صفحات الموقع

سورة النساء الآية ٣

سورة النساء الآية ٣

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰ⁠حِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟ ﴿٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء, التي تحت حجوركم وولايتكم, وخفتم أن لا تقوموا بحقهن, لعدم محبتكم إياهن - فاعدلوا إلى غيرهن, وانكحوا " مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ " أي: ما وقع عليهن اختياركم, من ذوات الدين, والمال, والجمال, والحسب, والنسب, وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن, فاختاروا على نظركم. ومن أحسن ما يختار من ذلك, صفه الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " تنكح المرأة لأربع: لمالها, ولجمالها, ولحسبها, ولدينها, فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك " . وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان, أن يختار قبل النكاح. بل قد أباح له الشارع, النظر إلى من يريد تزوجها, ليكون على بصيرة من أمره. ثم ذكر العدد الذي أباحه من النساء فقال: " مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ " أي: من أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل, أو ثلاثا فليفعل, أو أربعا فليفعل, ولا يزيد عليها, لأن الآية سيقت لبيان الامتنان. فلا يحوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى إجماعا. وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة, فأبيح له واحدة بعد واحدة, حتى تبلغ أربعا, لأن في الأربع, غنية لكل أحد, إلا ما ندر. ومع هذا, فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم, ووثق بالقيام بحقوقهن. فإن خاف شيئا من هذا, فليقتصر على واحدة, أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم, في ملك اليمين. " ذَلِكَ " أي: الاقتصار على واحدة, أو ما ملكت اليمين " أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " أي: تظلموا. وفي هذا, إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم, وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - أنه لا ينبغي له أن يتعرض له, بل يلزم السعة والعافية, فإن العافية خير ما أعطي العبد.

التفسير الميسر

وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي.

تفسير الجلالين

"وَإِنْ خِفْتُمْ" أَنْ لَا "تُقْسِطُوا" تَعْدِلُوا "فِي الْيَتَامَى" فَتَحَرَّجْتُمْ مِنْ أَمْرهمْ فَخَافُوا أَيْضًا أَنْ لَا تَعْدِلُوا بَيْن النِّسَاء إذَا نَكَحْتُمُوهُنَّ "فَانْكِحُوا" تَزَوَّجُوا "مَا" بِمَعْنَى مَنْ "طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع" أَيْ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَلَا تَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ "فَإِنْ خِفْتُمْ" أَنْ لَا "تَعْدِلُوا" فِيهِنَّ بِالنَّفَقَةِ وَالْقَسْم "فَوَاحِدَة" انْكِحُوهَا "أَوْ" اقْتَصِرُوا عَلَى "مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ" مِنْ الْإِمَاء إذْ لَيْسَ لَهُنَّ مِنْ الْحُقُوق مَا لِلزَّوْجَاتِ "ذَلِكَ" أَيْ نِكَاح الْأَرْبَع فَقَطْ أَوْ الْوَاحِدَة أَوْ التَّسَرِّي "أَدْنَى" أَقْرَب إلَى "أَلَّا تَعُولُوا" تَجُورُوا

تفسير ابن كثير

وَقَوْله " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى أَيْ إِذَا كَانَ تَحْت حِجْر أَحَدكُمْ يَتِيمَة وَخَافَ أَنْ لَا يُعْطِيهَا مَهْر مِثْلهَا فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنْ النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كَثِير وَلَمْ يُضَيِّق اللَّه عَلَيْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَنِي هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة : أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَة فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عِذْق وَكَانَ يُمْسِكهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسه شَيْء فَنَزَلَتْ فِيهِ " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا " أَحْسَبهُ قَالَ : كَانَتْ شَرِيكَته فِي ذَلِكَ الْعِذْق وَفِي مَاله . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ صَالِح بْن كَيْسَان عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى " قَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حِجْر وَلِيّهَا تُشْرِكهُ فِي مَاله وَيُعْجِبهُ مَالهَا وَجَمَالهَا فَيُرِيد وَلِيّهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا فَيُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْره فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا إِلَيْهِنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتهنَّ فِي الصَّدَاق وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ قَالَ عُرْوَة : قَالَتْ عَائِشَة : وَإِنَّ النَّاس اِسْتَفْتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة فَأَنْزَلَ اللَّه" وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء " قَالَتْ عَائِشَة : وَقَوْل اللَّه فِي الْآيَة الْأُخْرَى " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَته إِذَا كَانَتْ قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالهَا وَجَمَالهَا مِنْ النِّسَاء إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْل رَغْبَتهمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَات الْمَال وَالْجَمَال وَقَوْله " مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع " أَيْ اِنْكِحُوا مَنْ شِئْتُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ إِنْ شَاءَ أَحَدكُمْ ثِنْتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " جَاعِل الْمَلَائِكَة رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَة مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع " أَيْ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَة وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَة وَلَا يَنْفِي مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَة لِدَلَالَةِ الدَّلِيل عَلَيْهِ بِخِلَافِ قَصْر الرِّجَال عَلَى أَرْبَع فَمِنْ هَذِهِ الْآيَة كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْعُلَمَاء لِأَنَّ الْمَقَام مَقَام اِمْتِنَان وَإِبَاحَة فَلَوْ كَانَ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع لَذَكَرَهُ . قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآله وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنَة عَنْ اللَّه أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ غَيْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع نِسْوَة وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ مُجْمَع عَلَيْهِ بَيْن الْعُلَمَاء إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَائِفَة مِنْ الشِّيعَة أَنَّهُ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع وَقَالَ بَعْضهمْ : بِلَا حَصْر وَقَدْ يَتَمَسَّك بَعْضهمْ بِفِعْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعه بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع إِلَى تِسْع كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح وَإِمَّا إِحْدَى عَشْرَة كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْض أَلْفَاظ الْبُخَارِيّ. وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ بِخَمْس عَشْرَة اِمْرَأَة وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاث عَشْرَة وَاجْتَمَعَ عِنْده إِحْدَى عَشْرَة وَمَاتَ عَنْ تِسْع وَهَذَا عِنْد الْعُلَمَاء مِنْ خَصَائِصه دُون غَيْره مِنْ الْأُمَّة لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى الْحَصْر فِي أَرْبَع وَلْنَذْكُرْ الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَا : حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ اِبْن جَعْفَر فِي حَدِيثه , أَنْبَأَنَا اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة الثَّقَفِيّ أَسْلَمَ وَتَحْته عَشْر نِسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا " فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْد عُمَر طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَمَ مَاله بَيْن بَنِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر فَقَالَ : إِنِّي لَأَظُنّ الشَّيْطَان فِيمَا يَسْتَرِق مِنْ السَّمْع سَمِعَ بِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسك وَلَعَلَّك لَا تَلْبَث إِلَّا قَلِيلًا وَأَيْم اللَّه لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك وَلَتَرْجِعَنَّ مَالك أَوْ لَأُوَرِّثُهُنَّ مِنْك وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِك فَيُرْجَم كَمَا رُجِمَ قَبْر أَبِي رِغَالٍ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّار قُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْرهمْ مِنْ طُرُق عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَغُنْدَر وَيَزِيد بْن زُرَيْع وَسَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَعِيسَى بْن يُونُس وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ وَالْفَضْل بْن مُوسَى وَغَيْرهمْ مِنْ الْحُفَّاظ عَنْ مَعْمَر بِإِسْنَادِهِ مِثْله إِلَى قَوْله " اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا " وَبَاقِي الْحَدِيث فِي قِصَّة عُمَر مِنْ أَفْرَاد أَحْمَد : وَهِيَ زِيَادَة حَسَنَة وَهِيَ مُضَاعَفَة لِمَا عَلَّلَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ بَعْد رِوَايَته لَهُ : سَمِعْت الْبُخَارِيّ يَقُول : هَذَا الْحَدِيث غَيْر مَحْفُوظ وَالصَّحِيح مَا رَوَى شُعَيْب وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ حَدَّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي سُوَيْد الثَّقَفِيّ أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة - فَذَكَرَهُ . قَالَ الْبُخَارِيّ : وَإِنَّمَا حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيف طَلَّقَ نِسَاءَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَر : لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرك كَمَا رُجِمَ قَبْر أَبِي رِغَالٍ. وَهَذَا التَّعْلِيل فِيهِ نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ مُرْسَلًا وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ مُرْسَلًا وَقَالَ أَبُو زُرْعَة : هُوَ أَصَحّ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ عَقِيل عَنْ الزُّهْرِيّ : بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن أَبِي سُوَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَهَذَا وَهْم إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي سُوَيْد بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ يُونُس وَابْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي سُوَيْد وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيّ وَالْإِسْنَاد الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد رِجَاله ثِقَات عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ غَيْر طَرِيق مَعْمَر بَلْ وَالزُّهْرِيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَيَزِيد بْن عُمَر بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ أَخْبَرَنَا يُوسُف بْن عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا سَرَّار بْن مُجَشِّر عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع وَسَالِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ غَيْلَان بْن سَلَمَة كَانَ عِنْده عَشْر نِسْوَة فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبَعًا هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه. قَالَ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن : تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّار بْن مُجَشِّر وَهُوَ ثِقَة وَكَذَا وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدَع بْن وَهْب عَنْ سَرَّار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيث قَيْس بْن الْحَارِث أَوْ الْحَارِث بْن قَيْس وَعُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَصَفْوَان بْن أُمَيَّة يَعْنِي حَدِيث غَيْلَان بْن سَلَمَة فَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع لَسَوَّغَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرهنَّ فِي بَقَاء الْعَشَرَة وَقَدْ أَسْلَمْنَ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَع وَفِرَاق سَائِرهنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجَمْع بَيْن أَكْثَر مِنْ أَرْبَع بِحَالٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَام فَفِي الِاسْتِئْنَاف بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَاَللَّه سُبْحَانه أَعْلَم بِالصَّوَابِ " حَدِيث آخَر فِي ذَلِكَ " رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ فِي سُنَنهمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ خَمِيصَة بْن الشَّمَرْدَل وَعِنْد اِبْن مَاجَهْ بِنْت الشَّمَرْدَل وَحَكَى أَبُو دَاوُد أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول الشَّمَرْذَل بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة عَنْ قَيْس بْن الْحَارِث وَعِنْد أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَة الْحَارِث بْن قَيْس أَنَّ عُمَيْرَة الْأَسَدِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي ثَمَان نِسْوَة فَذَكَرْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا " . وَهَذَا الْإِسْنَاد حَسَن : وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَا يَضُرّ مِثْله لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنْ الشَّوَاهِد " حَدِيث آخَر فِي ذَلِكَ " قَالَ الشَّافِعِيّ فِي مُسْنَده أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اِبْن أَبِي الزِّنَاد يَقُول أَخْبَرَنِي عَبْد الْمَجِيد عَنْ اِبْن سَهْل بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَوْف بْن الْحَارِث عَنْ نَوْفَل بْن مُعَاوِيَة الدِّيلِيّ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي خَمْس نِسْوَة فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اِخْتَرْ أَرْبَعًا أَيَّتهنَّ شِئْت وَفَارِقْ الْأُخْرَى " فَعَمَدْت إِلَى أَقْدَمهنَّ صُحْبَة عَجُوز عَاقِر مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة فَطَلَّقْتهَا . فَهَذِهِ كُلّهَا شَوَاهِد لِحَدِيثِ غَيْلَان كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيّ . وَقَوْله " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " . أَيْ إِنْ خِفْتُمْ مِنْ تَعْدَاد النِّسَاء أَنْ لَا تَعْدِلُوا بَيْنهنَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْن النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ " فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَة أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِيّ فَإِنَّهُ لَا يَجِب قَسْم بَيْنهنَّ وَلَكِنْ يُسْتَحَبّ فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَن وَمَنْ لَا فَلَا حَرَج وَقَوْله " ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " قَالَ بَعْضهمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَكْثُر عِيَالكُمْ قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَم وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة " أَيْ فَقْرًا " فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّه مِنْ فَضْله إِنْ شَاءَ " وَقَالَ الشَّاعِر : فَمَا يَدْرِي الْفَقِير مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيّ مَتَى يَعِيل وَتَقُول الْعَرَب عَالَ الرَّجُل يَعِيل عَيْلَة إِذَا اِفْتَقَرَ . وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِير هَهُنَا نَظَر فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَة الْعَائِلَة مِنْ تَعْدَاد الْحَرَائِر كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَاد السَّرَارِيّ أَيْضًا وَالصَّحِيح قَوْل الْجُمْهُور " ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " أَيْ لَا تَجُورُوا يُقَال عَالَ فِي الْحُكْم إِذَا قَسَطَ وَظَلَمَ وَجَارَ ; وَقَالَ أَبُو طَالِب فِي قَصِيدَته الْمَشْهُورَة : بِمِيزَانِ قِسْط لَا يَخِيس شَعِيرَة لَهُ شَاهِد مِنْ نَفْسه غَيْر عَائِل وَقَالَ هُشَيْم عَنْ أَبِي إِسْحَاق كَتَبَ عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى أَهْل الْكُوفَة فِي شَيْء عَاتَبُوهُ فِيهِ : إِنِّي لَسْت بِمِيزَانٍ أَعُول . رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي إِبْرَاهِيم وَخُثَيْم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن شُعَيْب عَنْ عَمْرو بْن مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَيْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا " قَالَ " لَا تَجُورُوا " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم قَالَ أَبِي هَذَا خَطَأ وَالصَّحِيح عَنْ عَائِشَة مَوْقُوف قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرَوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَأَبِي مَالك وَابْن رَزِين وَالنَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان أَنَّهُمْ قَالُوا لَا تَمِيلُوا وَقَدْ اِسْتَشْهَدَ عِكْرِمَة بِبَيْتِ أَبِي طَالِب الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَلَكِنْ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيّ فِي السِّيرَة وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جَرِير ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا وَاخْتَارَ ذَلِكَ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِنْ خِفْتُمْ يَا مَعْشَر أَوْلِيَاء الْيَتَامَى أَلَّا تُقْسِطُوا فِي صَدَاقهنَّ فَتَعْدِلُوا فِيهِ , وَتَبْلُغُوا بِصَدَاقِهِنَّ صَدُقَات أَمْثَالهنَّ , فَلَا تَنْكِحُوهُنَّ , وَلَكِنْ اِنْكِحُوا غَيْرهنَّ مِنْ الْغَرَائِب اللَّوَاتِي أَحَلَّهُنَّ اللَّه لَكُمْ وَطَيَّبَهُنَّ مِنْ وَاحِدَة إِلَى أَرْبَع. وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تَجُورُوا إِذَا نَكَحْتُمْ مِنْ الْغَرَائِب أَكْثَر مِنْ وَاحِدَة , فَلَا تَعْدِلُوا , فَانْكِحُوا مِنْهُنَّ وَاحِدَة , أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6741 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَائِشَة : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } فَقَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي , هِيَ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر وَلِيّهَا , فَيَرْغَب فِي مَالهَا وَجَمَالهَا , وَيُرِيد أَنْ يَنْكِحهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّة صَدَاقهَا , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَال الصَّدَاق , وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس بْن يَزِيد , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } قَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر وَلِيّهَا , تُشَارِكهُ فِي مَاله , فَيُعْجِبهُ مَالهَا وَجَمَالهَا , فَيُرِيد وَلِيّهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا , فَيُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْره , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ , وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتهنَّ فِي الصَّدَاق , وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ . قَالَ يُونُس بْن يَزِيد : قَالَ رَبِيعَة فِي قَوْل اللَّه : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قَالَ : يَقُول : اُتْرُكُوهُنَّ فَقَدْ أَحْلَلْت لَكُمْ أَرْبَعًا * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْجُنَيْد وَأَبُو سَعِيد بْن مَسْلَمَة , قَالَا : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة , عَنْ اِبْن شِهَاب , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : سَأَلْت عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , فَقُلْت : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } ؟ قَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر وَلِيّهَا , فَيَرْغَب فِي جَمَالهَا وَمَالهَا , وَيُرِيد أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّة صَدَاق نِسَائِهَا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا فَيُكْمِلُوا لَهُنَّ الصَّدَاق , ثُمَّ أُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاء إِنْ لَمْ يُكْمِلُوا لَهُنَّ الصَّدَاق . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني يُونُس , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : ثني عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ مِثْل حَدِيث يُونُس , عَنْ اِبْن وَهْب. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَائِشَة , مِثْل حَدِيث اِبْن حُمَيْد , عَنْ اِبْن الْمُبَارَك . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ هِشَام , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : نَزَلَ , يَعْنِي قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } . .. الْآيَة , فِي الْيَتِيمَة تَكُون عِنْد الرَّجُل , وَهِيَ ذَات مَال , فَلَعَلَّهُ يَنْكِحهَا لِمَالِهَا , وَهِيَ لَا تُعْجِبهُ , ثُمَّ يَضُرّ بِهَا , وَيُسِيء صُحْبَتهَا , فَوُعِظَ فِي ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَوَاب قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا } قَوْله : { فَانْكِحُوا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : النَّهْي عَنْ نِكَاح مَا فَوْق الْأَرْبَع , حَذَرًا عَلَى أَمْوَال الْيَتَامَى أَنْ يُتْلِفهَا أَوْلِيَاؤُهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا , كَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ يَتَزَوَّج الْعَشْر مِنْ النِّسَاء , وَالْأَكْثَر , وَالْأَقَلّ , فَإِذَا صَارَ مُعْدِمًا , مَالَ عَلَى مَال يَتِيمه الَّذِي فِي حَجْره , فَأَنْفَقَهُ , أَوْ تَزَوَّجَ بِهِ , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ; وَقِيلَ لَهُمْ : إِنْ أَنْتُمْ خِفْتُمْ عَلَى أَمْوَال أَيْتَامكُمْ أَنْ تُنْفِقُوهَا , فَلَا تَعْدِلُوا فِيهَا مِنْ أَجْل حَاجَتكُمْ إِلَيْهَا , لِمَا يَلْزَمكُمْ مِنْ مُؤَن نِسَائِكُمْ , فَلَا تُجَاوِزُوا فِيمَا تَنْكِحُونَ مِنْ عَدَد النِّسَاء عَلَى أَرْبَع , وَإِنْ خِفْتُمْ أَيْضًا مِنْ الْأَرْبَع أَلَّا تَعْدِلُوا فِي أَمْوَالهمْ فَاقْتَصِرُوا عَلَى الْوَاحِدَة , أَوْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6742 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْ قُرَيْش يَكُون عِنْده النِّسْوَة , وَيَكُون عِنْده الْأَيْتَام , فَيَذْهَب مَاله , فَيَمِيل عَلَى مَال الْأَيْتَام. قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَتَزَوَّج الْأَرْبَع وَالْخَمْس وَالسِّتّ وَالْعَشْر , فَيَقُول الرَّجُل : مَا يَمْنَعنِي أَنْ أَتَزَوَّج كَمَا تَزَوَّجَ فُلَان , فَيَأْخُذ مَال يَتِيمه فَيَتَزَوَّج بِهِ , فَنُهُوا أَنْ يَتَزَوَّجُوا فَوْق الْأَرْبَع . 6743 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ طَاوُس , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قُصِرَ الرِّجَال عَلَى أَرْبَع مِنْ أَجْل أَمْوَال الْيَتَامَى . 6744 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } فَإِنَّ الرَّجُل كَانَ يَتَزَوَّج بِمَالِ الْيَتِيم مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ الْقَوْم كَانُوا يَتَحَوَّبُونَ فِي أَمْوَال الْيَتَامَى أَلَّا يَعْدِلُوا فِيهَا , وَلَا يَتَحَوَّبُونَ فِي النِّسَاء أَلَّا يَعْدِلُوا فِيهِنَّ , فَقِيلَ لَهُمْ : كَمَا خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي الْيَتَامَى , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا فِي النِّسَاء أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ , وَلَا تَنْكِحُوا مِنْهُنَّ إِلَّا مِنْ وَاحِدَة إِلَى الْأَرْبَع , وَلَا تَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ , وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا أَيْضًا فِي الزِّيَادَة عَلَى الْوَاحِدَة , فَلَا تَنْكِحُوا إِلَّا مَا لَا تَخَافُونَ أَنْ تَجُورُوا فِيهِنَّ مِنْ وَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6745 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ النَّاس عَلَى جَاهِلِيَّتهمْ , إِلَّا أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أَوْ يُنْهَوْا عَنْهُ . قَالَ : فَذَكَرُوا الْيَتَامَى , فَنَزَلَتْ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } قَالَ : فَكَمَا خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي النِّسَاء . 6746 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } إِلَى : { أَيْمَانكُمْ } كَانُوا يُشَدِّدُونَ فِي الْيَتَامَى , وَلَا يُشَدِّدُونَ فِي النِّسَاء , يَنْكِح أَحَدهمْ النِّسْوَة , فَلَا يَعْدِل بَيْنهنَّ ; فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كَمَا تَخَافُونَ أَنْ لَا تَعْدِلُوا بَيْن الْيَتَامَى فَخَافُوا فِي النِّسَاء , فَانْكِحُوا وَاحِدَة إِلَى الْأَرْبَع , فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ . 6747 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } حَتَّى بَلَغَ : { أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَقُول : كَمَا خِفْتُمْ الْجَوْر فِي الْيَتَامَى وَهَمَّكُمْ ذَلِكَ , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا فِي جَمْع النِّسَاء. وَكَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَزَوَّج الْعَشَرَة فَمَا دُون ذَلِكَ , فَأَحَلَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَرْبَعًا , ثُمَّ الَّذِي صَيَّرَهُنَّ إِلَى أَرْبَع قَوْله : { مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة } يَقُول : إِنْ خِفْت أَلَّا تَعْدِل فِي أَرْبَع فَثَلَاث , وَإِلَّا فَثِنْتَيْنِ , وَإِلَّا فَوَاحِدَة ; وَإِنْ خِفْت أَلَّا تَعْدِل فِي وَاحِدَة , فَمَا مَلَكَتْ يَمِينك . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } يَقُول : مَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء , { مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } فَخَافُوا فِي النِّسَاء مِثْل الَّذِي خِفْتُمْ فِي الْيَتَامَى أَلَّا تُقْسِطُوا فِيهِنَّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَ جَاءَ الْإِسْلَام , وَالنَّاس عَلَى جَاهِلِيَّتهمْ , إِلَّا أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ فَيَتَّبِعُوهُ أَوْ يُنْهَوْا عَنْ شَيْء فَيَجْتَنِبُوهُ , حَتَّى سَأَلُوا عَنْ الْيَتَامَى , فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو النُّعْمَان عَارِم , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : بَعَثَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالنَّاس عَلَى أَمْر جَاهِلِيَّتهمْ , إِلَّا أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أَوْ يُنْهَوْا عَنْهُ , وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْيَتَامَى , فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } قَالَ : فَكَمَا تَخَافُونَ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَخَافُوا أَلَّا تُقْسِطُوا وَتَعْدِلُوا فِي النِّسَاء . 6748 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَنْكِحُونَ عَشْرًا مِنْ النِّسَاء الْأَيَامَى , وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ شَأْن الْيَتِيم , فَتَفَقَّدُوا مِنْ دِينهمْ شَأْن الْيَتِيم , وَتَرَكُوا مَا كَانُوا يَنْكِحُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } وَنَهَاهُمْ عَمَّا كَانُوا يَنْكِحُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة . 6749 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } كَانُوا فِي جَاهِلِيَّتهمْ لَا يُرْزَءُونَ مِنْ مَال الْيَتِيم شَيْئًا , وَهُمْ يَنْكِحُونَ عَشْرًا مِنْ النِّسَاء , وَيَنْكِحُونَ نِسَاء آبَائِهِمْ , فَتَفَقَّدُوا مِنْ دِينهمْ شَأْن النِّسَاء , فَوَعَظَهُمْ اللَّه فِي الْيَتَامَى وَفِي النِّسَاء , فَقَالَ فِي الْيَتَامَى : { وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيث بِالطَّيِّبِ } . .. إِلَى : { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } وَوَعَظَهُمْ فِي شَأْن النِّسَاء , فَقَالَ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } . .. الْآيَة , وَقَالَ : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء } . 6750 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } . .. إِلَى : { مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } يَقُول : فَإِنْ خِفْتُمْ الْجَوْر فِي الْيَتَامَى وَغَمَّكُمْ ذَلِكَ , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا فِي جَمْع النِّسَاء. قَالَ : وَكَانَ الرَّجُل يَتَزَوَّج الْعَشْر فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَا دُون ذَلِكَ , وَأَحَلَّ اللَّه أَرْبَعًا وَصَيَّرَهُمْ إِلَى أَرْبَع , يَقُول : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة } وَإِنْ خِفْت أَلَّا تَعْدِل فِي وَاحِدَة , فَمَا مَلَكَتْ يَمِينك . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَكَمَا خِفْتُمْ فِي الْيَتَامَى , فَكَذَلِكَ فَتَخَوَّفُوا فِي النِّسَاء أَنْ تَزْنُوا بِهِنَّ , وَلَكِنْ اِنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6751 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } يَقُول : إِنْ تَحَرَّجْتُمْ فِي وِلَايَة الْيَتَامَى وَأَكْل أَمْوَالهمْ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا , فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا مِنْ الزِّنَا , وَانْكِحُوا النِّسَاء نِكَاحًا طَيِّبًا : { مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى اللَّاتِي أَنْتُمْ وُلَاتهنَّ , فَلَا تَنْكِحُوهُنَّ , وَانْكِحُوا أَنْتُمْ مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنْهُنَّ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6752 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَتِيمَة تَكُون عِنْد الرَّجُل هُوَ وَلِيّهَا , لَيْسَ لَهَا وَلِيّ غَيْره , وَلَيْسَ أَحَد يُنَازِعهُ فِيهَا , وَلَا يَنْكِحهَا لِمَالِهَا , فَيَضُرّ بِهَا , وَيُسِيء صُحْبَتهَا. 6753 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الْحَسَن فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } أَيْ مَا حَلَّ لَكُمْ مِنْ يَتَامَاكُمْ مِنْ قَرَابَاتكُمْ { مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيلهَا : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا فِي النِّسَاء , فَلَا تَنْكِحُوا مِنْهُنَّ إِلَّا مَا لَا تَخَافُونَ أَنْ تَجُورُوا فِيهِ مِنْهُنَّ مِنْ وَاحِدَة إِلَى الْأَرْبَع , فَإِنْ خِفْتُمْ الْجَوْر فِي الْوَاحِدَة أَيْضًا فَلَا تَنْكِحُوهَا , وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ , فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا تَجُورُوا عَلَيْهِنَّ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ اِفْتَتَحَ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْل أَمْوَال الْيَتَامَى بِغَيْرِ حَقّهَا , وَخَلْطهَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَال , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيث بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهمْ إِلَى أَمْوَالكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } . ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ اِتَّقَوْا اللَّه فِي ذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا فِيهِ , فَالْوَاجِب عَلَيْهِمْ مِنْ اِتِّقَاء اللَّه , وَالتَّحَرُّج فِي أَمْر النِّسَاء مِثْل الَّذِي عَلَيْهِمْ ظَنّ التَّحَرُّج فِي أَمْر الْيَتَامَى , وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفَ التَّخَلُّص لَهُمْ مِنْ الْجَوْر فِيهِنَّ , كَمَا عَرَّفَهُمْ الْمَخْلَص مِنْ الْجَوْر فِي أَمْوَال الْيَتَامَى , فَقَالَ : اِنْكِحُوا إِنْ أَمِنْتُمْ الْجَوْر فِي النِّسَاء عَلَى أَنْفُسكُمْ , مَا أَبَحْت لَكُمْ مِنْهُنَّ وَحَلَّلْته , مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , فَإِنْ خِفْتُمْ أَيْضًا الْجَوْر عَلَى أَنْفُسكُمْ فِي أَمْر الْوَاحِدَة بِأَنْ تَقْدِرُوا عَلَى إِنْصَافهَا , فَلَا تَنْكِحُوهَا , وَلَكِنْ تَسَرُّوا مِنْ الْمَمَالِيك , فَإِنَّكُمْ أَحْرَى أَنْ لَا تَجُورُوا عَلَيْهِنَّ , لِأَنَّهُنَّ أَمْلَاككُمْ وَأَمْوَالكُمْ , وَلَا يَلْزَمكُمْ لَهُنَّ مِنْ الْحُقُوق كَاَلَّذِي يَلْزَمكُمْ لِلْحَرَائِرِ , فَيَكُون ذَلِكَ أَقْرَب لَكُمْ إِلَى السَّلَامَة مِنْ الْإِثْم وَالْجَوْر , فَفِي الْكَلَام إِذْ كَانَ الْمَعْنَى مَا قُلْنَا , مَتْرُوك اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَنْ ذِكْره . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى فَتَعْدِلُوا فِيهَا , فَكَذَلِكَ فَخَافُوا أَلَّا تُقْسِطُوا فِي حُقُوق النِّسَاء الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّه عَلَيْكُمْ , فَلَا تَتَزَوَّجُوا مِنْهُنَّ إِلَّا مَا أَمِنْتُمْ مَعَهُ الْجَوْر , مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , وَإِنْ خِفْتُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ فَوَاحِدَة , وَإِنْ خِفْتُمْ فِي الْوَاحِدَة فَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ فَتَرَكَ ذِكْر قَوْله فَكَذَلِكَ فَخَافُوا أَنْ تُقْسِطُوا فِي حُقُوق النِّسَاء بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَأَيْنَ جَوَاب قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } ؟ قِيلَ : قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } غَيْر أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ مَا قُلْنَا : قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّ مَعْنَى الْإِقْسَاط فِي كَلَام الْعَرَب : الْعَدْل وَالْإِنْصَاف , وَأَنَّ الْقَسْط : الْجَوْر وَالْحَيْف , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا الْيَتَامَى , فَإِنَّهَا جَمْع . لِذُكْرَانِ الْأَيْتَام وَإِنَاثهمْ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَانْكِحُوا مَا حَلَّ لَكُمْ مِنْهُنَّ دُون مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مِنْهُنَّ . كَمَا : 6754 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي مَالِك , قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } مَا حَلَّ لَكُمْ . 6755 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } يَقُول : مَا حَلَّ لَكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } وَلَمْ يَقُلْ : فَانْكِحُوا مَنْ طَابَ لَكُمْ , وَإِنَّمَا يُقَال مَا فِي غَيْر النَّاس ؟ قِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي ذَهَبْت إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : فَانْكِحُوا نِكَاحًا طَيِّبًا. كَمَا : 6756 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } فَانْكِحُوا النِّسَاء نِكَاحًا طَيِّبًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . فَالْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { مَا طَابَ لَكُمْ } الْفِعْل دُون أَعْيَان النِّسَاء وَأَشْخَاصهنَّ , فَلِذَلِكَ قِيلَ " مَا " وَلَمْ يُقَلْ " مَنْ " , كَمَا يُقَال : خُذْ مِنْ رَقِيقِي مَا أَرَدْت إِذَا عَنَيْت , خُذْ مِنْهُمْ إِرَادَتك , وَلَوْ أَرَدْت خُذْ الَّذِي تُرِيد مِنْهُمْ لَقُلْت : خُذْ رَقِيقِي مَنْ أَرَدْت مِنْهُمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } بِمَعْنَى : أَوْ مِلْك أَيْمَانكُمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } فَلْيَنْكِح كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , كَمَا قِيلَ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة } . وَأَمَّا قَوْله { مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } فَإِنَّمَا تُرِكَ إِجْرَاؤُهُنَّ لِأَنَّهُنَّ مَعْدُولَات عَنْ اِثْنَيْنِ وَثَلَاث وَأَرْبَع , كَمَا عُدِلَ عُمَر عَنْ عَامِر وَزُفَر عَنْ زَافِر فَتُرِكَ إِجْرَاؤُهُ , وَكَذَلِكَ أُحَاد وَثُنَاء وَمَوْحَد وَمَثْنَى وَمَثْلَث وَمَرْبَع , لَا يُجْرَى ذَلِكَ كُلّه لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنْ الْعُدُول عَنْ وُجُوهه. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَنَّ الذَّكَر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء , مَا قِيلَ فِي هَذِهِ السُّورَة وَسُورَة فَاطِر : مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , يُرَاد بِهِ الْجَنَاح , وَالْجَنَاح ذَكَر , وَأَنَّهُ أَيْضًا لَا يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ الثَّلَاثَة وَالثَّلَاث , وَأَنَّ الْأَلِف وَاللَّام لَا تَدْخُلهُ , فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْعَدَدِ مَعْرِفَة , وَلَوْ كَانَ نَكِرَة لَدَخَلَهُ الْأَلِف وَاللَّام وَأُضِيفَ كَمَا يُضَاف الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة , وَمِمَّا يُبَيِّن فِي ذَلِكَ قَوْل تَمِيم بْن أَبِي مُقْبِل : تَرَى النُّعَرَات الزُّرْق تَحْت لَبَانه أُحَاد وَمَثْنَى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِله فَرَدَّ أُحَاد وَمَثْنَى عَلَى النُّعَرَات وَهِيَ مَعْرِفَة . وَقَدْ تَجْعَلهَا الْعَرَب نَكِرَة فَتُجْرِيهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَتَلْنَا بِهِ مِنْ بَيْن مَثْنَى وَمَوْحَد بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ وَآخَر خَامِس وَمِمَّا يُبَيِّن أَنَّ ثُنَاء وَأُحَاد غَيْر جَارِيَة قَوْل الشَّاعِر : وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمْ ثُنَاء وَمَوْحَدًا وَتَرَكْتُ مُرَّة مِثْل أَمْس الدَّابِر وَقَوْل الشَّاعِر : مَنَتْ لَك أَنْ تُلَاقِينِي الْمَنَايَا أُحَاد أُحَاد فِي شَهْر حَلَال وَلَمْ يُسْمَع مِنْ الْعَرَب صَرْف مَا جَاوَزَ الرُّبَاع وَالْمَرْبَع عَنْ جِهَته , لَمْ يُسْمَع مِنْهَا خُمَاس وَلَا الْمَخْمَس , وَلَا السُّبَاع وَلَا الْمَسْبَع وَكَذَلِكَ مَا فَوْق الرُّبَاع , إِلَّا فِي بَيْت لِلْكُمَيْتِ , فَإِنَّهُ يُرْوَى لَهُ فِي الْعَشَرَة عُشَار وَهُوَ قَوْله : فَلَمْ يَسْتَرِيثُوك حَتَّى رَمَيْـ ـتَ فَوْق الرِّجَال خِصَالًا عُشَارًا يُرِيد عَشْرًا عَشْرًا , يُقَال : إِنَّهُ لَمْ يُسْمَع غَيْر ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة } فَإِنْ نُصِبَ وَاحِدَة , بِمَعْنَى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِيمَا يَلْزَمكُمْ مِنْ الْعَدْل مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَة مِنْ النِّسَاء عِنْدكُمْ بِنِكَاحٍ فِيمَا أَوْجَبَهُ اللَّه لَهُنَّ عَلَيْكُمْ , فَانْكِحُوا وَاحِدَة مِنْهُنَّ , وَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَة جَاءَتْ فِي ذَلِكَ بِالرَّفْعِ كَانَ جَائِزًا بِمَعْنَى : فَوَاحِدَة كَافِيَة , أَوْ فَوَاحِدَة مُجْزِئَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ } وَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَلَال لَكُمْ مِنْ جَمِيع النِّسَاء الْحَرَائِر نِكَاح أَرْبَع , فَكَيْفَ قِيلَ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع } وَذَلِكَ فِي الْعَدَد تِسْع ؟ قِيلَ : إِنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء , إِمَّا مَثْنَى إِنْ أَمِنْتُمْ الْجَوْر مِنْ أَنْفُسكُمْ فِيمَا يَجِب لَهُمَا عَلَيْكُمْ ; وَإِمَّا ثَلَاث إِنْ لَمْ تَخَافُوا ذَلِكَ ; وَإِمَّا أَرْبَع إِنْ أَمِنْتُمْ ذَلِكَ فِيهِنَّ , يَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِكَ قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة } لِأَنَّ الْمَعْنَى : فَإِنْ خِفْتُمْ فِي الثِّنْتَيْنِ فَانْكِحُوا وَاحِدَة , ثُمَّ قَالَ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا أَيْضًا فِي الْوَاحِدَة , فَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ أَمْر اللَّه وَنَهْيه عَلَى الْإِيجَاب وَالْإِلْزَام حَتَّى تَقُوم حُجَّة بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّأْدِيب وَالْإِرْشَاد وَالْإِعْلَام , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } وَذَلِكَ أَمْر , فَهَلْ مِنْ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَمْر الَّذِي هُوَ عَلَى غَيْر وَجْه الْإِلْزَام وَالْإِيجَاب ؟ قِيلَ : نَعَمْ , وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة } فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } وَإِنْ كَانَ مَخْرَجه مَخْرَج الْأَمْر , فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الدَّلَالَة عَلَى النَّهْي عَنْ نِكَاح مَا خَافَ النَّاكِح الْجَوْر فِيهِ مِنْ عَدَد النِّسَاء , لَا بِمَعْنَى الْأَمْر بِالنِّكَاحِ . فَإِنَّ الْمَعْنِيّ بِهِ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَتَحَرَّجْتُمْ فِيهِنَّ , فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا فِي النِّسَاء , فَلَا تَنْكِحُوا إِلَّا مَا أَمِنْتُمْ الْجَوْر فِيهِ مِنْهُنَّ , مَا أَحْلَلْته لَكُمْ مِنْ الْوَاحِدَة إِلَى الْأَرْبَع . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِأَنَّ الْعَرَب تُخْرِج الْكَلَام بِلَفْظِ الْأَمْر , وَمَعْنَاهَا فِيهِ النَّهْي أَوْ التَّهْدِيد وَالْوَعِيد , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } وَكَمَا قَالَ : { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } فَخَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَج الْأَمْر , وَالْمَقْصُود بِهِ التَّهْدِيد وَالْوَعِيد , وَالزَّجْر وَالنَّهْي , فَكَذَلِكَ قَوْله : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } بِمَعْنَى النَّهْي , فَلَا تَنْكِحُوا إِلَّا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء. وَعَلَى النَّحْو الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6757 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } يَقُول : فَإِنْ خِفْت أَلَّا تَعْدِل فِي وَاحِدَة , فَمَا مَلَكَتْ يَمِينك . 6758 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } السَّرَارِي . 6759 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } فَإِنْ خِفْت أَلَّا تَعْدِل فِي وَاحِدَة فَمَا مَلَكَتْ يَمِينك . 6760 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا } قَالَ : فِي الْمُجَامَعَة وَالْحُبّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاث أَوْ رُبَاع فَنَكَحْتُمْ وَاحِدَة , أَوْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْوَاحِدَة فَتَسَرَّرْتُمْ مِلْك أَيْمَانكُمْ ; فَهُوَ أَدْنَى , يَعْنِي : أَقْرَب أَلَّا تَعُولُوا , يَقُول : أَنْ لَا تَجُورُوا وَلَا تَمِيلُوا , يُقَال مِنْهُ : عَالَ الرَّجُل فَهُوَ يَعُول عَوْلًا وَعِيَالَة , إِذَا مَالَ وَجَارَ , وَمِنْهُ عَوْل الْفَرَائِض , لِأَنَّ سِهَامهَا إِذَا زَادَتْ دَخَلَهَا النَّقْص ; وَأَمَّا مِنْ الْحَاجَة , فَإِنَّمَا يُقَال : عَالَ الرَّجُل عَيْلَة , وَذَلِكَ إِذَا اِحْتَاجَ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَمَا يَدْرِي الْفَقِير مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيّ مَتَى يَعِيل بِمَعْنَى يَفْتَقِر . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6761 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الْحَسَن : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا } قَالَ : الْعَوْل : الْمَيْل فِي النِّسَاء . 6762 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثني حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّةَ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَقُول : لَا تَمِيلُوا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } أَنْ لَا تَمِيلُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد . مِثْله . 6763 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بْن الْفَضْل , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ عِكْرِمَة : { أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : أَنْ لَا تَمِيلُوا , ثُمَّ قَالَ : أَمَا سَمِعْت إِلَى قَوْل أَبِي طَالِب : بِمِيزَانِ قِسْط وَزْنه غَيْر عَائِل * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ الزُّبَيْر , عَنْ حُرَيْث , عَنْ عِكْرِمَة فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : أَنْ لَا تَمِيلُوا , قَالَ : وَأَنْشَدَ بَيْتًا مِنْ شِعْر زَعَمَ أَنَّ أَبَا طَالِب قَالَهُ : بِمِيزَانِ قِسْط لَا يَخِسّ شَعِيرَة وَوَازِن صِدْق وَزْنه غَيْر عَائِل قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَيُرْوَى هَذَا الْبَيْت عَلَى غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة : بِمِيزَانِ صِدْق لَا يُغِلّ شَعِيرَة لَهُ شَاهِد مِنْ نَفْسه غَيْر عَائِل 6764 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله : { أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : أَلَّا تَمِيلُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْله . 6765 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْكُوفِيّ , قَالَ : كَتَبَ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَى أَهْل الْكُوفَة فِي شَيْء عَاتَبُوهُ عَلَيْهِ فِيهِ : " إِنِّي لَسْت بِمِيزَانٍ لَا أَعُول " . 6766 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : لَا تَمِيلُوا . 6767 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } أَدْنَى أَنْ لَا تَمِيلُوا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : تَمِيلُوا . 6768 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَقُول : أَلَّا تَمِيلُوا. 6769 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَقُول : تَمِيلُوا. 6770 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس. قَوْله : { أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَعْنِي : أَلَّا تَمِيلُوا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } يَقُول : ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَمِيلُوا . 6771 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : أَلَّا تَجُورُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن وَعَارِم أَبُو النُّعْمَان , قَالَا : ثنا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ يُونُس , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } قَالَ : تَمِيلُوا . 6772 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } ذَلِكَ أَقَلّ لِنَفَقَتِك الْوَاحِدَة , أَقَلّ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاث وَأَرْبَع , وَجَارِيَتك أَهْوَن نَفَقَة مِنْ حُرَّة ; { أَلَّا تَعُولُوا } أَهْوَن عَلَيْك فِي الْعِيَال .

تفسير القرطبي

" وَإِنْ خِفْتُمْ " شَرْط , وَجَوَابه " فَانْكِحُوا " . أَيْ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي مُهُورِهِنَّ وَفِي النَّفَقَة عَلَيْهِنَّ " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ " أَيْ غَيْرَهُنَّ . وَرَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ عَائِشَة فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاع " قَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيد وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا مِنْ غَيْر أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا فَيُعْطِيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاق وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّهُ يَجُوز أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَصِيُّ مِنْ مَال الْيَتِيم لِنَفْسِهِ , وَيَبِيعَ مِنْ نَفْسه مِنْ غَيْر مُحَابَاة . وَلِلْمُوَكِّلِ النَّظَر فِيمَا اِشْتَرَى وَكِيلُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مِنْهَا . وَلِلسُّلْطَانِ النَّظَر فِيمَا يَفْعَلهُ الْوَصِيّ مِنْ ذَلِكَ . فَأَمَّا الْأَب فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ نَظَرٌ مَا لَمْ تَظْهَر عَلَيْهِ الْمُحَابَاةُ فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ السُّلْطَان حِينَئِذٍ ; وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي هَذَا . وَقَالَ الضَّحَّاك وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا : إِنَّ الْآيَة نَاسِخَةٌ لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي أَوَّل الْإِسْلَام ; مِنْ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ الْحَرَائِر مَا شَاءَ , فَقَصَرَتْهُنَّ الْآيَة عَلَى أَرْبَع . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا : الْمَعْنَى وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ خَافُوا فِي النِّسَاء ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِي الْيَتَامَى وَلَا يَتَحَرَّجُونَ فِي النِّسَاء و " خِفْتُمْ " مِنْ الْأَضْدَاد ; فَإِنَّهُ يَكُون الْمَخُوف مِنْهُ مَعْلُوم الْوُقُوع , وَقَدْ يَكُون مَظْنُونًا ; فَلِذَلِكَ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَفْسِير هَذَا الْخَوْف . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : " خِفْتُمْ " بِمَعْنَى أَيْقَنْتُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : " خِفْتُمْ " ظَنَنْتُمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّةَ : وَهَذَا الَّذِي اِخْتَارَهُ الْحُذَّاقُ , وَأَنَّهُ عَلَى بَابه مِنْ الظَّنّ لَا مِنْ الْيَقِين . التَّقْدِير مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّقْصِير فِي الْقِسْط لِلْيَتِيمَةِ فَلْيَعْدِلْ عَنْهَا . و " تُقْسِطُوا " مَعْنَاهُ تَعْدِلُوا . يُقَال : أَقْسَطَ الرَّجُل إِذَا عَدَلَ . وَقَسَطَ إِذَا جَارَ وَظَلَمَ صَاحِبَهُ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا " [ الْجِنّ : 15 ] يَعْنِي الْجَائِرُونَ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُقْسِطُونَ فِي الدِّين عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور يَوْم الْقِيَامَة ) يَعْنِي الْعَادِلِينَ . وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ " تَقْسُطُوا " بِفَتْحِ التَّاء مِنْ قَسَطَ عَلَى تَقْدِير زِيَادَة " لَا " كَأَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تَجُورُوا . قَوْله تَعَالَى : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " إِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَاءَتْ " مَا " لِلْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا أَصْلُهَا لِمَا لَا يَعْقِل ; فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ خَمْسَةٌ : الْأَوَّل - أَنَّ " مَنْ " وَ " مَا " قَدْ يَتَعَاقَبَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا " [ الشَّمْس : 5 ] أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا . وَقَالَ " فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ " [ النُّور : 45 ] . فَمَا هَاهُنَا لِمَنْ يَعْقِلُ وَهُنَّ النِّسَاء ; لِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ " مِنْ النِّسَاء " مُبَيِّنًا لِمُبْهَمٍ . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَةَ " مَنْ طَابَ " عَلَى ذِكْر مَنْ يَعْقِل . الثَّانِي : قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : " مَا " تَقَع لِلنُّعُوتِ كَمَا تَقَع لِمَا لَا يَعْقِلُ يُقَال : مَا عِنْدَك ؟ فَيُقَال : ظَرِيفٌ وَكَرِيمٌ . فَالْمَعْنَى فَانْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنْ النِّسَاء ; أَيْ الْحَلَال , وَمَا حَرَّمَهُ اللَّه فَلَيْسَ بِطَيِّبٍ . وَفِي التَّنْزِيل " وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ " فَأَجَابَهُ مُوسَى عَلَى وَفْق مَا سَأَلَ ; وَسَيَأْتِي . الثَّالِث : حَكَى بَعْض النَّاس أَنَّ " مَا " فِي هَذِهِ الْآيَة ظَرْفِيَّة , أَيْ مَا دُمْتُمْ تَسْتَحْسِنُونَ النِّكَاح قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي هَذَا الْمَنْزَع ضَعْفٌ . جَوَابٌ رَابِعٌ : قَالَ الْفَرَّاء " مَا " هَاهُنَا مَصْدَرٌ . وَقَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا بَعِيد جِدًّا ; لَا يَصِحّ فَانْكِحُوا الطَّيِّبَةَ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : طَابَ الشَّيْء يَطِيبُ طِيبَة وَتَطْيَابًا . قَالَ عَلْقَمَة : كَأَنَّ تَطْيَابَهَا فِي الْأَنْفِ مَشْمُومُ جَوَابٌ خَامِسٌ : وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِمَا هُنَا الْعَقْد ; أَيْ فَانْكِحُوا نِكَاحًا طَيِّبًا . وَقِرَاءَة اِبْن أَبِي عَبْلَة تَرُدُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ . وَحَكَى أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّ أَهْل مَكَّة إِذَا سَمِعُوا الرَّعْدَ قَالُوا : سُبْحَانَ مَا سَبَّحَ لَهُ الرَّعْد . أَيْ سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَ لَهُ الرَّعْد . وَمِثْله قَوْلهمْ : سُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا . أَيْ مَنْ سَخَّرَكُنَّ . وَاتَّفَقَ كُلّ مَنْ يُعَانِي الْعُلُوم عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى " لَيْسَ لَهُ مَفْهُوم ; إِذْ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ الْقِسْطَ فِي الْيَتَامَى لَهُ أَنْ يَنْكِح أَكْثَر مَنْ وَاحِدَة : اِثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا كَمِنْ خَافَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَنْ خَافَ ذَلِكَ , وَأَنَّ حُكْمَهَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَة بِهَذِهِ الْآيَة فِي تَجْوِيزِهِ نِكَاحَ الْيَتِيمَة قَبْل الْبُلُوغ . وَقَالَ : إِنَّمَا تَكُون يَتِيمَة قَبْل الْبُلُوغ , وَبَعْد الْبُلُوغ هِيَ اِمْرَأَة مُطَلَّقَة لَا يَتِيمَة ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْبَالِغَةَ لَمَا نُهِيَ عَنْ حَطّهَا عَنْ صَدَاق مِثْلهَا ; لِأَنَّهَا تَخْتَار ذَلِكَ فَيَجُوز إِجْمَاعًا . وَذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز حَتَّى تَبْلُغَ وَتُسْتَأْمَرَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء " [ النِّسَاء : 127 ] وَالنِّسَاء اِسْم يَنْطَلِقُ عَلَى الْكِبَار كَالرِّجَالِ فِي الذُّكُور , وَاسْم الرَّجُل لَا يَتَنَاوَل الصَّغِير ; فَكَذَلِكَ اِسْم النِّسَاء , وَالْمَرْأَة لَا يَتَنَاوَل الصَّغِيرَةَ . وَقَدْ قَالَ : " فِي يَتَامَى النِّسَاء " [ النِّسَاء : 127 ] وَالْمُرَاد بِهِ هُنَاكَ الْيَتَامَى هُنَا ; كَمَا قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . فَقَدْ دَخَلْت الْيَتِيمَة الْكَبِيرَة فِي الْآيَة فَلَا تُزَوَّج إِلَّا بِإِذْنِهَا , وَلَا تُنْكَح الصَّغِيرَة إِذْ لَا إِذْن لَهَا , فَإِذَا بَلَغَتْ جَازَ نِكَاحهَا لَكِنْ لَا تُزَوَّج إِلَّا بِإِذْنِهَا . كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : زَوَّجَنِي خَالِي قُدَامَة بْن مَظْعُون بِنْت أَخِيهِ عُثْمَان بْن مَظْعُون , فَدَخَلَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَلَى أُمّهَا , فَأَرْغَبَهَا فِي الْمَال وَخَطَبَهَا إِلَيْهَا , فَرُفِعَ شَأْنُهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قُدَامَة : يَا رَسُول اللَّه اِبْنَةُ أَخِي وَأَنَا وَصِيّ أَبِيهَا وَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا , زَوَّجْتهَا مَنْ قَدْ عَلِمْت فَضْلَهُ وَقَرَابَتَهُ . فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهَا يَتِيمَة وَالْيَتِيمَة أَوْلَى بِأَمْرِهَا ) فَنُزِعَتْ مِنِّي وَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَمْ يَسْمَعهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق مِنْ نَافِع , وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عُمَر بْن حُسَيْن عَنْهُ . وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ عُمَر بْن حُسَيْن عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْت خَالِهِ عُثْمَان بْن مَظْعُون قَالَ : فَذَهَبَتْ أُمّهَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ اِبْنَتِي تَكْرَه ذَلِكَ . فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَارِقهَا فَفَارَقَهَا . وَقَالَ : ( وَلَا تَنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ فَإِذَا سَكَتْنَ فَهُوَ إِذْنهَا ) . فَتَزَوَّجَهَا بَعْد عَبْد اللَّه الْمُغِيرَةُ بْن شُعْبَة . فَهَذَا يَرُدُّ مَا يَقُولهُ أَبُو حَنِيفَة مِنْ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيٍّ , بِنَاءً عَلَى أَصْله فِي عَدَم اِشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي صِحَّة النِّكَاح . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " ذِكْرُهُ ; فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى غَيْر الْبَالِغَة لِقَوْلِهِ ( إِلَّا بِإِذْنِهَا ) فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكُون لِذِكْرِ الْيَتِيم مَعْنًى وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي تَفْسِير عَائِشَة لِلْآيَةِ مِنْ الْفِقْه مَا قَالَ بِهِ مَالِك صَدَاق الْمِثْل , وَالرَّدّ إِلَيْهِ فِيمَا فَسَدَ مِنْ الصَّدَاق وَوَقَعَ الْغَبْن فِي مِقْدَاره ; لِقَوْلِهَا : ( بِأَدْنَى مِنْ سُنَّة صَدَاقهَا ) . فَوَجَبَ أَنْ يَكُون صَدَاق الْمِثْل مَعْرُوفًا لِكُلِّ صِنْف مِنْ النَّاس عَلَى قَدْر أَحْوَالهمْ . وَقَدْ قَالَ مَالِك : لِلنَّاسِ مَنَاكِح عُرِفَتْ لَهُمْ وَعُرِفُوا لَهَا . أَيْ صَدُقَات وَأَكْفَاء . وَسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُل زَوَّجَ اِبْنَته مِنْ اِبْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ فَاعْتَرَضَتْ أُمّهَا فَقَالَ : إِنِّي لَأَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلَّمًا . فَسَوَّغَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَام حَتَّى يَظْهَر هُوَ مِنْ نَظَرِهِ مَا يُسْقِطُ اِعْتِرَاض الْأُمّ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ " لَا أَرَى " بِزِيَادَةِ الْأَلِف وَالْأَوَّل أَصَحّ . وَجَائِز لِغَيْرِ الْيَتِيمَة أَنْ تُنْكَح بِأَدْنَى مِنْ صَدَاق مِثْلهَا ; لِأَنَّ الْآيَة إِنَّمَا خَرَجَتْ فِي الْيَتَامَى . هَذَا مَفْهُومهَا وَغَيْر الْيَتِيمَة بِخِلَافِهَا . فَإِذَا بَلَغَتْ الْيَتِيمَة وَأَقْسَطَ الْوَلِيّ فِي صَدَاقهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا , وَيَكُون هُوَ النَّاكِح وَالْمُنْكِح عَلَى مَا فَسَّرَتْهُ عَائِشَةُ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر , وَقَالَهُ مِنْ التَّابِعِينَ الْحَسَن وَرَبِيعَة , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث . وَقَالَ زُفَر وَالشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَان , أَوْ يُزَوِّجهَا مِنْهُ وَلِيّ لَهَا هُوَ أَقْعَدُ بِهَا مِنْهُ ; أَوْ مِثْله فِي الْقَعْدُد ; وَأَمَّا أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْد بِنَفْسِهِ فَيَكُون نَاكِحًا مُنْكِحًا فَلَا . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوط الْعَقْد لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْل ) . فَتَعْدِيد النَّاكِح وَالْمُنْكِح وَالشُّهُود وَاجِب ; فَإِذَا اِتَّحَدَ اِثْنَانِ مِنْهُمْ سَقَطَ وَاحِد مِنْ الْمَذْكُورِينَ . وَفِي الْمَسْأَلَة قَوْل ثَالِث , وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَهَا إِلَى رَجُل يُزَوِّجهَا مِنْهُ . رُوِيَ هَذَا عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد , ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر . قَوْله تَعَالَى : " مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " مَعْنَاهُ مَا حَلَّ لَكُمْ ; عَنْ الْحَسَن وَابْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا . وَاكْتَفَى بِذِكْرِ مَنْ يَجُوز نِكَاحه ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَات مِنْ النِّسَاء كَثِير . وَقَرَأَ اِبْن إِسْحَاق وَالْجَحْدَرِيّ وَحَمْزَة " طَابَ " " بِالْإِمَالَةِ " وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " طِيبَ " بِالْيَاءِ ; فَهَذَا دَلِيلُ الْإِمَالَةِ . " مِنْ النِّسَاء " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَال نِسَاء إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ . وَوَاحِد النِّسَاء نِسْوَةٌ , وَلَا وَاحِدَ لِنِسْوَةٍ مِنْ لَفْظه , وَلَكِنْ يُقَال اِمْرَأَة . وَمَوْضِعهَا مِنْ الْإِعْرَاب نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنْ " مَا " وَهِيَ نَكِرَة لَا تَنْصَرِف ; لِأَنَّهَا مَعْدُولَةٌ وَصِفَةٌ ; كَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : هِيَ مَعَارِفُ ; لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ , وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ عُمَر فِي التَّعْرِيف ; قَالَهُ الْكُوفِيّ . وَخَطَّأَ الزَّجَّاج هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : لَمْ يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ مَعْدُول عَنْ لَفْظه وَمَعْنَاهُ , فَأُحَاد مَعْدُول عَنْ وَاحِد وَاحِد , وَمَثْنَى مَعْدُولَةٌ عَنْ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ , وَثُلَاث مَعْدُولَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ , وَرُبَاع عَنْ أَرْبَعَة أَرْبَعَة . وَفِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا لُغَتَانِ : فُعَال وَمَفْعَل ; يُقَال أُحَاد وَمَوْحَد وَثُنَاء وَمَثْنَى وَثُلَاث وَمَثْلَث وَرُبَاع وَمَرْبَع , وَكَذَلِكَ إِلَى مَعْشَر وَعُشَار . وَحَكَى أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ لُغَةً ثَالِثَةً : أُحَد وَثُنَى وَثُلَث وَرُبَع مِثْل عُمَر وَزُفَر . وَكَذَلِكَ قَرَأَ النَّخَعِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة . وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ عَنْ النَّخَعِيّ وَابْن وَثَّاب " ثُلَاث وَرُبَع " بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي رُبَع فَهُوَ مَقْصُور مِنْ رُبَاع اِسْتِخْفَافًا ; كَمَا قَالَ : أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ الْمُغِلَّهْ قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَلَا يُزَاد مِنْ هَذَا الْبِنَاء عَلَى الْأَرْبَع إِلَّا بَيْت جَاءَ عَنْ الْكُمَيْت : فَلَمْ يَسْتَثِيرُوك حَتَّى رَمَيْ تَ فَوْقَ الرِّجَالِ خِصَالًا عُشَارًا يَعْنِي طَعَنْت عَشَرَة . وَقَالَ اِبْن الدَّهَّان : وَبَعْضهمْ يَقِف عَلَى الْمَسْمُوع وَهُوَ مِنْ أُحَاد إِلَى رُبَاع وَلَا يَعْتَبِر بِالْبَيْتِ لِشُذُوذِهِ . وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْحَاجِب : وَيُقَال أُحَاد وَمَوْحَد وَثُنَاء وَمَثْنَى وَثُلَاث وَمَثْلَث وَرُبَاع وَمَرْبَع . وَهَلْ يُقَال فِيمَا عَدَاهُ إِلَى التِّسْعَة أَوْ لَا يُقَال ؟ فِيهِ خِلَافٌ أَصَحُّهَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ . وَقَدْ نَصَّ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَلَى ذَلِكَ . وَكَوْنُهُ مَعْدُولًا عَنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع تُسْتَعْمَل فِيهِ الْأَعْدَاد غَيْرُ الْمَعْدُولَةِ ; تَقُول : جَاءَنِي اِثْنَانِ وَثَلَاثَة , وَلَا يَجُوز مَثْنَى وَثُلَاث حَتَّى يَتَقَدَّم قَبْلَهُ جَمْعٌ , مِثْل جَاءَنِي الْقَوْم أُحَاد وَثُنَاء وَثُلَاث وَرُبَاع مِنْ غَيْر تَكْرَار . وَهِيَ فِي مَوْضِع الْحَال هُنَا وَفِي الْآيَة , وَتَكُون صِفَة ; وَمِثَال كَوْن هَذِهِ الْأَعْدَاد صِفَة يَتَبَيَّن فِي قَوْله تَعَالَى : " أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ " [ فَاطِر : 1 ] فَهِيَ صِفَة لِلْأَجْنِحَةِ وَهِيَ نَكِرَة . وَقَالَ سَاعِدَة بْن جُؤَيَّةَ : وَلَكِنَّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُهُ ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاس مَثْنَى وَمَوْحَد وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : قَتَلْنَا بِهِ مِنْ بَيْنِ مَثْنَى وَمَوْحَد بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ وَآخَر خَامِسِ فَوَصَفَ ذِئَابًا وَهِيَ نَكِرَة بِمَثْنَى وَمَوْحَد , وَكَذَلِكَ بَيْت الْفَرَّاء ; أَيْ قَتَلْنَا بِهِ نَاسًا , فَلَا تَنْصَرِف إِذَا هَذِهِ الْأَسْمَاء فِي مَعْرِفَة وَلَا نَكِرَة . وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء صَرْفه فِي الْعَدَد عَلَى أَنَّهُ نَكِرَة . وَزَعَمَ الْأَخْفَش أَنَّهُ إِنْ سَمَّى بِهِ صَرَفَهُ فِي الْمَعْرِفَة وَالنَّكِرَة ; لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ الْعَدْل . اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعَدَد مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع لَا يَدُلّ عَلَى إِبَاحَة تِسْع , كَمَا قَالَهُ مَنْ بَعُدَ فَهْمُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة , وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّة , وَزَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ جَامِعَةٌ ; وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكَحَ تِسْعًا , وَجَمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي عِصْمَتِهِ . وَاَلَّذِي صَارَ إِلَى هَذِهِ الْجَهَالَة , وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَة الرَّافِضَةُ وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر ; فَجَعَلُوا مَثْنَى مِثْل اِثْنَيْنِ , وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ . وَذَهَبَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر أَيْضًا إِلَى أَقْبَح مِنْهَا , فَقَالُوا بِإِبَاحَةِ الْجَمْع بَيْنَ ثَمَانَ عَشْرَةَ ; تَمَسُّكًا مِنْهُ بِأَنَّ الْعَدْل فِي تِلْكَ الصِّيَغ يُفِيد التَّكْرَار وَالْوَاو لِلْجَمْعِ ; فَجَعَلَ مَثْنَى بِمَعْنَى اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ . وَهَذَا كُلّه جَهْل بِاللِّسَانِ وَالسُّنَّة , وَمُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّة , إِذْ لَمْ يُسْمَع عَنْ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعِينَ أَنَّهُ جَمَعَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَر مِنْ أَرْبَع . وَأَخْرَجَ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغَيْلَان بْن أُمَيَّة الثَّقَفِيّ وَقَدْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَة : ( اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ ) . فِي كِتَاب أَبِي دَاوُدَ عَنْ الْحَارِث بْن قَيْس قَالَ : أَسْلَمْت وَعِنْدِي ثَمَان نِسْوَة , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( اِخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ) . وَقَالَ مُقَاتِل : إِنَّ قَيْس بْن الْحَارِث كَانَ عِنْده ثَمَان نِسْوَة حَرَائِر ; فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة أَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلِّق أَرْبَعًا وَيُمْسِكَ أَرْبَعًا . كَذَا قَالَ : " قَيْس بْن الْحَارِث " , وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَارِث بْن قَيْس الْأَسَدِيّ كَمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ . وَكَذَا رَوَى مُحَمَّد بْن الْحَسَن فِي كِتَاب السِّيَر الْكَبِير : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَارِث بْن قَيْس , وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الْفُقَهَاء . وَأَمَّا مَا أُبِيحَ مِنْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الْأَحْزَاب " . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْوَاوَ جَامِعَةٌ ; فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ , لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْعَرَبَ بِأَفْصَحِ اللُّغَات . وَالْعَرَب لَا تَدَع أَنْ تَقُول تِسْعَة وَتَقُول اِثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة . وَكَذَلِكَ تَسْتَقْبِح مِمَّنْ يَقُول : أَعْطِ فُلَانًا أَرْبَعَة سِتَّة ثَمَانِيَة , وَلَا يَقُول ثَمَانِيَةَ عَشَرَ . وَإِنَّمَا الْوَاو فِي هَذَا الْمَوْضِع بَدَلٌ ; أَيْ اِنْكِحُوا ثَلَاثًا بَدَلًا مِنْ مَثْنَى , وَرُبَاعَ بَدَلًا مِنْ ثَلَاث ; وَلِذَلِكَ عَطَفَ بِالْوَاوِ وَلَمْ يَعْطِف بِأَوْ . وَلَوْ جَاءَ بِأَوْ لَجَازَ أَلَّا يَكُون لِصَاحِبِ الْمَثْنَى ثُلَاث , وَلَا لِصَاحِبِ الثُّلَاث رُبَاع . وَأَمَّا قَوْلهمْ : إِنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اِثْنَيْنِ , وَثُلَاث ثَلَاثَة , وَرُبَاع أَرْبَعَة , فَتَحَكُّمٌ بِمَا لَا يُوَافِقهُمْ أَهْل اللِّسَان عَلَيْهِ , وَجَهَالَة مِنْهُمْ . وَكَذَلِكَ جَهْل الْآخَرِينَ , بِأَنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ , وَثُلَاث ثَلَاثَة ثَلَاثَة , وَرُبَاع أَرْبَعَة أَرْبَعَة , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ , وَثَلَاثًا ثَلَاثًا , وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا , حَصْرٌ لِلْعَدَدِ . وَمَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع بِخِلَافِهَا . فَفِي الْعَدَد الْمَعْدُول عِنْد الْعَرَب زِيَادَة مَعْنَى لَيْسَتْ فِي الْأَصْل ; وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا قَالَتْ : جَاءَتْ الْخَيْل مَثْنَى , إِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ ; أَيْ جَاءَتْ مُزْدَوِجَةً . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَكَذَلِكَ مَعْدُول الْعَدَد . وَقَالَ غَيْره : إِذَا قُلْت جَاءَنِي قَوْمٌ مَثْنَى أَوْ ثُلَاث أَوْ أُحَاد أَوْ عُشَار , فَإِنَّمَا تُرِيد أَنَّهُمْ جَاءُوك وَاحِدًا وَاحِدًا , أَوْ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ , أَوْ ثَلَاثَة ثَلَاثَة , أَوْ عَشَرَة عَشَرَة , وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْل ; لِأَنَّك إِذَا قُلْت جَاءَنِي قَوْم ثَلَاثَة ثَلَاثَة , أَوْ قَوْم عَشَرَة عَشَرَة , فَقَدْ حَصَرْت عِدَّة الْقَوْم بِقَوْلِك ثَلَاثَة وَعَشَرَة . فَإِذَا قُلْت جَاءُونِي رُبَاع وَثُنَاء فَلَمْ تَحْصُر عِدَّتَهُمْ . وَإِنَّمَا تُرِيد أَنَّهُمْ جَاءُوك أَرْبَعَة أَرْبَعَة أَوْ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ . وَسَوَاء كَثُرَ عَدَدُهُمْ أَوْ قَلَّ فِي هَذَا الْبَاب , فَقَصْرُهُمْ كُلَّ صِيغَةٍ عَلَى أَقَلِّ مَا تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِ تَحَكُّمٌ . وَأَمَّا اِخْتِلَاف عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ خَامِسَةً وَعِنْده أَرْبَع وَهِيَ : فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : عَلَيْهِ الْحَدّ إِنْ كَانَ عَالِمًا . وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : يُرْجَم إِذَا كَانَ عَالِمًا , وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَدْنَى الْحَدَّيْنِ الَّذِي هُوَ الْجَلْد , وَلَهَا مَهْرُهَا وَيُفَرَّق بَيْنَهُمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا حَدّ عَلَيْهِ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ . هَذَا قَوْل النُّعْمَان . وَقَالَ يَعْقُوب وَمُحَمَّد : يُحَدُّ فِي ذَات الْمَحْرَم وَلَا يُحَدّ فِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ النِّكَاح . وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَتَزَوَّج مَجُوسِيَّةً أَوْ خَمْسَةً فِي عُقْدَة أَوْ تَزَوَّجَ مُتْعَة أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُود , أَوْ أَمَة تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْن مَوْلَاهَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : إِذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا لَا يَحِلّ لَهُ يَجِب أَنْ يُحَدَّ فِيهِ كُلّه إِلَّا التَّزَوُّج بِغَيْرِ شُهُود . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَهُ النَّخَعِيّ فِي الرَّجُل يَنْكِح الْخَامِسَة مُتَعَمِّدًا قَبْل أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الرَّابِعَةِ مِنْ نِسَائِهِ : جَلْد مِائَة وَلَا يُنْفَى . فَهَذِهِ فُتْيَا عُلَمَائِنَا فِي الْخَامِسَة عَلَى مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر فَكَيْفَ بِمَا فَوْقَهَا . ذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم الْحِزَامِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن مَعْن الْغِفَارِيّ قَالَ : أَتَتْ اِمْرَأَة إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; فَقَالَتْ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْكُوَهُ , وَهُوَ يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ لَهَا : نِعْمَ الزَّوْجُ زَوْجُك : فَجَعَلَتْ تُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّر عَلَيْهَا الْجَوَاب . فَقَالَ لَهُ كَعْب الْأَسَدِيّ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , هَذِهِ الْمَرْأَة تَشْكُو زَوْجَهَا فِي مُبَاعَدَتِهِ إِيَّاهَا عَنْ فِرَاشِهِ . فَقَالَ عُمَر : كَمَا فَهِمْت كَلَامَهَا فَاقْضِ بَيْنَهُمَا . فَقَالَ كَعْب : عَلَيَّ بِزَوْجِهَا , فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ اِمْرَأَتَك هَذِهِ تَشْكُوك . قَالَ : أَفِي طَعَام أَمْ شَرَاب ؟ قَالَ لَا . فَقَالَتْ الْمَرْأَة : يَا أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رَشَدُهْ أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ زَهَّدَهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُهْ فَاقْضِ الْقَضَا كَعْبُ وَلَا تُرَدِّدُهْ نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَرْقُدُهْ فَلَسْت فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهْ فَقَالَ زَوْجُهَا : زَهَّدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحَجَلْ أَنِّي اِمْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ فِي سُورَة النَّحْلِ وَفِي السَّبْعِ الطِّوَلْ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ لَهَا عَلَيْك حَقًّا يَا رَجُلْ نَصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْك الْعِلَلْ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَلَّ لَك مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , فَلَك ثَلَاثَة أَيَّام وَلَيَالِيهنَّ تَعْبُدُ فِيهِنَّ رَبَّك . فَقَالَ عُمَر : وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ أَمْرَيْك أَعْجَبُ ؟ أَمِنْ فَهْمِك أَمْرَهُمَا أَمْ مِنْ حُكْمِك بَيْنَهُمَا ؟ اِذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُك قَضَاءَ الْبَصْرَة . وَرَوَى أَبُو هُدْبَةَ إِبْرَاهِيم بْن هُدْبَة حَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك قَالَ : أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَةٌ تَسْتَعْدِي زَوْجَهَا , فَقَالَتْ : لَيْسَ لِي مَا لِلنِّسَاءِ ; زَوْجِي يَصُوم الدَّهْر . قَالَ : ( لَك يَوْمٌ وَلَهُ يَوْم , لِلْعِبَادَةِ يَوْم وَلِلْمَرْأَةِ يَوْم ) . قَالَ الضَّحَّاك وَغَيْره : فِي الْمَيْل وَالْمَحَبَّة وَالْجِمَاع وَالْعِشْرَة وَالْقَسْم بَيْنَ الزَّوْجَات الْأَرْبَع وَالثَّلَاث وَالِاثْنَتَيْنِ فَمَنَعَ مِنْ الزِّيَادَة الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى تَرْك الْعَدْل فِي الْقَسْم وَحُسْن الْعِشْرَة . وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى وُجُوب ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ , أَيْ فَوَاحِدَةٌ فِيهَا كِفَايَة أَوْ كَافِيَة . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : فَوَاحِدَة تُقْنِع . وَقُرِئَتْ بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ فِعْل , أَيْ فَانْكِحُوا وَاحِدَةً . يُرِيد الْإِمَاء . وَهُوَ عَطْف عَلَى " فَوَاحِدَة " أَيْ إِنْ خَافَ أَلَّا يَعْدِل فِي وَاحِدَة فَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَلَّا حَقّ لِمِلْكِ الْيَمِين فِي الْوَطْء وَلَا الْقَسْم ; لِأَنَّ الْمَعْنَى " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا " فِي الْقَسْم " فَوَاحِدَة أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " فَجَعَلَ مِلْك الْيَمِين كُلّه بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَة , فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُون لِلْإِمَاءِ حَقّ فِي الْوَطْء أَوْ فِي الْقَسْم . إِلَّا أَنَّ مِلْك الْيَمِين فِي الْعَدْل قَائِم بِوُجُوبِ حُسْن الْمَلَكَة وَالرِّفْق بِالرَّقِيقِ . وَأَسْنَدَ تَعَالَى الْمِلْك إِلَى الْيَمِين إِذْ هِيَ صِفَة مَدْح , وَالْيَمِين مَخْصُوصَة بِالْمَحَاسِنِ لِتَمَكُّنِهَا . أَلَا تَرَى أَنَّهَا الْمُنْفِقَة ؟ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( حَتَّى لَا تَعْلَم شِمَالُهُ مَا تُنْفِق يَمِينُهُ ) وَهِيَ الْمُعَاهِدَة الْمُبَايِعَة , وَبِهَا سُمِّيَتْ الْأَلِيَّة يَمِينًا , وَهِيَ الْمُتَلَقِّيَة لِرَايَاتِ الْمَجْد ; كَمَا قَالَ : إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ أَيْ ذَلِكَ أَقْرَب إِلَى أَلَّا تَمِيلُوا عَنْ الْحَقّ وَتَجُورُوا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . يُقَال : عَالَ الرَّجُل يَعُول إِذَا جَارَ وَمَالَ . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : عَالَ السَّهْم عَنْ الْهَدَف مَالَ عَنْهُ . قَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّهُ لَعَائِل الْكَيْل وَالْوَزْن ; قَالَ الشَّاعِر : قَالُوا اِتَّبَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا قَوْلَ الرَّسُولِ وَعَالُوا فِي الْمَوَازِينِ أَيْ جَارُوا . وَقَالَ أَبُو طَالِب : بِمِيزَانِ صِدْقٍ لَا يَغُلُّ شَعِيرَةً لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ يُرِيد غَيْر مَائِل . وَقَالَ آخَر : ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ وَثَلَاثُ ذَوْدٍ لَقَدْ عَالَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي أَيْ جَارَ وَمَالَ . وَعَالَ الرَّجُل يَعِيل إِذَا اِفْتَقَرَ فَصَارَ عَالَة . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة " [ التَّوْبَة : 38 ] . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وَهُوَ عَائِلٌ وَقَوْم عَيْلَة , وَالْعَيْلَة وَالْعَالَة الْفَاقَة , وَعَالَنِي الشَّيْء يَعُولُنِي إِذَا غَلَبَنِي وَثَقُلَ عَلَيَّ , وَعَالَ الْأَمْر اِشْتَدَّ وَتَفَاقَمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : " أَلَّا تَعُولُوا " [ النِّسَاء : 3 ] أَلَّا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَمَا قَالَ هَذَا غَيْره , وَإِنَّمَا يُقَال : أَعَالَ يُعِيل إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ . وَزَعَمَ اِبْن الْعَرَبِيّ أَنَّ عَالَ عَلَى سَبْعَة مَعَانٍ لَا ثَامِنَ لَهَا , يُقَال : عَالَ مَالَ , الثَّانِي زَادَ , الثَّالِث جَارَ , الرَّابِع اِفْتَقَرَ , الْخَامِس أُثْقِلَ , حَكَاهُ اِبْن دُرَيْد . قَالَتْ الْخَنْسَاء : وَيَكْفِي الْعَشِيرَةَ مَا عَالَهَا السَّادِس عَالَ قَامَ بِمَئُونَةِ الْعِيَال ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول ) . السَّابِع عَالَ غَلَبَ ; وَمِنْهُ عِيلَ صَبْرُهُ . أَيْ غُلِبَ . وَيُقَال : أَعَالَ الرَّجُل كَثُرَ عِيَالُهُ . وَأَمَّا عَالَ بِمَعْنَى كَثُرَ عِيَالُهُ فَلَا يَصِحّ . قُلْت : أَمَّا قَوْل الثَّعْلَبِيّ " مَا قَالَهُ غَيْره " فَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , وَهُوَ قَوْل جَابِر بْن زَيْد ; فَهَذَانِ إِمَامَانِ مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتهمْ قَدْ سَبَقَا الشَّافِعِيّ إِلَيْهِ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ الْحَصْر وَعَدَم الصِّحَّة فَلَا يَصِحّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا : عَالَ الْأَمْرُ اِشْتَدَّ وَتَفَاقَمَ , حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبَيْهِ : " وَقَالَ أَبُو بَكْر : يُقَال عَالَ الرَّجُل فِي الْأَرْض يَعِيل فِيهَا أَيْ ضَرَبَ فِيهَا . وَقَالَ الْأَحْمَر : يُقَال عَالَنِي الشَّيْء يَعِيلُنِي عَيْلًا وَمَعِيلًا إِذَا أَعْجَزَك " . وَأَمَّا عَالَ كَثُرَ عِيَالُهُ فَذَكَرَهُ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُمَر الدَّوْرِيُّ وَابْن الْأَعْرَابِيِّ . قَالَ الْكِسَائِيّ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن حَمْزَة : الْعَرَب تَقُول عَالَ يَعُول وَأَعَالَ يُعِيل أَيْ كَثُرَ عِيَالُهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : كَانَ الشَّافِعِيّ أَعْلَم بِلُغَةِ الْعَرَب مِنَّا , وَلَعَلَّهُ لُغَةٌ . قَالَ الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسِّر : قَالَ أُسْتَاذُنَا أَبُو الْقَاسِم بْن حَبِيب : سَأَلْت أَبَا عُمَرَ الدَّوْرِيّ عَنْ هَذَا وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة غَيْرَ مُدَافَعٍ فَقَالَ : هِيَ لُغَةُ حِمْيَر ; وَأَنْشَدَ : وَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ أَمْشَى وَعَالَا يَعْنِي وَإِنْ كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ وَعِيَالُهُ . وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : لَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوه الْعَرَب حَتَّى خَشِيت أَنْ آخُذَ عَنْ لَاحِنٍ لَحْنًا . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " أَلَّا تَعِيلُوا " وَهِيَ حُجَّة الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَدَحَ الزَّجَّاج وَغَيْره فِي تَأْوِيل عَالَ مِنْ الْعِيَال بِأَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ كَثْرَةَ السَّرَارِيّ وَفِي ذَلِكَ تَكْثِير الْعِيَال , فَكَيْفَ يَكُون أَقْرَب إِلَى أَلَّا يَكْثُرَ الْعِيَالُ . وَهَذَا الْقَدْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ السَّرَارِيّ إِنَّمَا هِيَ مَالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ , وَإِنَّمَا الْعِيَال الْقَادِح الْحَرَائِر ذَوَات الْحُقُوق الْوَاجِبَة . وَحَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : عَالَ الرَّجُل إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ . تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ أَجَازَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " يَعْنِي مَا حَلَّ " مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع " وَلَمْ يَخُصَّ عَبْدًا مِنْ حُرٍّ . وَهُوَ قَوْل دَاوُدَ وَالطَّبَرِيّ وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ مَالِك وَتَحْصِيل مَذْهَبه عَلَى مَا فِي مُوَطَّئِهِ , وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب . وَذَكَرَ اِبْن الْمَوَّاز أَنَّ اِبْن وَهْب رَوَى عَنْ مَالِك أَنَّ الْعَبْد لَا يَتَزَوَّج إِلَّا اِثْنَتَيْنِ ; قَالَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث . قَالَ أَبُو عُمَر : قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث بْن سَعْد : لَا يَتَزَوَّج الْعَبْد أَكْثَر مِنْ اِثْنَتَيْنِ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي الْعَبْد لَا يَنْكِح أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَتَيْنِ ; وَلَا أَعْلَم لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَة . وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ وَعَطَاء وَابْن سِيرِينَ وَالْحَكَم وَإِبْرَاهِيم وَحَمَّاد . وَالْحُجَّة لِهَذَا الْقَوْل الْقِيَاس الصَّحِيح عَلَى طَلَاقِهِ وَحَدِّهِ . وَكُلّ مَنْ قَالَ حَدُّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ , وَطَلَاقُهُ تَطْلِيقَتَانِ , وَإِيلَاؤُهُ شَهْرَانِ , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامه فَغَيْر بَعِيدٍ أَنْ يُقَال : تَنَاقَضَ فِي قَوْله " يَنْكِح أَرْبَعًا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

غريب الآية
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُوا۟ فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ فَوَ ٰ⁠حِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۚ ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟ ﴿٣﴾
تُقۡسِطُوا۟تَعْدِلُوا.
فِی ٱلۡیَتَـٰمَىٰفي يَتامى النساءِ اللاتي تحتَ أيديكم بألَّا تُعْطُوهنَّ مهورَهنَّ كغيرِهنَّ، فلا تَنْكِحُوهن، وانكِحُوا غيرَهن.
طَابَحَلَّ.
أَدۡنَىٰۤ أَلَّا تَعُولُوا۟أقربُ إلى ألَّا تَجُوروا، ولا تَميلوا.
ذَ ٰ⁠لِكَأي: ما أُبيحَ لكم من نِكاحِ الإماءِ.
ذَ ٰ⁠لِكَما نهى اللهُ عنه مما تقدَّم.
الإعراب
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خِفْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَلَّا)
(أَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُقْسِطُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ (خِفْتُمْ) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْيَتَامَى)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(فَانْكِحُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(انْكِحُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(طَابَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(النِّسَاءِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَثْنَى)
حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَثُلَاثَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ثُلَاثَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَرُبَاعَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رُبَاعَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خِفْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَلَّا)
(أَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَعْدِلُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ (خِفْتُمْ) :.
(فَوَاحِدَةً)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(وَاحِدَةً) : مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "انْكِحُوا"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى (وَاحِدَةً) :.
(مَلَكَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَيْمَانُكُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَدْنَى)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(أَلَّا)
(أَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَعُولُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِـ(لَامٍ) : مَحْذُوفَةٍ؛ أَيْ: "لِئَلَّا تَعُولُوا".