سورة ص الآية ٣٢
سورة ص الآية ٣٢
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿٣٢﴾
تفسير السعدي
فقال: إنني آثرت حب المال عن ذكر ربي حتى غابت عن عينيه,
التفسير الميسر
فقال: إنني آثرت حب المال عن ذكر ربي حتى غابت الشمس عن عينيه، رُدُّوا عليَّ الخيل التي عُرضت من قبل، فشرع يمسح سوقها وأعناقها.
تفسير الجلالين
"فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْت" أَيْ أَرَدْت "حُبّ الْخَيْر" أَيْ الْخَيْل "عَنْ ذِكْر رَبِّي" أَيْ صَلَاة الْعَصْر "حَتَّى تَوَارَتْ" أَيْ الشَّمْس "بِالْحِجَابِ" أَيْ اسْتَتَرَتْ بِمَا يَحْجُبهَا عَنْ الْأَبْصَار
تفسير ابن كثير
وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْت حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " ذَكَرَ غَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْت صَلَاة الْعَصْر وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيّ يَوْم الْخَنْدَق عَنْ صَلَاة الْعَصْر حَتَّى صَلَّاهَا بَعْد الْغُرُوب وَذَلِكَ ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْر وَجْه مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ جَاءَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَوْم الْخَنْدَق بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس فَجَعَلَ يَسُبّ كُفَّار قُرَيْش وَيَقُول يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه مَا كِدْت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس تَغْرُب فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَللَّه مَا صَلَّيْتهَا " فَقَالَ فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ نَبِيّ اللَّه لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْر بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس ثُمَّ صَلَّى بَعْدهَا الْمَغْرِب وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ سَائِغًا فِي مِلَّتهمْ تَأْخِير الصَّلَاة لِعُذْرِ الْغَزْو وَالْقِتَال وَالْخَيْل تُرَاد لِلْقَنَالِ وَقَدْ اِدَّعَى طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْف وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَال الْمُسَايَفَة وَالْمُضَايَقَة حَيْثُ لَا تُمْكِن صَلَاة وَلَا رُكُوع وَلَا سُجُود كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي فَتْح تُسْتَر وَهُوَ مَنْقُول عَنْ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيْرهمَا وَالْأَوَّل أَقْرَب لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده " رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَا قَالَ : وَاَللَّه لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَة رَبِّي آخِر مَا عَلَيْك ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَقَالَ السُّدِّيّ ضَرَبَ أَعْنَاقهَا وَعَرَاقِيبهَا بِالسُّيُوفِ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا جَعَلَ يَمْسَح أَعْرَاف الْخَيْل وَعَرَاقِيبهَا حُبًّا لَهَا وَهَذَا الْقَوْل اِخْتَارَهُ اِبْن جَرِير قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّب حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِك مَالًا مِنْ مَاله بِلَا سَبَب سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صَلَاته بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنَب لَهَا وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ اِبْن جَرِير فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون فِي شَرْعهمْ جَوَاز مِثْل هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْت الصَّلَاة وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى عَوَّضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا هُوَ خَيْر مِنْهَا وَهُوَ الرِّيح الَّتِي تَجُرِّي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْر وَرَوَاحهَا شَهْر فَهَذَا أَسْرَع وَخَيْر مِنْ الْخَيْل قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال عَنْ أَبِي قَتَادَة وَأَبِي الدَّهْمَاء وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَر نَحْو الْبَيْت قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَقَالَ لَنَا الْبَدْوِيّ أَخَذَ بِيَدِي رَسُول اللَّه فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عِلْمه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ " إِنَّك لَا تَدَعُ شَيْئًا اِتِّقَاء اللَّه تَعَالَى إِلَّا أَعْطَاك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهُ " .
تفسير القرطبي
يَعْنِي بِالْخَيْرِ الْخَيْل , وَالْعَرَب تُسَمِّيهَا كَذَلِكَ , وَتُعَاقِب بَيْن الرَّاء وَاللَّام ; فَتَقُول : اِنْهَمَلَتْ الْعَيْن وَانْهَمَرَتْ , وَخَتَلَتْ وَخَتَرَتْ إِذَا خُدِعَتْ . قَالَ الْفَرَّاء : الْخَيْر فِي كَلَام الْعَرَب وَالْخَيْل وَاحِد . النَّحَّاس : فِي الْحَدِيث : ( الْخَيْل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ خَيْرًا لِهَذَا . وَفِي الْحَدِيث : لَمَّا وَفَدَ زَيْدُ الْخَيْل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ لَهُ : ( أَنْتَ زَيْدُ الْخَيْرِ ) وَهُوَ زَيْد بْن مُهَلْهِل الشَّاعِر . وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ خَيْرًا لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِع . وَفِي الْخَبَر : إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَرَضَ عَلَى آدَم جَمِيع الدَّوَابّ , وَقِيلَ لَهُ : اِخْتَرْ مِنْهَا وَاحِدًا فَاخْتَارَ الْفَرَس ; فَقِيلَ لَهُ : اِخْتَرْت عِزَّك ; فَصَارَ اِسْمه الْخَيْر مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَسُمِّيَ خَيْلًا ; لِأَنَّهَا مَوْسُومَة بِالْعِزِّ . وَسُمِّيَ فَرَسًا لِأَنَّهُ يَفْتَرِس مَسَافَات الْجَوّ اِفْتِرَاس الْأَسَد وَثَبَانًا , وَيَقْطَعهَا كَالِالْتِهَامِ بِيَدَيْهِ عَلَى كُلّ شَيْء خَبْطًا وَتَنَاوُلًا . وَسُمِّيَ عَرَبِيًّا لِأَنَّهُ جِيءَ بِهِ مِنْ بَعْد آدَم لِإِسْمَاعِيل جَزَاء عَنْ رَفْع قَوَاعِد الْبَيْت , وَإِسْمَاعِيل عَرَبِيّ فَصَارَتْ لَهُ نِحْلَة مِنْ اللَّه ; فَسُمِّيَ عَرَبِيًّا . وَ " حُبَّ " مَفْعُول فِي قَوْل الْفَرَّاء . وَالْمَعْنَى إِنِّي آثَرْت حُبَّ الْخَيْر . وَغَيْرُهُ يُقَدِّرُهُ مَصْدَرًا أُضِيفَ إِلَى الْمَفْعُول ; أَيْ أَحْبَبْت الْخَيْر حُبًّا فَأَلْهَانِي عَنْ ذِكْر رَبِّي . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " أَحْبَبْت " قَعَدْت وَتَأَخَّرْت مِنْ قَوْلهمْ : أَحَبَّ الْبَعِير إِذَا بَرَكَ وَتَأَخَّرَ . وَأَحَبَّ فُلَان أَيْ طَأْطَأَ رَأْسه . قَالَ أَبُو زَيْد : يُقَال : بَعِير مُحِبٌّ , وَقَدْ أَحَبَّ إِحْبَابًا وَهُوَ أَنْ يُصِيبَهُ مَرَض أَوْ كَسْر فَلَا يَبْرَح مَكَانه حَتَّى يَبْرَأ أَوْ يَمُوت . وَقَالَ ثَعْلَب : يُقَال أَيْضًا لِلْبَعِيرِ الْحَسِير مُحِبّ ; فَالْمَعْنَى قَعَدْت عَنْ ذِكْر رَبِّي . وَ " حُبَّ " عَلَى هَذَا مَفْعُول لَهُ . وَذَكَرَ أَبُو الْفَتْح الْهَمْدَانِيّ فِي كِتَاب التِّبْيَان : أَحْبَبْت بِمَعْنَى لَزِمْت ; مِنْ قَوْله : مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إِذْ أَحَبَّا يَعْنِي الشَّمْس كِنَايَة عَنْ غَيْر مَذْكُور ; مِثْل قَوْله تَعَالَى : " مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة " [ فَاطِر : 45 ] أَيْ عَلَى ظَهْر الْأَرْض ; وَتَقُول الْعَرَب : هَاجَتْ بَارِدَةً أَيْ هَاجَتْ الرِّيحُ بَارِدَةً . وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُوم " [ الْوَاقِعَة : 83 ] أَيْ بَلَغَتْ النَّفْس الْحُلْقُوم . وَقَالَ تَعَالَى : " إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ " [ الْمُرْسَلَات : 32 ] وَلَمْ يَتَقَدَّم لِلنَّارِ ذِكْر . وَقَالَ الزَّجَّاج : إِنَّمَا يَجُوز الْإِضْمَار إِذَا جَرَى ذِكْر الشَّيْء أَوْ دَلِيل الذِّكْر , وَقَدْ جَرَى هَا هُنَا الدَّلِيل وَهُوَ قَوْله : " بِالْعَشِيِّ " . وَالْعَشِيّ مَا بَعْد الزَّوَال , وَالتَّوَارِي الِاسْتِتَار عَنْ الْأَبْصَار , وَالْحِجَاب جَبَل أَخْضَر مُحِيط بِالْخَلَائِقِ ; قَالَهُ قَتَادَة وَكَعْب . وَقِيلَ : هُوَ جَبَل قَاف . وَقِيلَ : جَبَل دُون قَاف . وَالْحِجَاب اللَّيْل سُمِّيَ حِجَابًا لِأَنَّهُ يَسْتُر مَا فِيهِ . وَقِيلَ : " حَتَّى تَوَارَتْ " أَيْ الْخَيْل فِي الْمُسَابَقَة . وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَان كَانَ لَهُ مَيْدَان مُسْتَدِير يُسَابِق فِيهِ بَيْن الْخَيْل , حَتَّى تَوَارَتْ عَنْهُ وَتَغِيب عَنْ عَيْنه فِي الْمُسَابَقَة ; لِأَنَّ الشَّمْس لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر . وَذَكَرَ النَّحَّاس أَنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ فِي صَلَاة فَجِيءَ إِلَيْهِ بِخَيْلٍ لِتُعْرَضَ عَلَيْهِ قَدْ غُنِمَتْ فَأَشَارَ بِيَدِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَارَتْ الْخَيْل وَسَتَرَتْهَا جُدُر الْإِصْطَبْلَات فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاته قَالَ : " رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا " أَيْ فَأَقْبَلَ يَمْسَحُهَا مَسْحًا . وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ أَقْبَلَ يَمْسَح سُوقهَا وَأَعْنَاقهَا بِيَدِهِ إِكْرَامًا مِنْهُ لَهَا , وَلِيُرِيَ أَنَّ الْجَلِيل لَا يَقْبُح أَنْ يَفْعَل مِثْل هَذَا بِخَيْلِهِ . وَقَالَ قَائِل هَذَا الْقَوْل : كَيْف يَقْتُلُهَا ؟ وَفِي ذَلِكَ إِفْسَاد الْمَال وَمُعَاقَبَة مَنْ لَا ذَنْب لَهُ . وَقِيلَ : الْمَسْح هَا هُنَا هُوَ الْقَطْع أُذِنَ لَهُ فِي قَتْلهَا . قَالَ الْحَسَن وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل : صَلَّى سُلَيْمَان الصَّلَاة الْأُولَى وَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَهِيَ تُعْرَض عَلَيْهِ , وَكَانَتْ أَلْف فَرَس ; فَعُرِضَ عَلَيْهِ مِنْهَا تِسْعمِائَة فَتَنَبَّهْ لِصَلَاةِ الْعَصْر , فَإِذَا الشَّمْس قَدْ غَرَبَتْ وَفَاتَتْ الصَّلَاة , وَلَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ فَاغْتَمَّ ; فَقَالَ : " رُدُّوهَا عَلَيَّ " فَرُدَّتْ فَعَقَرَهَا بِالسَّيْفِ ; قُرْبَة لِلَّهِ وَبَقِيَ مِنْهَا مِائَة , فَمَا فِي أَيْدِي النَّاس مِنْ الْخَيْل الْعِتَاق الْيَوْم فَهِيَ مِنْ نَسْل تِلْكَ الْخَيْل . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ : مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت صَلَاة الظُّهْر وَلَا صَلَاة الْعَصْر , بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاة نَافِلَة فَشُغِلَ عَنْهَا . وَكَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام رَجُلًا مَهِيبًا , فَلَمْ يُذَكِّرْهُ أَحَد مَا نَسِيَ مِنْ الْفَرْض أَوْ النَّفْل وَظَنُّوا التَّأَخُّر مُبَاحًا , فَتَذَكَّرَ سُلَيْمَان تِلْكَ الصَّلَاة الْفَائِتَة , وَقَالَ عَلَى سَبِيل التَّلَهُّف : " إِنِّي أَحْبَبْت حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي " أَيْ عَنْ الصَّلَاة , وَأَمَرَ بِرَدِّ الْأَفْرَاس إِلَيْهِ , وَأَمَرَ بِضَرْبِ عَرَاقِيبِهَا وَأَعْنَاقهَا , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُعَاقَبَةً لِلْأَفْرَاسِ ; إِذْ ذَبْح الْبَهَائِم جَائِز إِذَا كَانَتْ مَأْكُولَةً , بَلْ عَاقَبَ نَفْسه حَتَّى لَا تَشْغَلَهُ الْخَيْلُ بَعْد ذَلِكَ عَنْ الصَّلَاة . وَلَعَلَّهُ عَرْقَبَهَا لِيَذْبَحَهَا فَحَبَسَهَا بِالْعَرْقَبَةِ عَنْ النِّفَار , ثُمَّ ذَبَحَهَا فِي الْحَال , لِيَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا ; أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرْعه فَأَتْلَفَهَا لَمَّا شَغَلَتْهُ عَنْ ذِكْر اللَّه , حَتَّى يَقْطَع عَنْ نَفْسه مَا يَشْغَلهُ عَنْ اللَّه , فَأَثْنَى اللَّه عَلَيْهِ بِهَذَا , وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَثَابَهُ بِأَنْ سَخَّرَ لَهُ الرِّيح , فَكَانَ يَقْطَع عَلَيْهَا مِنْ الْمَسَافَة فِي يَوْم مَا يَقْطَع مِثْله عَلَى الْخَيْل فِي شَهْرَيْنِ غُدُوًّا وَرَوَاحًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْهَاء فِي قَوْله : " رُدُّوهَا عَلَيَّ " لِلشَّمْسِ لَا لِلْخَيْلِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : سَأَلْت عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : مَا بَلَغَك فِيهَا ؟ فَقُلْت سَمِعْت كَعْبًا يَقُول : إِنَّ سُلَيْمَان لَمَّا اِشْتَغَلَ بِعَرْضِ الْأَفْرَاس حَتَّى تَوَارَتْ الشَّمْس بِالْحِجَابِ وَفَاتَتْهُ الصَّلَاة , قَالَ : " إِنِّي أَحْبَبْت حُبَّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي " أَيْ آثَرْت " حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي " الْآيَة " رُدُّوهَا عَلَيَّ " يَعْنِي الْأَفْرَاس وَكَانَتْ أَرْبَع عَشْرَة ; فَضَرَبَ سُوقهَا وَأَعْنَاقهَا بِالسَّيْفِ , وَأَنَّ اللَّه سَلَبَهُ مُلْكَهُ أَرْبَعَة عَشَرَ يَوْمًا ; لِأَنَّهُ ظَلَمَ الْخَيْل . فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : كَذَبَ كَعْب لَكِنَّ سُلَيْمَان اِشْتَغَلَ بِعَرْضِ الْأَفْرَاس لِلْجِهَادِ حَتَّى تَوَارَتْ أَيْ غَرَبَتْ الشَّمْس بِالْحِجَابِ فَقَالَ بِأَمْرِ اللَّه لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ : " رُدُّوهَا " يَعْنِي الشَّمْس فَرَدُّوهَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْر فِي وَقْتهَا , وَأَنَّ أَنْبِيَاء اللَّه لَا يَظْلِمُونَ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ . قُلْت : الْأَكْثَر فِي التَّفْسِير أَنَّ الَّتِي تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ هِيَ الشَّمْس , وَتَرَكَهَا لِدَلَالَةِ السَّامِع عَلَيْهَا بِمَا ذُكِرَ مِمَّا يَرْتَبِط بِهَا وَيَتَعَلَّق بِذِكْرِهَا , حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانه . وَكَثِيرًا مَا يُضْمِرُونَ الشَّمْس ; قَالَ لَبِيد : حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian