صفحات الموقع

سورة فاطر الآية ١٨

سورة فاطر الآية ١٨

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا یُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَیۡءࣱ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۤۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَیۡبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا یَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِیرُ ﴿١٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى, وإن تسأل نفس مثقلة بالخطايا من يحمل عنها من ذنوبها لم تجد من يحمل عنها شيئا, ولو كان الذي سألته ذا قرابة منها من أب أو أخ ونحوهما. إنما تحذر -يا محمد- الذين يخافون عذاب ربهم بالغيب, وأدوا الصلاة حق أدائها. ومن تطهر من الشرك وغيره من المعاصي فإنما يتطهر لنفسه. وإلى الله سبحانه مال الخلائق ومصيرهم, فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الميسر

ولا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى، وإن تَسْأل نفسٌ مثقَلَة بالخطايا مَن يحمل عنها من ذنوبها لم تجد من يَحمل عنها شيئًا، ولو كان الذي سألتْه ذا قرابة منها من أب أو أخ ونحوهما. إنما تحذِّر -أيها الرسول- الذين يخافون عذاب ربهم بالغيب، وأدَّوا الصلاة حق أدائها. ومن تطهر من الشرك وغيره من المعاصي فإنما يتطهر لنفسه. وإلى الله سبحانه مآل الخلائق ومصيرهم، فيجازي كلا بما يستحق.

تفسير الجلالين

"وَلَا تَزِر" نَفْس "وَازِرَة" آثِمَة أَيْ لَا تَحْمِل "وِزْر" نَفْس "أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ" نَفْس "مُثْقَلَة" بِالْوِزْرِ "إلَى حِمْلهَا" مِنْهُ أَحَدًا لِيَحْمِل بَعْضه "لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ" الْمَدْعُوّ "ذَا قُرْبَى" قَرَابَة كَالْأَبِ وَالِابْن وَعَدَم الْحَمْل فِي الشِّقَّيْنِ حُكْم مِنْ اللَّه "إنَّمَا تُنْذِر الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ" أَيْ يَخَافُونَهُ وَمَا رَأَوْهُ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِنْذَارِ "وَأَقَامُوا الصَّلَاة" أَدَامُوهَا "وَمَنْ تَزَكَّى" تَطَهَّرَ مِنْ الشِّرْك وَغَيْره "فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ" فَصَلَاحه مُخْتَصّ بِهِ "وَإِلَى اللَّه الْمَصِير" الْمَرْجِع فَيَجْزِي بِالْعَمَلِ فِي الْآخِرَة

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة " وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلهَا " أَيْ وَإِنْ تَدْعُ نَفْس مُثْقَلَة بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْل مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَوْزَار أَوْ بَعْضه " لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى " أَيْ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوْ اِبْنهَا كُلّ مَشْغُول بِنَفْسِهِ وَحَاله قَالَ عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلهَا " الْآيَة قَالَ هُوَ الْجَار يَتَعَلَّق بِجَارِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا رَبّ سَلْ هَذَا لِمَ كَانَ يُغْلِق بَابه دُونِي وَإِنَّ الْكَافِر لَيَتَعَلَّق بِالْمُؤْمِنِ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول لَهُ يَا مُؤْمِن إِنَّ لِي عِنْدك يَدًا قَدْ عَرَفْت كَيْف كُنْت لَك فِي الدُّنْيَا وَقَدْ اِحْتَجْت إِلَيْك الْيَوْم فَلَا يَزَال الْمُؤْمِن يَشْفَع لَهُ عِنْد رَبّه حَتَّى يَرُدّهُ إِلَى مَنْزِل دُون مَنْزِله وَهُوَ فِي النَّار وَإِنَّ الْوَالِد لَيَتَعَلَّق بِوَلَدِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا بُنَيّ أَيّ وَالِد كُنْت لَك ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا فَيَقُول لَهُ يَا بُنَيّ إِنِّي قَدْ اِحْتَجْت إِلَى مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَاتك أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى فَيَقُول لَهُ وَلَده يَا أَبَت مَا أَيْسَر مَا طَلَبْت وَلَكِنِّي أَتَخَوَّف مِثْل مَا تَتَخَوَّف فَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أُعْطِيك شَيْئًا ثُمَّ يَتَعَلَّق بِزَوْجَتِهِ فَيَقُول يَا فُلَانَة أَوْ يَا هَذِهِ أَيّ زَوْج كُنْت لَك فَتُثْنِي خَيْرًا فَيَقُول لَهَا إِنِّي أَطْلُب إِلَيْك حَسَنَة وَاحِدَة تَهَبِيهَا لِي لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ . قَالَ فَتَقُول مَا أَيْسَر مَا طَلَبْت وَلَكِنِّي لَا أُطِيق أَنْ أُعْطِيك شَيْئًا إِنِّي أَتَخَوَّف مِثْل الَّذِي تَتَخَوَّف يَقُول اللَّه تَعَالَى : " وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلهَا " الْآيَة وَيَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " لَا يَجْزِي وَالِد عَنْ وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِده شَيْئًا " وَيَقُول تَعَالَى : " يَوْم يَفِرّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّه وَأَبِيهِ وَصَاحِبَته وَبَنِيهِ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الظَّهْرَانِيّ عَنْ حَفْص بْن عُمَر عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة بِهِ ثُمَّ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " إِنَّمَا تُنْذِر الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاة " أَيْ إِنَّمَا يَتَّعِظ بِمَا جِئْت بِهِ أُولُو الْبَصَائِر وَالنُّهَى الْخَائِفُونَ مِنْ رَبّهمْ الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ " وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ" أَيْ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُود نَفْعه عَلَى نَفْسه" وَإِلَى اللَّه الْمَصِير " أَيْ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب وَهُوَ سَرِيع الْحِسَاب وَسَيَجْزِي كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَحْمِل آثِمَة إِثْم أُخْرَى غَيْرهَا { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حَمْلهَا لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } يَقُول تَعَالَى : وَإِنْ تَسْأَل ذَات ثِقَل مِنْ الذُّنُوب مَنْ يَحْمِل عَنْهَا ذُنُوبَهَا , وَتَطْلُب ذَلِكَ لَمْ تَجِد مَنْ يَحْمِل عَنْهَا شَيْئًا مِنْهَا , وَلَوْ كَانَ الَّذِي سَأَلَتْهُ ذَا قَرَابَة مِنْ أَب أَوْ أَخ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22154 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حَمْلهَا لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } يَقُول : يَكُون عَلَيْهِ وِزْر لَا يَجِد أَحَدًا يَحْمِل عَنْهُ مِنْ وِزْره شَيْئًا 22155 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حَمْلهَا لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء } كَنَحْوِ : { لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } 22156 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حَمْلهَا } إِلَى ذُنُوبهَا { لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } : أَيْ قَرِيب الْقَرَابَة مِنْهَا , لَا يَحْمِل مِنْ ذُنُوبهَا شَيْئًا , وَلَا تَحْمِل عَلَى غَيْرهَا مِنْ ذُنُوبهَا شَيْئًا { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } ; وَنَصَبَ ذَا قُرْبَى عَلَى تَمَام " كَانَ " لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَسْأَلهُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهَا ذُنُوبهَا ذَا قُرْبَى لَهَا ; وَأُنِّثَتْ " مُثْقَلَة " ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْكَلَامِ إِلَى النَّفْس , كَأَنَّهُ قِيلَ : وَإِنْ تَدْعُ نَفْس مُثْقَلَة مِنْ الذُّنُوب إِلَى حَمْل ذُنُوبهَا , وَإِنَّمَا قِيلَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْس تُؤَدِّي عَنْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى , كَمَا قِيلَ : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } 2 185 يَعْنِي بِذَلِكَ : كُلّ ذَكَر وَأُنْثَى وَقَوْله : { إِنَّمَا تُنْذِر الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا تُنْذِر يَا مُحَمَّد الَّذِينَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مِنْ غَيْر مُعَايَنَة مِنْهُمْ لِذَلِكَ , وَلَكِنْ لِإِيمَانِهِمْ بِمَا أَتَيْتهمْ بِهِ , وَتَصْدِيقهمْ لَك فِيمَا أَنْبَأْتهمْ عَنِ اللَّه ; فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْفَعهُمْ إِنْذَارك , وَيَتَّعِظُونَ بِمَوَاعِظِك , لَا الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ , كَمَا : 22157 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْل : { إِنَّمَا تُنْذِر الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } : أَيْ يَخْشَوْنَ النَّارَ وَقَوْله : { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } يَقُول : وَأَدَّوْا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ , وَقَوْله : { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَتَطَهَّر مِنْ دَنَس الْكُفْر وَالذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّه , وَالْإِيمَان بِهِ , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , فَإِنَّمَا يَتَطَهَّر لِنَفْسِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ يُثِيبهَا بِهِ رِضَا اللَّه , وَالْفَوْز بِجِنَانِهِ , وَالنَّجَاة مِنْ عِقَابه , الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ الْكُفْر بِهِ , كَمَا : 22158 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } : أَيْ مَنْ يَعْمَل صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعْمَلهُ لِنَفْسِهِ وَقَوْله : { وَإِلَى اللَّه الْمَصِير } يَقُول : وَإِلَى اللَّه مَصِير كُلّ عَامِل مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس , مُؤْمِنكُمْ وَكَافِركُمْ , وَبَرّكُمْ وَفَاجِركُمْ , وَهُوَ مُجَاز جَمِيعكُمْ بِمَا قَدَّمَ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ عَلَى مَا أَهَلَّ مِنْهُ .

تفسير القرطبي

تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ , وَهُوَ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله . وَالْأَصْل " تَوْزَر " حَذَفَتْ الْوَاو اِتِّبَاعًا لِيَزِر . " وَازِرَة " نَعْت لِمَحْذُوفٍ , أَيْ نَفْس وَازِرَة . وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ نَفْس مُثْقَلَة أَوْ دَابَّة . قَالَ : وَهَذَا يَقَع لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّث . قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِنْسَانًا إِلَى حِمْلهَا وَهُوَ ذُنُوبهَا . وَالْحِمْل مَا كَانَ عَلَى الظَّهْر , وَالْحَمْل حَمْل الْمَرْأَة وَحَمْل النَّخْلَة ; حَكَاهُمَا الْكِسَائِيّ بِالْفَتْحِ لَا غَيْر . وَحَكَى اِبْن السِّكِّيت أَنَّ حَمْل النَّخْلَة يُفْتَح وَيُكْسَر . التَّقْدِير عَلَى قَوْل الْأَخْفَش : وَلَوْ كَانَ الْإِنْسَان الْمَدْعُوّ ذَا قُرْبَى . وَأَجَازَ الْفَرَّاء وَلَوْ كَانَ ذُو قُرْبَى . وَهَذَا جَائِز عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَمِثْله " وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة " [ الْبَقَرَة : 280 ] فَتَكُون " كَانَ " بِمَعْنَى وَقَعَ , أَوْ يَكُون الْخَبَر مَحْذُوفًا ; أَيْ وَإِنْ كَانَ فِيمَنْ تُطَالِبُونَ ذُو عُسْرَة . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ : النَّاس مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرٌ فَخَيْرٌ ; عَلَى هَذَا . وَخَيْرًا فَخَيْرٌ ; عَلَى الْأَوَّل . وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ يَرَى الرَّجُل الْمُسْلِم يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول لَهُ : أَلَمْ أَكُنْ قَدْ أَسْدَيْت إِلَيْك يَدًا , أَلَمْ أَكُنْ قَدْ أَحْسَنْت إِلَيْك ؟ فَيَقُول بَلَى . فَيَقُول : اِنْفَعْنِي ; فَلَا يَزَال الْمُسْلِم يَسْأَل اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَنْقُص مِنْ عَذَابه . وَأَنَّ الرَّجُل لَيَأْتِي إِلَى أَبِيهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول : أَلَمْ أَكُنْ بِك بَارًّا , وَعَلَيْك مُشْفِقًا , وَإِلَيْك مُحْسِنًا , وَأَنْتَ تَرَى مَا أَنَا فِيهِ , فَهَبْ لِي حَسَنَة مِنْ حَسَنَاتك , أَوْ اِحْمِلْ عَنِّي سَيِّئَة ; فَيَقُول : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتنِي يَسِير ; وَلَكِنِّي أَخَاف مِثْل مَا تَخَاف . وَأَنَّ الْأَب لَيَقُول لِابْنِهِ مِثْل ذَلِكَ فَيَرُدّ عَلَيْهِ نَحْوًا مِنْ هَذَا . وَأَنَّ الرَّجُل لَيَقُول لِزَوْجَتِهِ : أَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ الْعِشْرَة لَك , فَاحْمِلِي عَنِّي خَطِيئَة لَعَلِّي أَنْجُو ; فَتَقُول : إِنَّ ذَلِكَ لَيَسِير وَلَكِنِّي أَخَاف مِمَّا تَخَاف مِنْهُ . ثُمَّ تَلَا عِكْرِمَة : " وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلهَا لَا يُحْمَل مِنْهُ شَيْء وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى " . وَقَالَ الْفُضَيْل بْن عِيَاض : هِيَ الْمَرْأَة تَلْقَى وَلَدهَا فَتَقُول : يَا وَلَدِي , أَلَمْ يَكُنْ بَطْنِي لَك وِعَاء , أَلَمْ يَكُنْ ثَدْيِي لَك سِقَاء , أَلَمْ يَكُنْ حِجْرِي لَك وِطَاء ; يَقُول : بَلَى يَا أُمَّاهُ ; فَتَقُول : يَا بُنَيَّ , قَدْ أَثْقَلَتْنِي ذُنُوبِي فَاحْمِلْ عَنِّي مِنْهَا ذَنْبًا وَاحِدًا ; فَيَقُول : إِلَيْك عَنِّي يَا أُمَّاهُ , فَإِنِّي بِذَنْبِي عَنْك مَشْغُول . أَيْ إِنَّمَا يَقْبَل إِنْذَارك مَنْ يَخْشَى عِقَاب اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّمَا تُنْذِر مَنْ اِتَّبَعَ الذِّكْر وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ " [ يس : 11 ] . أَيْ مَنْ اِهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ . وَقُرِئَ : " وَمَنْ ازَّكَّى فَإِنَّمَا يَزَّكَّى لِنَفْسِهِ " . أَيْ إِلَيْهِ مَرْجِع جَمِيع الْخَلْق .

غريب الآية
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا یُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَیۡءࣱ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۤۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَیۡبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا یَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِیرُ ﴿١٨﴾
وَلَا تَزِرُلَا تَحْمِلُ.
وَازِرَةࣱأي: نفسٌ مُذْنِبَةٌ.
مُثۡقَلَةٌأي: نَفْسٌ أَثْقَلَتْها الذُّنوبُ.
حِمۡلِهَاذُنُوبِها التي أَثْقَلَتْها.
یَخۡشَوۡنَيخافُونَ.
تَزَكَّىٰتَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ والمعاصِي.
ٱلۡمَصِیرُالمرْجِعُ.
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَزِرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَازِرَةٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وِزْرَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أُخْرَى)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَدْعُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ.
(مُثْقَلَةٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حِمْلِهَا)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُحْمَلْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(شَيْءٌ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَوْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَوْ) : حَرْفُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(ذَا)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْأَلِفُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ.
(قُرْبَى)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(إِنَّمَا)
كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(تُنْذِرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(يَخْشَوْنَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(رَبَّهُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(بِالْغَيْبِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْغَيْبِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَقَامُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَقَامُوا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الصَّلَاةَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَمَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(تَزَكَّى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(فَإِنَّمَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّمَا) : كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(يَتَزَكَّى)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَنْ) :.
(لِنَفْسِهِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(نَفْسِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَإِلَى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(الْمَصِيرُ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.