تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْهَدْي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش هُمْ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه , وَصَدُّوكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ عَنْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام , وَصَدُّوا الْهَدْي مَعْكُوفًا : يَقُول : مَحْبُوسًا عَنْ أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . فَمَوْضِع " أَنْ " نَصْب لِتَعَلُّقِهِ إِنْ شِئْت بِمَعْكُوفٍ , وَإِنْ شِئْت بِصَدُّوا . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول فِي ذَلِكَ : وَصَدُّوا الْهَدْي مَعْكُوفًا كَرَاهِيَة أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه } أَنْ يَبْلُغ مَحِلّ نَحْره , وَذَلِكَ دُخُول الْحَرَم , وَالْمَوْضِع الَّذِي إِذَا صَارَ إِلَيْهِ حَلَّ نَحْره , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَ مَعَهُ حِين خَرَجَ إِلَى مَكَّة فِي سَفَرَته تِلْكَ سَبْعِينَ بَدَنَة . 24429 -اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , قَالَ : ثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة وَمَرْوَان بْن الْحَكَم أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ , قَالَا : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة يُرِيد زِيَارَة الْبَيْت , لَا يُرِيد قِتَالًا , وَسَاقَ الْهَدْي مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَة وَكَانَ النَّاس سَبْع مِائَة رَجُل , فَكَانَتْ كُلّ بَدَنَة عَنْ عَشْرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَالْهَدْي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24430 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْهَدْي مَعْكُوفًا } : أَيْ مَحْبُوسًا { أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه } وَأَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مُعْتَمِرِينَ فِي ذِي الْقَعْدَة , وَمَعَهُمْ الْهَدْي , حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ , صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَصَالَحَهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَرْجِع مِنْ عَامه ذَلِكَ , ثُمَّ يَرْجِع مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَيَكُون بِمَكَّة ثَلَاث لَيَالٍ , وَلَا يَدْخُلهَا إِلَّا بِسِلَاحِ الرَّاكِب , وَلَا يَخْرُج بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلهَا , فَنَحَرُوا الْهَدْي , وَحَلَقُوا , وَقَصَّرُوا , حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , أَقْبَلَ نَبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَتَّى دَخَلُوا مَكَّة مُعْتَمِرِينَ فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاث لَيَالٍ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَجَرُوا عَلَيْهِ حِين رَدُّوهُ , فَأَقَصَّهُ اللَّه مِنْهُمْ فَأَدْخَلَهُ مَكَّة فِي ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2 194 24431 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ وَأَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ , وَاللَّفْظ لِابْنِ عُمَارَة , قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ إِيَاس بْن سَلَمَة بْن الْأَكْوَع , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْش سُهَيْل بْن عَمْرو , وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى , وَحَفْص بْن فُلَان إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَالِحُوهُ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سُهَيْل بْن عَمْرو , قَالَ : " قَدْ سَهَّلَ اللَّه لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ , الْقَوْم مَاتُّونَ إِلَيْكُمْ بِأَرْحَامِهِمْ وَسَائِلُوكُمْ الصُّلْح , فَابْعَثُوا الْهَدْي , وَأَظْهِرُوا التَّلْبِيَة , لَعَلَّ ذَلِكَ يُلِين قُلُوبهمْ " , فَلَبَّوْا مِنْ نَوَاحِي الْعَسْكَر حَتَّى اِرْتَجَّتْ أَصْوَاتهمْ بِالتَّلْبِيَةِ , فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ الصُّلْح ; قَالَ : فَبَيْنَمَا النَّاس قَدْ تَوَادَعُوا وَفِي الْمُسْلِمِينَ نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ , قَالَ : فَقِيلَ بِهِ أَبُو سُفْيَان ; قَالَ : وَإِذَا الْوَادِي يَسِيل بِالرِّجَالِ ; قَالَ : قَالَ إِيَاس , قَالَ سَلَمَة : فَجِئْت بِسِتَّةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُتَسَلِّحِينَ أَسُوقهُمْ , لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا , فَأَتَيْت بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَسْلُب وَلَمْ يَقْتُل وَعَفَا ; قَالَ : فَشَدَدْنَا عَلَى مَنْ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنَّا , فَمَا تَرَكْنَا فِي أَيْدِيهمْ مِنَّا رَجُلًا إِلَّا اِسْتَنْقَذْنَاهُ ; قَالَ : وَغَلَبْنَا عَلَى مَنْ فِي أَيْدِينَا مِنْهُمْ ; ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا سُهَيْل بْن عَمْرو , وَحُوَيْطِبًا , فَوَلَّوْا صُلْحهمْ , وَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا مُحَمَّد فِي صُلْحه ; فَكَتَبَ عَلِيّ بَيْنهمْ : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا , صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا إِهْلَال وَلَا اِمْتِلَال , وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ قَدِمَ مَكَّة مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا , أَوْ يَبْتَغِي مِنْ فَضْل اللَّه , فَهُوَ آمِن عَلَى دَمه وَمَاله ; وَمَنْ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ قُرَيْش مُجْتَازًا إِلَى مِصْر أَوْ إِلَى الشَّام يَبْتَغِي مِنْ فَضْل اللَّه , فَهُوَ آمِن عَلَى دَمه وَمَاله ; وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاءَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْش فَهُوَ إِلَيْهِمْ رَدّ , وَمَنْ جَاءَهُمْ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد فَهُوَ لَهُمْ . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ جَاءَهُمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اللَّه , وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ فَعَلِمَ اللَّه الْإِسْلَام مِنْ نَفْسه , جَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا " . فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَمِر فِي عَام قَابِل فِي هَذَا الشَّهْر , لَا يَدْخُل عَلَيْنَا بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاح , إِلَّا مَا يَحْمِل الْمُسَافِر فِي قِرَابه , يَثْوِي فِينَا ثَلَاث لَيَالٍ , وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْهَدْي حَيْثُمَا حَبَسْنَاهُ مَحِلّه لَا يُقَدِّمهُ عَلَيْنَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَحْنُ نَسُوقهُ وَأَنْتُمْ تَرُدُّونَ وُجُوهه " , فَسَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْهَدْي وَسَارَ النَّاس . 24432 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُوسَى , قَالَهُ : أَخْبَرَنِي أَبُو مُرَّة مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ اِبْن عُمَر , قَالَ : وَكَانَ الْهَدْي دُون الْجِبَال الَّتِي تَطْلُع عَلَى وَادِي الثَّنِيَّة عَرَضَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ , فَرَدُّوا وُجُوهه ; قَالَ : فَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدْي حِين حَبَسُوهُ , وَهِيَ الْحُدَيْبِيَة , وَحَلَقَ , وَتَأَسَّى بِهِ أُنَاس حِين رَأَوْهُ حَلَقَ , وَتَرَبَّص آخَرُونَ , فَقَالُوا : لَعَلَّنَا نَطُوف بِالْبَيْتِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه : " وَرَحِمَ اللَّه الْمُحَلِّقِينَ " , قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ , قَالَ " رَحِمَ اللَّه الْمُحَلِّقِينَ " , قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ , قَالَ : " وَالْمُقَصِّرِينَ " . 24433 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثَنَا عُمَر بْن ذَرّ الْهَمْدَانِيّ , عَنْ مُجَاهِد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ ثَلَاث عُمَر , كُلّهَا فِي ذِي الْقَعْدَة , يَرْجِع فِي كُلّهَا إِلَى الْمَدِينَة , مِنْهَا الْعُمْرَة الَّتِي صُدَّ فِيهَا الْهَدْي , فَنَحَرَهُ فِي مَحِلّه , عِنْد الشَّجَرَة , وَشَارَطُوهُ أَنْ يَأْتِي فِي الْعَام الْمُقْبِل مُعْتَمِرًا , فَيَدْخُل مَكَّة , فَيَطُوف بِالْبَيْتِ ثَلَاثَة أَيَّام , ثُمَّ يَخْرُج , وَلَا يَحْبِسُونَ عَنْهُ أَحَدًا قَدِمَ مَعَهُ , وَلَا يَخْرُج مِنْ مَكَّة بِأَحَدٍ كَانَ فِيهَا قَبْل قُدُومه مِنْ الْمُسْلِمِينَ ; فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل دَخَلَ مَكَّة , فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا يَطُوف بِالْبَيْتِ ; فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَرِيبًا مِنْ الظُّهْر , أَرْسَلُوا إِلَيْهِ : إِنَّ قَوْمك قَدْ آذَاهُمْ مَقَامك , فَنُودِيَ فِي النَّاس : لَا تَغْرُب الشَّمْس وَفِيهَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدِمَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 24434 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة , قَالَ : خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن الْحُدَيْبِيَة فِي بِضْع عَشْرَة مِائَة مِنْ أَصْحَابه , حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَة قَلَّدَ الْهَدْي وَأَشْعَرَهُ , وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ , وَبَعَثَ بَيْن يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَة يُخْبِرهُ عَنْ قُرَيْش , وَسَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاط قَرِيبًا مِنْ قُعَيْقِعَان , أَتَاهُ عَيْنه الْخُزَاعِيّ , فَقَالَ . إِنِّي تَرَكْت كَعْب بْن لُؤَيّ وَعَامِر بْن لُؤَيّ قَدْ جَمَعُوا لَك الْأَحَابِيش , وَجَمَعُوا لَك جُمُوعًا , وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادُّوك عَنْ الْبَيْت , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ , أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيل عَلَى ذَرَارِيّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَيُصِيبهُمْ , فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ وَإِنْ لَحُّوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّه ؟ أَمْ تَرَوْنَ أَنَّا نَؤُمّ الْبَيْت , فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ ؟ " فَقَامَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه : إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَد , وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْننَا وَبَيْن الْبَيْت قَاتَلْنَاهُ ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَرَوِّحُوا إِذًا " ; وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول : مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَر مُشَاوَرَة لِأَصْحَابِهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيق , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد بِالْغَمِيم فِي خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَة , فَخُذُوا ذَات الْيَمِين " , فَوَاَللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِد حَتَّى إِذَا هُوَ بِفَتْرَةِ الْجَيْش , فَانْطَلَقَ يَرْكُض نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ , وَسَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِط عَلَيْهِمْ مِنْهَا , بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَته ; فَقَالَ النَّاس : حَلْ حَلْ , فَقَالَ : مَا حَلْ ؟ فَقَالُوا : خَلَأَتْ الْقَصْوَاء , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا خَلَأَتْ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ , وَلَكِنَّهَا حَبَسَهَا حَابِس الْفِيل " , ثُمَّ قَالَ : " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلنِي خُطَّة يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَات اللَّه إِلَّا أَعْطَيْتهمْ إِيَّاهَا " , ثُمَّ زُجِرَتْ فَوَثَبَتْ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَة عَلَى ثَمَد قَلِيل الْمَاء , إِنَّمَا يَتَبَرَّضهُ النَّاس تَبَرُّضًا , فَلَمْ يَلْبَث النَّاس أَنْ نَزَحُوهُ , فَشُكِيَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَش , فَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته , ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ , فَوَاَللَّهِ مَا زَالَ يَجِيش لَهُمْ بِالرَّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ جَاءَ بُدَيْل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ فِي نَفَر مِنْ خُزَاعَة , وَكَانُوا عَيْبَة نُصْح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل تِهَامَة , فَقَالَ : إِنِّي تَرَكْت كَعْب بْن لُؤَيّ , وَعَامِر بْن لُؤَيّ , قَدْ نَزَلُوا أَعْدَاد مِيَاه الْحُدَيْبِيَة مَعَهُمْ الْعَوْذ الْمَطَافِيل , وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادُّوك عَنْ الْبَيْت , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَد , وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ , وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمْ الْحَرْب , وَأَضَرَّتْ بِهِمْ , فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْنَاهُمْ مُدَّة , وَيُخْلُوا بَيْنِي وَبَيْن النَّاس , فَإِنْ أَظْهَرَ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاس فَعَلُوا , وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِد سَالِفَتِي , أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّه أَمْره فَقَالَ بُدَيْل : سَنُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُول , فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا , فَقَالَ : إِنَّا جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْد هَذَا الرَّجُل , وَسَمِعْنَاهُ يَقُول قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا ; قَالَ سُفَهَاؤُهُمْ : لَا حَاجَة لَنَا فِي أَنْ تُحَدِّثنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ , وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ ; هَاتِ مَا سَمِعْته ; يَقُول : قَالَ سَمِعْته يَقُول كَذَا وَكَذَا , فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَامَ عُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ , فَقَالَ : أَيْ قَوْم , أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ ؟ قَالُوا : بَلَى ; قَالَ : أَوْلَسْت بِالْوَالِدِ ؟ قَالُوا : بَلَى , قَالَ : فَهَلْ أَنْتُمْ تَتَّهِمُونِي ؟ قَالُوا : لَا ; قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اِسْتَنْفَرْت أَهْل عُكَاظ , فَلَمَّا بَلَحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي ؟ قَالُوا : بَلَى ; قَالَ : فَإِنَّ هَذَا الرَّجُل قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّة رُشْد فَاقْبَلُوهَا , وَدَعُونِي آتِهِ ; فَقَالُوا : اِئْتِهِ , فَأَتَاهُ , فَجَعَلَ يُكَلِّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ مَقَالَته لِبُدَيْل ; فَقَالَ عُرْوَة عِنْد ذَلِكَ : أَيْ مُحَمَّد , أَرَأَيْت إِنْ اِسْتَأْصَلْت قَوْمك , فَهَلْ سَمِعْت بِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَب اِجْتَاحَ أَصْله قَبْلك وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا وَأَوْبَاشًا مِنْ النَّاس خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدْعُوك , فَقَالَ أَبُو بَكْر : اِمْصُصْ بَظْر اللَّات , وَاللَّات : طَاغِيَة ثَقِيف الَّذِي كَانُوا يَعْبُدُونَ , أَنَحْنُ نَفِرّ وَنَدَعهُ ؟ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : أَبُو بَكْر , فَقَالَ : أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَد كَانَتْ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك ; وَجَعَلَ يُكَلِّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ , وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَائِم عَلَى رَأْس النَّبِيّ وَمَعَهُ السَّيْف , وَعَلَيْهِ الْمِغْفَر ; فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَة إِلَى لِحْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ضَرَبَ يَده بِنَصْلِ السَّيْف , وَقَالَ : أَخِّرْ يَدك عَنْ لِحْيَته , فَرَفَعَ رَأْسه فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة , قَالَ : أَيْ غُدَر أَوَلَسْت أَسْعَى فِي غَدْرَتك . وَكَانَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالهمْ , ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا الْإِسْلَام فَقَدْ قَبِلْنَاهُ , وَأَمَّا الْمَال فَإِنَّهُ مَال غَدْر لَا حَاجَة لَنَا فِيهِ " . وَإِنَّ عُرْوَة جَعَلَ يَرْمُق أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِهِ , فَوَاَللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَة إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُل مِنْهُمْ , فَدَلَّك بِهَا وَجْهه وَجِلْده , وَإِذَا أَمَرَهُمْ اِبْتَدَرُوا أَمْره , وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ , وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتهمْ عِنْده , وَمَا يَحُدُّونَ النَّظَر إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ , فَرَجَعَ عُرْوَة إِلَى أَصْحَابه , فَقَالَ أَيْ قَوْم , وَاَللَّه لَقَدْ وَفَدْت عَلَى الْمُلُوك , وَوَفَدْت عَلَى قَيْصَر وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيّ , وَاَللَّه مَا رَأَيْت مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمهُ أَصْحَابه مَا يُعَظِّم أَصْحَاب مُحَمَّد مُحَمَّدًا ; وَاَللَّه إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَة إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُل مِنْهُمْ فَدَلَّك بِهَا وَجْهه وَجِلْده , وَإِذَا أَمَرَهُمْ اِبْتَدَرُوا أَمْره , وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ , وَإِذَا تَكَلَّمُوا عِنْده خَفَضُوا أَصْوَاتهمْ , وَمَا يَحُدُّونَ النَّظَر إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ , وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّة رُشْد فَاقْبَلُوهَا . فَقَالَ رَجُل مِنْ كِنَانَة : دَعُونِي آتِهِ , فَقَالُوا : اِئْتِهِ ; فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا فُلَان , وَهُوَ مِنْ قَوْم يُعَظِّمُونَ الْبُدْن , فَابْعَثُوهَا لَهُ " , فَبُعِثَتْ لَهُ , وَاسْتَقْبَلَهُ قَوْم يُلَبُّونَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ سُبْحَان اللَّه , مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَصُدُّوا عَنْ الْبَيْت , فَقَامَ رَجُل مِنْهُمْ يُقَال لَهُ مِكْرَز بْن حَفْص , فَقَالَ : دَعُونِي آتِهِ , فَقَالُوا اِئْتِهِ , فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذَا مِكْرَز بْن حَفْص , وَهُوَ رَجُل فَاجِر " فَجَاءَ فَجَعَلَ يُكَلِّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمهُ , إِذْ جَاءَ سُهَيْل بْن عَمْرو , قَالَ أَيُّوب , قَالَ عِكْرِمَة : إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْل , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ سَهَّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ " . قَالَا الزُّهْرِيّ . فَجَاءَ سُهَيْل بْن عَمْرو , فَقَالَ : هَاتِ نَكْتُب بَيْننَا وَبَيْنك كِتَابًا ; فَدَعَا الْكَاتِب فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُكْتُبْ : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " , فَقَالَ : مَا الرَّحْمَن ؟ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ , وَلَكِنْ اُكْتُبْ : بِاسْمِك اللَّهُمَّ كَمَا كُنْت تَكْتُب , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : وَاَللَّه لَا نَكْتُبهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُكْتُبْ : بِاسْمِك اللَّهُمَّ " ثُمَّ قَالَ : " اُكْتُبْ : هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه " , فَقَالَ سُهَيْل : وَاَللَّه لَوْ كُنَّا نَعْلَم أَنَّك رَسُول اللَّه مَا صَدَدْنَاك عَنْ الْبَيْت , وَلَا قَاتَلْنَاك , وَلَكِنْ اُكْتُبْ : مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاَللَّه إِنِّي لَرَسُول اللَّه وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي , وَلَكِنْ اُكْتُبْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه " ; قَالَ الزُّهْرِيّ : وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : " وَاَللَّه لَا يَسْأَلُونِي خُطَّة يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَات اللَّه إِلَّا أَعْطَيْتهمْ إِيَّاهَا " ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْننَا وَبَيْن الْبَيْت , فَنَطُوف بِهِ " ; قَالَ سُهَيْل : وَاَللَّه لَا تَتَحَدَّث الْعَرَب أَنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَة , وَلَكِنْ لَك مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْل , وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيك مِنَّا رَجُل إِنْ كَانَ عَلَى دِينك إِلَّا رَدَدْته إِلَيْنَا , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : سُبْحَان اللَّه , وَكَيْف يُرَدّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ , إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَل ابْن سُهَيْل بْن عَمْرو يَرْسُف فِي قُيُوده , قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَل مَكَّة حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْن أَظْهُر الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ سُهَيْل : هَذَا يَا مُحَمَّد أَوَّل مَنْ أُقَاضِيك عَلَيْهِ أَنْ تَرُدّهُ إِلَيْنَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَجِرْهُ لِي " , فَقَالَ : مَا أَنَا بِمُجِيرهُ لَك , قَالَ : " بَلَى فَافْعَلْ " , قَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ; قَالَ صَاحِبه مِكْرَز وَسُهَيْل إِلَى جَنْبه : قَدْ أَجَرْنَاهُ لَك ; فَقَالَ أَبُو جَنْدَل أَيْ مَعَاشِر الْمُسْلِمِينَ , أَأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْت مُسْلِمًا ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيت ؟ كَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّه . قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : وَاَللَّه مَا شَكَكْت مُنْذُ أَسْلَمْت إِلَّا يَوْمئِذٍ , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقّ وَعَدُوّنَا عَلَى الْبَاطِل ؟ قَالَ : " بَلَى " , قُلْت : فَلِمَ نُعْطَى الدَّنِيَّة فِي دِيننَا إِذَنْ ؟ قَالَ : " وَإِنِّي رَسُول اللَّه , وَلَسْت أَعْصِيه وَهُوَ نَاصِرِي " , قُلْت : أَلَسْت تُحَدِّثنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْت , فَنَطُوف بِهِ ؟ قَالَ : " بَلَى " , قَالَ : " فَأَخْبَرْتُك أَنَّك تَأْتِيه الْعَام " ؟ قُلْت : لَا قَالَ : " فَإِنَّك آتِيه وَمُتَطَوِّف بِهِ " ; قَالَ : ثُمَّ أَتَيْت أَبَا بَكْر , فَقُلْت : أَلَيْسَ هَذَا نَبِيّ اللَّه حَقًّا ؟ قَالَ : بَلَى , قُلْت : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقّ وَعَدُوّنَا عَلَى الْبَاطِل ؟ قَالَ : بَلَى , قُلْت : فَلِمَ نُعْطَى الدَّنِيَّة فِي دِيننَا إِذًا ؟ قَالَ أَيّهَا الرَّجُل إِنَّهُ رَسُول اللَّه , وَلَيْسَ يَعْصِي رَبّه , فَاسْتَمْسَكَ بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوت , فَوَاَللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقّ ; قُلْت : أَوَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْت وَنَطُوف بِهِ ؟ قَالَ : بَلَى , أَفَأَخْبَرَك أَنَّك تَأْتِيه الْعَام ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : فَإِنَّك آتِيه وَمُتَطَوِّف بِهِ . قَالَ الزُّهْرِيّ : قَالَ عُمَر : فَعَمِلْت لِذَلِكَ أَعْمَالًا ; فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِصَّته , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : " قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ اِحْلِقُوا " , قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا قَامَ مِنَّا رَجُل حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات ; فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَد , قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَة , فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاس , فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : يَا رَسُول اللَّه أَتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ اُخْرُجْ , ثُمَّ لَا تُكَلِّم أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَة حَتَّى تَنْحَر بُدْنك , وَتَدْعُو حَالِقك فَيَحْلُقك , فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّم أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَة , حَتَّى نَحَرَ بُدْنه , وَدَعَا حَالِقه فَحَلَقَهُ ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا , وَجَعَلَ بَعْضهمْ يَحْلِق بَعْضًا , حَتَّى كَادَ بَعْضهمْ يَقْتُل بَعْضًا غَمًّا ; ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَة مُؤْمِنَات , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَات مُهَاجِرَات } حَتَّى بَلَغَ { بِعِصَمِ الْكَوَافِر } 60 10 قَالَ : فَطَلَّقَ عُمَر يَوْمئِذٍ اِمْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْك ; قَالَ : فَنَهَاهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاق حِينَئِذٍ ; قَالَ رَجُل لِلزُّهْرِيِّ : أَمِنْ أَجْل الْفُرُوج ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَة ابْن أَبِي سُفْيَان , وَالْأُخْرَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة , ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة , فَجَاءَهُ أَبُو بَصِير , رَجُل مِنْ قُرَيْش , وَهُوَ مُسْلِم , فَأَرْسَلَ فِي طَلَبه رَجُلَانِ , فَقَالَا : الْعَهْد الَّذِي جَعَلْت لَنَا , فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ , فَخَرَجَا بِهِ , حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَة , فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْر لَهُمْ , فَقَالَ أَبُو بَصِير لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ : وَاَللَّه إِنِّي لَأَرَى سَيْفك هَذَا يَا فُلَان جَيِّدًا , فَاسْتَلَّهُ الْآخَر فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّهُ لَجَيِّد , لَقَدْ جَرَّبْت بِهِ وَجَرَّبْت ; فَقَالَ أَبُو بَصِير : أَرِنِي أَنْظُر إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ , فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَر حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة , فَدَخَلَ الْمَسْجِد يَعْدُو , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَى هَذَا ذُعْرًا " , فَقَالَ : وَاَللَّه قُتِلَ صَاحِبِي , وَإِنِّي وَاَللَّه لَمَقْتُول , فَجَاءَ أَبُو بَصِير فَقَالَ : قَدْ وَاَللَّه أَوْفَى اللَّه ذِمَّتك وَرَدَدْتنِي إِلَيْهِمْ , ثُمَّ أَغَاثَنِي اللَّه مِنْهُمْ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيْل أُمّه مِسْعَر حَرْب لَوْ كَانَ لَهُ أَحَد " فَلَمَّا سَمِعَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ ; قَالَ : فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سَيْف الْبَحْر , وَتَفَلَّتَ أَبُو جَنْدَل ابْن سُهَيْل بْن عَمْرو , فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِير , فَجَعَلَ لَا يَخْرُج مِنْ قُرَيْش رَجُل قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِير , حَتَّى اِجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَة , فَوَاَللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّام إِلَّا اِعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ , وَأَخَذُوا أَمْوَالهمْ , فَأَرْسَلَتْ قُرَيْش إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاشِدُونَهُ اللَّه وَالرَّحِم لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ , فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِن فَأَنْزَلَ اللَّه { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ } حَتَّى بَلَغَ حَمِيَّة الْجَاهِلِيَّة وَكَانَتْ حَمِيَّتهمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيّ , وَلَمْ يُقِرُّوا بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم , وَحَالُوا بَيْنهمْ وَبَيْن الْبَيْت . 24435 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة , وَمَرْوَان بْن الْحَكَم , قَالَا : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن الْحُدَيْبِيَة فِي بِضْع عَشْرَة مِائَة , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه , قَالَ الزُّهْرِيّ , فَحَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت : أَلَسْت بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : " بَلَى " , قَالَ أَيْضًا : وَخَرَجَ أَبُو بَصِير وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ الَّذِينَ رَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقُوا بِالسَّاحِلِ عَلَى طَرِيق غَيْر قُرَيْش , فَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا مِنْ الْكُفَّار وَتَغَنَّمُوهَا ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّار قُرَيْش , رَكِبَ نَفَر مِنْهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا لَهُ : إِنَّهَا لَا تُغْنِي مُدَّتك شَيْئًا , وَنَحْنُ نُقْتَل وَتُنْهَب أَمْوَالنَا , وَإِنَّا نَسْأَلك أَنْ تُدْخِل هَؤُلَاءِ فِي الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحك وَتَمْنَعهُمْ , وَتَحْجِز عَنَّا قِتَالهمْ , فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُمْ } , ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيث إِلَى آخِره , نَحْو حَدِيث اِبْن عَبْد الْأَعْلَى . - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة , وَمَرْوَان بْن الْحَكَم أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ , قَالَا : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة , يُرِيد زِيَارَة الْبَيْت , لَا يُرِيد قِتَالًا , وَسَاقَ مَعَهُ هَدْيه سَبْعِينَ بَدَنَة , حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَان لَقِيَهُ بِشْر بْن سُفْيَان الْكَعْبِيّ , فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُول اللَّه هَذِهِ قُرَيْش قَدْ سَمِعْت بِمَسِيرِك , فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعَوْذ الْمَطَافِيل قَدْ لَبِسُوا جُلُود النُّمُور , وَنَزَلُوا بِذِي طُوَى يُعَاهِدُونَ اللَّه , لَا تَدْخُلهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا , وَهَذَا خَالِد بْن الْوَلِيد فِي خَيْلهمْ , قَدْ قَدِمُوهَا إِلَى كُرَاع الْغَمِيم ; قَالَ : فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا وَيْح قُرَيْش لَقَدْ أَهْلَكْتهمْ الْحَرْب , مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْن سَائِر الْعَرَب فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا , وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّه عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام دَاخِرِينَ " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث مَعْمَر بِزِيَادَاتٍ فِيهِ كَثِيرَة , عَلَى حَدِيث مَعْمَر تَرَكْت ذِكْرهَا . 24436 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : " وَالْهَدْي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه " قَالَ : كَانَ الْهَدْي بِذِي طُوَى , وَالْحُدَيْبِيَة خَارِجَة مِنْ الْحَرَم , نَزَلَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين غَوَّرَتْ قُرَيْش عَلَيْهِ الْمَاء.
وَقَوْله : { وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْلَا رِجَال مِنْ أَهْل الْإِيمَان وَنِسَاء مِنْهُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ أَنْ تَطَئُوهُمْ بِخَيْلِكُمْ وَرَجْلكُمْ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بِمَكَّة , وَقَدْ حَبَسَهُمْ الْمُشْرِكُونَ بِهَا عَنْكُمْ , فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ الْخُرُوج إِلَيْكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ . كَمَا : 24437 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات } . .. حَتَّى بَلَغَ { بِغَيْرِ عِلْم } هَذَا حِين رُدَّ مُحَمَّد وَأَصْحَابه أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّة , فَكَانَ بِهَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات , فَكَرِهَ اللَّه أَنْ يُؤْذَوْا أَوْ يُوطَئُوا بِغَيْرِ عِلْم , فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعَرَّة الَّتِي عَنَاهَا اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الْإِثْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24438 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : إِثْم بِغَيْرِ عِلْم . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهَا غُرْم الدِّيَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24439 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم } فَتُخْرِجُوا دِيَته , فَأَمَّا إِثْم فَلَمْ يَحْسِبهُ عَلَيْهِمْ . وَالْمَعَرَّة : هِيَ الْمَفْعَلَة مِنْ الْعَرّ , وَهُوَ الْجَرَب وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : فَتُصِيبكُمْ مِنْ قِبَلهمْ مَعَرَّة تُعَرَّوْنَ بِهَا , يَلْزَمكُمْ مِنْ أَجْلهَا كَفَّارَة قَتْل الْخَطَأ , وَذَلِكَ عِتْق رَقَبَة مُؤْمِنَة , مَنْ أَطَاقَ ذَلِكَ , وَمَنْ لَمْ يُطِقْ فَصِيَام شَهْرَيْنِ . وَإِنَّمَا اِخْتَرْت هَذَا الْقَوْل دُون الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ اِبْن إِسْحَاق ; لِأَنَّ اللَّه إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى قَاتِل الْمُؤْمِن فِي دَار الْحَرْب إِذَا لَمْ يَكُنْ هَاجَرَ مِنْهَا , وَلَمْ يَكُنْ قَاتِله عَلِمَ إِيمَانه الْكَفَّارَة دُون الدِّيَة , فَقَالَ : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِن , فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤْمِنَة } 4 92 لَمْ يُوجِب عَلَى قَاتِله خَطَأ دِيَته , فَلِذَلِكَ قُلْنَا : عُنِيَ بِالْمَعَرَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْكَفَّارَة , و { أَنْ } مِنْ قَوْله : { أَنْ تَطَؤُهُمْ } فِي مَوْضِع رَفْع رَدًّا عَلَى الرِّجَال ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَوْلَا أَنْ تَطَئُوا رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ , فَتُصِيبكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّة بِغَيْرِ عِلْم لَأَذِنَ اللَّه لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي دُخُول مَكَّة , وَلَكِنَّهُ حَالَ بَيْنكُمْ وَبَيْن ذَلِكَ
يَقُول : لِيُدْخِل اللَّه فِي الْإِسْلَام مِنْ أَهْل مَكَّة مَنْ يَشَاء قَبْل أَنْ تَدْخُلُوهَا , وَحَذَفَ جَوَاب لَوْلَا اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ .
وَقَوْله : { لَوْ تَزَيَّلُوا } يَقُول : لَوْ تَمَيَّزَ الَّذِينَ فِي مُشْرِكِي مَكَّة مِنْ الرِّجَال الْمُؤْمِنِينَ وَالنِّسَاء الْمُؤْمِنَات الَّذِينَ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ مِنْهُمْ , فَفَارَقُوهُمْ وَخَرَجُوا مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ
يَقُول : لَقَتَلْنَا مَنْ بَقِيَ فِيهَا بِالسَّيْفِ , أَوْ لَأَهْلَكْنَاهُمْ بِبَعْضِ مَا يُؤْلِمهُمْ مِنْ عَذَابنَا الْعَاجِل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24440 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَوْ تَزَيَّلُوا } . .. الْآيَة , إِنَّ اللَّه يَدْفَع بِالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْكُفَّار . 24441 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعَ الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ } يَعْنِي أَهْل مَكَّة كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ مُسْتَضْعَفُونَ : يَقُول اللَّه لَوْلَا أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفُونَ لَوْ قَدْ تَزَيَّلُوا , لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . 24442 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَوْ تَزَيَّلُوا } لَوْ تَفَرَّقُوا , فَتَفَرَّقَ الْمُؤْمِن مِنْ الْكَافِر , لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .
تفسير القرطبي
" هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا " يَعْنِي قُرَيْشًا , مَنَعُوكُمْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام عَام الْحُدَيْبِيَة حِين أَحْرَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابه بِعُمْرَةٍ , وَمَنَعُوا الْهَدْي وَحَبَسُوهُ عَنْ أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَهَذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ ; وَلَكِنَّهُ حَمَلَتْهُمْ الْأَنَفَة وَدَعَتْهُمْ حَمِيَّة الْجَاهِلِيَّة إِلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا , فَوَبَّخَهُمْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ , وَأَدْخَلَ الْأُنْس عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِهِ وَوَعْده .
أَيْ مَحْبُوسًا . وَقِيلَ مَوْقُوفًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : مَجْمُوعًا . الْجَوْهَرِيّ : عَكْفه أَيْ حَبْسه وَوَقْفه , يَعْكِفُهُ وَيَعْكُفهُ عَكْفًا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَالْهَدْي مَعْكُوفًا " , يُقَال مَا عَكَفَك عَنْ كَذَا . وَمِنْهُ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد وَهُوَ الِاحْتِبَاس .
" وَالْهَدْي " الْهَدْي وَالْهَدِيّ لُغَتَانِ . وَقُرِئَ " حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه " [ الْبَقَرَة : 196 ] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد , الْوَاحِدَة هَدِيَّة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَيْضًا . وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْكَاف وَالْمِيم مِنْ " صَدُّوكُمْ " . وَ " مَعْكُوفًا " حَال , وَمَوْضِع " أَنْ " مِنْ قَوْله : " أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه " نُصِبَ عَلَى تَقْدِير الْحَمْل عَلَى " صَدُّوكُمْ " أَيْ صَدُّوكُمْ وَصَدُّوا الْهَدْي عَنْ أَنْ يَبْلُغ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَفْعُولًا لَهُ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَصَدُّوا الْهَدْي كَرَاهِيَة أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . أَبُو عَلِيّ : لَا يَصِحّ حَمْله عَلَى الْعَكْف ; لِأَنَّا لَا نَعْلَم " عَكَفَ " جَاءَ مُتَعَدِّيًا , وَمَجِيء " مَعْكُوفًا " فِي الْآيَة يَجُوز أَنْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى , كَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَبْسًا حُمِلَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ , كَمَا حُمِلَ الرَّفَث عَلَى مَعْنَى الْإِفْضَاء فَعُدِّيَ بِإِلَى , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَوْضِعه نَصْبًا عَلَى قِيَاس قَوْل سِيبَوَيْهِ , وَجَرًّا عَلَى قِيَاس قَوْل الْخَلِيل . أَوْ يَكُون مَفْعُولًا لَهُ , كَأَنَّهُ قَالَ : مَحْبُوسًا كَرَاهِيَة أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَيَجُوز تَقْدِير الْجَرّ فِي " أَنْ " لِأَنَّ عَنْ تَقَدَّمَتْ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَصَدُّوا الْهَدْي " عَنْ " أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَمِثْله مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ عَنْ يُونُس : مَرَرْت بِرَجُلٍ إِنْ زَيْد وَإِنْ عَمْرو , فَأُضْمِرَ الْجَارّ لِتَقَدُّمِ ذِكْره .
أَيْ مَنْحَره , قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْحَرَم . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , الْمُحْصَر مَحِلّ هَدْيه الْحَرَم . وَالْمَحِلّ ( بِكَسْرِ الْحَاء ) : غَايَة الشَّيْء . ( وَبِالْفَتْحِ ) : هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَحِلّهُ النَّاس . وَكَانَ الْهَدْي سَبْعِينَ بَدَنَة ; وَلَكِنَّ اللَّه بِفَضْلِهِ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِع لَهُ مَحِلًّا .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " وَالصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : نَحَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة الْبَدَنَة عَنْ سَبْعَة , وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة . وَعَنْهُ قَالَ : اِشْتَرَكْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة . فَقَالَ رَجُل لِجَابِرٍ : أَيَشْتَرِكُ فِي الْبَدَنَة مَا يَشْتَرِك فِي الْجَزُور ؟ قَالَ : مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْن . وَحَضَرَ جَابِر الْحُدَيْبِيَة قَالَ : وَنَحَرْنَا يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَة , اِشْتَرَكْنَا كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَمِرِينَ , فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُون الْبَيْت , فَنَحَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَة وَحَلَقَ رَأْسه . قِيلَ : إِنَّ الَّذِي حَلَقَ رَأْسه يَوْمئِذٍ خِرَاش بْن أُمَيَّة بْن أَبِي الْعِيص الْخُزَاعِيّ , وَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحِلُّوا , فَفَعَلُوا بَعْد تَوَقُّف كَانَ مِنْهُمْ أَغْضَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَة : لَوْ نَحَرْت لَنَحَرُوا , فَنَحَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَنَحَرُوا بِنَحْرِهِ , وَحَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه وَدَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة . وَرَأَى كَعْب بْن عُجْرَة وَالْقَمْل يَسْقُط عَلَى وَجْهه , فَقَالَ : [ أَيُؤْذِيك هَوَامّك ] ؟ قَالَ نَعَمْ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " .
يَعْنِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّة وَسَط الْكُفَّار , كَسَلَمَة بْن هِشَام وَعَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة وَأَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل , وَأَشْبَاههمْ . " لَمْ تَعْلَمُوهُمْ " أَيْ تَعْرِفُوهُمْ . وَقِيلَ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ . " أَنْ تَطَئُوهُمْ " بِالْقَتْلِ وَالْإِيقَاع بِهِمْ , يُقَال : وَطِئْت الْقَوْم , أَيْ أَوْقَعْت بِهِمْ . وَ " أَنْ " يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى الْبَدَل مِنْ رِجَال , وَنِسَاء كَأَنَّهُ قَالَ وَلَوْلَا وَطْؤُكُمْ رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات . وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " تَعْلَمُوهُمْ " , فَيَكُون التَّقْدِير : لَمْ تَعْلَمُوا وَطْأَهُمْ , وَهُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَدَل الِاشْتِمَال . " لَمْ تَعْلَمُوهُمْ " نَعْت لِ " رِجَال " وَ " نِسَاء " . وَجَوَاب " لَوْلَا " مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير : وَلَوْ أَنْ تَطَئُوا رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ لَأَذِنَ اللَّه لَكُمْ فِي دُخُول مَكَّة , وَلَسَلَّطَكُمْ عَلَيْهِمْ ; وَلَكِنَّا صُنَّا مَنْ كَانَ فِيهَا يَكْتُم إِيمَانه . وَقَالَ الضَّحَّاك : لَوْلَا مَنْ فِي أَصْلَاب الْكُفَّار وَأَرْحَام نِسَائِهِمْ مِنْ رِجَال مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوا أَنْ تَطَئُوا آبَاءَهُمْ فَتُهْلَك أَبْنَاؤُهُمْ .
الْمَعَرَّة الْعَيْب , وَهِيَ مَفْعَلَة مِنْ الْعُرّ وَهُوَ الْجَرَب , أَيْ يَقُول الْمُشْرِكُونَ : قَدْ قَتَلُوا أَهْل دِينهمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يُصِيبكُمْ مِنْ قَتْلهمْ مَا يَلْزَمكُمْ مِنْ أَجْله كَفَّارَة قَتْل الْخَطَأ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى قَاتِل الْمُؤْمِن فِي دَار الْحَرْب إِذَا لَمْ يَكُنْ هَاجَرَ مِنْهَا وَلَمْ يُعْلَم بِإِيمَانِهِ الْكَفَّارَة دُون الدِّيَة فِي قَوْله : " فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤْمِنَة " [ النِّسَاء : 92 ] قَالَهُ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَغَيْرهمَا . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " مَعَرَّة " إِثْم . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ وَابْن إِسْحَاق : غُرْم الدِّيَة . قُطْرُب : شِدَّة . وَقِيلَ غَمّ .
تَفْضِيل لِلصَّحَابَةِ وَإِخْبَار عَنْ صِفَتهمْ الْكَرِيمَة مِنْ الْعِفَّة عَنْ الْمَعْصِيَة وَالْعِصْمَة عَنْ التَّعَدِّي , حَتَّى لَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا لَكَانَ عَنْ غَيْر قَصْد . وَهَذَا كَمَا وَصَفَتْ النَّمْلَة عَنْ جُنْد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْلهَا : " لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَان وَجُنُوده وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " [ النَّمْل : 18 ] .
اللَّام فِي " لِيُدْخِل " مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , أَيْ لَوْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَأَدْخَلَهُمْ اللَّه فِي رَحْمَته . وَيَجُوز أَنْ تَتَعَلَّق بِالْإِيمَانِ . وَلَا تُحْمَل عَلَى مُؤْمِنِينَ دُون مُؤْمِنَات وَلَا عَلَى مُؤْمِنَات دُون مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْجَمِيع يَدْخُلُونَ فِي الرَّحْمَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَمْ يَأْذَن اللَّه لَكُمْ فِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ لِيُسْلِم بَعْد الصُّلْح مَنْ قَضَى أَنْ يُسْلِم مِنْ أَهْل مَكَّة , وَكَذَلِكَ كَانَ أَسْلَمَ الْكَثِير مِنْهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَدَخَلُوا فِي رَحْمَته , أَيْ جَنَّته .
أَيْ تَمَيَّزُوا , قَالَهُ الْقُتَبِيّ . وَقِيلَ : لَوْ تَفَرَّقُوا , قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : لَوْ زَالَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَيْن أَظْهُر الْكُفَّار لَعُذِّبَ الْكُفَّار بِالسَّيْفِ , قَالَهُ الضَّحَّاك وَلَكِنَّ اللَّه يَدْفَع بِالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْكُفَّار . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا " فَقَالَ : [ هُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَجْدَاد نَبِيّ اللَّه وَمَنْ كَانَ بَعْدهمْ وَفِي عَصْرهمْ كَانَ فِي أَصْلَابهمْ قَوْم مُؤْمِنُونَ فَلَوْ تَزَيَّلَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ أَصْلَاب الْكَافِرِينَ لَعَذَّبَ اللَّه تَعَالَى الْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ] .
هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى مُرَاعَاة الْكَافِر فِي حُرْمَة الْمُؤْمِن , إِذْ لَا يُمْكِن أَذِيَّة الْكَافِر إِلَّا بِأَذِيَّةِ الْمُؤْمِن . قَالَ أَبُو زَيْد قُلْت لِابْنِ الْقَاسِم : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي حِصْن مِنْ حُصُونهمْ , حَصَرَهُمْ أَهْل الْإِسْلَام وَفِيهِمْ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى فِي أَيْدِيهمْ , أَيُحْرَقُ هَذَا الْحِصْن أَمْ لَا ؟ قَالَ : سَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي مَرَاكِبهمْ : أَنَرْمِي فِي مَرَاكِبهمْ بِالنَّارِ وَمَعَهُمْ الْأُسَارَى فِي مَرَاكِبهمْ ؟ قَالَ : فَقَالَ مَالِك لَا أَرَى ذَلِكَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِأَهْلِ مَكَّة : " لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " . وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسَ كَافِر بِمُسْلِمٍ لَمْ يَجُزْ رَمْيه . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَاعِل فَأَتْلَفَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا , فَإِذَا فَعَلُوهُ صَارُوا قَتَلَة خَطَأ وَالدِّيَة عَلَى عَوَاقِلهمْ . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَلَهُمْ أَنْ يَرْمُوا . وَإِذَا أُبِيحُوا الْفِعْل لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِمْ فِيهَا تِبَاعَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة إِنَّ مَعْنَاهُ لَوْ تَزَيَّلُوا عَنْ بُطُون النِّسَاء وَأَصْلَاب الرِّجَال . وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ مَنْ فِي الصُّلْب أَوْ فِي الْبَطْن لَا يُوطَأ وَلَا تُصِيب مِنْهُ مَعَرَّة . وَهُوَ سُبْحَانه قَدْ صَرَّحَ فَقَالَ : " وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ " وَذَلِكَ لَا يَنْطَلِق عَلَى مَنْ فِي بَطْن الْمَرْأَة وَصُلْب الرِّجَال , وَإِنَّمَا يَنْطَلِق عَلَى مِثْل الْوَلِيد بْن الْوَلِيد , وَسَلَمَة بْن هِشَام , وَعَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة , وَأَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك : وَقَدْ حَاصَرْنَا مَدِينَة الرُّوم فَحُبِسَ عَنْهُمْ الْمَاء , فَكَانُوا يُنْزِلُونَ الْأُسَارَى يَسْتَقُونَ لَهُمْ الْمَاء , فَلَا يَقْدِر أَحَد عَلَى رَمْيهمْ بِالنَّبْلِ , فَيَحْصُل لَهُمْ الْمَاء بِغَيْرِ اِخْتِيَارنَا . وَقَدْ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ الرَّمْي فِي حُصُون الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالهمْ . وَلَوْ تَتَرَّسَ كَافِر بِوَلَدِ مُسْلِم رُمِيَ الْمُشْرِك , وَإِنْ أُصِيبَ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا دِيَة فِيهِ وَلَا كَفَّارَة . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : فِيهِ الْكَفَّارَة وَلَا دِيَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِنَا . وَهَذَا ظَاهِر , فَإِنَّ التَّوَصُّل إِلَى الْمُبَاح بِالْمَحْظُورِ لَا يَجُوز , سِيَّمَا بِرُوحِ الْمُسْلِم , فَلَا قَوْل إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قُلْت : قَدْ يَجُوز قَتْل التُّرْس , وَلَا يَكُون فِيهِ اِخْتِلَاف إِنْ شَاءَ اللَّه , وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَة ضَرُورِيَّة كُلِّيَّة قَطْعِيَّة . فَمَعْنَى كَوْنهَا ضَرُورِيَّة : أَنَّهَا لَا يَحْصُل الْوُصُول إِلَى الْكُفَّار إِلَّا بِقَتْلِ التُّرْس . وَمَعْنَى أَنَّهَا كُلِّيَّة : أَنَّهَا قَاطِعَة لِكُلِّ الْأُمَّة , حَتَّى يَحْصُل مِنْ قَتْل التُّرْس مَصْلَحَة كُلّ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ لَمْ يُفْعَل قَتَلَ الْكُفَّار التُّرْس وَاسْتَوْلَوْا عَلَى كُلّ الْأُمَّة . وَمَعْنَى كَوْنهَا قَطْعِيَّة : أَنَّ تِلْكَ الْمَصْلَحَة حَاصِلَة مِنْ قَتْل التُّرْس قَطْعًا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذِهِ الْمَصْلَحَة بِهَذِهِ الْقُيُود لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَف فِي اِعْتِبَارهَا ; لِأَنَّ الْفَرْض أَنَّ التُّرْس مَقْتُول قَطْعًا , فَإِمَّا بِأَيْدِي الْعَدُوّ فَتَحْصُل الْمَفْسَدَة الْعَظِيمَة الَّتِي هِيَ اِسْتِيلَاء الْعَدُوّ عَلَى كُلّ الْمُسْلِمِينَ . وَإِمَّا بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَيَهْلِك الْعَدُوّ وَيَنْجُو الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ . وَلَا يَتَأَتَّى لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُول : لَا يُقْتَل التُّرْس فِي هَذِهِ الصُّورَة بِوَجْهٍ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ ذَهَاب التُّرْس وَالْإِسْلَام وَالْمُسْلِمِينَ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَة غَيْر خَالِيَة مِنْ الْمَفْسَدَة , نَفَرَتْ مِنْهَا نَفْس مَنْ لَمْ يُمْعِن النَّظَر فِيهَا , فَإِنَّ تِلْكَ الْمَفْسَدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَحْصُل مِنْهَا عَدَم أَوْ كَالْعَدَمِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قِرَاءَة الْعَامَّة " لَوْ تَزَيَّلُوا " إِلَّا أَبَا حَيْوَة فَإِنَّهُ قَرَأَ " تَزَايَلُوا " وَهُوَ مِثْل " تَزَيَّلُوا " فِي الْمَعْنَى . وَالتَّزَايُل : التَّبَايُن . وَ " تَزَيَّلُوا " تَفَعَّلُوا , مِنْ زِلْت . وَقِيلَ : هِيَ تَفَيْعَلُوا . " لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا " قِيلَ : اللَّام جَوَاب لِكَلَامَيْنِ , أَحَدهمَا : " لَوْلَا رِجَال " وَالثَّانِي : " لَوْ تَزَيَّلُوا " . وَقِيلَ جَوَاب " لَوْلَا " مَحْذُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ . " وَلَوْ تَزَيَّلُوا " اِبْتِدَاء كَلَام .