سورة النساء الآية ١٤١
سورة النساء الآية ١٤١
ٱلَّذِینَ یَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحࣱ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَـٰفِرِینَ نَصِیبࣱ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَیۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ وَلَن یَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَـٰفِرِینَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ سَبِیلًا ﴿١٤١﴾
تفسير السعدي
ثم ذكر تحقيق موالاة المنافقين للكافرين, ومعاداتهم للمؤمنين فقال: " الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ " أي: ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها, وتنتهون إليها, من خير أو شر, قد أعدوا لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم. " فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ " . فيظهرون أنهم مع المؤمنين, ظاهرا وباطنا, ليسلموا من القدح والطعن عليهم, وليشركوهم في الغنيمة والفيء, ولينتصروا بهم. " وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ " ولم يقل فتح, لأنه لا يحصل لهم فتح, يكون مبدأ لنصرتهم المستمرة. بل غاية ما يكون, أن يكون لهم نصيب غير مستقر, حكمة من الله. فإذا كان ذلك " قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ " أي: نستولي عليكم " وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " . أي: يتصنعون عندهم, بكف أيديهم عنهم, مع القدرة, ومنعهم من المؤمنين, بجميع وجوه المنع في تنفيرهم, وتزهيدهم في القتال, ومظاهرة الأعداء عليهم, وغير ذلك, مما هو معروف منهم. " فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فيجازي المؤمنين, ظاهرا وباطنا, بالجنة, ويعذب المنافقين والمنافقات, والمشركين والمشركات. " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " أي: تسلطا واستيلاء عليهم. بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة, لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. ولا يزال الله, يحدث من أسباب النصر للمؤمنين, ودفع تسليط الكافرين, ما هو مشهود بالعيان. حتى إن بعض المسلمين, الذين تحكمهم الطوائف الكافرة, قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم, ولا يكونون مستصغرين عندهم. بل لهم العز التام من الله, فلله الحمد, أولا وآخرا, وظاهرا وباطنا.
التفسير الميسر
المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب، فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم، قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة، قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
تفسير الجلالين
"الَّذِينَ" بَدَل مِنْ الَّذِينَ قَبْله "يَتَرَبَّصُونَ" يَنْتَظِرُونَ "بِكُمْ" الدَّوَائِر "فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْح" ظَفَر وَغَنِيمَة "مِنْ اللَّه قَالُوا" لَكُمْ "أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ" فِي الدِّين وَالْجِهَاد فَأَعْطُونَا مِنْ الْغَنِيمَة "وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيب" مِنْ الظَّفَر عَلَيْكُمْ "قَالُوا" لَهُمْ "أَلَمْ نَسْتَحْوِذ" نَسْتَوْلِ "عَلَيْكُمْ" وَنَقْدِر عَلَى أَخْذكُمْ وَقَتْلكُمْ فَأَبْقَيْنَا عَلَيْكُمْ "وَ" أَلَمْ "نَمْنَعكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" أَنْ يَظْفَر بِتَخْذِيلِهِمْ وَمُرَاسَلَتهمْ بِأَخْبَارِهِمْ فَلَنَا عَلَيْكُمْ الْمِنَّة "فَاَللّه يَحْكُم بَيْنكُمْ" وَبَيْنهمْ "يَوْم الْقِيَامَة" بِأَنْ يُدْخِل وَيُدْخِلهُمْ النَّار "وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا" طَرِيقًا بِالِاسْتِئْصَالِ
تفسير ابن كثير
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ دَوَائِر السُّوء بِمَعْنَى يَنْتَظِرُونَ زَوَال دَوْلَتهمْ وَظُهُور الْكَفَرَة عَلَيْهِمْ وَذَهَاب مِلَّتهمْ " فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْح مِنْ اللَّه " أَيْ نَصْر وَتَأْيِيد وَظَفَر وَغَنِيمَة " قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ " أَيْ يَتَوَدَّدُونَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَة " وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيب أَيْ إِدَالَة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " فِي بَعْض الْأَحْيَان كَمَا وَقَعَ يَوْم أُحُد فَإِنَّ الرُّسُل تُبْتَلَى ثُمَّ يَكُون لَهَا الْعَافِيَة قَالُوا " أَلَمْ نَسْتَحْوِذ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" أَيْ سَاعَدْنَاكُمْ فِي الْبَاطِن وَمَا أَلَوْنَاهُمْ خَبَالًا وَتَخْذِيلًا حَتَّى اِنْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ السُّدِّيّ : نَسْتَحْوِذ عَلَيْكُمْ نَغْلِب عَلَيْكُمْ كَقَوْلِهِ اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَان وَهَذَا أَيْضًا تَوَدُّد مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَانِعُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لِيَحْظَوْا عِنْدهمْ وَيَأْمَنُوا كَيْدهمْ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعْفِ إِيمَانهمْ وَقِلَّة إِيقَانهمْ . قَالَ تَعَالَى " فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنكُمْ يَوْم الْقِيَامَة " أَيْ بِمَا يَعْلَمهُ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ مِنْ الْبَوَاطِن الرَّدِيئَة فَلَا تَغْتَرُّوا بِجَرَيَانِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة عَلَيْكُمْ ظَاهِرًا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة فَيَوْم الْقِيَامَة لَا تَنْفَعكُمْ ظَوَاهِركُمْ بَلْ هُوَ يَوْم تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِر وَيُحَصَّل مَا فِي الصُّدُور وَقَوْله " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ ذَرّ عَنْ سَبِيع الْكِنْدِيّ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَقَالَ كَيْف هَذِهِ الْآيَة " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اُدْنُهُ اُدْنُهُ فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنكُمْ يَوْم الْقِيَامَة " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ". وَكَذَا رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قَالَ ذَاكَ يَوْم الْقِيَامَة . وَكَذَا رَوَى السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيّ يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ السُّدِّيّ : سَبِيلًا أَيْ حُجَّة وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " أَيْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِمْ اِسْتِيلَاء اِسْتِئْصَال بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ ظَفَر فِي بَعْض الْأَحْيَان عَلَى بَعْض النَّاس فَإِنَّ الْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا الْآيَة وَعَلَى هَذَا فَيَكُون رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِيمَا أَمْلَوْهُ وَرَجَوْهُ وَانْتَظَرُوهُ مِنْ زَوَال دَوْلَة الْمُؤْمِنِينَ وَفِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُصَانَعَتهمْ الْكَافِرِينَ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْهُمْ إِذَا هُمْ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَأْصَلُوهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض يُسَارِعُونَ فِيهِمْ - إِلَى قَوْله - نَادِمِينَ " وَقَدْ اِسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى أَصَحّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاء وَهُوَ الْمَنْع مِنْ بَيْع الْعَبْد الْمُسْلِم لِلْكَافِرِ لِمَا فِي صِحَّة اِبْتِيَاعه مِنْ التَّسْلِيط لَهُ عَلَيْهِ وَالْإِذْلَال وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالصِّحَّةِ يَأْمُرهُ بِإِزَالَةِ مِلْكه عَنْهُ فِي الْحَال لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " .
تفسير القرطبي
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ , أَيْ يَنْتَظِرُونَ بِكُمْ الدَّوَائِر . أَيْ غَلَبَة عَلَى الْيَهُود وَغَنِيمَة . أَيْ أَعْطُونَا مِنْ الْغَنِيمَة . أَيْ ظَفَر . أَيْ أَلَمْ نَغْلِب عَلَيْكُمْ حَتَّى هَابَكُمْ الْمُسْلِمُونَ وَخَذَلْنَاهُمْ عَنْكُمْ . يُقَال : اِسْتَحْوَذَ عَلَى كَذَا أَيْ غَلَبَ عَلَيْهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَان " [ الْمُجَادَلَة : 19 ] . وَقِيلَ : أَصْل الِاسْتِحْوَاذ الْحَوْط ; حَاذَهُ يَحُوذهُ حَوْذًا إِذَا حَاطَهُ . وَهَذَا الْفِعْل جَاءَ عَلَى الْأَصْل , وَلَوْ أُعِلَّ لَكَانَ أَلَمْ نَسْتَحِذْ , وَالْفِعْل عَلَى الْإِعْلَال اِسْتَحَاذَ يَسْتَحِيذُ , وَعَلَى غَيْر الْإِعْلَال اِسْتَحْوَذَ يَسْتَحْوِذ . أَيْ بِتَخْذِيلِنَا إِيَّاهُمْ عَنْكُمْ , وَتَفْرِيقِنَا إِيَّاهُمْ مِمَّا يُرِيدُونَهُ مِنْكُمْ . وَالْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي الْغَزَوَات مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلِهَذَا قَالُوا : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ وَتَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُعْطُونَهُمْ الْغَنِيمَة وَلِهَذَا طَلَبُوهَا وَقَالُوا : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ! وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ " أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ " الِامْتِنَان عَلَى الْمُسْلِمِينَ . أَيْ كُنَّا نُعْلِمُكُمْ بِأَخْبَارِهِمْ وَكُنَّا أَنْصَارًا لَكُمْ . فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ تَأْوِيلَات خَمْس : أَحَدهَا : مَا رُوِيَ عَنْ يُسَيْع الْحَضْرَمِيّ قَالَ : كُنْت عِنْد عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُل يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " كَيْفَ ذَلِكَ , وَهُمْ يُقَاتِلُونَنَا وَيَظْهَرُونَ عَلَيْنَا أَحْيَانًا ! فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَعْنَى ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْحُكْم . وَكَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَاكَ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَبِهَذَا قَالَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا ضَعِيف : لِعَدَمِ فَائِدَة الْخَبَر فِيهِ , وَإِنْ أَوْهَمَ صَدْر الْكَلَام مَعْنَاهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنَكُمْ يَوْم الْقِيَامَة " فَأَخَّرَ الْحُكْم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَجَعَلَ الْأَمْر فِي الدُّنْيَا دُوَلًا تَغْلِب الْكُفَّار تَارَة وَتُغْلَب أُخْرَى ; بِمَا رَأَى مِنْ الْحِكْمَة وَسَبَقَ مِنْ الْكَلِمَة . ثُمَّ قَالَ : " وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " فَتَوَهَّمَ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ آخِر الْكَلَام يَرْجِع إِلَى أَوَّله , وَذَلِكَ يُسْقِط فَائِدَته , إِذْ يَكُون تَكْرَارًا . الثَّانِي : إِنَّ اللَّه لَا يَجْعَل لَهُمْ سَبِيلًا يَمْحُو بِهِ دَوْلَة الْمُؤْمِنِينَ , وَيُذْهِب آثَارَهُمْ وَيَسْتَبِيح بَيْضَتَهُمْ ; كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث ثَوْبَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي أَلَّا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَلَّا يُسَلَّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسهمْ فَيَسْتَبِيح بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّد إِنِّي إِذَا قَضَيْت قَضَاء فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضهمْ بَعْضًا ) . الثَّالِث : أَنَّ اللَّه سُبْحَانه لَا يَجْعَل لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَتَوَاصَوْا بِالْبَاطِلِ وَلَا يَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَر وَيَتَقَاعَدُوا عَنْ التَّوْبَة فَيَكُون تَسْلِيط الْعَدُوّ مِنْ قِبَلِهِمْ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " [ الشُّورَى : 30 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا نَفِيس جِدًّا . قُلْت : وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث ثَوْبَان ( حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضهمْ بَعْضًا ) وَذَلِكَ أَنَّ " حَتَّى " غَايَة ; فَيَقْتَضِي ظَاهِر الْكَلَام أَنَّهُ لَا يُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ فَيَسْتَبِيحُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْهُمْ إِهْلَاك بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , وَسَبْي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ , وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَان بِالْفِتَنِ الْوَاقِعَة بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ; فَغَلُظَتْ شَوْكَة الْكَافِرِينَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَاد الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا أَقَلُّهُ ; فَنَسْأَل اللَّه أَنْ يَتَدَارَكَنَا بِعَفْوِهِ وَنَصْره وَلُطْفِهِ . الرَّابِع : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه لَا يَجْعَل لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا شَرْعًا ; فَإِنْ وُجِدَ فَبِخِلَافِ الشَّرْع . الْخَامِس : " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " أَيْ حُجَّة عَقْلِيَّة وَلَا شَرْعِيَّة يَسْتَظْهِرُونَ بِهَا إِلَّا أَبْطَلَهَا وَدُحِضَتْ . الثَّانِيَة : اِبْن الْعَرَبِيّ : وَنَزَعَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَة فِي الِاحْتِجَاج عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا يَمْلِك الْعَبْد الْمُسْلِم . وَبِهِ قَالَ أَشْهَب وَالشَّافِعِيّ : لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه نَفَى السَّبِيل لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ , وَالْمِلْك بِالشِّرَاءِ سَبِيل , فَلَا يُشْرَعُ لَهُ وَلَا يَنْعَقِد الْعَقْد بِذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة : إِنَّ مَعْنَى " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " فِي دَوَام الْمِلْك ; لِأَنَّا نَجِد الِابْتِدَاء يَكُون لَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِالْإِرْثِ . وَصُورَتُهُ أَنْ يُسْلِمَ عَبْد كَافِر فِي يَد كَافِر فَيَلْزَم الْقَضَاء عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ , فَقَبْل الْحُكْم عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ مَاتَ , فَيَرِثُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَارِثُ الْكَافِر . فَهْده سَبِيل قَدْ ثَبَتَ قَهْرًا لَا قَصْدَ فِيهِ , وَإِنْ مَلَكَ الشِّرَاء ثَبَتَ بِقَصْدِ النِّيَّة , فَقَدْ أَرَادَ الْكَافِر تَمَلُّكَهُ بِاخْتِيَارِهِ , فَإِنْ حُكِمَ بِعَقْدِ بَيْعه وَثُبُوت مِلْكه فَقَدْ حُقِّقَ فِيهِ قَصْده , وَجُعِلَ لَهُ سَبِيل عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْق النَّصْرَانِيّ أَوْ الْيَهُودِيّ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِم صَحِيح نَافِذ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ عَبْد الْكَافِر فَبِيعَ عَلَيْهِ أَنَّ ثَمَنَهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى مِلْكه بِيعَ وَعَلَى مِلْكه ثَبَتَ الْعِتْق لَهُ , إِلَّا أَنَّهُ مِلْك غَيْر مُسْتَقِرّ لِوُجُوبِ بَيْعه عَلَيْهِ ; وَذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَنْ يَجْعَل اللَّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " يُرِيد الِاسْتِرْقَاق وَالْمِلْك وَالْعُبُودِيَّة مِلْكًا مُسْتَقِرًّا دَائِمًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي شِرَاء الْعَبْدِ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : الْبَيْع مَفْسُوخ . وَالثَّانِي : الْبَيْع صَحِيح وَيُبَاع عَلَى الْمُشْتَرِي . الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَاب فِي رَجُل نَصْرَانِيّ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ الْعَبْد ; فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : يُحَال بَيْنه وَبَيْنَ الْعَبْد , وَيُخَارَج عَلَى سَيِّدِهِ النَّصْرَانِيّ , وَلَا يُبَاع عَلَيْهِ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَمْرُهُ . فَإِنْ هَلَكَ النَّصْرَانِيّ وَعَلَيْهِ دَيْن قُضِيَ دَيْنه مِنْ ثَمَن الْعَبْد الْمُدَبَّر , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مَاله مَا يَحْمِل الْمُدَبَّر فَيَعْتِق الْمُدَبَّر . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَوْل الْآخَر : إِنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ سَاعَة أَسْلَمَ ; وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ ; لِأَنَّ الْمُدَبَّر وَصِيَّة وَلَا يَجُوز تَرْك مُسْلِم فِي مِلْك مُشْرِك يُذِلُّهُ وَيُخَارِجُهُ , وَقَدْ صَارَ بِالْإِسْلَامِ عَدُوًّا لَهُ . وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يُبَاع النَّصْرَانِيّ مِنْ مُسْلِم فَيُعْتِقُهُ , وَيَكُون وَلَاؤُهُ لِلَّذِي اِشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ , وَيَدْفَع إِلَى النَّصْرَانِيّ ثَمَنه . وَقَالَ سُفْيَان وَالْكُوفِيُّونَ : إِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّر النَّصْرَانِيّ قُوِّمَ قِيمَته فَيَسْعَى فِي قِيمَته , فَإِنْ مَاتَ النَّصْرَانِيّ قَبْل أَنْ يَفْرُغ الْمُدَبَّر مِنْ سِعَايَته عَتَقَ الْعَبْد وَبَطَلَتْ السِّعَايَة .
| نَصِیبࣱ | مقدارٌ من الجزاءِ بحسَبِ العملِ. |
|---|---|
| نَصِیبࣱ | حَظٌّ. |
| ٱلَّذِینَ یَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ | المنافقون ينتظرون ما يَحُلُّ بكم. |
| فَتۡحࣱ | نَصْرٌ، وغنيمةٌ. |
| نَسۡتَحۡوِذۡ | نساعِدْكم، ونَغْلِبْ عليكم. |
| وَنَمۡنَعۡكُم | بتَخْذِيلهم، وتَثْبيطِهم عنكم. |
| سَبِیلًا | تَسَلُّطاً، وطريقاً ما داموا عاملين بالحقِّ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian