سورة الشورى الآية ٥٢
سورة الشورى الآية ٥٢
وَكَذَ ٰلِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلۡنَـٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ﴿٥٢﴾
تفسير السعدي
وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك- يا محمد- أوحينا إليك قرآنا من عندنا , ما كنت تدري قبله ما الكتب السابقة ولا الإيمان ولا الشرائع الإلهية؟ ولكن جعلنا القرآن ضياء للناس نهدي به من نشاء من عبادنا إلى الصراط المستقيم. وإنك- يا محمد- لتدل وترشد بإذن الله إلى صراط مستقيم- وهو الإسلام-
التفسير الميسر
وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها النبي- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تدري قبله ما الكتب السابقة ولا الإيمان ولا الشرائع الإلهية؟ ولكن جعلنا القرآن ضياء للناس نهدي به مَن نشاء مِن عبادنا إلى الصراط المستقيم. وإنك -أيها الرسول- لَتَدُلُّ وَتُرْشِدُ بإذن الله إلى صراط مستقيم- وهو الإسلام- صراط الله الذي له ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك. ألا إلى الله- أيها الناس- ترجع جميع أموركم من الخير والشر، فيجازي كلا بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
تفسير الجلالين
"وَكَذَلِكَ" أَيْ مِثْل إيحَائِنَا إلَى غَيْرك مِنْ الرُّسُل "أَوْحَيْنَا إلَيْك" يَا مُحَمَّد "رُوحًا" هُوَ الْقُرْآن بِهِ تَحْيَا الْقُلُوب "مِنْ أَمْرنَا" الَّذِي نُوحِيهِ إلَيْك "مَا كُنْت تَدْرِي" تَعْرِف قَبْل الْوَحْي إلَيْك "مَا الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَلَا الْإِيمَان" أَيْ شَرَائِعه وَمَعَالِمه وَالنَّفْي مُعَلَّق لِلْفِعْلِ عَنْ الْعَمَل وَمَا بَعْده سَدَّ مَسَدّ الْمَفْعُولَيْنِ "وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ" أَيْ الرُّوح أَوْ الْكِتَاب "نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاء مِنْ عِبَادنَا وَإِنَّك لَتَهْدِي" تَدْعُو بِالْوَحْيِ إلَيْك "إلَى صِرَاط" طَرِيق "مُسْتَقِيم" دِين الْإِسْلَام
تفسير ابن كثير
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرنَا " يَعْنِي الْقُرْآن " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " أَيْ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي شُرِعَ لَك فِي الْقُرْآن" وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ " أَيْ الْقُرْآن " نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاء مِنْ عِبَادنَا " كَقَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانهمْ وَقْر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " وَإِنَّك " أَيْ يَا مُحَمَّد " لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " وَهُوَ الْخُلُق الْقَوِيم .
تفسير القرطبي
أَيْ وَكَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلك أَوْحَيْنَا إِلَيْك " رُوحًا " أَيْ نُبُوَّة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الْحَسَن وَقَتَادَة : رَحْمَة مِنْ عِنْدنَا . السُّدِّيّ : وَحْيًا . الْكَلْبِيّ : كِتَابًا . الرَّبِيع : هُوَ جِبْرِيل . الضَّحَّاك : هُوَ الْقُرْآن . وَهُوَ قَوْل مَالِك بْن دِينَار . وَسَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّ فِيهِ حَيَاة مِنْ مَوْت الْجَهْل . وَجَعَلَهُ مِنْ أَمْره بِمَعْنَى أَنْزَلَ كَمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ النَّظْم الْمُعْجِز وَالتَّأْلِيف الْمُعْجِب . وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْله : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح " [ الْإِسْرَاء : 85 ] عَلَى الْقُرْآن أَيْضًا " قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي " [ الْإِسْرَاء : 85 ] أَيْ يَسْأَلُونَك مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْقُرْآن , قُلْ إِنَّهُ مِنْ أَمْر اللَّه أُنْزِلَ عَلَيَّ مُعْجِزًا ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَكَانَ مَالِك بْن دِينَار يَقُول : يَا أَهْل الْقُرْآن , مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآن فِي قُلُوبكُمْ ؟ فَإِنَّ الْقُرْآن رَبِيع الْقُلُوب كَمَا أَنَّ الْغَيْث رَبِيع الْأَرْض . أَيْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِف الطَّرِيق إِلَى الْإِيمَان . وَظَاهِر هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْل الْإِيحَاء مُتَّصِفًا بِالْإِيمَانِ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَات الْعُقُول , وَاَلَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُعْظَم أَنَّ اللَّه مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ قَبْل الْبَعْثَة . وَفِيهِ تَحَكُّم , إِلَّا أَنْ يَثْبُت ذَلِكَ بِتَوْقِيفِ مَقْطُوع بِهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل عِيَاض وَأَمَّا عِصْمَتهمْ مِنْ هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَاف ; وَالصَّوَاب أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْل النُّبُوَّة مِنْ الْجَهْل بِاَللَّهِ وَصِفَاته وَالتَّشَكُّك فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ تَعَاضَدَتْ الْأَخْبَار وَالْآثَار عَنْ الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَة مُنْذُ وُلِدُوا ; وَنَشْأَتهمْ عَلَى التَّوْحِيد وَالْإِيمَان , بَلْ عَلَى إِشْرَاق أَنْوَار الْمَعَارِف وَنَفَحَات أَلْطَاف السَّعَادَة , وَمَنْ طَالَعَ سِيَرهمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثهمْ حَقَّقَ ذَلِكَ ; كَمَا عُرِفَ مِنْ حَال مُوسَى وَعِيسَى وَيَحْيَى وَسُلَيْمَان وَغَيْرهمْ عَلَيْهِمْ السَّلَام . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم صَبِيًّا " [ مَرْيَم : 12 ] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : أُعْطِيَ يَحْيَى الْعِلْم بِكِتَابِ اللَّه فِي حَال صِبَاهُ . قَالَ مَعْمَر : كَانَ اِبْن سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاث ; فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَان : لِمَ لَا تَلْعَب ! فَقَالَ : أَلِلَّعِبِ خُلِقْت ! وَقِيلَ فِي قَوْله : " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 39 ] صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ اِبْن ثَلَاث سِنِينَ , فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَة اللَّه وَرُوحه وَقِيلَ : صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْن أُمّه ; فَكَانَتْ أُمّ يَحْيَى تَقُول لِمَرْيَم إِنِّي أَجِد مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك تَحِيَّة لَهُ . وَقَدْ نَصَّ اللَّه عَلَى كَلَام عِيسَى لِأُمِّهِ عِنْد وِلَادَتهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ : " أَلَّا تَحْزَنِي " [ مَرْيَم : 24 ] عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " مِنْ تَحْتهَا " , وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُنَادَى عِيسَى وَنُصَّ عَلَى كَلَامه فِي مَهْده فَقَالَ : " إِنِّي عَبْد اللَّه آتَانِيَ الْكِتَاب وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " [ مَرْيَم : 30 ] . وَقَالَ " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " [ الْأَنْبِيَاء : 79 ] وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْم سُلَيْمَان وَهُوَ صَبِيّ يَلْعَب فِي قِصَّة الْمَرْجُومَة وَفِي قِصَّة الصَّبِيّ مَا اِقْتَدَى بِهِ أَبُوهُ دَاوُدُ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ أَنَّ عُمْره كَانَ حِين أُوتِيَ الْمُلْك اِثْنَيْ عَشَرَ عَامًا . وَكَذَلِكَ قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ فِرْعَوْن وَأَخْذه بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْل . وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل " [ الْأَنْبِيَاء : 51 ] : أَيْ هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : اِصْطَفَاهُ قَبْل إِبْدَاء خَلْقه . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيم بَعَثَ اللَّه إِلَيْهِ مَلَكًا يَأْمُرهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعَرِّفهُ بِقَلْبِهِ وَيُذَكِّرهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْت ; وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَل ; فَذَلِكَ رُشْده . وَقِيلَ : إِنَّ إِلْقَاء إِبْرَاهِيم فِي النَّار وَمِحْنَته كَانَتْ وَهُوَ اِبْن سِتّ عَشْرَة سَنَة . وَإِنَّ اِبْتِلَاء إِسْحَاق بِالذَّبْحِ وَهُوَ اِبْن سَبْع سِنِينَ . وَأَنَّ اِسْتِدْلَال إِبْرَاهِيم بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَر وَالشَّمْس كَانَ وَهُوَ اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة . وَقِيلَ أُوحِيَ إِلَى يُوسُف وَهُوَ صَبِيّ عِنْدَمَا هُمْ إِخْوَته بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا " [ يُوسُف : 15 ] الْآيَة ; إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارهمْ . وَقَدْ حَكَى أَهْل السِّيَر أَنَّ آمِنَة بِنْت وَهْب أُخْبِرَتْ أَنَّ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ حِين وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْض رَافِعًا رَأْسه إِلَى السَّمَاء , وَقَالَ فِي حَدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمَّا نَشَأَتْ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَان وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْر وَلَمْ أَهُمّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّه مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ ) . ثُمَّ يَتَمَكَّن الْأَمْر لَهُمْ , وَتَتَرَادَف نَفَحَات اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ , وَتَشْرَق أَنْوَار الْمَعَارِف فِي قُلُوبهمْ حَتَّى يَصِلُوا الْغَايَة وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيل الْخِصَال الشَّرِيفَة النِّهَايَة دُون مُمَارَسَة وَلَا رِيَاضَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا " [ يُوسُف : 22 ] . قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يَنْقُل أَحَد مِنْ أَهْل الْأَخْبَار أَنَّ أَحَدًا نُبِّئَ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاك قَبْل ذَلِكَ . وَمُسْتَنَد هَذَا الْبَاب النَّقْل . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيله . قَالَ الْقَاضِي : وَأَنَا أَقُول إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيّنَا عَلَيْهِ السَّلَام بِكُلِّ مَا اِفْتَرَتْهُ , وَعَيَّرَ كُفَّار الْأُمَم أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ , مِمَّا نَصَّ اللَّه عَلَيْهِ أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاة , وَلَمْ نَجِد فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدِ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتهمْ وَتَقْرِيعه بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ . وَلَوْ كَانَ هَذَا لَكَانُوا بِذَلِكَ مُبَادِرِينَ , وَبِتَلَوُّنِهِ فِي مَعْبُوده مُحْتَجِّينَ , وَلَكَانَ تَوْبِيخهمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يُعْبَد قَبْل أَفْظَع وَأَقْطَع فِي الْحُجَّة مِنْ تَوْبِيخه بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكه آلِهَتهمْ وَمَا كَانَ يَعْبُد آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْل ; فَفِي إِطْبَاقهمْ عَلَى الْإِعْرَاض عَنْهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ تَحْوِيل الْقِبْلَة وَقَالُوا : " مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتهمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " [ الْبَقَرَة : 142 ] كَمَا حَكَاهُ اللَّه عَنْهُمْ . وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِدِينٍ قَبْل الْوَحْي أَمْ لَا ; فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحَالَهُ عَقْلًا . قَالُوا : لِأَنَّهُ يَبْعُد أَنْ يَكُون مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا , وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِين وَالتَّقْبِيح . وَقَالَتْ فِرْقَة أُخْرَى : بِالْوَقْفِ فِي أَمْره عَلَيْهِ السَّلَام وَتَرْك قَطْع الْحُكْم عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ , إِذْ لَمْ يُحِلْ الْوَجْهَيْنِ مِنْهُمَا الْعَقْل وَلَا اِسْتَبَانَ عِنْدهَا فِي أَحَدهمَا طَرِيق النَّقْل , وَهَذَا مَذْهَب أَبِي الْمَعَالِي . وَقَالَتْ فِرْقَة ثَالِثَة : إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْله وَعَامِلًا بِهِ ; ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعْيِين , فَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين عِيسَى فَإِنَّهُ نَاسِخ لِجَمِيعِ الْأَدْيَان وَالْمِلَل قَبْلهَا ; فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون النَّبِيّ عَلَى دِين مَنْسُوخ . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم ; لِأَنَّهُ مِنْ وَلَده وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاء . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين مُوسَى ; لِأَنَّهُ أَقْدَم الْأَدْيَان . وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَة إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون عَلَى دِين وَلَكِنْ عَيْن الدِّين غَيْر مَعْلُومَة عِنْدنَا . وَقَدْ أَبْطَلَ هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا أَئِمَّتنَا ; إِذْ هِيَ أَقْوَال مُتَعَارِضَة وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَة قَاطِعَة , وَإِنْ كَانَ الْعَقْل يُجَوِّز ذَلِكَ كُلّه . وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إِلَى وَاحِد مِنْ الْأَنْبِيَاء نِسْبَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون وَاحِدًا مِنْ أُمَّته وَمُخَاطَبًا بِكُلِّ شَرِيعَته ; بَلْ شَرِيعَته مُسْتَقِلَّة بِنَفْسِهَا مُفْتَتِحَة مِنْ عِنْد اللَّه الْحَاكِم جَلَّ وَعَزَّ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا سَجَدَ لِصَنَمٍ , وَلَا أَشْرَكَ بِاَللَّهِ , وَلَا زَنَى وَلَا شَرِبَ الْخَمْر , وَلَا شَهِدَ السَّامِر وَلَا حَضَرَ حِلْف الْمَطَر وَلَا حِلْف الْمُطَيَّبِينَ ; بَلْ نَزَّهَهُ اللَّه وَصَانَهُ عَنْ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدِيثًا بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَشْهَد مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدهمْ , فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفه أَحَدهمَا يَقُول لِصَاحِبِهِ : اِذْهَبْ حَتَّى تَقُوم خَلْفه , فَقَالَ الْآخَر : كَيْف أَقُوم خَلْفه وَعَهِدَهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَام فَلَمْ يَشْهَدهُمْ بَعْد ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا حَدِيث أَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل جِدًّا وَقَالَ : هَذَا مَوْضُوع أَوْ شَبِيه بِالْمَوْضُوعِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّ عُثْمَان وَهِمَ فِي إِسْنَاده , وَالْحَدِيث بِالْجُمْلَةِ مُنْكَر غَيْر مُتَّفَق عَلَى إِسْنَاده فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَالْمَعْرُوف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافه عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ قَوْله : ( بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَصْنَام ) وَقَوْله فِي قِصَّة بَحِيرَا حِين اِسْتَحْلَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِذْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ فِي سُفْرَته مَعَ عَمّه أَبِي طَالِب وَهُوَ صَبِيّ , وَرَأَى فِيهِ عَلَامَات النُّبُوَّة فَاخْتَبَرَهُ بِذَلِكَ ; فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسْأَلنِي بِهِمَا فَوَاَللَّهِ مَا أَبْغَضْت شَيْئًا قَطُّ بُغْضهمَا ) فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا : فَبِاَللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتنِي عَمَّا أَسْأَلك عَنْهُ , فَقَالَ : ( سَلْ عَمَّا بَدَا لَك ) . وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوف مِنْ سِيرَته عَلَيْهِ السَّلَام وَتَوْفِيق اللَّه إِيَّاهُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْل نُبُوَّته يُخَالِف الْمُشْرِكِينَ فِي وُقُوفهمْ بِمُزْدَلِفَة فِي الْحَجّ , وَكَانَ يَقِف هُوَ بِعَرَفَة , لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقِف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ بَلْ مِلَّة إِبْرَاهِيم " [ الْبَقَرَة : 135 ] وَقَالَ : " أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّة إِبْرَاهِيم " [ النَّحْل : 12 ] وَقَالَ : " شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين " [ الشُّورَى : 13 ] الْآيَة . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ . فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَخْتَلِف فِيهِ الشَّرَائِع مِنْ التَّوْحِيد وَإِقَامَة الدِّين ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي غَيْر مَوْضِع وَفِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد قَوْله : " شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين " [ الشُّورَى : 13 ] وَالْحَمْد لِلَّهِ . الرَّابِعَة : إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " . فَقَالَ جَمَاعَة : مَعْنَى الْإِيمَان فِي هَذِهِ الْآيَة شَرَائِع الْإِيمَان وَمَعَالِمه ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَقِيلَ : تَفَاصِيل هَذَا الشَّرْع ; أَيْ كُنْت غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيل . وَيَجُوز إِطْلَاق لَفْظ الْإِيمَان عَلَى تَفَاصِيل الشَّرْع ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي قَبْل الْوَحْي أَنْ تَقْرَأ الْقُرْآن , وَلَا كَيْف تَدْعُو الْخَلْق إِلَى الْإِيمَان ; وَنَحْوه عَنْ أَبِي الْعَالِيَة . وَقَالَ بَكْر الْقَاضِي : وَلَا الْإِيمَان الَّذِي هُوَ الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام . قَالَ : وَكَانَ قَبْل مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتْ الْفَرَائِض الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْل ; فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة مُتَقَارِبَة . وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَة : عَنَى بِالْإِيمَانِ الصَّلَاة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ " [ الْبَقَرَة : 143 ] أَيْ صَلَاتكُمْ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ; فَيَكُون اللَّفْظ عَامًّا وَالْمُرَاد الْخُصُوصِيّ . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : أَيْ مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا أَهْل الْإِيمَان . وَهُوَ مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; أَيْ مَنْ الَّذِي يُؤْمِن ؟ أَبُو طَالِب أَوْ الْعَبَّاس أَوْ غَيْرهمَا . وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي شَيْئًا إِذْ كُنْت فِي الْمَهْد وَقَبْل الْبُلُوغ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ نَحْوه عَنْ عَلِيّ بْن عِيسَى قَالَ : مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب لَوْلَا الرِّسَالَة , وَلَا الْإِيمَان لَوْلَا الْبُلُوغ . وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب لَوْلَا إِنْعَامنَا عَلَيْك , وَلَا الْإِيمَان لَوْلَا هِدَايَتنَا لَك , وَهُوَ مُحْتَمَل . وَفِي هَذَا الْإِيمَان وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَهَذَا يَعْرِفهُ بَعْد بُلُوغه وَقَبْل نُبُوَّته . وَالثَّانِي : أَنَّهُ دِين الْإِسْلَام , وَهَذَا لَا يَعْرِفهُ إِلَّا بَعْد النُّبُوَّة . قُلْت : الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِين نَشَأَ إِلَى حِين بُلُوغه ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " أَيْ كُنْت مِنْ قَوْم أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان , حَتَّى تَكُون قَدْ أَخَذْت مَا جِئْتهمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَم ذَلِكَ مِنْهُمْ ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ " [ الْعَنْكَبُوت : 48 ] رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : يَعْنِي الْإِيمَان . السُّدِّيّ : الْقُرْآن وَقِيلَ الْوَحْي ; أَيْ جَعَلْنَا هَذَا الْوَحْي أَيْ مَنْ نَخْتَارهُ لِلنُّبُوَّةِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء " [ آل عِمْرَان : 74 ] . وَوَحَّدَ الْكِتَابَة لِأَنَّ الْفِعْل فِي كَثْرَة أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْل فِي الِاسْم الْوَاحِد ; أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : إِقْبَالك وَإِدْبَارك يُعْجِبنِي ; فَتَوَحَّدَ , وَهُمَا اِثْنَانِ . أَيْ تَدْعُو وَتُرْشِد دِين قَوِيم لَا اِعْوِجَاج فِيهِ . وَقَالَ عَلِيّ : إِلَى كِتَاب مُسْتَقِيم . وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَحَوْشَب " وَإِنَّك لَتَهْدِي " غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل ; أَيْ لَتُدْعَى . الْبَاقُونَ " لَتَهْدِي " مُسَمَّى الْفَاعِل . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ " وَإِنَّك لَتَدْعُو " . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا لَا يُقْرَأ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُخَالِف لِلسَّوَادِ , وَإِنَّمَا يُحْمَل مَا كَانَ مِثْله عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَائِله عَلَى جِهَة التَّفْسِير ; كَمَا قَالَ : " وَإِنَّك لَتَهْدِي " أَيْ لَتَدْعُو . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " قَالَ : " وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ " [ الرَّعْد : 7 ] .
| وَكَذَ ٰلِكَ | مِثْلَ ذَلِكَ الإِيجادِ. |
|---|---|
| أَمۡ | بَلْ. |
| ذَ ٰلِكَ | الصَّبْرَ والمغْفِرَةَ. |
| رُوحࣰا | قُرآناً. |
| ٱلۡكِتَـٰبُ | الكُتُبُ السَّابِقَةُ. |
| لَتَهۡدِیۤ | لَتَدُلُّ وَتُرْشِدُ. |
| صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیم | هُوَ الإسْلَامُ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian