهٍ ; فَوَاجِب عَلَى الْعَالِم أَنْ يُعِين النَّاس بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمهُمْ , وَيُعِينهُمْ الْغَنِيّ بِمَالِهِ , وَالشُّجَاع بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنْ يَكُون الْمُسْلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَالْيَدِ الْوَاحِدَة ( الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَد عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ) , وَيَجِب الْإِعْرَاض عَنْ الْمُتَعَدِّي وَتَرْك النُّصْرَة لَهُ وَرَدّه عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ . ثُمَّ نَهَى فَقَالَ . وَهُوَ الْحُكْم اللَّاحِق عَنْ الْجَرَائِم , وَعَنْ " الْعُدْوَان " وَهُوَ ظُلْم النَّاس . ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى وَتَوَعَّدَ تَوَعُّدًا مُجْمَلًا .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰۤىِٕرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡیَ وَلَا ٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَ وَلَاۤ ءَاۤمِّینَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣰاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُوا۟ۚ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُوا۟ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ﴿٢﴾
لَا تُحِلُّوا۟لا يَقَعْ منكم الإخلالُ.
شَعَـٰۤىِٕرَ ٱللَّهِجَمْعُ شَعيرةٍ، وهي حُرُماتُه، ومعالمُه.
وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَلا تَسْتَحِلُّوا القتالَ في الأشهرِ الحُرُم وهي: ذو القِعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرمُ ورَجَبٌ.
وَلَا ٱلۡهَدۡیَولا تَسْتَحِلُّوا أن تأخذُوا ما أهداه المرءُ من الأنعامِ إلى بيتِ اللهِ، أو تَحُولُوا بينَه وبينَ المكانِ الذي يُهدَى إليه.
وَلَا ٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَبأن تُؤْخَذَ غَصْباً، و هي ضفائرُ صوفٍ يَضَعُونها في رَقَبَةِ البَهيمةِ علامةً على أنها هَدْيٌ.
وَلَاۤ ءَاۤمِّینَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَولا تَسْتَحِلُّوا قتالَ قاصدي البيتِ الحرامِ.
حَلَلۡتُمۡمن إحرامِكم.
وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡولا يَحْمِلَنَّكم.
شَنَـَٔانُبُغْضُ.
أَن صَدُّوكُمۡلأَجْل صَدِّهم إياكم.
ٱلۡبِرِّالعمل بِما أَمَرَ اللهُ بالعملِ به.
وَٱلتَّقۡوَىٰۖاجتنابِ ما أمرَ اللهُ باجتنابِه.
ٱلۡإِثۡمِهوكلُّ فِعْلٍ أو قولٍ يُوجِبُ الذَّنْبَ.
وَٱلۡعُدۡوَ ٰ⁠نِۚالتعَدِّي على الناسِ بما فيه ظُلْمٌ.
وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡولا يَحْمِلَنَّكم.
شَنَـَٔانُعَداوةُ.
ٱلۡإِثۡمِالكفرِ.
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لَا)
حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُحِلُّوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(شَعَائِرَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الشَّهْرَ)
مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَرَامَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْهَدْيَ)
مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْقَلَائِدَ)
مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(آمِّينَ)
مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ أَيْ: "قِتَالُ آمِّينَ".
(الْبَيْتَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِاسْمِ الْفَاعِلِ (آمِّينَ) :.
(الْحَرَامَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَبْتَغُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(فَضْلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(رَبِّهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَرِضْوَانًا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رِضْوَانًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى (فَضْلًا) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَإِذَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(حَلَلْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فَاصْطَادُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اصْطَادُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَجْرِمَنَّكُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(شَنَآنُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(قَوْمٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ)
حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(صَدُّوكُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ: (لِأَنْ صَدُّو) :.
(عَنِ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْمَسْجِدِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَرَامِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَعْتَدُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ لِـ(يَجْرِمَنَّكُمْ) :.
(وَتَعَاوَنُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَعَاوَنُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْبِرِّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالتَّقْوَى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(التَّقْوَى) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَعَاوَنُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْإِثْمِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْعُدْوَانِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْعُدْوَانِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاتَّقُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّقُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(شَدِيدُ)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْعِقَابِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.