صفحات الموقع

سورة النساء الآية ٥٨

سورة النساء الآية ٥٨

۞ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا ﴿٥٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

الأمانات, كل ما ائتمن عليه الإنسان, وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة, لا منقوصة ولا مبخوسة, ولا ممطولا بها. ويدخل في ذلك, أمانات الولايات والأموال, والأسرار; والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء, أن من ائتمن أمانة; وجب عليه حفظها, في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها; فوجب ذلك. وفي قوله تعالى " إِلَى أَهْلِهَا " دلالة على أنها, لا تدفع, وتؤدى, لغير المؤتمن, ووكيله بمنزلته; فلو دفعها لغير ربها, لم يكن مؤديا لها. " وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ " وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء, والأموال, والأعراض, القليل من ذلك, والكثير, على القريب, والبعيد, والفاجر, والولي, والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به, هو ما شرعه الله على لسان رسوله, من الحدود والأحكام, وهذا يستلزم معرفة العدل, ليحكم به. ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة, قال: " إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا " وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين, ودفع مضارهما, لأن شارعها السميع البصير, الذي لا تخفى عليه خافية, ويعلم من مصالح العباد, ما لا يعلمون.

التفسير الميسر

إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه. إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها.

تفسير الجلالين

"إنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات" أَيْ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق "إلَى أَهْلهَا" نَزَلَتْ لَمَّا أَخَذَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة مِنْ عُثْمَان بْن طَلْحَة الحجبي سَادِنهَا قَسْرًا لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة عَام الْفَتْح وَمَنَعَهُ وَقَالَ لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ رَسُول اللَّه لَمْ أَمْنَعهُ فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّهِ إلَيْهِ وَقَالَ هَاكَ خَالِدَة تَالِدَة فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَرَأَ لَهُ عَلِيّ الْآيَة فَأَسْلَمَ وَأَعْطَاهُ عِنْد مَوْته لِأَخِيهِ شَيْبَة فَبَقِيَ فِي وَلَده وَالْآيَة وَإِنْ وَرَدَتْ عَلَى سَبَب خَاصّ فَعُمُومهَا مُعْتَبَر بِقَرِينَةِ الْجَمْع "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس" يَأْمُركُمْ "أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّه نِعِمَّا" فِيهِ إدْغَام مِيم نِعْمَ فِي مَا النَّكِرَة الْمَوْصُوفَة أَيْ نِعْمَ شَيْئًا "يَعِظكُمْ بِهِ" تَأْدِيَة الْأَمَانَة وَالْحُكْم بِالْعَدْلِ "إنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا" لِمَا يُقَال "بَصِيرًا" بِمَا يُفْعَل

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ يَأْمُر بِأَدَاءِ الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا. وَفِي حَدِيث الْحَسَن عَنْ سَمُرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك " رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن وَهُوَ يَعُمّ جَمِيع الْأَمَانَات الْوَاجِبَة عَلَى الْإِنْسَان مِنْ حُقُوق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَاده مِنْ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْكَفَّارَات وَالنُّذُور وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُؤْتَمَن عَلَيْهِ لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ الْعِبَاد وَمِنْ حُقُوق الْعِبَاد بَعْضهمْ عَلَى بَعْض كَالْوَدَائِعِ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُؤْتَمَنُونَ بِهِ مِنْ غَيْر اِطِّلَاع بَيِّنَة عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِأَدَائِهَا فَمَنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوق إِلَى أَهْلهَا حَتَّى يُقْتَصّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاء مِنْ الْقَرْنَاء " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب عَنْ زَاذَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : إِنَّ الشَّهَادَة تُكَفِّر كُلّ ذَنْب إِلَّا الْأَمَانَة يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ كَانَ قَدْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه فَيُقَال أَدِّ أَمَانَتك فَيَقُول فَأَنَّى أُؤَدِّيهَا وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَتُمَثَّل لَهُ الْأَمَانَة فِي قَعْر جَهَنَّم فَيَهْوِي إِلَيْهَا فَيَحْمِلهَا عَلَى عَاتِقه قَالَ فَتَنْزِل عَنْ عَاتِقه فَيَهْوِي عَلَى أَثَرهَا أَبَد الْآبِدِينَ. قَالَ زَاذَان فَأَتَيْت الْبَرَاء فَحَدَّثْته فَقَالَ صَدَقَ أَخِي " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُل عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ : هِيَ مُبْهَمَة لِلْبَرِّ وَالْفَاجِر وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة هِيَ عَامَّة لِلْبَرِّ وَالْفَاجِر وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : الْأَمَانَة مَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد حَدَّثَنَا حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ أُبَيّ بْن كَعْب مِنْ الْأَمَانَات أَنَّ الْمَرْأَة اُؤْتُمِنَتْ عَلَى فَرْجهَا وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس هِيَ مِنْ الْأَمَانَات فِيمَا بَيْنك وَبَيْن النَّاس . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " قَالَ : قَالَ يَدْخُل فِيهِ وَعْظ السُّلْطَان النِّسَاء " يَعْنِي يَوْم الْعِيد " وَقَدْ ذَكَرَ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة وَاسْم أَبِي طَلْحَة عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عُثْمَان بْن عَبْد الدَّار بْن قُصَيّ بْن كِلَاب الْقُرَشِيّ الْعَبْدَرِيّ حَاجِب الْكَعْبَة الْمُعَظَّمَة وَهُوَ اِبْن عَمّ شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة الَّذِي صَارَتْ الْحِجَابَة فِي نَسْله إِلَى الْيَوْم أَسْلَمَ عُثْمَان هَذَا فِي الْهُدْنَة بَيْن صُلْح الْحُدَيْبِيَة وَفَتْح مَكَّة هُوَ وَخَالِد بْن الْوَلِيد وَعَمْرو بْن الْعَاصِ وَأَمَّا عَمّه عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة فَكَانَ مَعَهُ لِوَاء الْمُشْرِكِينَ يَوْم أُحُد وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ كَافِرًا وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا النَّسَب لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ هَذَا بِهَذَا وَسَبَب نُزُولهَا فِيهِ لَمَّا أَخَذَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاح الْكَعْبَة يَوْم الْفَتْح ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي غَزْوَة الْفَتْح حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَبِي ثَوْر عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِمَكَّة وَاطْمَأَنَّ النَّاس خَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَته يَسْتَلِم الرُّكْن بِمِحْجَنٍ فِي يَده فَلَمَّا قَضَى طَوَافه دَعَا عُثْمَان بْن طَلْحَة فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاح الْكَعْبَة فَفُتِحَتْ لَهُ فَدَخَلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامًا مِنْ عِيدَان فَكَسَرَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ طَرَحَهَا ثُمَّ وَقَفَ عَلَى بَاب الْكَعْبَة وَقَدْ اِسْتَكَنَّ لَهُ النَّاس فِي الْمَسْجِد . قَالَ اِبْن إِسْحَق : فَحَدَّثَنِي بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ " لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ صَدَقَ وَعْده وَنَصَرَ عَبْده وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده أَلَا كُلّ مَأْثُرَة أَوْ دَم أَوْ مَال يُدْعَى فَهُوَ تَحْت قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِدَانه الْبَيْت وَسِقَايَة الْحَاجّ " . وَذَكَرَ بَقِيَّة الْحَدِيث فِي خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ إِلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ جَلَسَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَمِفْتَاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَة مَعَ السِّقَايَة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْنَ عُثْمَان بْن طَلْحَة ؟ " فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ " هَاكَ مِفْتَاحك يَا عُثْمَان الْيَوْم يَوْم وَفَاء وَبِرّ " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن عَنْ حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج فِي الْآيَة قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة قَبَضَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاح الْكَعْبَة فَدَخَلَ فِي الْبَيْت يَوْم الْفَتْح فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَة فَدَعَا عُثْمَان إِلَيْهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاح . قَالَ : وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكَعْبَة وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " فِدَاهُ أَبِي وَأُمِّي مَا سَمِعْته يَتْلُوهَا قَبْل ذَلِكَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا الزِّنْجِيّ بْن خَالِد عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِينُوهُ . وَرَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " قَالَ : لَمَّا فَتَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة دَعَا عُثْمَان بْن طَلْحَة فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ " أَرِنِي الْمِفْتَاح " فَأَتَاهُ بِهِ فَلَمَّا بَسَطَ يَده إِلَيْهِ قَامَ إِلَيْهِ الْعَبَّاس قَالَ : يَا رَسُول اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اِجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَة فَكَفَّ عُثْمَان يَده فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَرِنِي الْمِفْتَاح يَا عُثْمَان " فَبَسَطَ يَده يُعْطِيه فَقَالَ الْعَبَّاس مِثْل كَلِمَته الْأُولَى فَكَفَّ عُثْمَان يَده فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا عُثْمَان إِنْ كُنْت تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَهَاتِهِ " فَقَالَ هَاكَ أَمَانَة اللَّه قَالَ : فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَتَحَ بَاب الْكَعْبَة فَوَجَدَ فِي الْكَعْبَة تِمْثَال إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام مَعَهُ الْقِدَاح يُسْتَقْسَم بِهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا لِلْمُشْرِكِينَ قَاتَلَهُمْ اللَّه وَمَا شَأْن إِبْرَاهِيم وَشَأْن الْقِدَاح " ثُمَّ دَعَا بِحَفْنَةٍ فِيهَا مَاء فَأَخَذَ مَاء فَغَمَسَهُ فِيهِ ثُمَّ غَمَسَ بِهِ تِلْكَ التَّمَاثِيل وَأَخْرَجَ مَقَام إِبْرَاهِيم وَكَانَ فِي الْكَعْبَة فَأَلْزَقَهُ فِي حَائِط الْكَعْبَة ثُمَّ قَالَ " يَا أَيّهَا النَّاس هَذِهِ الْقِبْلَة " قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيل فِيمَا ذُكِرَ لَنَا بِرَدِّ الْمِفْتَاح ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة وَهَذَا مِنْ الْمَشْهُورَات أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ وَسَوَاء كَانَتْ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا فَحُكْمهَا عَامّ وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة : هِيَ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِر أَيْ هِيَ أَمْر لِكُلِّ أَحَد . وَقَوْله " وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" أَمْر مِنْهُ تَعَالَى بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ بَيْن النَّاس وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب وَزَيْد بْن أَسْلَم وَشَهْر بْن حَوْشَب إِنَّ هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاء يَعْنِي الْحُكَّام بَيْن النَّاس وَفِي الْحَدِيث " إِنَّ اللَّه مَعَ الْحَاكِم مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسه " وَفِي الْأَثَر " عَدْل يَوْم كَعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ سَنَة " وَقَوْله " إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ " أَيْ يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ أَدَاء الْأَمَانَات وَالْحُكْم بِالْعَدْلِ بَيْن النَّاس بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوَامِره وَشَرَائِعه الْكَامِلَة الْعَظِيمَة الشَّامِلَة وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا أَيْ سَمِيعًا " لِأَقْوَالِكُمْ بَصِيرًا بِأَفْعَالِكُمْ. كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة " سَمِيعًا بَصِيرًا " يَقُول بِكُلِّ شَيْء بَصِير وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَزْوِينِيّ أَنْبَأَنَا الْمُقْرِي يَعْنِي أَبَا عَبْد الرَّحْمَن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد حَدَّثَنَا حَرْمَلَة يَعْنِي اِبْن عِمْرَان التُّجِيبِيّ الْمِصْرِيّ حَدَّثَنِي أَبُو يُونُس سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا إِلَى قَوْله إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا " وَيَضَع إِبْهَامه عَلَى أُذُنه وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنه وَيَقُول : هَكَذَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا وَيَضَع أُصْبُعَيْهِ وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا وَصَفَهُ لَنَا الْمُقْرِي وَوَضَعَ أَبُو زَكَرِيَّا إِبْهَامه الْيُمْنَى عَلَى عَيْنه الْيُمْنَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى الْأُذُن الْيُمْنَى وَأَرَانَا فَقَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه وَابْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره مِنْ حَدِيث أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي بِإِسْنَادِهِ نَحْوه وَأَبُو يُونُس هَذَا مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة وَاسْمه سُلَيْم بْن جُبَيْر .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا : وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7776 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي مَكِين , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فِي وُلَاة الْأَمْر . 7777 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ شَهْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاء خَاصَّة { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } 7778 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَلِمَات أَصَابَ فِيهِنَّ حَقّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَأَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقّ عَلَى النَّاس أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ عَلِيّ بِنَحْوِهِ . 7779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُمَيْر , عَنْ مَكْحُول , فِي قَوْل اللَّه : { وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : هُمْ أَهْل الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 7780 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن زَيْد , قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ الْوُلَاة , أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَرَ السُّلْطَان بِذَلِكَ أَنْ يُعْطُوا النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : يَعْنِي : السُّلْطَان يُعْطُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِي خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَفَاتِيح الْكَعْبَة أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7782 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة , قَبَضَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة , وَدَخَلَ بِهَا الْبَيْت يَوْم الْفَتْح , فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا عُثْمَان فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاح . قَالَ : وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : فِدَاؤُهُ أَبِي وَأُمِّي ! مَا سَمِعْته يَتْلُوهَا قَبْل ذَلِكَ . 7783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الزِّنْجِيّ بْن خَالِد , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِينُوهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ خِطَاب مِنْ اللَّه وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ وُلُّوا فِي فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ , وَمَا اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورهمْ بِالْعَدْلِ بَيْنهمْ فِي الْقَضِيَّة . وَالْقَسْم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَعَظَ بِهِ الرَّعِيَّة فِي : { أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِمْ , وَأَوْصَى الرَّاعِيَ بِالرَّعِيَّةِ , وَأَوْصَى الرَّعِيَّة بِالطَّاعَةِ . كَمَا : 7784 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِين . وَقَرَأَ اِبْن زَيْد : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } 3 26 أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ فَقَالَ : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } ؟ وَالْأَمَانَات : هِيَ الْفَيْء الَّذِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعه وَقَسْمه , وَالصَّدَقَات الَّتِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعهَا وَقَسْمهَا . { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } . .. الْآيَة كُلّهَا فَأَمَرَ بِهَذَا الْوُلَاة , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا نَحْنُ , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } وَأَمَّا الَّذِي قَالَ اِبْن جُرَيْج مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيهِ , وَأُرِيدَ بِهِ كُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فَدَخَلَ فِيهِ وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ وَكُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ قَضَاء الدَّيْن وَرَدّ حُقُوق النَّاس . كَاَلَّذِي : 7785 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّص لِمُوسِرٍ وَلَا مُعْسِر أَنْ يُمْسِكهَا . 7786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } عَنْ الْحَسَن : أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك , وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا , إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُؤَدُّوا مَا اِئْتَمَنَتْكُمْ عَلَيْهِ رَعِيَّتكُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ وَأَمْوَالهمْ وَصَدَقَاتهمْ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرَكُمْ اللَّه , بِأَدَاءِ كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ بَعْد أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ , لَا تَظْلِمُوهَا أَهْلهَا وَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَضَعُوا شَيْئًا مِنْهَا فِي غَيْر مَوْضِعه , وَلَا تَأْخُذُوهَا إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ اللَّه لَكُمْ بِأَخْذِهَا مِنْهُ قَبْل أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ ; وَيَأْمُركُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن رَعِيَّتكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُوله , لَا تَعْدُوا ذَلِكَ فَتَجُورُوا عَلَيْهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ إِنَّ اللَّه نِعْمَ الشَّيْء يَعِظكُمْ بِهِ , وَنِعْمَتْ الْعِظَة يَعِظكُمْ بِهَا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ , أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا , وَأَنْ تَحْكُمُوا بَيْن النَّاس بِالْعَدْلِ { إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا بِمَا تَقُولُونَ وَتَنْطِقُونَ , وَهُوَ سَمِيع لِذَلِكَ مِنْكُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس وَلَمْ تُحَاوِرُوهُمْ بِهِ , { بَصِيرًا } بِمَا تَفْعَلُونَ فِيمَا اِئْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق رَعِيَّتكُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَمَا تَقْضُونَ بِهِ بَيْنهمْ مِنْ أَحْكَامكُمْ بِعَدْلٍ تَحْكُمُونَ أَوْ جَوْر , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , حَافِظ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِيَ مُحْسِنكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَمُسِيئَكُمْ بِإِسَاءَتِهِ , أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ .

تفسير القرطبي

هَذِهِ الْآيَة مِنْ أُمَّهَات الْأَحْكَام تَضَمَّنَتْ جَمِيع الدِّين وَالشَّرْع . وَقَدْ اِخْتُلِفَ مَنْ الْمُخَاطَب بِهَا ; فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَزَيْد بْن أَسْلَم وَشَهْر بْن حَوْشَب وَابْن زَيْد : هَذَا خِطَاب لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّة , فَهِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَرَائِهِ , ثُمَّ تَتَنَاوَل مَنْ بَعْدَهُمْ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج وَغَيْره : ذَلِكَ خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة فِي أَمْر مِفْتَاح الْكَعْبَة حِينَ أَخَذَهُ مِنْ عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة الْحَجَبِيّ الْعَبْدَرِيّ مِنْ بَنِي عَبْد الدَّار وَمِنْ اِبْن عَمّه شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة وَكَانَا كَافِرَيْنِ وَقْت فَتْح مَكَّة , فَطَلَبَهُ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب لِتَنْضَافَ لَهُ السِّدَانَة إِلَى السِّقَايَة ; فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَة فَكَسَرَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْأَوْثَان , وَأَخْرَجَ مَقَام إِبْرَاهِيم وَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة . قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة , وَمَا كُنْت سَمِعْتهَا قَبْلُ مِنْهُ , فَدَعَا عُثْمَان وَشَيْبَة فَقَالَ : ( خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ ) . وَحَكَى مَكِّيّ : أَنَّ شَيْبَة أَرَادَ أَلَّا يَدْفَع الْمِفْتَاح , ثُمَّ دَفَعَهُ , وَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْهُ بِأَمَانَةِ اللَّه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْآيَة فِي الْوُلَاة خَاصَّة فِي أَنْ يَعِظُوا النِّسَاء فِي النُّشُوز وَنَحْوه وَيَرُدُّوهُنَّ إِلَى الْأَزْوَاج . وَالْأَظْهَر فِي الْآيَة أَنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع النَّاس فَهِيَ تَتَنَاوَل الْوُلَاة فِيمَا إِلَيْهِمْ مِنْ الْأَمَانَات فِي قِسْمَة الْأَمْوَال وَرَدّ الظُّلَامَات وَالْعَدْل فِي الْحُكُومَات . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . وَتَتَنَاوَل مَنْ دُونهمْ مِنْ النَّاس فِي حِفْظ الْوَدَائِع وَالتَّحَرُّز فِي الشَّهَادَات وَغَيْر ذَلِكَ , كَالرَّجُلِ يَحْكُم فِي نَازِلَةٍ مَا وَنَحْوه ; وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَسَائِر الْعِبَادَات أَمَانَة اللَّه تَعَالَى . وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه يُكَفِّر الذُّنُوب كُلّهَا ) أَوْ قَالَ : ( كُلّ شَيْء إِلَّا الْأَمَانَة - وَالْأَمَانَة فِي الصَّلَاة وَالْأَمَانَة فِي الصَّوْم وَالْأَمَانَة فِي الْحَدِيث وَأَشَدّ ذَلِكَ الْوَدَائِع ) . ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ فِي الْحِلْيَة . وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ الْآيَة عَامَّة فِي الْجَمِيع الْبَرَاء بْن عَازِب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأُبَيّ بْن كَعْب قَالُوا : الْأَمَانَة فِي كُلّ شَيْء فِي الْوُضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْجَنَابَة وَالصَّوْم وَالْكَيْل وَالْوَزْن وَالْوَدَائِع , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يُرَخِّص اللَّه لِمُعْسِرٍ وَلَا لِمُوسِرٍ أَنْ يُمْسِك الْأَمَانَة . قُلْت : وَهَذَا إِجْمَاع . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَانَات مَرْدُودَة إِلَى أَرْبَابهَا الْأَبْرَار مِنْهُمْ وَالْفُجَّار ; قَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر . وَالْأَمَانَة مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَفْعُول فَلِذَلِكَ جُمِعَ . وَوَجْه النَّظْم بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ كِتْمَان أَهْل الْكِتَاب صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَوْلهمْ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَهْدَى سَبِيلًا , فَكَانَ ذَلِكَ خِيَانَة مِنْهُمْ فَانْجَرَّ الْكَلَام إِلَى ذِكْر جَمِيع الْأَمَانَات ; فَالْآيَة شَامِلَة بِنَظْمِهَا لِكُلِّ أَمَانَة وَهِيَ أَعْدَاد كَثِيرَة كَمَا ذَكَرْنَا . وَأُمَّهَاتهَا فِي الْأَحْكَام : الْوَدِيعَة وَاللُّقَطَة وَالرَّهْن وَالْعَارِيَة . وَرَوَى أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَرَوَاهُ أَنَس وَأَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَاهُ . وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي خُطْبَته عَام حَجَّة الْوَدَاع : ( الْعَارِيَة مُؤَدَّاة وَالْمِنْحَة مَرْدُودَة وَالدَّيْن مَقْضِيّ وَالزَّعِيم غَارِم ) . صَحِيح أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره . وَزَادَ الدَّارَقُطْنِيّ : فَقَالَ رَجُل : فَعَهْدُ اللَّه ؟ قَالَ : ( عَهْد اللَّه أَحَقّ مَا أُدِّيَ ) . وَقَالَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَة وَالْحَدِيث فِي رَدّ الْوَدِيعَة وَأَنَّهَا مَضْمُونَة عَلَى كُلّ حَال كَانَتْ مِمَّا يُغَاب عَلَيْهَا أَوْ لَا يُغَاب تَعَدَّى فِيهَا أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ - عَطَاء وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَشْهَب . وَرُوِيَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس وَأَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ضَمَّنَا الْوَدِيعَة . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّ مَنْ اِسْتَعَارَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْره مِمَّا لَا يُغَاب عَلَيْهِ فَتَلِفَ عِنْده فَهُوَ مُصَدَّق فِي تَلَفِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي . وَهَذَا قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَالْأَوْزَاعِيّ قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْل عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْعَارِيَة مُؤَدَّاة ) هُوَ كَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " . فَإِذَا تَلِفَتْ الْأَمَانَة لَمْ يَلْزَم الْمُؤْتَمَنَ غُرْمُهَا لِأَنَّهُ مُصَدَّق فَكَذَلِكَ الْعَارِيَة إِذَا تَلِفَتْ مِنْ غَيْر تَعَدٍّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذهَا عَلَى الضَّمَان , فَإِذَا تَلِفَتْ بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهَا لَزِمَهُ قِيمَتهَا لِجِنَايَتِهِ عَلَيْهَا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَعُمَر وَابْن مَسْعُود أَنَّهُ لَا ضَمَان فِي الْعَارِيَة . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب , عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا ضَمَان عَلَى مُؤْتَمَن ) . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ فِيمَا اِسْتَدَلَّ بِهِ بِقَوْلِ صَفْوَان لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اِسْتَعَارَ مِنْهُ الْأَدْرَاع : أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَة أَوْ عَارِيَة مُؤَدَّاة ؟ فَقَالَ : ( بَلْ عَارِيَة مُؤَدَّاة ) . قَالَ الضَّحَّاك : بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . وَهَذَا خِطَاب لِلْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاء وَالْحُكَّام , وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى جَمِيع الْخَلْق كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَدَاء الْأَمَانَات . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى مَنَابِر مِنْ نُور عَنْ يَمِين الرَّحْمَن وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمهمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) . وَقَالَ : ( كُلّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته فَالْإِمَام رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته وَالرَّجُل رَاعٍ عَلَى أَهْله وَهُوَ مَسْئُول عَنْهُمْ وَالْمَرْأَة رَاعِيَة عَلَى بَيْت زَوْجهَا وَهِيَ مَسْئُولَة عَنْهُ وَالْعَبْد رَاعٍ عَلَى مَال سَيِّده وَهُوَ مَسْئُول عَنْهُ أَلَا فَكُلّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته ) . فَجَعَلَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كُلّ هَؤُلَاءِ رُعَاة : وَحُكَّامًا عَلَى مَرَاتِبهمْ , وَكَذَلِكَ الْعَالِم الْحَاكِم ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْتَى حَكَمَ وَقَضَى وَفَصَلَ بَيْنَ الْحَلَال وَالْحَرَام , وَالْفَرْض وَالنَّدْب , وَالصِّحَّة وَالْفَسَاد , فَجَمِيع ذَلِكَ أَمَانَة تُؤَدَّى وَحُكْم يُقْضَى . الْقُرَّاء فِي قَوْل " فَنِعِمَّا هِيَ " فَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَنَافِع فِي رِوَايَة وَرْش وَعَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص وَابْن كَثِير " فَنِعِمَّا هِيَ " بِكَسْرِ النُّون وَالْعَيْن . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو أَيْضًا وَنَافِع فِي غَيْر رِوَايَة وَرْش وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر وَالْمُفَضَّل " فَنِعْمَا " بِكَسْرِ النُّون وَسُكُون الْعَيْن . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَابْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " فَنَعِمَّا " بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْعَيْن , وَكُلّهمْ سَكَّنَ الْمِيم . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن فَنِعْمَ مَا هِيَ . قَالَ النَّحَّاس : وَلَكِنَّهُ فِي السَّوَاد مُتَّصِل فَلَزِمَ الْإِدْغَام . وَحَكَى النَّحْوِيُّونَ فِي " نِعْمَ " أَرْبَع لُغَات : نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ , هَذَا الْأَصْل . وَنِعِمَ الرَّجُل , بِكَسْرِ النُّون لِكَسْرِ الْعَيْن . وَنَعْمَ الرَّجُل , بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْعَيْن , وَالْأَصْل نَعِمَ حُذِفَتْ الْكَسْرَة لِأَنَّهَا ثَقِيلَة . وَنِعْمَ الرَّجُل , وَهَذَا أَفْضَل اللُّغَات , وَالْأَصْل فِيهَا نَعِمَ . وَهِيَ تَقَع فِي كُلّ مَدْح , فَخُفِّفَتْ وَقُلِبَتْ كَسْرَة الْعَيْن عَلَى النُّون وَأُسْكِنَتْ الْعَيْن , فَمَنْ قَرَأَ " فَنِعِمَّا هِيَ " فَلَهُ تَقْدِيرَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون جَاءَ بِهِ عَلَى لُغَة مَنْ يَقُول نِعِمَ . وَالتَّقْدِير الْآخَر أَنْ يَكُون عَلَى , اللُّغَة الْجَيِّدَة , فَيَكُون الْأَصْل نِعْمَ , ثُمَّ كُسِرَتْ الْعَيْن لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . قَالَ النَّحَّاس : فَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو وَنَافِع مِنْ إِسْكَان الْعَيْن فَمُحَال . حُكِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا إِسْكَان الْعَيْن وَالْمِيم مُشَدَّدَة فَلَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يَنْطِق بِهِ , وَإِنَّمَا يَرُوم الْجَمْع بَيْنَ سَاكِنَيْنِ وَيُحَرِّك وَلَا يَأْبَهُ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : مَنْ قَرَأَ بِسُكُونِ الْعَيْن لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْله ; لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ الْأَوَّل مِنْهُمَا لَيْسَ بِحَرْفِ مَدّ وَلِين وَإِنَّمَا يَجُوز ذَلِكَ عِنْد النَّحْوِيِّينَ إِذَا كَانَ الْأَوَّل حَرْف مَدّ , إِذْ الْمَدّ يَصِير عِوَضًا مِنْ الْحَرَكَة , وَهَذَا نَحْو دَابَّة وَضَوَالّ وَنَحْوه . وَلَعَلَّ أَبَا عَمْرو أَخْفَى الْحَرَكَة وَاخْتَلَسَهَا كَأَخْذِهِ بِالْإِخْفَاءِ فِي " بَارِئُكُمْ - و - يَأْمُركُمْ " فَظَنَّ السَّامِع الْإِخْفَاء إِسْكَانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ فِي السَّمْع وَخَفَائِهِ . قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ " نَعِمَا " بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْعَيْن فَإِنَّمَا جَاءَ بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلهَا وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : مَا أَقَلَّتْ قَدَمَايَ إِنَّهُمْ نَعِمَ السَّاعُونَ فِي الْأَمْر الْمُبِرْ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسه بِأَنَّهُ سَمِيع بَصِير يَسْمَع وَيَرَى ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى " [ طَه : 46 ] فَهَذَا طَرِيق السَّمْع . وَالْعَقْل يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ اِنْتِفَاء السَّمْع وَالْبَصَر يَدُلّ عَلَى نَقِيضِيهِمَا مِنْ الْعَمَى وَالصَّمَم , إِذْ الْمَحَلّ الْقَابِل لِلضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدهمَا , وَهُوَ تَعَالَى مُقَدَّس عَنْ النَّقَائِص وَيَسْتَحِيل صُدُور الْأَفْعَال الْكَامِلَة مِنْ الْمُتَّصِف , بِالنَّقَائِصِ ; كَخَلْقِ السَّمْع وَالْبَصَر مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ سَمْع وَلَا بَصَر . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ النَّقَائِص وَهُوَ أَيْضًا دَلِيل سَمْعِيّ يُكْتَفَى بِهِ مَعَ نَصّ الْقُرْآن فِي مُنَاظَرَة مَنْ تَجْمَعُهُمْ كَلِمَة الْإِسْلَام . جَلَّ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا يَتَوَهَّمُهُ الْمُتَوَهِّمُونَ وَيَخْتَلِقُهُ الْمُفْتَرُونَ الْكَاذِبُونَ " سُبْحَانَ رَبّك رَبّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ " [ الصَّافَّات : 180 ] .

غريب الآية
۞ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا ﴿٥٨﴾
نِعِمَّانِعْمَ الشيءُ.
الإعراب
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَأْمُرُكُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُؤَدُّوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَأْمُرُكُمْ) :.
(الْأَمَانَاتِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَهْلِهَا)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَإِذَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(حَكَمْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بَيْنَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(النَّاسِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَحْكُمُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَأْمُرُكُمْ) : مُقَدَّرًا.
(بِالْعَدْلِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْعَدْلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(نِعِمَّا)
(نِعِمَّ) : فِعْلٌ مَاضٍ جَامِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلْإِدْغَامِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(يَعِظُكُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَجُمْلَةُ: (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ ...) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(سَمِيعًا)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(بَصِيرًا)
خَبَرُ كَانَ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.