سورة النساء الآية ٣٢
سورة النساء الآية ٣٢
وَلَا تَتَمَنَّوۡا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ لِّلرِّجَالِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣰا ﴿٣٢﴾
تفسير السعدي
ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم, ما فضل الله به غيره, من الأمور الممكنة, وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال, التي بها فضلهم على النساء, ولا صاحب الفقر والنقص, حالة الغنى والكامل, تمنيا مجردا, لأن هذا, هو الحسد بعينه, تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك, ويسلب إياها. ولأنه يقتضي السخط على قدر الله, والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة, التي لا يقترن بها عمل, ولا كسب. وإنما المحمود أمران, أن يسعى العبد على حسب قدرته, بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية. ويسأل الله تعالى من فضله. فلا يتكل على نفسه, ولا على غير ربه. ولهذا قال تعالى " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا " أي: من أعمالهم المنتجة للمطلوب. " وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ " فكل منهم لا يناله, غير ما كسبه, وتعب فيه. " وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ " أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا. فهذا كمال العبد, وعنوان سعادته, لا من يترك العمل, أو يتكل على نفسه, غير مفتقر لربه, أو يجمع بين الأمرين, فإن هذا مخذول خاسر. وقوله " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا " فيعطي من يعلمه أهلا لذلك, ويمنع من يعلمه غير مستحق.
التفسير الميسر
ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، في المواهب والأرزاق وغير ذلك، فقد جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن، واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله بدلا من التمني. إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير.
تفسير الجلالين
"وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض" مِنْ جِهَة الدُّنْيَا أَوْ الدِّين لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى التَّحَاسُد وَالتَّبَاغُض "لِلرِّجَالِ نَصِيب" ثَوَاب "مِمَّا اكْتَسَبُوا" بِسَبَبِ مَا عَمِلُوا مِنْ الْجِهَاد وَغَيْره "وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب مِمَّا اكْتَسَبْنَ" مِنْ طَاعَة أَزْوَاجهنَّ وَحِفْظ فُرُوجهنَّ نَزَلَتْ لَمَّا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة : لَيْتَنَا كُنَّا رِجَالًا فَجَاهَدْنَا وَكَانَ لَنَا مِثْل أَجْر الرِّجَال "وَسَأَلُوا" بِهَمْزَةٍ وَدُونهَا "اللَّه مِنْ فَضْله" مَا احْتَجْتُمْ إلَيْهِ يُعْطِكُمْ "إنَّ اللَّه كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا" وَمِنْهُ مَحَلّ الْفَضْل وَسُؤَالكُمْ
تفسير ابن كثير
قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ قَالَتْ أُمّ سَلَمَة يَا رَسُول اللَّه تَغْزُو الرِّجَال وَلَا نَغْزُو وَلَنَا نِصْف الْمِيرَاث فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَذَكَرَهُ وَقَالَ غَرِيب وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد أَنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَلَمَة يَا رَسُول اللَّه : لَا نُقَاتِل فَنُسْتَشْهَد وَلَا نَقْطَع الْمِيرَاث فَنَزَلَتْ الْآيَة ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه " إِنِّي لَا أُضِيع عَمَل عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى " الْآيَة . ثُمَّ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَكَذَا رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة يَعْنِي عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح بِهَذَا اللَّفْظ وَرَوَى يَحْيَى الْقَطَّان وَوَكِيع بْن الْجَرَّاح عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه . وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان وَخُصَيْف نَحْو ذَلِكَ وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث اِبْن جَرِير عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد أَنَّهُمَا قَالَا أُنْزِلَتْ فِي أُمّ سَلَمَة وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ شَيْخ مِنْ أَهْل مَكَّة قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْل النِّسَاء لَيْتَنَا الرِّجَال فَنُجَاهِد كَمَا يُجَاهِدُونَ وَنَغْزُو فِي سَبِيل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْقَاسِم بْن عَطِيَّة حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَشْعَث بْن إِسْحَاق عَنْ جَعْفَر يَعْنِي اِبْن أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ : أَتَتْ اِمْرَأَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ أَفَنَحْنُ فِي الْعَمَل هَكَذَا إِنْ فَعَلَتْ اِمْرَأَة حَسَنَة كُتِبَتْ لَهَا نِصْف حَسَنَة فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة " وَلَا تَتَمَنَّوْا " الْآيَة. فَإِنَّهُ عَدْل مِنِّي وَأَنَا صَنَعْته وَقَالَ السُّدِّيّ فِي الْآيَة إِنَّ رِجَالًا قَالُوا إِنَّا نُرِيد أَنْ يَكُون لَنَا مِنْ الْأَجْر الضِّعْف عَلَى أَجْر النِّسَاء كَمَا لَنَا فِي السِّهَام سَهْمَانِ وَقَالَتْ النِّسَاء إِنَّا نُرِيد أَنْ يَكُون لَنَا أَجْر مِثْل أَجْر الشُّهَدَاء فَإِنَّا لَا نَسْتَطِيع أَنْ نُقَاتِل وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْنَا الْقِتَال لَقَاتَلْنَا فَأَبَى اللَّه ذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَ لَهُمْ سَلُونِي مِنْ فَضْلِي قَالَ لَيْسَ بِعَرَضِ الدُّنْيَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَة نَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ : وَلَا يَتَمَنَّى الرَّجُل فَيَقُول لَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي مَال فُلَان وَأَهْله فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَسْأَل اللَّه مِنْ فَضْله . وَقَالَ الْحَسَن وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَعَطَاء وَالضَّحَّاك نَحْو هَذَا وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ الْآيَة وَلَا يَرُدّ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح " لَا حَسَد إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ رَجُل آتَاهُ اللَّه مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَته فِي الْحَقّ فَيَقُول رَجُل لَوْ أَنَّ لِي مِثْل مَا لِفُلَانٍ لَعَمِلْت مِثْله فَهُمَا فِي الْأَجْر سَوَاء " فَإِنَّ هَذَا شَيْء غَيْر مَا نَهَتْ عَنْهُ الْآيَة . وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيث حَضَّ عَلَى تَمَنِّي مِثْل نِعْمَة هَذَا وَالْآيَة نَهَتْ عَنْ تَمَنِّي عَيْن نِعْمَة هَذَا يَقُول " وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض " أَيْ فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَكَذَا الدِّينِيَّة لِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة وَابْن عَبَّاس , وَهَكَذَا قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح نَزَلَتْ فِي النَّهْي عَنْ تَمَنِّي مَا لِفُلَانٍ وَفِي تَمَنِّي النِّسَاء أَنْ يَكُنَّ رِجَالًا فَيَغْزُونَ رَوَاهُ اِبْن جَرِير ثُمَّ قَالَ " لِلرِّجَالِ نَصِيب مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب مِمَّا اِكْتَسَبْنَ " أَيْ كُلّ لَهُ جَزَاء عَلَى عَمَله بِحَسَبِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ , هَذَا قَوْل اِبْن جَرِير وَقِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ فِي الْمِيرَاث أَيْ كُلّ يَرِث بِحَسَبِهِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحهُمْ فَقَالَ اِسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلْنَا بِهِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض فَإِنَّ هَذَا أَمْر مَحْتُوم أَيْ إِنَّ التَّمَنِّي لَا يُجْدِي شَيْئًا وَلَكِنْ سَلُونِي مِنْ فَضْلِي أُعْطِكُمْ فَإِنِّي كَرِيم وَهَّاب. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن وَاقِد سَمِعْت إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ أَنْ يُسْأَل وَإِنَّ أَفْضَل الْعِبَادَة اِنْتِظَار الْفَرَج " . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ كَذَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن وَاقِد وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث وَكِيع عَنْ إِسْرَائِيل ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيث قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ حَكِيم بْن جُبَيْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ أَنْ يُسْأَل وَإِنَّ أَحَبّ عِبَاد اللَّه إِلَى اللَّه الَّذِي يُحِبّ الْفَرَج " ثُمَّ قَالَ " إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا " أَيْ هُوَ عَلِيم بِمَنْ يَسْتَحِقّ الدُّنْيَا فَيُعْطِيه مِنْهَا وَبِمَنْ يَسْتَحِقّ الْفَقْر فَيُفْقِرهُ وَعَلِيم بِمَنْ يَسْتَحِقّ الْآخِرَة فَيُقَيِّضهُ لِأَعْمَالِهَا وَبِمَنْ يَسْتَحِقّ الْخِذْلَان فَيَخْذُلهُ عَنْ تَعَاطِي الْخَيْر وَأَسْبَابه وَلِهَذَا قَالَ " إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا " .
تفسير القرطبي
رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا قَالَتْ : يَغْزُو الرِّجَال وَلَا يَغْزُو النِّسَاء وَإِنَّمَا لَنَا نِصْف الْمِيرَاث ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض " . قَالَ مُجَاهِد : وَأَنْزَلَ فِيهَا " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات " [ الْأَحْزَاب : 35 ] , وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَة أَوَّل ظَعِينَة قَدِمَتْ الْمَدِينَة مُهَاجِرَة . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث مُرْسَل , وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , مُرْسَل أَنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ كَذَا . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاء وَلَا الصِّبْيَان ; فَلَمَّا وَرِثُوا وَجُعِلَ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ تَمَنَّى النِّسَاء أَنْ لَوْ جُعِلَ أَنْصِبَاؤُهُنَّ كَأَنْصِبَاءِ الرِّجَال . وَقَالَ الرِّجَال : إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ نُفَضَّلَ عَلَى النِّسَاء بِحَسَنَاتِنَا فِي الْآخِرَة كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاث ; فَنَزَلَتْ , " وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض " . قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَتَمَنَّوْا " التَّمَنِّي نَوْع مِنْ الْإِرَادَة يَتَعَلَّق بِالْمُسْتَقْبَلِ , كَالتَّلَهُّفِ نَوْع مِنْهَا يَتَعَلَّق بِالْمَاضِي ; فَنَهَى اللَّه سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ التَّمَنِّي ; لِأَنَّ فِيهِ تَعَلُّق الْبَال وَنِسْيَان الْأَجَل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يَدْخُل فِي هَذَا النَّهْي الْغِبْطَة , وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُل أَنْ يَكُون لَهُ حَال صَاحِبه وَإِنْ لَمْ يَتَمَنَّ زَوَالَ حَالِهِ . وَالْجُمْهُور عَلَى إِجَازَة ذَلِكَ : مَالِك وَغَيْره ; وَهِيَ الْمُرَاد عِنْد بَعْضهمْ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اِثْنَتَيْنِ رَجُل آتَاهُ اللَّه الْقُرْآن فَهُوَ يَقُوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار وَرَجُل آتَاهُ اللَّه مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار ) . فَمَعْنَى قَوْله : " لَا حَسَدَ " أَيْ لَا غِبْطَة أَعْظَم وَأَفْضَل مِنْ الْغِبْطَة فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ . وَقَدْ نَبَّهَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ بَوَّبَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث ( بَاب الِاغْتِبَاط فِي الْعِلْم وَالْحِكْمَة ) قَالَ الْمُهَلَّب : بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة مَا لَا يَجُوز تَمَنِّيه , وَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ عَرَض الدُّنْيَا وَأَشْبَاههَا . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَأَمَّا التَّمَنِّي فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَذَلِكَ هُوَ الْحَسَن , وَأَمَّا إِذَا تَمَنَّى الْمَرْء عَلَى اللَّه مِنْ غَيْر أَنْ يَقْرِن أَمْنِيَّتَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فَذَلِكَ جَائِز ; وَذَلِكَ مَوْجُود فِي حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل : ( وَدِدْت أَنْ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلَ ) . قُلْت : هَذَا الْحَدِيث هُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْبُخَارِيّ كِتَاب التَّمَنِّي فِي صَحِيحه , وَهُوَ يَدُلّ عَلَى تَمَنِّي الْخَيْر وَأَفْعَال الْبِرّ وَالرَّغْبَة فِيهَا , وَفِيهِ فَضْل الشَّهَادَة عَلَى سَائِر أَعْمَال الْبِرّ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام تَمَنَّاهَا دُون غَيْرهَا , وَذَلِكَ لِرَفِيعِ مَنْزِلَتهَا وَكَرَامَة أَهْلهَا , فَرَزَقَهُ اللَّه إِيَّاهَا ; لِقَوْلِهِ : ( مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تَعَاوِدُنِي الْآن أَوَان قَطَعَتْ أَبْهَرِي ) . وَفِي الصَّحِيح : ( إِنَّ الشَّهِيد يُقَال لَهُ تَمَنَّ فَيَقُول أَتَمَنَّى أَنْ أَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى أُقْتَل فِي سَبِيلِك مَرَّة أُخْرَى ) . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَنَّى إِيمَان أَبِي طَالِب وَإِيمَان أَبِي لَهَبٍ وَصَنَادِيد قُرَيْش مَعَ عِلْمه بِأَنَّهُ لَا يَكُون ; وَكَانَ يَقُول : ( وَاشَوْقَاه إِلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ) . وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّمَنِّي لَا يُنْهَى عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَة إِلَى الْحَسَد وَالتَّبَاغُض , وَالتَّمَنِّي الْمَنْهِيّ عَنْهُ فِي الْآيَة مِنْ هَذَا الْقَبِيل ; فَيَدْخُل فِيهِ أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُل حَال الْآخَر مِنْ دِين أَوْ دُنْيَا عَلَى أَنْ يَذْهَب مَا عِنْد الْآخَر , وَسَوَاء تَمَنَّيْت مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعُود إِلَيْك أَوْ لَا . وَهَذَا هُوَ الْحَسَد بِعَيْنِهِ , وَهُوَ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله " [ النِّسَاء : 54 ] وَيَدْخُل فِيهِ أَيْضًا خِطْبَة الرَّجُل عَلَى خِطْبَة أَخِيهِ وَبَيْعه عَلَى بَيْعه ; لِأَنَّهُ دَاعِيَة الْحَسَد وَالْمَقْت . وَقَدْ كَرِهَ بَعْض الْعُلَمَاء الْغِبْطَة وَأَنَّهَا دَاخِلَة فِي النَّهْي , وَالصَّحِيح جَوَازهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا , وَبِاَللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى مَال أَحَد , أَلَمْ تَسْمَع الَّذِينَ قَالُوا : " يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون " [ الْقَصَص : 79 ] إِلَى أَنْ قَالَ : " وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانه بِالْأَمْسِ " [ الْقَصَص : 82 ] حِينَ خُسِفَ بِهِ وَبِدَارِهِ وَبِأَمْوَالِهِ " لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا " [ الْقَصَص : 82 ] وَقَالَ الْكَلْبِيّ : لَا يَتَمَنَّ الرَّجُل مَال أَخِيهِ وَلَا امْرَأَته وَلَا خَادِمه وَلَا دَابَّته ; وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِثْله . وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التَّوْرَاة , وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْقُرْآن " وَاسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَهَى اللَّه سُبْحَانه أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُل مَال فُلَان وَأَهْله , وَأَمَرَ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْأَلُوهُ مِنْ فَضْله . وَمِنْ الْحُجَّة لِلْجُمْهُورِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَر : رَجُل آتَاهُ اللَّه مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبّه وَيَصِل بِهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَم لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمَنَازِل , وَرَجُل آتَاهُ اللَّه عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَان فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاء ) الْحَدِيث ... وَقَدْ تَقَدَّمَ . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ . وَقَالَ الْحَسَن : لَا يَتَمَنَّ أَحَدكُمْ الْمَال وَمَا يُدْرِيهِ لَعَلَّ هَلَاكه فِيهِ ; وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحّ إِذَا تَمَنَّاهُ لِلدُّنْيَا , وَأَمَّا إِذَا تَمَنَّاهُ لِلْخَيْرِ فَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّرْع , فَيَتَمَنَّاهُ الْعَبْد لِيَصِل بِهِ إِلَى الرَّبّ , وَيَفْعَل اللَّه مَا يَشَاء . " لِلرِّجَالِ نَصِيب مِمَّا اِكْتَسَبُوا " يُرِيد مِنْ الثَّوَاب وَالْعِقَاب " وَلِلنِّسَاءِ " كَذَلِكَ ; قَالَ قَتَادَة . فَلِلْمَرْأَةِ الْجَزَاء عَلَى الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا كَمَا لِلرِّجَالِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمِيرَاث . وَالِاكْتِسَاب عَلَى هَذَا الْقَوْل بِمَعْنَى الْإِصَابَة , لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ ; فَنَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ التَّمَنِّي عَلَى هَذَا الْوَجْه لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَاعِي الْحَسَد ; وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِمَصَالِحِهِمْ مِنْهُمْ ; فَوَضَعَ الْقِسْمَة بَيْنهمْ عَلَى التَّفَاوُت عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ مَصَالِحهمْ . " وَاسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله " رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل وَأَفْضَل الْعِبَادَة اِنْتِظَار الْفَرَج ) وَخَرَّجَ أَيْضًا اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّه يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالسُّؤَالِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاجِب ; وَقَدْ أَخَذَ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْمَعْنَى فَنَظَمَهُ فَقَالَ : اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْت سُؤَالَهُ وَبُنَيّ آدَم حِينَ يُسْأَل يَغْضَبُ وَقَالَ أَحْمَد بْن الْمُعَذَّل أَبُو الْفَضْل الْفَقِيهُ الْمَالِكِيّ فَأَحْسَنَ : اِلْتَمِسْ الْأَرْزَاقَ عِنْد الَّذِي مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِ مَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ تَسْآلَهُ جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنْ الطَّالِبِ وَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ بِغَيْرِ تَوْقِيعٍ إِلَى كَاتِبِ وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْل فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَاب " قَمْع الْحِرْص بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَة " . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : " وَاسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله " الْعِبَادَة , لَيْسَ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا . وَقِيلَ : سَلُوهُ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ . وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : سَلُوا رَبّكُمْ حَتَّى الشِّبَع ; فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَتَيَسَّرْ . وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّؤَالِ إِلَّا لِيُعْطِيَ . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَابْن كَثِير : " وَسَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِهِ " بِغَيْرِ هَمْز فِي جَمِيع الْقُرْآن . الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ . " وَاسْأَلُوا اللَّه " . وَأَصْله بِالْهَمْزِ إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَتْ الْهَمْزَة لِلتَّخْفِيفِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
| لِّلرِّجَالِ | للذُّكورِ من أولادِ الميتِ صغاراً وكباراً. |
|---|---|
| مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ | ما فَضَّل اللهُ به غيرَكم عليكم في المواهِبِ والأرزاقِ. |
| نَصِیبࣱ | مقدارٌ من الجزاءِ بحسَبِ العملِ. |
| مِن فَضۡلِهِۦۤۚ | من عَوْنِه، وتوفيقِه. |
| نَصِیبࣱ | حَظٌّ. |
| فَضۡلِهِۦ | النبوَّةِ، والنصْرِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian