صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ١٠٨

سورة المائدة الآية ١٠٨

ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَاۤ أَوۡ یَخَافُوۤا۟ أَن تُرَدَّ أَیۡمَـٰنُۢ بَعۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُوا۟ۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ﴿١٠٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

" ذَلِكَ أَدْنَى " أي: أقرب " أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا " حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات. " أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ " أي: أن لا تقبل أيمانهم, ثم ترد على أولياء الميت. " وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " أي: الذين وصفهم الفسق, فلا يريدون. الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا, أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه, مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين. فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين, جاز أن يوصي إليها. ولكن لأجل كفرهما, فإن الأولياء, إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة, أنهما ما خانا, ولا كذبا, ولا غيرا, ولا بدلا, فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما, ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين فإن شاء أولياء الميت, فليقم منهم اثنان, فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين, الأولين, وأنهما خانا وكذبا, فيستحقون منهما ما يدعون. وهذه الآيات الكريمة, نزلت في قصة " تميم الداري " و " عدي بن بداء " المشهورة حين أوصى لهما العدوي, والله أعلم ويستدل بالآيات الكريمات, على عدة أحكام. منها: أن الوصية مشروعة, وأنه ينبغي لمن حضره الموت, أن يوصي. ومنها: أنها معتبرة, لو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلامته, ما دام عقله ثابتا. ومنها: أن شهادة الوصية, لابد فيها من اثنين عدلين - ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها, مقبولة لوجود الضرورة. وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ. وهذه دعوى لا دليل عليها. ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه, أن شهادة الكفار عند عدم غيرهم, حتى في غير هذه المسألة - مقبولة, كما ذهب إلى ذلك, شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر, إذا لم يكن محذور. ومنها: جواز السفر للتجارة. ومنها: أن الشاهدين - إذا ارتيب منهما, ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما, وأراد الأولياء - أن يؤكدوا عليهما اليمين, يحبسونهما من بعد الصلاة, فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى. ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما, وتأكيد اليمين عليهما. ومنها: تعظيم أمر الشهادة, حيث أضافها تعالى, إلى نفسه, وأنه يحب الاعتناء بها, والقيام بها, بالقسط. ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين, عند الريبة منهما, وتفريقهما, لينظر في قيمة شهادتهما صدقا أو كذبا. ومنها: أنه إذا وحدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت, فأقسما بالله. أن أيماننا أصدق من أيمانهما, ولقد خانا وكذبا. ثم يدفع إليهما ما ادعياه, وتكون القرينة - مع أيمانهما - قائمة مقام البينة. " يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " يخبر تعالى, عن يوم القيامة, وما فيه من الأهوال العظام, وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم. " مَاذَا أُجِبْتُمْ " أي: ماذا أجابتكم به أممكم؟ " قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا " وإنما العلم لك - يا ربنا, فأنت أعلم منا. " إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ " أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.

التفسير الميسر

ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن ترد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي ردت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.

تفسير الجلالين

"ذَلِكَ" الْحُكْم الْمَذْكُور مِنْ رَدّ الْيَمِين عَلَى الْوَرَثَة "أَدْنَى" أَقْرَب إلَى "أَنْ يَأْتُوا" أَيْ الشُّهُود أَوْ الْأَوْصِيَاء "بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا" الَّذِي تَحَمَّلُوهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر تَحْرِيف وَلَا خِيَانَة "أَوْ" أَقْرَب إلَى أَنْ "يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ" عَلَى الْوَرَثَة الْمُدَّعِينَ فَيَحْلِفُونَ عَلَى خِيَانَتهمْ وَكَذِبهمْ فَيَفْتَضِحُونَ وَيَغْرَمُونَ فَلَا يَكْذِبُوا "وَاتَّقُوا اللَّه" بِتَرْكِ الْخِيَانَة وَالْكَذِب "وَاسْمَعُوا" مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ سَمَاع قَبُول "وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ" الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَته إلَى سَبِيل الْخَيْر

تفسير ابن كثير

قَوْله" ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا " أَيْ شَرْعِيَّة هَذَا الْحُكْم عَلَى هَذَا الْوَجْه الْمَرْضِيّ مِنْ تَحْلِيف الشَّاهِدَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَاسْتُرِيبَ بِهِمَا أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَتهمَا الشَّهَادَة عَلَى الْوَجْه الْمَرْضِيّ وَقَوْله " أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ " أَيْ يَكُون الْحَامِل لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَان بِهَا عَلَى وَجْههَا هُوَ تَعْظِيم الْحَلِف بِاَللَّهِ وَمُرَاعَاة جَانِبه وَإِجْلَاله وَالْخَوْف مِنْ الْفَضِيحَة بَيْن النَّاس إِنْ رُدَّتْ الْيَمِين عَلَى الْوَرَثَة فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا يَدَّعُونَ وَلِهَذَا قَالَ " أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ " ثُمَّ قَالَ " وَاتَّقُوا اللَّه" أَيْ فِي جَمِيع أُمُوركُمْ " وَاسْمَعُوا " أَيْ وَأَطِيعُوا " وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ " أَيْ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَته وَمُتَابَعَة شَرِيعَته .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } هَذَا الَّذِي قُلْت لَكُمْ فِي أَمْر الْأَوْصِيَاء إِذَا اِرْتَبْتُمْ فِي أَمْرهمْ وَاتَّهَمْتُمُوهُمْ بِخِيَانَةِ الْمَال مَنْ أَوْصَى إِلَيْهِمْ مِنْ حَبْسهمْ بَعْد الصَّلَاة , وَاسْتِحْلَافكُمْ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا اِدَّعَى قِبَلهمْ أَوْلِيَاء الْمَيِّت ; { أَدْنَى لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا } يَقُول : هَذَا الْفِعْل إِذَا فَعَلْتُمْ بِهِمْ أَقْرَب لَهُمْ أَنْ يَصْدُقُوا فِي أَيْمَانهمْ , وَلَا يَكْتُمُوا , وَيُقِرُّوا بِالْحَقِّ , وَلَا يَخُونُوا . { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ } يَقُول أَوْ يَخَافُوا هَؤُلَاءِ الْأَوْصِيَاء إِنْ عُثِرَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ اِسْتَحَقُّوا إِثْمًا فِي أَيْمَانهمْ بِاَللَّهِ , أَنْ تُرَدّ أَيْمَانهمْ عَلَى أَوْلِيَاء الْمَيِّت بَعْد أَيْمَانهمْ الَّتِي عُثِرَ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَذِب , فَيَسْتَحِقُّوا بِهَا مَا اِدَّعَوْا قِبَلهمْ مِنْ حُقُوقهمْ , فَيَصْدُقُوا حِينَئِذٍ فِي أَيْمَانهمْ وَشَهَادَتهمْ مَخَافَة الْفَضِيحَة عَلَى أَنْفُسهمْ وَحَذَرًا أَنْ يَسْتَحِقّ عَلَيْهِمْ مَا خَانُوا فِيهِ أَوْلِيَاء الْمَيِّت وَوَرَثَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ; وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَنْ بَعْضهمْ , نَحْنُ ذَاكِرُو الرِّوَايَة فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْض مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ . 10103 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْمًا } يَقُول : إِنْ اُطُّلِعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا , { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامهمَا } يَقُول : مِنْ الْأَوْلِيَاء , فَحَلَفَا بِاَللَّهِ أَنَّ شَهَادَة الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَة وَأَنَّا لَمْ نَعْتَدِ , فَتُرَدّ شَهَادَة الْكَافِرَيْنِ وَتَجُوز شَهَادَة الْأَوْلِيَاء . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتِيَ الْكَافِرُونَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا , أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ . وَلَيْسَ عَلَى شُهُود الْمُسْلِمِينَ أَقْسَام , وَإِنَّمَا الْأَقْسَام إِذَا كَانُوا كَافِرَيْنِ . 10104 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ } الْآيَة , يَقُول : ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَصْدُقُوا فِي شَهَادَتهمْ , وَأَنْ يَخَافُوا الْعِقَاب . 10105 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ } قَالَ : فَتَبْطُل أَيْمَانهمْ , وَتُؤْخَذ أَيْمَان هَؤُلَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْد الصَّلَاة , ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا , وَعَلَى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْمًا , فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامهمَا ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10106 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : يُوقَف الرَّجُلَانِ بَعْد صَلَاتهمَا فِي دِينهمَا , فَيَحْلِفَانِ بِاَللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى , وَلَا نَكْتُم شَهَادَة اللَّه , إِنَّا إِذَن لِمَنْ الْآثِمِينَ , إِنَّ صَاحِبكُمْ لَبِهَذَا أَوْصَى , وَإِنَّ هَذِهِ لَتَرِكَته ! فَيَقُول لَهُمَا الْإِمَام قَبْل أَنْ يَحْلِفَا : إِنَّكُمَا إِنْ كُنْتُمَا كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُمَا فَضَحْتُكُمَا فِي قَوْمكُمَا وَلَمْ أُجِزْ لَكُمَا شَهَادَة وَعَاقَبْتُكُمَا . فَإِنْ قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ , فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي حُكْم هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , هَلْ هُوَ مَنْسُوخ , أَوْ هُوَ مُحْكَم ثَابِت ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَنْسُوخ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10108 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا . اِبْن إِدْرِيس , عَنْ رَجُل , قَدْ سَمَّاهُ , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَة . 10109 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَة . يَعْنِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَة بَيْنكُمْ } الْآيَة . وَقَالَ جَمَاعَة : هِيَ مُحْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْل أَكْثَرهمْ فِيمَا مَضَى . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّ حُكْم الْآيَة مَنْسُوخ , وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْم اللَّه تَعَالَى ذِكْره الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْإِسْلَام , مِنْ لَدُنْ بَعَثَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا , أَنَّ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَعْوَى مِمَّا يَمْلِكهُ بَنُو آدَم أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يُبَرِّئُهُ مِمَّا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ إِلَّا الْيَمِين إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَة تُصَحِّح دَعْوَاهُ , وَأَنَّهُ إِنْ اِعْتَرَفَ وَفِي يَدَيْ الْمُدَّعِي سِلْعَة لَهُ , فَادَّعَى أَنَّهَا لَهُ دُون الَّذِي فِي يَده , فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَده : بَلْ هِيَ لِي اِشْتَرَيْتهَا مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي , أَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ زَعَمَ الَّذِي هِيَ فِي يَده أَنَّهُ اِشْتَرَاهَا مِنْهُ دُون مَنْ هِيَ فِي يَده مَعَ يَمِينه إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي هِيَ فِي يَده بَيِّنَة تُحَقِّق بِهِ دَعْوَاهُ الشِّرَاء مِنْهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ حُكْم اللَّه الَّذِي لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل الْعِلْم , وَكَانَتْ الْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيهِمَا أَمْر وَصِيَّة الْمُوصِي إِلَى عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِلَى آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرهمْ , إِنَّمَا أَلْزَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ الْوَصِيَّيْنِ الْيَمِين حِين اِدَّعَى عَلَيْهِمَا الْوَرَثَة مَا اِدَّعَوْا ثُمَّ لَمْ يُلْزِم الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا شَيْئًا إِذْ حَلَفَا , حَتَّى اِعْتَرَفَتْ الْوَرَثَة فِي أَيْدِيهمَا مَا اِعْتَرَفُوا مِنْ الْجَام أَوْ الْإِبْرِيق أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالهمْ فَزَعَمَا أَنَّهُمَا اِشْتَرَيَاهُ مِنْ مَيِّتهمْ , فَحِينَئِذٍ أَلْزَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَثَة الْمَيِّت الْيَمِين , لِأَنَّ الْوَصِيَّيْنِ تَحَوَّلَا مُدَّعِيَيْنِ بِدَعْوَاهُمَا مَا وَجَدَا فِي أَيْدِيهمَا مِنْ مَال الْمَيِّت أَنَّهُ لَهُمَا اِشْتَرَيَا ذَلِكَ مِنْهُ فَصَارَا مُقِرَّيْنِ بِالْمَالِ لِلْمَيِّتِ مُدَّعِيَيْنِ مِنْهُ الشِّرَاء , فَاحْتَاجَا حِينَئِذٍ إِلَى بَيِّنَة تُصَحِّح دَعْوَاهُمَا ; وَوَرَثَة الْمَيِّت رَبّ السِّلْعَة أَوْلَى بِالْيَمِينِ مِنْهُمَا , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامهمَا مِنْ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتنَا أَحَقّ مِنْ شَهَادَتهمَا } الْآيَة . فَإِذْ كَانَ تَأْوِيل ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْه لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة ; لِأَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يُقْضَى عَلَى حُكْم مِنْ أَحْكَام اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ مَنْسُوخ إِلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَع الْعُذْر إِمَّا مِنْ عِنْد اللَّه أَوْ مِنْ عِنْد رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ بِوُرُودِ النَّقْل الْمُسْتَفِيض بِذَلِكَ , فَأَمَّا وَلَا خَبَر بِذَلِكَ , وَلَا يَدْفَع صِحَّته عَقْل , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَخَافُوا اللَّه أَيّهَا النَّاس , وَرَاقِبُوهُ فِي أَيْمَانكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِهَا كَاذِبَة وَأَنْ تُذْهِبُوا بِهَا مَال مَنْ يَحْرُم عَلَيْكُمْ مَاله , وَأَنْ تَخُونُوا مَنْ اِئْتَمَنَكُمْ . يَقُول : اِسْمَعُوا مَا يُقَال لَكُمْ وَمَا تُوعَظُونَ بِهِ , فَاعْمَلُوا بِهِ وَانْتَهُوا إِلَيْهِ . يَقُول : وَاَللَّه لَا يُوَفِّق مَنْ فَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه فَخَالَفَهُ وَأَطَاعَ الشَّيْطَان وَعَصَى رَبّه . وَكَانَ اِبْن زَيْد يَقُول : الْفَاسِق فِي هَذَا الْمَوْضِع : هُوَ الْكَاذِب . 10107 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } الْكَاذِبِينَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِب . وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ اِبْن زَيْد مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي بِمَدْفُوعٍ , إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَمَّ الْخَبَر بِأَنَّهُ لَا يَهْدِي جَمِيع الْفُسَّاق , وَلَمْ يُخَصِّص مِنْهُمْ بَعْضًا دُون بَعْض بِخَبَرٍ وَلَا عَقْل , فَذَلِكَ عَلَى مَعَانِي الْفِسْق كُلّهَا حَتَّى يُخَصِّص شَيْئًا مِنْهَا مَا يَجِب التَّسْلِيم لَهُ فَيُسَلَّم لَهُ .

تفسير القرطبي

" ذَلِكَ أَدْنَى " اِبْتِدَاء وَخَبَر . " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب . " يَأْتُوا " نُصِبَ بـ " ـأَنْ " . " أَوْ يَخَافُوا " عَطْف عَلَيْهِ . " أَنْ تُرَدّ " فِي مَوْضِع نَصْب ب " يَخَافُوا " . " أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ " قِيلَ : الضَّمِير فِي " يَأْتُوا " و " يَخَافُوا " رَاجِع إِلَى الْمُوصَى إِلَيْهِمَا ; وَهُوَ الْأَلْيَق بِمَسَاقِ الْآيَة , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ النَّاس , أَيْ أَحْرَى أَنْ يَحْذَر النَّاس الْخِيَانَة فَيَشْهَدُوا بِالْحَقِّ خَوْف الْفَضِيحَة فِي رَدّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعِي , وَاللَّه أَعْلَمُ . أَمْر ; وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّون , أَيْ اِسْمَعُوا مَا يُقَال لَكُمْ , قَابِلِينَ لَهُ مُتَّبِعِينَ أَمْر اللَّه فِيهِ . فَسَقَ يَفْسِق وَيَفْسُق إِذَا خَرَجَ مِنْ الطَّاعَة إِلَى الْمَعْصِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم .

غريب الآية
ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَاۤ أَوۡ یَخَافُوۤا۟ أَن تُرَدَّ أَیۡمَـٰنُۢ بَعۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُوا۟ۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ ﴿١٠٨﴾
ٱلۡفَـٰسِقِینَالخارجينَ عن طاعةِ اللهِ.
ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَاۤذلك الحكمُ عند الارتيابِ في الشاهدَين الكافرَين من الحَلْفِ أقربُ إلى أن يأتُوا بالشهادة على حقيقتِها.
أَوۡ یَخَافُوۤا۟ أَن تُرَدَّ أَیۡمَـٰنُۢ بَعۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡۗأو خَشْيَةَ أن تُرَدَّ اليمينُ الكاذبةُ من قِبَلِ أصحابِ الحقِّ الذين يَحْلِفُون بما يتضَمَّنُ كَذِبَ الكافرين.
الإعراب
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَدْنَى)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَأْتُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: (إِلَى أَنْ يَأْتُوا) :.
(بِالشَّهَادَةِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الشَّهَادَةِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَجْهِهَا)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَخَافُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُرَدَّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَيْمَانٌ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ (يَخَافُوا) :.
(بَعْدَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَيْمَانِهِمْ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَاتَّقُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّقُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاسْمَعُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اسْمَعُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَهْدِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ اسْمِ الْجَلَالَةِ.
(الْقَوْمَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْفَاسِقِينَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.