سورة النساء الآية ١٧
سورة النساء الآية ١٧
إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةࣲ ثُمَّ یَتُوبُونَ مِن قَرِیبࣲ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا ﴿١٧﴾
تفسير السعدي
توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة, وقبول لها, بعد وجودها من العبد. فأخبر هنا - أن التوبة المستحقة على الله, حق أحقه على نفسه, كرما منه وجودا, لمن عمل السوء أي: المعاصي " بِجَهَالَةٍ " أي: جهالة منه لعاقبتها, وإيجابها لسخط الله وعقابه, وجهل منه, لنظر الله ومراقبته له, وجهل منه, بما تئول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه. فكل عاص لله, فهو جاهل بهذا الاعتبار, وإن كان عالما بالتحريم. بل العلم بالتحريم, شرط لكونها معصية, معاقبا عليها. " ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ " يحتمل أن يكون المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت. فإن الله يقبل توبة العبد, إذا تاب قبل معاينة الموت والعذاب, قطعا. وأما بعد حضور الموت, فلا يقبل من العاصين توبتهم, ولا من الكفار رجوع, كما قال تعالى عن فرعون: " حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " الآية. وقال تعالى: " فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " وقال هنا:
التفسير الميسر
إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمِّدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالمًا بالتحريم -ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم. وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره.
تفسير الجلالين
"إنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه" أَيْ الَّتِي كَتَبَ عَلَى نَفْسه قَبُولهَا بِفَضْلِهِ "لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء" الْمَعْصِيَة "بِجَهَالَةٍ" حَال أَيْ جَاهِلِينَ إذَا عَصَوْا رَبّهمْ "ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ" زَمَن "قَرِيب" قَبْل أَنْ يُغَرْغِرُوا "فَأُولَئِكَ يَتُوب اللَّه عَلَيْهِمْ" يَقْبَل تَوْبَتهمْ "وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا" بِخَلْقِهِ "حَكِيمًا" فِي صُنْعه بِهِمْ
تفسير ابن كثير
يَقُول سُبْحَانه وَتَعَالَى إِنَّمَا يَقْبَل اللَّه التَّوْبَة مِمَّنْ عَمِلَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوب وَلَوْ بَعْد مُعَايَنَة الْمَلَك يَقْبِض رُوحه قَبْل الْغَرْغَرَة . قَالَ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد : كُلّ مَنْ عَصَى اللَّه خَطَأ أَوْ عَمْدًا فَهُوَ جَاهِل حَتَّى يَنْزِع عَنْ الذَّنْب وَقَالَ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة إِنَّهُ كَانَ يُحَدِّث أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : كُلّ ذَنْب أَصَابَهُ عَبْد فَهُوَ جَهَالَة رَوَاهُ اِبْن جَرِير. وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : اِجْتَمَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّ كُلّ شَيْء عُصِيَ اللَّه بِهِ فَهُوَ جَهَالَة عَمْدًا كَانَ أَوْ غَيْره . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كُلّ عَامِل بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَهُوَ جَاهِل حِين عَمِلَهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج وَقَالَ لِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح نَحْوه . وَقَالَ أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ جَهَالَته عَمَل السُّوء . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب " قَالَ : مَا بَيْنه وَبَيْن أَنْ يَنْظُر إِلَى مَلَك الْمَوْت وَقَالَ الضَّحَّاك : مَا كَانَ دُون الْمَوْت فَهُوَ قَرِيب . وَقَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ : مَا دَامَ فِي صِحَّته وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : " ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب " مَا لَمْ يُغَرْغِر وَقَالَ عِكْرِمَة : الدُّنْيَا كُلّهَا قَرِيب " ذَكَرَ الْأَحَادِيث فِي ذَلِكَ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَيَّاش وَعِصَام بْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن ثَوْبَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُول عَنْ جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَابِت بْن ثَوْبَان بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب وَوَقَعَ فِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ : عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَهُوَ وَهْم إِنَّمَا هُوَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب " حَدِيث آخَر " قَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَعْمَر حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن الْحَرَّانِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه الْبَابِلِيّ حَدَّثَنَا أَيُّوب بْن نُهَيْك الْحَلَبِيّ سَمِعْت عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " مَا مِنْ عَبْد مُؤْمِن يَتُوب قَبْل الْمَوْت بِشَهْرٍ إِلَّا قَبِلَ اللَّه مِنْهُ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَقَبْل مَوْته بِيَوْمٍ وَسَاعَة يَعْلَم اللَّه مِنْهُ التَّوْبَة وَالْإِخْلَاص إِلَيْهِ إِلَّا قَبِلَ مِنْهُ " حَدِيث آخَر قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ : حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مَيْمُونَة وَأَخْبَرَنِي رَجُل مِنْ مِلْحَان يُقَال لَهُ أَيُّوب قَالَ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَقُول : مَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِعَامٍ تِيبَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِشَهْرٍ تِيبَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِجُمْعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِيَوْمٍ تِيبَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِسَاعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ . فَقُلْت إِنَّمَا قَالَ اللَّه " إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب " فَقَالَ إِنَّمَا أُحَدِّثك مَا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو عُمَر الْحَوِضِيّ وَأَبُو عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ شُعْبَة " حَدِيث آخَر قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُطَرِّف عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن السَّلْمَانِيّ قَالَ : اِجْتَمَعَ أَرْبَعَة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدهمْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد قَبْل أَنْ يَمُوت بِيَوْمٍ " فَقَالَ الْآخَر أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ ؟ قَالَ : وَأَنَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد قَبْل أَنْ يَمُوت بِنِصْفِ يَوْم " فَقَالَ الثَّالِث أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد قَبْل أَنْ يَمُوت بِضَحْوَةٍ " قَالَ الرَّابِع : أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ : وَأَنَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر بِنَفْسِهِ " وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ الدَّرَاوَرْدِيّ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن السَّلْمَانِيّ فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ " حَدِيث آخَر " قَالَ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن زَيْد حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن عَبْد الرَّحِيم حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن الْهَيْثَم حَدَّثَنَا عَوْف عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة عَبْده مَا لَمْ يُغَرْغِر " [ أَحَادِيث فِي ذَلِكَ مُرْسَلَة ] قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ عَوْف عَنْ الْحَسَن قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر " هَذَا مُرْسَل حَسَن عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَدْ قَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن هِشَام حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَة عَنْ الْعَلَاء بْن زِيَاد عَنْ أَبِي أَيُّوب بَشِير بْن كَعْب أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر " وَحَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَكَرَ مِثْله . " حَدِيث آخَر " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا عِمْرَان عَنْ قَتَادَة قَالَ : كُنَّا عِنْد أَنَس بْن مَالك وَثَمَّ أَبِي قِلَابَة فَحَدَّثَ أَبُو قِلَابَة فَقَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيس سَأَلَهُ النَّظِرَة فَقَالَ : وَعِزَّتك وَجَلَالك لَا أَخْرُج مِنْ قَلْب اِبْن آدَم مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح. فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعهُ التَّوْبَة مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيث مَرْفُوع رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو وَأَبِي الْهَيْثَم الْعُتْوَارِيّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ إِبْلِيس يَا رَبّ وَعِزَّتك لَا أَزَال أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَادهمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَال أَغْفِر لَهُمْ مَا اِسْتَغْفَرُونِي " فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَرْجُو الْحَيَاة فَإِنَّ تَوْبَته مَقْبُولَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى" فَأُولَئِكَ يَتُوب اللَّه عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا " وَأَمَّا مَتَى وَقَعَ الْإِيَاس مِنْ الْحَيَاة وَعَايَنَ الْمَلَك وَخَرَجَتْ الرُّوح فِي الْحَلْق وَضَاقَ بِهَا الصَّدْر وَبَلَغَتْ الْحُلْقُوم وَغَرْغَرَتْ النَّفْس صَاعِدَة فِي الْغَلَاصِم فَلَا تَوْبَة مَقْبُولَة حِينَئِذٍ وَلَاتَ حِين مَنَاص .
تفسير القرطبي
قِيلَ : هَذِهِ الْآيَة عَامَّة لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا . وَقِيلَ : لِمَنْ جَهِلَ فَقَطْ , وَالتَّوْبَة لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا فِي مَوْضِع آخَر . وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ فَرْض عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَتُوبُوا إِلَى اللَّه جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ " . [ النُّور : 31 ] . وَتَصِحّ مِنْ ذَنْب مَعَ الْإِقَامَة عَلَى غَيْره مِنْ غَيْر نَوْعه خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلهمْ : لَا يَكُون تَائِبًا مَنْ أَقَامَ عَلَى ذَنْب . وَلَا فَرْق بَيْنَ مَعْصِيَة وَمَعْصِيَة - هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة . وَإِذَا تَابَ الْعَبْد فَاَللَّه سُبْحَانَهُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَبِلَهَا , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْهَا . وَلَيْسَ قَبُول التَّوْبَة وَاجِبًا عَلَى اللَّه مِنْ طَرِيق الْعَقْل كَمَا قَالَ الْمُخَالِف ; لِأَنَّ مِنْ شَرْط الْوَاجِب أَنْ يَكُون أَعْلَى رُتْبَة مِنْ الْمُوجَب عَلَيْهِ , وَالْحَقّ سُبْحَانه خَالِق الْخَلْق وَمَالِكهمْ , وَالْمُكَلِّف لَهُمْ ; فَلَا يَصِحّ أَنْ يُوصَف بِوُجُوبِ شَيْء عَلَيْهِ , تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ , غَيْر أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانه وَهُوَ الصَّادِق فِي وَعْده بِأَنَّهُ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ الْعَاصِينَ مِنْ عِبَاده بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَهُوَ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَات " [ الشُّورَى : 25 ] . وَقَوْل : " أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه هُوَ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده " [ التَّوْبَة : 104 ] وَقَوْله : " وَإِنِّي لَغَفَّار لِمَنْ تَابَ " [ طَه : 82 ] فَإِخْبَاره سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْ أَشْيَاء أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسه يَقْتَضِي وُجُوب تِلْكَ الْأَشْيَاء . وَالْعَقِيدَة أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ شَيْء عَقْلًا ; فَأَمَّا السَّمْع فَظَاهِره قَبُول تَوْبَة التَّائِب . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْره : وَهَذِهِ الظَّوَاهِر إِنَّمَا تُعْطِي غَلَبَة ظَنٍّ , لَا قَطْعًا عَلَى اللَّه تَعَالَى بِقَبُولِ التَّوْبَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَدْ خُولِفَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْره فِي هَذَا الْمَعْنَى . فَإِذَا فَرَضْنَا رَجُلًا قَدْ تَابَ تَوْبَة نَصُوحًا تَامَّة الشُّرُوط فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي : يَغْلِب عَلَى الظَّنّ قَبُول تَوْبَته . وَقَالَ غَيْره : يَقْطَع عَلَى اللَّه تَعَالَى بِقَبُولِ تَوْبَته كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسه جَلَّ وَعَزَّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَكَانَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّه يَمِيل إِلَى هَذَا الْقَوْل وَيُرَجِّحُهُ , وَبِهِ أَقُول , وَاَللَّه تَعَالَى أَرْحَم بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْ يَنْخَرِم فِي هَذَا التَّائِب الْمَفْرُوض مَعْنَى قَوْله : " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده " [ الشُّورَى : 25 ] وَقَوْله تَعَالَى : " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ " [ طَه : 82 ] . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَم أَنَّ فِي قَوْله " عَلَى اللَّه " حَذْفًا وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِره , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى فَضْل اللَّه وَرَحْمَته بِعِبَادِهِ . وَهَذَا نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : ( أَتَدْرِي مَا حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه ) ؟ قَالَ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ : ( أَنْ يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّة ) . فَهَذَا كُلّه مَعْنَاهُ : عَلَى فَضْله وَرَحْمَتِهِ بِوَعْدِهِ الْحَقّ وَقَوْله الصِّدْق . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " كَتَبَ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة " [ الْأَنْعَام : 12 ] أَيْ وَعَدَ بِهَا . وَقِيلَ : " عَلَى " هَاهُنَا مَعْنَاهَا " عِنْد " وَالْمَعْنَى وَاحِد , التَّقْدِير : عِنْد اللَّه , أَيْ إِنَّهُ وَعَدَ وَلَا خُلْف فِي وَعْدِهِ أَنَّهُ يَقْبَل التَّوْبَة إِذَا كَانَتْ بِشُرُوطِهَا الْمُصَحِّحَة لَهَا ; وَهِيَ أَرْبَعَة : النَّدَم بِالْقَلْبِ , وَتَرْك الْمَعْصِيَة فِي الْحَال , وَالْعَزْم عَلَى أَلَّا يَعُود إِلَى مِثْلهَا , وَأَنْ يَكُون ذَلِكَ حَيَاء مِنْ اللَّه تَعَالَى لَا مِنْ غَيْره ; فَإِذَا اِخْتَلَّ شَرْط مِنْ هَذِهِ الشُّرُوط لَمْ تَصِحّ التَّوْبَة . وَقَدْ قِيلَ مِنْ شُرُوطهَا : الِاعْتِرَاف بِالذَّنْبِ وَكَثْرَة الِاسْتِغْفَار , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " كَثِير مِنْ مَعَانِي التَّوْبَة وَأَحْكَامهَا . وَلَا خِلَاف فِيمَا أَعْلَمُهُ أَنَّ التَّوْبَة لَا تُسْقِط حَدًّا ; وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّ السَّارِق وَالسَّارِقَة وَالْقَاذِف مَتَى تَابُوا وَقَامَتْ الشَّهَادَة عَلَيْهِمْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمْ الْحُدُود . وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى " مِنْ " أَيْ إِنَّمَا التَّوْبَة مِنْ اللَّه لِلَّذِينَ ; قَالَهُ أَبُو بَكْر بْن عَبْدُوس , وَاَللَّه أَعْلَم . وَسَيَأْتِي فِي " التَّحْرِيم " الْكَلَام فِي التَّوْبَة النَّصُوح وَالْأَشْيَاء الَّتِي يُتَاب مِنْهَا . السُّوء فِي هَذِهِ الْآيَة , و " الْأَنْعَام " . " أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ " [ الْأَنْعَام : 54 ] يَعُمُّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ ; فَكُلّ مَنْ عَصَى رَبّه فَهُوَ جَاهِل حَتَّى يَنْزِع عَنْ مَعْصِيَته . قَالَ قَتَادَة : أَجْمَعَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ كُلّ مَعْصِيَة فَهِيَ بِجَهَالَةٍ , عَمْدًا كَانَتْ أَوْ جَهْلًا ; وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد وَالسُّدِّيّ . وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك وَمُجَاهِد أَنَّهُمَا قَالَا : الْجَهَالَة هُنَا الْعَمْد . وَقَالَ عِكْرِمَة : أُمُور الدُّنْيَا كُلّهَا جَهَالَة ; يُرِيد الْخَاصَّة بِهَا الْخَارِجَة عَنْ طَاعَة اللَّه . وَهَذَا الْقَوْل جَارٍ مَعَ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ " [ مُحَمَّد : 36 ] . وَقَالَ الزَّجَّاج : يَعْنِي قَوْله " بِجَهَالَةٍ " اِخْتِيَارَهُمْ اللَّذَّةَ الْفَانِيَةَ عَلَى اللَّذَّة الْبَاقِيَة . وَقِيلَ : " بِجَهَالَةٍ " أَيْ لَا يَعْلَمُونَ كُنْهَ الْعُقُوبَة ; ذَكَرَهُ اِبْن فُورَك . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَضُعِّفَ قَوْله هَذَا وَرُدَّ عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : مَعْنَاهُ قَبْل الْمَرَض وَالْمَوْت . وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ قَالَ : كُلّ مَا كَانَ قَبْل الْمَوْت فَهُوَ قَرِيب . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَالضَّحَّاك أَيْضًا وَعِكْرِمَة وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ : قَبْل الْمُعَايَنَة لِلْمَلَائِكَةِ وَالسَّوْق , وَأَنْ يُغْلَب الْمَرْء عَلَى نَفْسه . وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاق حَيْثُ قَالَ : قَدِّمْ لِنَفْسِك تَوْبَةً مَرْجُوَّةً قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الْأَلْسُنِ بَادِرْ بِهَا غَلْقَ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا ذُخْرٌ وَغُنْمٌ لِلْمُنِيبِ الْمُحْسِنِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّه : وَإِنَّمَا صَحَّتْ التَّوْبَة مِنْهُ فِي هَذَا الْوَقْت ; لِأَنَّ الرَّجَاء بَاقٍ وَيَصِحّ مِنْهُ النَّدَم وَالْعَزْم عَلَى تَرْك الْفِعْل . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ) . قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَمَعْنَى مَا لَمْ يُغَرْغِر : مَا لَمْ تَبْلُغ رُوحه حُلْقُومه ; فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ الشَّيْء الَّذِي يُتَغَرْغَر بِهِ . قَالَهُ الْهَرَوِيّ وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَتُوبُونَ عَلَى قُرْب عَهْد مِنْ الذَّنْب مِنْ غَيْر إِصْرَار . وَالْمُبَادَر فِي الصِّحَّة أَفْضَل , وَأَلْحَقُ لِأَمَلِهِ مِنْ الْعَمَل الصَّالِح . وَالْبُعْد كُلّ الْبُعْد الْمَوْت ; كَمَا قَالَ : وَأَيْنَ مَكَان الْبُعْد إِلَّا مَكَانِيَا وَرَوَى صَالِح الْمُرِّيّ عَنْ الْحَسَن قَالَ : مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تَابَ إِلَى اللَّه مِنْهُ اِبْتَلَاهُ اللَّه بِهِ . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : إِنَّ إِبْلِيس لَمَّا هَبَطَ قَالَ : بِعِزَّتِك لَا أُفَارِق اِبْن آدَم مَا دَامَ الرُّوح فِي جَسَده . قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( فَبِعِزَّتِي لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ اِبْن آدَم مَا لَمْ تُغَرْغِرْ نَفْسُهُ ) .
| عَلَى ٱللَّهِ | فهو الذي يقبَلُها. |
|---|---|
| بِجَهَـٰلَةࣲ | بجَهْلٍ منهم لعاقِبَتِها، وإيجابِها لسَخَطِ اللهِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian