صفحات الموقع

سورة سبأ الآية ١٠

سورة سبأ الآية ١٠

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلࣰاۖ یَـٰجِبَالُ أَوِّبِی مَعَهُۥ وَٱلطَّیۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ ﴿١٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولقد أتينا داود نبوة, وكتابا وعلما, وقلنا للجبال والطير: سبحي معه, وألنا له الحديد, فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء.

التفسير الميسر

ولقد آتينا داود نبوة، وكتابًا وعلمًا، وقلنا للجبال والطير: سبِّحي معه، وألنَّا له الحديد، فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء.

تفسير الجلالين

"وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلًا" نُبُوَّة وَكِتَابًا وَقُلْنَا "يَا جِبَال أَوِّبِي" رَجِّعِي "مَعَهُ" بِالتَّسْبِيحِ "وَالطَّيْر" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحَلّ الْجِبَال أَيْ وَدَعَوْنَاهَا تُسَبِّح مَعَهُ "وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد" فَكَانَ فِي يَده كَالْعَجِينِ

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى عَبْده وَرَسُوله دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مِمَّا آتَاهُ مِنْ الْفَضْل الْمُبِين وَجَمَعَ لَهُ بَيْن النُّبُوَّة وَالْمُلْك الْمُتَمَكِّن وَالْجُنُود ذَوِي الْعَدَد وَالْعُدَد وَمَا أَعْطَاهُ وَمَنَحَهُ مِنْ الصَّوْت الْعَظِيم الَّذِي كَانَ إِذَا سَبَّحَ بِهِ تُسَبِّح مَعَهُ الْجِبَال الرَّاسِيَات الصُّمّ الشَّامِخَات وَتَقِف لَهُ الطُّيُور السَّارِحَات وَالْغَادِيَات وَالرَّائِحَات وَتَجَاوُبه بِأَنْوَاعِ اللُّغَات وَفِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْت أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقْرَأ مِنْ اللَّيْل فَوَقَفَ فَاسْتَمَعَ لِقِرَاءَتِهِ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ مَا سَمِعْت صَوْت صَنْج وَلَا بَرْبَطٍ وَلَا وَتَر أَحْسَن مِنْ صَوْت أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى " أَوِّبِي " أَيْ سَبِّحِي قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَزَعَمَ أَبُو مَيْسَرَة أَنَّهُ بِمَعْنَى سَبِّحِي بِلِسَانِ الْحَبَشَة وَفِي هَذَا نَظَر فَإِنَّ التَّأْوِيب فِي اللُّغَة هُوَ التَّرْجِيع فَأُمِرَتْ الْجِبَال وَالطَّيْر أَنْ تُرَجِّع مَعَهُ بِأَصْوَاتِهَا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق الزَّجَّاجِيّ فِي كِتَابه - الْجُمَل - فِي بَاب النِّدَاء مِنْهُ " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " أَيْ سِيرِي مَعَهُ بِالنَّهَارِ كُلّه وَالتَّأْوِيب سَيْر النَّهَار كُلّه وَالْإِسْآد سَيْر اللَّيْل كُلّه وَهَذَا لَفْظه وَهُوَ غَرِيب جِدًّا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مُسَاعَدَة مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة لَكِنَّهُ بَعِيد فِي مَعْنَى الْآيَة هَهُنَا وَالصَّوَاب أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى " أَوِّبِي مَعَهُ " أَيْ رَجِّعِي مَعَهُ مُسَبِّحَة كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله تَعَالَى : " وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَغَيْرهمْ كَانَ لَا يَحْتَاج أَنْ يُدْخِلهُ نَارًا وَلَا يَضْرِبهُ بِمِطْرَقَةٍ بَلْ كَانَ يَفْتِلهُ بِيَدِهِ مِثْل الْخُيُوط وَلِهَذَا.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَعْطَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا , وَقُلْنَا لِلْجِبَالِ : { أَوِّبِي مَعَهُ } : سَبِّحِي مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ . وَالتَّأْوِيب عِنْد الْعَرَب : الرُّجُوع , وَمَبِيت الرَّجُل فِي مَنْزِله وَأَهْله ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يَوْمَانِ يَوْم مَقَامَات وَأَنْدِيَة وَيَوْم سَيْر إِلَى الْأَعْدَاء تَأْوِيب أَيْ رُجُوع , وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقْرَؤُهُ : " أُوبِي مَعَهُ " مِنْ آبَ يَئُوب , بِمَعْنَى : تَصَرَّفِي مَعَهُ ; وَتِلْكَ قِرَاءَة لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا قِرَاءَة الْحُجَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21927 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن الصَّلْت , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ , وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن الْحَسَن الْأَشْقَر , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس { أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي مَعَهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } يَقُول : سَبِّحِي مَعَهُ . 21928 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْعَلَائِيّ , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } يَقُول : سَبِّحِي . 21929 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي مَيْسَرَة { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي , بِلِسَانِ الْحَبَشَة . 21930 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي مَعَهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي. 21931 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } : أَيْ سَبِّحِي مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ. 21932 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي مَعَهُ ; قَالَ : وَالطَّيْرُ أَيْضًا . 21933 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } قَالَ : سَبِّحِي . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَوْله : { يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ } سَبِّحِي مَعَهُ . وَقَوْله : { وَالطَّيْر } وَفِي نَصْب الطَّيْر وَجْهَانِ : أَحَدهمَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْن زَيْد مِنْ أَنَّ الطَّيْرَ نُودِيَتْ كَمَا نُودِيَتْ الْجِبَال , فَتَكُون مَنْصُوبَة مِنْ أَجْل أَنَّهَا مَعْطُوفَة عَلَى مَرْفُوع , بِمَا لَا يَحْسُن إِعَادَة رَافِعه عَلَيْهِ , فَيَكُون كَالْمَصْرُوفِ عَنْ جِهَته . وَالْآخَر : فِعْل ضَمِير مَتْرُوك اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَقُلْنَا : يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ , وَسَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ , وَإِنْ رُفِعَ رَدًّا عَلَى مَا فِي قَوْله " سَبِّحِي " مِنْ ذِكْر الْجِبَال كَانَ جَائِزًا , وَقَدْ يَجُوز رَفْع الطَّيْر وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْجِبَال , وَإِنْ لَمْ يَحْسُن نِدَاؤُهَا بِالَّذِي نُودِيَتْ بِهِ الْجِبَال , فَيَكُون ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا يَا عَمْرُو وَالضِّحَاكَ سِيرَا فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيق وَقَوْله : { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } ذُكِرَ أَنَّ الْحَدِيدَ كَانَ فِي يَده كَالطِّينِ الْمَبْلُول يُصَرِّفهُ فِي يَده كَيْفَ يَشَاء بِغَيْرِ إِدْخَال نَار , وَلَا ضَرْبٍ بِحَدِيدٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21934 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } سَخَّرَ اللَّه لَهُ الْحَدِيدَ بِغَيْرِ نَار. 21935 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن عَثْمَة , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن بَشِير , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } كَانَ يُسَوِّيهَا بِيَدِهِ , وَلَا يُدْخِلهَا نَارًا , وَلَا يَضْرِبهَا بِحَدِيدَةٍ .

تفسير القرطبي

بَيَّنَ لِمُنْكِرِي نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إِرْسَال الرُّسُل لَيْسَ أَمْرًا بِدْعًا , بَلْ أَرْسَلْنَا الرُّسُل وَأَيَّدْنَاهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ , وَأَحْلَلْنَا بِمَنْ خَالَفَهُمْ الْعِقَاب . " آتَيْنَا " أَعْطَيْنَا . " فَضْلًا " أَيْ أَمْرًا فَضَّلْنَاهُ بِهِ عَلَى غَيْره . وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَضْل عَلَى تِسْعَة أَقْوَال : الْأَوَّل : النُّبُوَّة . الثَّانِي : الزَّبُور . الثَّالِث : الْعِلْم , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد وَسُلَيْمَان عِلْمًا " [ النَّمْل : 15 ] . الرَّابِع - الْقُوَّة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَاذْكُرْ عَبْدنَا دَاوُد ذَا الْأَيْد " [ ص : 17 ] . الْخَامِس : : تَسْخِير الْجِبَال وَالنَّاس , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " . السَّادِس : التَّوْبَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ " [ ص : 25 ] . السَّابِع : الْحُكْم بِالْعَدْلِ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض " [ ص : 26 ] الْآيَة . الثَّامِن : إِلَانَة الْحَدِيد , قَالَ تَعَالَى : " وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد " . التَّاسِع : حُسْن الصَّوْت , وَكَانَ , دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام ذَا صَوْت حَسَن وَوَجْه حَسَن . وَحُسْن الصَّوْت هِبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى وَتَفَضُّل مِنْهُ , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " يَزِيد فِي الْخَلْق مَا يَشَاء " [ فَاطِر : 1 ] عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى : ( لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُد ) . قَالَ الْعُلَمَاء : الْمِزْمَار وَالْمَزْمُور الصَّوْت الْحَسَن , وَبِهِ سُمِّيَتْ آلَة الزَّمْر مِزْمَارًا . وَقَدْ اِسْتَحْسَنَ كَثِير مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار الْقِرَاءَة بِالتَّزْيِينِ وَالتَّرْجِيع . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب وَالْحَمْد لِلَّهِ . أَيْ وَقُلْنَا يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ , أَيْ سَبِّحِي مَعَهُ , لِأَنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق " [ ص : 18 ] . قَالَ أَبُو مَيْسَرَة : هُوَ التَّسْبِيح بِلِسَانِ الْحَبَشَة , وَمَعْنَى تَسْبِيح الْجِبَال : هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ , فِيهَا تَسْبِيحًا كَمَا خَلَقَ الْكَلَام فِي الشَّجَرَة , فَيُسْمَع مِنْهَا مَا يُسْمَع مِنْ الْمُسَبِّح مُعْجِزَة لِدَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . وَقِيلَ : الْمَعْنَى سِيرِي مَعَهُ حَيْثُ شَاءَ ; مِنْ التَّأْوِيب الَّذِي هُوَ سَيْر النَّهَار أَجْمَعَ وَمَنْزِل اللَّيْل . قَالَ اِبْن مُقْبِل : لَحِقْنَا بِحَيٍّ أَوَّبُوا السَّيْر بَعْدَمَا دَفَعْنَا شُعَاع الشَّمْس وَالطَّرْف يَجْنَح وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : " أَوِّبِي مَعَهُ " أَيْ رَجِّعِي مَعَهُ ; مِنْ آبَ يَئُوب إِذَا رَجَعَ , أَوْبًا وَأَوْبَة وَإِيَابًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلَى مَا يَتَصَرَّف عَلَيْهِ دَاوُد بِالنَّهَارِ , فَكَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُور صَوَّتَتْ الْجِبَال مَعَهُ , وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ الطَّيْر , فَكَأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا فَعَلَ . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : الْمَعْنَى نُوحِي مَعَهُ وَالطَّيْر تُسَاعِدهُ عَلَى ذَلِكَ , فَكَانَ إِذَا نَادَى بِالنِّيَاحَةِ أَجَابَتْهُ الْجِبَال بِصَدَاهَا , وَعَكَفَتْ الطَّيْر عَلَيْهِ مِنْ فَوْقه . فَصَدَى الْجِبَال الَّذِي يَسْمَعهُ النَّاس إِنَّمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم إِلَى هَذِهِ السَّاعَة ; فَأُيِّدَ بِمُسَاعَدَةِ الْجِبَال وَالطَّيْر لِئَلَّا يَجِد فَتْرَة , فَإِذَا دَخَلَتْ الْفَتْرَة اِهْتَاجَ , أَيْ ثَارَ وَتَحَرَّكَ , وَقَوِيَ بِمُسَاعَدَةِ الْجِبَال وَالطَّيْر . وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الصَّوْت مَا يَتَزَاحَم الْوُحُوش مِنْ الْجِبَال عَلَى حُسْن صَوْته , وَكَانَ الْمَاء الْجَارِي يَنْقَطِع عَنْ الْجَرْي وُقُوفًا لِصَوْتِهِ . " وَالطَّيْرُ " بِالرَّفْعِ قِرَاءَة اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَنَصْر عَنْ عَاصِم وَابْن هُرْمُز وَمَسْلَمَة بْن عَبْد الْمَلِك , عَطْفًا عَلَى لَفْظ الْجِبَال , أَوْ عَلَى الْمُضْمَر فِي " أَوِّبِي " وَحَسَّنَهُ الْفَصْل بِمَعَ . الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِع " يَا جِبَال " أَيْ نَادَيْنَا الْجِبَال وَالطَّيْر , قَالَهُ سِيبَوَيْهِ . وَعِنْد أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء بِإِضْمَارِ فِعْل عَلَى مَعْنَى وَسَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْر . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مَعْطُوف , أَيْ وَآتَيْنَاهُ الطَّيْر , حَمْلًا عَلَى " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلًا " . النَّحَّاس : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَفْعُولًا مَعَهُ , كَمَا تَقُول : اِسْتَوَى الْمَاء وَالْخَشَبَة . وَسَمِعْت الزَّجَّاج يُجِيز : قُمْت وَزَيْدًا , فَالْمَعْنَى أَوِّبِي مَعَهُ وَمَعَ الطَّيْر . قَالَ اِبْن عَبَّاس : صَارَ عِنْده كَالشَّمْعِ . وَقَالَ الْحَسَن : كَالْعَجِينِ , فَكَانَ يَعْمَلهُ مِنْ غَيْر نَار . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَ الْحَدِيد فِي يَده كَالطِّينِ الْمَبْلُول وَالْعَجِين وَالشَّمْع , يَصْرِفهُ كَيْف شَاءَ , مِنْ غَيْر إِدْخَال نَار وَلَا ضَرْب بِمِطْرَقَةٍ . وَقَالَهُ مُقَاتِل . وَكَانَ يَفْرُغ مِنْ الدِّرْع فِي بَعْض الْيَوْم أَوْ بَعْض اللَّيْل , ثَمَنهَا أَلْف دِرْهَم . وَقِيلَ : أُعْطِيَ قُوَّة يَثْنِي بِهَا الْحَدِيد , وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , لَمَّا مَلَكَ بَنِي إِسْرَائِيل لَقِيَ مَلَكًا وَدَاوُد يَظُنّهُ إِنْسَانًا , وَدَاوُد مُتَنَكِّر خَرَجَ يَسْأَل عَنْ نَفْسه وَسِيرَته فِي بَنِي إِسْرَائِيل فِي خَفَاء , فَقَالَ دَاوُد لِذَلِكَ الشَّخْص الَّذِي تَمَثَّلَ لَهُ : ( مَا قَوْلك فِي هَذَا الْمَلِك دَاوُد ) ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَك ( نِعْمَ الْعَبْد لَوْلَا خَلَّة فِيهِ ) قَالَ دَاوُد : ( وَمَا هِيَ ) ؟ قَالَ : ( يَرْتَزِق مِنْ بَيْت الْمَال وَلَوْ أَكَلَ مِنْ عَمَل يَده لَتَمَّتْ فَضَائِله ) . فَرَجَعَ فَدَعَا اللَّه فِي أَنْ يُعَلِّمهُ صَنْعَة وَيُسَهِّلهَا عَلَيْهِ , فَعَلَّمَهُ صَنْعَة لَبُوس كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء , فَأَلَانَ لَهُ الْحَدِيد فَصَنَعَ الدُّرُوع , فَكَانَ يَصْنَع الدِّرْع فِيمَا بَيْن يَوْمه وَلَيْلَته يُسَاوِي أَلْف دِرْهَم , حَتَّى اِدَّخَرَ مِنْهَا كَثِيرًا وَتَوَسَّعَتْ مَعِيشَة مَنْزِله , وَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين , وَكَانَ يُنْفِق ثُلُث الْمَال فِي مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ أَوَّل مَنْ اِتَّخَذَ الدُّرُوع وَصَنَعَهَا وَكَانَتْ قَبْل ذَلِكَ صَفَائِح . وَيُقَال : إِنَّهُ كَانَ يَبِيع كُلّ دِرْع مِنْهَا بِأَرْبَعَةِ آلَاف . وَالدِّرْع مُؤَنَّثَة إِذَا كَانَتْ لِلْحَرْبِ . وَدِرْع الْمَرْأَة مُذَكَّر . مَسْأَلَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى تَعَلُّم أَهْل الْفَضْل الصَّنَائِعَ , وَأَنَّ التَّحَرُّف بِهَا لَا يَنْقُص مِنْ مَنَاصِبهمْ , بَلْ ذَلِكَ زِيَادَة فِي فَضْلهمْ وَفَضَائِلهمْ ; إِذْ يَحْصُل لَهُمْ التَّوَاضُع فِي أَنْفُسهمْ وَالِاسْتِغْنَاء عَنْ غَيْرهمْ , وَكَسْب الْحَلَال الْخَلِيّ عَنْ الِامْتِنَان . وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ خَيْر مَا أَكَلَ الْمَرْء مِنْ عَمَلِ يَده وَإِنَّ نَبِيّ اللَّه دَاوُد كَانَ يَأْكُل مِنْ عَمَل يَده ) . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْأَنْبِيَاء مُجَوَّدًا وَالْحَمْد لِلَّهِ .

غريب الآية
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلࣰاۖ یَـٰجِبَالُ أَوِّبِی مَعَهُۥ وَٱلطَّیۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ ﴿١٠﴾
أَوِّبِیسَبِّحِي.
وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَجَعَلْنا الحديدَ في يدِهِ لَيِّناً، يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ.
الإعراب
(وَلَقَدْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَدْ) : حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(آتَيْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(دَاوُودَ)
مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَّا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فَضْلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَاجِبَالُ)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(جِبَالُ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(أَوِّبِي)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"يَاءُ الْمُخَاطَبَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَعَهُ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَالطَّيْرَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الطَّيْرَ) : مَفْعُولٌ مَعَهُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَلَنَّا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَلَنَّا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الْحَدِيدَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.