سورة ص الآية ٣٣
سورة ص الآية ٣٣
رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴿٣٣﴾
تفسير السعدي
ردوا علي الخيل التي عرضت من قبل , فشرع يمسح سوقها وأعناقها.
التفسير الميسر
فقال: إنني آثرت حب المال عن ذكر ربي حتى غابت الشمس عن عينيه، رُدُّوا عليَّ الخيل التي عُرضت من قبل، فشرع يمسح سوقها وأعناقها.
تفسير الجلالين
"رُدُّوهَا عَلَيَّ" أَيْ الْخَيْل الْمَعْرُوضَة فَرَدُّوهَا "فَطَفِقَ مَسْحًا" بِالسَّيْفِ "بِالسُّوقِ" جَمْع سَاق "وَالْأَعْنَاق" أَيْ ذَبْحهَا وَقَطْع أَرْجُلهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تَعَالَى حَيْثُ اشْتَغَلَ بِهَا عَنْ الصَّلَاة وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا فَعَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهَا وَأَسْرَعَ وَهِيَ الرِّيح تَجْرِي بِأَمْرِهِ كَيْفَ شَاءَ
تفسير ابن كثير
وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْت حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " ذَكَرَ غَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْت صَلَاة الْعَصْر وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيّ يَوْم الْخَنْدَق عَنْ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى صَلَّاهَا بَعْد الْغُرُوب وَذَلِكَ ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْر وَجْه مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ جَاءَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَوْم الْخَنْدَق بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس فَجَعَلَ يَسُبّ كُفَّار قُرَيْش وَيَقُول يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه مَا كِدْت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس تَغْرُب فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَللَّه مَا صَلَّيْتهَا " فَقَالَ فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ نَبِيّ اللَّه لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْر بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس ثُمَّ صَلَّى بَعْدهَا الْمَغْرِب وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ سَائِغًا فِي مِلَّتهمْ تَأْخِير الصَّلَاة لِعُذْرِ الْغَزْو وَالْقِتَال وَالْخَيْل تُرَاد لِلْقَنَالِ وَقَدْ اِدَّعَى طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْف وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَال الْمُسَايَفَة وَالْمُضَايَقَة حَيْثُ لَا تُمْكِن صَلَاة وَلَا رُكُوع وَلَا سُجُود كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي فَتْح تُسْتَر وَهُوَ مَنْقُول عَنْ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيْرهمَا وَالْأَوَّل أَقْرَب لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده " رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَا قَالَ : وَاَللَّه لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَة رَبِّي آخِر مَا عَلَيْك ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَقَالَ السُّدِّيّ ضَرَبَ أَعْنَاقهَا وَعَرَاقِيبهَا بِالسُّيُوفِ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا جَعَلَ يَمْسَح أَعْرَاف الْخَيْل وَعَرَاقِيبهَا حُبًّا لَهَا وَهَذَا الْقَوْل اِخْتَارَهُ اِبْن جَرِير قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّب حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِك مَالًا مِنْ مَاله بِلَا سَبَب سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صَلَاته بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْب لَهَا وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ اِبْن جَرِير فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون فِي شَرْعهمْ جَوَاز مِثْل هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْت الصَّلَاة وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى عَوَّضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا هُوَ خَيْر مِنْهَا وَهُوَ الرِّيح الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ غُدُوّهَا شَهْر وَرَوَاحهَا شَهْر فَهَذَا أَسْرَع وَخَيْر مِنْ الْخَيْل قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال عَنْ أَبِي قَتَادَة وَأَبِي الدَّهْمَاء وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَر نَحْو الْبَيْت قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَقَالَ لَنَا الْبَدْوِيّ أَخَذَ بِيَدِي رَسُول اللَّه فَجَعَلَ يُعَلِّمنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ " إِنَّك لَا تَدَعُ شَيْئًا اِتِّقَاء اللَّه تَعَالَى إِلَّا أَعْطَاك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهُ " .
تفسير القرطبي
الْهَاء فِي " رُدُّوهَا " لِلْخَيْلِ , وَمَسْحهَا قَالَ الزُّهْرِيّ وَابْن كَيْسَان : كَانَ يَمْسَح سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا , وَيَكْشِف الْغُبَار عَنْهَا حُبًّا لَهَا . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَابْن عَبَّاس . وَفِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ وَهُوَ يَمْسَح فَرَسه بِرِدَائِهِ . وَقَالَ : ( إِنِّي عُوتِبْت اللَّيْلَة فِي الْخَيْل ) خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد مُرْسَلًا . وَهُوَ فِي غَيْر الْمُوَطَّأ مُسْنَد مُتَّصِل عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَنَس . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْأَنْفَال ] قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَأَكْفَالهَا ) وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ مَسَحَ أَعْنَاقهَا وَسُوقهَا بِالسُّيُوفِ . قُلْت : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الشِّبْلِيُّ وَغَيْره مِنْ الصُّوفِيَّة فِي تَقْطِيع ثِيَابهمْ وَتَخْرِيقهَا بِفِعْلِ سُلَيْمَان هَذَا . وَهُوَ اِسْتِدْلَال فَاسِد ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُنْسَب إِلَى نَبِيّ مَعْصُوم أَنَّهُ فَعَلَ الْفَسَاد . وَالْمُفَسِّرُونَ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَة ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَسَحَ عَلَى أَعْنَاقهَا وَسُوقهَا إِكْرَامًا لَهَا وَقَالَ : أَنْت فِي سَبِيل اللَّه ; فَهَذَا إِصْلَاح . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : عَرْقَبَهَا ثُمَّ ذَبَحَهَا , وَذَبْح الْخَيْل وَأَكْل لَحْمهَا جَائِز . وَقَدْ مَضَى فِي [ النَّحْل ] بَيَانه . وَعَلَى هَذَا فَمَا فَعَلَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ جَنَاح . فَأَمَّا إِفْسَاد ثَوْب صَحِيح لَا لِغَرَضٍ صَحِيح فَإِنَّهُ لَا يَجُوز . وَمِنْ الْجَائِز أَنْ يَكُون فِي شَرِيعَة سُلَيْمَان جَوَاز مَا فَعَلَ , وَلَا يَكُون فِي شَرْعنَا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا فَعَلَ بِالْخَيْلِ مَا فَعَلَ بِإِبَاحَةِ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لَهُ ذَلِكَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَسْحَهُ إِيَّاهَا وَسْمُهَا بِالْكَيِّ وَجَعْلُهَا فِي سَبِيل اللَّه ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل مِنْ حَيْثُ إِنَّ السُّوق لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْوَسْمِ بِحَالٍ . وَقَدْ يُقَال : الْكَيّ عَلَى السَّاق عِلَاطٌ , وَعَلَى الْعُنُق وِثَاق . وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاح لِلْجَوْهَرِيِّ : عَلَطَ الْبَعِيرَ عَلْطًا كَوَاهُ فِي عُنُقه بِسِمَةِ الْعِلَاط . وَالْعِلَاطَانِ جَانِبَا الْعُنُق . قُلْت : وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْهَاء فِي " رُدُّوهَا " تَرْجِع لِلشَّمْسِ فَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاته . وَقَدْ اِتَّفَقَ مِثْل ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . خَرَّجَ الطَّحَاوِيّ فِي مُشْكِل الْحَدِيث عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْر عَلِيّ , فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْر حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصَلَّيْت يَا عَلِيّ ) قَالَ : لَا . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولِك فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْس ) قَالَتْ أَسْمَاء : فَرَأَيْتهَا غَرَبَتْ ثُمَّ رَأَيْتهَا بَعْدَمَا غَرَبَتْ طَلَعَتْ عَلَى الْجِبَال وَالْأَرْض , وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ فِي خَيْبَر . قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ , وَرُوَاتُهُمَا ثِقَات . قُلْت : وَضَعَّفَ أَبُو الْفَرْج اِبْن الْجَوْزِيّ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : وَغُلُوّ الرَّافِضَة فِي حُبّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَام حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ وَضَعُوا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي فَضَائِله ; مِنْهَا أَنَّ الشَّمْس غَابَتْ فَفَاتَتْ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام الْعَصْر فَرُدَّتْ لَهُ الشَّمْس , وَهَذَا مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ مُحَال , وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْوَقْت قَدْ فَاتَ وَعَوْدُهَا طُلُوعٌ مُتَجَدِّدٌ لَا يَرُدّ الْوَقْت . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْهَاء تَرْجِع إِلَى الْخَيْل , وَأَنَّهَا كَانَتْ تَبْعُد عَنْ عَيْن سُلَيْمَان فِي السِّبَاق , فَفِيهِ دَلِيل عَلَى الْمُسَابَقَة بِالْخَيْلِ , وَهُوَ أَمْر مَشْرُوع . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي [ يُوسُف ] .
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian