صفحات الموقع

سورة النساء الآية ٥

سورة النساء الآية ٥

وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَ ٰ⁠لَكُمُ ٱلَّتِی جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِیَـٰمࣰا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِیهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا ﴿٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

السفهاء, جمع " سفيه " وهو: من لا يحسن التصرف في المال. إما لعدم عقله, كالمجنون والمعتوه, ونحوهما. وإما لعدم رشده, كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء, أن يؤتوا هؤلاء أموالهم, خشية إفسادها وإتلافها. لأن الله جعل الأموال, قياما لعباده, في مصالح دينهم ودنياهم. وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها. فأمر الله الولي أن لا يؤتيهم إياها بل يرزقهم منها, ويكسوهم, ويبذل منها, ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية, وأن يقولوا لهم قولا معروفا, بأن يعدوهم - إذا طلبوها - أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم, ونحو ذلك, ويلطفوا لهم في الأقوال, جبرا لخواطرهم. وفي إضافته تعالى, الأموال إلى الأولياء, إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء, ما يفعلونه في أموالهم, من الحفظ, والتصرف, وعدم التعرض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه, في مالهم, إذا كان لهم مال, لقوله " وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ " . وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه, في النفقة الممكنة, والكسوة. لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم, فلزم قبول قول الأمين.

التفسير الميسر

ولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعوها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأنفقوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا من الكلام الطيب والخلق الحسن.

تفسير الجلالين

"وَلَا تُؤْتُوا" أَيّهَا الْأَوْلِيَاء "السُّفَهَاء" الْمُبَذِّرِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان "أَمْوَالكُمْ" أَيْ أَمْوَالكُمْ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ "الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا" مَصْدَر قَامَ أَيْ تَقُوم بِمَعَاشِكُمْ وَصَلَاح أَوْلَادكُمْ فَيَضَعُوهَا فِي غَيْر وَجْههَا وَفِي قِرَاءَة قِيَمًا جَمْع قِيمَة مَا تَقُوم بِهِ الْأَمْتِعَة "وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا" أَيْ أَطْعِمُوهُمْ مِنْهَا "وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا" عِدُوهُمْ عِدَة جَمِيلَة بِإِعْطَائِهِمْ أَمْوَالهمْ إذَا رَشَدُوا .

تفسير ابن كثير

يَنْهَى سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْ تَمْكِين السُّفَهَاء مِنْ التَّصَرُّف فِي الْأَمْوَال الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لِلنَّاسِ قِيَامًا أَيْ تَقُوم بِهَا مَعَايِشهمْ مِنْ التِّجَارَات وَغَيْرهَا. وَمِنْ هَهُنَا يُؤْخَذ الْحَجْر عَلَى السُّفَهَاء وَهُمْ أَقْسَام فَتَارَة يَكُون الْحَجْر لِلصَّغِيرِ فَإِنَّ الصَّغِير مَسْلُوب الْعِبَارَة وَتَارَة يَكُون الْحَجْر لِلْجُنُونِ وَتَارَة لِسُوءِ التَّصَرُّف لِنَقْصِ الْعَقْل أَوْ الدِّين وَتَارَة لِلْفَلَسِ وَهُوَ مَا إِذَا أَحَاطَتْ الدُّيُون بِرَجُلٍ وَضَاقَ مَاله عَنْ وَفَائِهَا فَإِذَا سَأَلَ الْغُرَمَاء الْحَاكِم الْحَجْر عَلَيْهِ حَجَرَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ " قَالَ هُمْ بَنُوك وَالنِّسَاء وَكَذَا قَالَ اِبْن مَسْعُود وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك هُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر هُمْ الْيَتَامَى . وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة هُمْ النِّسَاء . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن خَالِد حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاتِكَة عَنْ عَلِيّ بْن يَزِيد عَنْ الْقَاسِم عَنْ أَبِي أُمَامَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ النِّسَاء سُفَهَاء إِلَّا الَّتِي أَطَاعَتْ قَيِّمهَا " . وَرَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مُطَوَّلًا . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم ذُكِرَ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا حَرْب بْن شُرَيْح عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ " قَالَ هُمْ الْخَدَم وَهُمْ شَيَاطِين الْإِنْس وَقَوْله " وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَقُول : لَا تَعْمِد إِلَى مَالك وَمَا خَوَّلَك اللَّه وَجَعَلَهُ لَك مَعِيشَة فَتُعْطِيه اِمْرَأَتك أَوْ بِنْتك ثُمَّ تَنْظُر إِلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالك وَأَصْلِحْهُ وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِق عَلَيْهِمْ مِنْ كِسْوَتهمْ وَمُؤْنَتهمْ وَرِزْقهمْ. وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ فِرَاس عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ ثَلَاثَة يَدْعُونَ اللَّه فَلَا يَسْتَجِيب لَهُمْ رَجُل لَهُ اِمْرَأَة سَيِّئَة الْخُلُق فَلَمْ يُطَلِّقهَا وَرَجُل أَعْطَى مَاله سَفِيهًا وَقَدْ قَالَ " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ " وَرَجُل كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل دَيْن فَلَمْ يُشْهِد عَلَيْهِ وَقَالَ مُجَاهِد " وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا " يَعْنِي فِي الْبِرّ وَالصِّلَة . وَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة تَضَمَّنَتْ الْإِحْسَان إِلَى الْعَائِلَة وَمَنْ تَحْت الْحَجْر بِالْفِعْلِ مِنْ الْإِنْفَاق فِي الْكَسَاَوِي وَالْأَرْزَاق بِالْكَلَامِ الطَّيِّب وَتَحْسِين الْأَخْلَاق .

تفسير الطبري

وَأَمَّا قَوْله : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله ; فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } أَوْلِيَاء السُّفَهَاء , لَا أَمْوَال السُّفَهَاء , فَإِنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : وَارْزُقُوا أَيّهَا النَّاس سُفَهَاءَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَوْلَادكُمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ طَعَامهمْ , وَمَا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ مُؤَنهمْ وَكِسْوَتهمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى , وَسَنَذْكُرُ مَنْ لَمْ يُذْكَر مِنْ قَائِلِيهِ . 6822 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَرْزُقُوا سُفَهَاءَهُمْ مِنْ أَزْوَاجهمْ وَأُمَّهَاتهمْ وَبَنَاتهمْ مِنْ أَمْوَالهمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 6823 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَارْزُقُوهُمْ } قَالَ : يَقُول : أَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ . 6824 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } يَقُول : أَطْعِمْهُمْ مِنْ مَالِكَ وَاكْسُهُمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } أَمْوَال السُّفَهَاء أَنْ لَا يُؤْتِيَهُمُوهَا أَوْلِيَاؤُهُمْ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى قَوْله : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } وَارْزُقُوا أَيّهَا الْوُلَاة وُلَاة أَمْوَال سُفَهَاءَكُمْ مِنْ أَمْوَالهمْ , طَعَامهمْ وَمَا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنهمْ وَكِسْوَتهمْ . وَقَدْ مَضَى ذِكْر ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَمَّا الَّذِي نَرَاهُ صَوَابًا فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } مِنْ التَّأْوِيل , فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ , وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . فَتَأْوِيل قَوْله : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } وَأَلْفَوْا عَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْ أَوْلَادكُمْ وَنِسَائِكُمْ الَّذِينَ تَجِب عَلَيْكُمْ نَفَقَتهمْ مِنْ طَعَامهمْ وَكِسْوَتهمْ فِي أَمْوَالكُمْ , وَلَا تُسَلِّطُوهُمْ عَلَى أَمْوَالكُمْ فَيُهْلِكُوهَا , وَعَلَى سُفَهَائِكُمْ مِنْهُمْ مِمَّنْ لَا تَجِب عَلَيْكُمْ نَفَقَته , وَمِنْ غَيْرهمْ الَّذِينَ تَلُونَ أَنْتُمْ أُمُورهمْ مِنْ أَمْوَالهمْ فِيمَا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ مُؤَنهمْ فِي طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ وَكِسْوَتهمْ , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب مِنْ الْحُكْم فِي قَوْل جَمِيع الْحُجَّة , لَا خِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ مَعَ دَلَالَة ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : عَدَّهُمْ عِدَّة جَمِيلَة مِنْ الْبِرّ وَالصِّلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6825 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا فِي الْبِرّ وَالصِّلَة . يَعْنِي النِّسَاء , وَهُنَّ السُّفَهَاء عِنْده . 6826 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } قَالَ : عِدَّة تَعُدُّوهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : اُدْعُوا لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6827 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } إِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ وَلَدك , وَلَا مِمَّنْ يَجِب عَلَيْك أَنْ تُنْفِق عَلَيْهِ , فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا , قُلْ لَهُمْ : عَافَانَا اللَّه وَإِيَّاكَ , وَبَارَكَ اللَّه فِيك . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ , مَا قَالَهُ اِبْن جُرَيْج , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } أَيْ قُولُوا يَا مَعْشَر وُلَاة السُّفَهَاء قَوْلًا مَعْرُوفًا لِلسُّفَهَاءِ , إِنْ صَلَحْتُمْ وَرَشَدْتُمْ سَلَّمْنَا إِلَيْكُمْ أَمْوَالكُمْ وَخَلَّيْنَا بَيْنكُمْ وَبَيْنهَا , فَاتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسكُمْ وَأَمْوَالكُمْ . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي فِيهِ حَثّ عَلَى طَاعَة اللَّه وَنَهْي عَنْ مَعْصِيَته. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السُّفَهَاء الَّذِينَ نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده أَنْ يُؤْتُوهُمْ أَمْوَالهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6790 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الْيَتَامَى وَالنِّسَاء . 6791 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : لَا تُعْطُوا الصِّغَار وَالنِّسَاء . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ شَرِيك , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ الْحَسَن قَالَ : النِّسَاء وَالصِّغَار , وَالنِّسَاء أَسْفَه السُّفَهَاء . 6792 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : السُّفَهَاء : اِبْنك السَّفِيه وَامْرَأَتك السَّفِيهَة , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " اِتَّقُوا اللَّه فِي الضَّعِيفَيْنِ : الْيَتِيم , وَالْمَرْأَة " . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا حُمَيْد , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِيّ , عَنْ السُّدِّيّ - قَالَ : يَرُدّهُ إِلَى عَبْد اللَّه - قَالَ : النِّسَاء وَالصِّبْيَان . 6793 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } أَمَّا السُّفَهَاء : فَالْوَلَد وَالْمَرْأَة . 6794 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَلَد الرَّجُل وَامْرَأَته , وَهِيَ أَسْفَه السُّفَهَاء . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : السُّفَهَاء : الْوَلَد وَالنِّسَاء أَسْفَه السُّفَهَاء , فَيَكُونُوا عَلَيْكُمْ أَرْبَابًا . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : أَوْلَادكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ. * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : النِّسَاء وَالصِّبْيَان . 6795 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : النِّسَاء وَالْوِلْدَان . 6796 - حَدَّثَنَا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَنْبَسَة , عَنْ الْحَكَم : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : النِّسَاء وَالْوِلْدَان . 6797 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } أَمَرَ اللَّه بِهَذَا الْمَال أَنْ يَخْزُنه فَيُحْسِن خِزَانَته , وَلَا يُمَلِّكهُ الْمَرْأَة السَّفِيهَة وَالْغُلَام السَّفِيه . 6798 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي مَالِك , قَالَ : النِّسَاء وَالصِّبْيَان. 6799 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : اِمْرَأَتك وَبَنِيك , وَقَالَ : السُّفَهَاء : الْوِلْدَان وَالنِّسَاء أَسْفَه السُّفَهَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السُّفَهَاء : الصِّبْيَان خَاصَّة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6800 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : هُمْ الْيَتَامَى . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد , قَالَ : { السُّفَهَاء } الْيَتَامَى . 6801 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُس , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } يَقُول : لَا تَنْحُلُوا الصِّغَار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ السُّفَهَاء مِنْ وَلَد الرَّجُل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6802 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي مَالِك , قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : لَا تُعْطِ وَلَدك السَّفِيه مَالك فَيُفْسِدهُ الَّذِي هُوَ قِوَامك بَعْد اللَّه تَعَالَى . 6803 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } يَقُول : لَا تُسَلِّط السَّفِيه مِنْ وَلَدك . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : نَزَلَ ذَلِكَ فِي السُّفَهَاء , وَلَيْسَ الْيَتَامَى مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْء . 6804 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ فِرَاس , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ أَبِي بُرْدَة , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثَة يَدْعُونَ اللَّه فَلَا يَسْتَجِيب لَهُمْ : رَجُل كَانَتْ لَهُ اِمْرَأَة سَيِّئَة الْخُلُق فَلَمْ يُطَلِّقهَا , وَرَجُل أَعْطَى مَاله سَفِيهًا وَقَدْ قَالَ اللَّه : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } , وَرَجُل كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل دَيْن , فَلَمْ يُشْهِد عَلَيْهِ. 6805 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : لَا تُعْطِ السَّفِيه مِنْ وَلَدك رَأْسًا وَلَا حَائِطًا وَلَا شَيْئًا هُوَ لَك قِيَمًا مِنْ مَالك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السُّفَهَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع : النِّسَاء خَاصَّة دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6806 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيّ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ فَدَفَعَ مَاله إِلَى اِمْرَأَته فَوَضَعَتْهُ فِي غَيْر الْحَقّ , فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } . 6807 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حُمَيْد , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : النِّسَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الثَّوْرِيّ , عَنْ حُمَيْد , عَنْ قَيْس , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : هُنَّ النِّسَاء . 6808 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } قَالَ : نَهَى الرِّجَال أَنْ يُعْطُوا النِّسَاء أَمْوَالهمْ , وَهُنَّ سُفَهَاء مَنْ كُنَّ أَزْوَاجًا أَوْ أُمَّهَات أَوْ بَنَات. * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 6809 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : الْمَرْأَة. 6810 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : النِّسَاء مِنْ أَسْفَه السُّفَهَاء. 6811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ أَبِي عَوَانَة , عَنْ عَاصِم , عَنْ مُوَرِّق قَالَ : مَرَّتْ اِمْرَأَة بِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر لَهَا شَارَة وَهَيْئَة , فَقَالَ لَهَا اِبْن عُمَر : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } فَلَمْ يُخَصِّص سَفِيهًا دُون سَفِيه , فَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ أَنْ يُؤْتِيَ سَفِيهًا مَاله صَبِيًّا صَغِيرًا كَانَ أَوْ رَجُلًا كَبِيرًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , وَالسَّفِيه الَّذِي لَا يَجُوز لِوَلِيِّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَاله , هُوَ الْمُسْتَحِقّ الْحَجْر بِتَضْيِيعِهِ مَاله وَفَسَاده وَإِفْسَاده وَسُوء تَدْبِيره ذَلِكَ . وَإِنَّا قُلْنَا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء } هُوَ مَنْ وَصَفْنَا دُون غَيْره , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي تَتْلُوهَا : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهمْ } فَأَمَرَ أَوْلِيَاء الْيَتَامَى بِدَفْعِ أَمْوَالهمْ إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح وَأُونِسَ مِنْهُمْ الرُّشْد , وَقَدْ يَدْخُل فِي الْيَتَامَى الذُّكُور وَالْإِنَاث , فَلَمْ يُخَصِّص بِالْأَمْرِ بِدَفْعِ مَا لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَال الذُّكُور دُون الْإِنَاث , وَلَا الْإِنَاث دُون الذُّكُور . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , بِمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِينَ أُمِرَ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِدَفْعِهِمْ أَمْوَالهمْ إِلَيْهِمْ , وَأُجِيزَ لِلْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَتهمْ , وَمُعَامَلَتهمْ غَيْرُ الَّذِينَ أُمِرَ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِمَنْعِهِمْ أَمْوَالهمْ , وَحُظِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُدَايَنَتهمْ وَمُعَامَلَتهمْ , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبَيَّنَ أَنَّ السُّفَهَاء الَّذِينَ نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْتُوهُمْ أَمْوَالهمْ , هُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ الْحَجْر , وَالْمُسْتَوْجِبُونَ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ أَمْوَالهمْ , وَهُمْ مَنْ وَصَفْنَا صِفَتهمْ قَبْل , وَأَنَّ مَنْ عَدَا ذَلِكَ , فَغَيْر سَفِيه , لِأَنَّ الْحَجْر لَا يَسْتَحِقّهُ مَنْ قَدْ بَلَغَ , وَأُونِسَ رُشْده . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالسُّفَهَاءِ النِّسَاء خَاصَّة , فَإِنَّهُ جَعَلَ اللُّغَة عَلَى غَيْر وَجْههَا , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَع فَعِيلًا عَلَى فُعَلَاء , إِلَّا فِي جَمْع الذُّكُور , أَوْ الذُّكُور وَالْإِنَاث ; وَأَمَّا إِذَا أَرَادُوا جَمْع الْإِنَاث خَاصَّة لَا ذُكْرَان مَعَهُمْ , جَمَعُوهُ عَلَى فَعَائِل وَفَعِيلَات , مِثْل غَرِيبَة تُجْمَع غَرَائِب وَغَرِيبَات ; فَأَمَّا الْغُرَبَاء فَجَمْع غَرِيب. وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء مِنْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ اِخْتِلَاف مَنْ حَكَيْنَا قَوْله قَبْل أَيّهَا الرُّشَدَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي تَمْلِكُونَهَا , فَتُسَلِّطُوهُمْ عَلَيْهَا فَيُفْسِدُوهَا وَيُضَيِّعُوهَا , وَلَكِنْ اُرْزُقُوهُمْ أَنْتُمْ مِنْهَا , إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تَلْزَمكُمْ نَفَقَته , وَاكْسُوهُمْ , وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْ جَمَاعَة مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , وَابْن عَبَّاس , وَالْحَسَن , وَمُجَاهِد , وَقَتَادَة , وَحَضْرَمِيّ , وَسَنَذْكُرُ قَوْل الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يُذْكَر قَوْلهمْ فِيمَا مَضَى قَبْل . 6812 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا } يَقُول : لَا تُعْطِ اِمْرَأَتك وَوَلَدك مَالك , فَيَكُونُوا هُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَيْك , وَأَطْعِمْهُمْ مِنْ مَالك وَاكْسُهُمْ . 6813 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } يَقُول : لَا تُسَلِّط السَّفِيه مِنْ وَلَدك عَلَى مَالك , وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْزُقهُ مِنْهُ وَيَكْسُوَهُ . 6814 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } قَالَ : لَا تُعْطِ السَّفِيه مِنْ مَالِك شَيْئًا هُوَ لَك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالهمْ ; وَلَكِنَّهُ أُضِيفَ إِلَى الْوُلَاة لِأَنَّهُمْ قِوَامهَا وَمُدَبِّرُوهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6815 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء } قَالَ : هُمْ الْيَتَامَى , { أَمْوَالكُمْ } قَالَ : أَمْوَالهمْ , بِمَنْزِلَةِ قَوْله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ } وَقَدْ يَدْخُل فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ } أَمْوَال الْمَنْهِيِّينَ عَنْ أَنْ يُؤْتُوهُمْ ذَلِكَ , وَأَمْوَال السُّفَهَاء , لِأَنَّ قَوْله : { أَمْوَالكُمْ } غَيْر مَخْصُوص مِنْهَا بَعْض الْأَمْوَال دُون بَعْض , وَلَا تَمْنَع الْعَرَب أَنْ تُخَاطِب قَوْمًا خِطَابًا , فَيَخْرُج الْكَلَام بَعْضه خَبَر عَنْهُمْ وَبَعْضه عَنْ غَيْب , وَذَلِكَ نَحْو أَنْ يَقُولُوا : أَكَلْتُمْ يَا فُلَان أَمْوَالكُمْ بِالْبَاطِلِ فَيُخَاطِب الْوَاحِد خِطَاب الْجَمْع بِمَعْنَى : أَنَّك وَأَصْحَابك , أَوْ وَقَوْمك أَكَلْتُمْ أَمْوَالكُمْ , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء } مَعْنَاهُ : لَا تُؤْتُوا أَيّهَا النَّاس سُفَهَاءَكُمْ أَمْوَالكُمْ الَّتِي بَعْضهَا لَكُمْ وَبَعْضهَا لَهُمْ , فَتُضَيِّعُوهَا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ عَمَّ بِالنَّهْيِ عَنْ إِيتَاء السُّفَهَاء الْأَمْوَال كُلّهَا , وَلَمْ يُخَصِّص مِنْهَا شَيْئًا دُون شَيْء , كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } إِنَّمَا هُوَ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ وَلَهُمْ قِيَامًا , وَلَكِنَّ السُّفَهَاء دَخَلَ ذِكْرهمْ فِي ذِكْر الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : " لَكُمْ ". وَأَمَّا قَوْله : { الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } فَإِنَّ قِيَامًا وَقِيَمًا وَقِوَامًا فِي مَعْنًى وَاحِد , وَإِنَّمَا الْقِيَام أَصْله الْقِوَام , غَيْر أَنَّ الْقَاف الَّتِي قَبْل الْوَاو لَمَّا كَانَتْ مَكْسُورَة , جُعِلَتْ الْوَاو يَاء لِكِسْرَةِ مَا قَبْلهَا , كَمَا يُقَال : صُمْت صِيَامًا , وَحُلْت حِيَالًا , وَيُقَال مِنْهُ : فُلَان قِوَام أَهْل بَيْته , وَقِيَام أَهْل بَيْته . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَ بَعْضهمْ : " الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَمًا " بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْيَاء بِغَيْرِ أَلِف . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : { قِيَامًا } بِأَلِفٍ . قَالَ مُحَمَّد : وَالْقِرَاءَة الَّتِي نَخْتَارهَا : { قِيَامًا } بِالْأَلِفِ , لِأَنَّهَا الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فِي قِرَاءَة أَمْصَار الْإِسْلَام , وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى غَيْر خَطَأ وَلَا فَاسِد . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا مَا اِخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّ الْقِرَاءَات إِذَا اِخْتَلَفَتْ فِي الْأَلْفَاظ وَاتَّفَقَتْ فِي الْمَعَانِي , فَأَعْجَبُهَا إِلَيْنَا مَا كَانَ أَظْهَر وَأَشْهَر فِي قِرَاءَة أَمْصَار الْإِسْلَام . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيل قَوْله : { قِيَامًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6816 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي مَالِك : { أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } الَّتِي هِيَ قِوَامك بَعْد اللَّه . 6817 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } فَإِنَّ الْمَال هُوَ قِيَام النَّاس قِوَام مَعَايِشهمْ , يَقُول : كُنْت أَنْتَ قَيِّم أَهْلك , فَلَا تُعْطِ اِمْرَأَتك [ وَوَلَدك ] مَالك , فَيَكُونُوا هُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَيْك 6818 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } يَقُول اللَّه سُبْحَانه : لَا تَعْمَد إِلَى مَالك وَمَا خَوَّلَك اللَّه وَجَعَلَهُ لَك مَعِيشَة , فَتُعْطِيَهُ اِمْرَأَتك أَوْ بَنِيك ثُمَّ تَنْظُر إِلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ , وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالك وَأَصْلِحْهُ , وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِق عَلَيْهِمْ فِي كِسْوَتهمْ وَرِزْقهمْ وَمُؤْنَتهمْ . قَالَ : وَقَوْله : { قِيَامًا } بِمَعْنَى : قِوَامكُمْ فِي مَعَايِشكُمْ . 6819 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن قَوْله : { قِيَامًا } قَالَ : قِيَام عَيْشك . 6820 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا بَكْر بْن شرود , عَنْ اِبْن مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ : { الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } بِالْأَلِفِ , يَقُول : قِيَام عَيْشك . 6821 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } قَالَ : لَا تُعْطِ السَّفِيه مِنْ وَلَدك شَيْئًا هُوَ لَك قَيِّم مِنْ مَالك .

تفسير القرطبي

لَمَّا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ فِي قَوْله : " وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ " وَإِيصَال الصَّدَقَات إِلَى الزَّوْجَات , بَيَّنَ أَنَّ السَّفِيهَ وَغَيْرَ الْبَالِغ لَا يَجُوز دَفْع مَالِهِ إِلَيْهِ . فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى ثُبُوت الْوَصِيّ وَالْوَلِيّ وَالْكَفِيل لِلْأَيْتَامِ . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّة إِلَى الْمُسْلِم الْحُرّ الثِّقَة الْعَدْل جَائِزَة . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّة إِلَى الْمَرْأَة الْحُرَّة ; فَقَالَ عَوَامّ أَهْل الْعِلْم : الْوَصِيَّة لَهَا جَائِزَة . وَاحْتَجَّ أَحْمَد بِأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَوْصَى إِلَى حَفْصَة . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُل أَوْصَى إِلَى اِمْرَأَته قَالَ : لَا تَكُون الْمَرْأَة وَصِيًّا ; فَإِنْ فُعِلَ حُوِّلَتْ إِلَى رَجُل مِنْ قَوْمه . وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّة إِلَى الْعَبْد ; فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمَّد وَيَعْقُوب . وَأَجَازَهُ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن عَبْد الْحَكَم . وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ إِذَا أَوْصَى إِلَى عَبْده . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى . " السُّفَهَاء " قَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَى السَّفَه لُغَة . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاء , مَنْ هُمْ ؟ فَرَوَى سَالِم الْأَفْطَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : هُمْ الْيَتَامَى لَا تُؤْتُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة . وَرَوَى إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي مَالِك قَالَ : هُمْ الْأَوْلَاد الصِّغَار , لَا تُعْطُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ فَيُفْسِدُوهَا وَتَبْقَوْا بِلَا شَيْء . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج عَنْ مُجَاهِد قَالَ : هُمْ النِّسَاء . قَالَ النَّحَّاس وَغَيْره : وَهَذَا الْقَوْل لَا يَصِحّ ; إِنَّمَا تَقُول الْعَرَب فِي النِّسَاء سَفَائِه أَوْ سَفِيهَات ; لِأَنَّهُ الْأَكْثَر فِي جَمْع فَعِيلَة . وَيُقَال : لَا تَدْفَع مَالَك مُضَارَبَةً وَلَا إِلَى وَكِيل لَا يُحْسِن التِّجَارَة . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فَلَا يَتَّجِرْ فِي سُوقِنَا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ " يَعْنِي الْجُهَّال بِالْأَحْكَامِ . وَيُقَال : لَا تَدْفَع إِلَى الْكُفَّار ; وَلِهَذَا كَرِهَ الْعُلَمَاء أَنْ يُوَكِّل الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْع , أَوْ يَدْفَع إِلَيْهِ مُضَارَبَة . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( السُّفَهَاء هُنَا كُلّ مَنْ يَسْتَحِقّ الْحَجْر ) . وَهَذَا جَامِع . وَقَالَ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : وَأَمَّا الْحَجْر عَلَى السَّفِيه فَالسَّفِيه لَهُ أَحْوَال : حَال يُحْجَر عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ , وَحَالَة لِعَدَمِ عَقْله بِجُنُونٍ أَوْ غَيْره , وَحَالَة لِسُوءِ نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي مَاله . فَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ أَلَّا يُحْجَر عَلَيْهِ لِسُرْعَةِ زَوَالِ مَا بِهِ . وَالْحَجْر يَكُون مَرَّة فِي حَقّ الْإِنْسَان وَمَرَّة فِي حَقّ غَيْره ; فَأَمَّا الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي حَقّ نَفْسه مَنْ ذَكَرْنَا . وَالْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي حَقّ غَيْره الْعَبْد وَالْمِدْيَان وَالْمَرِيض فِي الثُّلُثَيْنِ , وَالْمُفْلِس وَذَات الزَّوْج لِحَقِّ الزَّوْج , وَالْبِكْر فِي حَقّ نَفْسهَا . فَأَمَّا الصَّغِير وَالْمَجْنُون فَلَا خِلَاف فِي الْحَجْر عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا الْكَبِير فَلِأَنَّهُ لَا يُحْسِن النَّظَر لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ , وَلَا يُؤْمَن مِنْهُ إِتْلَاف مَاله فِي غَيْر وَجْه , فَأَشْبَهَ الصَّبِيّ ; وَفِيهِ خِلَاف يَأْتِي . وَلَا فَرْق بَيْنَ أَنْ يُتْلِف مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي أَوْ الْقُرَب وَالْمُبَاحَات . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا إِذَا أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْقُرَب ; فَمِنْهُمْ مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْجُر عَلَيْهِ . وَالْعَبْد لَا خِلَافَ فِيهِ . وَالْمِدْيَان يُنْزَع مَا بِيَدِهِ لِغُرَمَائِهِ ; لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة , وَفِعْل عُمَر ذَلِكَ بِأُسَيْفِع جُهَيْنَة ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ . وَالْبِكْر مَا دَامَتْ فِي الْخِدْر مَحْجُور عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُحْسِن النَّظَر لِنَفْسِهَا . حَتَّى إِذَا تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ إِلَيْهَا النَّاس , وَخَرَجَتْ وَبَرَزَ وَجْهُهَا عَرَفَتْ الْمَضَارَّ مِنْ الْمَنَافِع . وَأَمَّا ذَاتُ الزَّوْج فَلِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَجُوز لِامْرَأَةٍ مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا قَضَاء فِي مَالهَا إِلَّا فِي ثُلُثهَا ) . قُلْت : وَأَمَّا الْجَاهِل بِالْأَحْكَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْر مَحْجُور عَلَيْهِ لِتَنْمِيَتِهِ لِمَالِهِ وَعَدَم تَدْبِيره , فَلَا يُدْفَع إِلَيْهِ الْمَال ; لِجَهْلِهِ بِفَاسِدِ الْبِيَاعَات وَصَحِيحهَا وَمَا يَحِلّ وَمَا يَحْرُم مِنْهَا . وَكَذَلِكَ الذِّمِّيّ مِثْله فِي الْجَهْل بِالْبِيَاعَاتِ وَلِمَا يُخَاف مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِالرِّبَا وَغَيْره . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْه إِضَافَة الْمَال إِلَى الْمُخَاطَبِينَ عَلَى هَذَا , وَهِيَ لِلسُّفَهَاءِ ; فَقِيلَ : أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا بِأَيْدِيهِمْ وَهُمْ النَّاظِرُونَ فِيهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ اِتِّسَاعًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ " [ النُّور : 61 ] وَقَوْله " فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 54 ] . وَقِيلَ : أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْس أَمْوَالهمْ ; فَإِنَّ الْأَمْوَال جُعِلَتْ مُشْتَرَكَة بَيْنَ الْخَلْق تَنْتَقِل مِنْ يَد إِلَى يَد , وَمِنْ مِلْك إِلَى مِلْك , أَيْ هِيَ لَهُمْ إِذَا احْتَاجُوهَا كَأَمْوَالِكُمْ الَّتِي تَقِي أَعْرَاضَكُمْ وَتَصُونُكُمْ وَتُعَظِّم أَقْدَارَكُمْ , وَبِهَا قِوَام أَمْركُمْ . وَقَوْل ثَانٍ قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة : ( أَنَّ الْمُرَاد أَمْوَال الْمُخَاطَبِينَ حَقِيقَة ) . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا تَدْفَع مَالَك الَّذِي هُوَ سَبَب مَعِيشَتك إِلَى اِمْرَأَتك وَابْنك وَتَبْقَى فَقِيرًا تَنْظُر إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ ; بَلْ كُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِق عَلَيْهِمْ ) . فَالسُّفَهَاء عَلَى هَذَا هُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان ; صِغَار وَلَد الرَّجُل وَامْرَأَته . وَهَذَا يُخَرَّج مَعَ قَوْل مُجَاهِد وَأَبِي مَالِك فِي السُّفَهَاء . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى جَوَاز الْحَجْر عَلَى السَّفِيهِ ; لِأَمْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ فِي قَوْله : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ " وَقَالَ " فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا " [ الْبَقَرَة : 282 ] . فَأَثْبَتَ الْوِلَايَة عَلَى السَّفِيه كَمَا أَثْبَتَهَا عَلَى الضَّعِيف . وَكَانَ مَعْنَى الضَّعِيف رَاجِعًا إِلَى الصَّغِير , وَمَعْنَى السَّفِيه إِلَى الْكَبِير الْبَالِغ ; لِأَنَّ السَّفَه اِسْم ذَمّ وَلَا يُذَمُّ الْإِنْسَان عَلَى مَا لَمْ يَكْتَسِبْهُ , وَالْقَلَم مَرْفُوع عَنْ غَيْر الْبَالِغ , فَالذَّمّ وَالْحَرَج مَنْفِيَّانِ عَنْهُ ; قَالَهُ الْخَطَّابِيّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَفْعَال السَّفِيه قَبْل الْحَجْر عَلَيْهِ ; فَقَالَ مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه غَيْر اِبْن الْقَاسِم : إِنَّ فِعْلَ السَّفِيه وَأَمْرَهُ كُلّه جَائِز حَتَّى يَضْرِب الْإِمَام عَلَى يَده . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي يُوسُف . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : أَفْعَالُهُ غَيْر جَائِزَة وَإِنْ لَمْ يَضْرِب عَلَيْهِ الْإِمَام . وَقَالَ أَصْبَغ : إِنْ كَانَ ظَاهِرَ السَّفَه فَأَفْعَالُهُ مَرْدُودَةٌ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِر السَّفَه فَلَا تُرَدّ أَفْعَاله حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْإِمَام . وَاحْتَجَّ سَحْنُون لِقَوْلِ مَالِكٍ بِأَنْ قَالَ : لَوْ كَانَتْ أَفْعَال السَّفِيه مَرْدُودَة قَبْل الْحَجْر مَا اِحْتَاجَ السُّلْطَان أَنْ يَحْجُرَ عَلَى أَحَد . وَحُجَّة اِبْن الْقَاسِم مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث جَابِر أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَيْسَ لَهُ مَال غَيْره فَرَدَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَر عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَجْر عَلَى الْكَبِير ; فَقَالَ مَالِك وَجُمْهُور الْفُقَهَاء : يُحْجَر عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُحْجَر عَلَى مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا إِلَّا أَنْ يَكُون مُفْسِدًا لِمَالِهِ ; فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مُنِعَ مِنْ تَسْلِيم الْمَال إِلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَة , فَإِذَا بَلَغَهَا سُلِّمَ إِلَيْهِ بِكُلِّ حَال , سَوَاء كَانَ مُفْسِدًا أَوْ غَيْر مُفْسِد ; لِأَنَّهُ يَحْبَل مِنْهُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة , ثُمَّ يُولَد لَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُر فَيَصِير جَدًّا وَأَبًا , وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَحْجُر عَلَى مَنْ يَصْلُح أَنْ يَكُون جَدًّا . وَقِيلَ عَنْهُ : إِنْ فِي مُدَّة الْمَنْع مِنْ الْمَال إِذَا بَلَغَ مُفْسِدًا يَنْفُذ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْإِطْلَاق , وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ تَسْلِيم الْمَال اِحْتِيَاطًا . وَهَذَا كُلّه ضَعِيف فِي النَّظَر وَالْأَثَر . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الصَّوَّاف أَخْبَرَنَا حَامِد بْن شُعَيْب أَخْبَرَنَا شُرَيْح بْن يُونُس أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم - هُوَ أَبُو يُوسُف الْقَاضِي - أَخْبَرَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَتَى الزُّبَيْر فَقَالَ : إِنِّي اِشْتَرَيْت بَيْع كَذَا وَكَذَا , وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيد أَنْ يَأْتِيَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْأَلَهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ فِيهِ . فَقَالَ الزُّبَيْر : أَنَا شَرِيكُك فِي الْبَيْع . فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَقَالَ : إِنَّ اِبْن جَعْفَر اِشْتَرَى بَيْع كَذَا وَكَذَا فَاحْجُرْ عَلَيْهِ . فَقَالَ الزُّبَيْر : فَأَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْع . فَقَالَ عُثْمَان : كَيْفَ أَحْجُر عَلَى رَجُل فِي بَيْع شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْر ؟ قَالَ يَعْقُوب : أَنَا آخُذ بِالْحَجْرِ وَأَرَاهُ , وَأَحْجُر وَأُبْطِلُ بَيْع الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَشِرَاءَهُ , وَإِذَا اِشْتَرَى أَوْ بَاعَ قَبْل الْحَجْر أَجَزْت بَيْعه . قَالَ يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم : وَإِنَّ أَبَا حَنِيفَة لَا يَحْجُر وَلَا يَأْخُذ بِالْحَجْرِ . فَقَوْل عُثْمَان : كَيْفَ أَحْجُر عَلَى رَجُل , دَلِيل عَلَى جَوَاز الْحَجْر عَلَى الْكَبِير ; فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَة , وَهُوَ أَوَّل مَوْلُود وُلِدَ فِي الْإِسْلَام بِهَا , وَقَدِمَ مَعَ أَبِيهِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام خَيْبَر فَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ . وَكَانَتْ خَيْبَر سَنَة خَمْس مِنْ الْهِجْرَة . وَهَذَا يَرُدّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة قَوْله . وَسَتَأْتِي حُجَّتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . أَيْ لِمَعَاشِكُمْ وَصَلَاح دِينكُمْ . وَفِي " الَّتِي " ثَلَاث لُغَات : الَّتِي وَاللَّتِ بِكَسْرِ التَّاء وَاللَّتْ بِإِسْكَانِهَا . وَفِي تَثْنِيَتِهَا أَيْضًا ثَلَاث لُغَات : اللَّتَانِ وَاللَّتَا بِحَذْفِ النُّون وَاللَّتَانِّ بِشَدِّ النُّون . وَأَمَّا الْجَمْع فَتَأْتِي لُغَاته فِي مَوْضِعه مِنْ هَذِهِ السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالْقِيَام وَالْقِوَام : مَا يُقِيمُك بِمَعْنًى . يُقَال : فُلَان قِيَام أَهْله وَقِوَام بَيْته , وَهُوَ الَّذِي يُقِيم شَأْنه , أَيْ يُصْلِحُهُ . وَلَمَّا اِنْكَسَرَتْ الْقَاف مِنْ قِوَام أَبْدَلُوا الْوَاو يَاء . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة " قِيَمًا " بِغَيْرِ أَلِفٍ . قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاء : قِيَمًا وَقِوَامًا بِمَعْنَى قِيَامًا , وَانْتَصَبَ عِنْدهمَا عَلَى الْمَصْدَر . أَيْ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمْ الَّتِي تَصْلُح بِهَا أُمُورُكُمْ فَيَقُومُوا بِهَا قِيَامًا . وَقَالَ الْأَخْفَش : الْمَعْنَى قَائِمَة بِأُمُورِكُمْ . يَذْهَب إِلَى أَنَّهَا جَمْع . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : قِيَمًا جَمْع قِيمَة ; كَدِيمَةٍ وَدِيَم , أَيْ جَعَلَهَا اللَّه قِيمَة لِلْأَشْيَاءِ . وَخَطَّأَ أَبُو عَلِيّ هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : هِيَ مَصْدَر كَقِيَامٍ وَقِوَام وَأَصْلهَا قِوَم , وَلَكِنْ شَذَّتْ فِي الرَّدّ إِلَى الْيَاء كَمَا شَذَّ قَوْلهمْ : جِيَاد فِي جَمْع جَوَاد وَنَحْوه . وَقِوَمًا وَقِوَامًا وَقِيَامًا مَعْنَاهَا ثَبَاتًا فِي صَلَاح الْحَال وَدَوَامًا فِي ذَلِكَ . وَقَرَأَ الْحَسَن وَالنَّخَعِيّ " اللَّاتِي " جَعَلَ عَلَى جَمْع الَّتِي , وَقِرَاءَة الْعَامَّة " الَّتِي " عَلَى لَفْظ الْجَمَاعَة . قَالَ الْفَرَّاء : الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب " النِّسَاء اللَّوَاتِي , وَالْأَمْوَال الَّتِي " وَكَذَلِكَ غَيْر الْأَمْوَال ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس : قِيلَ : مَعْنَاهُ اِجْعَلُوا لَهُمْ فِيهَا أَوْ اِفْرِضُوا لَهُمْ فِيهَا . وَهَذَا فِيمَنْ يَلْزَم الرَّجُل نَفَقَته وَكِسْوَته مِنْ زَوْجَته وَبَنِيهِ الْأَصَاغِر . فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوب نَفَقَة الْوَلَد عَلَى الْوَالِد وَالزَّوْجَة عَلَى زَوْجهَا . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْضَل الصَّدَقَة مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَد الْعُلْيَا خَيْر مِنْ الْيَد السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول تَقُول الْمَرْأَة : إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقنِي وَيَقُول الْعَبْد أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُول الِابْن أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ) ؟ فَقَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَة , سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا , هَذَا مِنْ كِيس أَبِي هُرَيْرَة ! . قَالَ الْمُهَلَّب : النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَالْعِيَال وَاجِبَة بِإِجْمَاعٍ ; وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة فِي ذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاخْتَلَفُوا فِي نَفَقَة مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَبْنَاء وَلَا مَال لَهُ وَلَا كَسْب ; فَقَالَتْ طَائِفَة : عَلَى الْأَب أَنْ يُنْفِق عَلَى وَلَده الذُّكُور حَتَّى يَحْتَلِمُوا , وَعَلَى النِّسَاء حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ وَيُدْخَل بِهِنَّ . فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْد الْبِنَاء أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَة لَهَا عَلَى أَبِيهَا . وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الْبِنَاء فَهِيَ عَلَى نَفَقَتهَا . وَلَا نَفَقَة لِوَلَدِ الْوَلَد عَلَى الْجَدّ ; هَذَا قَوْل مَالِك . وَقَالَتْ طَائِفَة : يُنْفِق عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغُوا الْحُلُم وَالْمَحِيض . ثُمَّ لَا نَفَقَة عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا زَمْنَى , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ الذُّكُور وَالْإِنَاث مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَال , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ وَلَده أَوْ وَلَد وَلَده وَإِنْ سَفَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَب دُونه يَقْدِر عَلَى النَّفَقَة عَلَيْهِمْ ; هَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ . وَأَوْجَبَتْ طَائِفَة النَّفَقَة لِجَمِيعِ الْأَطْفَال وَالْبَالِغِينَ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَال يَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ نَفَقَة الْوَالِد ; عَلَى ظَاهِر قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِهِنْد : ( خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( يَقُول الِابْن أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ؟ ) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُول ذَلِكَ مَنْ لَا طَاقَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْب وَالتَّحَرُّف . وَمَنْ بَلَغَ سِنَّ الْحُلُم فَلَا يَقُول ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ السَّعْي عَلَى نَفْسه وَالْكَسْب لَهَا , بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح " [ النِّسَاء : 6 ] الْآيَة . فَجَعَلَ بُلُوغَ النِّكَاح حَدًّا فِي ذَلِكَ . وَفِي قَوْله : ( تَقُول الْمَرْأَة إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ) يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا يُفَرَّق بِالْإِعْسَارِ وَيَلْزَم الْمَرْأَةَ الصَّبْرُ ; وَتَتَعَلَّق النَّفَقَة بِذِمَّتِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِم . هَذَا قَوْل عَطَاء وَالزُّهْرِيّ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ " [ الْبَقَرَة : 280 ] . قَالُوا : فَوَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَنْ يُوسِرَ . وَقَوْله تَعَالَى : " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] الْآيَة . قَالُوا : فَنَدَبَ تَعَالَى إِلَى إِنْكَاحِ الْفَقِيرِ ; فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَقْر سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ مَنْعه إِلَى النِّكَاح . وَلَا حُجَّة لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهَا . وَالْحَدِيث نَصٌّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِوَلِيِّ الْيَتِيم لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَاله الَّذِي لَهُ تَحْت نَظَرِهِ ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَاف فِي إِضَافَة الْمَال . فَالْوَصِيّ يُنْفِق عَلَى الْيَتِيم عَلَى قَدْر مَاله وَحَاله ; فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَمَاله كَثِير اِتَّخَذَ لَهُ ظِئْرًا وَحَوَاضِنَ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَة . وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا قَدَّرَ لَهُ نَاعِمَ اللِّبَاس وَشَهِيَّ الطَّعَام وَالْخَدَم . وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَبِحَسَبِهِ . وَإِنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَخَشَّنَ الطَّعَامَ وَاللِّبَاسَ قَدْرَ الْحَاجَة . فَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ فَقِيرًا لَا مَال لَهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَام الْقِيَامُ بِهِ مِنْ بَيْت الْمَال ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَل الْإِمَام وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخَصّ بِهِ فَالْأَخَصّ . وَأُمُّهُ أَخَصُّ بِهِ فَيَجِب عَلَيْهَا إِرْضَاعه وَالْقِيَام بِهِ . وَلَا تَرْجِع عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَد . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة عِنْد قَوْله : " وَالْوَالِدَات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ " [ الْبَقَرَة : 233 ] . أَرَادَ تَلْيِينَ الْخِطَاب وَالْوَعْدَ الْجَمِيلَ . وَاخْتُلِفَ فِي الْقَوْل الْمَعْرُوف ; فَقِيلَ : مَعْنَاهُ اُدْعُوا لَهُمْ : بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ , وَحَاطَكُمْ وَصَنَعَ لَكُمْ , وَأَنَا نَاظِر لَك , وَهَذَا الِاحْتِيَاط يَرْجِع نَفْعُهُ إِلَيْك . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَعِدُوهُمْ وَعْدًا حَسَنًا ; أَيْ إِنْ رَشَّدْتُمْ دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ . وَيَقُول الْأَب لِابْنِهِ : مَالِي إِلَيْك مَصِيرُهُ , وَأَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّه صَاحِبُهُ إِذَا مَلَكْت رُشْدَك وَعَرَفْت تَصَرُّفَك .

غريب الآية
وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَ ٰ⁠لَكُمُ ٱلَّتِی جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِیَـٰمࣰا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِیهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا ﴿٥﴾
ٱلسُّفَهَاۤءَالمضَيِّعين لما لِهم بسوءِ تَدْبيرِهم.
قِیَـٰمࣰاقِوامَكم في مَعايِشكم.
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُؤْتُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(السُّفَهَاءَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَمْوَالَكُمُ)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(الَّتِي)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(جَعَلَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قِيَامًا)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "هَا" أَيْ: "جَعَلَهَا اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا".
(وَارْزُقُوهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ارْزُقُو) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِيهَا)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَاكْسُوهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اكْسُو) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(وَقُولُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قُولُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لَهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قَوْلًا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَعْرُوفًا)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.