صفحات الموقع

سورة النساء الآية ١٤٨

سورة النساء الآية ١٤٨

۞ لَّا یُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِیعًا عَلِیمًا ﴿١٤٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول, أي: يبغض ذلك ويمقته, ويعاقب عليه. ويشمل ذلك, جميع الأقوال السيئة, التي تسوء وتحزن, كالشتم, والقذف, والسب ونحو ذلك فإن ذلك كله, من المنهي عنه, الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها, أنه يحب الحسن من القول, كالذكر, والكلام الطيب اللين. وقوله " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه, ويشتكي منه, ويجهر بالسوء لمن جهر له به, من غير أن يكذب عليه, ولا يزيد على مظلمته, ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه. ومع ذلك, فعفوه, وعدم مقابلته, أولى كما قال تعالى: " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " . " وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا " ولما كانت الآية, قد اشتملت على الكلام السيئ, والحسن, والمباح, أخبر تعالى, أنه سميع, فيسمع أقوالكم, فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم. وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن " عَلِيمٌ " بنياتكم ومصدر أقوالكم. يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول, أي: يبغض ذلك ويمقته, ويعاقب عليه. ويشمل ذلك, جميع الأقوال السيئة, التي تسوء وتحزن, كالشتم, والقذف, والسب ونحو ذلك فإن ذلك كله, من المنهي عنه, الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها, أنه يحب الحسن من القول, كالذكر, والكلام الطيب اللين. وقوله " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه, ويشتكي منه, ويجهر بالسوء لمن جهر له به, من غير أن يكذب عليه, ولا يزيد على مظلمته, ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه. ومع ذلك, فعفوه, وعدم مقابلته, أولى كما قال تعالى: " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " . " وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا " ولما كانت الآية, قد اشتملت على الكلام السيئ, والحسن, والمباح, أخبر تعالى, أنه سميع, فيسمع أقوالكم, فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم. وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن " عَلِيمٌ " بنياتكم ومصدر أقوالكم.

التفسير الميسر

لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء؛ ليبيِّن مَظْلمته. وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.

تفسير الجلالين

"لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل" مِنْ أَحَد أَيْ يُعَاقِبهُ عَلَيْهِ "إلَّا مَنْ ظُلِمَ" فَلَا يُؤَاخِذهُ بِالْجَهْرِ بِهِ بِأَنْ يُخْبِر عَنْ ظُلْم ظَالِمه وَيَدْعُو عَلَيْهِ "وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا" لِمَا يُقَال "عَلِيمًا" بِمَا يَفْعَل

تفسير ابن كثير

قَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة يَقُول لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَدْعُو أَحَد عَلَى أَحَد إِلَّا أَنْ يَكُون مَظْلُومًا فَإِنَّهُ قَدْ أَرْخَصَ لَهُ أَنْ يَدْعُو عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَذَلِكَ قَوْله " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْر لَهُ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ حَبِيب عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة قَالَ سُرِقَ لَهَا شَيْء فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ " لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَا يَدْعُ عَلَيْهِ وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ وَاسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ وَفِي رِوَايَة عَنْهُ قَالَ : قَدْ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَدْعُو عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ وَقَالَ عَبْد الْكَرِيم بْن مَالِك الْجَزَرِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ الرَّجُل يَشْتُمك فَتَشْتُمهُ وَلَكِنْ إِنْ اِفْتَرَى عَلَيْك فَلَا تَفْتَرِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ " وَلَمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل " وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوم " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا الْمُثَنَّى بْن الصَّبَّاح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قَالَ ضَافَ رَجُل رَجُلًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ حَقّ ضِيَافَته فَلَمَّا خَرَجَ أَخَّرَ النَّاس فَقَالَ : ضِفْت فُلَانًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيَّ حَقّ ضِيَافَتِي قَالَ فَذَلِكَ الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ حَتَّى يُؤَدِّي الْآخَر إِلَيْهِ حَقّ ضِيَافَته وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قَالَ : قَالَ هُوَ الرَّجُل يَنْزِل بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِن ضِيَافَته فَيَخْرُج فَيَقُول أَسَاءَ ضِيَافَتِي وَلَمْ يُحْسِن . وَفِي رِوَايَة هُوَ الضَّيْف الْمُحَوَّل رَحْله فَإِنَّهُ يَجْهَر لِصَاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْر وَاحِد عَنْ مُجَاهِد نَحْو هَذَا وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَة سِوَى النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اللَّيْث بْن سَعْد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن لَهِيعَة كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر مَرْثَد بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِنَّك تَبْعَثنَا فَنَنْزِل بِقَوْمٍ فَلَا يُقْرُونَا فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ " إِذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة سَمِعْت أَبَا الْجُودِيّ يُحَدِّث عَنْ سَعْد بْن الْمُهَاجِر عَنْ الْمِقْدَام بْن أَبِي كَرِيمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " أَيّمَا مُسْلِم ضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْف مَحْرُومًا فَإِنَّ حَقًّا عَلَى كُلّ مُسْلِم نَصْره حَتَّى يَأْخُذ بِقِرَى لَيْلَته مِنْ زَرْعه وَمَاله " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ أَحْمَد أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْمِقْدَام بْن أَبِي كَرِيمَة سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " لَيْلَة الضَّيْف وَاجِبَة عَلَى كُلّ مُسْلِم فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ اِقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ " ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة. وَعَنْ زِيَاد بْن عَبْد اللَّه الْبَكَّائِيّ عَنْ وَكِيع وَأَبِي نُعَيْم عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَنْصُور بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي عَوَانَة عَنْ مَنْصُور بِهِ. وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَمْثَالهَا ذَهَبَ أَحْمَد وَغَيْره إِلَى وُجُوب الضِّيَافَة وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار : حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارًا يُؤْذِينِي فَقَالَ لَهُ : " أَخْرِجْ مَتَاعك فَضَعْهُ عَلَى الطَّرِيق " فَأَخَذَ الرَّجُل مَتَاعه فَطَرَحَهُ عَلَى الطَّرِيق فَكُلّ مَنْ مَرَّ بِهِ قَالَ : مَا لَك ؟ قَالَ : جَارِي يُؤْذِينِي فَيَقُول اللَّهُمَّ اِلْعَنْهُ اللَّهُمَّ أَخْزِهِ قَالَ : فَقَالَ الرَّجُل اِرْجِعْ إِلَى مَنْزِلك وَاَللَّه لَا أُوذِيك أَبَدًا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَاب الْأَدَب عَنْ أَبِي تَوْبَة الرَّبِيع عَنْ نَافِع عَنْ سُلَيْمَان بْن حَيَّان أَبِي خَالِد الْأَحْمَر عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان بِهِ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّار : لَا نَعْلَمهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَة وَهْب بْن عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوسُف بْن عَبْد اللَّه بْن سَلَام عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار بِضَمِّ الظَّاء. وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " بِفَتْحِ الظَّاء . ثُمَّ اِخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ الظَّاء فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يُحِبّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنْ يَجْهَر أَحَدنَا بِالدُّعَاءِ عَلَى أَحَد , وَذَلِكَ عِنْدهمْ هُوَ الْجَهْر بِالسُّوءِ ; { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } يَقُول : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَيَدْعُو عَلَى ظَالِمه , فَإِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يَكْرَه لَهُ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8459 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل } يَقُول : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَدْعُو أَحَد عَلَى أَحَد أَنْ يَكُون مَظْلُومًا , فَإِنَّهُ قَدْ أَرْخَصَ لَهُ أَنْ يَدْعُو عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ , وَذَلِكَ قَوْله : { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْر لَهُ . 8460 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } فَإِنَّهُ يُحِبّ الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . 8461 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا عَلِيمًا } عَذَرَ اللَّه الْمَظْلُوم كَمَا تَسْمَعُونَ أَنْ يَدْعُو . 8462 - حَدَّثَنِي الْحَرْث , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَظْلِم الرَّجُل , فَلَا يَدْعُ عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ ! اللَّهُمَّ اِسْتَخْرِجْ , لِي حَقِّي ! اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنه وَبَيْن مَا يُرِيد ! وَنَحْوه مِنْ الدُّعَاء . ف " مَنْ " عَلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس هَذَا فِي مَوْضِع رَفْع , لِأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّ الْجَهْر بِالسُّوءِ فِي مَعْنَى الدُّعَاء , وَاسْتَثْنَى الْمَظْلُوم مِنْهُ , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى قَوْله : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , إِلَّا الْمَظْلُوم فَلَا حَرَج عَلَيْهِ فِي الْجَهْر بِهِ . وَهَذَا مَذْهَب يَرَاهُ أَهْل الْعَرَبِيَّة خَطَأ فِي الْعَرَبِيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ " مَنْ " لَا يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عِنْدهمْ بِالْجَهْرِ , لِأَنَّهَا فِي صِلَة " أَنْ " , وَأَنْ لَمْ يَنَلْهُ الْجَحْد فَلَا يَجُوز الْعَطْف عَلَيْهِ ; مِنْ الْخَطَأ عِنْدهمْ أَنْ يُقَال : لَا يُعْجِبنِي أَنْ يَقُوم إِلَّا زَيْد . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون " مَنْ " نَصْبًا عَلَى تَأْوِيل قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَيَكُون قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل } كَلَامًا تَامًّا , ثُمَّ قِيلَ : { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } فَلَا حَرَج عَلَيْهِ , فَيَكُون " مَنْ " اِسْتِثْنَاء مِنْ الْفِعْل , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْل الِاسْتِثْنَاء شَيْء ظَاهِر يُسْتَثْنَى مِنْهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ } 88 22 : 23 وَكَقَوْلِهِمْ : إِنِّي لَأَكْرَه الْخُصُومَة وَالْمِرَاء , اللَّهُمَّ إِلَّا رَجُلًا يُرِيد اللَّه بِذَلِكَ. وَلَمْ يُذْكَرْ قَبْله شَيْء مِنْ الْأَسْمَاء . و " مَنْ " عَلَى قَوْل الْحَسَن هَذَا نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَعْنَى الْكَلَام , لَا مِنْ الِاسْم كَمَا ذَكَرْنَا قَبْل فِي تَأْوِيل قَوْل اِبْن عَبَّاس إِذَا وَجَّهَ " مَنْ " إِلَى النَّصْب , وَكَقَوْلِ الْقَائِل : كَانَ مِنْ الْأَمْر كَذَا وَكَذَا , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ فُلَانًا جَزَاهُ اللَّه خَيْرًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَيُخْبِر بِمَا نِيلَ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8463 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَنْزِل بِالرَّجُلِ , فَلَا يُحْسِن ضِيَافَته , فَيَخْرُج مِنْ عِنْده , فَيَقُول : أَسَاءَ ضِيَافَتِي وَلَمْ يُحْسِن . 8464 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } قَالَ : إِلَّا مَنْ أَثَرَ مَا قِيلَ لَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } قَالَ : هُوَ الضَّيْف الْمُحَوَّل رَحْله , فَإِنَّهُ يَجْهَر لِصَاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الرَّجُل يَنْزِل بِالرَّجُلِ فَلَا يَقْرِيه , فَيَنَال مِنْ الَّذِي لَمْ يَقْرِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8465 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } قَالَ : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَانْتَصَرَ يَجْهَر بِالسُّوءِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , مِثْله . 8466 - وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْر , عَنْ مُجَاهِد . وَعَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } . قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَنْزِل بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِن إِلَيْهِ , فَقَدْ رَخَّصَ اللَّه لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِ . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَمَّاد الدُّولَابِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْر , عَنْ مُجَاهِد : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } قَالَ : هُوَ فِي الضِّيَافَة يَأْتِي الرَّجُل الْقَوْم فَيَنْزِل عَلَيْهِمْ فَلَا يُضَيِّفُونَهُ , رَخَّصَ اللَّه لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْن الصَّبَاح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل } . .. الْآيَة , قَالَ : ضَافَ رَجُل رَجُلًا , فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ حَقّ ضِيَافَته , فَلَمَّا خَرَجَ أَخْبَرَ النَّاس , فَقَالَ : ضِفْت فُلَانًا فَلَمْ يُؤَدِّ حَقّ ضِيَافَتِي , فَذَلِكَ جَهْر بِالسُّوءِ { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } حِين لَمْ يُؤَدَّ إِلَيْهِ ضِيَافَته. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَانْتَصَرَ يَجْهَر بِسُوءٍ . قَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي رَجُل ضَافَ رَجُلًا بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْض فَلَمْ يُضِفْهُ , فَنَزَلَتْ { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ , لَا يَزِيد عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَانْتَصَرَ مِنْ ظَالِمه , فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8467 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ أَحَد مِنْ الْخَلْق , وَلَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَانْتَصَرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ , فَلَيْسَ عَلَيْهِ جُنَاح. ف " مَنْ " عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سِوَى قَوْل اِبْن عَبَّاس فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى اِنْقِطَاعه مِنْ الْأَوَّل , وَالْعَرَب مِنْ شَأْنهَا أَنْ تَنْصِب مَا بَعْد إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع ; فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال سِوَى قَوْل اِبْن عَبَّاس : لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , وَلَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَلَا حَرَج عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِر بِمَا نِيلَ مِنْهُ أَوْ يَنْتَصِر مِمَّنْ ظَلَمَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ بِفَتْحِ الظَّاء : " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " وَتَأَوَّلُوهُ : لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , إِلَّا مَنْ ظَلَمَ , فَلَا بَأْس أَنْ يُجْهَر لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8468 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ أَبِي يَقْرَأ : " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " قَالَ اِبْن زَيْد : يَقُول : إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ النِّفَاق فَيُجْهَر لَهُ بِالسُّوءِ حَتَّى يَنْزِع. قَالَ : وَهَذِهِ مِثْل : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْم الْفُسُوق } 49 11 أَنْ تُسَمِّيَهُ بِالْفِسْقِ { بَعْد الْإِيمَان } 49 11 بَعْد إِذْ كَانَ مُؤْمِنًا , { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ } 49 11 مِنْ ذَلِكَ الْعَمَل الَّذِي قِيلَ لَهُ , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } 49 11 قَالَ : هُوَ أَشَرّ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ لَهُ . 8469 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله , " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " فَقَرَأَ : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار } حَتَّى بَلَغَ : { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } ثُمَّ قَالَ بَعْد مَا قَالَ : هُمْ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار. { مَا يَفْعَل اللَّه بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّه شَاكِرًا عَلِيمًا } " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " قَالَ : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَقُول لِهَذَا : أَلَسْت نَافَقْت ؟ أَلَسْت الْمُنَافِق الَّذِي ظَلَمْت وَفَعَلْت وَفَعَلْت ؟ مِنْ بَعْد مَا تَابَ , " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " , إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى النِّفَاق . قَالَ : وَكَانَ أَبِي يَقُول ذَلِكَ لَهُ وَيَقْرَؤُهَا : " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " . ف " مَنْ " عَلَى هَذَا التَّأْوِيل نُصِبَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْجَهْرِ . وَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى قَوْل قَائِل هَذَا الْقَوْل : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد لِأَحَدٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ " مِنْهُمْ , فَأَقَامَ عَلَى نِفَاقه فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِالْجَهْرِ لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } بِضَمِّ الظَّاء , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَأَهْل التَّأْوِيل عَلَى صِحَّتهَا , وَشُذُوذ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ , فَالصَّوَاب فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : لَا يُحِبّ اللَّه أَيّهَا النَّاس أَنْ يَجْهَر أَحَد لِأَحَدٍ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ } بِمَعْنَى : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَلَا حَرَج عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِر بِمَا أُسِيءَ إِلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , دَخَلَ فِيهِ إِخْبَار مَنْ لَمْ يُقْرَ أَوْ أُسِيءَ قِرَاهُ , أَوْ نِيلَ بِظُلْمٍ فِي نَفْسه أَوْ مَاله عَنْوَة مِنْ سَائِر النَّاس , وَكَذَلِكَ دُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ نَالَهُ بِظُلْمٍ ; أَنْ يَنْصُرهُ اللَّه عَلَيْهِ , لِأَنَّ فِي دُعَائِهِ عَلَيْهِ إِعْلَامًا مِنْهُ لِمَنْ سَمِعَ دُعَاءَهُ عَلَيْهِ بِالسُّوءِ لَهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , ف " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , لِأَنَّهُ مُنْقَطِع عَمَّا قَبْله , وَأَنَّهُ لَا أَسْمَاء قَبْله يُسْتَثْنَى مِنْهَا , فَهُوَ نَظِير قَوْل : { لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ } 88 22 : 23 . وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا عَلِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ اللَّه سَمِيعًا لِمَا يَجْهَرُونَ بِهِ مِنْ سُوء الْقَوْل لِمَنْ يَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَصْوَاتكُمْ وَكَلَامكُمْ , عَلِيمًا بِمَا تُخْفُونَ مِنْ سُوء قَوْلكُمْ وَكَلَامكُمْ لِمَنْ تُخْفُونَ لَهُ بِهِ , فَلَا تَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ , مُحْصٍ كُلّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلّه جَزَاءَكُمْ الْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ وَالْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ.

تفسير القرطبي

" إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَلَهُ أَنْ يَقُول ظَلَمَنِي فُلَان . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع وَيَكُون التَّقْدِير : لَا يُحِبُّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ . وَقِرَاءَة الْجُمْهُور " ظُلِمَ " بِضَمِّ الظَّاء وَكَسْر اللَّام ; وَيَجُوز إِسْكَانهَا . وَمَنْ قَرَأَ " ظَلَمَ " بِفَتْحِ الظَّاء وَفَتْح اللَّام وَهُوَ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَابْن أَبِي إِسْحَق وَغَيْرهمَا عَلَى مَا يَأْتِي , فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُسَكِّنَ اللَّام لِخِفَّةِ الْفَتْحَة . فَعَلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى قَالَتْ طَائِفَة : الْمَعْنَى لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فَلَا يُكْرَه لَهُ الْجَهْر بِهِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة الْجَهْر بِالسُّوءِ وَمَا هُوَ الْمُبَاح مِنْ ذَلِكَ ; فَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الرَّجُل يَظْلِم الرَّجُل فَلَا يَدَع عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ , اللَّهُمَّ اِسْتَخْرِجْ حَقِّي , اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنه وَبَيْنَ مَا يُرِيد مِنْ ظُلْمِي . فَهَذَا دُعَاء فِي الْمُدَافَعَة وَهِيَ أَقَلّ مَنَازِل السُّوء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْمُبَاح لِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ , وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْر لَهُ ; فَهَذَا إِطْلَاق فِي نَوْع الدُّعَاء عَلَى الظَّالِم . وَقَالَ أَيْضًا هُوَ وَالسُّدِّيّ : لَا بَأْس لِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَنْتَصِر مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ وَيَجْهَر لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل . وَقَالَ اِبْن الْمُسْتَنِير : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " مَعْنَاهُ ; إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَجْهَر بِسُوءٍ مِنْ الْقَوْل كُفْرٍ أَوْ نَحْوه فَذَلِكَ مُبَاح . وَالْآيَة عَلَى هَذَا فِي الْإِكْرَاه ; وَكَذَا قَالَ قُطْرُب : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " يُرِيد الْمُكْرَه ; لِأَنَّهُ مَظْلُوم فَذَلِكَ مَوْضُوع عَنْهُ وَإِنْ كَفَرَ ; قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " عَلَى الْبَدَل ; كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يُحِبّ اللَّه إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , أَيْ لَا يُحِبّ اللَّه الظَّالِم ; فَكَأَنَّهُ يَقُول : يُحِبّ مَنْ ظُلِمَ أَيْ يَأْجُر مَنْ ظُلِمَ . وَالتَّقْدِير عَلَى هَذَا الْقَوْل : لَا يُحِبّ اللَّه ذَا الْجَهْر بِالسُّوءِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , عَلَى الْبَدَل . وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَة فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي رَجُل ضَافَ رَجُلًا بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْض فَلَمْ يُضِفْهُ فَنَزَلَتْ " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي نَجِيح أَيْضًا عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فِي الرَّجُل يَمُرّ بِالرَّجُلِ فَلَا يُضِيفُهُ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَقُول فِيهِ : إِنَّهُ لَمْ يُحْسِن ضِيَافَته . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الضِّيَافَة بِهَذِهِ الْآيَة ; قَالُوا : لِأَنَّ الظُّلْم مَمْنُوع مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبهَا ; وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَسَيَأْتِي بَيَانهَا فِي " هُود " وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِر الْآيَة أَنَّ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَنْتَصِرَ مِنْ ظَالِمه - وَلَكِنْ مَعَ اِقْتِصَاد - وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَا قَالَ الْحَسَن ; فَأَمَّا أَنْ يُقَابِل الْقَذْف بِالْقَذْفِ وَنَحْوه فَلَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَأَرْسَلَ لِسَانَك وَادْعُ بِمَا شِئْت مِنْ الْهَلَكَة وَبِكُلِّ دُعَاء ; كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : ( اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف ) وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ عَلَيْك بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ ) سَمَّاهُمْ . وَإِنْ كَانَ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ دُعِيَ عَلَيْهِ جَهْرًا , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِرْض مُحْتَرَم وَلَا بَدَن مُحْتَرَم وَلَا مَال مُحْتَرَم . وَقَدْ رُوِيَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَة قَالَ : سُرِقَ لَهَا شَيْء فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ ) أَيْ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ الْعُقُوبَة بِدُعَائِك عَلَيْهِ . وَرُوِيَ , أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيّ الْوَاجِد ظُلْم يُحِلّ عِرْضه وَعُقُوبَته ) . قَالَ اِبْن الْمُبَارَك : يُحِلّ عِرْضه يُغَلِّظ لَهُ , وَعُقُوبَته يُحْبَس لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم ( مَطْل الْغَنِيّ ظُلْم ) . فَالْمُوسِر الْمُتَمَكِّن إِذَا طُولِبَ بِالْأَدَاءِ وَمَطَلَ ظَلَمَ , وَذَلِكَ يُبِيح مِنْ عِرْضه أَنْ يُقَال فِيهِ : فُلَان يَمْطُل النَّاس وَيَحْبِس حُقُوقهمْ وَيُبِيح لِلْإِمَامِ أَدَبه وَتَعْزِيره حَتَّى يَرْتَدِع عَنْ ذَلِكَ ; حُكِيَ مَعْنَاهُ عَنْ سُفْيَان , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن الْمُبَارَك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَاب مَا وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ قَوْل الْعَبَّاس فِي عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِحَضْرَةِ عُمَر وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِب الْآثِم الْغَادِر الْخَائِن . الْحَدِيث . وَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُمْ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حُكُومَة , كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَعْتَقِدهَا لِنَفْسِهِ , حَتَّى أَنْفَذَ فِيهَا عَلَيْهِمْ عُمَر الْوَاجِب ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إِنَّمَا يَكُون فِيمَا إِذَا اِسْتَوَتْ الْمَنَازِل أَوْ تَقَارَبَتْ , وَأَمَّا إِذَا تَفَاوَتَتْ , فَلَا تُمَكَّن الْغَوْغَاء مِنْ أَنْ تَسْتَطِيل عَلَى الْفُضَلَاء , وَإِنَّمَا تَطْلُب حَقّهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْر تَصْرِيح بِظُلْمٍ وَلَا غَضَبٍ ; وَهَذَا صَحِيح وَعَلَيْهِ تَدُلّ الْآثَار . وَوَجْه آخَر : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْل أَخْرَجَهُ مِنْ الْعَبَّاس الْغَضَب وَصَوْلَة سُلْطَة الْعُمُومَة ! فَإِنَّ الْعَمّ صِنْو الْأَب , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَب إِذَا أَطْلَقَ هَذِهِ الْأَلْفَاظ عَلَى وَلَده إِنَّمَا يَحْمِل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْإِغْلَاظ وَالرَّدْع مُبَالَغَة فِي تَأْدِيبه , لَا أَنَّهُ مَوْصُوف بِتِلْكَ الْأُمُور ; ثُمَّ اِنْضَافَ إِلَى هَذَا أَنَّهُمْ فِي مُحَاجَّة وِلَايَة دِينِيَّة ; فَكَانَ الْعَبَّاس يَعْتَقِد أَنَّ مُخَالَفَتَهُ فِيهَا لَا تَجُوز , وَأَنَّ مُخَالَفَته فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَتَّصِف الْمُخَالِف بِتِلْكَ الْأُمُور ; فَأَطْلَقَهَا بِبَوَادِر الْغَضَب عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُه ; وَلَمَّا عَلِمَ الْحَاضِرُونَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ; أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَازَرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرهمَا . فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ " ظَلَمَ " بِالْفَتْحِ فِي الظَّاء وَاللَّام - وَهِيَ , قِرَاءَة زَيْد بْن أَسْلَمَ , وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاء بِالْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ بَعْد مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , وَقِرَاءَة اِبْن أَبِي إِسْحَق وَالضَّحَّاك وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن السَّائِب - فَالْمَعْنَى : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فِي فِعْل أَوْ قَوْل فَاجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل ; فِي مَعْنَى النَّهْي عَنْ فِعْله وَالتَّوْبِيخ لَهُ وَالرَّدّ عَلَيْهِ ; الْمَعْنَى لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يُقَال لِمَنْ تَابَ مِنْ النِّفَاق : أَلَسْت نَافَقْت ؟ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ , أَيْ أَقَامَ عَلَى النِّفَاق ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " . قَالَ اِبْن زَيْد : وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار كَانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِسُوءٍ مِنْ الْقَوْل , ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْد ذَلِكَ : " مَا يَفْعَل اللَّه بِعَذَابِكُمْ " [ النِّسَاء : 147 ] عَلَى مَعْنَى التَّأْنِيس وَالِاسْتِدْعَاء إِلَى الشُّكْر وَالْإِيمَان . ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : " لَا يُحِبّ اللَّه الْجَهْر بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فِي إِقَامَته عَلَى النِّفَاق ; فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ : أَلَسْت الْمُنَافِق الْكَافِر الَّذِي لَك فِي الْآخِرَة الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار ؟ وَنَحْو هَذَا مِنْ الْقَوْل . وَقَالَ قَوْم : مَعْنَى الْكَلَام : لَا يُحِبّ اللَّه أَنْ يَجْهَر أَحَد بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْل , ثُمَّ اِسْتَثْنَى اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا ; أَيْ لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَإِنَّهُ يَجْهَر بِالسُّوءِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَهُوَ ظَالِم فِي ذَلِكَ . قُلْت : وَهَذَا شَأْن كَثِير مِنْ الظُّلْمَة وَدَأْبهمْ ; فَإِنَّهُمْ مَعَ ظُلْمهمْ يَسْتَطِيلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَنَالُونَ مِنْ عِرْض مَظْلُومهمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " فَقَالَ سُوءًا ; فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ; وَيَكُون الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل . قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى هَذَا أَحَادِيث مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ ) . وَقَوْله : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) قَالُوا : هَذَا نَنْصُرهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : ( تَكُفُّهُ عَنْ الظُّلْم ) . وَقَالَ الْفَرَّاء : " إِلَّا مَنْ ظُلِمَ " يَعْنِي وَلَا مَنْ ظُلِمَ . تَحْذِير لِلظَّالِمِ حَتَّى لَا يَظْلِم , وَلِلْمَظْلُومِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّى الْحَدّ فِي الِانْتِصَار .

غريب الآية
۞ لَّا یُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِیعًا عَلِیمًا ﴿١٤٨﴾
مَن ظُلِمَۚفلا حَرَجَ أن يُخْبِرَ بما أُسِيءَ إليه.
الإعراب
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُحِبُّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْجَهْرَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالسُّوءِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(السُّوءِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْقَوْلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مُسْتَثْنًى عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ أَيْ: "جَهْرَ مَنْ ظُلِمَ".
(ظُلِمَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَكَانَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَانَ) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ كَانَ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(سَمِيعًا)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلِيمًا)
خَبَرُ كَانَ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.