صفحات الموقع

سورة الأحزاب الآية ٣٤

سورة الأحزاب الآية ٣٤

وَٱذۡكُرۡنَ مَا یُتۡلَىٰ فِی بُیُوتِكُنَّ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا ﴿٣٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

واذكرن ما يتلى في بيوتكن من القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم, واعملن به, واقدرنه حق قدره, فهو من نعم الله عليكن, إن الله كان لطيفا بكن; إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والسنة, خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا.

التفسير الميسر

واذكرن ما يتلى في بيوتكن من القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، واعملن به، واقدُرْنه حقَّ قَدْره، فهو من نِعَم الله عليكن، إن الله كان لطيفًا بكنَّ؛ إذ جعلكنَّ في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والسنة، خبيرًا بكنَّ إذ اختاركنَّ لرسوله أزواجًا.

تفسير الجلالين

"وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه" الْقُرْآن "وَالْحِكْمَة" السُّنَّة "إنَّ اللَّه كَانَ لَطِيفًا" بِأَوْلِيَائِهِ "خَبِيرًا" بِجَمِيعِ خَلْقه

تفسير ابن كثير

فَإِنَّ سِيَاق الْكَلَام مَعَهُنَّ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْد هَذَا كُلّه " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة " أَيْ وَاعْمَلْنَ بِمَا يُنَزِّل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْر وَاحِد وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي خُصِّصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْن النَّاس أَنَّ الْوَحْي يَنْزِل فِي بُيُوتكُنَّ دُون سَائِر النَّاس وَعَائِشَة الصِّدِّيقَة بِنْت الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَوْلَاهُنَّ بِهَذِهِ النِّعْمَة وَأَحْظَاهُنَّ بِهَذِهِ الْغَنِيمَة وَأَخَصّهنَّ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَة الْعَمِيمَة فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْي فِي فِرَاش اِمْرَأَة سِوَاهَا كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء رَحِمَهُ اللَّه لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّج بِكْرًا سِوَاهَا وَلَمْ يَنَمْ مَعَهَا رَجُل فِي فِرَاشهَا سِوَاهُ وَرَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَنَاسَبَ أَنْ تُخَصَّصَ بِهَذِهِ الْمَزِيَّة وَأَنْ تَفَرَّد بِهَذِهِ الْمَرْتَبَة الْعَلِيَّة وَلَكِنْ إِذَا كَانَ أَزْوَاجه مِنْ أَهْل بَيْته فَقَرَابَته أَحَقّ بِهَذِهِ التَّسْمِيَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث وَأَهْل بَيْتِي أَحَقّ وَهَذَا يُشْبِه مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم فَقَالَ : هُوَ مَسْجِدِي هَذَا فَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيل فَإِنَّ الْآيَة إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي مَسْجِد قُبَاء كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَاكَ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم فَمَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِتَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْن جَمِيلَة قَالَ إِنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا اُسْتُخْلِفَ حِين قُتِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَ : فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِذْ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُل فَطَعَنَهُ بِخِنْجَرِهِ فَزَعَمَ حُصَيْن أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الَّذِي طَعَنَهُ رَجُل مِنْ بَنِي أَسَد وَحَسَن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَاجِد قَالَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ الطَّعْنَة وَقَعَتْ فِي وَرِكه فَمَرِضَ مِنْهَا أَشْهُرًا ثُمَّ بَرَأَ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ : يَا أَهْل الْعِرَاق اِتَّقُوا اللَّه فِينَا فَإِنَّا أُمَرَاؤُكُمْ وَضِيفَانكُمْ وَنَحْنُ أَهْل الْبَيْت الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى" إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا " قَالَ فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَد مِنْ أَهْل الْمَسْجِد إِلَّا وَهُوَ يَحِنّ بُكَاء وَقَالَ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي الدَّيْلَم قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الشَّام أَمَا قَرَأْت فِي الْأَحْزَاب " إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا " قَالَ نَعَمْ وَلَأَنْتُمْ هُمْ ؟ قَالَ نَعَمْ وَقَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا " أَيْ بِلُطْفِهِ بِكُنَّ بَلَغْتُنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَة وَبِخِبْرَتِهِ بِكُنَّ وَأَنَّكُنَّ أَهْل لِذَلِكَ أَعْطَاكُنَّ ذَلِكَ وَخَصَّكُنَّ بِذَلِكَ قَالَ اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُنَّ بِأَنْ جَعَلَكُنَّ فِي بُيُوت تُتْلَى فِيهَا آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة فَاشْكُرْنَ اللَّه عَلَى ذَلِكَ وَاحْمَدْنَهُ" إِنَّ اللَّه كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا " أَيْ ذَا لُطْف بِكُنَّ إِذْ جَعَلَكُنَّ فِي الْبُيُوت الَّتِي تُتْلَى فِيهَا آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة وَهِيَ السُّنَّة خَبِيرًا بِكُنَّ إِذْ اِخْتَارَكُنَّ لِرَسُولِهِ أَزْوَاجًا وَقَالَ قَتَادَة " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة " قَالَ يَمْتَنّ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ فِي قَوْله تَعَالَى" إِنَّ اللَّه كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا " يَعْنِي لَطِيفًا بِاسْتِخْرَاجِهَا خَبِيرًا بِمَوْضِعِهَا وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم ثُمَّ قَالَ وَكَذَا رَوَى الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ قَتَادَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِأَزْوَاجِ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْنَ نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُنَّ , بِأَنْ جَعَلَكُنَّ فِي بُيُوت تُتْلَى فِيهَا آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة , فَاشْكُرْنَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ , وَاحْمَدْنَهُ عَلَيْهِ ; وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه } وَاذْكُرْنَ مَا يُقْرَأ فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات كِتَاب اللَّه وَالْحِكْمَة ; وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ : مَا أُوحِيَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْكَام دِين اللَّه , وَلَمْ يَنْزِل بِهِ قُرْآن , وَذَلِكَ السُّنَّة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21741 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة } : أَيْ السُّنَّة , قَالَ : يَمْتَنّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ , وَقَوْله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّهَ كَانَ ذَا لُطْف بِكُنَّ , إِذْ جَعَلَكُنَّ فِي الْبُيُوت الَّتِي تُتْلَى فِيهَا آيَاته وَالْحِكْمَة , خَبِيرًا بِكُنَّ إِذْ اخْتَارَكُنَّ لِرَسُولِهِ أَزْوَاجًا.

تفسير القرطبي

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة " هَذِهِ الْأَلْفَاظ تُعْطِي أَنَّ أَهْل الْبَيْت نِسَاؤُهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي أَهْل الْبَيْت , مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ عَطَاء وَعِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس : هُمْ زَوْجَاته خَاصَّة , لَا رَجُل مَعَهُنَّ . وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْبَيْت أُرِيدَ بِهِ مَسَاكِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ " . وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ الْكَلْبِيّ : هُمْ عَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن خَاصَّة , وَفِي هَذَا أَحَادِيث . عَنْ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ " بِالْمِيمِ وَلَوْ كَانَ لِلنِّسَاءِ خَاصَّة لَكَانَ " عَنْكُنَّ وَيُطَهِّركُنَّ " , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَرَجَ عَلَى لَفْظ الْأَهْل , كَمَا يَقُول الرَّجُل لِصَاحِبِهِ : كَيْف أَهْلك , أَيْ اِمْرَأَتك وَنِسَاؤُك , فَيَقُول : هُمْ بِخَيْرٍ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّه رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت " [ هُود : 73 ] . وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ الْآيَة أَنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع أَهْل الْبَيْت مِنْ الْأَزْوَاج وَغَيْرهمْ . وَإِنَّمَا قَالَ : " وَيُطَهِّركُمْ " لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا كَانَ فِيهِمْ , وَإِذَا اِجْتَمَعَ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث غُلِّبَ الْمُذَكَّر , فَاقْتَضَتْ الْآيَة أَنَّ الزَّوْجَات مِنْ أَهْل الْبَيْت , لِأَنَّ الْآيَة فِيهِنَّ , وَالْمُخَاطَبَة لَهُنَّ يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام . وَاَللَّه أَعْلَمُ . أَمَّا إِنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي بَيْتِي , فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَة وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا , فَدَخَلَ مَعَهُمْ تَحْت كِسَاء خَيْبَرِيّ وَقَالَ : ( هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي ) - وَقَرَأَ الْآيَة - وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ) فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة : وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( أَنْتِ عَلَى مَكَانك وَأَنْتِ عَلَى خَيْر ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره وَقَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَالَتْ أُمّ سَلَمَة أَدْخَلْت رَأْسِي فِي الْكِسَاء وَقُلْت : أَنَا مِنْهُمْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : هُمْ بَنُو هَاشِم , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَيْت يُرَاد بِهِ بَيْت النَّسَب , فَيَكُون الْعَبَّاس وَأَعْمَامه وَبَنُو أَعْمَامه مِنْهُمْ . وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ زَيْد بْن أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَعَلَى قَوْل الْكَلْبِيّ يَكُون قَوْله : " وَاذْكُرْنَ " اِبْتِدَاء مُخَاطَبَة اللَّه تَعَالَى , أَيْ مُخَاطَبَة أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَزْوَاجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَى جِهَة الْمَوْعِظَة وَتَعْدِيد النِّعْمَة بِذِكْرِ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتهنَّ مِنْ آيَات اللَّه تَعَالَى وَالْحِكْمَة قَالَ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ : " آيَات اللَّه " الْقُرْآن . " وَالْحِكْمَة " السُّنَّة . وَالصَّحِيح أَنَّ قَوْله : " وَاذْكُرْنَ " مَنْسُوق عَلَى مَا قَبْله . وَقَالَ " عَنْكُمْ " لِقَوْلِهِ " أَهْل " فَالْأَهْل مُذَكَّر , فَسَمَّاهُنَّ - وَإِنْ كُنَّ إِنَاثًا - بِاسْمِ التَّذْكِير فَلِذَلِكَ صَارَ " عَنْكُمْ " . وَلَا اِعْتِبَار بِقَوْلِ الْكَلْبِيّ وَأَشْبَاهه , فَإِنَّهُ تُوجَد لَهُ أَشْيَاء فِي هَذَا التَّفْسِير مَا لَوْ كَانَ فِي زَمَن السَّلَف الصَّالِح لَمَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَحَجَرُوا عَلَيْهِ . فَالْآيَات كُلّهَا مِنْ قَوْله : " يَا أَيّهَا النَّبِيّ قُلْ لِأَزْوَاجِك - إِلَى قَوْله - إِنَّ اللَّه كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا " مَنْسُوق بَعْضهَا عَلَى بَعْض , فَكَيْف صَارَ فِي الْوَسَط كَلَامًا مُنْفَصِلًا لِغَيْرِهِنَّ وَإِنَّمَا هَذَا شَيْء جَرَى فِي الْأَخْبَار أَنَّ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن , فَعَمَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كِسَاء فَلَفَّهَا عَلَيْهِمْ , ثُمَّ أَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ) . فَهَذِهِ دَعْوَة مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بَعْد نُزُول الْآيَة , أَحَبَّ أَنْ يُدْخِلهُمْ فِي الْآيَة الَّتِي خُوطِبَ بِهَا الْأَزْوَاج , فَذَهَبَ الْكَلْبِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَصَيَّرَهَا لَهُمْ خَاصَّة , وَهِيَ دَعْوَة لَهُمْ خَارِجَة مِنْ التَّنْزِيل . الثَّانِيَة : لَفْظ الذِّكْر يَحْتَمِل ثَلَاثَة مَعَانٍ : أَحَدهَا : أَيْ اُذْكُرْنَ مَوْضِع النِّعْمَة , إِذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّه فِي بُيُوت تُتْلَى فِيهَا آيَات اللَّه وَالْحِكْمَة . الثَّانِي : اُذْكُرْنَ آيَات اللَّه وَاقْدُرْنَ قَدْرهَا , وَفَكِّرْنَ فِيهَا حَتَّى تَكُون مِنْكُنَّ عَلَى بَال لِتَتَّعِظْنَ بِمَوَاعِظ اللَّه تَعَالَى , وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ يَنْبَغِي أَنْ تَحْسُن أَفْعَاله . الثَّالِث : " اُذْكُرْنَ " بِمَعْنَى اِحْفَظْنَ وَاقْرَأْنَ وَأَلْزِمْنَهُ الْأَلْسِنَة , فَكَأَنَّهُ يَقُول : اِحْفَظْنَ أَوَامِر اللَّه تَعَالَى , وَنَوَاهِيَهُ , وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُتْلَى فِي بُيُوتكُنَّ مِنْ آيَات اللَّه . فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنْ يُخْبِرْنَ بِمَا يُنَزَّل مِنْ الْقُرْآن فِي بُيُوتهنَّ , وَمَا يَرَيْنَ مِنْ أَفْعَال النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَيَسْمَعْنَ مِنْ أَقْوَاله حَتَّى يُبَلِّغْنَ ذَلِكَ إِلَى النَّاس , فَيَعْمَلُوا وَيَقْتَدُوا . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى جَوَاز قَبُول خَبَر الْوَاحِد مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الدِّين . الثَّالِثَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذِهِ الْآيَة مَسْأَلَة بَدِيعَة , وَهِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِتَبْلِيغِ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآن , وَتَعْلِيم مَا عَلَّمَهُ مِنْ الدِّين , فَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَى وَاحِد أَوْ مَا اِتَّفَقَ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْض , وَكَانَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُبَلِّغهُ إِلَى غَيْره , وَلَا يَلْزَمهُ أَنْ يَذْكُرهُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَة , وَلَا كَانَ عَلَيْهِ إِذَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَزْوَاجه أَنْ يَخْرُج إِلَى النَّاس فَيَقُول لَهُمْ نَزَلَ كَذَا وَلَا كَانَ كَذَا , وَلِهَذَا قُلْنَا : يَجُوز الْعَمَل بِخَبَرِ بُسْرَة فِي إِيجَاب الْوُضُوء مِنْ مَسّ الذَّكَر , لِأَنَّهَا رَوَتْ مَا سَمِعَتْ وَبَلَّغَتْ مَا وَعَتْ . وَلَا يَلْزَم أَنْ يُبَلِّغ ذَلِكَ الرِّجَال , كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة , عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر .

غريب الآية
وَٱذۡكُرۡنَ مَا یُتۡلَىٰ فِی بُیُوتِكُنَّ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا ﴿٣٤﴾
وَٱلۡحِكۡمَةِۚالسُّنَّةِ النَّبَويَّةِ.
الإعراب
(وَاذْكُرْنَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اذْكُرْنَ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"نُونُ الْإِنَاثِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(يُتْلَى)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بُيُوتِكُنَّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(آيَاتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْحِكْمَةِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْحِكْمَةِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَطِيفًا)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَجُمْلَةُ: (كَانَ ...) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(خَبِيرًا)
خَبَرُ كَانَ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.