صفحات الموقع

سورة النساء الآية ٣٦

سورة النساء الآية ٣٦

۞ وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا ﴿٣٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له, وهو الدخول تحت رق عبوديته, والانقياد لأوامره ونواهيه, محبة, وذلا, وإخلاصا له, في جميع العبادات الظاهرةالباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا, لا شركا أصغر, ولا أكبر, لا ملكا, ولا نبيا, ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين, الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا, ولا موتا ولا حياة, ولا نشورا. بل الواجب المتعين, إخلاص العبادة, لمن له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, وله التدبير الكامل, الذي لا يشركه, ولا يعينه عليه أحد. ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه, أمر بالقيام بحقوق العباد, الأقرب, فالأقرب. فقال: " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم, والخطاب اللطيف, والفعل الجميل, بطاعة أمرهما, واجتناب نهيهما, والإنفاق عليهما, وإكرام من له تعلق بهما, وصلة الرحم, التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان, الإساءة, وعدم الإحسان. وكلاهما منهي عنه. " وَبِذِي الْقُرْبَى " أيضا إحسانا, ويشمل ذلك جميع الأقارب, قربوا, أو بعدوا, بأن يحسن إليهم, بالقول, والفعل, وأن لا يقطع رحمه, بقوله أو فعله. " وَالْيَتَامَى " أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار, فلهم حق على المسلمين, سواء كانوا أقارب أو غيرهم, بكفالتهم, وبرهم, وجبر خواطرهم, وتأديبهم, وتربيتهم أحسن تربية, في مصالح دينهم ودنياهم. " وَالْمَسَاكِينِ " وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر, فلم يحصلوا على كفايتهم, ولا كفاية من يمونون. فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم, بسد خلتهم, وبدفع فاقتهم, والحض على ذلك, والقيام بما يمكن منه. " وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى " أي: الجار القريب, الذي له حقان, حق الجوار, وحق القرابة, فله على جاره حق, وإحسان, راجع إلى العرف. وكذلك " وَالْجَارِ الْجُنُبِ " أي: الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب بابا, كان آكد حقا. فينبغي للجار, أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة, والدعوة, واللطافة بالأقوال والأفعال, وعدم أذيته, بقول أو فعل. " وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ " قيل: الرفيق في السفر, وقيل: الزوجة, وقيل الصاحب مطلقا, ولعله أولى, فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر, ويشمل الزوجة. فعلى الصاحب لصاحبه, حق زائد على مجرد إسلامه, من مساعدته على أمور دينه ودنياه, والنصح له, والوفاء معه, في اليسر والعسر, والمنشط والمكره, وأن يحب له, ما يحب لنفسه, ويكره له, ما يكره لنفسه, وكلما زادت الصحبة, تأكد الحق, وزاد. " وَابْنَ السَّبِيلِ " : هو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة, أو لم يحتج, فله حق على المسلمين, لشدة حاجته, وكونه في غير وطنه, بتبليغه إلى مقصوده, أو بعض مقصوده, وبإكرامه, وتأنيسه. " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " أي: من الآدميين والبهائم, بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم, ما يشق عليهم وإعانتهم على ما تحملوه, وتأديبهم لما فيه مصلحتهم. فمن قام بهذه المأمورات, فهو الخاضع لربه, المتواضع لعباد الله, المنقاد لأمر الله وشرعه, الذي يستحق الثواب الجزيل, والثناء الجميل. ومن لم يقم بذلك, فإنه عبد معرض عن ربه, غير منقاد لأوامره, ولا متواضع للخلق. بل هو متكبر على عباد الله, معجب بنفسه, فخور بقوله, ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا " أي: معجبا بنفسه, متكبرا على الخلق. " فَخُورًا " يثني على نفسه ويمدحها, على وجه الفخر والبطر, على عباد الله. فهؤلاء, ما بهم من الاختيال والفخر, يمنعهم من القيام بالحقوق.

التفسير الميسر

واعبدوا الله وانقادوا له وحده، ولا تجعلوا له شريكًا في الربوبية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما، وحقوق الأقربين، واليتامى والمحتاجين، والجار القريب منكم والبعيد، والرفيق في السفر وفي الحضر، والمسافر المحتاج، والمماليك من فتيانكم وفتياتكم. إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس.

تفسير الجلالين

"وَاعْبُدُوا اللَّه" وَحِّدُوهُ "وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا" أَحْسِنُوا "وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا" بَرًّا وَلِين جَانِب "وَبِذِي الْقُرْبَى" الْقَرَابَة "وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى" الْقَرِيب مِنْك فِي الْجِوَار أَوْ النَّسَب "وَالْجَار الْجُنُب" الْبَعِيد عَنْك فِي الْجِوَار أَوْ النَّسَب "وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ" الرَّفِيق فِي السَّفَر أَوْ صِنَاعَة وَقِيلَ الزَّوْجَة "وَابْن السَّبِيل" الْمُنْقَطِع فِي سَفَره "وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ" مِنْ الْأَرِقَّاء "إنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا" مُتَكَبِّرًا "فَخُورًا" عَلَى النَّاس بِمَا أُوتِيَ

تفسير ابن كثير

يَأْمُر تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فَإِنَّهُ هُوَ الْخَالِق الرَّازِق الْمُنْعِم الْمُتَفَضِّل عَلَى خَلْقه فِي جَمِيع الْآنَات وَالْحَالَات فَهُوَ الْمُسْتَحِقّ مِنْهُمْ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاته كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْن جَبَل " أَتَدْرِي مَا حَقّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد ؟ " قَالَ اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ " أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ أَتَدْرِي مَا حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ أَنْ لَا يُعَذِّبهُمْ " ثُمَّ أَوْصَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِخُرُوجِك مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود , وَكَثِيرًا مَا يَقْرِن اللَّه سُبْحَانه بَيْن عِبَادَته وَالْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدَيْنِ كَقَوْلِهِ " أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك " وَكَقَوْلِهِ " وَقَضَى رَبّك أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا الْإِحْسَان إِلَى الْقَرَابَات مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث " الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة وَعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وَصِلَة " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَالْيَتَامَى " وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا مَنْ يَقُوم بِمَصَالِحِهِمْ وَمَنْ يُنْفِق عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ اللَّه بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْحُنُوّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ " وَالْمَسَاكِين " وَهُمْ الْمَحَاوِيج مِنْ ذَوِي الْحَاجَات الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَنْ يَقُوم بِكِفَايَتِهِمْ فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمّ بِهِ كِفَايَتهمْ وَتَزُول بِهِ ضَرُورَتهمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى الْفَقِير وَالْمِسْكِين فِي سُورَة بَرَاءَة وَقَوْله وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجُنُب " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى يَعْنِي الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه قَرَابَة وَالْجَار الْجُنُب الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَيْنه قَرَابَة وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَمَيْمُون بْن مِهْرَان وَالضَّحَّاك وَزَيْد بْن أَسْلَم وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَتَادَة وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَنْ نَوْف الْبِكَالِيّ فِي قَوْله " وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى " يَعْنِي الْجَار الْمُسْلِم وَالْجَار الْجُنُب " يَعْنِي الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى يَعْنِي الْمَرْأَة وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا فِي قَوْله " وَالْجَار الْجُنُب يَعْنِي الرَّفِيق فِي السَّفَر وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيث بِالْوَصَايَا بِالْجَارِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ وَاللَّهِ الْمُسْتَعَان ." الْحَدِيث الْأَوَّل " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد بْن زَيْد أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بِهِ . " الْحَدِيث الثَّانِي " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ دَاوُد بْن شَابُور عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ " . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ نَحْوه مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ بَشِير أَبِي إِسْمَاعِيل زَادَ التِّرْمِذِيّ وَدَاوُد بْن شَابُور كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِد بِهِ ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعَائِشَة وَأَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْحَدِيث الثَّالِث " قَالَ أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَزِيد أَخْبَرَنَا حَيْوَة أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيل بْن شَرِيك أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن الْجِيلِيّ يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ" خَيْر الْأَصْحَاب عِنْد اللَّه خَيْرهمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْر الْجِيرَان عِنْد اللَّه خَيْرهمْ لِجَارِهِ " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ حَيْوَة بْن شُرَيْح بِهِ وَقَالَ حَسَن غَرِيب . " الْحَدِيث الرَّابِع " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَة بْن رِفَاعَة عَنْ عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَشْبَع الرَّجُل دُون جَاره " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد . " الْحَدِيث الْخَامِس " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْل بْن غَزْوَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ سَمِعْت أَبَا ظَبْيَة الْكَلَاعِيّ سَمِعْت الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد يَقُول قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ " مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا " قَالُوا حَرَام حَرَّمَهُ اللَّه وَرَسُوله وَهُوَ حَرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَأَنْ يَزْنِي الرَّجُل بِعَشْرَةِ نِسْوَة أَيْسَر عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَاره " قَالَ " مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَة " قَالُوا حَرَّمَهَا اللَّه وَرَسُوله فَهِيَ حَرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ " لَأَنْ يَسْرِق الرَّجُل مِنْ عَشَرَة أَبْيَات أَيْسَر عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِق مِنْ جَاره " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد وَلَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَيّ الذَّنْب أَعْظَم ؟ قَالَ " أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك " قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تَقْتُل وَلَدك خَشْيَة أَنْ يَطْعَم مَعَك " قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك " . " الْحَدِيث السَّادِس " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَزِيد حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ حَفْصَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار قَالَ : خَرَجْت مِنْ أَهْلِي أُرِيد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا بِهِ قَائِم وَرَجُل مَعَهُ مُقْبِل عَلَيْهِ فَظَنَنْت أَنَّ لَهُمَا حَاجَة قَالَ الْأَنْصَارِيّ لَقَدْ قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَعَلْت أَنْثَنِي لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُول الْقِيَام فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ قَامَ بِك هَذَا الرَّجُل حَتَّى جَعَلْت أَرْثِي لَك مِنْ طُول الْقِيَام قَالَ " وَقَدْ رَأَيْته " قُلْت نَعَمْ قَالَ " أَتَدْرِي مَنْ هُوَ ؟ " قُلْت لَا قَالَ " ذَاكَ جِبْرِيل مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ " ثُمَّ قَالَ " أَمَا إِنَّك لَوْ سَلَّمْت عَلَيْهِ لَرَدَّ عَلَيْك السَّلَام" . " الْحَدِيث السَّابِع " قَالَ عَبْد بْن حُمَيْد فِي مُسْنَده حَدَّثَنَا يَعْلَى بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا اِبْن بَكْر يَعْنِي الْمَدَنِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْعَوَالِي وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يُصَلِّيَانِ حَيْثُ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِز فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ الرَّجُل يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَذَا الرَّجُل الَّذِي رَأَيْت يُصَلِّي مَعَك ؟ قَالَ " وَقَدْ رَأَيْته ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " لَقَدْ رَأَيْت خَيْرًا كَثِيرًا هَذَا جِبْرِيل مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى رَأَيْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ " تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهُوَ شَاهِد لِلَّذِي قَبْله ." الْحَدِيث الثَّامِن " وَقَالَ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد أَبُو الرَّبِيع الْمُحَارِبِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي فُدَيْك أَخْبَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن الْفَضْل عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْجِيرَان ثَلَاثَة جَار لَهُ حَقّ وَاحِد وَهُوَ أَدْنَى الْجِيرَان حَقًّا وَجَار لَهُ حَقَّانِ وَجَار لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق وَهُوَ أَفْضَل الْجِيرَان حَقًّا . فَأَمَّا الْجَار الَّذِي لَهُ حَقّ وَاحِد فَجَار مُشْرِك لَا رَحِم لَهُ لَهُ حَقّ الْجِوَار. وَأَمَّا الْجَار الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَجَار مُسْلِم لَهُ حَقّ الْإِسْلَام وَحَقّ الْجِوَار . وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق فَجَار مُسْلِم ذُو رَحِم لَهُ حَقّ الْجِوَار وَحَقّ الْإِسْلَام وَحَقّ الرَّحِم " قَالَ الْبَزَّار لَا نَعْلَم أَحَدًا رَوَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْفَضْل إِلَّا اِبْن أَبِي فُدَيْك . " الْحَدِيث التَّاسِع " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي عِمْرَان عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيّهمَا أُهْدِي ؟ قَالَ " إِلَى أَقْرَبهَا مِنْك بَابًا " وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة بِهِ . " الْحَدِيث الْعَاشِر " رَوَى الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نُعَيْم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن فَزَادَ قَالَ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاس يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ فَقَالَ " مَا يَحْمِلكُمْ عَلَى ذَلِكَ " قَالُوا حُبّ اللَّه وَرَسُوله قَالَ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله فَلْيَصْدُقْ الْحَدِيث إِذَا حَدَّثَ وَلْيُؤَدِّ الْأَمَانَة إِذَا اُؤْتُمِنَ " " الْحَدِيث الْحَادِيَ عَشَرَ " قَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ أَوَّل خَصْمَيْنِ يَوْم الْقِيَامَة جَارَانِ" الْحَدِيث وَقَوْله تَعَالَى " وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ " قَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود قَالَا : هِيَ الْمَرْأَة . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرُوِيَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر فِي إِحْدَى الرِّوَايَات نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة : هُوَ الضَّعِيف وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة هُوَ الرَّفِيق فِي السَّفَر وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر هُوَ الرَّفِيق الصَّالِح وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم هُوَ جَلِيسك فِي الْحَضَر وَرَفِيقك فِي السَّفَر . وَأَمَّا اِبْن السَّبِيل فَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة هُوَ الضَّيْف وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو جَعْفَر الْبَاقِر وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل هُوَ الَّذِي يَمُرّ عَلَيْك مُجْتَازًا فِي السَّفَر وَهَذَا أَظْهَر وَإِنْ كَانَ مُرَاد الْقَائِل بِالضَّيْفِ الْمَارّ فِي الطَّرِيق فَهُمَا سَوَاء وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى أَبْنَاء السَّبِيل فِي سُورَة بَرَاءَة وَبِاَللَّهِ الثِّقَة وَعَلَيْهِ التُّكْلَان . وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " وَصِيَّة بِالْأَرِقَّاءِ لِأَنَّ الرَّقِيق ضَعِيف الْحِيلَة أَسِير فِي أَيْدِي النَّاس فَلِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يُوصِي أُمَّته فِي مَرَض الْمَوْت يَقُول " الصَّلَاة الصَّلَاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " فَجَعَلَ يُرَدِّدهَا حَتَّى مَا يُفِيض بِهَا لِسَانه وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن أَبِي الْعَبَّاس حَدَّثَنَا بَقِيَّة حَدَّثَنَا جُبَيْر بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِبَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا أَطْعَمْت نَفْسك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أَطْعَمْت وَلَدك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أَطْعَمْت زَوْجَتك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أَطْعَمْت خَادِمك فَهُوَ لَك صَدَقَهُ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث بَقِيَّة وَإِسْنَاده صَحِيح وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ لِقَهْرَمَانٍ لَهُ هَلْ أَعْطَيْت الرَّقِيق قُوتهمْ ؟ قَالَ لَا : قَالَ فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " كَفَى الْمَرْء إِثْمًا أَنْ يَحْبِس عَمَّنْ يَمْلِك قُوتهمْ " رَوَاهُ مُسْلِم وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا يُطِيق " . رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِذَا أَتَى أَحَدكُمْ خَادِمه بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرّه وَعِلَاجه " أَخْرَجَاهُ وَلَفْظه لِلْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ " فَلِيُقْعِدهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْنِ " وَعَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " هُمْ إِخْوَانكُمْ خَوَلكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْت يَده فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل وَيُلْبِسهُ مِمَّا يَلْبَس وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ " أَخْرَجَاهُ . وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أَيْ مُخْتَالًا فِي نَفْسه مُعْجَبًا مُتَكَبِّرًا فَخُورًا " عَلَى النَّاس يَرَى أَنَّهُ خَيْر مِنْهُمْ فَهُوَ فِي نَفْسه كَبِير وَهُوَ عِنْد اللَّه حَقِير وَعِنْد النَّاس بَغِيض قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا يَعْنِي مُتَكَبِّرًا فَخُورًا يَعْنِي بَعْد مَا أُعْطِيَ وَهُوَ لَا يَشْكُر اللَّه تَعَالَى يَعْنِي يَفْخَر عَلَى النَّاس بِمَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ نِعَمه وَهُوَ قَلِيل الشُّكْر عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَاقِد عَنْ أَبِي رَجَاء الْهَرَوِيّ قَالَ : لَا تَجِد سَيِّئ الْمَلَكَة إِلَّا وَجَدْته مُخْتَالًا فَخُورًا وَتَلَا وَمَا مَلَكَت أَيْمَانكُمْ الْآيَة وَلَا عَاقًّا إِلَّا وَجَدْته جَبَّارًا شَقِيًّا وَتَلَا " وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا " وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الْعَوَّام بْن حَوْشَب مِثْله فِي الْمُخْتَال الْفَخُور وَقَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم عَنْ الْأَسْوَد بْن شَيْبَان حَدَّثَنَا يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير قَالَ : قَالَ مُطَرِّف كَانَ يَبْلُغنِي عَنْ أَبِي ذَرّ حَدِيث كُنْت أَشْتَهِي لِقَاءَهُ فَلَقِيته فَقُلْت يَا أَبَا ذَرّ بَلَغَنِي أَنَّك تَزْعُم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ اللَّه يُحِبّ ثَلَاثَة وَيُبْغِض ثَلَاثَة قَالَ : أَجَلْ فَلَا إِخَالُك أَكْذِب عَلَى خَلِيلِي ثَلَاثًا ؟ قُلْت مَنْ الثَّلَاثَة الَّذِينَ يُبْغِض اللَّه ؟ قَالَ الْمُخْتَال الْفَخُور أَوَلَيْسَ تَجِدُونَهُ عِنْدكُمْ فِي كِتَاب اللَّه الْمُنَزَّل ثُمَّ قَرَأَ الْآيَة إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا وُهَيْب عَنْ خَالِد عَنْ أَبِي تَمِيمَة عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي الْهُجَيْم قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَوْصِنِي قَالَ : " إِيَّاكَ إِسْبَال الْإِزَار فَإِنَّ إِسْبَال الْإِزَار مِنْ الْمَخِيلَة وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمَخِيلَة " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَذِلُّوا لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ , وَاخْضَعُوا لَهُ بِهَا , وَأَفْرِدُوهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَأَخْلِصُوا لَهُ الْخُضُوع وَالذِّلَّة , بِالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْره , وَالِانْزِجَار عَنْ نَهْيه , وَلَا تَحْمِلُوا لَهُ فِي الرُّبُوبِيَّة وَالْعِبَادَة شَرِيكًا تُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمكُمْ إِيَّاهُ . { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } يَقُول : وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا , يَعْنِي بِرًّا بِهِمَا ; وَلِذَلِكَ نَصَبَ الْإِحْسَان , لِأَنَّهُ أَمْر مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِلُزُومِ الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَجْه الْإِغْرَاء . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَاسْتَوْصُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا , وَهُوَ قَرِيب الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ . وَأَمَّا قَوْله : { وَبِذِي الْقُرْبَى } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَمَرَ أَيْضًا بِذِي الْقُرْبَى , وَهُمْ ذَوُو قَرَابَة أَحَدنَا مِنْ قِبَل أَبِيهِ أَوْ أُمّه مِمَّنْ قَرُبَتْ مِنْهُ قَرَابَته بِرَحِمِهِ مِنْ أَحَد الطَّرَفَيْنِ إِحْسَانًا بِصِلَةِ رَحِمه . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْيَتَامَى } فَإِنَّهُمْ جَمْع يَتِيم , وَهُوَ الطِّفْل الَّذِي قَدْ مَاتَ وَالِده وَهَلَكَ . { وَالْمَسَاكِين } وَهُوَ جَمْع مِسْكِين , وَهُوَ الَّذِي قَدْ رَكِبَهُ ذُلّ الْفَاقَة وَالْحَاجَة , فَتَمَسْكَنَ لِذَلِكَ . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اِسْتَوْصُوا بِهَؤُلَاءِ إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ , وَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ , وَالْزَمُوا وَصِيَّتِي فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ وَالْجَار ذِي الْقَرَابَة وَالرَّحِم مِنْك. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7485 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } يَعْنِي : الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه قَرَابَة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } يَعْنِي : ذَا الرَّحِم . 7486 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } قَالَ : جَارك هُوَ ذُو قَرَابَتك . 7487 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } قَالَا : الْقَرَابَة . 7488 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } قَالَ : جَارك الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه قَرَابَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } جَارك ذُو الْقَرَابَة. 7489 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } إِذَا كَانَ لَهُ جَار لَهُ رَحِم , فَلَهُ حَقَّانِ اِثْنَانِ : حَقّ الْقَرَابَة , وَحَقّ الْجَار . 7490 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } قَالَ : الْجَار ذُو الْقُرْبَى : ذُو قَرَابَتك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ جَار ذِي قَرَابَتك. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7491 - حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان , فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } قَالَ : الرَّجُل يَتَوَسَّل إِلَيْك بِجِوَارِ ذِي قَرَابَتك . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل قَوْل مُخَالِف الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ ذُو الْقَرَابَة فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } الْجَار دُون غَيْره , فَجَعَلَهُ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة جَار ذِي الْقَرَابَة , وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَام كَمَا قَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَان لَقِيلَ : وَجَار ذِي الْقُرْبَى , وَلَمْ يَقُلْ : وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى , فَكَانَ يَكُون حِينَئِذٍ - إِذَا أُضِيفَ الْجَار إِلَى ذِي الْقَرَابَة - الْوَصِيَّة بِبِرِّ جَار ذِي الْقَرَابَة دُون الْجَار ذِي الْقُرْبَى . وَأَمَّا وَالْجَار بِالْأَلِفِ وَاللَّام فَغَيْر جَائِز أَنْ يُكْوَى " ذِي الْقُرْبَى " إِلَّا مِنْ صِفَة الْجَار . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ الْوَصِيَّة مِنْ اللَّه فِي قَوْله : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } بِبِرِّ الْجَار ذِي الْقُرْبَى دُون جَار ذِي الْقَرَابَة , وَكَانَ بَيِّنًا خَطَأ مَا قَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَان فِي ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى مِنْكُمْ بِالْإِسْلَامِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7492 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ ; ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف الشَّامِيّ : { وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى } الْمُسْلِم . وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيل كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى غَيْر جَائِز صَرْفه إِلَّا إِلَى الْأَغْلَب مِنْ كَلَام الْعَرَب , الَّذِينَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ الْقُرْآن الْمَعْرُوف فِيهِمْ دُون الْأَنْكَر الَّذِي لَا تَتَعَارَفهُ , إِلَّا أَنْ يَقُوم بِخِلَافِ ذَلِكَ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمُتَعَارَف مِنْ كَلَام الْعَرَب إِذَا قِيلَ فُلَان ذُو قَرَابَة , إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ : إِنَّهُ قَرِيب الرَّحِم مِنْهُ دُون الْقُرْب بِالدِّينِ , كَانَ صَرْفه إِلَى الْقَرَابَة بِالرَّحِمِ أَوْلَى مِنْ صَرْفه إِلَى الْقُرْب بِالدِّينِ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْجَار الْجُنُب } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَالْجَار الْبَعِيد الَّذِي لَا قَرَابَة بَيْنك وَبَيْنه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7493 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْجَار الْجُنُب } الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَيْنه قَرَابَة . 7494 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْجَار الْجُنُب } يَعْنِي : الْجَار مِنْ قَوْم جُنُب. 7495 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْجَار الْجُنُب } الَّذِي لَيْسَ بَيْنهمَا قَرَابَة وَهُوَ جَار , فَلَهُ حَقّ الْجِوَار . 7496 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْجَار الْجُنُب } الْجَار الْغَرِيب يَكُون مِنْ الْقَوْم . 7497 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْجَار الْجُنُب } جَارك مِنْ قَوْم آخَرِينَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْجَار الْجُنُب } جَارك لَا قَرَابَة بَيْنك وَبَيْنه , الْبَعِيد فِي النَّسَب وَهُوَ جَار . 7498 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَالْجَار الْجُنُب } قَالَ : الْمُجَانِب . 7499 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَالْجَار الْجُنُب } الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَيْنه وَجْه وَلَا قَرَابَة . 7500 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْجَار الْجُنُب } قَالَ : مِنْ قَوْم آخَرِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْجَار الْمُشْرِك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7501 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف الشَّامِيّ { وَالْجَار الْجُنُب } قَالَ : الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْجُنُب فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْغَرِيب الْبَعِيد , مُسْلِمًا كَانَ أَوْ مُشْرِكًا , يَهُودِيًّا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا ; لِمَا بَيَّنَّا قَبْل أَنَّ الْجَار ذَا الْقُرْبَى : هُوَ الْجَار ذُو الْقَرَابَة وَالرَّحِم , وَالْوَاجِب أَنْ يَكُون الْجَار ذُو الْجَنَابَة الْجَار الْبَعِيد , لِيَكُونَ ذَلِكَ وَصِيَّة بِجَمِيعِ أَصْنَاف الْجِيرَان , قَرِيبهمْ وَبَعِيدهمْ . وَبَعْد فَإِنَّ الْجُنُب فِي كَلَام الْعَرَب الْبَعِيد كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْس : أَتَيْت حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَة فَكَانَ حُرَيْث فِي عَطَائِيَ جَامِدَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " عَنْ جَنَابَة " : عَنْ بُعْد وَغُرْبَة , وَمِنْهُ قِيلَ : اِجْتَنَبَ فُلَان فُلَانًا : إِذَا بَعُدَ مِنْهُ . وَتَجَنَّبَهُ وَجَنَّبَهُ خَيْره : إِذَا مَنَعَهُ إِيَّاهُ ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجُنُبِ : جُنُب , لِاعْتِزَالِهِ الصَّلَاة حَتَّى يَغْتَسِل . فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَالْجَار الْمُجَانِب لِلْقَرَابَةِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ رَفِيق الرَّجُل فِي سَفَره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الرَّفِيق فِي السَّفَر . 7503 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي بُكَيْر , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر , يَقُول : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الرَّفِيق فِي السَّفَر . 7504 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } صَاحِبك فِي السَّفَر . 7505 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } وَهُوَ الرَّفِيق فِي السَّفَر . 7506 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { الصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الرَّفِيق فِي السَّفَر , مَنْزِله مَنْزِلك , وَطَعَامه طَعَامك , وَمَسِيره مَسِيرك . 7507 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } قَالَا : الرَّفِيق فِي السَّفَر . 7508 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , عَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه , قَالَ : { الصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الرَّفِيق الصَّالِح . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } رَفِيقك فِي السَّفَر الَّذِي يَأْتِيك وَيَده مَعَ يَدك . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَلَى اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُلَيْم أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } فَذَكَرَ مِثْله . 7509 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الصَّاحِب فِي السَّفَر . 7510 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو دُكَيْن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي بُكَيْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الرَّفِيق الصَّالِح. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي بُكَيْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . 7511 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } قَالَ : الرَّفِيق فِي السَّفَر . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اِمْرَأَة الرَّجُل الَّتِي تَكُون مَعَهُ إِلَى جَنْبه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7512 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر أَوْ الْقَاسِم , عَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } قَالَا : هِيَ الْمَرْأَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ بَعْض أَصْحَابه , عَنْ جَابِر , عَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه , مِثْله . 7513 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } يَعْنِي الَّذِي مَعَك فِي مَنْزِلك. 7514 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ هِلَال , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } قَالَ : هِيَ الْمَرْأَة . 7515 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } قَالَ : الْمَرْأَة. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : قَالَ الثَّوْرِيّ , قَالَ أَبُو الْهَيْثَم , عَنْ إِبْرَاهِيم : هِيَ الْمَرْأَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله . * - حَدَّثَنِي عَمْرو بْن بَيْذَق , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الَّذِي يَلْزَمك وَيَصْحَبك رَجَاء نَفْعك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7516 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الْمُلَازِم . وَقَالَ أَيْضًا : رَفِيقك الَّذِي يُرَافِقك . 7517 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الَّذِي يَلْصَق بِك وَهُوَ إِلَى جَنْبك , وَيَكُون مَعَك إِلَى جَنْبك رَجَاء خَيْرك وَنَفْعك . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّ مَعْنَى : { وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ } الصَّاحِب إِلَى الْجَنْب , كَمَا يُقَال : فُلَان بِجَنْبِ فُلَان وَإِلَى جَنْبه , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : جَنَبَ فُلَان فُلَانًا فَهُوَ يَجْنُبهُ جَنْبًا , إِذَا كَانَ لِجَنْبِهِ , وَمِنْ ذَلِكَ : جَنَبَ الْخَيْلَ , إِذَا قَادَ بَعْضهَا إِلَى جَنْب بَعْض . وَقَدْ يَدْخُل فِي هَذَا الرَّفِيق فِي السَّفَر , وَالْمَرْأَة , وَالْمُنْقَطِع إِلَى الرَّجُل الَّذِي يُلَازِمهُ رَجَاء نَفْعه , لِأَنَّ كُلّهمْ بِجَنْبِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ وَقَرِيب مِنْهُ , وَقَدْ أَوْصَى اللَّه تَعَالَى بِجَمِيعِهِمْ لِوُجُوبِ حَقّ الصَّاحِب عَلَى الْمَصْحُوب . وَقَدْ : 7518 - حَدَّثَنَا سَهْل بْن مُوسَى الرَّازِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي فُدَيْك , عَنْ فُلَان بْن عَبْد اللَّه , عَنْ الثِّقَة عِنْده : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُ رَجُل مِنْ أَصْحَابه وَهُمَا عَلَى رَاحِلَتَيْنِ , فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ فِي غَيْضَة طَرْفَاء , فَقَطَعَ قَصِيلَيْنِ أَحَدهمَا مُعْوَجّ وَالْآخَر مُعْتَدِل , فَخَرَجَ بِهِمَا فَأَعْطَى صَاحِبه الْمُعْتَدِل وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ الْمُعْوَجّ , فَقَالَ الرَّجُل : يَا رَسُول اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , أَنْتَ أَحَقّ بِالْمُعْتَدِلِ مِنِّي ! فَقَالَ : " كَلَّا يَا فُلَان , إِنَّ كُلّ صَاحِب يَصْحَب صَاحِبًا مَسْئُول عَنْ صَحَابَته وَلَوْ سَاعَة مِنْ نَهَار ". 7519 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ حَيْوَة , قَالَ : ثني شُرَحْبِيل بْن شَرِيك , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِنَّ خَيْر الْأَصْحَاب عِنْد اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَيْرهمْ لِصَاحِبِهِ , وَخَيْر الْجِيرَان عِنْد اللَّه خَيْرهمْ لِجَارِهِ " . وَإِنْ كَانَ الصَّاحِب بِالْجَنْبِ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يَكُون دَاخِلًا فِيهِ كُلّ مَنْ جَنَبَ رَجُلًا يَصْحَبهُ فِي سَفَر أَوْ نِكَاح أَوْ اِنْقِطَاع إِلَيْهِ وَاتِّصَال بِهِ , وَلَمْ يَكُنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بَعْضهمْ مِمَّا اِحْتَمَلَهُ ظَاهِر التَّنْزِيل ; فَالصَّوَاب أَنْ يُقَال : جَمِيعهمْ مَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ , وَبِكُلِّهِمْ قَدْ أَوْصَى اللَّه بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَابْن السَّبِيل } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : اِبْن السَّبِيل : هُوَ الْمُسَافِر الَّذِي يَجْتَاز مَارًّا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7520 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَابْن السَّبِيل } هُوَ الَّذِي يَمُرّ عَلَيْك وَهُوَ مُسَافِر . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَة , مِثْله . 7521 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ الْمَارّ عَلَيْك وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْل غَنِيًّا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الضَّيْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7522 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : الضَّيْف لَهُ حَقّ فِي السَّفَر وَالْحَضَر . 7523 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَابْن السَّبِيل } وَهُوَ الضَّيْف. * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : الضَّيْف . * - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : أَنَّ اِبْن السَّبِيل : هُوَ صَاحِب الطَّرِيق , وَالسَّبِيل : هُوَ الطَّرِيق , وَابْنه : صَاحِبه الضَّارِب فِيهِ , فَلَهُ الْحَقّ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِ مُحْتَاجًا مُنْقَطِعًا بِهِ إِذَا كَانَ سَفَره فِي غَيْر مَعْصِيَة اللَّه أَنْ يُعِينهُ إِنْ اِحْتَاجَ إِلَى مَعُونَة , وَيُضَيِّفهُ إِنْ اِحْتَاجَ إِلَى ضِيَافَة , وَأَنْ يَحْمِلهُ إِنْ اِحْتَاجَ إِلَى حُمْلَان . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَلَّذِينَ مَلَكْتُمُوهُمْ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. فَأَضَافَ الْمِلْك إِلَى الْيَمِين , كَمَا يُقَال : تَكَلَّمَ فُوك , وَمَشَتْ رِجْلك , وَبَطَشَتْ يَدك , بِمَعْنَى : تَكَلَّمْت , وَمَشَيْت , وَبَطَشْت . غَيْر أَنَّ مَا وَصَفْت بِهِ كُلّ عُضْو مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مَا وَصَفْت بِهِ , لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَكُون فِي الْمُتَعَارَف فِي النَّاس دُون سَائِر جَوَارِح الْجَسَد , فَكَانَ مَعْلُومًا بِوَصْفِ ذَلِكَ الْعُضْو بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُرَاد مِنْ الْكَلَام , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } لِأَنَّ مَمَالِيك أَحَدنَا تَحْت يَده , إِنَّمَا يَطْعَم مَا تَنَاوَلَهُ أَيْمَاننَا وَيَكْتَسِي مَا تَكْسُوهُ وَتُصَرِّفهُ فِيمَا أَحَبَّ صَرْفه فِيهِ بِهَا. فَأُضِيفَ مِلْكهمْ إِلَى الْأَيْمَان لِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7524 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } مِمَّا خَوَّلَك اللَّه كُلّ هَذَا أَوْصَى اللَّه بِهِ . وَإِنَّمَا يَعْنِي مُجَاهِد بِقَوْلِهِ : وَكُلّ هَذَا أَوْصَى اللَّه بِهِ " الْوَالِدَيْنِ وَذَا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذَا الْقُرْبَى , وَالْجَار الْجُنُب , وَالصَّاحِب بِالْجَنْبِ , وَابْن السَّبِيل , فَأَوْصَى رَبّنَا جَلَّ جَلَاله بِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ عِبَاده إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ , وَأَمَرَ خَلْقه بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى وَصِيَّته فِيهِمْ , فَحَقَّ عَلَى عِبَاده حِفْظ وَصِيَّة اللَّه فِيهِمْ ثُمَّ حِفْظ وَصِيَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا } إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ ذَا خُيَلَاء , وَالْمُخْتَال الْمُفْتَعِل مِنْ قَوْلك : خَالَ الرَّجُل فَهُوَ يَخُول خَوْلًا وَخَالًا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَإِنْ كُنْت سَيِّدنَا سُدْتَنَا وَإِنْ كُنْت لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ وَمِنْهُ قَوْل الْعَجَّاج : وَالْخَال ثَوْب مِنْ ثِيَاب الْجُهَّال وَأَمَّا الْفَخُور : فَهُوَ الْمُفْتَخِر عَلَى عِبَاد اللَّه بِمَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ آلَائِهِ , وَبَسَطَ لَهُ مِنْ فَضْله , وَلَا يَحْمَد عَلَى مَا آتَاهُ مِنْ طَوْله , وَلَكِنَّهُ بِهِ مُخْتَال مُسْتَكْبِر , وَعَلَى غَيْره بِهِ مُسْتَطِيل مُفْتَخِر . كَمَا : 7525 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا } قَالَ : مُتَكَبِّرًا فَخُورًا , قَالَ : يَعُدَّ مَا أُعْطِيَ , وَهُوَ لَا يَشْكُر اللَّه . 7526 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثِير , عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَاقِد أَبِي رَجَاء الْهَرَوِيّ , قَالَ : لَا تَجِد سَيِّئ الْمَلَكَة إِلَّا وَجَدْته مُخْتَالًا فَخُورًا , وَتَلَا : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } وَلَا عَاقًّا إِلَّا وَجَدْته جَبَّارًا شَقِيًّا , وَتَلَا : { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } 19 32

تفسير القرطبي

أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَلَيْهِ , لَيْسَ مِنْهَا شَيْء مَنْسُوخ . وَكَذَلِكَ هِيَ فِي جَمِيع الْكُتُب . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْعَقْل , وَإِنْ لَمْ يَنْزِل بِهِ الْكِتَاب . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى الْعُبُودِيَّة وَهِيَ التَّذَلُّل وَالِافْتِقَار , لِمَنْ لَهُ الْحُكْم وَالِاخْتِيَار ; فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالْإِخْلَاص فِيهِ , فَالْآيَة أَصْل فِي خُلُوص الْأَعْمَال لِلَّهِ تَعَالَى وَتَصْفِيَتهَا مِنْ شَوَائِب الرِّيَاء وَغَيْره ; قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " [ الْكَهْف : 110 ] حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّهُ مَنْ تَطَهَّرَ تَبَرُّدًا أَوْ صَامَ مُحِمًّا لِمَعِدَتِهِ وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّب لَمْ يُجْزِهِ ; لِأَنَّهُ مَزَجَ فِي نِيَّة التَّقَرُّب نِيَّة دُنْيَاوِيَّة وَلَيْسَ لِلَّهِ إِلَّا الْعَمَل الْخَالِص ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " أَلَا لِلَّهِ الدِّين الْخَالِص " [ الزُّمَر : 3 ] . وَقَالَ تَعَالَى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " [ الْبَيِّنَة : 5 ] . وَكَذَلِكَ إِذَا أَحَسَّ الرَّجُل بِدَاخِلٍ فِي الرُّكُوع وَهُوَ إِمَام لَمْ يَنْتَظِرْهُ ; لِأَنَّهُ يُخْرِجُ رُكُوعَهُ بِانْتِظَارِهِ عَنْ كَوْنه خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاء عَنْ الشِّرْك مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكَهُ ) . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُجَاء يَوْم الْقِيَامَة بِصُحُفٍ مُخَتَّمَةٍ فَتُنْصَب بَيْنَ يَدَيْ اللَّه تَعَالَى فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ أَلْقُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُول الْمَلَائِكَة وَعِزَّتِك مَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - وَهُوَ أَعْلَم - إِنَّ هَذَا كَانَ لِغَيْرِي وَلَا أَقْبَلُ الْيَوْم مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهِي ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الضَّحَّاك بْن قَيْس الْفِهْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول أَنَا خَيْر شَرِيك فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَرِيكًا فَهُوَ لِشَرِيكِي يَا أَيّهَا النَّاس أَخْلِصُوا أَعْمَالكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ وَلَيْسَ لِلَّهِ مِنْهَا شَيْء وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهَا شَيْء ) . مَسْأَلَة : إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَالُوا : الشِّرْك عَلَى ثَلَاث مَرَاتِب وَكُلّه مُحَرَّم . وَأَصْله اِعْتِقَاد شَرِيك لِلَّهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ , وَهُوَ الشِّرْك الْأَعْظَم وَهُوَ شِرْك الْجَاهِلِيَّة , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " . [ النِّسَاء : 48 ] . وَيَلِيهِ فِي الرُّتْبَة اِعْتِقَاد شَرِيك لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْفِعْل , وَهُوَ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ مَوْجُودًا مَا غَيْر اللَّه تَعَالَى يَسْتَقِلُّ بِإِحْدَاثِ فِعْل وَإِيجَاده وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَهُ إِلَهًا كَالْقَدَرِيَّةِ مَجُوس هَذِهِ الْأُمَّة , وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ اِبْن عُمَر كَمَا فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَيَلِي هَذِهِ الرُّتْبَة الْإِشْرَاك فِي الْعِبَادَة وَهُوَ الرِّيَاء ; وَهُوَ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَات الَّتِي أَمَرَ اللَّه بِفِعْلِهَا لَهُ لِغَيْرِهِ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي سِيقَتْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث لِبَيَانِ تَحْرِيمِهِ , وَهُوَ مُبْطِل لِلْأَعْمَالِ وَهُوَ خَفِيّ لَا يَعْرِفُهُ كُلّ جَاهِلٍ غَبِيٍّ . وَرَضِيَ اللَّه عَنْ الْمُحَاسِبِيّ فَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي كِتَابه " الرِّعَايَة " وَبَيَّنَ إِفْسَاده لِلْأَعْمَالِ . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيد بْن أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيّ وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة لِيَوْمٍ لَا رَيْب فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَل عَمِلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابه مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه فَإِنَّ اللَّه أَغْنَى الشُّرَكَاء عَنْ الشِّرْك ) . وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَر الْمَسِيخ الدَّجَّال فَقَالَ : ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيخ الدَّجَّال ؟ ) قَالَ : فَقُلْنَا بَلَى يَا رَسُول اللَّه ; فَقَالَ : ( الشِّرْك الْخَفِيّ أَنْ يَقُوم الرَّجُل يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاته لِمَا يَرَى مِنْ نَظَر رَجُل ) . وَفِيهِ عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَتَخَوَّف عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْت أَقُول يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّه وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم . وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْكَهْف , وَفِيهِ بَيَان الشَّهْوَة الْخَفِيَّة . وَرَوَى اِبْن لَهِيعَة عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشَّهْوَة الْخَفِيَّة فَقَالَ : ( هُوَ الرَّجُل يَتَعَلَّم الْعِلْم يُحِبّ أَنْ يُجْلَس إِلَيْهِ ) . قَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الرِّيَاء عَلَى ثَلَاثَة وُجُوه ; أَحَدهَا : أَنْ يَعْقِدَ فِي أَصْل فِعْله لِغَيْرِ اللَّه وَيُرِيدَ بِهِ أَنْ يُعْرَف أَنَّهُ لِلَّهِ , فَهَذَا صِنْف مِنْ النِّفَاق وَتَشَكُّكٌ فِي الْإِيمَان . وَالْآخَر : يَدْخُل فِي الشَّيْء لِلَّهِ فَإِذَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْر اللَّه نَشِطَ , فَهَذَا إِذَا تَابَ يَزِيد أَنْ يُعِيد جَمِيع مَا عَمِلَ . وَالثَّالِث : دَخَلَ فِي الْعَمَل بِالْإِخْلَاصِ وَخَرَجَ بِهِ لِلَّهِ فَعُرِفَ بِذَلِكَ وَمُدِحَ عَلَيْهِ وَسَكَنَ إِلَى مَدْحِهِمْ ; فَهَذَا الرِّيَاء الَّذِي نَهَى اللَّه عَنْهُ . قَالَ سَهْل : قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ : الرِّيَاء أَنْ تَطْلُبَ ثَوَاب عَمَلِك فِي دَار الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا عَمَل الْقَوْم لِلْآخِرَةِ . قِيلَ لَهُ : فَمَا دَوَاء الرِّيَاء ؟ قَالَ كِتْمَان الْعَمَل , قِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ يُكْتَمُ الْعَمَل ؟ قَالَ : مَا كُلِّفْت إِظْهَاره مِنْ الْعَمَل فَلَا تَدْخُل فِيهِ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ , وَمَا لَمْ تُكَلَّف إِظْهَاره أَحَبَّ أَلَّا يَطَّلِع عَلَيْهِ إِلَّا اللَّه . قَالَ : وَكُلّ عَمَل اِطَّلَعَ عَلَيْهِ الْخَلْق فَلَا تَعُدَّهُ مِنْ الْعَمَل . وَقَالَ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ : مَا هُوَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهُ مِنْ عَمَلِهِ . قُلْت : قَوْل سَهْل " وَالثَّالِث دَخَلَ فِي الْعَمَل بِالْإِخْلَاصِ " إِلَى آخِرِهِ , إِنْ كَانَ سُكُونُهُ وَسُرُوره إِلَيْهِمْ لِتَحْصُلَ مَنْزِلَتُهُ فِي قُلُوبهمْ فَيَحْمَدُوهُ وَيُجِلُّوهُ وَيَبَرُّوهُ وَيَنَال مَا يُرِيدُهُ مِنْهُمْ مِنْ مَال أَوْ غَيْره فَهَذَا مَذْمُوم ; لِأَنَّ قَلْبه مَغْمُور فَرَحًا بِاطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانُوا قَدْ اِطَّلَعُوا عَلَيْهِ بَعْد الْفَرَاغ . فَأَمَّا مَنْ أَطْلَعَ اللَّه عَلَيْهِ خَلْقَهُ وَهُوَ لَا يُحِبُّ اِطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ فَيُسَرّ بِصُنْعِ اللَّه وَبِفَضْلِهِ عَلَيْهِ فَسُرُوره بِفَضْلِ اللَّه طَاعَةٌ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " [ يُونُس : 58 ] . وَبَسْط هَذَا وَتَتْمِيمُهُ فِي كِتَاب " الرِّعَايَة لِلْمُحَاسِبِيّ " , فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ هُنَاكَ . وَقَدْ سُئِلَ سَهْل عَنْ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنِّي أُسِرُّ الْعَمَل فَيُطَّلَع عَلَيْهِ فَيُعْجِبُنِي ) قَالَ : يُعْجِبهُ مِنْ جِهَة الشُّكْر لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّه عَلَيْهِ أَوْ نَحْو هَذَا . فَهَذِهِ جُمْلَة كَافِيَة فِي الرِّيَاء وَخُلُوص الْأَعْمَال . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " . حَقِيقَة الْإِخْلَاص . وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة أَنَّ مِنْ الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا عِتْقهمَا , وَيَأْتِي فِي " سُبْحَان " [ الْإِسْرَاء : 1 ] حُكْم بِرِّهِمَا مَعْنًى مُسْتَوْفًى . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة " إِحْسَانٌ " بِالرَّفْعِ أَيْ وَاجِب الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا . الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ , عَلَى مَعْنَى أَحْسِنُوا إِلَيْهِمَا إِحْسَانًا . قَالَ الْعُلَمَاء : فَأَحَقّ النَّاس بَعْد الْخَالِق الْمَنَّان بِالشُّكْرِ وَالْإِحْسَان وَالْتِزَام الْبِرّ وَالطَّاعَة لَهُ وَالْإِذْعَان مَنْ قَرَنَ اللَّه الْإِحْسَان إِلَيْهِ بِعِبَادَتِهِ وَطَاعَته وَشُكْرَهُ بِشُكْرِهِ وَهُمَا الْوَالِدَانِ ; فَقَالَ تَعَالَى : " أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك . [ لُقْمَان : 14 ] . وَرَوَى شُعْبَة وَهُشَيْم الْوَاسِطِيَّانِ عَنْ يَعْلَى بْن عَطَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( رِضَا الرَّبّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطه فِي سُخْط الْوَالِدَيْنِ " . عَطْف ذِي الْقُرْبَى عَلَى الْوَالِدَيْنِ . وَالْقُرْبَى : بِمَعْنَى الْقَرَابَة , وَهُوَ مَصْدَر كَالرُّجْعَى وَالْعُقْبَى ; أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْقَرَابَات بِصِلَةِ أَرْحَامهمْ . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا مُفَصَّلًا فِي سُورَة " الْقِتَال " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . الْيَتَامَى عَطْف أَيْضًا , وَهُوَ جَمْع يَتِيم ; مِثْل نَدْمَى جَمْع نَدِيم . وَالْيُتْم فِي بَنِي آدَم بِفَقْدِ الْأَب , وَفِي الْبَهَائِم بِفَقْدِ الْأُمّ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ أَنَّ الْيَتِيم يُقَال فِي بَنِي آدَم فِي فَقْد الْأُمّ ; وَالْأَوَّل الْمَعْرُوف . وَأَصْله الِانْفِرَاد ; يُقَال : صَبِيٌّ يَتِيم , أَيْ مُنْفَرِد مِنْ أَبِيهِ . وَبَيْت يَتِيم : أَيْ لَيْسَ قَبْله وَلَا بَعْده شَيْء مِنْ الشِّعْر . وَدُرَّة يَتِيمَة : لَيْسَ لَهَا نَظِير . وَقِيلَ : أَصْله الْإِبْطَاء ; فَسُمِّيَ بِهِ الْيَتِيم ; لِأَنَّ الْبِرّ يُبْطِئ عَنْهُ . وَيُقَال : يَتُمَ يَيْتُم يُتْمًا ; مِثْل عَظُمَ يَعْظُم . وَيَتِمَ يَيْتَم يَتْمًا وَيَتَمًا ; مِثْل سَمِعَ يَسْمَع , ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْفَرَّاء . وَقَدْ أَيْتَمَهُ اللَّه . وَيَدُلّ هَذَا عَلَى الرَّأْفَة بِالْيَتِيمِ وَالْحَضّ عَلَى كَفَالَته وَحِفْظ مَاله ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " النِّسَاء " . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَافِل الْيَتِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّة ) . وَأَشَارَ مَالِك بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ; رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَخَرَّجَ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد مِنْ حَدِيث الْحَسَن بْن دِينَار أَبِي سَعِيد الْبَصْرِيّ وَهُوَ الْحَسَن بْن وَاصِل قَالَ حَدَّثَنَا الْأَسْوَد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ هِصَّان عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا قَعَدَ يَتِيم مَعَ قَوْم عَلَى قَصْعَتِهِمْ فَيَقْرَب قَصْعَتهمْ الشَّيْطَان ) . وَخَرَّجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث حُسَيْن بْن قَيْس وَهُوَ أَبُو عَلِيّ الرَّحَبِيّ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ بَيْنَ مُلِمِّينَ إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ غَفَرْت لَهُ ذُنُوبه أَلْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَل عَمَلًا لَا يُغْفَر وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّه كَرِيمَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ غَفَرْت لَهُ ذُنُوبه - قَالُوا : وَمَا كَرِيمَتَاهُ ؟ قَالَ : - عَيْنَاهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاث بَنَات أَوْ ثَلَاث أَخَوَات فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبه أَلْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَل عَمَلًا لَا يُغْفَر ) فَنَادَاهُ رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب مِمَّنْ هَاجَرَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَوْ اِثْنَتَيْنِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ اِثْنَتَيْنِ ) . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث قَالَ : هَذَا وَاَللَّهِ مِنْ غَرَائِب الْحَدِيث وَغُرَرِهِ . " الْمَسَاكِين " عَطْف أَيْضًا أَيْ وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَسَاكِين , وَهُمْ الَّذِينَ أَسْكَنَتْهُمْ الْحَاجَة وَأَذَلَّتْهُمْ . وَهَذَا يَتَضَمَّن الْحَضّ عَلَى الصَّدَقَة وَالْمُؤَاسَاة وَتَفَقُّد أَحْوَال الْمَسَاكِين وَالضُّعَفَاء . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه - وَأَحْسَبهُ قَالَ - وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُر وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِر ) . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَانَ طَاوُس يَرَى السَّعْي عَلَى الْأَخَوَات أَفْضَل مِنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه . مَّا الْجَار فَقَدْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِحِفْظِهِ وَالْقِيَام بِحَقِّهِ وَالْوَصَاة بِرَعْيِ ذِمَّته فِي كِتَابه وَعَلَى لِسَان نَبِيّه . أَلَا تَرَاهُ سُبْحَانَهُ أَكَّدَ ذِكْرَهُ بَعْد الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فَقَالَ تَعَالَى : " وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى " أَيْ الْقَرِيب . " وَالْجَار الْجُنُب " أَيْ الْغَرِيب ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّغَة . وَمِنْهُ فُلَان أَجْنَبِيّ , وَكَذَلِكَ الْجَنَابَة الْبُعْد . وَأَنْشَدَ أَهْل اللُّغَة : فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ فَإِنِّي اِمْرُؤٌ وَسْط الْقِبَابِ غَرِيبُ وَقَالَ الْأَعْشَى : أَتَيْت حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَةٍ فَكَانَ حُرَيْث عَنْ عَطَائِيَ جَامِدًا وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَالْمُفَضَّل " وَالْجَار الْجَنْب " بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون النُّون وَهُمَا لُغَتَانِ ; يُقَال : جَنُبَ وَجَنَبَ وَأَجْنَبَ وَأَجْنَبِيّ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا قَرَابَة , وَجَمْعه أَجَانِب . وَقِيلَ : عَلَى تَقْدِير حَذْف الْمُضَاف , أَيْ وَالْجَار ذِي الْجَنْب أَيْ ذِي النَّاحِيَة . وَقَالَ نَوْف الشَّامِيّ : " الْجَار ذِي الْقُرْبَى " الْمُسْلِم " وَالْجَار الْجُنُب " الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ . قُلْت : وَعَلَى هَذَا فَالْوَصَاة بِالْجَارِ مَأْمُور بِهَا مَنْدُوب إِلَيْهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا , وَهُوَ الصَّحِيح . وَالْإِحْسَان قَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْمُوَاسَاة , وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى حُسْن الْعِشْرَة وَكَفّ الْأَذَى وَالْمُحَامَاة دُونه . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي شُرَيْح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِن وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِن وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِن ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَنْ ؟ قَالَ : ( الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَاره بَوَائِقَهُ ) وَهَذَا عَامّ فِي كُلّ جَارٍ . وَقَدْ أَكَّدَ عَلَيْهِ السَّلَام تَرْك إِذَايَتِهِ بِقَسَمِهِ ثَلَاث مَرَّات , وَأَنَّهُ لَا يُؤْمِن الْكَامِل مَنْ آذَى جَاره . فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْذَر أَذَى جَاره , وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى اللَّه وَرَسُوله عَنْهُ , وَيَرْغَب فِيمَا رَضِيَاهُ وَحَضَّا الْعِبَاد عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الْجِيرَان ثَلَاثَة فَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق وَجَار لَهُ حَقَّانِ وَجَار لَهُ حَقّ وَاحِد فَأَمَّا الْجَار الَّذِي لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق فَالْجَار الْمُسْلِم الْقَرِيب لَهُ حَقّ الْجِوَار وَحَقّ الْقَرَابَة وَحَقّ الْإِسْلَام وَالْجَار الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَهُوَ الْجَار الْمُسْلِم فَلَهُ حَقّ الْإِسْلَام وَحَقّ الْجِوَار وَالْجَار الَّذِي لَهُ حَقّ وَاحِد هُوَ الْكَافِر لَهُ حَقّ الْجِوَار ) . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيّهمَا أُهْدِي , قَالَ : ( إِلَى أَقْرَبهمَا مِنْك بَابًا ) . فَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر الْمُرَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى : " وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى " وَأَنَّهُ الْقَرِيب الْمَسْكَن مِنْك . " وَالْجَار الْجُنُب " هُوَ الْبَعِيد الْمَسْكَن مِنْك . وَاحْتَجُّوا بِهَذَا عَلَى إِيجَاب الشُّفْعَة لِلْجَارِ , وَعَضَّدُوهُ وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْجَار أَحَقّ بِصَقَبِهِ ) . وَلَا حُجَّة فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِنَّمَا سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ تَبْدَأ بِهِ مِنْ جِيرَانهَا فِي الْهَدِيَّة فَأَخْبَرَهَا أَنَّ مَنْ قَرُبَ بَابه فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْره . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْجَار يَقَع عَلَى غَيْر اللَّصِيق . وَقَدْ خَرَجَ أَبُو حَنِيفَة عَنْ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : إِنَّ الْجَار اللَّصِيق إِذَا تَرَكَ الشُّفْعَة وَطَلَبَهَا الَّذِي يَلِيه وَلَيْسَ لَهُ جِدَار إِلَى الدَّار وَلَا طَرِيق لَا شُفْعَة فِيهِ لَهُ . وَعَوَامّ الْعُلَمَاء يَقُولُونَ : إِنْ أَوْصَى الرَّجُل لِجِيرَانِهِ أُعْطِيَ اللَّصِيق وَغَيْره ; إِلَّا أَبَا حَنِيفَة فَإِنَّهُ فَارَقَ عَوَامّ الْعُلَمَاء وَقَالَ : لَا يُعْطَى إِلَّا اللَّصِيق وَحْده . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي حَدّ الْجِيرَة ; فَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول : أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلّ نَاحِيَة ; وَقَالَهُ اِبْن شِهَاب . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي نَزَلْت مَحَلَّة قَوْم وَإِنَّ أَقْرَبهمْ إِلَيَّ جِوَارًا أَشَدّهمْ لِي أَذًى ; فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعَلِيًّا يَصِيحُونَ عَلَى أَبْوَاب الْمَسَاجِد : أَلَا إِنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَار وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ لَا يَأْمَن جَاره بَوَائِقَهُ . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَهُوَ جَار . وَقَالَتْ فِرْقَة : مَنْ سَمِعَ إِقَامَة الصَّلَاة فَهُوَ جَار ذَلِكَ الْمَسْجِد . وَقَالَتْ فِرْقَة : مَنْ سَاكَنَ رَجُلًا فِي مَحَلَّة أَوْ مَدِينَة فَهُوَ جَار . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ " [ الْأَحْزَاب : 60 ] إِلَى قَوْله : " ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَك فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا " فَجَعَلَ تَعَالَى اِجْتِمَاعَهُمْ فِي الْمَدِينَة جِوَارًا . وَالْجِيرَة مَرَاتِب بَعْضهَا أَلْصَق مِنْ بَعْض , أَدْنَاهَا الزَّوْجَة ; كَمَا قَالَ : أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَهْ وَمِنْ إِكْرَام الْجَار مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا ذَرّ إِذَا طَبَخْت مَرَقَة فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَك ) . فَحَضَّ عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق ; لِمَا رَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَحَبَّة وَحُسْن الْعِشْرَة وَدَفْع الْحَاجَة وَالْمَفْسَدَة ; فَإِنَّ الْجَار قَدْ يَتَأَذَّى بِقُتَارِ قِدْرِ جَارِهِ , وَرُبَّمَا تَكُون لَهُ ذُرِّيَّة فَتَهِيجُ مِنْ ضُعَفَائِهِمْ الشَّهْوَة , وَيَعْظُم عَلَى الْقَائِم عَلَيْهِمْ الْأَلَم وَالْكُلْفَة , لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْقَائِم ضَعِيفًا أَوْ أَرْمَلَة فَتَعْظُم الْمَشَقَّة وَيَشْتَدّ مِنْهُمْ الْأَلَم وَالْحَسْرَة . وَهَذِهِ كَانَتْ عُقُوبَة يَعْقُوب فِي فِرَاق يُوسُف عَلَيْهِمَا السَّلَام فِيمَا قِيلَ . وَكُلّ هَذَا يَنْدَفِع بِتَشْرِيكِهِمْ فِي شَيْء مِنْ الطَّبِيخ يُدْفَع إِلَيْهِمْ , وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَضَّ عَلَيْهِ السَّلَام الْجَار الْقَرِيب بِالْهَدِيَّةِ ; لِأَنَّهُ يَنْظُر إِلَى مَا يَدْخُل دَار جَاره وَمَا يَخْرُج مِنْهَا , فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يُشَارِك فِيهِ ; وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَسْرَع إِجَابَة لِجَارِهِ عِنْدَمَا يَنُوبهُ مِنْ حَاجَة فِي أَوْقَات الْغَفْلَة وَالْغِرَّة ; فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ عَلَى مَنْ بَعْد بَابه وَإِنْ كَانَتْ دَاره أَقْرَب . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْعُلَمَاء : لَمَّا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام " فَأَكْثِرْ مَاءَهَا " نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى تَيْسِير الْأَمْر عَلَى الْبَخِيل تَنْبِيهًا لَطِيفًا , وَجَعَلَ الزِّيَادَة فِيمَا لَيْسَ لَهُ ثَمَن وَهُوَ الْمَاء ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ : إِذَا طَبَخْت مَرَقَة فَأَكْثِرْ لَحْمَهَا ; إِذْ لَا يَسْهُل ذَلِكَ عَلَى كُلّ أَحَد . وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِل : قِدْرِي وَقِدْرُ الْجَارِ وَاحِدَةٌ وَإِلَيْهِ قَبْلِي تُرْفَعُ الْقِدْرُ وَلَا يُهْدِي النَّزْرَ الْيَسِيرَ الْمُحْتَقَرَ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( ثُمَّ اُنْظُرْ أَهْل بَيْت مِنْ جِيرَانك فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ ) أَيْ بِشَيْءٍ يُهْدَى عُرْفًا ; فَإِنَّ الْقَلِيل وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْدَى فَقَدْ لَا يَقَع ذَلِكَ الْمَوْقِع , فَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ إِلَّا الْقَلِيل فَلْيُهْدِهِ وَلَا يَحْتَقِر , وَعَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبُولُهُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( يَا نِسَاء الْمُؤْمِنَات لَا تَحْتَقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاع شَاة مُحْرَقًا ) أَخْرَجَهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ . وَكَذَا قَيَّدْنَاهُ ( يَا نِسَاء الْمُؤْمِنَات ) بِالرَّفْعِ عَلَى غَيْر الْإِضَافَة , وَالتَّقْدِير : يَا أَيّهَا النِّسَاء الْمُؤْمِنَات ; كَمَا تَقُول يَا رِجَال الْكِرَام ; فَالْمُنَادَى مَحْذُوف وَهُوَ يَا أَيّهَا , وَالنِّسَاء فِي التَّقْدِير النَّعْت لِأَيِّهَا , وَالْمُؤْمِنَات نَعْت لِلنِّسَاءِ . قَدْ قِيلَ : فِيهِ : يَا نِسَاء الْمُؤْمِنَات بِالْإِضَافَةِ , وَالْأَوَّل أَكْثَر . مِنْ إِكْرَام الْجَار أَلَّا يَمْنَع مِنْ غَرْزِ خَشَبَةٍ لَهُ إِرْفَاقًا بِهِ ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَمْنَع أَحَدكُمْ جَاره أَنْ يَغْرِز خَشَبَة فِي جِدَاره ) . ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ , وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْنَافكُمْ . رُوِيَ " خُشُبَهُ وَخَشَبَةً " عَلَى الْجَمْع وَالْإِفْرَاد . وَرُوِيَ " أَكْتَافهمْ " بِالتَّاءِ و " أَكْنَافهمْ " بِالنُّونِ . وَمَعْنَى " لَأَرْمِيَنَّ بِهَا " أَيْ بِالْكَلِمَةِ وَالْقِصَّة . وَهَلْ يُقْضَى بِهَذَا عَلَى الْوُجُوب أَوْ النَّدْب ؟ فِيهِ خِلَاف بَيْنَ الْعُلَمَاء . فَذَهَبَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ النَّدْب إِلَى بِرّ الْجَار وَالتَّجَاوُز لَهُ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوب ; بِدَلِيلِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَحِلّ مَال اِمْرِئِ مُسْلِم إِلَّا عَنْ طِيب نَفْس مِنْهُ ) . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْله ( لَا يَمْنَع أَحَدكُمْ جَاره ) هُوَ مِثْل مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا اِسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ اِمْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يَمْنَعْهَا ) . وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْد الْجَمِيع النَّدْب , عَلَى مَا يَرَاهُ الرَّجُل مِنْ الصَّلَاح وَالْخَيْر فِي ذَلِكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد بْن عَلِيّ وَجَمَاعَة أَهْل الْحَدِيث : إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوب . قَالُوا : وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة فَهِمَ فِيمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَى الْوُجُوب مَا كَانَ لِيُوجِبَ عَلَيْهِمْ غَيْر وَاجِب . وَهُوَ مَذْهَب عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; فَإِنَّهُ قَضَى عَلَى مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة لِلضَّحَّاكِ بْن خَلِيفَة فِي الْخَلِيج أَنْ يَمُرّ بِهِ فِي أَرْض مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , فَقَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة : لَا وَاَللَّهِ . فَقَالَ عُمَر : وَاَللَّه لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنك . فَأَمَرَهُ عُمَر أَنْ يَمُرّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاك ; رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ . وَزَعَمَ الشَّافِعِيّ فِي كِتَاب " الرَّدّ " أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خِلَاف عُمَر فِي هَذَا الْبَاب ; وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِك أَنَّهُ رَوَاهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كِتَابه وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَرَدَّهُ بِرَأْيِهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : لَيْسَ كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيّ ; لِأَنَّ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة كَانَ رَأْيه فِي ذَلِكَ خِلَاف رَأْي عُمَر , وَرَأْي الْأَنْصَار أَيْضًا كَانَ خِلَافًا لِرَأْيِ عُمَر , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي قِصَّة الرَّبِيع وَتَحْوِيله - وَالرَّبِيع السَّاقِيَّة - وَإِذَا اِخْتَلَفَتْ الصَّحَابَة وَجَبَ الرُّجُوع إِلَى النَّظَر , وَالنَّظَر , يَدُلّ عَلَى أَنَّ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالهمْ وَأَعْرَاضهمْ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض حَرَام إِلَّا مَا تَطِيب بِهِ النَّفْس خَاصَّة ; فَهَذَا هُوَ الثَّابِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَدُلّ عَلَى الْخِلَاف فِي ذَلِكَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاَللَّه لَأَرْمِيَنَّكُمْ بِهَا ; هَذَا أَوْ نَحْوه . أَجَابَ الْأَوَّلُونَ فَقَالُوا : الْقَضَاء بِالْمِرْفَقِ خَارِج بِالسُّنَّةِ عَنْ مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَحِلّ مَال اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا عَنْ طِيب نَفْس مِنْهُ ) لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ التَّمْلِيك وَالِاسْتِهْلَاك وَلَيْسَ الْمِرْفَق مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنهمَا فِي الْحُكْم . فَغَيْر وَاجِب أَنْ يُجْمَع بَيْنَ مَا فَرَّقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَكَى مَالِك أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاضٍ يَقْضِي بِهِ يُسَمَّى أَبُو الْمُطَّلِب . وَاحْتَجُّوا مِنْ الْأَثَر بِحَدِيثِ الْأَعْمَش عَنْ أَنَس قَالَ : اُسْتُشْهِدَ مِنَّا غُلَام يَوْم أُحُد فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَح التُّرَاب عَنْ وَجْهه وَتَقُول : أَبْشِرْ هَنِيئًا لَك الْجَنَّة ; فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّم فِيمَا لَا يَعْنِيه وَيَمْنَع مَا لَا يَضُرُّهُ ) . وَالْأَعْمَش لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَنَس , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَهُ أَبُو عُمَر . وَرَدَّ حَدِيث جَمْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مَرَافِق الْجَار , وَهُوَ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه , مَا حَقّ الْجَار ؟ قَالَ : ( إِنْ اِسْتَقْرَضَك أَقْرَضْته وَإِنْ اِسْتَعَانَك أَعَنْته وَإِنْ اِحْتَاجَ أَعْطَيْته وَإِنْ مَرِضَ عُدْته وَإِنْ مَاتَ تَبِعْت جِنَازَته وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر سَرَّك وَهَنَّيْتَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَة سَاءَتْك وَعَزَّيْته وَلَا تُؤْذِهِ بِنَارِ قِدْرك إِلَّا أَنْ تَعْرِف لَهُ مِنْهَا وَلَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ لِتُشْرِف عَلَيْهِ وَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيح إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ اِشْتَرَيْت فَاكِهَة فَأَهْدِ لَهُ مِنْهَا وَإِلَّا فَأَدْخِلْهَا سِرًّا لَا يَخْرُج وَلَدك بِشَيْءٍ مِنْهُ يَغِيظُونَ بِهِ وَلَده وَهَلْ تَفْقَهُونَ مَا أَقُول لَكُمْ لَنْ يُؤَدِّيَ حَقّ الْجَار إِلَّا الْقَلِيل مِمَّنْ رَحِمَ اللَّه ) أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا . هَذَا حَدِيث جَامِع وَهُوَ حَدِيث حَسَن , فِي إِسْنَاده أَبُو الْفَضْل عُثْمَان بْن مَطَر الشَّيْبَانِيّ غَيْر مَرْضِيّ . قَالَ الْعُلَمَاء : الْأَحَادِيث فِي إِكْرَام الْجَار جَاءَتْ مُطْلَقَة غَيْر مُقَيَّدَة حَتَّى الْكَافِر كَمَا بَيَّنَّا . وَفِي الْخَبَر قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَنُطْعِمُهُمْ مِنْ لُحُوم النُّسُك ؟ قَالَ : ( لَا تُطْعِمُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ نُسُك الْمُسْلِمِينَ ) . وَنَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِطْعَام الْمُشْرِكِينَ مِنْ نُسُك الْمُسْلِمِينَ يَحْتَمِل النُّسُك الْوَاجِب فِي الذِّمَّة الَّذِي لَا يَجُوز لِلنَّاسِكِ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ وَلَا أَنْ يُطْعِمَهُ الْأَغْنِيَاء ; فَأَمَّا غَيْر الْوَاجِب الَّذِي يُجْزِيهِ إِطْعَام الْأَغْنِيَاء فَجَائِز أَنْ يُطْعِمَهُ أَهْل الذِّمَّة . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة عِنْد تَفْرِيق لَحْم الْأُضْحِيَّة : ( اِبْدَئِي بِجَارِنَا الْيَهُودِيّ ) . وَرُوِيَ أَنَّ شَاة ذُبِحَتْ فِي أَهْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيّ ؟ - ثَلَاث مَرَّات - سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) . وَقَرَأَ عَاصِم فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَضَّل عَنْهُ " وَالْجَار الْجَنْب " بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون النُّون . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : هُوَ عَلَى تَقْدِير حَذْف الْمُضَاف ; أَيْ وَالْجَار ذِي الْجَنْب أَيْ ذِي النَّاحِيَة . وَأَنْشَدَ الْأَخْفَش : النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ وَالْجَنْب النَّاحِيَة , أَيْ الْمُتَنَحِّي عَنْ الْقَرَابَة . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ الرَّفِيق فِي السَّفَر . وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُ رَجُل مِنْ أَصْحَابه وَهُمَا عَلَى رَاحِلَتَيْنِ فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْضَة , فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ أَحَدهمَا مُعْوَجّ , فَخَرَجَ وَأَعْطَى لِصَاحِبِهِ الْقَوِيم ; فَقَالَ : كُنْت يَا رَسُول اللَّه أَحَقّ بِهَذَا ! فَقَالَ : ( كَلَّا يَا فُلَان إِنَّ كُلّ صَاحِب يَصْحَب آخَر فَإِنَّهُ مَسْئُول عَنْ صَحَابَته وَلَوْ سَاعَة مِنْ نَهَار ) . وَقَالَ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن : لِلسَّفَرِ مُرُوءَةٌ وَلِلْحَضَرِ مُرُوءَةٌ ; فَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فِي السَّفَر فَبَذْل الزَّاد , وَقِلَّة الْخِلَاف عَلَى الْأَصْحَاب , وَكَثْرَة الْمِزَاح فِي غَيْر مَسَاخِطِ اللَّه . وَأَمَّا الْمُرُوءَة فِي الْحَضَر فَالْإِدْمَان إِلَى الْمَسَاجِد , وَتِلَاوَة الْقُرْآن وَكَثْرَة الْإِخْوَان فِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَلِبَعْضِ بَنِي أَسَد - وَقِيلَ إِنَّهَا لِحَاتِمٍ الطَّائِيّ : إِذَا مَا رَفِيقِي لَمْ يَكُنْ خَلْفَ نَاقَتِي لَهُ مَرْكَب فَضْلًا فَلَا حَمَلَتْ رِجْلِي وَلَمْ يَكُ مِنْ زَادِي لَهُ شَطْرُ مِزْوَدِي فَلَا كُنْت ذَا زَادٍ وَلَا كُنْت ذَا فَضْلِ شَرِيكَانِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَقَدْ أَرَى عَلَيَّ لَهُ فَضْلًا بِمَا نَالَ مِنْ فَضْلِي وَقَالَ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن أَبِي لَيْلَى : " الصَّاحِب بِالْجَنْبِ " الزَّوْجَة . اِبْن جُرَيْج : هُوَ الَّذِي يَصْحَبك وَيَلْزَمك رَجَاء نَفْعك . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك . وَقَدْ تَتَنَاوَل الْآيَة الْجَمِيع بِالْعُمُومِ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ مُجَاهِد : هُوَ الَّذِي يُجْتَاز بِك مَارًّا . وَالسَّبِيل الطَّرِيق ; فَنُسِبَ الْمُسَافِر إِلَيْهِ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ وَلُزُومه إِيَّاهُ . وَمِنْ الْإِحْسَان إِلَيْهِ إِعْطَاؤُهُ وَإِرْفَاقه وَهِدَايَته وَرُشْده . أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَمَالِيك , وَبَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَرَوَى مُسْلِم وَغَيْره عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْد قَالَ : مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْد وَعَلَى غُلَامه مِثْله , فَقُلْنَا : يَا أَبَا ذَرّ لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة ; فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُل مِنْ إِخْوَانِي كَلَام , وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّة فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ , فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه . قَالَ : ( يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك امْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة هُمْ إِخْوَانكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ رَكِبَ بَغْلَة ذَات يَوْم فَأَرْدَفَ غُلَامه خَلْفه , فَقَالَ لَهُ قَائِل : لَوْ أَنْزَلْته يَسْعَى خَلْف دَابَّتك ; فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَأَنْ يَسْعَى مَعِي ضِغْثَانِ مِنْ نَار يُحْرِقَانِ مِنِّي مَا أَحْرَقَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْعَى غُلَامِي خَلْفِي . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ لَايَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُ مِمَّا تَكْتَسُونَ وَمَنْ لَا يُلَايِمُكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْق اللَّه ) . لَايَمَكُمْ وَافَقَكُمْ . وَالْمُلَايَمَة الْمُوَافَقَة . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا يُطِيق ) وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي بَلْ لِيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي ) وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام . فَنَدَبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّادَة إِلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْإِحْسَان وَإِلَى سُلُوك طَرِيق التَّوَاضُع حَتَّى لَا يَرَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَزِيَّة عَلَى عَبِيدِهِمْ , إِذْ الْكُلّ عَبِيد اللَّه وَالْمَال مَال اللَّه , لَكِنْ سَخَّرَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , وَمَلَّكَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا إِتْمَامًا لِلنِّعْمَةِ وَتَنْفِيذًا لِلْحِكْمَةِ ; فَإِنْ أَطْعَمُوهُمْ أَقَلّ مِمَّا يَأْكُلُونَ , وَأَلْبَسُوهُمْ أَقَلّ مِمَّا يَلْبَسُونَ صِفَةً وَمِقْدَارًا جَازَ إِذَا قَامَ بِوَاجِبِهِ عَلَيْهِ . وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَان لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ : أَعْطَيْت الرَّقِيق قُوتَهُمْ ؟ قَالَ لَا . قَالَ : فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِس عَمَّنْ يَمْلِك قُوتَهُمْ ) . ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ ضَرَبَ عَبْده حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ ) . وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبهُ قَدْر الْحَدّ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدّ . وَجَاءَ عَنْ نَفَر مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ اقْتَصُّوا لِلْخَادِمِ مِنْ الْوَلَد فِي الضَّرْب وَأَعْتَقُوا الْخَادِم لَمَّا لَمْ يُرِدْ الْقِصَاص وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدّ يَوْم الْقِيَامَة ثَمَانِينَ ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة سَيِّئُ الْمَلَكَة ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( سُوء الْخُلُق شُؤْم وَحُسْن الْمَلَكَة نَمَاء وَصِلَة الرَّحِم تَزِيد فِي الْعُمُر وَالصَّدَقَة تَدْفَع مِيتَة السُّوء ) . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب أَيّهمَا أَفْضَل الْحُرّ أَوْ الْعَبْد ; فَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوك الْمُصْلِح أَجْرَانِ ) وَاَلَّذِي نَفْس أَبِي هُرَيْرَة بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْحَجّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْت أَنْ أَمُوت وَأَنَا مَمْلُوك . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْعَبْد إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَة اللَّه فَلَهُ أَجْره مَرَّتَيْنِ ) . فَاسْتُدِلَّ بِهَذَا وَمَا كَانَ مِثْله مِنْ فَضْل الْعَبْد ; لِأَنَّهُ مُخَاطَب مِنْ جِهَتَيْنِ : مُطَالَب بِعِبَادَةِ اللَّه , مُطَالَب بِخِدْمَةِ سَيِّده . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُمَر يُوسُف بْن عَبْد الْبَرّ النَّمَرِيّ وَأَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الْعَامِرِيّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ . اِسْتَدَلَّ مَنْ فَضَّلَ الْحُرّ بِأَنْ قَالَ : الِاسْتِقْلَال بِأُمُورِ الدِّين وَالدُّنْيَا وَإِنَّمَا يَحْصُل بِالْأَحْرَارِ وَالْعَبْد كَالْمَفْقُودِ لِعَدَمِ اِسْتِقْلَال , وَكَالْآلَةِ الْمُصَرَّفَة بِالْقَهْرِ , وَكَالْبَهِيمَةِ الْمُسَخَّرَة بِالْجَبْرِ ; وَلِذَلِكَ سُلِبَ مَنَاصِب الشَّهَادَات وَمُعْظَم الْوِلَايَات , وَنَقَصَتْ حُدُودُهُ عَنْ حُدُود الْأَحْرَار إِشْعَارًا بِخِسَّةِ الْمِقْدَار , وَالْحُرّ وَإِنْ طُولِبَ مِنْ جِهَة وَاحِدَة فَوَظَائِفُهُ فِيهَا أَكْثَر , وَعَنَاؤُهُ أَعْظَم فَثَوَابه أَكْثَر . وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا أَبُو هُرَيْرَة بِقَوْلِهِ : لَوْلَا الْجِهَاد وَالْحَجّ ; أَيْ لَوْلَا النَّقْص الَّذِي يَلْحَق الْعَبْد لِفَوْتِ هَذِهِ الْأُمُور . وَاَللَّه أَعْلَم . رَوَى أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ , وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالنِّسَاءِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُحَرِّمُ طَلَاقَهُنَّ , وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالْمَمَالِيكِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ مُدَّة إِذَا اِنْتَهَوْا إِلَيْهَا عَتَقُوا , وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيت أَنْ يُحْفِيَ فَمِي - وَرُوِيَ حَتَّى كَادَ - وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْل حَتَّى ظَنَنْت أَنَّ خِيَار أُمَّتِي لَا يَنَامُونَ لَيْلًا ) . ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ فِي تَفْسِيره . أَيْ لَا يَرْضَى . فَنَفَى سُبْحَانَهُ مَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَته ; أَيْ لَا يَظْهَر عَلَيْهِ آثَار نِعَمه فِي الْآخِرَة . وَفِي هَذَا ضَرْب مِنْ التَّوَعُّد . وَالْمُخْتَال ذُو الْخُيَلَاء أَيْ الْكِبْر . وَالْفَخُور : الَّذِي يَعْدُدْ مَنَاقِبه كِبْرًا . وَالْفَخْر : الْبَذَخ وَالتَّطَاوُل . وَخَصَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ هُنَا لِأَنَّهُمَا تَحْمِلَانِ صَاحِبَيْهِمَا عَلَى الْأَنَفَة مِنْ الْقَرِيب الْفَقِير وَالْجَار الْفَقِير وَغَيْرهمْ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْآيَة فَيُضِيع أَمْر اللَّه بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ .

غريب الآية
۞ وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا ﴿٣٦﴾
وَٱلۡیَتَـٰمَىٰالأولادِ الذين ماتَ أباؤُهم وهم دونَ البُلوغ.
وَٱلۡمَسَـٰكِینِالذين لا يملِكُون ما يَكْفيهم.
ٱلۡجُنُبِالبعيدِ.
وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِالرفيقِ في السَّفَر والحَضَرِ.
وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِالمسافرِ المحتاجِ.
وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۗالرقيقِ ذكوراً وإناثاً.
الإعراب
(وَاعْبُدُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اعْبُدُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُشْرِكُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(شَيْئًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَبِالْوَالِدَيْنِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْوَالِدَيْنِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(إِحْسَانًا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَبِذِي)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(ذِي) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ.
(الْقُرْبَى)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْيَتَامَى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْيَتَامَى) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْمَسَاكِينِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمَسَاكِينِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْجَارِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْجَارِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذِي)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ.
(الْقُرْبَى)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْجَارِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْجَارِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْجُنُبِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالصَّاحِبِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الصَّاحِبِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالْجَنْبِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْجَنْبِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَابْنِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ابْنِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(السَّبِيلِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ.
(مَلَكَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَيْمَانُكُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُحِبُّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مُخْتَالًا)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فَخُورًا)
خَبَرُ كَانَ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.