سورة المائدة الآية ١٠٣
سورة المائدة الآية ١٠٣
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِیرَةࣲ وَلَا سَاۤىِٕبَةࣲ وَلَا وَصِیلَةࣲ وَلَا حَامࣲ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ ﴿١٠٣﴾
تفسير السعدي
هذا ذم للمشركين, الذين شرعوا في الدين, ما لم يأذن به الله, وحرموا ما أحله الله. فجعلوا بآرائهم الفاسدة, شيئا من مواشيهم محرما, على حسب اصطلاحاتهم, التي عارضت ما أنزل الله, فقال: " مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ " وهي: ناقة, يشقون أذنها, ثم يحرمون ركوبها, ويرونها محترمة. " وَلَا سَائِبَةٍ " وهي: ناقة, أو بقرة, أو شاة, إذا بلغت سنا اصطلحوا عليه, سيبوها, فلا تركب, ولا يحمل عليها, ولا تؤكل, وبعضهم ينذر شيئا من ماله, يجعله سائبة. " وَلَا حَامٍ " أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل, إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه, مما جعلها المشركون محرمة, بغير دليل ولا برهان. وإنما ذلك, افتراء على الله, وصادرة من جهلهم, وعدم عقلهم, ولهذا قال: " وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ " . فلا نقل فيها ولا عقل, ومع هذا, فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم.
التفسير الميسر
ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل، ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه، وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل.
تفسير الجلالين
"مَا جَعَلَ" شَرَعَ "اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ" كَمَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَهُ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : الْبَحِيرَة الَّتِي يُمْنَح دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد مِنْ النَّاس وَالسَّائِبَة الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء وَالْوَصِيلَة النَّاقَة الْبِكْر تُبْكِر فِي أَوَّل نِتَاج الْإِبِل بِأُنْثَى ثُمَّ تُثْنِي بَعْد بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إحْدَاهُمَا بِأُخْرَى لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر وَالْحَام فَحْل الْإِبِل يَضْرِب الضِّرَاب الْمَعْدُودَة فَإِذَا قَضَى ضِرَابه وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ شَيْء وَسَمَّوْهُ الْحَامِي "وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب" فِي ذَلِكَ وَفِي نِسْبَته إلَيْهِ "وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ" أَنَّ ذَلِكَ افْتِرَاء لِأَنَّهُمْ قَلَّدُوا فِيهِ آبَاءَهُمْ
تفسير ابن كثير
قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ صَالِح بْن كَيْسَان عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : الْبَحِيرَة الَّتِي يُمْنَع دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاس وَالسَّائِبَة كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار كَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب" وَالْوَصِيلَة النَّاقَة الْبِكْر تُبَكِّر فِي أَوَّل نِتَاج الْإِبِل ثُمَّ تُثَنِّي بَعْد بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وُصِلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر وَالْحَام فَحْل الْإِبِل يَضْرِب الضِّرَاب الْمَعْدُود فَإِذَا قَضَى ضِرَابه وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ عَنْ الْحَمْل فَلَمْ يُحْمَل عَلَيْهِ شَيْء وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِهِ ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ : وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَان أَخْبَرَنَا شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : سَمِعْت سَعِيدًا يُخْبِر بِهَذَا قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه وَرَوَاهُ اِبْن الْهَاد عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْحَاكِم : أَرَادَ الْبُخَارِيّ أَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الْهَاد رَوَاهُ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت عَنْ الزُّهْرِيّ كَذَا حَكَاهُ شَيْخنَا أَبُو الْحَجَّاج الْمُزَنِيّ فِي الْأَطْرَاف وَسَكَتَ وَلَمْ يُنَبِّه عَلَيْهِ وَفِيمَا قَالَهُ الْحَاكِم نَظَر فَإِنَّ الْإِمَام أَحْمَد وَأَبَا جَعْفَر بْن جَرِير رَوَيَاهُ مِنْ حَدِيث اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ اِبْن الْهَاد عَنْ الزُّهْرِيّ نَفْسه وَاَللَّه أَعْلَم ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب أَبُو عَبْد اللَّه الْكَرْمَانِيّ حَدَّثَنَا حَسَّان بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا يُونُس عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَأَيْت جَهَنَّم يَحْطِم بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْت عَمْرًا يَجُرّ قُصْبَهُ وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب " تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيّ وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا هَنَّاد حَدَّثَنَا يُونُس بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَمَ بْن الْجَوْن " يَا أَكْثَم رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة بْن خِنْدِف يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك " فَقَالَ أَكْثَم تَخْشَى أَنْ يَضُرّنِي شَبَهه يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا إِنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر إِنَّهُ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم وَبَحَرَ الْبَحِيرَة وَسَيَّبَ السَّائِبَة وَحَمَى الْحَامِي " ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ هَنَّاد عَنْ عَبْدَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْله لَيْسَ هَذَانِ الطَّرِيقَانِ فِي الْكُتُب . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُجَمِّع حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم الْهَجَرِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب وَعَبَدَ الْأَصْنَام أَبُو خُزَاعَة عَمْرو بْن عَامِر وَإِنِّي رَأَيْته يَجُرّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّار" تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب وَأَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام" قَالُوا وَمَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " عَمْرو بْن لُحَيّ أَخُو بَنِي كَعْب لَقَدْ رَأَيْته يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار تُؤْذِي رَائِحَتُهُ أَهْل النَّار وَإِنِّي لَأَعْرِف أَوَّل مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِر" قَالُوا وَمَنْ هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " رَجُل مِنْ بَنِي مُدْلِج كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ فَجَدَعَ آذَانهمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانهمَا ثُمَّ شَرِبَ أَلْبَانهمَا بَعْد ذَلِكَ فَلَقَدْ رَأَيْته فِي النَّار وَهُمَا يَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا وَيَطَآنِهِ بِأَخْفَافِهِمَا" فَعَمْرو هَذَا هُوَ اِبْن لُحَيّ بْن قَمْعَة أَحَد رُؤَسَاء خُزَاعَة الَّذِينَ وُلُّوا الْبَيْت بَعْد جُرْهُم وَكَانَ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فَأَدْخَلَ الْأَصْنَام إِلَى الْحِجَاز وَدَعَا الرَّعَاع مِنْ النَّاس إِلَى عِبَادَتهَا وَالتَّقَرُّب بِهَا وَشَرَعَ لَهُمْ هَذِهِ الشَّرَائِع الْجَاهِلِيَّة فِي الْأَنْعَام وَغَيْرهَا كَمَا ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام عِنْد قَوْله تَعَالَى " وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا إِلَى آخِر الْآيَات فِي ذَلِكَ فَأَمَّا الْبَحِيرَة فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا هِيَ النَّاقَة إِذَا نَتَجَتْ خَمْسَة أَبْطُن نَظَرُوا إِلَى الْخَامِس فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ فَأَكَلَهُ الرِّجَال دُون النِّسَاء وَإِنْ كَانَ أُنْثَى جَدَعُوا آذَانهَا فَقَالُوا هَذِهِ بَحِيرَة . وَذَكَرَ السُّدِّيّ وَغَيْره قَرِيبًا مِنْ هَذَا وَأَمَّا السَّائِبَة فَقَالَ مُجَاهِد هِيَ مِنْ الْغَنَم نَحْو مَا فُسِّرَ مِنْ الْبَحِيرَة إِلَّا أَنَّهَا مَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَد كَانَ بَيْنهَا وَبَيْنه سِتَّة أَوْلَاد كَانَتْ عَلَى هَيْئَتهَا فَإِذَا وَلَدَتْ السَّابِع ذَكَرًا أَوْ ذَكَرَيْنِ ذَبَحُوهُ فَأَكَلَهُ رِجَالهمْ دُون نِسَائِهِمْ وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السَّائِبَة هِيَ النَّاقَة إِذَا وَلَدَتْ عَشْر إِنَاث مِنْ الْوَلَد لَيْسَ بَيْنهنَّ ذَكَرٌ سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَب وَلَمْ يُجَزّ وَبَرُهَا وَلَمْ يُحْلَب لَبَنهَا إِلَّا الضَّيْف وَقَالَ أَبُو رَوْق السَّائِبَة كَانَ الرَّجُل إِذَا خَرَجَ فَقُضِيَتْ حَاجَته سَيَّبَ مِنْ مَاله نَاقَة أَوْ غَيْرهَا فَجَعَلَهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَمَا وَلَدَتْ مِنْ شَيْء كَانَ لَهَا . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ إِذَا قُضِيَتْ حَاجَته أَوْ عُوفِيَ مِنْ مَرَض أَوْ كَثُرَ مَاله سَيَّبَ شَيْئًا مِنْ مَاله لِلْأَوْثَانِ فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ النَّاس عُوقِبَ بِعُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا الْوَصِيلَة فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : هِيَ الشَّاة إِذَا نَتَجَتْ سَبْعَة أَبْطُن نَظَرُوا إِلَى السَّابِع فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَهُوَ مَيِّت اِشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجَال دُون النِّسَاء وَإِنْ كَانَ أُنْثَى اِسْتَحْيَوْهَا وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْن وَاحِد اِسْتَحْيَوْهُمَا وَقَالُوا : وَصَلَتْهُ أُخْته فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَلَا وَصِيلَة قَالَ : فَالْوَصِيلَة مِنْ الْإِبِل كَانَتْ النَّاقَة تَبْتَكِر مِنْ الْأُنْثَى ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُنْثَى فَسَمَّوْهَا الْوَصِيلَة وَيَقُولُونَ وَصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر فَكَانُوا يَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَام مَالِك بْن أَنَس رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْوَصِيلَة مِنْ الْغَنَم إِذَا وَلَدَتْ عَشْر إِنَاث فِي خَمْسَة أَبْطُن تَوْأَمَيْنِ تَوْأَمَيْنِ فِي كُلّ بَطْن سُمِّيَتْ الْوَصِيلَة وَتُرِكَتْ فَمَا وَلَدَتْ بَعْد ذَلِكَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى جُعِلَتْ لِلذُّكُورِ دُون الْإِنَاث وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَة اِشْتَرَكُوا فِيهَا وَأَمَّا الْحَامِي فَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا لَقِحَ فَحْله عَشْرًا قِيلَ حَامٍ فَاتْرُكُوهُ . وَكَذَا قَالَ أَبُو رَوْق وَقَتَادَة وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : وَأَمَّا الْحَام فَالْفَحْل مِنْ الْإِبِل إِذَا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قَالُوا حَمَى هَذَا ظَهْره فَلَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا يَجُزُّونَ لَهُ وَبَرًا وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ حِمَى رَعْي وَمِنْ حَوْض يَشْرَب مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْحَوْض لِغَيْرِ صَاحِبه . وَقَالَ اِبْن وَهْب : سَمِعْت مَالِكًا يَقُول : أَمَّا الْحَام فَمِنْ الْإِبِل كَانَ يَضْرِب فِي الْإِبِل فَإِذَا اِنْقَضَى ضِرَابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ رِيش الطَّوَاوِيس وَسَيَّبُوهُ وَقَدْ قِيلَ غَيْر ذَلِكَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيث رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص الْجُشَمِيّ عَنْ أَبِيهِ مَالِك بْن نَضْلَة قَالَ : أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُلْقَان مِنْ الثِّيَاب فَقَالَ لِي " هَلْ لَك مِنْ مَال ؟ " فَقُلْت نَعَمْ قَالَ " مِنْ أَيّ الْمَال ؟ " قَالَ : فَقُلْت مِنْ كُلّ الْمَال مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم وَالْخَيْل وَالرَّقِيق قَالَ " فَإِذَا آتَاك اللَّه مَالًا فَكَثَّرَ عَلَيْك" ثُمَّ قَالَ " تُنْتَج إِبِلك وَافِيَة آذَانهَا ؟ " قَالَ قُلْت نَعَمْ قَالَ " وَهَلْ تُنْتَج الْإِبِل إِلَّا كَذَلِكَ ؟ " قَالَ " فَلَعَلَّك تَأْخُذ الْمُوسَى فَتَقْطَع آذَان طَائِفَة مِنْهَا وَتَقُول هَذِهِ بَحِير وَتَشُقّ آذَان طَائِفَة مِنْهَا وَتَقُول هَذِهِ حَرَم " قُلْت نَعَمْ قَالَ " فَلَا تَفْعَل إِنَّ كُلّ مَا آتَاك اللَّه لَك حِلّ" ثُمَّ قَالَ " مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ " أَمَّا الْبَحِيرَة فَهِيَ الَّتِي يَجْدَعُونَ آذَانهَا فَلَا تَنْتَفِع اِمْرَأَته وَلَا بَنَاته وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل بَيْته بِصُوفِهَا وَلَا أَوْبَارهَا وَلَا أَشْعَارهَا وَلَا أَلْبَانهَا فَإِذَا مَاتَتْ اِشْتَرَكُوا فِيهَا . وَأَمَّا السَّائِبَة فَهِيَ الَّتِي يُسَيِّبُونَ لِآلِهَتِهِمْ وَيَذْهَبُونَ إِلَى آلِهَتهمْ فَيُسَيِّبُونَهَا وَأَمَّا الْوَصِيلَة فَالشَّاة تَلِد سِتَّة أَبْطُن فَإِذَا وَلَدَتْ السَّابِع جُدِعَتْ وَقُطِعَ قَرْنهَا فَيَقُولُونَ قَدْ وُصِلَتْ فَلَا يَذْبَحُونَهَا وَلَا تُضْرَب وَلَا تُمْنَع مَهْمَا وَرَدَتْ عَلَى حَوْض هَكَذَا يُذْكَر تَفْسِير ذَلِكَ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيث . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَوْف بْن مَالِك مِنْ قَوْله وَهُوَ أَشْبَهُ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث الْإِمَام أَحْمَد عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاء عَمْرو بْن عَمْرو عَنْ عَمّه أَبِي الْأَحْوَص عَوْف بْن مَالِك بْن نَضْلَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله تَعَالَى " وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ" أَيْ مَا شَرَعَ اللَّه هَذِهِ الْأَشْيَاء وَلَا هِيَ عِنْده قُرْبَة وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ اِفْتَرَوْا ذَلِكَ وَجَعَلُوهُ شَرْعًا لَهُمْ وَقُرْبَة يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَهُمْ بَلْ هُوَ وَبَال عَلَيْهِمْ .
تفسير القرطبي
جَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى سَمَّى , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا " [ الزُّخْرُف : 3 ] أَيْ سَمَّيْنَاهُ , وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَة مَا سَمَّى اللَّه , وَلَا سَنَّ ذَلِكَ حُكْمًا , وَلَا تَعَبَّدَ بِهِ شَرْعًا , بَيْد أَنَّهُ قَضَى بِهِ عِلْمًا , وَأَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَته خَلْقًا ; فَإِنَّ اللَّه خَالِق كُلّ شَيْء مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَنَفْع وَضُرّ , وَطَاعَة وَمَعْصِيَة " مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ " " مِنْ " زَائِدَة , وَالْبَحِيرَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَهِيَ عَلَى وَزْن النَّطِيحَة وَالذَّبِيحَة , وَفِي الصَّحِيح عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : الْبَحِيرَة هِيَ الَّتِي يُمْنَع دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ , فَلَا يَحْتَلِبهَا أَحَد مِنْ النَّاس , وَأَمَّا السَّائِبَة فَهِيَ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ , وَقِيلَ : الْبَحِيرَة لُغَة هِيَ النَّاقَة الْمَشْقُوقَة الْأُذُن ; يُقَال : بَحَرْت أُذُن النَّاقَة أَيْ شَقَقْتهَا شَقًّا وَاسِعًا , وَالنَّاقَة بَحِيرَة وَمَبْحُورَة , وَكَانَ الْبَحْر عَلَامَة التَّخْلِيَة . قَالَ اِبْن سِيدَهْ : يُقَال الْبَحِيرَة هِيَ الَّتِي خُلِّيَتْ بِلَا رَاعٍ , وَيُقَال لِلنَّاقَةِ الْغَزِيرَة بَحِيرَة . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : الْبَحِيرَة هِيَ اِبْنَة السَّائِبَة , وَالسَّائِبَة هِيَ النَّاقَة إِذَا تَابَعَتْ بَيْن عَشْر إِنَاث لَيْسَ بَيْنهنَّ ذَكَر , لَمْ يُرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يُجَزّ وَبَرهَا , وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف , فَمَا نُتِجَتْ بَعْد ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنهَا , وَخُلِّيَ سَبِيلهَا مَعَ أُمّهَا , فَلَمْ يُرْكَب ظَهْرهَا وَلَمْ يُجَزّ وَبَرهَا , وَلَمْ يَشْرَب لَبَنهَا إِلَّا ضَيْف كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا ; فَهِيَ الْبَحِيرَة اِبْنَة السَّائِبَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا نُتِجَتْ النَّاقَة خَمْسَة أَبْطُن إِنَاثًا بُحِرَتْ أُذُنهَا فَحُرِّمَتْ ; قَالَ : مُحَرَّمَة لَا يَطْعَم النَّاس لَحْمهَا وَلَا نَحْنُ فِي شَيْء كَذَاك الْبَحَائِر وَقَالَ اِبْن عُزَيْز : الْبَحِيرَة النَّاقَة إِذَا نُتِجَتْ خَمْسَة أَبْطُن فَإِذَا كَانَ الْخَامِس ذَكَرًا نَحَرُوهُ فَأَكَلَهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَإِنْ كَانَ الْخَامِس أُنْثَى بَحَرُوا أُذُنهَا - أَيْ شَقُّوهُ - وَكَانَتْ حَرَامًا عَلَى النِّسَاء لَحْمهَا وَلَبَنهَا - وَقَالَهُ عِكْرِمَة - فَإِذَا مَاتَتْ حَلَّتْ لِلنِّسَاءِ . وَالسَّائِبَة الْبَعِير يُسَيَّب بِنَذْرٍ يَكُون عَلَى الرَّجُل إِنْ سَلَّمَهُ اللَّه مِنْ مَرَض , أَوْ بَلَّغَهُ مَنْزِله أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , فَلَا تُحْبَس عَنْ رَعْي وَلَا مَاء , وَلَا يَرْكَبهَا أَحَد ; وَقَالَ بِهِ أَبُو عُبَيْد ; قَالَ الشَّاعِر : وَسَائِبَة لِلَّهِ تَنْمِن تَشَكُّرًا إِنْ اللَّه عَافَى عَامِرًا أَوْ مُجَاشِعَا وَقَدْ يُسَيِّبُونَ غَيْر النَّاقَة , وَكَانُوا إِذَا سَيَّبُوا الْعَبْد لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَاء , وَقِيلَ : السَّائِبَة هِيَ الْمُخَلَّاة لَا قَيْد عَلَيْهَا , وَلَا رَاعِيَ لَهَا ; فَاعِل بِمَعْنَى مَفْعُول , نَحْو " عِيشَة رَاضِيَة " أَيْ مَرْضِيَّة . مِنْ سَابَتْ الْحَيَّة وَانْسَابَتْ ; قَالَ الشَّاعِر : عَقَرْتُمْ نَاقَة كَانَتْ لِرَبِّي وَسَائِبَة فَقُومُوا لِلْعِقَابِ وَأَمَّا الْوَصِيلَة وَالْحَام ; فَقَالَ اِبْن وَهْب , قَالَ مَالِك : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُعْتِقُونَ الْإِبِل وَالْغَنَم يُسَيِّبُونَهَا ; فَأَمَّا الْحَام فَمِنْ الْإِبِل ; كَانَ الْفَحْل إِذَا اِنْقَضَى ضِرَابه جَعَلُوا عَلَيْهِ مِنْ رِيش الطَّوَاوِيس وَسَيَّبُوهُ ; وَأَمَّا الْوَصِيلَة فَمِنْ الْغَنَم إِذَا وَلَدَتْ أُنْثَى بَعْد أُنْثَى سَيَّبُوهَا , وَقَالَ اِبْن عُزَيْز : الْوَصِيلَة فِي الْغَنَم ; قَالَ : كَانُوا إِذَا وَلَدَتْ الشَّاة سَبْعَة أَبْطُن نَظَرُوا ; فَإِنْ كَانَ السَّابِع ذَكَرًا ذُبِحَ وَأَكَلَ مِنْهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَإِنْ كَانَ أُنْثَى تُرِكَتْ فِي الْغَنَم , وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَمْ تُذْبَح لِمَكَانِهَا , وَكَانَ لَحْمهَا حَرَامًا عَلَى النِّسَاء , وَلَبَن الْأُنْثَى حَرَامًا عَلَى النِّسَاء إِلَّا أَنْ يَمُوت مِنْهُمَا شَيْء فَيَأْكُلهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء . وَالْحَامِي الْفَحْل إِذَا رُكِبَ وَلَد وَلَده . قَالَ : حَمَاهَا أَبُو قَابُوس فِي عِزّ مُلْكه كَمَا قَدْ حَمَى أَوْلَاد أَوْلَاده الْفَحْل وَيُقَال : إِذَا نُتِجَ مِنْ صُلْبه عَشَرَة أَبْطُن قَالُوا : قَدْ حُمِيَ ظَهْره فَلَا يُرْكَب وَلَا يُمْنَع مِنْ كَلَاء وَلَا مَاء , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : الْوَصِيلَة الشَّاة إِذَا أَتَمَّتْ عَشْر إِنَاث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أَبْطُن لَيْسَ بَيْنهنَّ ذَكَر , قَالُوا : وَصَلَتْ ; فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْد ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُون الْإِنَاث , إِلَّا أَنْ يَمُوت شَيْء مِنْهَا فَيَشْتَرِك فِي أَكْله ذُكُورهمْ وَإِنَاثهمْ . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب ) وَفِي رِوَايَة ( عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدِف أَخَا بَنِي كَعْب هَؤُلَاءِ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النَّار ) , وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَكْثَم بْن الْجَوْن : ( رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمَعَة بْن خِنْدِف يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَه بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك ) فَقَالَ أَكْثَم : أَخْشَى أَنْ يَضُرّنِي شَبَهه يَا رَسُول اللَّه ; قَالَ : ( لَا إِنَّك مُؤْمِن وَهُوَ كَافِر إِنَّهُ أَوَّل مَنْ غَيَّرَ دِين إِسْمَاعِيل وَبَحَرَ الْبَحِيرَة وَسَيَّبَ السَّائِبَة وَحَمَى الْحَامِيَ ) وَفِي رِوَايَة : ( رَأَيْته رَجُلًا قَصِيرًا أَشْعَر لَهُ وَفْرَة يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار ) . وَفِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم وَغَيْره عَنْ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّهُ يُؤْذِي أَهْل النَّار بِرِيحِهِ ) . مُرْسَل ذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَقِيلَ : إِنَّ أَوَّل مَنْ اِبْتَدَعَ ذَلِكَ جُنَادَة بْن عَوْف , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَفِي الصَّحِيح كِفَايَة , وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق : أَنَّ سَبَب نَصْب الْأَوْثَان , وَتَغْيِير دِين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَمْرو بْن لُحَيّ خَرَجَ مِنْ مَكَّة إِلَى الشَّام , فَلَمَّا قَدِمَ مَآب مِنْ أَرْض الْبَلْقَاء , وَبِهَا يَوْمئِذٍ الْعَمَالِيق أَوْلَاد عِمْلِيق - وَيُقَال عِمْلَاق - بْن لاوذ بْن سَام بْن نُوح , رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام فَقَالَ لَهُمْ : مَا هَذِهِ الْأَصْنَام الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : هَذِهِ أَصْنَام نَسْتَمْطِر بِهَا فَنُمْطَر , وَنَسْتَنْصِر بِهَا فَنُنْصَر ; فَقَالَ لَهُمْ : أَفَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا أَسِير بِهِ إِلَى أَرْض الْعَرَب فَيَعْبُدُونَهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَال لَهُ : ( هُبَل ) فَقَدِمَ بِهِ مَكَّة فَنَصَبَهُ , وَأَخَذَ النَّاس بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمه ; فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ " مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ " . " وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " يَعْنِي مِنْ قُرَيْش وَخُزَاعَة وَمُشْرِكِي الْعَرَب " يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب " بِقَوْلِهِمْ : إِنَّ اللَّه أَمَرَ بِتَحْرِيمِهَا , وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِرِضَا رَبّهمْ فِي طَاعَة اللَّه , وَطَاعَة اللَّه إِنَّمَا تُعْلَم مِنْ قَوْله , وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ مِنْ اللَّه بِذَلِكَ قَوْل , فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّه , وَقَالُوا : " مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا " [ الْأَنْعَام : 139 ] يَعْنِي مِنْ الْوَلَد وَالْأَلْبَان " وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَة " [ الْأَنْعَام : 139 ] يَعْنِي إِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا اِشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء ; فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفهمْ " [ الْأَنْعَام : 139 ] أَيْ بِكَذِبِهِمْ الْعَذَاب فِي الْآخِرَة " إِنَّهُ حَكِيم عَلِيم " [ الْأَنْعَام : 139 ] أَيْ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيل . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّه لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّه تَفْتَرُونَ " [ يُونُس : 59 ] وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : " ثَمَانِيَة أَزْوَاج " [ الْأَنْعَام : 143 ] وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : " وَأَنْعَام لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا اِفْتِرَاء عَلَيْهِ " [ الْأَنْعَام : 138 ] . تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي مَنْعه الْأَحْبَاس وَرَدّه الْأَوْقَاف ; بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَابَ عَلَى الْعَرَب مَا كَانَتْ تَفْعَلهُ مِنْ تَسْيِيب الْبَهَائِم وَحِمَايَتهَا وَحَبْس أَنْفَاسهَا عَنْهَا , وَقَاسَ عَلَى الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْفَرْق بَيِّنٌ , وَلَوْ عَمَدَ رَجُل إِلَى ضَيْعَة لَهُ فَقَالَ : هَذِهِ تَكُون حَبْسًا , لَا يُجْتَنَى ثَمَرهَا , وَلَا تُزْرَع أَرْضهَا , وَلَا يُنْتَفَع مِنْهَا بِنَفْعٍ , لَجَازَ أَنْ يُشَبَّه هَذَا بِالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَة , وَقَدْ قَالَ عَلْقَمَة لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء : مَا تُرِيد إِلَى شَيْء كَانَ مِنْ عَمَل أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَقَدْ ذَهَبَ , وَقَالَ نَحْوه اِبْن زَيْد , وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ الْأَحْبَاس وَالْأَوْقَاف مَا عَدَا أَبَا حَنِيفَة وَأَبَا يُوسُف وَزُفَر ; وَهُوَ قَوْل شُرَيْح إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُف رَجَعَ عَنْ قَوْل أَبِي حَنِيفَة فِي ذَلِكَ لَمَّا حَدَّثَهُ اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَتَصَدَّق بِسَهْمِهِ بِخَيْبَر فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْبِسْ الْأَصْل وَسَبِّلْ الثَّمَرَة ) , وَبِهِ يَحْتَجّ كُلّ مَنْ أَجَازَ الْأَحْبَاس ; وَهُوَ حَدِيث صَحِيح قَالَهُ أَبُو عُمَر . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَسْأَلَة إِجْمَاع مِنْ الصَّحَابَة وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيًّا وَعَائِشَة وَفَاطِمَة وَعَمْرو بْن الْعَاص وَابْن الزُّبَيْر وَجَابِرًا كُلّهمْ وَقَفُوا الْأَوْقَاف , وَأَوْقَافهمْ بِمَكَّة وَالْمَدِينَة مَعْرُوفَة مَشْهُورَة , وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُف قَالَ لِمَالِك بِحَضْرَةِ الرَّشِيد : إِنَّ الْحَبْس لَا يَجُوز ; فَقَالَ لَهُ مَالِك : هَذِهِ الْأَحْبَاس أَحْبَاس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَر وَفَدَك وَأَحْبَاس أَصْحَابه , وَأَمَّا مَا اِحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَة مِنْ الْآيَة فَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا عَابَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَصَرَّفُوا بِعُقُولِهِمْ بِغَيْرِ شَرْع تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ , أَوْ تَكْلِيف فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي قَطْع طَرِيق الِانْتِفَاع وَإِذْهَاب نِعْمَة اللَّه تَعَالَى , وَإِزَالَة الْمَصْلَحَة الَّتِي لِلْعِبَادِ فِي تِلْكَ الْإِبِل , وَبِهَذَا فَارَقَتْ هَذِهِ الْأُمُور الْأَحْبَاس وَالْأَوْقَاف , وَمِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَة وَزُفَر مَا رَوَاهُ عَطَاء عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب قَالَ : سَأَلْت شُرَيْحًا عَنْ رَجُل جَعَلَ دَاره حَبْسًا عَلَى الْآخِر مِنْ وَلَده فَقَالَ : لَا حَبْس عَنْ فَرَائِض اللَّه ; قَالُوا : فَهَذَا شُرَيْح قَاضِي عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ حَكَمَ بِذَلِكَ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَخِيهِ عِيسَى , عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ سُورَة " النِّسَاء " وَأَنْزَلَ اللَّه فِيهَا الْفَرَائِض : يَنْهَى عَنْ الْحَبْس . قَالَ الطَّبَرِيّ : الصَّدَقَة الَّتِي يُمْضِيهَا الْمُتَصَدِّق فِي حَيَاته عَلَى مَا أَذِنَ اللَّه بِهِ عَلَى لِسَان نَبِيّه وَعَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّة الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَيْسَ مِنْ الْحَبْس عَنْ فَرَائِض اللَّه ; وَلَا حُجَّة فِي قَوْل شُرَيْح وَلَا فِي قَوْل أَحَد يُخَالِف السُّنَّة , وَعَمَل الصَّحَابَة الَّذِينَ هُمْ الْحُجَّة عَلَى جَمِيع الْخَلْق ; وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَرَوَاهُ اِبْن لَهِيعَة , وَهُوَ رَجُل اِخْتَلَطَ عَقْله فِي آخِر عُمْره , وَأَخُوهُ غَيْر مَعْرُوف فَلَا حُجَّة فِيهِ ; قَالَهُ اِبْن الْقَصَّار . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَجُوز أَنْ تُخْرَج الْأَرْض بِالْوَقْفِ عَنْ مِلْك أَرْبَابهَا لَا إِلَى مِلْك مَالِك ؟ قَالَ الطَّحَاوِيّ يُقَال لَهُمْ : وَمَا يُنْكَر مِنْ هَذَا وَقَدْ اِتَّفَقْت أَنْتَ وَخَصْمك عَلَى الْأَرْض يَجْعَلهَا صَاحِبهَا مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ , وَيُخَلِّي بَيْنهمْ وَبَيْنهَا , وَقَدْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ مِنْ مِلْك إِلَى غَيْر مَالِك , وَلَكِنْ إِلَى اللَّه تَعَالَى ; وَكَذَلِكَ السِّقَايَات وَالْجُسُور وَالْقَنَاطِر , فَمَا أَلْزَمْت مُخَالِفك فِي حُجَّتك عَلَيْهِ يَلْزَمك فِي هَذَا كُلّه . وَاللَّه أَعْلَمُ . اِخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ لِلْحَبْسِ فِيمَا لِلْمُحَبِّسِ مِنْ التَّصَرُّف ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ : وَيَحْرُم عَلَى الْمُوقِف مِلْكه كَمَا يَحْرُم عَلَيْهِ مِلْك رَقَبَة الْعَبْد , إِلَّا أَنَّهُ جَائِز لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى صَدَقَته , وَتَكُون بِيَدِهِ لِيُفَرِّقهَا وَيُسَبِّلهَا فِيمَا أَخْرَجَهَا فِيهِ ; لِأَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لَمْ يَزَلْ يَلِي صَدَقَته - فِيمَا بَلَغَنَا - حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : وَكَذَلِكَ عَلِيّ وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَا يَلِيَانِ صَدَقَاتهمَا ; وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف , وَقَالَ مَالِك : مَنْ حَبَّسَ أَرْضًا أَوْ نَخْلًا أَوْ دَارًا عَلَى الْمَسَاكِين وَكَانَتْ بِيَدِهِ يَقُوم بِهَا وَيُكْرِيهَا وَيُقَسِّمهَا فِي الْمَسَاكِين حَتَّى مَاتَ وَالْحَبْس فِي يَدَيْهِ , أَنَّهُ لَيْسَ بِحَبْسٍ مَا لَمْ يُجِزْهُ غَيْره وَهُوَ مِيرَاث ; وَالرَّبْع عِنْده وَالْحَوَائِط وَالْأَرْض لَا يَنْفُذ حَبْسهَا , وَلَا يَتِمّ حَوْزهَا , حَتَّى يَتَوَلَّاهُ غَيْر مَنْ حَبَّسَهُ , بِخِلَافِ الْخَيْل وَالسِّلَاح , هَذَا مُحَصَّل مَذْهَبه عِنْد جَمَاعَة أَصْحَابه ; وَبِهِ قَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى . لَا يَجُوز لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِع بِوَقْفِهِ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ لِلَّهِ وَقَطَعَهُ عَنْ مِلْكه , فَانْتِفَاعه بِشَيْءٍ مِنْهُ رُجُوع فِي صَدَقَته ; وَإِنَّمَا يَجُوز لَهُ الِانْتِفَاع إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْوَقْف , أَوْ أَنْ يَفْتَقِر الْمُحَبِّس , أَوْ وَرَثَته فَيَجُوز لَهُمْ الْأَكْل مِنْهُ . ذَكَرَ اِبْن حَبِيب عَنْ مَالِك قَالَ : مَنْ حَبَّسَ أَصْلًا تَجْرِي غَلَّته عَلَى الْمَسَاكِين فَإِنَّ وَلَده يُعْطَوْنَ مِنْهُ إِذَا اِفْتَقَرُوا - كَانُوا يَوْم حَبَّسَ أَغْنِيَاء أَوْ فُقَرَاء - غَيْر أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ جَمِيع الْغَلَّة مَخَافَة أَنْ يَنْدَرِس الْحَبْس , وَلَكِنْ يَبْقَى مِنْهُ سَهْم لِلْمَسَاكِينِ لِيَبْقَى عَلَيْهِ اِسْم الْحَبْس ; وَيُكْتَب عَلَى الْوَلَد كِتَاب أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنْهُ مَا أُعْطُوا عَلَى سَبِيل الْمَسْكَنَة , وَلَيْسَ عَلَى حَقّ لَهُمْ دُون الْمَسَاكِين . عِتْق السَّائِبَة جَائِز ; وَهُوَ أَنْ يَقُول السَّيِّد لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرّ وَيَنْوِي الْعِتْق , أَوْ يَقُول : أَعْتَقْتُك سَائِبَة ; فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك عِنْد جَمَاعَة أَصْحَابه أَنَّ وَلَاءَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَعِتْقه نَافِذ ; هَكَذَا رَوَى عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم وَابْن عَبْد الْحَكَم وَأَشْهَب وَغَيْرهمْ , وَبِهِ قَالَ اِبْن وَهْب ; وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك قَالَ : لَا يُعْتِق أَحَد سَائِبَة ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْع الْوَلَاء وَعَنْ هِبَته ; قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهَذَا عِنْد كُلّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبه إِنَّمَا هُوَ مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة عِتْق السَّائِبَة لَا غَيْر ; فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ وَكَانَ الْحُكْم فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَرَوَى اِبْن وَهْب أَيْضًا وَابْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَكْرَه عِتْق السَّائِبَة وَأَنْهَى عَنْهُ ; فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ وَكَانَ مِيرَاثًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَعَقْله عَلَيْهِمْ , وَقَالَ أَصْبَغ : لَا بَأْس بِعِتْقِ السَّائِبَة اِبْتِدَاء ; ذَهَبَ إِلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك ; وَلَهُ اِحْتَجَّ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي اِبْن إِسْحَاق وَإِيَّاهُ تَقَلَّدَ , وَمِنْ حُجَّته فِي ذَلِكَ أَنَّ عِتْق السَّائِبَة مُسْتَفِيض بِالْمَدِينَةِ لَا يُنْكِرهُ عَالِم , وَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْره مِنْ السَّلَف أَعْتَقُوا سَائِبَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن شِهَاب وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَأَبِي الْعَالِيَة وَعَطَاء وَعَمْرو بْن دِينَار وَغَيْرهمْ . قُلْت : أَبُو الْعَالِيَة الرِّيَاحِيّ الْبَصْرِيّ التَّمِيمِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - مِمَّنْ أُعْتِقَ سَائِبَة ; أَعْتَقَتْهُ مَوْلَاة لَهُ مِنْ بَنِي رِيَاح سَائِبَة لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى , وَطَافَتْ بِهِ عَلَى حَلَق الْمَسْجِد , وَاسْمه رُفَيْع بْن مِهْرَان , وَقَالَ اِبْن نَافِع : لَا سَائِبَة الْيَوْم فِي الْإِسْلَام , وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَة كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَابْن الْمَاجِشُون , وَمَالَ إِلَيْهِ اِبْن الْعَرَبِيّ ; وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَعْتَقَ سَائِبَة فَوَلَاؤُهُ لَهُ ) وَبِقَوْلِهِ : ( إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ ) . فَنَفَى أَنْ يَكُون الْوَلَاء لِغَيْرِ مُعْتِق , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة " وَبِالْحَدِيثِ ( لَا سَائِبَة فِي الْإِسْلَام ) وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو قَيْس عَنْ هُزَيْل بْن شُرَحْبِيل قَالَ : قَالَ رَجُل لِعَبْدِ اللَّه : إِنِّي أَعْتَقْت غُلَامًا لِي سَائِبَة فَمَاذَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه : إِنَّ أَهْل الْإِسْلَام لَا يُسَيِّبُونَ , إِنَّمَا كَانَتْ تُسَيِّب الْجَاهِلِيَّة ; أَنْتَ وَارِثه وَوَلِيّ نِعْمَته .
| مَا جَعَلَ ٱللَّهُ | ما شَرَعَ اللهُ للمشركين ما ابتدَعُوه في بهيمةِ الأنعامِ من تَرْكِ الانتفاعِ بها، وتَرْكِها للأصنامِ. |
|---|---|
| مِنۢ بَحِیرَةࣲ | هي التي تُشَقُّ أُذُنُها إذا وَلَدَتْ عدداً من البُطونِ، أو التي لا يَحْلُبها أحدٌ من الناسِ. |
| وَلَا سَاۤىِٕبَةࣲ | هي التي تُترك للأصنام إِثْر نَذْرٍ. |
| وَلَا وَصِیلَةࣲ | هي التي تتصلُ وِلادتُها بأنثى بعد أنثى. |
| وَلَا حَامࣲ | هو الذَّكَرُ من الإبِلِ إذا نُتِجَ مِنْ صُلْبِه عددٌ من الإبِلِ، أو الذي يُعفى من الحَمْلِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian