تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } : وَعَلَى أَيّ وَجْه تَأْخُذُونَ مِنْ نِسَائِكُمْ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ إِذَا أَرَدْتُمْ طَلَاقهنَّ وَاسْتِبْدَال غَيْرهنَّ بِهِنَّ أَزْوَاجًا , وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْضكُمْ فَتَبَاشَرْتُمْ وَتَلَامَسْتُمْ . وَهَذَا كَلَام وَإِنْ كَانَ مَخْرَجه مَخْرَج الِاسْتِفْهَام فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى النَّكِير وَالتَّغْلِيظ , كَمَا يَقُول الرَّجُل لِآخَر : كَيْفَ تَفْعَل كَذَا وَكَذَا وَأَنَا غَيْر رَاضٍ بِهِ ؟ عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيد وَالْوَعِيد . وَأَمَّا الْإِفْضَاء إِلَى الشَّيْء فَإِنَّهُ الْوُصُول إِلَيْهِ بِالْمُبَاشَرَةِ لَهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : بِلًى . .. أَفْضَى إِلَى كُتْبَة بَدَا سَيْرهَا مِنْ بَاطِن بَعْد ظَاهِرِ يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ الْفَسَاد وَالْبِلَى وَصَلَ إِلَى الْخُرَز . وَاَلَّذِي عَنَى بِهِ الْإِفْضَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْجِمَاع فِي الْفَرْج . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض بِالْجِمَاعِ ؟ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7091 - حَدَّثَنِي عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان الْقَنَّاد , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْإِفْضَاء : الْمُبَاشَرَة , وَلَكِنَّ اللَّه كَرِيم يُكَنِّي عَمَّا يَشَاء . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ بَكْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْإِفْضَاء : الْجِمَاع , وَلَكِنَّ اللَّه يُكَنِّي . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَاصِم بْن بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْإِفْضَاء : هُوَ الْجِمَاع . 7092 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } قَالَ : مُجَامَعَة النِّسَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7093 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } يَعْنِي : الْمُجَامَعَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } . أَيْ مَا وَثَّقْت بِهِ لَهُنَّ عَلَى أَنْفُسكُمْ مِنْ عَهْد , وَإِقْرَار مِنْكُمْ بِمَا أَقْرَرْتُمْ بِهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ , مِنْ إِمْسَاكهنَّ بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيحهنَّ بِإِحْسَانٍ , وَكَانَ فِي عَقْد الْمُسْلِمِينَ النِّكَاح قَدِيمًا , فِيمَا بَلَغَنَا أَنْ يُقَال لِلنَّاكِحِ : اللَّه عَلَيْك لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ لَتُسَرِّحَنَّ بِإِحْسَانٍ . 7094 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } وَالْمِيثَاق الْغَلِيظ الَّذِي أَخَذَهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَال : إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . وَقَدْ كَانَ فِي عَهْد الْمُسْلِمِينَ عِنْد إِنْكَاحهمْ : آللَّه عَلَيْك لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ لَتُسَرِّحَنَّ بِإِحْسَانٍ وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمِيثَاق الَّذِي عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7095 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله . 7096 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : هُوَ مَا أَخَذَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَال , فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ. قَالَ : وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذ عِنْد عَقْد النِّكَاح . 7097 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } فَهُوَ أَنْ يَنْكِح الْمَرْأَة فَيَقُول وَلِيّهَا : أَنْكَحْنَاكهَا بِأَمَانَةِ اللَّه , عَلَى أَنْ تُمْسِكهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ تُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : الْمِيثَاق الْغَلِيظ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه لِلنِّسَاءِ : إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , وَكَانَ فِي عُقْدَة الْمُسْلِمِينَ عِنْد نِكَاحهنَّ : اَيْم اللَّه عَلَيْك لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ , وَلَتُسَرِّحَنَّ بِإِحْسَانٍ . 7098 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ الْحَسَن , وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : إِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ . أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ. وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ كَلِمَة النِّكَاح الَّتِي اِسْتُحِلَّ بِهَا الْفَرْج. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7099 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : كَلِمَة النِّكَاح الَّتِي اِسْتُحِلَّ بِهَا فُرُوجهنَّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي هَاشِم الْمَكِّيّ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : قَوْله نَكَحْت . 7100 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : هُوَ قَوْلهمْ : قَدْ مَلَكْت النِّكَاح . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : كَلِمَة النِّكَاح . 7101 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : الْمِيثَاق : النِّكَاح. * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : كَلِمَة النِّكَاح قَوْله نَكَحْت . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7102 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر وَعِكْرِمَة : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَا : أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه . 7103 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } وَالْمِيثَاق الْغَلِيظ : أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : الْمِيثَاق الَّذِي عُنِيَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة , هُوَ مَا أُخِذَ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجهَا عِنْد عُقْدَة النِّكَاح , مِنْ عَهْد عَلَى إِمْسَاكهَا بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيحهَا بِإِحْسَانٍ , فَأَقَرَّ بِهِ الرَّجُل , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَوْصَى الرِّجَال فِي نِسَائِهِمْ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمِيثَاق فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَاخْتُلِفَ فِي حُكْم هَذِهِ الْآيَة , أَمُحْكَم أَمْ مَنْسُوخ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : مُحْكَم , وَغَيْر جَائِز لِلرَّجُلِ أَخْذ شَيْء مِمَّا أَتَاهَا إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا , إِلَّا أَنْ تَكُون هِيَ الْمُرِيدَة الطَّلَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مُحْكَمَة , غَيْر جَائِز لَهُ أَخْذ شَيْء مِمَّا آتَاهَا مِنْهَا بِحَالٍ , كَانَتْ هِيَ الْمُرِيدَة لِلطَّلَاقِ أَوْ هُوَ . وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْل بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُزَنِيّ . 7104 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي الْمُهَنَّا , قَالَ : سَأَلْت بَكْرًا عَنْ الْمُخْتَلِعَة أَيَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ مَنْسُوخَة نَسَخَهَا قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7105 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اِسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج } إِلَى قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قَالَ : ثُمَّ رَخَّصَ بَعْد , فَقَالَ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : فَنَسَخَتْ هَذِهِ تِلْكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة , وَغَيْر جَائِز لِلرَّجُلِ أَخْذ شَيْء مِمَّا آتَاهَا إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا مِنْ غَيْر نُشُوز كَانَ مِنْهَا , وَلَا رِيبَة أَتَتْ بِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسِخ مِنْ الْأَحْكَام , مَا نَفَى خِلَافه مِنْ الْأَحْكَام , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي سَائِر كُتُبنَا , وَلَيْسَ قَوْله : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اِسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج } نَفْي حُكْم قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ } لِأَنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّه عَلَى الرَّجُل بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اِسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } أَخْذُ مَا آتَاهَا مِنْهَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمُرِيد طَلَاقهَا . وَأَمَّا الَّذِي أَبَاحَ لَهُ أَخْذَهُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ } فَهُوَ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُرِيدَة طَلَاقَهُ , وَهُوَ كَارِه لَهُ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَلَيْسَ فِي حُكْم إِحْدَى الْآيَتَيْنِ نَفْي حُكْم الْأُخْرَى , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَم لِإِحْدَاهُمَا بِأَنَّهَا نَاسِخَة , وَلِلْأُخْرَى بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة , إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِ الْمُخْتَلِعَة أَخْذ مَا أَعْطَتْهُ عَلَى فِرَاقه إِيَّاهَا إِذَا كَانَتْ هِيَ الْغَالِبَة الْفُرْقَة وَهُوَ الْكَارِه , فَلَيْسَ بِصَوَابٍ لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ أَمَرَ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس بِأَخْذِ مَا كَانَ سَاقَ إِلَى زَوْجَته وَفِرَاقهَا أَنْ طَلَبَتْ فِرَاقه , وَكَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا .