سورة غافر الآية ٢٨
سورة غافر الآية ٢٨
وَقَالَ رَجُلࣱ مُّؤۡمِنࣱ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَكۡتُمُ إِیمَـٰنَهُۥۤ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن یَقُولَ رَبِّیَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَاۤءَكُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن یَكُ كَـٰذِبࣰا فَعَلَیۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن یَكُ صَادِقࣰا یُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِی یَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی مَنۡ هُوَ مُسۡرِفࣱ كَذَّابࣱ ﴿٢٨﴾
تفسير السعدي
وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون, يكتم إيمانه منكرا على قومه: كيف تستحلون قتل رجل لا جرم له عندكم إلا أن يقول ربي الله, وقد جاءكم بالبراهين القاطعة من ربكم على صدق ما يقول؟ فإن يك موسى كاذبا فإن وبال كذبه عائد عليه وحده, وإن يك صادقا لحقكم بعض الذي يتوعدكم به, إن الله لا يوفق للحق من هو متجاوز للحد, بترك الحق, والإقبال على الباطل, كذاب بنسبته ما أسرف فيه إلى الله.
التفسير الميسر
وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون، يكتم إيمانه منكرًا على قومه: كيف تستحلون قَتْلَ رجل لا جرم له عندكم إلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبراهين القاطعة مِن ربكم على صِدْق ما يقول؟ فإن يك موسى كاذبًا فإنَّ وبالَ كذبه عائد عليه وحده، وإن يك صادقًا لحقكم بعض الذي يتوعَّدكم به، إن الله لا يوفق للحق مَن هو متجاوز للحد، بترك الحق والإقبال على الباطل، كذَّاب بنسبته ما أسرف فيه إلى الله.
تفسير الجلالين
"وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن" قِيلَ : هُوَ ابْن عَمّه "يَكْتُم إيمَانه أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ" أَيْ لِأَنْ "يَقُول رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَات "مِنْ رَبّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبه" أَيْ ضَرَر كَذِبه "وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْض الَّذِي يَعِدكُمْ" بِهِ مِنْ الْعَذَاب عَاجِلًا "إنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف" مُشْرِك "كَذَّاب" مُفْتَرٍ
تفسير ابن كثير
الْمَشْهُور أَنَّ هَذَا الرَّجُل الْمُؤْمِن كَانَ قِبْطِيًّا مِنْ آلِ فِرْعَوْن قَالَ السُّدِّيّ : كَانَ اِبْن عَمّ فِرْعَوْن وَيُقَال إِنَّهُ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَرَدَّ قَوْل مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لِأَنَّ فِرْعَوْن اِنْفَعَلَ لِكَلَامِهِ وَاسْتَمَعَ وَكَفَّ عَنْ قَتْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَأَوْشَكَ أَنْ يُعَاجِل بِالْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَقَالَ اِبْن جَرِير عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لَمْ يُؤْمِن مِنْ آلِ فِرْعَوْن سِوَى هَذَا الرَّجُل وَامْرَأَة فِرْعَوْن وَاَلَّذِي قَالَ " يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُل يَكْتُم إِيمَانَهُ عَنْ قَوْمه الْقِبْط فَلَمْ يَظْهَر إِلَّا هَذَا الْيَوْم حِين قَالَ فِرْعَوْن " ذَرُونِي أَقْتُل مُوسَى " فَأَخَذَتْ الرَّجُل غَضْبَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَفْضَل الْجِهَاد كَلِمَة عَدْل عِنْد سُلْطَانٍ جَائِرٍ كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ وَلَا أَعْظَم مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَة عِنْد فِرْعَوْن وَهِيَ قَوْله " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ " اللَّهُمَّ إِلَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ حَدَّثَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَخْبِرْنِي بِأَشَدّ شَيْء صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَة إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوَى ثَوْبه فِي عُنُقه فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ " اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ قَالَ وَتَابَعَهُ مُحَمَّد اِبْن إِسْحَاق عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ بِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا هَارُون بْن إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْدَة عَنْ هِشَام - يَعْنِي اِبْن عُرْوَة - عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ مَا أَشَدّ مَا رَأَيْت قُرَيْشًا بَلَغُوا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ مَرَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ ذَات يَوْم فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ تَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد مَا يَعْبُد آبَاؤُنَا ؟ فَقَالَ " أَنَا ذَاكَ " فَقَامُوا إِلَيْهِ فَأَخَذُوا بِمَجَامِعِ ثِيَابه فَرَأَيْت أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مُحْتَضِنَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَهُوَ يَصِيح بِأَعْلَى صَوْته وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَيَسِيلَانِ وَهُوَ يَقُول يَا قَوْم " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّي اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ " حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة كُلّهَا وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث عَبْدَة فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَوْله تَعَالَى " وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ " أَيْ كَيْفَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا لِكَوْنِهِ يَقُول رَبِّي اللَّه وَقَدْ أَقَامَ لَكُمْ الْبُرْهَان عَلَى صِدْق مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ ؟ ثُمَّ تَنَزَّلَ مَعَهُمْ فِي الْمُخَاطَبَة فَقَالَ " وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبه وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْض الَّذِي يَعِدُكُمْ " يَعْنِي إِذَا لَمْ يَظْهَر لَكُمْ صِحَّة مَا جَاءَكُمْ بِهِ فَمِنْ الْعَقْل وَالرَّأْي التَّامّ وَالْحَزْم أَنْ تَتْرُكُوهُ وَنَفْسه فَلَا تُؤْذُوهُ فَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى سَيُجَازِيهِ عَلَى كَذِبِهِ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنْ يَكُ صَادِقًا وَقَدْ آذَيْتُمُوهُ يُصِبْكُمْ بَعْض الَّذِي يَعِدُكُمْ فَإِنَّهُ يَتَوَعَّدكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ بِعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَمِنْ الْجَائِز عِنْدكُمْ أَنْ يَكُون صَادِقًا فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بَلْ اُتْرُكُوهُ وَقَوْمه يَدْعُوهُمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه الْمُوَادَعَة فِي قَوْله " وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلهمْ قَوْم فِرْعَوْن وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيم أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَاد اللَّه إِنِّي لَكُمْ رَسُول أَمِين وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّه إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِين وَإِنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ " وَهَكَذَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ أَنْ يَتْرُكُوهُ يَدْعُو إِلَى اللَّه تَعَالَى عِبَاد اللَّه وَلَا يَمَسُّوهُ بِسُوءٍ وَيَصِلُوا مَا بَيْنه وَبَيْنهمْ مِنْ الْقَرَابَة فِي تَرْك أَذِيَّته قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " قُلْ لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى " أَيْ أَنْ لَا تُؤْذُونِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مِنْ الْقَرَابَة فَلَا تُؤْذُونِي وَتَتْرُكُوا بَيْنِي وَبَيْن النَّاس وَعَلَى هَذَا وَقَعَتْ الْهُدْنَة يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ فَتْحًا مُبِينًا وَقَوْله جَلَّ وَعَلَا " إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ " أَيْ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَزْعُم أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ كَاذِبًا كَمَا تَزْعُمُونَ لَكَانَ أَمْرُهُ بَيِّنًا يَظْهَر لِكُلِّ أَحَدٍ فِي أَقْوَاله وَأَفْعَاله فَكَانَتْ تَكُون فِي غَايَة الِاخْتِلَاف وَالِاضْطِرَاب وَهَذَا نَرَى أَمْرَهُ سَدِيدًا وَمَنْهَجه مُسْتَقِيمًا وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمُسْرِفِينَ الْكَذَّابِينَ لَمَا هَدَاهُ اللَّه وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا تَرَوْنَ مِنْ اِنْتِظَام أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ .
تفسير القرطبي
ذَكَرَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّ اِسْم هَذَا الرَّجُل حَبِيب . وَقِيلَ : شَمْعَان بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة . قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ . وَفِي تَارِيخ الطَّبَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه : اِسْمه خبرك . وَقِيلَ : حِزْقِيل : ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَكْثَر الْعُلَمَاء . الزَّمَخْشَرِيّ : وَاسْمه سَمْعَان أَوْ حَبِيب . وَقِيلَ : خربيل أَوْ حزبيل . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا أَوْ قِبْطِيًّا فَقَالَ الْحَسَن وَغَيْره : كَانَ قِبْطِيًّا . وَيُقَال : إِنَّهُ كَانَ اِبْن عَمّ فِرْعَوْن ; قَالَهُ السُّدِّيّ . قَالَ : وَهُوَ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; وَلِهَذَا قَالَ : " مِنْ آلِ فِرْعَوْن " وَهَذَا الرَّجُل هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَجَاءَ رَجُل مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَة يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى " [ الْقَصَص : 20 ] الْآيَة . وَهَذَا قَوْل مُقَاتِل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يَكُنْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِن غَيْره وَغَيْر اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَغَيْر الْمُؤْمِن الَّذِي أَنْذَرَ مُوسَى فَقَالَ : " إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك " [ الْقَصَص : 20 ] . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الصِّدِّيقُونَ حَبِيب النَّجَّار مُؤْمِن آل يس وَمُؤْمِن آل فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّي اللَّه وَالثَّالِث أَبُو بَكْر الصِّدِّيق , وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ ) وَفِي هَذَا تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ لَا تَعْجَب مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك . وَكَانَ هَذَا الرَّجُل لَهُ وَجَاهَة عِنْد فِرْعَوْن ; فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِسُوءٍ . وَقِيلَ : كَانَ هَذَا الرَّجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يَكْتُم إِيمَانه مِنْ آل فِرْعَوْن ; عَنْ السُّدِّيّ أَيْضًا . فَفِي الْكَلَام عَلَى هَذَا تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَالتَّقْدِير : وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن يَكْتُم إِيمَانه مِنْ آل فِرْعَوْن . فَمَنْ جَعَلَ الرَّجُل قِبْطِيًّا فَـ " مِنْ " عِنْده مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ صِفَة الرَّجُل ; التَّقْدِير ; وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مَنْسُوب مِنْ آل فِرْعَوْن ; أَيْ مِنْ أَهْله وَأَقَارِبه . وَمَنْ جَعَلَهُ إِسْرَائِيلِيًّا فَـ " مِنْ " مُتَعَلِّقَة بِـ " يَكْتُم " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي لِـ " يَكْتُم " . الْقُشَيْرِيّ : وَمَنْ جَعَلَهُ إِسْرَائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ يُقَال كَتَمَهُ أَمْرَ كَذَا وَلَا يُقَال كَتَمَ مِنْهُ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا " [ النِّسَاء : 42 ] وَأَيْضًا مَا كَانَ فِرْعَوْن يَحْتَمِل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِثْل هَذَا الْقَوْل . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُكَلَّف إِذَا كَتَمَ إِيمَانه , وَلَمْ يَتَلَفَّظ بِهِ بِلِسَانِهِ لَا يَكُون مُؤْمِنًا بِاعْتِقَادِهِ , وَقَدْ قَالَ مَالِك : إِنَّ الرَّجُل إِذَا نَوَى بِقَلْبِهِ طَلَاق زَوْجَته أَنَّهُ يَلْزَمهُ , كَمَا يَكُون مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ وَكَافِرًا بِقَلْبِهِ . فَجَعَلَ مَدَار الْإِيمَان عَلَى الْقَلْب وَأَنَّهُ كَذَلِكَ , لَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاق وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُول الْفِقْه ; بِمَا لُبَابُه أَنَّ الْمُكَلَّف إِذْ نَوَى الْكُفْر بِقَلْبِهِ كَانَ كَافِرًا وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ , وَأَمَّا إِذَا نَوَى الْإِيمَان بِقَلْبِهِ فَلَا يَكُون مُؤْمِنًا بِحَالٍ حَتَّى يَتَلَفَّظ بِلِسَانِهِ , وَلَا تَمْنَعَهُ التَّقِيَّة وَالْخَوْف مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظ بِلِسَانِهِ فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى , إِنَّمَا تَمْنَعهُ التَّقِيَّة مِنْ أَنْ يَسْمَعهُ غَيْره , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْإِيمَان أَنْ يَسْمَعهُ الْغَيْر فِي صِحَّته مِنْ التَّكْلِيف , وَإِنَّمَا يُشْتَرَط سَمَاع الْغَيْر لَهُ لِيَكُفَّ عَنْ نَفْسه وَمَاله . أَيْ لِأَنْ يَقُول وَمِنْ أَجْلِ " أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه " فَـ " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِنَزْعِ الْخَافِض . رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص : أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَ : بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَة ; إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط , فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوَى ثَوْبه فِي عُنُقه فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا , فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْر فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ : " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ " لَفْظ الْبُخَارِيّ . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول مِنْ حَدِيث جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : اِجْتَمَعَتْ قُرَيْش بَعْد وَفَاة أَبِي طَالِب بِثَلَاثٍ فَأَرَادُوا قَتْلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَقْبَلَ هَذَا يَجَؤُهُ وَهَذَا يُتَلْتِلُهُ , فَاسْتَغَاثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ فَلَمْ يُغِثْهُ أَحَد إِلَّا أَبُو بَكْر وَلَهُ ضَفِيرَتَانِ , فَأَقْبَلَ يَجَأُ ذَا وَيُتَلْتِلُ ذَا وَيَقُول بِأَعْلَى صَوْته : وَيْلَكُمْ : " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه " وَاَللَّه إِنَّهُ لَرَسُول اللَّه ; فَقُطِعَتْ إِحْدَى ضَفِيرَتَيْ أَبِي بَكْر يَوْمئِذٍ . فَقَالَ عَلِيّ : وَاَللَّه لَيَوْم أَبِي بَكْر خَيْر مِنْ مُؤْمِن آلِ فِرْعَوْنِ ; إِنَّ ذَلِكَ رَجُل كَتَمَ إِيمَانه , فَأَثْنَى اللَّه عَلَيْهِ فِي كِتَابه , وَهَذَا أَبُو بَكْر أَظْهَرَ إِيمَانه وَبَذَلَ مَاله وَدَمَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قُلْت : قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّ ذَلِكَ رَجُل كَتَمَ إِيمَانه يُرِيد فِي أَوَّل أَمْره بِخِلَافِ الصِّدِّيق فَإِنَّهُ أَظْهَرَ إِيمَانه وَلَمْ يَكْتُمْهُ ; وَإِلَّا فَالْقُرْآن مُصَرِّح بِأَنَّ مُؤْمِن آل فِرْعَوْن أَظْهَرَ إِيمَانه لَمَّا أَرَادُوا قَتْل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . فِي نَوَادِر الْأُصُول أَيْضًا عَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالُوا لَهَا : مَا أَشَدُّ شَيْء رَأَيْتِ الْمُشْرِكِينَ بَلَغُوا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ قُعُودًا فِي الْمَسْجِد , وَيَتَذَاكَرُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقُول فِي آلِهَتِهِمْ , فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَامُوا إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ وَكَانُوا إِذَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْء صَدَقَهُمْ , فَقَالُوا : أَلَسْت تَقُول كَذَا فِي آلِهَتِنَا قَالَ : ( بَلَى ) فَتَشَبَّثُوا فِيهِ بِأَجْمَعِهِمْ فَأَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ لَهُ : أَدْرِكْ صَاحِبك . فَخَرَجَ مِنْ عِنْدنَا وَإِنَّ لَهُ غَدَائِر , فَدَخَلَ الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول : وَيْلَكُمْ " أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ " فَلُهُوا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْر , فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْر فَجَعَلَ لَا يَمَسّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِره إِلَّا جَاءَ مَعَهُ , وَهُوَ يَقُول : تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَال وَالْإِكْرَام ; إِكْرَام إِكْرَام . يَعْنِي الْآيَات التِّسْع " مِنْ رَبّكُمْ " وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَكٍّ مِنْهُ فِي رِسَالَته , وَصِدْقِهِ , وَلَكِنْ تَلَطُّفًا فِي الِاسْتِكْفَاف وَاسْتِنْزَالًا عَنْ الْأَذَى . وَلَوْ كَانَ وَ " إِنْ يَكُنْ " بِالنُّونِ جَازَ وَلَكِنْ حُذِفَتْ النُّون لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال عَلَى قَوْل سِيبَوَيْهِ ; وَلِأَنَّهَا نُون الْإِعْرَاب عَلَى قَوْل أَبِي عَبَّاس . أَيْ إِنْ لَمْ يُصِبْكُمْ إِلَّا بَعْض الَّذِي يَعِدُكُمْ بِهِ هَلَكْتُمْ . وَمَذْهَب أَبِي عُبَيْدَة أَنَّ مَعْنَى " بَعْض الَّذِي يَعِدُكُمْ " كُلّ الَّذِي يَعِدُكُمْ وَأَنْشَدَ قَوْل لَبِيد : تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا فَبَعْض بِمَعْنَى كُلّ ; لِأَنَّ الْبَعْض إِذَا أَصَابَهُمْ أَصَابَهُمْ الْكُلُّ لَا مَحَالَة لِدُخُولِهِ فِي الْوَعِيد , وَهَذَا تَرْقِيق الْكَلَام فِي الْوَعْظ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ : أَنَّ الْبَعْض قَدْ يُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع الْكُلّ تَلَطُّفًا فِي الْخِطَاب وَتَوَسُّعًا فِي الْكَلَام ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَقِيلَ أَيْضًا : قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّرَهُمْ أَنْوَاعًا مِنْ الْعَذَاب كُلّ نَوْع مِنْهَا مُهْلِكٌ ; فَكَأَنَّهُ حَذَّرَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ بَعْض تِلْكَ الْأَنْوَاع . وَقِيلَ : وَعَدَهُمْ مُوسَى بِعَذَابِ الدُّنْيَا أَوْ بِعَذَابِ الْآخِرَة إِنْ كَفَرُوا ; فَالْمَعْنَى يُصِبْكُمْ أَحَد الْعَذَابَيْنِ . وَقِيلَ : أَيْ يُصِبْكُمْ هَذَا الْعَذَاب الَّذِي يَقُولهُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بَعْض الْوَعِيد , ثُمَّ يَتَرَادَف الْعَذَاب فِي الْآخِرَة أَيْضًا . وَقِيلَ : وَعَدَهُمْ الْعَذَاب إِنْ كَفَرُوا وَالثَّوَاب إِنْ آمَنُوا , فَإِذَا كَفَرُوا يُصِيبُهُمْ بَعْض مَا وُعِدُوا . عَلَى نَفْسه . وَقِيلَ : " مُسْرِف " فِي عِنَاده عَلَى رَبّه إِشَارَة إِلَى مُوسَى وَيَكُون هَذَا مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن . وَقِيلَ " كَذَّاب " فِي اِدِّعَائِهِ إِشَارَة إِلَى فِرْعَوْن وَيَكُون هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى .
| یُصِبۡكُم | يَلْحَقْكُم. |
|---|---|
| یَعِدُكُمۡۖ | يَتَوَعَّدُكُم بهِ مِنَ العُقُوبَةِ. |
| مُسۡرِفࣱ | مُتَجاوِزٌ لِلْحَدِّ بالشِّرْكِ والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. |
| بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ | الدَّلَائِلِ الُمظْهِرَةِ أنَّهُ رَسُول مِنَ اللهِ. |
| مُسۡرِفࣱ | مُتَجاوِزٌ لِلْحَقِّ. |
| بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ | بالُمعْجِزاتِ الظَّاهِراتِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian