صفحات الموقع

سورة النساء الآية ٨٨

سورة النساء الآية ٨٨

۞ فَمَا لَكُمۡ فِی ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ فِئَتَیۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا۟ۚ أَتُرِیدُونَ أَن تَهۡدُوا۟ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِیلࣰا ﴿٨٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم, ولم يهاجروا مع كفرهم. وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم, فيهم اشتباه. فبعضهم تحرج عن قتالهم, وقطع موالاتهم, بسبب ما أظهروه من الإيمان. وبعضهم علم أحوالهم, بقرائن أفعالهم, فحكم بكفرهم.

التفسير الميسر

فما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.

تفسير الجلالين

وَلَمَّا رَجَعَ نَاس مِنْ أُحُد اخْتَلَفَ النَّاس فِيهِمْ فَقَالَ فَرِيق اُقْتُلْهُمْ وَقَالَ فَرِيق : لَا فَنَزَلَ : "فَمَا لَكُمْ" مَا شَأْنكُمْ صِرْتُمْ "فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ" فِرْقَتَيْنِ "وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ" رَدَّهُمْ "بِمَا كَسَبُوا" مِنْ الْكُفْر وَالْمَعَاصِي "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه" أَيْ تَعُدُّوهُمْ مِنْ جُمْلَة الْمُهْتَدِينَ وَالِاسْتِفْهَام فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْإِنْكَارِ "فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا" طَرِيقًا إلَى الْهُدَى

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي اِخْتِلَافهمْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ : وَاخْتُلِفَ فِي سَبَب ذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا بَهْز حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ عَدِيّ بْن ثَابِت أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَنْ زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُد فَرَجَعَ نَاس خَرَجُوا مَعَهُ فَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَة تَقُول نَقْتُلهُمْ وَفِرْقَة تَقُول : لَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ فَأَنْزَلَ اللَّه فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّهَا طَيِّبَة وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَث كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار فِي وَقْعَة أُحُد أَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ بْن سَلُول رَجَعَ يَوْمئِذٍ بِثُلُثِ الْجَيْش رَجَعَ بِثَلَثِمِائَةٍ وَبَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعمِائَةٍ وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَزَلَتْ فِي قَوْم كَانُوا بِمَكَّة قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّة يَطْلُبُونَ حَاجَة لَهُمْ فَقَالُوا إِنْ لَقِينَا أَصْحَاب مُحَمَّد فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْس وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّة قَالَتْ فِئَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِرْكَبُوا إِلَى الْجُبَنَاء فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوّكُمْ : وَقَالَتْ فِئَة أُخْرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ سُبْحَان اللَّه أَوْ كَمَا قَالُوا أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَلَمْ يَتْرُكُوا دِيَارهمْ نَسْتَحِلّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ وَالرَّسُول عِنْدهمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْء فَنَزَلَتْ " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ قَرِيب مِنْ هَذَا وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ اِبْن لِسَعْدِ بْن مُعَاذ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَقَاوُل الْأَوْس وَالْخَزْرَج فِي شَأْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ حِين اِسْتَعْذَرَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك وَهَذَا غَرِيب وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ وَقَوْله تَعَالَى وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " أَيْ رَدَّهُمْ وَأَوْقَعَهُمْ فِي الْخَطَأ قَالَ اِبْن عَبَّاس " أَرْكَسَهُمْ " أَيْ أَوْقَعَهُمْ وَقَالَ قَتَادَة أَهْلَكَهُمْ وَقَالَ السُّدِّيّ أَضَلَّهُمْ وَقَوْله بِمَا كَسَبُوا أَيْ بِسَبَبِ عِصْيَانهمْ وَمُخَالَفَتهمْ الرَّسُول وَاتِّبَاعهمْ الْبَاطِل " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا " أَيْ لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْهُدَى وَلَا مَخْلَص لَهُ إِلَيْهِ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } فَمَا شَأْنكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَهْل النِّفَاق فِئَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ , وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي اِخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد , وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَة , وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِأَصْحَابِهِ : { لَوْ نَعْلَم قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ } 3 167 . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7949 - حَدَّثَنِي الْفَضْل بْن زِيَاد الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , عَنْ شُعْبَة , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْأَنْصَارِيّ يُحَدِّث عَنْ زَيْد بْن ثَابِت : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُد , رَجَعَتْ طَائِفَة مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ , فَكَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ , فِرْقَة تَقُول : نَقْتُلهُمْ , وَفِرْقَة تَقُول : لَا . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا } . .. الْآيَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَة : " إِنَّهَا طَيِّبَة وَإِنَّهَا تَنْفِي خَبَثهَا كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْفِضَّة " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوه . * - حَدَّثَنِي زُرَيْق بْن السخت , قَالَ : ثنا شَبَابَة , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ذَكَرُوا الْمُنَافِقِينَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ فَرِيق : نَقْتُلهُمْ , وَقَالَ فَرِيق : لَا نَقْتُلهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي اِخْتِلَاف كَانَ بَيْن أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْم كَانُوا قَدِمُوا الْمَدِينَة مِنْ مَكَّة , فَأَظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ , ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَّة وَأَظْهَرُوا لَهُمْ الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7950 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } قَالَ : قَوْم خَرَجُوا مِنْ مَكَّة حَتَّى أَتَوْا الْمَدِينَة يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ , ثُمَّ اِرْتَدُّوا بَعْد ذَلِكَ , فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة لِيَأْتُوا بِبَضَائِع لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا . فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ , فَقَائِل يَقُول : هُمْ مُنَافِقُونَ , وَقَائِل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُونَ. فَبَيَّنَ اللَّه نِفَاقهمْ , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ . فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَة , فَلَقِيَهُمْ هِلَال بْن عُوَيْمِر الْأَسْلَمِيّ , وَبَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْف , وَهُوَ الَّذِي حُصِرَ صَدْره أَنْ يُقَاتِل الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِل قَوْمه , فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ هِلَالًا , وَبَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله بِنَحْوِهِ , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّه نِفَاقهمْ , وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوا يَوْمئِذٍ , فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ هِلَال بْن عُوَيْمِر الْأَسْلَمِيّ , وَبَيْنه وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْف . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اِخْتِلَافهمْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الشِّرْك كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَام بِمَكَّة , وَكَانُوا يُعِينُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7951 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّة قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ , وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ , فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّة يَطْلُبُونَ حَاجَة لَهُمْ , فَقَالُوا : إِنْ لَقِيَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْس ! وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّة , قَالَتْ فِئَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ : اِرْكَبُوا إِلَى الْخُبَثَاء فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوّكُمْ ! وَقَالَتْ فِئَة أُخْرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ : سُبْحَان اللَّه - أَوْ كَمَا قَالُوا - أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ ؟ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارهمْ تُسْتَحَلّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ لِذَلِكَ ! فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ , وَالرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عِنْدهمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْء ; فَنَزَلَتْ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه }... الْآيَة . 7952 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } . .. الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش كَانَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّة , وَكَانَا قَدْ تَكَلَّمَا بِالْإِسْلَامِ , وَلَمْ يُهَاجِرَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَقِيَهُمَا نَاس مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه وَهُمَا مُقْبِلَانِ إِلَى مَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالهمَا حَلَال , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا تَحِلّ لَكُمْ . فَتَشَاجَرُوا فِيهِمَا , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } حَتَّى بَلَغَ : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } . 7953 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر بْن رَاشِد , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل مَكَّة كَتَبُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا. فَلَقُوهُمْ , فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُسْلِمُونَ , فَقَالَتْ طَائِفَة : دِمَاؤُهُمْ حَلَال , وَقَالَتْ طَائِفَة : دِمَاؤُهُمْ حَرَام ; فَأَنْزَلَ اللَّه : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } . 7954 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } هُمْ نَاس تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَقَامُوا بِمَكَّة , وَأَعْلَنُوا الْإِيمَان , وَلَمْ يُهَاجِرُوا . فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوَلَّاهُمْ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَبَرَّأَ مِنْ وِلَايَتهمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا . فَسَمَّاهُمْ اللَّه مُنَافِقِينَ , وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وِلَايَتهمْ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اِخْتِلَافهمْ فِي قَوْم كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أَرَادُوا الْخُرُوج عَنْهَا نِفَاقًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7955 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّا قَدْ أَصَابَنَا أَوْجَاع فِي الْمَدِينَة وَاتَّخَمْنَاهَا , فَلَعَلَّنَا أَنْ نَخْرُج إِلَى الظَّهْر حَتَّى نَتَمَاثَل ثُمَّ نَرْجِع , فَإِنَّا كُنَّا أَصْحَاب بَرِّيَّة . فَانْطَلَقُوا ; وَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ طَائِفَة : أَعْدَاء اللَّه الْمُنَافِقُونَ , وَدِدْنَا أَنَّ رَسُول اللَّه أَذِنَ لَنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ ! وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا , بَلْ إِخْوَاننَا تَخِمَتْهُمْ الْمَدِينَة فَاتَّخَمُوهَا . فَخَرَجُوا إِلَى الظَّهْر يَتَنَزَّهُونَ , فَإِذَا بَرَءُوا رَجَعُوا . فَقَالَ اللَّه : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } يَقُول : مَا لَكُمْ تَكُونُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي اِخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْر أَهْل الْإِفْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7956 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } حَتَّى بَلَغَ : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : هَذَا فِي شَأْن اِبْن أُبَيّ حِين تَكَلَّمَ فِي عَائِشَة بِمَا تَكَلَّمَ . فَقَالَ سَعْد بْن مُعَاذ : فَإِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله مِنْهُ ! يُرِيد عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي اِخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْم كَانُوا اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام بَعْد إِسْلَامهمْ مِنْ أَهْل مَكَّة . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ اِخْتِلَاف أَهْل ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ : التَّأْوِيل فِي أَحَدهمَا أَنَّهُمْ قَوْم كَانُوا مِنْ أَهْل مَكَّة عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُمْ , وَالْآخَر أَنَّهُمْ قَوْم كَانُوا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَفِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّى يُهَاجِرُوا } أَوْضَحَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْر أَهْل الْمَدِينَة لِأَنَّ الْهِجْرَة كَانَتْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَاره وَمَدِينَته مِنْ سَائِر أَرْض الْكُفْر , فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَار الْهِجْرَة مُقِيمًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْل الشِّرْك , فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْض هِجْرَة , لِأَنَّهُ فِي دَار الْهِجْرَة كَانَ وَطَنه وَمُقَامه . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي نَصْب قَوْله : { فِئَتَيْنِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال , كَمَا تَقُول : مَا لَك قَائِمًا , يَعْنِي مَا لَك فِي حَال الْقِيَام . وَهَذَا قَوْل بَعْض الْبَصْرِيِّينَ ; وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى فِعْل " مَا لَك " , قَالَ : وَلَا يُبَالِي كَانَ الْمَنْصُوب فِي مَا لَك مَعْرِفَة أَوْ نَكِرَة . قَالَ : وَيَجُوز فِي الْكَلَام أَنْ يَقُول : مَا لَك السَّائِر مَعَنَا , لِأَنَّهُ كَالْفِعْلِ الَّذِي يُنْصَب بِكَانَ وَأَظُنّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا . قَالَ : وَكُلّ مَوْضِع صَلُحَتْ فِيهِ " فَعَلَ " و " يَفْعَل " مِنْ الْمَنْصُوب جَازَ نَصْب الْمَعْرِفَة مِنْهُ وَالنَّكِرَة , كَمَا يَنْصِب كَانَ وَأَظُنّ لِأَنَّهُنَّ نَوَاقِص فِي الْمَعْنَى وَإِنْ ظَنَنْت أَنَّهُنَّ تَامَّات . وَهَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ الْمَطْلُوب فِي قَوْل الْقَائِل : " مَا لَك قَائِمًا " الْقِيَام , فَهُوَ فِي مَذْهَب كَانَ وَأَخَوَاتهَا وَأَظُنّ وَصَوَاحِبَاتهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاَللَّه رَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَام أَهْل الشِّرْك فِي إِبَاحَة دِمَائِهِمْ وَسَبْي ذَرَارِيّهمْ . وَالْإِرْكَاس : الرَّدّ , وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيم النَّار إِنَّهُمُ كَانُوا عُصَاة وَقَالُوا الْإِفْك وَالزَّوْرَا يُقَال مِنْهُ : أَرْكَسَهُمْ وَرَكَسَهُمْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَأُبَيّ : " وَاَللَّه رَكَسَهُمْ " بِغَيْرِ أَلِف . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : رَدَّهُمْ ; كَمَا قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7957 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } رَدَّهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاَللَّه أَوْقَعَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7958 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } يَقُول : أَوْقَعَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَضَلَّهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7959 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ } قَالَ : أَهْلَكَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } أَهْلَكَهُمْ بِمَا عَمِلُوا. 7960 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } أَهْلَكَهُمْ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه } أَتُرِيدُونَ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَهْدُوا إِلَى الْإِسْلَام , فَتُوَفِّقُوا لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَالدُّخُول فِيهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّه عَنْهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ : مَنْ خَذَلَهُ اللَّه عَنْهُ فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِلْإِقْرَارِ بِهِ . وَإِنَّمَا هَذَا خِطَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلْفِئَةِ الَّتِي دَافَعَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَتَبْغُونَ هِدَايَة هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ اللَّه فَخَذَلَهُمْ عَنْ الْحَقّ وَاتِّبَاع الْإِسْلَام بِمُدَافَعَتِكُمْ عَنْ قِتَالهمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالهمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؟ { وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلًا } يَقُولهُ : وَمَنْ خَذَلَهُ عَنْ دِينه وَاتِّبَاع مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ الْإِقْرَار بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْده , فَأَضَلَّهُ عَنْهُ , فَلَنْ تَجِد لَهُ يَا مُحَمَّد سَبِيلًا , يَقُول : فَلَنْ تَجِد لَهُ طَرِيقًا تَهْدِيه فِيهَا إِلَى إِدْرَاك مَا خَذَلَهُ اللَّه [ عَنْهُ ] , وَلَا مَنْهَجًا يَصِل مِنْهُ إِلَى الْأَمْر الَّذِي قَدْ حَرَمَهُ الْوُصُول إِلَيْهِ .

تفسير القرطبي

" فِئَتَيْنِ " أَيْ فِرْقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ . رَوَى مُسْلِم عَنْ زَيْد بْن ثَابِت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُد فَرَجَعَ نَاس مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ , فَكَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ; فَقَالَ بَعْضهمْ : نَقْتُلهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا ; فَنَزَلَتْ " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ فَزَادَ : وَقَالَ : ( إِنَّهَا طَيِّبَة ) وَقَالَ : ( إِنَّهَا تَنْفِي الْخَبِيث كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَثَ الْحَدِيد ) قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَالَ الْبُخَارِيّ : ( إِنَّهَا طَيْبَة تَنْفِي الْخَبَث كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْفِضَّة ) . وَالْمَعْنَى بِالْمُنَافِقِينَ هُنَا عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَصْحَابه الَّذِينَ خَذَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد وَرَجَعُوا بِعَسْكَرِهِمْ بَعْد أَنْ خَرَجُوا ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ قَوْم بِمَكَّة آمَنُوا وَتَرَكُوا الْهِجْرَة , قَالَ الضَّحَّاك : وَقَالُوا إِنْ ظَهَرَ مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ عَرَفَنَا , وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمنَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . فَصَارَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ قَوْم يَتَوَلَّوْنَهُمْ وَقَوْم يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ ; فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " . وَذَكَرَ أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَام ; فَأَصَابَهُمْ وَبَاء الْمَدِينَة وَحُمَّاهَا ; فَأُرْكِسُوا فَخَرَجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَاسْتَقْبَلَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : مَا لَكُمْ رَجَعْتُمْ ؟ فَقَالُوا : أَصَابَنَا وَبَاء الْمَدِينَة فَاجْتَوَيْنَاهَا ; فَقَالُوا : مَا لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَة ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : نَافَقُوا . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يُنَافِقُوا , هُمْ مُسْلِمُونَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّه أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " الْآيَة . حَتَّى جَاءُوا الْمَدِينَة يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ , ثُمَّ اِرْتَدُّوا بَعْد ذَلِكَ , فَاسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا , فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ فَقَائِل يَقُول : هُمْ مُنَافِقُونَ , وَقَائِل يَقُول : هُمْ مُؤْمِنُونَ ; فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى نِفَاقهمْ وَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ . قُلْت : وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُعَضِّدُهُمَا سِيَاق آخِر الْآيَة مِنْ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى يُهَاجِرُوا " [ النِّسَاء : 89 ] , وَالْأَوَّل أَصَحّ نَقْلًا , وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ . و " فِئَتَيْنِ " نَصْب عَلَى الْحَال ; كَمَا يُقَال : مَا لَك قَائِمًا ؟ عَنْ الْأَخْفَش . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُوَ خَبَر " مَا لَكُمْ " كَخَبَرِ كَانَ وَظَنَنْت , وَأَجَازُوا إِدْخَال الْأَلِف وَاللَّام فِيهِ وَحَكَى الْفَرَّاء : " أَرْكَسَهُمْ , وَرَكَسَهُمْ " أَيْ رَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْر وَنَكَسَهُمْ ; وَقَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل وَالْكِسَائِيّ : وَالرَّكْس وَالنَّكْس قَلْب الشَّيْء عَلَى رَأْسه , أَوْ رَدّ أَوَّله عَلَى آخِره , وَالْمَرْكُوس الْمَنْكُوس . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَأُبَيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " وَاَللَّه رَكَسَهُمْ " . وَقَالَ ابْن رَوَاحَة : أُرْكِسُوا فِي فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ أَيْ نُكِسُوا . وَارْتَكَسَ فُلَان فِي أَمْر كَانَ نَجَا مِنْهُ . وَالرُّكُوسِيَّة قَوْم بَيْنَ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ . وَالرَّاكِس الثَّوْر وَسَط الْبَدْر وَالثِّيرَان حَوَالَيْهِ حِينَ الدِّيَاس . أَيْ تُرْشِدُوهُ إِلَى الثَّوَاب بِأَنْ يَحْكُم لَهُمْ بِحُكْمِ الْمُؤْمِنِينَ . أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى وَالرُّشْد وَطَلَب الْحُجَّة . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ هُدَاهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ .

غريب الآية
۞ فَمَا لَكُمۡ فِی ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ فِئَتَیۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا۟ۚ أَتُرِیدُونَ أَن تَهۡدُوا۟ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِیلࣰا ﴿٨٨﴾
سَبِیلࣰامَخْرَجاً، والسبيلُ هو: الحُكْمُ بالرَّجْمِ للمُحْصَنِ والمحصَنةِ، والجلْدِ مئةَ جَلْدَةٍ، وتَغْريبِ عامٍ لغيرهما.
فِئَتَیۡنِفِرْقَتَين.
أَرۡكَسَهُمرَدَّهم إلى الكفرِ، وأوقعَهم فيه.
سَبِیلࣰاطَريقاً.
سَبِیلࣰاطريقاً إلى الحقِّ.
الإعراب
(فَمَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَا) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْمُنَافِقِينَ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(فِئَتَيْنِ)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَرْكَسَهُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ اسْمِ الْجَلَالَةِ.
(بِمَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَسَبُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (مَا) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْبَاءِ.
(أَتُرِيدُونَ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تُرِيدُونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَهْدُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(أَضَلَّ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَمَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(يُضْلِلِ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الْمُقَدَّرُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَلَنْ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَجِدَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(سَبِيلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.