صفحات الموقع

سورة الروم الآية ٢٧

سورة الروم الآية ٢٧

وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٢٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

والله وحده الذي يبدأ الخلق من العدم ثم يعيده حيا بعد الموت, وإعادة الخلق حيا بعد الموت أهون على الله من ابتداء خلقهم, وكلاهما عليه هين. وله سبحانه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير. وهو العزيز الذي لا يغالب, الحكيم في أقواله وأفعاله, وتدبير أمور خلقه.

التفسير الميسر

والله وحده الذي يبدأ الخلق من العدم ثم يعيده حيًا بعد الموت، وإعادة الخلق حيًا بعد الموت أهون على الله من ابتداء خلقهم، وكلاهما عليه هيِّن. وله سبحانه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهو العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في أقواله وأفعاله، وتدبير أمور خلقه.

تفسير الجلالين

"وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق" لِلنَّاسِ "ثُمَّ يُعِيدهُ" بَعْد هَلَاكهمْ "وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ" مِنْ الْبَدْء بِالنَّظَرِ إلَى مَا عِنْد الْمُخَاطَبِينَ مِنْ أَنَّ إعَادَة الشَّيْء أَسْهَل مِنْ ابْتِدَائِهِ وَإِلَّا فَهُمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى سَوَاء فِي السُّهُولَة "وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ الصِّفَة الْعُلْيَا وَهِيَ أَنَّهُ لَا إلَه إلَّا اللَّه "وَهُوَ الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْحَكِيم" فِي خَلْقه

تفسير ابن كثير

قَوْله " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " قَالَ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي أَيْسَر عَلَيْهِ وَقَالَ مُجَاهِد الْإِعَادَة أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ الْبُدَاءَة وَالْبُدَاءَة عَلَيْهِ هَيِّنَة وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَغَيْره وَرَوَى الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان أَخْبَرَنَا شُعَيْب أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ فَقَوْله لَنْ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّل الْخَلْق بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَته وَأَمَّا شَتْمه إِيَّايَ فَقَوْله اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد الَّذِي لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد " اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيّ كَمَا اِنْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْ حَسَن بْن مُوسَى عَنْ اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا أَبُو يُونُس سُلَيْم بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ كِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُدْرَة عَلَى السَّوَاء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس كُلّ عَلَيْهِ هَيِّن وَكَذَا قَالَهُ الرَّبِيع بْن خَيْثَم وَمَالَ إِلَيْهِ اِبْن جَرِير وَذَكَرَ عَلَيْهِ شَوَاهِد كَثِيرَة قَالَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود الضَّمِير فِي قَوْله " وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " إِلَى الْخَلْق أَيْ وَهُوَ أَهْوَن عَلَى الْخَلْق . وَقَوْله " وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس كَقَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " وَقَالَ قَتَادَة مِثْلَهُ إِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَا رَبّ غَيْره وَقَالَ مِثْل هَذَا اِبْن جَرِير . وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ عِنْد ذِكْر هَذِهِ الْآيَة لِبَعْضِ أَهْل الْمَعَارِف . إِذَا سَكَنَ الْغَدِير عَلَى صَفَاء وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكهُ النَّسِيم يُرَى فِيهِ السَّمَاء بِلَا اِمْتِرَاء كَذَاك الشَّمْس تَبْدُو وَالنُّجُوم كَذَاك قُلُوب أَرْبَاب التَّجَلِّي يُرَى فِي صَفْوهَا اللَّه الْعَظِيم وَهُوَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يُغَالَب وَلَا يُمَانَع بَلْ قَدْ غَلَبَ كُلّ شَيْء وَقَهَرَ كُلّ شَيْء بِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانه الْحَكِيم فِي أَقْوَاله وَأَفْعَاله شَرْعًا وَقَدَرًا وَعَنْ مَالِك فِي تَفْسِيره الْمَرْوِيّ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى " قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِي لَهُ هَذِهِ الصِّفَات تَبَارَكَ وَتَعَالَى , هُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق مِنْ غَيْر أَصْل فَيُنْشِئهُ وَيُوجِدهُ , بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا , ثُمَّ يُفْنِيه بَعْد ذَلِكَ , ثُمَّ يُعِيدهُ , كَمَا بَدَأَهُ بَعْد فَنَائِهِ , وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل , فِي مَعْنَى قَوْله : { وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَهُوَ هَيِّن عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21276 -حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الْعَطَّار , عَنْ سُفْيَان عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ مُنْذِر الثَّوْرِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن خَيْثَم { وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } قَالَ : مَا شَيْء عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ. 21277 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } يَقُول : كُلّ شَيْء عَلَيْهِ هَيِّن. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَإِعَادَة الْخَلْق بَعْد فَنَائِهِمْ أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ اِبْتِدَاء خَلْقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21278 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } قَالَ : يَقُول : أَيْسَر عَلَيْهِ . 21279 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } قَالَ : الْإِعَادَة أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ الْبُدَاءَة , وَالْبُدَاءَة عَلَيْهِ هَيِّن . 21280 - حَدَّثني اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة قَرَأَ هَذَا الْحَرْف { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } قَالَ : تَعَجَّبَ الْكُفَّار مِنْ إِحْيَاء اللَّه الْمَوْتَى , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ , وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } إِعَادَة الْخَلْق أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ إِبْدَاء الْخَلْق . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِعَادَة الْخَلْق أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ اِبْتِدَائِهِ . 21281 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ } : يَقُول : إِعَادَته أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ بَدْئِهِ , وَكُلّ عَلَى اللَّه هَيِّن . وَفِي بَعْض الْقِرَاءَة : وَكُلّ عَلَى اللَّه هَيِّن . وَقَدْ يَحْتَمِل هَذَا الْكَلَام وَجْهَيْنِ , غَيْر الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْت , وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ , وَهُوَ أَهْوَن عَلَى الْخَلْق : أَيْ إِعَادَة الشَّيْء أَهْوَن عَلَى الْخَلْق مِنْ اِبْتِدَائِهِ . وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْخَبَر الَّذِي حَدَّثني بِهِ اِبْن سَعْد , قَوْل أَيْضًا لَهُ وَجْه . وَقَدْ وَجَّهَ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة قَوْل ذِي الرُّمَّة : أَخِي قَفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِي عِظَامه شُفَافَات أَعْجَاز الْكَرَى فَهُوَ أَخْضَع إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى خَاضِع ; وَقَوْل الْآخَر : لَعَمْرك إِنَّ الزِّبْرِقَان لَبَاذِل لِمَعْرُوفِهِ عِنْد السِّنِينَ وَأَفْضَل كَرِيم لَهُ عَنْ كُلّ ذَمّ تَأَخُّرٌ وَفِي كُلّ أَسْبَاب الْمَكَارِم أَوَّل إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : وَفَاضِل ; وَقَوْل مَعْن : لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَل عَلَى أَيّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّة أَوَّل إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : وَإِنِّي لَوَجِل ; وَقَوْل الْآخَر : تَمَنَّى مُرَيْء الْقَيْس مَوْتِي وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيل لَسْت فِيهَا بِأَوْحَدِ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : لَسْت فِيهَا بِوَاحِدٍ ; وَقَوْل الْفَرَزْدَق : إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاء بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمه أَعَزُّ وَأَطْوَلُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : عَزِيزَة طَوِيلَة . قَالُوا : وَمِنْهُ قَوْلهمْ فِي الْأَذَان : اللَّه أَكْبَر , بِمَعْنَى : اللَّه كَبِير ; وَقَالُوا : إِنْ قَالَ قَائِل : إِنَّ اللَّه لَا يُوصَف بِهَذَا , وَإِنَّمَا يُوصَف بِهِ الْخَلْق , فَزَعَمَ أَنَّهُ وَهُوَ أَهْوَن عَلَى الْخَلْق , فَإِنَّ الْحُجَّة عَلَيْهِ قَوْل اللَّه : { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرًا } 4 30 وَقَوْله : { وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا } 2 255 أَيْ لَا يُثْقِلهُ حِفْظهمَا. وَقَوْله : { وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى } يَقُول : وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء , فَذَلِكَ الْمَثَل الْأَعْلَى , تَعَالَى رَبّنَا وَتَقَدَّسَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21282 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات } يَقُول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . 21283 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض } مَثَله أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَلَا رَبّ غَيْره . وَقَوْله : { وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهُوَ الْعَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِنْ أَعْدَائِهِ , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره خَلْقه , وَتَصْرِيفهمْ فِيمَا أَرَادَ مِنْ إِحْيَاء وَإِمَاتَة , وَبَعْث وَنَشْر , وَمَا شَاءَ .

تفسير القرطبي

أَمَّا بَدْء خَلْقه فَبِعُلُوقِهِ فِي الرَّحِم قَبْل وِلَادَته , وَأَمَّا إِعَادَته فَإِحْيَاؤُهُ بَعْد الْمَوْت بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَة لِلْبَعْثِ ; فَجَعَلَ مَا عَلِمَ مِنْ اِبْتِدَاء خَلْقه دَلِيلًا عَلَى مَا يَخْفَى مِنْ إِعَادَته ; اِسْتِدْلَالًا بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِب , ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر : " يُبْدِئ الْخَلْق " مِنْ أَبْدَأَ يُبْدِئ ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئ وَيُعِيد " [ الْبُرُوج : 13 ] . وَدَلِيل قِرَاءَة الْعَامَّة قَوْله سُبْحَانه : " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " [ الْأَعْرَاف : 29 ] " أَهْوَن " بِمَعْنَى هَيِّن ; أَيْ الْإِعَادَة هَيِّن عَلَيْهِ ; قَالَهُ الرَّبِيع بْن خُثَيْم وَالْحَسَن . فَأَهْوَن بِمَعْنَى هَيِّن ; لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ شَيْء . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَمَنْ جَعَلَ أَهْوَن يُعَبِّر عَنْ تَفْضِيل شَيْء عَلَى شَيْء فَقَوْله مَرْدُود بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرًا " [ النِّسَاء : 30 ] وَبِقَوْلِهِ : " وَلَا يَئُودهُ حِفْظهمَا " [ الْبَقَرَة : 255 ] . وَالْعَرَب تَحْمِل أَفْعَل عَلَى فَاعِل , وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاء بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمه أَعَزّ وَأَطْوَل أَيْ دَعَائِمه عَزِيزَة طَوِيلَة . وَقَالَ آخَر : لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَل عَلَى أَيّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّة أَوَّل أَرَادَ : إِنِّي لَوَجِل . وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة أَيْضًا : إِنِّي لَأَمْنَحك الصُّدُود وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْك مَعَ الصُّدُود لَأَمْيَل أَرَادَ لَمَائِل . وَأَنْشَدَ أَحْمَد بْن يَحْيَى : تَمَنَّى رِجَال أَنْ أَمُوت وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيل لَسْت فِيهَا بِأَوْحَدِ أَرَادَ بِوَاحِدٍ . وَقَالَ آخَر : لَعَمْرك إِنَّ الزِّبْرِقَان لَبَاذِل لِمَعْرُوفِهِ عِنْد السِّنِينَ وَأَفْضَل أَيْ وَفَاضِل . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : اللَّه أَكْبَر ; إِنَّمَا مَعْنَاهُ اللَّه الْكَبِير . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود " وَهُوَ عَلَيْهِ هَيِّن " . وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك : إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِعَادَة أَهْوَن عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى اللَّه - مِنْ الْبِدَايَة ; أَيْ أَيْسَر , وَإِنْ كَانَ جَمِيعه عَلَى اللَّه تَعَالَى هَيِّنًا ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَوَجْهه أَنَّ هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ ; يَقُول : إِعَادَة الشَّيْء عَلَى الْخَلَائِق أَهْوَن مِنْ اِبْتِدَائِهِ ; فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْبَعْث لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْبِدَايَة عِنْدكُمْ وَفِيمَا بَيْنكُمْ أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ الْإِنْشَاء . وَقِيلَ : الضَّمِير فِي " عَلَيْهِ " لِلْمَخْلُوقِينَ ; أَيْ وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ , أَيْ عَلَى الْخَلْق , يُصَاح بِهِمْ صَيْحَة وَاحِدَة فَيَقُومُونَ وَيُقَال لَهُمْ : كُونُوا فَيَكُونُونَ ; فَذَلِكَ أَهْوَن عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ أَجِنَّة ثُمَّ أَطْفَالًا ثُمَّ غِلْمَانًا ثُمَّ شُبَّانًا ثُمَّ رِجَالًا أَوْ نِسَاء . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقُطْرُب . وَقِيلَ أَهْوَن أَسْهَل ; قَالَ : وَهَانَ عَلَى أَسْمَاء أَنْ شَطَّتْ النَّوَى يَحِنّ إِلَيْهَا وَالِه وَيَتُوق أَيْ سَهْل عَلَيْهَا , وَقَالَ الرَّبِيع بْن خُثَيْم فِي قَوْله تَعَالَى : " وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " قَالَ : مَا شَيْء عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ . عِكْرِمَة : تَعَجَّبَ الْكُفَّار مِنْ إِحْيَاء اللَّه الْمَوْتَى فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . " وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى " أَيْ مَا أَرَادَهُ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ . وَقَالَ الْخَلِيل : الْمَثَل الصِّفَة ; أَيْ وَلَهُ الْوَصْف الْأَعْلَى " فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض " كَمَا قَالَ : " مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " [ الرَّعْد : 35 ] أَيْ صِفَتهَا . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي ذَلِكَ . وَعَنْ مُجَاهِد : " الْمَثَل الْأَعْلَى " قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; وَمَعْنَاهُ : أَيْ الَّذِي لَهُ الْوَصْف الْأَعْلَى , أَيْ الْأَرْفَع الَّذِي هُوَ الْوَصْف بِالْوَحْدَانِيَّةِ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَة : إِنَّ الْمَثَل الْأَعْلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; وَيُعَضِّدهُ قَوْله تَعَالَى : " ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ " عَلَى مَا نُبَيِّنهُ آنِفًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ الزَّجَّاج : " وَلَهُ الْمَثَل الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض " أَيْ قَوْله : " وَهُوَ أَهْوَن عَلَيْهِ " قَدْ ضَرَبَهُ لَكُمْ مَثَلًا فِيمَا يَصْعُب وَيَسْهُل ; يُرِيد التَّفْسِير الْأَوَّل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء الْعَزِيز الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْك مَا تُرِيدهُ ; الْحَكِيم فِيمَا تَفْعَلهُ

غريب الآية
وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿٢٧﴾
یَبۡدَؤُا۟يُنْشِئُ ابتِدَاءً.
یُعِیدُهُۥيُعِيدُ الخَلْقَ مِن بَعْدِ فَنائِهِ.
یَبۡدَؤُا۟يُنْشِئُ.
أَهۡوَنُهيِّنٌ وَيَسِيرُ.
ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰالوصْفُ الأَعْلى.
الإعراب
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(الَّذِي)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ.
(يَبْدَأُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْخَلْقَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(يُعِيدُهُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَهْوَنُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَيْهِ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَلَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(الْمَثَلُ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْأَعْلَى)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(السَّمَاوَاتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْأَرْضِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(الْعَزِيزُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَكِيمُ)
خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَإِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.