سورة النساء الآية ١٠٢
سورة النساء الآية ١٠٢
وَإِذَا كُنتَ فِیهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَاۤىِٕفَةࣱ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلۡیَكُونُوا۟ مِن وَرَاۤىِٕكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَاۤىِٕفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ یُصَلُّوا۟ فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوا۟ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَیَمِیلُونَ عَلَیۡكُم مَّیۡلَةࣰ وَ ٰحِدَةࣰۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذࣰى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰۤ أَن تَضَعُوۤا۟ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣰا مُّهِینࣰا ﴿١٠٢﴾
تفسير السعدي
ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله " وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ " أي: صليت بهم صلاة تقيمها, وتتم ما يجب فيها, ويلزم فعلهم ما ينبغي لك ولهم, فعله. ثم فسر ذلك بقوله " فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ " أي: وطائفة قائمة بإزاء العدو, كما يدل على ذلك ما يأتي: " فَإِذَا سَجَدُوا " أي: الذين معك أي: أكملوا صلاتهم, وعبر عن الصلاة بالسجود, ليدل على فضل السجود, وأنه ركن من أركانها, بل هو أعظم أركانها. " فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا " وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو " فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ " . ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى, منتظرا للطائفة الثانية, فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم, حتى يكملوا صلاتهم, ثم يسلم بهم, وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف. فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة, كلها جائزة. وهذه الآية, تدل على أن صلاة الجماعة, فرض عين من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة, وقت اشتداد الخوف من الأعداء, وحذر مهاجمتهم. فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة, فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن, من باب أَوْلَى وأحرى. والثاني: أن المصلين صلاة الخوف, يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم, ويعفى فيها, عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها, وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة, لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب. فلولا وجوب الجماعة, لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل, أن يصلوا بإمام واحد. ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء, لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة, وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين, واتفاقهم, وعدم تفرق كلمتهم, وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم. وأمر تعالى, بأخذ السلاح, والحذر في صلاة الخوف. وهذا, وإن كان فيه حركة, واشتغال عن بعض أحوال الصلاة, فإن فيه مصلحة راجحة, وهو الجمع بين الصلاة والجهاد, والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص, على الإيقاع بالمسلمين, والميل عليهم وعلى أمتعتهم ولهذا قال تعالى: " وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً " . ثم إن الله عذر من له عذر, من مرض, أو مطر, أن يضع سلاحه, ولكن مع أخذ الحذر فقال: " وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا " . ومن العذاب المهين, ما أمر الله به حزبه المؤمنين, وأنصار دينه الموحدين, من قتلهم وقتالهم, حيثما ثقفوهم, ويأخذوهم, ويحصروهم, ويقعدوا لهم كل مرصد, ويحذروهم في جميع الأحوال, ولا يغفلوا عنهم, خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم. فلله أعظم حمد وثناء, على ما مَنَّ به على المؤمنين, وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه, التي لو سلكوها على وجه الكمال, لم تهزم لهم راية, ولم يظهر عليهم عدو, في وقت من الأوقات. وقوله " فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ " يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى في السلام, لأنه أولا, ذكر أن الطائفة تقوم معه, فأخبر عن مصاحبتهم له. ثم أضاف الفعل بعد, إليهم دون الرسول, فدل ذلك على ما ذكرناه. وفي قوله " وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ " دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا. وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة, في ركعتهم الأولى, وحكما في ركعتهم الأخيرة. فيستلزم ذلك, انتظار الإمام إياهم, حتى يكملوا صلاتهم. ثم يسلم بهم, وهذا ظاهر للمتأمل.
التفسير الميسر
وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم. ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم؛ ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حيننذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر. إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.
تفسير الجلالين
"وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ" يَا مُحَمَّد حَاضِرًا "فِيهِمْ" وَأَنْتُمْ تَخَافُونَ الْعَدُوّ "فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة" وَهَذَا جَرْي عَلَى عَادَة الْقُرْآن فِي الْخِطَاب "فَلْتَقُمْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَعَك" وَتَتَأَخَّر طَائِفَة "وَلْيَأْخُذُوا" أَيْ الطَّائِفَة الَّتِي قَامَتْ مَعَك "أَسْلِحَتهمْ" مَعَهُمْ "فَإِذَا سَجَدُوا" أَيْ صَلَّوْا "فَلْيَكُونُوا" أَيْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى "مِنْ وَرَائِكُمْ" يَحْرُسُونَ إلَى أَنْ تَقْضُوا الصَّلَاة وَتَذْهَب هَذِهِ الطَّائِفَة تَحْرُس "وَلْتَأْتِ طَائِفَة أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرهمْ وَأَسْلِحَتهمْ" مَعَهُمْ إلَى أَنْ تَقْضُوا الصَّلَاة وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِك بِبَطْنِ نَخْل رَوَاهُ الشَّيْخَانِ "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ" إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاة "عَنْ أَسْلِحَتكُمْ وَأَمْتِعَتكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَة وَاحِدَة" بِأَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْكُمْ فَيَأْخُذُوكُمْ وَهَذَا عِلَّة الْأَمْر بِأَخْذِ السِّلَاح "وَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتكُمْ" فَلَا تَحْمِلُوهَا وَهَذَا يُفِيد إيجَاب حَمْلهَا عِنْد عَدَم الْعُذْر وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي أَنَّهُ سُنَّة وَرَجَحَ "وَخُذُوا حِذْركُمْ" مِنْ الْعَدُوّ أَيْ احْتَرِزُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ "إنَّ اللَّه أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا" ذَا إهَانَة
تفسير ابن كثير
صَلَاة الْخَوْف أَنْوَاع كَثِيرَة فَإِنَّ الْعَدُوّ تَارَة يَكُون تُجَاه الْقِبْلَة وَتَارَة يَكُون فِي غَيْر صَوْبهَا وَالصَّلَاة تَكُون رُبَاعِيَّة وَتَارَة تَكُون ثُلَاثِيَّة كَالْمَغْرِبِ : وَتَارَة تَكُون ثُنَائِيَّة كَالصُّبْحِ وَصَلَاة السَّفَر ثَمَّ تَارَة يُصَلُّونَ جَمَاعَة وَتَارَة يَلْتَحِم الْحَرْب فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَمَاعَة بَلْ يُصَلُّونَ فُرَادَى مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَة وَغَيْر مُسْتَقْبِلِيهَا , وَرِجَالًا وَرُكْبَانًا وَلَهُمْ أَنْ يَمْشُوا وَالْحَالَة هَذِهِ وَيَضْرِبُوا الضَّرْب الْمُتَتَابِع فِي مَتْن الصَّلَاة . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : يُصَلُّونَ وَالْحَالَة هَذِهِ رَكْعَة وَاحِدَة لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم . وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي الْحَوَاشِي وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَجَابِر وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَالْحَكَم وَقَتَادَة وَحَمَّاد وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُس وَالضَّحَّاك وَقَدْ حَكَى أَبُو عِصَام الْعَبَّادِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن نَصْر الْمَرْوَزِيّ أَنَّهُ يَرَى رَدّ الصُّبْح إِلَى رَكْعَة فِي الْخَوْف وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اِبْن حَزْم أَيْضًا وَقَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : أَمَّا عِنْد الْمُسَايَفَة فَيَجْزِيك رَكْعَة وَاحِدَة تُومِئ بِهَا إِيمَاء. فَإِنْ لَمْ تَقْدِر فَسَجْدَة وَاحِدَة لِأَنَّهَا ذِكْر اللَّه , وَقَالَ آخَرُونَ يَكْفِي تَكْبِيرَة وَاحِدَة فَلَعَلَّهُ أَرَادَ رَكْعَة وَاحِدَة كَمَا قَالَهُ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَصْحَابه وَبِهِ قَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَكَعْب وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة وَالسُّدِّيّ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير وَلَكِنْ الَّذِينَ حَكَوْهُ إِنَّمَا حَكَوْهُ عَلَى ظَاهِره فِي الِاجْتِزَاء بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَة كَمَا هُوَ مَذْهَب إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَمِير عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت الْمَكِّيّ حَتَّى قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى التَّكْبِيرَة فَلَا يَتْرُكهَا فِي نَفْسه يَعْنِي بِالنِّيَّةِ رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور فِي سُنَنه عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ شُعَيْب بْن دِينَار عَنْهُ فَاَللَّه أَعْلَم . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ أَبَاحَ تَأْخِير الصَّلَاة لِعُذْرِ الْقِتَال وَالْمُنَاجَزَة كَمَا أَخَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْأَحْزَاب الظُّهْر وَالْعَصْر فَصَلَّاهُمَا بَعْد الْغُرُوب ثُمَّ صَلَّى بَعْدهمَا الْمَغْرِب ثُمَّ الْعِشَاء وَكَمَا قَالَ بَعْدهَا يَوْم بَنِي قُرَيْظَة حِين جَهَّزَ إِلَيْهِمْ الْجَيْش لَا يُصَلِّيَن أَحَد مِنْكُمْ الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاة فِي أَثْنَاء الطَّرِيق فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَمْ يُرِدْ مِنَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَعْجِيل الْمَسِير وَلَمْ يُرِدْ مِنَّا تَأَخُّر الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا فَصَلُّوا الصَّلَاة لِوَقْتِهَا فِي الطَّرِيق وَأَخَّرَ آخَرُونَ مِنْهُمْ صَلَاة الْعَصْر فَصَلَّوْهَا فِي بَنِي قُرَيْظَة بَعْد الْغُرُوب وَلَمْ يُعَنِّف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا فِي كِتَاب السِّيرَة وَبَيَّنَّا أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا الْعَصْر لِوَقْتِهَا أَقْرَب إِلَى إِصَابَة الْحَقّ فِي نَفْس الْأَمْر وَإِنْ كَانَ الْآخَرُونَ مَعْذُورِينَ أَيْضًا , وَالْحُجَّة هَهُنَا فِي عُذْرهمْ فِي تَأْخِير الصَّلَاة لِأَجْلِ الْجِهَاد وَالْمُبَادَرَة إِلَى حِصَار النَّاكِثِينَ لِلْعَهْدِ مِنْ الطَّائِفَة الْمَلْعُونَة الْيَهُود . وَأَمَّا الْجُمْهُور فَقَالُوا هَذَا كُلّه مَنْسُوخ بِصَلَاةِ الْخَوْف فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْد فَلَمَّا نَزَلَتْ نُسِخَ تَأْخِير الصَّلَاة لِذَلِكَ وَهَذَا أَبْيَن فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَأَهْل السُّنَن وَلَكِنْ يُشْكِل عَلَيْهِ مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه حَيْثُ قَالَ " بَاب الصَّلَاة عِنْد مُنَاهَضَة الْحُصُون وَلِقَاء الْعَدُوّ " قَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْح وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة صَلَّوْا إِيمَاء كُلّ اِمْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاء أَخَّرُوا الصَّلَاة حَتَّى يَنْكَشِف الْقِتَال أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَة وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلَا يُجْزِيهِمْ التَّكْبِير وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُول وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك : حَضَرْت عِنْد مُنَاهَضَة حِصْن تُسْتَر عِنْد إِضَاءَة الْفَجْر وَاشْتَدَّ اِشْتِعَال الْقِتَال فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْد اِرْتِفَاع النَّهَار فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا قَالَ أَنَس : وَمَا يَسُرّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاة الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا اِنْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِحَدِيثِ تَأْخِير الصَّلَاة يَوْم الْأَحْزَاب ثُمَّ بِحَدِيثِ أَمْره إِيَّاهُمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة وَكَأَنَّهُ الْمُخْتَار لِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَلِمَنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَحْتَجّ بِصَنِيعِ أَبِي مُوسَى وَأَصْحَابه يَوْم فَتْح تُسْتَر فَإِنَّهُ يَشْتَهِر غَالِبًا وَلَكِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي إِمَارَة عُمَر بْن الْخَطَّاب وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَلَا أَحَد مِنْ الصَّحَابَة وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ هَؤُلَاءِ وَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْف مَشْرُوعَة فِي الْخَنْدَق لِأَنَّ غَزْوَة ذَات الرِّقَاع كَانَتْ قَبْل الْخَنْدَق فِي قَوْل جُمْهُور عُلَمَاء السِّيَر وَالْمَغَازِي وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَالْوَاقِدِيّ وَمُحَمَّد بْن سَعْد كَاتِبه وَخَلِيفَة بْن الْخَيَّاط وَغَيْرهمْ وَقَالَ الْبُخَارِيّ وَغَيْره كَانَتْ ذَات الرِّقَاع بَعْد الْخَنْدَق لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَمَا قَدِمَ إِلَّا فِي خَيْبَر وَاَللَّه أَعْلَم . وَالْعَجَب كُلّ الْعَجَب أَنَّ الْمُزَنِيّ وَأَبَا يُوسُف الْقَاضِي وَإِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ صَلَاة الْخَوْف مَنْسُوخَة بِتَأْخِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَوْم الْخَنْدَق وَهَذَا غَرِيب جِدًّا وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث بَعْد الْخَنْدَق بِصَلَاةِ الْخَوْف وَحُمِلَ تَأْخِير الصَّلَاة يَوْمئِذٍ عَلَى مَا قَالَهُ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ أَقْوَى وَأَقْرَب وَاَللَّه أَعْلَم فَقَوْله تَعَالَى " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " أَيْ إِذَا صَلَّيْت بِهِمْ إِمَامًا فِي صَلَاة الْخَوْف وَهَذِهِ حَالَة غَيْر الْأُولَى فَإِنَّ تِلْكَ قَصْرهَا إِلَى رَكْعَة كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث - فُرَادَى وَرِجَالًا وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَة وَغَيْر مُسْتَقْبِلِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ حَال الِاجْتِمَاع وَالِائْتِمَام بِإِمَامٍ وَاحِد وَمَا أَحْسَن مَا اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوب الْجَمَاعَة مِنْ هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة حَيْثُ اُغْتُفِرَتْ أَفْعَال كَثِيرَة لِأَجْلِ الْجَمَاعَة فَلَوْلَا أَنَّهَا وَاجِبَة مَا سَاغَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ صَلَاة الْخَوْف مَنْسُوخَة بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ " فَبَعْده تَفُوت هَذِهِ الصِّفَة فَإِنَّهُ اِسْتِدْلَال ضَعِيف وَيَرُدّ عَلَيْهِ مِثْل قَوْل مَانِعِي الزَّكَاة الَّذِينَ اِحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتك سَكَن لَهُمْ " قَالُوا فَنَحْنُ لَا نَدْفَع زَكَاتنَا بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَحَد بَلْ نُخْرِجهَا نَحْنُ بِأَيْدِينَا عَلَى مَنْ نَرَاهُ وَلَا نَدْفَعهَا إِلَّا إِلَى مَنْ صَلَاته أَيْ دُعَاؤُهُ سَكَن لَنَا وَمَعَ هَذَا رَدَّ عَلَيْهِمْ الصَّحَابَة وَأَبَوْا عَلَيْهِمْ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَأَجْبَرُوهُمْ عَلَى أَدَاء الزَّكَاة وَقَاتَلُوا مَنْ مَنَعَهَا مِنْهُمْ وَلْنَذْكُرْ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة أَوَّلًا قَبْل ذِكْر صِفَتهَا قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي اِبْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي إِسْحَاق حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن هَاشِم أَنْبَأَنَا سَيْف عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ أَبِي أَيُّوب عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَأَلَ قَوْم مِنْ بَنِي النَّجَّار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَضْرِب فِي الْأَرْض فَكَيْف نُصَلِّي فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاة " ثُمَّ اِنْقَطَعَ الْوَحْي فَلَمَّا كَانَ بَعْد ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى الظُّهْر فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لَقَدْ أَمْكَنَكُمْ مُحَمَّد وَأَصْحَابه مِنْ ظُهُورهمْ هَلَّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ إِنَّ لَهُمْ أُخْرَى مِثْلهَا فِي أَثَرهَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ " إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا " الْآيَتَيْنِ فَنَزَلَتْ صَلَاة الْخَوْف وَهَذَا سِيَاق غَرِيب جِدًّا وَلَكِنْ لِبَعْضِهِ شَاهِد مِنْ رِوَايَة أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ وَاسْمه زَيْد بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عِنْد الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن فَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد عَنْ أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُمْ بَيْننَا وَبَيْن الْقِبْلَة فَصَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر فَقَالُوا لَقَدْ كَانُوا عَلَى حَال لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتهمْ ثُمَّ قَالُوا يَأْتِي عَلَيْهِمْ الْآن صَلَاة هِيَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسهمْ قَالَ فَنَزَلَ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَات بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " قَالَ فَحَضَرَتْ فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا السِّلَاح قَالَ : فَصَفَّنَا خَلْفه صَفَّيْنِ قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيه وَالْآخَرُونَ قِيَام يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا سَجَدُوا وَقَامُوا جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فِي مَكَانهمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافّ هَؤُلَاءِ ثُمَّ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافّ هَؤُلَاءِ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفّ الَّذِي يَلِيه وَالْآخَرُونَ قِيَام يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا جَلَسُوا جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ اِنْصَرَفَ. قَالَ : فَصَلَّاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّة بِعُسْفَانَ وَمَرَّة بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْم . ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور بِهِ نَحْوه , وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ جَرِير بْن عَبْد الْحَمِيد وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَعَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد الصَّمَد كُلّهمْ عَنْ مَنْصُور بِهِ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلَهُ شَوَاهِد كَثِيرَة فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْح حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْ الزُّبَيْدِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ النَّاس مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاس مِنْهُمْ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانهمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاس كُلّهمْ فِي الصَّلَاة وَلَكِنْ يَحْرُس بَعْضهمْ بَعْضًا وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن هِشَام حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَة عَنْ سُلَيْمَان بْن قَيْس الْيَشْكُرِيّ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ إِقْصَار الصَّلَاة أَيّ يَوْم أُنْزِلَ أَوْ أَيّ يَوْم هُوَ فَقَالَ جَابِر : اِنْطَلَقْنَا نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ آتِيَة مِنْ الشَّام حَتَّى إِذَا كُنَّا بِنَخْلَةٍ جَاءَ رَجُل مِنْ الْقَوْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد هَلْ تَخَافنِي قَالَ " لَا " قَالَ فَمَنْ يَمْنَعك مِنِّي قَالَ " اللَّه يَمْنَعنِي مِنْك " قَالَ : فَسَلَّ السَّيْف ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وَأَوْعَدَهُ ثُمَّ نَادَى بِالتَّرَحُّلِ وَأَخَذَ السِّلَاح ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْقَوْم وَطَائِفَة أُخْرَى تَحْرُسهُمْ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرَ الَّذِينَ يَلُونَهُ عَلَى أَعْقَابهمْ فَقَامُوا فِي مَصَافّ أَصْحَابهمْ ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَالْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ ثُمَّ سَلَّمَ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع رَكَعَات وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَيَوْمئِذٍ أَنْزَلَ اللَّه فِي إِقْصَار الصَّلَاة وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَخْذِ السِّلَاح . وَرَوَاهُ الْإِمَام اِحْمَدْ فَقَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْح حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سُلَيْمَان بْن قَيْس الْيَشْكُرِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : قَاتَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَارِب حَفْصَة فَجَاءَ رَجُل مِنْهُمْ يُقَال لَهُ غَوْرَث بْن الْحَارِث حَتَّى قَامَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعك مِنِّي قَالَ " اللَّه " فَسَقَطَ السَّيْف مِنْ يَده فَأَخَذَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " وَمَنْ يَمْنَعك مِنِّي " قَالَ : كُنْ خَيْر آخِذ قَالَ " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه " ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ أُعَاهِدك أَنْ لَا أُقَاتِلك وَلَا أَكُون مَعَ قَوْم يُقَاتِلُونَك فَخَلَّى سَبِيله فَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْد خَيْر النَّاس فَلَمَّا حَضَرَتْ الصَّلَاة صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْخَوْف فَكَانَ النَّاس طَائِفَتَيْنِ طَائِفَة بِإِزَاءِ الْعَدُوّ وَطَائِفَة صَلَّوْا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرَفُوا فَكَانُوا مَكَان الطَّائِفَة الَّذِينَ كَانُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوّ ثُمَّ اِنْصَرَفَ الَّذِينَ كَانُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوّ فَصَلَّوْا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع رَكَعَات وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن عُمَر بْن الْهَيْثَم حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيّ عَنْ يَزِيد الْفَقِير قَالَ : سَأَلْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَر أُقْصِرهُمَا فَقَالَ : الرَّكْعَتَانِ فِي السَّفَر تَمَام إِنَّمَا الْقَصْر وَاحِدَة عِنْد الْقِتَال بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَال إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى فَصَفَّ بِطَائِفَةٍ وَطَائِفَة وَجْههَا قِبَل الْعَدُوّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَة وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ الَّذِينَ خَلَفُوا اِنْطَلَقُوا إِلَى أُولَئِكَ فَقَامُوا مَقَامهمْ وَمَكَانهمْ نَحْو ذَا وَجَاءَ أُولَئِكَ فَقَامُوا خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَة وَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ الَّذِينَ خَلْفه وَسَلَّمَ أُولَئِكَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَة رَكْعَة ثُمَّ قَرَأَ وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة الْآيَة وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ يَزِيد الْفَقِير عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاة الْخَوْف فَقَامَ صَفّ بَيْن يَدَيْهِ وَصَفّ خَلْفه فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفه رَكْعَة وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ حَتَّى قَامُوا فِي مَقَام أَصْحَابهمْ وَجَاءَ أُولَئِكَ حَتَّى قَامُوا فِي مَقَام هَؤُلَاءِ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى رَكْعَة وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ وَلَهُمْ رَكْعَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَلِهَذَا الْحَدِيث طُرُق عَنْ جَابِر وَهُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظٍ آخَر وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ جَابِر جَمَاعَة كَثِيرُونَ فِي الصَّحِيح وَالسُّنَن وَالْمَسَانِيد . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " قَالَ هِيَ صَلَاة الْخَوْف صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى مُقْبِلَة عَلَى الْعَدُوّ وَأَقْبَلَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى الَّتِي كَانَتْ مُقْبِلَة عَلَى الْعَدُوّ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَة أُخْرَى ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ ثُمَّ قَامَتْ كُلّ طَائِفَة مِنْهُمْ فَصَلَّتْ رَكْعَة رَكْعَة وَهَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ الْجَمَاعَة فِي كُتُبهمْ مِنْ طَرِيق مَعْمَر بِهِ وَلِهَذَا الْحَدِيث طُرُق كَثِيرَة عَنْ الْجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَقَدْ أَجَادَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ فِي سَرْد طُرُقه وَأَلْفَاظه وَكَذَا اِبْن جَرِير وَلْنُحَرِّرْهُ فِي كِتَاب الْأَحْكَام الْكَبِير إِنْ شَاءَ اللَّه وَبِهِ الثِّقَة وَأَمَّا الْأَمْر بِحَمْلِ السِّلَاح فِي صَلَاة الْخَوْف فَمَحْمُول عِنْد طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى الْوُجُوب لِظَاهِرِ الْآيَة وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَر أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتكُمْ وَخُذُوا حِذْركُمْ" أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُونَ عَلَى أُهْبَة إِذَا اِحْتَجْتُمْ إِلَيْهَا لَبِسْتُمُوهَا بِلَا كُلْفَة" إِنَّ اللَّه أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا " .
تفسير القرطبي
قَوْله تَعَالَى : " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ , فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ , عَلَيْهِمْ خَالِد بْن الْوَلِيد وَهُمْ بَيْننَا وَبَيْنَ الْقِبْلَة , فَصَلَّى بِنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْر , فَقَالُوا : قَدْ كَانُوا عَلَى حَال لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتَهُمْ ; قَالَ : ثُمَّ قَالُوا تَأْتِي الْآن عَلَيْهِمْ صَلَاة هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ; قَالَ : فَنَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذِهِ الْآيَة بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَهَذَا كَانَ سَبَب إِسْلَام خَالِد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَدْ اِتَّصَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِمَا سَبَقَ مِنْ ذِكْر الْجِهَاد . وَبَيَّنَ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ الصَّلَاة لَا تَسْقُط بِعُذْرِ السَّفَر وَلَا بِعُذْرِ الْجِهَاد وَقِتَال الْعَدُوّ , وَلَكِنْ فِيهَا رُخَصٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَهَذِهِ السُّورَة , بَيَانه مِنْ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء . وَهَذِهِ الْآيَة خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ يَتَنَاوَل الْأُمَرَاء بَعْده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " [ التَّوْبَة : 103 ] هَذَا قَوْل كَافَّة الْعُلَمَاء . وَشَذَّ أَبُو يُوسُف وَإِسْمَاعِيل ابْن عُلَيَّة فَقَالَا : لَا نُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّ الْخِطَاب كَانَ خَاصًّا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ " وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ , وَكُلّهمْ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ وَيُصَلِّيَ خَلْفَهُ , وَلَيْسَ أَحَد بَعْده يَقُوم فِي الْفَضْل مَقَامه , وَالنَّاس بَعْده تَسْتَوِي أَحْوَالهمْ وَتَتَقَارَب ; فَلِذَلِكَ يُصَلِّي الْإِمَام بِفَرِيقٍ وَيَأْمُر مَنْ يُصَلِّي بِالْفَرِيقِ الْآخَر , وَأَمَّا أَنْ يُصَلُّوا بِإِمَامٍ وَاحِد فَلَا . وَقَالَ الْجُمْهُور : إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ وَالتَّأَسِّي بِهِ فِي غَيْر مَا آيَة وَغَيْر حَدِيث , فَقَالَ تَعَالَى : " فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَة ... " [ النُّور : 63 ] وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) . فَلَزِمَ اِتِّبَاعه مُطْلَقًا حَتَّى يَدُلّ دَلِيل وَاضِح عَلَى الْخُصُوص ; وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُصُوص لَلَزِمَ قَصْر الْخِطَابَات عَلَى مَنْ تَوَجَّهَتْ لَهُ , وَحِينَئِذٍ كَانَ يَلْزَم أَنْ تَكُون الشَّرِيعَة قَاصِرَة عَلَى مَنْ خُوطِبَ بِهَا ; ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اِطْرَحُوا تَوَهُّم الْخُصُوص فِي هَذِهِ الصَّلَاة وَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره " [ الْأَنْعَام : 68 ] وَهَذَا خِطَاب لَهُ , وَأُمَّته دَاخِلَة فِيهِ , وَمِثْله كَثِير . وَقَالَ تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " [ التَّوْبَة : 103 ] وَذَلِكَ لَا يُوجِب الِاقْتِصَار عَلَيْهِ وَحْده , وَأَنَّ مَنْ بَعْده يَقُوم فِي ذَلِكَ مَقَامه ; فَكَذَلِكَ فِي قَوْله : " وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ " . أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق فِي جَمَاعَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَاتَلُوا مَنْ تَأَوَّلَ فِي الزَّكَاة مِثْل مَا تَأَوَّلْتُمُوهُ فِي صَلَاة الْخَوْف . قَالَ أَبُو عُمَر : لَيْسَ فِي أَخْذ الزَّكَاة الَّتِي قَدْ اِسْتَوَى فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْده مِنْ الْخُلَفَاء مَا يُشْبِهُ صَلَاة مَنْ صَلَّى خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى خَلْف غَيْره ; لِأَنَّ أَخْذ الزَّكَاة فَائِدَتُهَا تَوْصِيلُهَا لِلْمَسَاكِينِ , وَلَيْسَ فِيهَا فَضْل لِلْمُعْطَى كَمَا فِي الصَّلَاة فَضْل لِلْمُصَلِّي خَلْفه . قَوْله تَعَالَى : " فَلْتَقُمْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَعَك " يَعْنِي جَمَاعَة مِنْهُمْ تَقِف مَعَك فِي الصَّلَاة . " لِيَأْخُذُوا أَسْلِحَتهمْ " يَعْنِي الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَك . وَيُقَال : " وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ " الَّذِينَ هُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوّ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَلَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى فِي الْآيَة لِكُلِّ طَائِفَة إِلَّا رَكْعَة وَاحِدَة , وَلَكِنْ رُوِيَ فِي الْأَحَادِيث أَنَّهُمْ أَضَافُوا إِلَيْهَا أُخْرَى , عَلَى مَا يَأْتِي . وَحُذِفَتْ الْكَسْرَة مِنْ قَوْله : " فَلْتَقُمْ " و " فَلْيَكُونُوا " لِثِقَلِهَا . وَحَكَى الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ أَنَّ لَام الْأَمْر وَلَام كَيْ وَلَام الْجُحُود يُفْتَحْنَ . وَسِيبَوَيْهِ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ مُوجِبَة , وَهِيَ الْفَرْق بَيْنَ لَام الْجَرّ وَلَام التَّأْكِيد . وَالْمُرَاد مِنْ هَذَا الْأَمْر الِانْقِسَام , أَيْ وَسَائِرهمْ وُجَاهَ الْعَدُوّ حَذَرًا مِنْ تَوَقُّع حَمْلَتِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي هَيْئَة صَلَاة الْخَوْف , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء لِاخْتِلَافِهَا , فَذَكَرَ اِبْن الْقَصَّار أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي عَشَرَة مَوَاضِع . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاة الْخَوْف أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّة . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل , وَهُوَ إِمَام أَهْل الْحَدِيث وَالْمُقَدَّم فِي مَعْرِفَة عِلَل النَّقْل فِيهِ : لَا أَعْلَم أَنَّهُ رُوِيَ فِي صَلَاة الْخَوْف إِلَّا حَدِيث ثَابِت . وَهِيَ كُلّهَا صِحَاح ثَابِتَة , فَعَلَى أَيّ حَدِيث صَلَّى مِنْهَا الْمُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف أَجْزَأَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ . وَأَمَّا مَالِك وَسَائِر أَصْحَابه إِلَّا أَشْهَب فَذَهَبُوا فِي صَلَاة الْخَوْف إِلَى حَدِيث سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة , وَهُوَ مَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ صَالِح بْن خَوَّات الْأَنْصَارِيّ أَنَّ سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاة الْخَوْف أَنْ يَقُوم الْإِمَام وَمَعَهُ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه وَطَائِفَة مُوَاجِهَة الْعَدُوّ , فَيَرْكَع الْإِمَام رَكْعَة وَيَسْجُدُ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُوم , فَإِذَا اِسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ , وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الْبَاقِيَة ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَام قَائِم , فَيَكُونُونَ وُجَاهَ الْعَدُوّ , ثُمَّ يُقْبِل الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاء الْإِمَام فَيَرْكَع بِهِمْ الرَّكْعَة وَيَسْجُد ثُمَّ يُسَلِّم , فَيَقُومُونَ وَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الْبَاقِيَة ثُمَّ يُسَلِّمُونَ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم صَاحِب مَالِك : وَالْعَمَل عِنْد مَالِك عَلَى حَدِيث الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ صَالِح بْن خَوَّات . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَقَدْ كَانَ يَأْخُذ بِحَدِيثِ مَزِيد بْن رُومَان ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَر : حَدِيث الْقَاسِم وَحَدِيث يَزِيد بْن رُومَان كِلَاهُمَا عَنْ صَالِح بْن خَوَّات : إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَصْلًا فِي السَّلَام , فَفِي حَدِيث الْقَاسِم أَنَّ الْإِمَام يُسَلِّم بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَة ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة , وَفِي حَدِيث يَزِيد بْن رُومَان أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ وَيُسَلِّم بِهِمْ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ; قَالَ الشَّافِعِيّ : حَدِيث يَزِيد بْن رُومَان عَنْ صَالِح بْن خَوَّات هَذَا أَشْبَهُ الْأَحَادِيث فِي صَلَاة الْخَوْف بِظَاهِرِ كِتَاب اللَّه , وَبِهِ أَقُول . وَمِنْ حُجَّة مَالِك فِي اِخْتِيَاره حَدِيث الْقَاسِم الْقِيَاس عَلَى سَائِر الصَّلَوَات , فِي أَنَّ الْإِمَام لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِر أَحَدًا سَبَقَهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا , وَأَنَّ السُّنَّة الْمُجْتَمَع عَلَيْهَا أَنْ يَقْضِيَ الْمَأْمُومُونَ مَا سُبِقُوا بِهِ بَعْد سَلَام الْإِمَام . وَقَوْل أَبِي ثَوْر فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِ مَالِك , وَقَالَ أَحْمَد كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ فِي الْمُخْتَار عِنْده , وَكَانَ لَا يَعِيب مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَوْجُه الْمَرْوِيَّة فِي صَلَاة الْخَوْف . وَذَهَبَ أَشْهَب مِنْ أَصْحَاب مَالِك إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ : صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْخَوْف بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى مُوَاجِهَة الْعَدُوّ , ثُمَّ اِنْصَرَفُوا وَقَامُوا مَقَام أَصْحَابهمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوّ , وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَة وَهَؤُلَاءِ رَكْعَة . وَقَالَ اِبْن عُمَر : فَإِذَا كَانَ خَوْف أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ صَلَّى رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئ إِيمَاء , أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَمَالِك وَغَيْرهمْ . وَإِلَى هَذِهِ الصِّفَة ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيّ , وَهُوَ الَّذِي اِرْتَضَاهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ , قَالَ : لِأَنَّهُ أَصَحّهَا إِسْنَادًا , وَقَدْ وَرَدَ بِنَقْلِ أَهْل الْمَدِينَة وَبِهِمْ الْحُجَّة عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ , وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ , لِأَنَّ الطَّائِفَة الْأُولَى وَالثَّانِيَة لَمْ يَقْضُوا الرَّكْعَة إِلَّا بَعْد خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاة , وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ سُنَّتِهِ الْمُجْتَمَع عَلَيْهَا فِي سَائِر الصَّلَوَات . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ : أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه إِلَّا أَبَا يُوسُف الْقَاضِي يَعْقُوب فَذَهَبُوا إِلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ : صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْخَوْف فَقَامُوا صَفَّيْنِ , صَفًّا خَلْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفًّا مُسْتَقْبِل الْعَدُوّ , فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَة , وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَقَامُوا مَقَامهمْ , وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ الْعَدُوّ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمَ , فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَام أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِينَ الْعَدُوّ , وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامهمْ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمُوا . وَهَذِهِ الصِّفَة وَالْهَيْئَة هِيَ الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث اِبْن عُمَر إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ; وَهُوَ أَنَّ قَضَاء أُولَئِكَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر يَظْهَر أَنَّهُ فِي حَالَة وَاحِدَة وَيَبْقَى الْإِمَام كَالْحَارِسِ وَحْده , وَهَاهُنَا قَضَاؤُهُمْ مُتَفَرِّق عَلَى صِفَة صَلَاتهمْ . وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضهمْ حَدِيث اِبْن عُمَر عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود الثَّوْرِيّ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَات الثَّلَاث عَنْهُ - وَأَشْهَب بْن عَبْد الْعَزِيز فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَن اللَّخْمِيّ عَنْهُ , وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر وَابْن يُونُس وَابْن حَبِيب عَنْهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عُمَر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَة رَكْعَة وَلَمْ يَقْضُوا , وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس " وَفِي الْخَوْف رَكْعَة " . وَهَذَا قَوْل إِسْحَاق . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " الْإِشَارَة إِلَى هَذَا , وَأَنَّ الصَّلَاة أَوْلَى بِمَا احْتِيطَ لَهَا , وَأَنَّ حَدِيث اِبْن عَبَّاس لَا تَقُوم بِهِ حُجَّة , وَقَوْله فِي حَدِيث حُذَيْفَة وَغَيْره : " وَلَمْ يَقْضُوا " أَيْ فِي عِلْم مَنْ رَوَى ذَلِكَ , لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ قَضَوْا رَكْعَة فِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا , وَشَهَادَة مَنْ زَادَ أَوْلَى . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لَمْ يَقْضُوا , أَيْ لَمْ يَقْضُوا إِذَا أَمِنُوا , وَتَكُون فَائِدَة أَنَّ الْخَائِف إِذَا أَمِنَ لَا يَقْضِي مَا صَلَّى عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَة مِنْ الصَّلَوَات فِي الْخَوْف , قَالَ جَمِيعه أَبُو عُمَر . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا , وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع رَكَعَات وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَذَكَرَا فِيهِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ , ثُمَّ صَلَّى بِالْآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَبِذَلِكَ كَانَ الْحَسَن يُفْتِي , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ . وَبِهِ يَحْتَجْ كُلُّ مَنْ أَجَازَ اِخْتِلَاف نِيَّة الْإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن عُلَيَّة وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَدَاوُد . وَعَضَّدُوا هَذَا بِحَدِيثِ جَابِر : إِنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاء ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمّ قَوْمه , الْحَدِيث . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام إِذْ كَانَ يَجُوز أَنْ تُصَلِّيَ الْفَرِيضَة مَرَّتَيْنِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم . فَهَذِهِ أَقَاوِيل الْعُلَمَاء فِي صَلَاة الْخَوْف . وَهَذِهِ الصَّلَاة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن إِنَّمَا يَحْتَاج إِلَيْهَا وَالْمُسْلِمُونَ مُسْتَدْبِرُونَ الْقِبْلَة وَوَجْه الْعَدُوّ الْقِبْلَة , وَإِنَّمَا اِتَّفَقَ هَذَا بِذَاتِ الرِّقَاع , فَأَمَّا بِعُسْفَانَ وَالْمَوْضِع الْآخَر فَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا فِي قُبَالَة الْقِبْلَة . وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سَبَب النُّزُول فِي قِصَّة خَالِد بْن الْوَلِيد لَا يُلَائِم تَفْرِيق الْقَوْم إِلَى طَائِفَتَيْنِ , فَإِنَّ فِي الْحَدِيث بَعْد قَوْله : " فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة " قَالَ : فَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا السِّلَاح وَصَفَّنَا خَلْفه صَفَّيْنِ , قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنَا جَمِيعًا , قَالَ : ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا , قَالَ : ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ : وَالْآخَرُونَ قِيَام يَحْرُسُونَهُمْ , فَلَمَّا سَجَدُوا وَقَامُوا جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فِي مَكَانهمْ , قَالَ : ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ فِي مَصَافّ هَؤُلَاءِ وَجَاءَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافّ هَؤُلَاءِ , قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا , ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا , ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ , وَالْأَخِرُونَ قِيَام , يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا جَلَسَ الْآخَرُونَ سَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ . قَالَ : فَصَلَّاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ : مَرَّة بِعُسْفَانَ وَمَرَّة فِي أَرْض بَنِي سُلَيْم . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ وَقَالَ : وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَهُوَ أَحْوَطُهَا . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بَيْنَ ضَجَنَانَ وَعُسْفَانَ ; الْحَدِيث . وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام صَدَعَهُمْ صَدْعَيْنِ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَة رَكْعَة , فَكَانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَة رَكْعَة , وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ , قَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَزَيْد بْن ثَابِت وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأَبِي عَيَّاش الزُّرَقِيّ وَاسْمه زَيْد بْن الصَّامِت , وَابْن عُمَر وَحُذَيْفَة وَأَبِي بَكْر وَسَهْل بْن أَبِي حَثْمَة . قُلْت : وَلَا تَعَارُض بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَات , فَلَعَلَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاة كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي عَيَّاش مُجْتَمِعَيْنِ , وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاة أُخْرَى مُتَفَرِّقِينَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَيَكُون فِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول صَلَاة الْخَوْف رَكْعَة . قَالَ الْخَطَّابِيّ : صَلَاة الْخَوْف أَنْوَاع صَلَّاهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّام مُخْتَلِفَة وَأَشْكَال مُتَبَايِنَة , يُتَوَخَّى فِيهَا كُلّهَا مَا هُوَ أَحْوَط لِلصَّلَاةِ وَأَبْلَغُ فِي الْحِرَاسَة . وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة صَلَاة الْمَغْرِب , فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي بَكْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْقَوْمِ صَلَاة الْمَغْرِب ثَلَاث رَكَعَات ثُمَّ اِنْصَرَفُوا , وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَلَاث رَكَعَات , فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتًّا وَلِلْقَوْمِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن . وَالْجُمْهُور فِي صَلَاة الْمَغْرِب عَلَى خِلَاف هَذَا , وَهُوَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَة , وَتَقْضِي عَلَى اِخْتِلَاف أُصُولهمْ فِيهِ مَتَى يَكُون ؟ هَلْ قَبْل سَلَام الْإِمَام أَوْ بَعْده . هَذَا قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة , لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِهَيْئَةِ الصَّلَاة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَة , لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَعَلَهَا لَيْلَة الْهَرِير , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاة الْخَوْف عِنْد اِلْتِحَام الْحَرْب وَشِدَّة الْقِتَال وَخِيفَ خُرُوج الْوَقْت فَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَعَامَّة الْعُلَمَاء : يُصَلَّى كَيْفَمَا أَمْكَنَ , لِقَوْلِ اِبْن عُمَر : فَإِنْ كَانَ خَوْف أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَيُصَلِّي رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئ إِيمَاء . قَالَ فِي الْمُوَطَّأ : مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة وَغَيْر مُسْتَقْبِلهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " قَوْل الضَّحَّاك وَإِسْحَاق . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة صَلَّوْا إِيمَاء كُلّ اِمْرِئٍ لِنَفْسِهِ ; فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاء أَخَّرُوا الصَّلَاة حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَال وَيَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَة سَجْدَتَيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِير وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا ; وَبِهِ قَالَ مَكْحُول . قُلْت : وَحَكَاهُ اِلْكِيَا الطَّبَرِيّ فِي " أَحْكَام الْقُرْآن " لَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه , قَالَ اِلْكِيَا : وَإِذَا كَانَ الْخَوْف أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ اِلْتِحَام الْقِتَال فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُصَلُّونَ عَلَى مَا أَمْكَنَهُمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَة وَمُسْتَدْبِرِيهَا , وَأَبُو حَنِيفة وَأَصْحَابه الثَّلَاثَة مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ وَالْحَالَة هَذِهِ بَلْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاة . وَإِنْ قَاتَلُوا فِي الصَّلَاة قَالُوا : فَسَدَتْ الصَّلَاة وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ تَابَعَ الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ فَسَدَتْ صَلَاته . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل يَدُلّ عَلَى صِحَّة قَوْل أَنَس : حَضَرْت مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْد إِضَاءَة الْفَجْر , وَاشْتَدَّ اِشْتِعَال الْقِتَال فَلَمْ نَقْدِر عَلَى الصَّلَاة إِلَّا بَعْد اِرْتِفَاع النَّهَار ; فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا . قَالَ أَنَس : وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاة الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا , ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَب شَيْخُنَا الْأُسْتَاذ أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الْقَيْسِيّ الْقُرْطُبِيّ الْمَعْرُوف بِأَبِي حِجَّة ; وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ فِيمَا يَظْهَر ; لِأَنَّهُ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ جَابِر , قَالَ : جَاءَ عُمَر يَوْم الْخَنْدَق فَجَعَلَ يَسُبّ كُفَّار قُرَيْش وَيَقُول : يَا رَسُول اللَّه , مَا صَلَّيْت الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس أَنْ تُغْرِب , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا وَاَللَّه مَا صَلَّيْتهَا ) قَالَ : فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْر بَعْد مَا غَرَبَتْ الشَّمْس ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِب بَعْدهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاة الطَّالِب وَالْمَطْلُوب ; فَقَالَ مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه هُمَا سَوَاء , كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يُصَلِّي عَلَى دَابَّته . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث وَابْن عَبْد الْحَكَم : لَا يُصَلِّي الطَّالِب إِلَّا بِالْأَرْضِ وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ الطَّلَب تَطَوُّع , وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَرْضهَا أَنْ تُصَلِّي بِالْأَرْضِ حَيْثُمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ , وَلَا يُصَلِّيهَا رَاكِب إِلَّا خَائِف شَدِيد خَوْفه وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّالِب . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْعَسْكَر إِذَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاة الْخَوْف ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُ غَيْر شَيْء ; فَلِعُلَمَائِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا يُعِيدُونَ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَالثَّانِيَة لَا إِعَادَة عَلَيْهِمْ , وَهُوَ أَظْهَر قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . وَوَجْه الْأُولَى أَنَّهُمْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأ فَعَادُوا إِلَى الصَّوَاب كَحُكْمِ الْحَاكِم . وَوَجْه الثَّانِيَة أَنَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى اِجْتِهَادهمْ فَجَازَ لَهُمْ كَمَا لَوْ أَخْطَئُوا الْقِبْلَة ; وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ . وَقَدْ يُقَال : يُعِيدُونَ فِي الْوَقْت , فَأَمَّا بَعْد خُرُوجه فَلَا . وَاَللَّه أَعْلَم . الضَّمِير فِي " سَجَدُوا " لِلطَّائِفَةِ الْمُصَلِّيَة فَلْيَنْصَرِفُوا ; هَذَا عَلَى بَعْض الْهَيْئَات الْمَرْوِيَّة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَإِذَا سَجَدُوا رَكْعَة الْقَضَاء ; وَهَذَا عَلَى هَيْئَة سَهْل بْن أَبِي حَثْمَة . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ السُّجُود قَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ جَمِيع الصَّلَاة ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ الْمَسْجِد فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ) . أَيْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي السُّنَّة . وَالضَّمِير فِي قَوْله : " فَلْيَكُونُوا " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلَّذِينَ سَجَدُوا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلطَّائِفَةِ الْقَائِمَة أَوَّلًا بِإِزَاءِ الْعَدُوّ . " وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتهمْ " وَقَالَ : " وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ " هَذَا وَصَاةٌ بِالْحَذَرِ وَأَخْذ السِّلَاح لِئَلَّا يَنَال الْعَدُوّ أَمَلَهُ وَيُدْرِك فُرْصَتَهُ . وَالسِّلَاح مَا يَدْفَع بِهِ الْمَرْء عَنْ نَفْسه فِي الْحَرْب , قَالَ عَنْتَرَة : كَسَوْت الْجَعْدَ بَنِي أَبَانَ سِلَاحِي بَعْدَ عُرْيٍ وَافْتِضَاحِ يَقُول : أَعَرْته سِلَاحِي لِيَمْتَنِعَ بِهَا بَعْد عُرْيِهِ مِنْ السِّلَاح . قَالَ اِبْن عَبَّاس : " وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتهمْ " يَعْنِي الطَّائِفَة الَّتِي وُجَاهَ الْعَدُوّ , لِأَنَّ الْمُصَلِّيَة لَا تُحَارِب . وَقَالَ غَيْره : هِيَ الْمُصَلِّيَة أَيْ وَلْيَأْخُذْ الَّذِينَ صَلَّوْا أَوَّلًا أَسْلِحَتهمْ , ذَكَرَهُ , الزَّجَّاج . قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الطَّائِفَة الَّذِينَ هُمْ فِي الصَّلَاة أُمِرُوا بِحَمْلِ السِّلَاح ; أَيْ فَلْتَقُمْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَعَك وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِنَّهُ أَرْهَب لِلْعَدُوِّ . النَّحَّاس : يَجُوز أَنْ يَكُون لِلْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ أُهِيبَ . لِلْعَدُوِّ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِلَّتِي وُجَاهَ الْعَدُوّ خَاصَّة . قَالَ أَبُو عُمَر : أَكْثَر أَهْل الْعِلْم يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُصَلِّي أَخْذ سِلَاحه إِذَا صَلَّى فِي الْخَوْف , وَيَحْمِلُونَ قَوْله : " وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ " عَلَى النَّدْب ; لِأَنَّهُ شَيْء لَوْلَا الْخَوْف لَمْ يَجِب أَخْذه ; فَكَانَ الْأَمْر بِهِ نَدْبًا . وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر : أَخْذ السِّلَاح فِي صَلَاة الْخَوْف وَاجِب لِأَمْرِ اللَّه بِهِ , إِلَّا لِمَنْ كَانَ بِهِ أَذًى مِنْ مَطَر , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ وَضْع سِلَاحه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِذَا صَلَّوْا أَخَذُوا سِلَاحهمْ عِنْد الْخَوْف , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآن . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَحْمِلُونَهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَمْلهَا لَبَطَلَتْ الصَّلَاة بِتَرْكِهَا . قُلْنَا : لَمْ يَجِب حَمْلهَا لِأَجْلِ الصَّلَاة وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ قُوَّةً لَهُمْ وَنَظَرًا . أَيْ تَمَنَّى وَأَحَبَّ الْكَافِرُونَ غَفْلَتَكُمْ عَنْ أَخْذ السِّلَاح لِيُصَلُّوا إِلَى مَقْصُودهمْ ; فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى بِهَذَا وَجْهَ الْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِأَخْذِ السِّلَاح , وَذَكَرَ الْحَذَرَ فِي الطَّائِفَة الثَّانِيَة دُون الْأُولَى ; لِأَنَّهَا أَوْلَى بِأَخْذِ الْحَذَر , لِأَنَّ الْعَدُوّ لَا يُؤَخِّر قَصْدَهُ عَنْ هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ آخِر الصَّلَاة ; وَأَيْضًا يَقُول الْعَدُوّ قَدْ أَثْقَلَهُمْ السِّلَاح وَكَلُّوا . وَفِي هَذِهِ الْآيَة أَدَلّ دَلِيل عَلَى تَعَاطِي الْأَسْبَاب , وَاِتِّخَاذ كُلّ مَا يُنْجِي ذَوِي الْأَلْبَاب , وَيُوصِل إِلَى السَّلَامَة , وَيُبَلِّغ دَارَ الْكَرَامَة . مُبَالَغَة , أَيْ مُسْتَأْصِلَة لَا يُحْتَاج مَعَهَا إِلَى ثَانِيَة . لِلْعُلَمَاءِ فِي وُجُوب حَمْل السِّلَاح فِي الصَّلَاة كَلَام قَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ , فَإِنْ لَمْ يَجِب فَيُسْتَحَبّ لِلِاحْتِيَاطِ . ثُمَّ رُخِّصَ فِي الْمَطَر وَضْعُهُ ; لِأَنَّهُ تَبْتَلُّ الْمُبَطَّنَات وَتَثْقُل وَيَصْدَأ الْحَدِيد . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَطْن نَخْلَة لَمَّا اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا مَطِيرًا وَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَضَاءِ حَاجَته وَاضِعًا سِلَاحَهُ , فَرَآهُ الْكُفَّار مُنْقَطِعًا عَنْ أَصْحَابه فَقَصَدَهُ غَوْرَث بْن الْحَارِث فَانْحَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَبَل بِسَيْفِهِ , فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْم ؟ فَقَالَ : ( اللَّهُ ) ثُمَّ قَالَ : ( اللَّهُمَّ اِكْفِنِي الْغَوْرَث بِمَا شِئْت ) . فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَضْرِبَهُ , فَانْكَبَّ لِوَجْهِهِ لِزَلَقَةٍ زَلِقَهَا . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام دَفَعَهُ فِي صَدْرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمَائِدَة , وَسَقَطَ السَّيْف مِنْ يَده فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي يَا غَوْرَث ) ؟ فَقَالَ : لَا أَحَد . فَقَالَ : ( تَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ وَأُعْطِيك سَيْفَك ) ؟ قَالَ : لَا ; وَلَكِنْ أَشْهَد أَلَّا أُقَاتِلَك بَعْد هَذَا وَلَا أُعِين عَلَيْك عَدُوًّا ; فَدَفَعَ إِلَيْهِ السَّيْف وَنَزَلَتْ الْآيَة رُخْصَة فِي وَضْع السِّلَاح فِي الْمَطَر . وَمَرِضَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مِنْ جُرْح كَمَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ , فَرَخَّصَ اللَّه سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي تَرْك السِّلَاح وَالتَّأَهُّب لِلْعَدُوِّ بِعُذْرِ الْمَطَر , ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَقَالَ : " خُذُوا حِذْرَكُمْ " أَيْ كُونُوا مُتَيَقِّظِينَ , وَضَعْتُمْ السِّلَاح أَوْ لَمْ تَضَعُوهُ . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد التَّأَهُّب وَالْحَذَر مِنْ الْعَدُوّ فِي كُلّ الْأَحْوَال وَتَرْك الِاسْتِسْلَام ; فَإِنَّ الْجَيْش مَا جَاءَهُ مُصَاب قَطُّ إِلَّا مِنْ تَفْرِيط فِي حَذَر , وَقَالَ الضَّحَّاك فِي قَوْله تَعَالَى : " وَخُذُوا حِذْركُمْ " يَعْنِي تَقَلَّدُوا سُيُوفكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ هَيْئَة الْغَزَاة .
| مُّهِینࣰا | مُخْزِياً. |
|---|---|
| خُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡ | بالاستعدادِ لعدوِّكم. |
| كُنتَ | أي: في ساحةِ القتالِ، وأُقيمَت الصلاةُ. |
| وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ | هم الطائفةُ التي تُصَلِّي معه، تحملُ سلاحَها، وتُصَلي مع الإمامِ رَكعةً واحدةً، ثم يأخُذون مكانَ الطائفةِ التي لم تُصَلِّ. |
| فَلۡیَكُونُوا۟ | هم الطائفةُ القائمةُ بإزاءِ العدوِّ. |
| مِن وَرَاۤىِٕكُمۡ | من وراءِ المُصَلِّين. |
| فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ | وهم الذين لم يُصَلُّوا، فيُصَلُّون مع الإمامِ رَكْعَةً. |
| فَیَمِیلُونَ عَلَیۡكُم مَّیۡلَةࣰ وَ ٰحِدَةࣰۚ | فَيقْضُون عليكم. |
| وَلَا جُنَاحَ | ولا إثمَ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian