صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ٩٢

سورة آل عمران الآية ٩٢

لَن تَنَالُوا۟ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِیمࣱ ﴿٩٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

يعني: لن تنالوا وتدركوا البر, الذي هو: اسم جامع للخيرات, وهو الطريق الموصل إلى الجنة حتى تنفقوا مما تحبون, من أطيب أموالكم وأزكاها. فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس, من أكبر الأدلة على سماحة النفس, واتصافها بمكارم الأخلاق, ورحمتها, ورقتها. ومن أول الدلائل على محبة الله, وتقديم محبته على محبة الأموال, التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها. فمن آثر محبة الله على محبة نفسه, فقد بلغ الذروة العليا من الكمال. وكذلك من أنفق الطيبات, وأحسن إلى عباد الله, أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا, لا تحصل بدون هذه الحالة. وأيضا فمن قام بهذه النفقة على هذا الوجه, كان قيامه ببقية الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة, من طريق الأولى والأحرى. ومع أن النفقة من الطيبات, هي أكمل الحالات. فمهما أنفق العبد, من نفقة قليلة أو كثيرة, من طيب أو غيره, فإن الله به عليم. وسيجزي كل منفق, بحسب عمله, سيجزيه في الدنيا بالخلف العاجل, وفي الآخرة بالنعيم الآجل.

التفسير الميسر

لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله.

تفسير الجلالين

"لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ" أَيْ ثَوَابه وَهُوَ الْجَنَّة "حَتَّى تُنْفِقُوا" تَصَدَّقُوا "مِمَّا تُحِبُّونَ" مِنْ أَمْوَالكُمْ "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم" فَيُجَازِي عَلَيْهِ

تفسير ابن كثير

رَوَى وَكِيع فِي تَفْسِيره عَنْ شَرِيك عَنْ أَبِي إِسْحَق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ " قَالَ الْجَنَّة وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا مَالِك عَنْ أَبِي إِسْحَق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يَقُول : كَانَ أَبُو طَلْحَة أَكْثَر الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَاله إِلَيْهِ بَيْرُحَاء وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَة الْمَسْجِد وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلهَا وَيَشْرَب مِنْ مَاء فِيهَا طَيِّب قَالَ أَنَس : فَلَمَّا نَزَلَتْ " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " قَالَ أَبُو طَلْحَة : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اللَّه يَقُول " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاء وَإِنَّهَا صَدَقَة لِلَّهِ أَرْجُو بِهَا بِرّهَا وَذُخْرهَا عِنْد اللَّه تَعَالَى يَا رَسُول اللَّه حَيْثُ أَرَاك اللَّه فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَال رَابِح ذَاكَ مَال رَابِح وَقَدْ سَمِعْت وَأَنَا أَرَى أَنْ تَجْعَلهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَة : أَفْعَل يَا رَسُول اللَّه فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَة فِي أَقَارِبه وَبَنِي عَمّه أَخْرَجَاهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَس عِنْدِي مِنْ سَهْمِي الَّذِي هُوَ بِخَيْبَرَ فَمَا تَأْمُرنِي بِهِ ؟ قَالَ " فَاحْبِسْ الْأَصْل وَسَبِّلْ الثَّمَرَة " وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار : حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّاب زِيَاد بْن يَحْيَى الْحَسَّانِيّ حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي عَمْرو بْن حَمَاس عَنْ حَمْزَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه حَضَرَتْنِي هَذِهِ الْآيَة " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " فَذَكَرْت مَا أَعْطَانِي اللَّه فَلَمْ أَجِد شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَة لِي رُومِيَّة فَقُلْت : هِيَ حُرَّة لِوَجْهِ اللَّه فَلَوْ أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جَعَلْته لِلَّهِ لَنَكَحْتهَا يَعْنِي تَزَوَّجْتهَا.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَنْ تُدْرِكُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْبِرّ , وَهُوَ الْبِرّ مِنْ اللَّه الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنْهُ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَعِبَادَتهمْ لَهُ , وَيَرْجُونَهُ مِنْهُ , وَذَلِكَ تَفَضُّله عَلَيْهِمْ بِإِدْخَالِهِ جَنَّته , وَصَرْف عَذَابه عَنْهُمْ ; وَلِذَلِكَ قَالَ كَثِير مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : الْبِرّ : الْجَنَّة , لِأَنَّ بِرّ الرَّبّ بِعَبْدِهِ فِي الْآخِرَة وَإِكْرَامه إِيَّاهُ بِإِدْخَالِهِ الْجَنَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 5835 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ شَرِيك , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون فِي قَوْله : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ } قَالَ : الْجَنَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون فِي قَوْله : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ } قَالَ : الْبِرّ : الْجَنَّة . 5836 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ } أَمَّا الْبِرّ . فَالْجَنَّة . فَتَأْوِيل الْكَلَام : لَنْ تَنَالُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ جَنَّة رَبّكُمْ , حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ , يَقُول : حَتَّى تَتَصَدَّقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَتَهْوُونَ أَنْ يَكُون لَكُمْ مِنْ نَفِيس أَمْوَالكُمْ . كَمَا : 5837 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } يَقُول : لَنْ تَنَالُوا بِرّ رَبّكُمْ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا يُعْجِبكُمْ وَمِمَّا تَهْوُونَ مِنْ أَمْوَالكُمْ . 5838 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قَالَ : مِنْ الْمَال . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَمَهْمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فَتَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالكُمْ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِمَا يَتَصَدَّق بِهِ الْمُتَصَدِّق مِنْكُمْ , فَيُنْفِقهُ مِمَّا يُحِبّ مِنْ مَاله فِي سَبِيل اللَّه , وَغَيْر ذَلِكَ عَلِيم , يَقُول : هُوَ ذُو عِلْم بِذَلِكَ كُلّه , لَا يَعْزُب عَنْهُ شَيْء مِنْهُ حَتَّى يُجَازِي صَاحِبه عَلَيْهِ جَزَاءَهُ فِي الْآخِرَة . كَمَا : 5839 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم } يَقُول : مَحْفُوظ لَكُمْ ذَلِكَ اللَّه بِهِ عَلِيم شَاكِر لَهُ . وَبِنَحْوِ التَّأْوِيل الَّذِي قُلْنَا تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَة جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5840 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قَالَ : كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنْ يَبْتَاع لَهُ جَارِيَة مِنْ جَلُولَاء يَوْم فُتِحَتْ مَدَائِن كِسْرَى فِي قِتَال سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَدَعَا بِهَا عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه يَقُول : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } فَأَعْتَقَهَا عُمَر . وَهِيَ مِثْل قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } 76 8 { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة } 59 9 * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله سَوَاء . 5841 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ حُمَيْد , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } أَوْ هَذِهِ الْآيَة : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا } 2 245 قَالَ أَبُو طَلْحَة : يَا رَسُول اللَّه حَائِطِي الَّذِي بِكَذَا وَكَذَا صَدَقَة , وَلَوْ اِسْتَطَعْت أَنْ أَجْعَلهُ سِرًّا لَمْ أَجْعَلهُ عَلَانِيَة . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِجْعَلْهَا فِي فُقَرَاء أَهْلِك " . 5842 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قَالَ أَبُو طَلْحَة : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ اللَّه يَسْأَلنَا مِنْ أَمْوَالنَا , اِشْهَدْ أَنِّي قَدْ جَعَلْت أَرْضِيّ بِأَرِيحَا لِلَّهِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِجْعَلْهَا فِي قَرَابَتك " . فَجَعَلَهَا بَيْن حَسَّان بْن ثَابِت وَأُبَيّ بْن كَعْب . 5843 - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا ذَرّ أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل ؟ قَالَ : الصَّلَاة عِمَاد الْإِسْلَام , وَالْجِهَاد : سَنَام الْعَمَل , وَالصَّدَقَة شَيْء عَجِيب . فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ لَقَدْ تَرَكْت شَيْئًا هُوَ أَوْثَق عَمَلِي فِي نَفْسِي لَا أَرَاك ذَكَرْته ! فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : الصِّيَام , فَقَالَ : قُرْبَة , وَلَيْسَ هُنَاكَ ! وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } . 5844 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي دَاوُد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَكِّيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حُسَيْن , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } جَاءَ زَيْد بِفَرَسٍ لَهُ يُقَال لَهَا : " سَبَل " إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذِهِ يَا رَسُول اللَّه ! فَأَعْطَاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْنَة أُسَامَة بْن زَيْد بْن حَارِثَة , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّق بِهِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتك " . 5845 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب وَغَيْره : أَنَّهَا حِين نَزَلَتْ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } جَاءَ زَيْد بْن حَارِثَة بِفَرَسٍ لَهُ كَانَ يُحِبّهَا , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذِهِ فِي سَبِيل اللَّه ! فَحَمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا أُسَامَة بْن زَيْد , فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجَدَ فِي نَفْسه , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَمَا إِنَّ اللَّه قَدْ قَبِلَهَا " .

تفسير القرطبي

رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " قَالَ أَبُو طَلْحَة : إِنَّ رَبّنَا لَيَسْأَلنَا مِنْ أَمْوَالنَا فَأُشْهِدك يَا رَسُول اللَّه أَنِّي جَعَلْت أَرْضِي لِلَّهِ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِجْعَلْهَا فِي قَرَابَتك فِي حَسَّان بْن ثَابِت وَأُبَيّ بْن كَعْب ) . وَفِي الْمُوَطَّأ " وَكَانَتْ أَحَبّ أَمْوَاله إِلَيْهِ بِئْر حَاء , وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَة الْمَسْجِد , وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلهَا وَيَشْرَب مِنْ مَاء فِيهَا طَيِّب " . وَذَكَرَ الْحَدِيث . فَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى اِسْتِعْمَال ظَاهِر الْخِطَاب وَعُمُومه ; فَإِنَّ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ فَحْوَى الْخِطَاب حِينَ نَزَلَتْ الْآيَة غَيْر ذَلِكَ . أَلَا تَرَى أَبَا طَلْحَة حِينَ سَمِعَ " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا " الْآيَة , لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقِف حَتَّى يَرُدّ الْبَيَان الَّذِي يُرِيد اللَّه أَنْ يُنْفِق مِنْهُ عِبَاده بِآيَةٍ أُخْرَى أَوْ سُنَّة مُبَيِّنَة لِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَشْيَاء كَثِيرَة . وَكَذَلِكَ فَعَلَ زَيْد بْن حَارِثَة , عَمَدَ مِمَّا يُحِبّ إِلَى فَرَس يُقَال لَهُ ( سَبَل ) وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ لِي مَال أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ فَرَسِي هَذِهِ ; فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا فِي سَبِيل اللَّه . فَقَالَ لِأُسَامَة بْن زَيْد ( اِقْبِضْهُ ) . فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه قَدْ قَبِلَهَا مِنْك ) . ذَكَرَهُ أَسَد بْن مُوسَى . وَأَعْتَقَ اِبْن عُمَر نَافِعًا مَوْلَاهُ , وَكَانَ أَعْطَاهُ فِيهِ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَلْف دِينَار . قَالَتْ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْدَة : أَظُنّهُ تَأَوَّلَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " . وَرَوَى شِبْل عَنْ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنْ يَبْتَاع لَهُ جَارِيَة مِنْ سَبْي جَلُولَاء يَوْم فَتْح مَدَائِن كِسْرَى ; فَقَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص : فَدَعَا بِهَا عُمَر فَأَعْجَبَتْهُ , فَقَالَ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " فَأَعْتَقَهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمّ وَلَد الرَّبِيع بْن خَيْثَم قَالَتْ : كَانَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِل يَقُول لِي : يَا فُلَانَة أَعْطِي السَّائِل سُكَّرًا , فَإِنَّ الرَّبِيع يُحِبّ السُّكَّر . قَالَ سُفْيَان : يَتَأَوَّل قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : " لَنْ تَنَالُوا الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي أَعْدَالًا مِنْ سُكَّر وَيَتَصَدَّق بِهَا . فَقِيلَ لَهُ : هَلَّا تَصَدَّقْت بِقِيمَتِهَا ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ السُّكَّر أَحَبّ إِلَيَّ فَأَرَدْت أَنْ أُنْفِق مِمَّا أُحِبّ . وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ , وَلَا تُدْرِكُوا مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل " الْبِرّ " فَقِيلَ الْجَنَّة ; عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَعَمْرو بْن مَيْمُون وَالسُّدِّيّ . وَالتَّقْدِير لَنْ تَنَالُوا ثَوَاب الْبِرّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وَالنَّوَال الْعَطَاء , مِنْ قَوْلك نَوَّلْته تَنْوِيلًا أَعْطَيْته . وَنَالَنِي مِنْ فُلَان مَعْرُوف يَنَالنِي , أَوْ وَصَلَ إِلَيَّ . فَالْمَعْنَى لَنْ تَصِلُوا إِلَى الْجَنَّة وَتُعْطَوْهَا حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وَقِيلَ : الْبِرّ الْعَمَل الصَّالِح . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ) . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة . قَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : يَعْنِي الطَّاعَة . عَطَاء : لَنْ تَنَالُوا شَرَف الدِّين وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُوا وَأَنْتُمْ أَصِحَّاء أَشِحَّاء تَأْمُلُونَ الْعَيْش وَتَخْشَوْنَ الْفَقْر . وَعَنْ الْحَسَن " حَتَّى تُنْفِقُوا " هِيَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة . مُجَاهِد وَالْكَلْبِيّ : هِيَ مَنْسُوخَة , نَسَخَتْهَا آيَة الزَّكَاة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فِي سَبِيل الْخَيْر مِنْ صَدَقَة أَوْ غَيْرهَا مِنْ الطَّاعَات , وَهَذَا جَامِع . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ صَعْصَعَة بْن مُعَاوِيَة قَالَ : لَقِيت أَبَا ذَرّ قَالَ : قُلْت : حَدِّثْنِي قَالَ : نَعَمْ . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْد مُسْلِم يُنْفِق مِنْ كُلّ مَاله زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا اِسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَة الْجَنَّة كُلّهمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْده ) . قُلْت : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَتْ إِبِلًا فَبَعِيرَيْنِ , وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا فَبَقَرَتَيْنِ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : دَلَّهُمْ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى الْفُتُوَّة . أَيْ لَنْ تَنَالُوا بِرِّي بِكُمْ إِلَّا بِبِرِّكُمْ بِإِخْوَانِكُمْ وَالْإِنْفَاق عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَجَاهكُمْ ; فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ نَالَكُمْ بِرِّي وَعَطْفِي . قَالَ مُجَاهِد : وَهُوَ مِثْل قَوْله : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا " [ الْإِنْسَان : 8 ] . أَيْ وَإِذَا عَلِمَ جَازَى عَلَيْهِ .

غريب الآية
لَن تَنَالُوا۟ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِیمࣱ ﴿٩٢﴾
ٱلۡبِرَّالجنةَ.
الإعراب
(لَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَنَالُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الْبِرَّ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَتَّى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُنْفِقُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِمَّا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(تُحِبُّونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : اسْمُ شَرْطٍ جَازِمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(تُنْفِقُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَيْءٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنَّ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(عَلِيمٌ)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.